← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

مَضْمونةٍ. وإنْ ذهَبَ أقلُّ، فلِلْمُقْتَصِّ دِيَةُ ما بَقِىَ؛ لأنَّه لم يَسْتَوْفِ بَدَلَه. فصل: وإذا قَطَعَ لسانَ صغيرٍ لم يتكلَّمْ لطُفوليَّتِه، وجبَتْ دِيَتُه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأنَّه لسانٌ لا كلامَ فيه، فلم تجبْ فيه دِيَةٌ، كلسانِ الأخْرَسِ. ولَنا، أنَّ ظاهرَه السَّلامةُ، وإنَّما لم يتكلَّمْ لأنَّه لا يُحْسِنُ الكلامَ، فوجَبتْ به الدِّيَةُ كالكبيرِ، ويُخالِفُ الأخْرسَ؛ فإنَّه عُلِمَ أنَّه أشَلُّ، ألا تَرَى أن أعضَاءَه لا (٢٣) يَبْطِشُ بها، وتجبُ فيها الدِّيَةُ. وإنْ بلغَ حَدًّا يتكلَّمُ مثلُه، فلم يتكلَّمْ، فقَطَعَ لسانَه، لم تجبْ فيه الدِّيَةُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه لا يقْدِرُ على الكلامِ، ويَجبُ فيه ما يجبُ في لِسانِ الأخْرَسِ. وإنْ كَبِرَ فنطَقَ ببعضِ الحروفِ، وجبَ فيه بقَدْرِ ما ذهَب من الحروفِ؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أنَّه كان ناطِقًا. وإن كان قد بلغَ إلى حدٍّ يتحرَّكُ بالبكاءِ وغيرِه، فلم يتحرَّكْ، فقطعَه قاطِعٌ، فلا دِيَةَ فيه؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لو كانَ صحيحًا لتحرَّكَ. وإنْ لم يَبْلغْ إلى حَدٍّ يتحرَّك، ففيه الدِّيَةُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ سَلامتُه. وإن قَطَعَ لِسانَ كبيرٍ، وادَّعَى أنَّه كان أخْرَسَ، ففيه مثلُ ما ذكرْنا فيما إذا اخْتلَفا في شَللِ العُضْوِ المَقْطوعِ، على مَا ذكرْناه فيما مَضَى. فصل: وإِنْ جَنَى عليه، فذَهبَ كلامُه أو ذَوْقُه، ثم عادَ، لم تجبْ الدِّيَةُ؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أنَّه لم يذْهَب، ولو ذهبَ لم يَعُدْ، وإن كان قد أخذَ الدِّيةَ ردَّها. وإن قَطَعَ لسانَه، فعادَ، لم تجب الدِّيَةُ أيضًا، وإنْ كانَ قدْ أخذَها ردَّها. قالَه أبو بكر. وظاهرُ مذهب الشَّافعىِّ، أنَّه لا يَرُدُّ الدِّيَة؛ لأنَّ العادة لم تَجْرِ بعَوْدِه، واختِصَاصُ هذا بعَوْدِه يدُلُّ على أنَّه هِبَةٌ مُجَدَّدةٌ. ولَنا، أنَّه عادَ ما وجبَتْ فيه (٢٤) الدِّيَةُ، فوجبَ ردُّ الدِّيَةِ، كالأسْنانِ وسائرِ ما يعودُ. وإِنْ قَطَعَ إنسانٌ نصفَ لسانِه، فذهَب كلامُه كلُّه، ثم قطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَه، فعادَ كلامُه، لم يجبْ رَدُّ الدِّيَةَ؛ لأنَّ الكلامَ الذي كان باللسانِ قد ذهبَ، ولم يَعُدْ إلى

стр. 6267

اللّسانِ، وإنَّما عادَ في مَحَلٍّ آخَرَ، بخلافِ التي قَبْلها. وإنْ قَطَعَ لسانَه، فذهب كلامُه، ثم عادَ اللّسانُ دُونَ الكلامِ، لم يَرُدَّ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قد ذهَب ما تجبُ الدِّيَةُ فيه بانْفِرادِه. وإنْ عادَ كلامُه دُون لِسانِه، لم يَرُدَّها أيضًا؛ لذلك. فصل: وإذا كانَ لِلسانِه طَرَفان، فقَطَعَ أحدَهما، فذهبَ كلامُه، ففيه الدِّيَةُ؛ لأنَّ ذهابَ الكلامِ بمُفْرَدِه يُوجِبُ الدِّيَةَ. وإنْ ذهبَ بعضُ الكلامِ، نَظْرتَ؛ فإنْ كان الطَّرَفان مُتَساويَيْنِ، وكان ما قطعَه بقَدْرِ ما ذهبَ من الكلامِ، وجبَ، وإنْ كان أحدُهما أكبرَ (٢٥)، وجبَ الأكثرُ، على ما مَضَى، وإنْ لم يذهبْ من الكلامِ شيءٌ، وجبَ بقَدْرِ ما ذهبَ من اللِّسانِ من الدِّيَةِ. وإنْ كانَ أحدُهما مُنْحرِفًا عن سَمتِ اللِّسانِ، فهو خِلْقةٌ زائِدةٌ، وفيه حُكومةٌ. وإنْ قَطَعَ جميعَ اللِّسانِ، وجبتِ الدِّيَةُ من غيْرِ زيادةٍ، سواءٌ كان الطرفانِ مُتساوِيَيْنِ أو مُخْتلِفَيْنِ. وقال القاضي: إنْ كانا مُتساوِيَيْن، ففيهما الدِّيَةُ، وإنْ كان أحدُهما مُنْحرِفًا عن سَمْتِ اللِّسانِ، وجبتِ الدِّيَةُ وحكومةٌ في الخِلْقَةِ الزَّائدةِ. ولَنا، أنَّ هذه الزِّيادةَ عَيْبٌ ونقْصٌ يُرَدُّ بها المَبِيعُ، ويَنْقُصُ من ثَمنِه، فلمْ يجبْ فِيها شيءٌ، كالسَّلْعَةِ في الْيَدِ. وربَّما عادَ القَوْلان إلى شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ الحُكومةَ لا يَخْرُجُ بها شيءٌ إذَا كانتِ الزِّيادةُ عَيْبًا. ١٤٩١ - مسألة؛ قال: (وَفِى كُلِّ سِنٍّ خمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، إذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ (١)، وَالْأَضْرَاسُ والْأَنْيَابُ كَالأَسْنَانِ) لا نعلمُ بيْنَ أهلِ العلْمِ خِلافًا في أنَّ دِيةَ الأسنانِ خَمْسٌ خمسٌ في كلِّ سنٍّ. وقد رُوِىَ ذلك عن عُمرَ بن الخطَّابِ، وابنِ عبَّاسٍ (٢)، ومُعاويةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُروةَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ، والثَّوْرىِّ، والشَّافعىِّ، وإسحاقَ،

стр. 6268

وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. وفى كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ". روَاه النَّسائىُّ (٣). وعن عمرو بن شُعَيْبِ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "فِي الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ". رَواه أَبو داودَ (٤). فأمَّا الأضْراسُ والأنْيابُ، فأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مِثْلُ الأسنانِ؛ منهم عُروةُ، وطاوسٌ، وقتادةُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمد بنُ الحسنِ. ورُوِىَ ذلك عن ابن عبَّاس (٥)، ومعاويةَ. ورُوى عن عمرَ، رضى اللَّه عنه، أنَّه قَضَى في الأضْراسِ ببَعِيرٍ بَعِيرٍ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: لو كنْتُ أنا، لجعلتُ في الأضْراسِ بَعِيريْنِ بعيريْنِ، فتلك الدِّيَةُ سواء. ورَوى ذلك مالكٌ، في "مُوطَّإِهِ" (٦). وعن عَطاءٍ نحوُه. وحُكِىَ عن أحمدَ روايةٌ (٧)، أنَّ في جميعِ الأسْنان والأضْراسِ الدِّيةَ. فيتعيَّنُ حَمْلُ هذه الرِّوايةِ على مثْلِ قولِ سعيدٍ؛ للإِجْمَاعِ على أنَّ في كلِّ سِنٍّ خمْسًا من الإِبلِ، ووُرُودِ (٨) الحديثِ به، فيكونُ في الأسْنان سِتُّون بعيرًا؛ لأنَّ فيه اثنىْ عَشْرَ سِنًّا، أرْبعَ ثَنايا، وأرْبعَ رَباعِيَّاتٍ (٩)، وأربعةَ أنْيابٍ، فيها خمسٌ خمسٌ، وفيه عِشرون ضِرْسًا، في كلِّ جانبٍ عشرةٌ، خمسةٌ من فوْقٍ، وخمسْةٌ من أسْفلٍ، فيكونُ فيها أربعونَ بَعيرًا، في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرانِ، فتكْمُلُ الدِّيةُ. وحُجَّةُ من قال هذا، أنَّه ذُو عَدَدٍ

стр. 6269

يجبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تزِدْ دِيَتُه على دِيَةِ الإِنسانِ (١٠)، كالأصابعِ، والأجْفانِ، وسائرِ ما في البدنِ، ولأنَّها تشْتمِلُ على مَنْفعةِ جِنْسٍ، فلم تزِدْ دِيَتُها على الدِّيَةِ، كسائرِ مَنافعِ الجِنْسِ، ولأنَّ الأضْراسَ تخْتصُّ بالمنفعةِ دُونَ الجمالِ، والأسنانُ فِيها منفعةٌ وجَمالٌ، فاخْتلَفا في الأرْشِ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (١١)، بإسْنادِه عن ابن عبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، هذِهِ وهذِهِ سَوَاءٌ". وهذا نَصٌّ. وقولُه في الأحاديثِ المُتقدِّمة: "في الأسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ". وَلم يُفَصِّلْ، يدْخُلُ في عُمومِها الأضْراسُ؛ لأنَّها أسنانٌ، ولأنَّ كلَّ دِيَةٍ وجَبتْ في جملةٍ كانتْ مَقْسومةً على العددِ دُونَ المنافعِ، كالأصابعِ، والأجْفانِ، والشَّفَتَيْنِ، وقد أوْمأَ ابنُ عباسٍ إلى هذا، فقال: لا أعْتبِرُها بالأصابع فأمَّا ما ذكرُوه من المعنَى، فلا بُدَّ مِنْ مُخالفةِ القياسِ فيه، فمَنْ ذهبَ إلى [قَوْلِنا، خالَفَ] (١٢) المعنى الذي ذكرُوه، ومن ذهبَ إلى قوْلِهم، خالفَ التَّسْوِيَةَ الثابتةَ، بقياسِ سائرِ الأعضاءِ من جنْسٍ واحدٍ، فكان ما ذكرْناه مع مُوافقةِ الأخْبارِ وقولِ أكثرِ أهْلِ العلْمِ أوْلَى. وأمَّا على قَوْلِ عمرَ، أنَّ في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرًا، فيُخالِفُ القياسَيْنِ جميعًا، والأخبارَ، فإنَّه لا يُوجِبُ الدِّيَةَ الكاملةَ، وإنَّما يُوجِبُ ثمانينَ بعيرًا، ويُخالفُ بينَ الأعْضاءِ المُتجانِسَةِ. وإنَّما يجِبُ هذا الضَّمانُ في سِنِّ مَنْ قدْ ثُغِر (١٣)، وهو الذي أَبْدَلَ أسْنَانَه، وبلغَ حدًّا إذا قُلِعَتْ سِنُّه لم يَعُدْ بَدَلُها. ويُقالُ: ثُغِرَ (١٣)، واثَّغَرَ، واتَّغَر (١٣). إذا كان كذلك. فأمَّا سِنُّ الصَّبِىِّ الذي

стр. 6270

لم يُثْغِر، فلا يجِبُ بقَلْعِها في الحالِ شيءٌ. هذا قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا أعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك (١٤) لأنَّ العادةَ عَوْدُ سِنِّه، فلم يجِبْ فيها في الحالِ شيءٌ، كنَتْفِ شَعَرِه، ولكِنْ يُنْتَظَرُ عَوْدُها؛ فإنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يُيْأسُ من عَوْدِها، وجبَتْ دِيَتُها. قالَ أحمدُ، يتوقَّفُ سَنَةً؛ لأنَّه هو (١٥) الغالبُ في نَباتِها. وقال القاضي: إذا سقطَتْ أخَواتُها ولم تَعُدْ هي، أُخِذَتِ الدِّيَةُ. وإن نَبَتَ مَكانَها أُخْرَى، لم تجِبْ دِيَتُها، كما لو نُتِفَ، شَعَرُه فعادَ مثلُه. لكنْ إن عادَتْ قصيرةً أو مشَّوهةً ففِيها حُكومةٌ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ ذلِكَ بسببِ الجنايةِ عليها. وإنْ أمْكَنَ تَقْديرُ (١٦) نَقْصِها عن نَظيرتِها، ففِيها من دِيَتِها بقَدْرِ ما نقَصَ. وكذلك إن كانتْ فيها ثُلْمَةٌ أمْكَنَ تَقْديرُها (١٧)، ففيها بقَدْرِ ما ذَهَبَ منها، كما لو كسَرَ من سِنِّه (١٨) ذلك القَدْرَ. وإنْ نبتَتْ أطْولَ (١٩) من أخَواتها، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّ ذلك عَيْبٌ. وقيل فيها وَجْةٌ آخَرُ، لا شىءَ فيها؛ لأنَّ هذا زيادةٌ. والصحيحُ الأوَّل؛ لأنَّ ذلك شَيْنٌ حصَلَ بسببِ الجنايةِ، فأشبَهَ نَقْصَها. وإنْ نبتَتْ مائلةً عن صَفِّ الأسْنانِ، بحيثُ لا يُنْتَفَعُ بها، فَفِيها ديَتُها؛ لأنَّ ذلِكَ كذَهابِها، وإنْ كانَتْ يُنتفَعُ بها، ففيها حُكومةٌ؛ للشَّيْنِ الحاصلِ بها، ونَقْصِ نَفْعِها. وإن نبتَتْ صفراءَ أو حمراءَ أو مُتَغيِّرةً، ففيها حُكومةٌ؛ لنَقْصِ جمالِها. وإن نبتَتْ سوداءَ أو خضْراءَ، ففيها رِوَايتان، حكاهما القاضي؛ إحدَاهُما، فِيها دِيَتُها. والثَّانيةُ، فيها حُكومةٌ، كما لو سوَّدها من غيرِ قَلْعِها. وإنْ ماتَ الصَّبىُّ قبلَ اليَأْسِ مِن عَوْدِ سِنِّهِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا شىءَ له؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لو عاشَ لَعادتْ، فلم يجبْ فِيها شيءٌ، كما لو نُتِفَ شَعَرُه. والثَّانِى، فيها الدِّيَةُ؛ لأنَّه قلَعَ سِنًّا وأُيِسَ مِنْ عَوْدِها، فوجبَتْ دِيَتُها، كما لو

стр. 6271

مضَى زمنٌ تَعُودُ في مثلِه فلم تَعُدْ. وإنْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ قدْ ثُغِرَ، وجَبَتْ دِيَتُها في الحالِ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّها لا تعودُ، فإن عادتْ، لم تَجِب الدِّيَةُ، وإن كان قد أخَذَها رَدَّها. وبهذا قالَ أصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: يَرُدُّ شيئًا؛ لأنَّ العادةَ أنَّها لا تعودُ، فمتى عادَتْ كانَتْ هِبَةً من اللهِ تعالى مُجَدَّدَةً، فلا يسْقُطُ بذلك ما وجبَ له بقَلْعِ سِنِّه. وعن الشَّافعىِّ كالمَذْهبَيْنِ. ولَنا، أنَّه عاد له في مكانِها مِثْلُ التي قُلِعَتْ، فلم يجبْ له شيءٌ، كالَّذى لم يُثْغِرْ. وإن عادَتْ ناقصةً، أو مُشوَّهةً، فحكْمُها حكْمُ سنِّ الصَّغير إذا عادَتْ، على ما ذكرْنا. ولو (٢٠) قَلَعَ سنَّ مَنْ لم يُثْغِرْ، فمضَتْ مدَّةٌ يُيْأَسُ من عَوْدِها، وَحُكِمَ بُوجوبِ الدِّيَةِ، فعادتْ بعدَ ذلك، سقطَتِ الدِّيَةُ، ورُدَّتْ إن كانتْ أُخِذَتْ، كسِنِّ الكبيرِ إذا عادَتْ. فصل: وتجبُ دِيَةُ السِّنِّ فيما ظَهرَ منها من اللِّثَةِ؛ لأنَّ ذلك هو المُسمَّى سِنًّا، وما في اللِّثَةِ منها يُسَمَّى سِنْخًا، فإذا كُسِرَ السِّنُّ، ثم جاءَ آخرُ فقَلَعَ (٢١) السِّنْخَ، ففى السِّنِّ دِيَتُها، وفى السِّنْخِ حُكومةٌ، كما لو قَطعَ إنسانٌ أصابعَ رجلٍ، ثم قطَعَ آخَرُ كَفَّه. وإنْ قَلَعها الأوَّلُ (٢٢) بسِنْخِها، لم يجبْ فِيها أكثرُ من دِيَتِها، كما لو قطعَ اليَدَ منْ كُوعِها. وإنْ فعلَ ذلك في مرَّتَيْنِ، فكسَرَ السِّنَّ، ثم عادَ فقلَعَ (٢١) السِّنْخَ، فعليهِ دِيَتُها وحُكومةٌ؛ لأنَّ دِيَتَها وجبَتْ بالأوَّلِ، ثمَّ وجبَ عليه بالثانى حُكومةٌ، كما لو فَعلَه غيرُه. وكذلك لو قطعَ الأصابعَ، ثم قطَعَ الكَفَّ. وإنْ كسرَ بعضَ الظَّاهرِ، ففِيه من دِيَةِ السِّنِّ بقَدْرِه. وإنْ كانَ ذهبَ النِّصْفُ، وجبَ نِصفُ الأرْشِ، وإن كان الذَّاهبُ الثُّلُثَ، وجبَ الثُّلُثُ. وإنْ جاءَ آخَرٌ، فكسرَ بقيَّتَها، فعليه بَقيَّةُ الأرْشِ. فإن قلَعَ الثَّانِى بِقيَّتَها بسِنْخِها، نظَرْنا؛ فإنْ كان الأوَّلُ كَسَرَها عَرْضًا، فليس على الثَّانى للسِّنْخِ شيءٌ؛ لأنَّه تابعٌ لما قلَعَه

стр. 6272

من ظاهرِ السِّنِّ، فصارَ كما لو قطعَ الأوَّلُ منْ كلِّ إصبَعٍ من أصابِعِه أُنْمُلَةً، ثم قطَعَ الثاني يدَهُ من الكُوعِ. وإنْ كان الأوَّلُ كسَرَ نصفَ السِّنِّ طُولًا دُونَ سِنْخِه، فجاءَ الثاني فقلَع (٢٣) الباقِىَ بالسِّنْخِ كُلِّه، فعليه دِيَةُ النِّصْفِ الباقى، وحُكومةٌ لنصْفِ السِّنْخِ الذي بَقِىَ لمَّا كسَرَه الأوَّلُ، كما لو قطعَ الأوَّلُ إِصْبَعَيْنِ مِنْ يَدٍ، ثم جاء الثاني, فقطَعَ الكفَّ كلَّه. فإن اخْتَلفَ الثَّانى والْمجنِىُّ عليه فيما قلَعه الأوَّلُ، فالقولُ قولُ الْمَجْنِىِّ عليه؛ لأنَّ الأصلَ سَلامةُ السِّنِّ. وإنِ انْكَشَفَتِ اللِّثْةُ عن بعضِ السِّنِّ، فالدِّيَةُ في قَدْرِ الظَّاهرِ عادةً، دون ما انْكشَف على خلافَ العادة. وإن اخْتلَفا في قَدْرِ الظَّاهرِ، اعتُبِرَ ذلك بأخَواتِها، فإنْ لم يكُنْ لها شيءٌ يُعْتَبَرُ به، ولم يُمْكِنْ أنْ يَعْرِفَ ذلك أهلُ الْخِبرةِ، فالقولُ قولُ الجانى؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه. فصل: وإنْ قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبةً لكبرٍ أو مرضٍ، وكانَتْ مَنافعُها باقيةً؛ منَ المَضْغِ، وحِفْظِ (٢٤) الطَّعامِ والرِّيقِ، وجبَتْ دِيَتُها. وكذلكَ إنْ ذهبَ بعضُ مَنافِعِها، وبَقِىَ بعضُها؛ لأنَّ جَمالَها وبعضَ منافِعِها باقٍ، فكَمَلَ دِيَتُها، كاليَدِ المريضةِ، ويَدِ الكبيرِ. وإنْ ذهبتْ منافِعُها كُلُّها، فهى كاليَدِ الشَّلَّاءِ. على ما سنذكرُهُ إن شاء اللهُ تعالى. وإنْ قلَعَ سِنًّا فيها داءٌ أو آكِلةٌ (٢٥)، فإنْ لم يذهبْ شيءٌ مِنْ أجْزائِها، وجبَ فيها دِيَةُ السِّنِّ الصَّحيحةِ؛ لأنَّها كاليَدِ المريضةِ، وإنْ سقطَ من أجْزائِها شيءٌ، سقطَ من دِيَتِها بقَدْرِ الذَّاهبِ منها، ووجبَ الباقى. وإنْ كانَ إحْدى ثَنِيَّتَيْه قصيرةً، نقَصَ من دِيَتِها بِقَدْرِ نَقْصِها، كما لو نقَصَتْ بكَسْرِها. فصل: فإنْ جَنَى على سِنِّه جانٍ، فاضْطَرَبَتْ، وطالَتْ عن (٢٦) الأسْنانِ، وقيل: إنَّها تعودُ إلى مُدَّةٍ إلى ما كانتْ عليه. انتُظِرَتْ إليها، فإنْ ذهَبَتْ وسقطَتْ، وجَبتْ

стр. 6273

دِيَتُها، وإنْ عادَتْ كما كانتْ، فلا شىءَ فيها، كما لو جَنَى على يَدِه فمرِضَتْ ثم بَرَأَتْ، وإنْ بَقِىَ فيها اضْطِرابٌ ففها حُكومةٌ. وإنْ قلَعها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها كاملةً، كما ذكرْنا فِي ال فَصْلِ الذي [قبلَ هذا] (٢٧)، وعلى الأوَّلِ حُكومةٌ لجنايتِهِ، وإنْ مضَتِ المُدَّةُ ولم تَعُدْ إلى ما كانتْ عليه، ففيها حُكومةٌ. وإن قلَعها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها، كما ذكرْنا. وإنْ قالوا: يُرْجَى عَوْدُها من غيرِ تَقْديرِ مُدَّةٍ، وجَبتِ الحُكومةُ فيها؛ لِئلَّا يُفْضِىَ إلى إهْدارِ الجَنايةِ. فإنْ عادَتْ، سقَطَتِ الحُكومةُ، كما (٢٨) ذكرْنَا في غيرِها. فصل: فإنْ قلَع قالِعٌ سِنَّةً، فردَّها صاحِبُها، فنَبتَتْ في مَوْضِعِها، لم تجبْ دِيَتُها. نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ جعفرِ بنِ محمد. وهذا قولُ أبى بكرٍ. وعلى قولِ الْقاضى، تجبُ دِيَتُها. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ، وقد ذكرْنا تَوْجِيهَهما فيما إذا قُطِعَ أنْفُه فرَدَّه، فالْتحَمَ، فعلى قولِ أبى بكرٍ، تَجِبُ فيها حُكومةٌ؛ لنَقْصِها إن نقَصَتْ، أوْ ضَعْفِها إن ضَعُفَتْ. وإن قلعَها قالعٌ بعدَ ذلك وجَبتْ دِيَتُها؛ لأنَّها سِنٌّ ذاتُ جمالٍ ومَنفَعةٍ، فوجبَتْ دِيَتُها، كما لو لم تنْقَلِعْ. وعلى قول القاضي ينْبَنِى حُكْمُها على وُجوبِ قَلْعِها، فإنْ قلْنا: يجبُ قَلْعُها. فلا شىءَ على قالِعِها؛ لأنَّه قد (٢٩) أحْسَنَ بقَلْعِه ما يجبُ قَلْعُه، وإنْ قُلْنا: لا يجبُ قَلْعُها. احْتَمَل أن يُؤْخَذَ بدِيَتِها؛ لما ذكرْنَا، واحْتَمَلَ أنْ لا يُؤْخَذَ بدِيَتِها؛ لأنَّه قد وجَبتْ له دِيَتُها مَرَّةً، فلا تجِبُ ثانيةً، ولكنْ فيها حُكومةٌ. فأمَّا إنْ جعَلَ مكانَها سِنًّا أُخْرَى، أو سِنَّ حيوانٍ، أو عَظْمًا، فنبتَتْ، وجَبتْ (٣٠) دِيَتُها، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ سِنَّه ذهبَتْ بالكُلِّيَّةِ، فوجَبَت دِيتُها، كما لو لم يجْعَلْ مكانَها شيئًا. وإنْ قُلِعَتْ هذه الثانيةُ، لم تجِبْ دِيَتُها؛ لأنَّها ليستْ سِنًّا له، ولا هي مِن بَدَنِه، ولكنْ يجبُ فيها

стр. 6274

حُكومةٌ؛ لأنَّها جِنايةٌ أزالتْ جَمالَه ومَنْفعتُه، فأشْبَهَه ما لو خاطَ جُرْحَه بخَيْطٍ، فالْتحَمَ، [فقطَع إنْسانٌ] (٣١) الخيطَ، فانْفَتحَ الجُرْحُ، وزالَ الْتِحامُه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجبَ شيءٌ؛ لأنَّه أزالَ ما ليس مِن بَدَنِه، أشْبَهَ ما لو قلَعَ الأنْفَ الذَّهبَ الذي جعلَه المَجْدُوعُ مكانَ أنْفِه. فصل: وإنْ جَنَى على سِنِّه فسوَّدَها، فحُكىَ عن أحمدَ، ﵀، في ذلك روايتانِ؛ إحداهما، تجبُ دِيَتُها كاملةً. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقىِّ. ويُرْوَى هذا عن زيدِ بن ثابتٍ (٣٢). وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وشُرَيْحٌ، والزُّهْرِىُّ، وعبدُ الملكِ بنِ مَرْوانَ، والنَّخعِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبى سَلَمةَ، والثَّوْرِىُّ، وأَصْحابُ الرَّأْىِ. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافعىِّ. والروايةُ الثانيةُ، عن أحمدَ، أنَّه إنْ أذْهَبَ مَنْفَعتَها مِن المَضْغِ عليها ونحوِه، ففيها دِيَتُها، وإن لم يُذْهِبْ نَفْعَها، ففيها حُكومةٌ. وهذا قولُ القاضي، والقولُ الثَّانى للشافعىِّ، وهو المختارُ عنْدَ أصحابِه؛ لأنَّه لم يذْهَبْ بمَنْفَعتِها، فلم تَكْمُلْ دِيَتُها، كما لو اصْفَرَّتْ. ولَنا، أنَّه قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، ولم يُعْرفْ له مُخالِفٌ فِي الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه أذْهبَ الجمالَ على الكمالِ، فكَمَلَتْ دِيَتُها، كما لو قَطَعَ أُذُنَ الأصَمِّ وأنْفَ الأخْشَمِ. فأمَّا إنْ اصفرَّتْ أو احْمَرَّتْ، لم تكْمُلْ دِيَتُها؛ لأنَّه لم يُذْهِبْ الجمالَ على الكمالِ، وفيها حُكومةٌ. وإن اخْضَرَّتْ، احْتَمَلَ أنْ يكونَ كتَسْوِيدِها؛ لأنَّه يَذْهَبُ بجمالِها، واحْتَمَلَ أن لا يجبَ فيها إلَّا حُكومةٌ؛ لأنَّ ذَهابَ جَمالِها بتَسْوِيدِها أكثرُ، فلم يَلْحَقْ به غيرُه، كما لو حَمَّرها. فعلى قولِ مَنْ أوْجَبَ دِيَتَها، متى قُلِعتْ بعدَ تَسْويدِها، ففيها ثُلُثُ دِيَتِها أو حكومةٌ، على ما سنذكرُه فيما بعدُ، وعلى قولِ مَن لم يُوجِبْ فِيها إلَّا حُكومةً، يجبُ في قَلْعِها دِيَتُها، كما لو صَفَّرَها.

стр. 6275

فصل: وإنْ جنَى على سِنِّهِ، فذهَبَتْ حِدَّتُها وكَلَّتْ، ففى ذلك حُكومةٌ، وعلى قَالِعها بعدَ ذلك دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّها سِنٌّ صحيحةٌ، كاملةٌ، فكَمَلَتْ دِيَتُها، كالمُضْطَرِبة، وإنْ ذهبَ مِنْها جُزْءٌ، ففى الذاهبِ بقَدْرِه، وإنْ قلعَها قالعٌ، نقَصَ منْ دِيَتِها بقَدْرِ ما ذهبَ، كما لو كُسِرَ منها جُزْءٌ. فصل: وفى اللَّحْيَيْنِ الدِّيَةُ، وهما العظْمانِ اللَّذانِ فيهما الأسْنانُ السُّفْلَى؛ لأنَّ فيهما نَفْعًا وجمالًا، وليس في البدَنِ مِثْلُهما، فكانتْ فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما في البدنِ منه شيئان، وفى أحدِهما نصفُها، كالواحدِ ممَّا في البدنِ منه شيئانِ. وإنْ قلَعَهما بما عليهما مِن الأسْنانِ، وجبَتْ (٣٣) عليه دِيتُهما ودِيَةُ الأسْنانِ، ولم تَدْخُلْ دِيَةُ الأسنانِ في دِيَتِهما، كما تَدْخُلُ دِيَةُ الأصابعِ في دِيَةِ اليَدِ (٣٤)، لوُجُوهٍ ثلاثةٍ؛ أحدها، أنَّ الأسنانَ مَغْرُوزةٌ في اللَّحْيَيْنِ، غيرُ مُتَّصِلةٍ بهما، بخلافِ الأصابعِ. والثَّانى، أنَّ كلَّ واحدٍ من اللَّحْيَيْنِ والأسنانِ ينْفَرِدُ باسمِه، ولا يدْخُلُ أحدُهما في اسمِ الآخَرِ، بخلافِ الأصابعِ والكَفِّ، فإنَّ اسمَ اليَدِ يشْمَلُهما. والثَّالثُ، أنَّ اللَّحْيَيْنِ يُوجَدان قبلَ وُجودِ الأسنانِ في الخِلْقةِ، ويَبْقَيان بعدَ ذهابِها في حَقِّ الكبيرِ، ومَن تقلَّعتْ أسْنانُه عادَتْ، بخلافِ الأصابعِ والكَفِّ. ١٤٩٢ - مسألة؛ قال: (وَفِى الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ) أجْمعَ أهلُ العلمِ على (١) وجُوبِ الدِّيَةِ في اليدَيْنِ، ووُجوبِ نِصْفِها في إحدَاهُما. وقد (٢) رُوى عن معاذِ بنِ جبلٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَفِى الْيَدَيْنِ

стр. 6276

الدِّيَةُ، وَفِى الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ" (٣). وفِي كتاب النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرو بن حَزمٍ: "وَفِى الْيَدِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ" (٤). ولأنَّ فيهما (٥) جَمالًا ظاهِرًا، ومَنْفعةً كاملةً، وليس في البدنِ مِنْ جِنْسِهما غيرُهما، فكان فِيهما الدِّيَةُ، كالعَيْنَيْنِ. واليدُ التي تجبُ فيها الدِّيةُ منَ الكُوعِ؛ لأنَّ اسمَ اليَدِ عنْدَ الإِطْلاقِ ينْصَرِفُ إليها، بدليلِ أنَّ اللهَ تعالى لمَّا قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦). كان الواجبُ قَطْعَهما (٧) من الكُوعِ، وكذلك التَّيمُّمُ يجبُ فيه مَسْحُ اليَدَيْنِ إلى الكُوعَيْنِ. فإنْ قطَعَ يدَه من فوقِ الكُوعِ، مثل أنْ يقطعَها مِن المَرْفِقِ، أو نصفِ السَّاعدِ، فليس عليه إلَّا دِيَةُ اليَدِ. نَصَّ عليهِ أحمدُ، في روايةِ أبى طالبٍ. وهذا قولُ عَطاءٍ، وقَتادةَ، والنَّخَعِىِّ، وابنِ أبي ليلى، ومالكٍ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافعىِّ. وظاهرُ مذهبِه عندَ أصحابِه، أنَّه يجبُ معَ دِيَةِ الْيَدِ حُكومةٌ لما زادَ؛ لأنَّ اسمَ اليَدِ لها إلى الكُوعِ، ولأنَّ المَنْفَعةَ المقْصودةَ في اليَدِ، من البَطْشِ والأَخْذِ والدَّفْعِ بالكفِّ، وما زادَ تابعٌ للكَفِّ، والدِّيَةُ تجبُ في قَطْعِها مِن الكُوعِ بغيرِ خلافٍ، فتجبُ في الزَّائدِ حُكومةٌ، كما لو قطعَه بعدَ قَطْعِ الكفِّ، قال أبو الخَطَّابِ: وهذا قولُ القاضِى. ولَنا، أنَّ اليَدَ اسمٌ للجميعِ إلى المَنْكِبِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٨). ولما نزَلتْ آيةُ التَّيمُّمِ مسَحَتِ الصَّحابةُ إلى المناكبِ. وقال ثعلبٌ: اليدُ إلى المَنْكِبِ. وفى (٩) عُرْفِ النَّاسِ أنَّ (١٠) جميعَ ذلك يُسمَّى يَدًا، فإذا قَطعَها مِن فوقِ الكُوعِ، فما قطَعَ إلَّا يَدًا، فلا يَلْزَمُه أكثرُ من دِيَتِها، فأمَّا قَطْعُها في السَّرِقةِ؛ فلأنَّ المقْصودَ يحصُلُ (١٠) به، وقَطْعُ بعضِ الشَّىءِ يُسَمَّى قَطْعًا له، كما يُقالُ: قَطَعَ ثوبَه. إذا قطعَ

стр. 6277

جانبًا منه. وقولُهم: إنَّ الدِّيةَ تجبُ في قَطْعِها من الكُوعِ. قُلْنا (١١): وكذلك تجبُ بقَطْعِ الأصابعِ مُفْرَدةً (١٢)، ولا يجبُ بقَطْعِها من الكُوعِ أكثرُ ممَّا يجبُ في (١٣) قَطْعِ الأصابعِ، والذَّكرُ يجب في قَطْعِه من أصْلِه مثلُ ما يجبُ بقَطْعِ حَشَفَتِه. فأمَّا إذَا قطَع اليَدَ من الكُوعِ، ثم قطَعَها من الْمَرْفِقِ، وجَبَ في المقْطوعِ ثانيًا حُكومةٌ؛ لأنَّه وجَبتْ (١٤) عليه دِيَةُ اليَدِ بالقَطْعِ الأوَّلِ، فوجَبتْ (١٥) بالثَّانى حُكومةٌ، كما لو قطَعَ الأصابعَ ثمَّ قطَعَ الكَفَّ، أو قطَعَ حَشَفَةَ الذَّكرِ ثم قطَعَ بقيَّتَه، أو كما لو فعلَ ذلك اثْنانِ. فصل: فإنْ جَنَى عليها فأشلَّها، وجَبتْ عليه دِيَتُها؛ لأنَّه فوَّتَ مَنْفَعتَها، فلزِمَتْهُ دِيَتُها، كما لو أعْمَى عَيْنَه مع بقائِها، أو أخْرَسَ لسانَه. وإنْ جَنَى على يَدِه فعوَّجَها، أو نقَصَ قُوَّتَها، أو شانَها، فعليه حُكومةٌ لنَقْصِها. وإن كسرَها ثمَّ انجبرَتْ مُسْتقيمةً، وجَبتْ حُكومةٌ لِشَيْنِها إن شَانَها ذلك، وإن عادَت مُعْوَجَّةً، فالحكومةُ أكثرُ؛ [لأنَّ شَيْنَها أكثرُ] (١٦). وإنْ قال الجانى: أنا أكْسِرُها ثم أجْبُرُها مُسْتقِيمةً. لم يُمَكَّنْ من ذلك؛ لأنَّها (١٧) جِنايةٌ ثانيةٌ. فإنْ كسَرَهَا تَعدِّيًا ثم جَبَرها فاستقامَتْ، لم يسْقُطْ ما وجبَ من الحُكومةِ في اعْوجاجِها؛ لأنَّ ذلك اسْتَقَرَّ حين انْجَبرَتْ عَوْجاءَ، وهذه جنايةٌ ثانيةٌ، والجبْرُ الثَّانى لها دُون الأُولَى، ولا يُشْبِهُ هذا ما إذا ذهَبَ ضَوْءُ عَيْنِه ثُمَّ عادَ؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أنَّ الضَّوْءَ لم يذْهَبْ, وإنَّما حالَ دونَه حائلٌ، وههُنا بخلافِه، وتجبُ الحُكومةُ في الكسرِ الثاني؛ لأنَّها (١٨) جِنايةٌ ثانيةٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تجبَ؛ لأنَّه أزالَ ضَررَ العِوَجِ منها، فكان

стр. 6278

نَفْعًا، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه بقَطْعِ سَلْعةٍ أزالها عنه. فصل: فإنْ كان له كفَّان في ذراعٍ، أو يَدان على عَضُدٍ، وإحْداهما باطِشةٌ دُونَ الأُخْرَى، أو إحْداهما أكثرُ بَطْشًا، أو في سَمْتِ الذِّراعِ والأُخْرَى مُنْحرِفةٌ عنه، أو إحْداهما تامَّةٌ والأُخْرَى ناقصةٌ، فالأُولَى هي الأصْليَّة، والأُخْرَى زائدةٌ، ففى الأصْليَّةِ دِيَتُها والقِصَاصُ (١٩) بقَطْعِها عَمْدًا، والأُخْرَى زائدةٌ فيها حُكومةٌ، سواءٌ قَطَعَها مُفْرَدةً أو قَطَعَها مع الأصْليَّةِ. وعلى قولِ ابن حامد، لا شىءَ فيها؛ لأنَّها عَيْبٌ، فهى كالسِّلْعةِ في اليَدِ. وإن اسْتَوَيا من كلِّ الوُجوهِ، فإنْ كانتا غيرَ باطِشَتَيْنِ، ففيهما ثُلُثُ دِيَة اليَدِ أو حكومةٌ، ولا تجب دِيَةُ اليَدِ كاملةً؛ لأنَّهما لا نَفْعَ له (٢٠) فيهما، فهما كالْيَدِ الشَّلَّاء. وإنْ كَانتا باطِشَتَيْن، ففيهما جميعا دِيَةُ الْيَدِ. وهل تجبُ حُكومةٌ مع ذلك؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على أنَّ (٢١) الزَّائدةَ هل فيها حُكومةٌ أمْ (٢٢) لا؟ وإنْ قطَعَ إحداهما، فلا قَوَدَ؛ لاحْتمالِ أن تكونَ هي الزّائدةَ، فلا تُقْطَعُ الأصليَّةُ بها، وفيها نِصْفُ ما فيهما إذا قُطِعتَا (٢٣) لتَساوِيهما. وإن قَطَعَ إصْبَعًا من إحداهما، وجبَ أرْشُ نصفِ إصْبَعٍ، وفى الحُكومة وَجْهان. وإن قطَعَ ذُو الْيَدِ التي لها طَرَفانِ يَدًا مُفْرَدةً، وجَب القِصاصُ فيهما، على قولِ ابن حامدٍ؛ لأنَّ هذا نَقْصٌ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالسَّلْعةِ في اليَدِ. وعلى قولِ غيرِه: لا يجبُ؛ لئلَّا يأخُذَ يَدَيْن بيَدٍ واحدةٍ، ولا تُقْطَعُ إحْداهما؛ لأنَّا لا نَعْرِفُ الأصليَّةَ فنأْخُذُها، ولا (٢٤) نأخذُ زائدةً بأصْليَّةٍ. فأمَّا إن كان له. قَدَمان في رِجْلٍ وَاحدةٍ، فالحكْمُ على ما ذكرْناه في اليَدَيْنِ. فإنْ كانت إحْدَى القَدَميْن أطْوَلَ من الأُخْرَى، وكان الطويلُ

стр. 6279

مُساوِيًا للرِّجْلِ (٢٥) الأُخْرَى، فهو الأصْلِىّ (٢٦)، وإنْ كان زائدًا عنها، والآخَرُ مُساوٍ (٢٧) للرِّجْلِ الأُخْرَى، فهو الأَصْلِىَّ (٢٦). وإنْ كان له في كلِّ رِجْلٍ قَدَمانِ، يُمْكِنُه المَشْىُ على الطَّويلتَيْنِ مَشْيًا مُسْتقيما، فهما الأصليَّان، وإن لم يُمْكِنْه، فقُطِعا، وأمْكَنَه المَشْىُ على القَصِيرتَيْنِ، فَهما الأصْليَّانِ، والآخَرانِ زائدان. وإن أشلَّ الطَّويلتَيْنِ (٢٨)، ففيهما الدِّيَةُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّهما الأصْليَّانِ، فإن قطَعَهُما قاطِعٌ، فأمْكَنَه المَشْىُ على القَصِيرتَيْنِ (٢٩) تبيَّنَ أنَّهما الأصْليَّانِ، وإنْ لم يُمْكِنُه، فالطَّوِيلانِ هما الأَصْليَّانِ. ١٤٩٣ - مسألة؛ قال: (وَفِى الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أو امْرَأَةٍ) أمَّا ثَدْيا المرأةِ، ففيهما دِيَتُها. لا نعلمُ فِيه بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا، وفى الواحدِ منهما نِصْفُ الدِّيَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ كلُّ مَن نحْفظُ عنه من أهلِ العلْمِ، على أنَّ فِي ثَدْىِ المرأةِ نصفَ الدِّيَةِ، وفى الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةَ، وممنْ حَفِظْنا ذلك عنه الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحولٌ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولأنَّ فيهما جَمالًا ومَنْفعةً فأشْبَهَا اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. وفى أحدِهما نصفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ كلَّ عُضْوَيْنِ وجَبتِ الدِّيَةُ فيهما، وجبَ في أحدِهما نصفُها، كاليَديْنِ. وفى قَطْع حَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهما. نَصَّ عليه أحمدُ، ﵀، ورُوِىَ نَحْوُ هذا عن (١) الشَّعبىِّ، والنَّخعىِّ، والشَّافعىِّ. وقال مالكٌ، والثَّوْرىُّ: إنْ ذهبَ اللَّبَنُ، وجبَتْ دِيَتُهما، وإلَّا

стр. 6280

وجَبَتْ حُكومةٌ بقَدْرِ شَيْنِه. ونحوَه قال قَتادةُ: إذا ذهَبَ الرَّضاعُ بقَطْعِهما، ففيهما الدِّيَةُ. ولَنا، أنَّه ذهبَ منْهُما ما تذْهبُ المَنْفَعةُ بذَهابِه، فوجبَتْ دِيَتُهما، كالأصابعِ مع الكَفِّ، وحَشَفَةِ الذَّكرِ، وبيانُ ذهابِ المَنْفعةِ أنَّ بهما يشْرَبُ الصَّبِىُّ ويرْتَضِعُ، فهما كالأصابعِ في الكفِّ. وإنْ قطَعَ الثَّدْيَيْن كُلَّهما، فليس فيهما إلَّا دِيَةٌ، كما لو قطَعَ الذَّكرَ كلَّه. وإنْ حصلَ مع قَطْعِهما جائِفَةٌ، وجَب فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ مع دِيَتِهما. وإن حصَلَ جائفتانِ، وجَبتْ دِيَةٌ وثُلُثان. وإن ضَربَهما فأشلَّهما، ففيهما الدِّيَةُ، كما لو أشلَّ يَدَيْه. وإن جَنَى عليهما، فأذهبَ لَبَنَهما من غيرِ أن يشُلَّهما، فقال أصْحابُنا: فيهما حُكومةٌ. وهذا قولُ أصْحابِ الشَّافعىِّ. ويَحْتَمِلُ أن تجبَ دِيَتُهما؛ لأنَّه ذهبَ بنَفْعِهما، فأشْبَهَ ما لو أشلَّهما؛ وهذا ظاهرُ قولِ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وقَتادةَ. وإن جَنَى عليهما من صغيرةٍ ثمَّ ولَدتْ، فلم ينْزِلْ لها لَبَنٌ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرةِ، فإنْ قالوا: إنَّ الجنايةَ سَببُ قَطْعِ اللَّبنِ، فعليه ما على مَن ذهبَ باللَّبنِ بعدَ وُجودِه. وإن قالوا: يَنْقَطِعُ بغيرِ الجنايَةِ. لم يجبْ عليه أرْشُه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، فلا يجبُ فيها شيءٌ بالشَّكِّ. وإنْ جَنَى عليهما، فنَقَصَ لَبَنُهما، أو جَنَى على ثَدْيَيْنِ ناهِدَيْنِ فكسَرَهُما، أو صارَ بهما مَرَضٌ، ففيه حُكومةٌ؛ لِنَقْصِه [الذي نقَصَهما] (٢). فصل: فأمَّا ثَدْيا الرَّجُلِ، وهما الثَّنْدُوَتان، ففيهما أيضًا (٣) الدِّيَةُ. وبهذا قال إسحاقُ. وحَكَى ذلك قَوْلًا للشَّافعىِّ. وقال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما حُكومةٌ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأنَّه ذهَب بالجمالِ من غير مَنْفَعةٍ، فلم تجبِ الدِّيَةُ، كما لو أتْلَفَ العَيْنَ القائمةَ واليَدَ الشَّلَّاءَ. وقال الزُّهْرِىُّ: في حَلَمةِ الرَّجُلِ خمسٌ من الإِبلِ. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ: فيه ثُمُنُ الدِّيَةِ (٤). ولَنا، أنَّ ما وجبَ فيه الدِّيَةُ منَ المرأةِ، وجبَ فيه من الرَّجُلِ، كاليَدَيْنِ وسائرِ الأعضاءِ، ولأنَّهما عُضْوان في

стр. 6281

البَدَنِ، يحْصُلُ بهما الجمالُ، ليس في البدنِ غيرُهما من جِنْسِهما، فوجَبتْ فيهما الدِّيَةُ كاليَدَيْن، ولأنَّه أذْهبَ الجمالَ [على الكمال] (٥)، فوجبَتِ الدِّيَةُ، كالشُّعورِ الأرْبعةِ عندَ أبى حنيفةَ، وكأذُنَىِ الأصَمِّ وأنْفِ الأخْشَمِ عندَ الجميع، ويُفارِقُ العَيْنَ القائمةَ؛ لأنَّه ليس فيها جَمالٌ كاملٌ، ولأنَّها عُضْوٌ قد ذهَب منه ما تجبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تكْمُلْ دِيَتُه، كاليَدَيْنِ إذا شَلَّتا، بخلافِ مَسْألتِنا. ١٤٩٤ - مسألة؛ قال: (وَفِى الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ) قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلم يقولون: في الْأَلَيَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى كلِّ واحِدَةٍ منهما نصفُها. منهم عمرو بن شُعَيْب، والنَّخَعِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولأنَّهما عُضْوان من جِنْسٍ، فيهما جَمالٌ ظاهرٌ، ومَنْفَعةٌ كاملةٌ، فإنَّه يُجلَسُ عليهما كالوِسادَتَيْنِ، فوجَبَتْ (١) فيهما الدِّيَةُ، وفى إحداهما نصفُها، كاليَدَيْنِ. والأَلْيَتانِ. هما ما عَلَا وأشْرَفَ [عن الظَّهْر وعن] (٢) اسْتِوَاءِ الفَخِذَيْنِ. وفيهما الدِّيَةُ إذا أُخِذَتا إلى العَظْمِ الذي تحتهما، وفى ذهابِ بَعْضِهما بقَدْرِه؛ لأنَّ ما وجبَتِ (٣) الدِّيَةُ فيه، وجَبَ في بعضِه بقَدْرِه، فإن جُهِلَ المِقْدارُ، وَجَبَتْ حُكومةٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ لم يُعْرَفْ قَدْرُه. فصل: وفى الصُّلبِ الدِّيَةُ إذا كُسِرَ فلم ينْجَبِرْ؛ لما رُوِىَ في كتابِ النَّبِيِّ ﷺ لعمرو بنِ حَزْم: "وَفِى الصُّلْبِ الدِّيَةُ" (٤). وعن سعيد بن المُسَيَّب، أنَّه قال: مضت السُّنَّةُ أنَّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ. وهذا ينْصرِفُ إلى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . وممَّن قال بذلك زيدُ بن ثابتٍ،

стр. 6282

وعَطاءٌ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ. وقال القاضي، وأصحابُ الشافعىِّ: ليس في كَسْرِ الصُّلْبِ دِيَةٌ؛ إلَّا أنْ يذْهبَ مَشْيُه أو جِماعُه، فتجبُ الدِّيَةُ لتلك المَنْفَعةِ؛ لأنَّه عضْوٌ لم تذْهَبْ مَنْفَعتُه، فلم تجبْ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كسائرِ الأعْضاءِ. ولَنا، الخبرُ، ولأنَّه عُضْوٌ ليس في البَدَنِ مثلُه، فيه جمالٌ ومَنْفعةٌ، فوجَبتِ الدِّيَةُ فيه بمُفْرَدِه، كالأنْفِ. وإنْ ذهبَ مَشْيُه بكسرِ صُلْبِه، ففيه الدِّيَةٌ في قولِ الجميع. ولا يجبُ أكثرُ من دِيَةٍ؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ تَلْزَمُ كَسْرَ الصُّلْبِ غالبًا، فأشْبَهَ ما لو قطَع رِجْلَيْه. وإنْ لم يذهبْ مَشْيُه، لكن ذهَبَ جِماعُه، ففيه (٥) الدِّيَةُ أيضًا. رُوى ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه (٦)؛ لأنَّه نَفْعٌ مَقْصودٌ، فأشْبَهَ ذَهابَ مَشْيِه. وإن ذهب جماعُه ومَشْيُه، وجبَتْ دِيَتانِ، في ظاهرِ كلام أحمدَ، ﵀، في رواية ابنهِ عبدِ اللَّه؛ لأنَّهما مَنْفَعتان تجِبُ الدِّيَةُ بذَهابِ كلِّ واحدةٍ منْهُما مُنْفَرِدةً، فإذا اجْتمعَتا وجَبتْ دِيَتانِ، كالسَّمعِ والبصَرِ. وعن أحمدَ: فيهما دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّهما نَفْعُ عُضوٍ واحدٍ، فلم يجبْ فيهما (٧) أكثرُ من دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قَطَعَ لسانَه فذهب كلامُه وذوقُه. وإنْ جَبَرَ صُلْبُه، فعادتْ إحْدَى المَنْفعتَيْنِ دُونَ الأُخْرَى، لم يجبْ [إلَّا دِيَةٌ] (٨)، إلَّا أنْ تنْقُصَ الأُخْرَى، فتجبَ حُكومةٌ لنَقْصِها، أو تَنْقُصَ مِن جهَةٍ أُخْرَى، فيكونَ فيه حُكومةٌ لذلك. وإنْ ادَّعَى ذهابَ جمَاعِه، وقال رجلان من أهل الخِبْرةِ: إنَّ مثْلَ هذه الجنايةِ يَذْهَبُ بالجماعِ. فالقول قولُ المَجْنِىِّ عليه مع يَمِينِه؛ لأنَّه لا يُتَوَصَّلُ إلى معرفةِ ذلك إلَّا من (٩) جِهَتِه. وإنْ كَسَرَ صُلْبَه، فشَلَّ ذكَرُه، اقْتَضَى كلامُ أحمدَ، وُجوبَ دِيَتَيْنِ؛ لكَسْرِ الصُّلبِ واحدةٌ، وللذَّكَرِ أخْرَى. وفى قولِ القاضي، ومذهبِ الشافعىِّ، يجبُ في الذَّكرِ دِيَةٌ، وحُكومةٌ لكَسْرِ الصُّلبِ. وإن أَشلَّ رِجْلَيْهِ، ففيهما دِيَةٌ أيضًا. وإنْ أذْهبَ ماءَه دُونَ جِماعِه، احْتَمَلَ وُجوبَ الدِّيَةِ. وهذا يُرْوَى عن

стр. 6283

مُجاهِدٍ. قال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ. هو الذي يقْتَضِيه مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه ذهَبَ بمَنْفَعةٍ مَقْصُودةٍ، فوجَبت الدِّيَةُ، كما لو ذهبَ بجِمَاعِه، أو كما لو قطَعَ أُنْثَيَيْهِ أو رَضَّهما. ويَحْتَمِلُ أن لا تجبَ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّه لم يَذهبْ بالمَنْفَعةِ كلِّها. ١٤٩٥ - مسألة؛ قال: (وَفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ) أجْمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ في الذَّكَرِ الدِّيَةَ. وفى كِتابِ النَّبِيِّ ﷺ لعَمْرو بن حَزْم: "وَفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ" (١). ولأنَّه عُضْوٌ واحدٌ فيه الجمالُ والمَنْفَعةُ، فكمَلَتْ فيه الدِّيَةُ، كالأنْفِ واللِّسانِ، وفى شَلَلِه دِيَتُه؛ لأنَّه ذهبَ بنَفْعِه، أشبَهَ ما لو أشلَّ لِسانَه. وتجبُ الدِّيَةُ في ذكرِ الصغيرِ والكبيرِ، والشَّيخِ والشَّابِّ، سواءٌ قَدَرَ على الجِماعِ أو لم يقْدِرْ. فأمَّا ذكرُ العِنِّين، فأكثرُ أهلِ العلمِ على وُجوبِ الدِّيَةِ فيه (٢)؛ لعُمومِ الحديثِ، ولأنَّه غيرُ مَأْيُوسٍ من جِماعِه، وهو عُضْوٌ سليمٌ في نَفْسِه، فكمَلَتْ دِيَتُه، كذكرِ الشَّيخِ. وذَكَرَ القاضي فيه عن أحمدَ رِوَايتَيْن؛ إحداهما، تجبُ فيه الدِّيَةُ؛ لذلك. والثانية؛ لا تَكْمُلُ دِيَتُه. وهو مذهبُ قَتادةَ؛ لأنَّ مَنْفعتَه الإِنْزالُ والإِحْبالُ والجِماعُ، وقد عُدِمَ ذلك منه في حالِ الكَمالِ، فلم تكْمُلْ دِيَتُه كالأَشلِّ، وبهذا فارقَ ذكرَ الصَّبىِّ والشَّيْخِ. واختلفَتِ الرِّوايةُ في ذَكَرِ الخَصِىِّ، فعنه فيه دِيَةٌ كاملةٌ. وهو قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، والشافعىِّ, وابنِ المُنْذِرِ؛ للخبرِ، ولأنَّ مَنْفعةَ الذَّكرِ الجِماعُ، وهو باقٍ فيه. والثانية، لا تجبُ فيه. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وقَتادةَ، وإسْحاقَ؛ لما ذكرْنا في ذَكَرِ العِنِّين، ولأنَّ المقْصودَ منه تحْصِيلُ النَّسْلِ، ولا يُوجَدُ ذلك منه، فلم تَكْمُلْ دِيَتُه، كالأشلِّ، والجِماعُ يذْهَبُ في الغالبِ؛ بدليلِ أنَّ البهائمَ يذهبُ جِماعُها بخِصَائِها، والفرقُ بين ذَكَرِ العِنِّين، وذكَرِ الخَصِىِّ، أنَّ الجِماعَ في ذكَرِ العِنِّين أبْعَدُ منه في ذكَرِ

стр. 6284

الخَصِىِّ، واليَأْسُ من الإِنْزالِ مُتَحَقِّقٌ في ذكَرِ الخَصِىِّ دُونَ ذَكَرِ العِنِّين. فعلى قَوْلِنا: لا تكْمُلُ الدِّيَةُ في ذكَرِ الخَصِىِّ؛ إن قَطَعَ الذَّكرَ والأُنْثَيَيْنِ دَفْعةً واحدةً، أو قَطَعَ الذَّكرَ، ثمَّ قَطَعَ الأُنْثَيَيْنِ، لَزِمتْهُ دِيَتانِ، وإن قطَعَ الأُنْثَيَيْنِ، ثم قطَعَ الذَّكرَ، لم يَلْزَمْهُ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ في الأُنْثَيَيْنِ، وفى الذَّكرِ حُكومةٌ؛ لأنَّه ذكَرُ خَصِىٍّ. قال القاضي: ونَصَّ أحمدُ على هذا. وإنْ قَطَعَ نصفَ الذَّكَرِ بالطُّولِ، ففيه نصفُ الدِّيَةِ. ذكَرَه أصحابُنا. والأَوْلَى أنْ تجبَ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّه ذهبَ بمَنْفعةِ الجِماعِ (٣) به، فكَمَلَتْ دِيَتُه، كما لو أشلَّه أو كسَرَ صُلْبَه فذهبَ جِماعُه. وإن قطعَ قِطْعةً منه ممَّا دونَ الْحَشَفَةِ، وكانَ البَوْلُ يخْرُجُ على ما كانَ عليه؛ وجَب بقَدْرِ القِطْعةِ من جَميعِ الذَّكرِ من الدِّيَةِ. وإن خَرَج البَوْلُ من مَوْضِعِ القَطْعِ، وجَبَ الأكْثَرُ من حِصَّةِ القِطْعةِ من الدِّيةِ، أو الحُكومةُ. وإنْ ثَقَبَ ذكَرَه فيما دُونَ الْحَشَفةِ، فصارَ البَوْلُ يخْرُجُ من الثَّقْبِ، ففيه حكومةٌ؛ لذلك. ١٤٩٦ - مسألة؛ قال: (وَفِى الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ) لا نعْلَمُ فِي هذا خلافًا. وفى كِتابِ النَّبِيِّ ﷺ لعَمْرو بن حَزْم: "وَفِى الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ" (١). ولأنَّ فيهما الجمالَ والمنفعةَ، فإنَّ النَّسلَ يكونُ بهما، فكانت فيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْنِ. ورَوَى الزُّهْرِىُّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: مضَتِ السُّنَّةُ أنَّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وفى الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ. وفى إحْداهما نصفُ الدِّيَةِ، في قولِ أكْثرِ أهْلِ العلمِ. وحُكِى عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أنَّ في اليُسْرَى ثُلُثَىِ الدِّيَةِ، وفى اليُمنى ثُلُثَها؛ لأنَّ نَفْعَ (٢) اليُسْرَى أكثرُ؛ لأنَّ النَّسْلَ يكونُ بها. ولَنا، أنَّ ما وجبَتِ الدِّيَةُ في شَيْئينِ منه، وجبَ في أحدِهما نصفُها، كاليَدَيْنِ، وسائرِ الأعضاءِ، ولأنَّهما ذو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فاسْتَوت دِيَتُهما، كالأصابعِ، وما ذكَروه ينْتَقِضُ بالأصابعِ والأجْفانِ،

стр. 6285

تسْتَوِى دِيَاتُها مع اخْتلافِ نَفْعِها، ثم يُحْتَاجُ إلى إثْباتِ ذلك الذي ذكَرَه. وإن رَضَّ أُنْثَيَيْهِ، أو أشلَّهما، كَمَلَتْ دِيَتُهما، كما لو أشَلَّ يدَيْه أو ذكَرَهُ. وإنْ قطَعَ أُنثَيَيْهِ، فذهبَ نَسْلُه، لم يجب أكثرُ من دِيَةٍ؛ لأنَّ ذلك نَفْعهُما، فلم تزْدَدْ الدِّيَةُ بذهَابِه معهما، كالبصَرِ مع ذهابِ العَيْنَيْنِ، والبَطْشِ مع ذَهابِ الرِّجْلينِ. وإن قطعَ إحْداهما، فذهبَ النَّسْلُ، لم يجبْ أكثرُ من نِصفِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ ذهابَه غيرُ مُتَحقِّقٍ. ١٤٩٧ - مسألة؛ قال: (وَفِى الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ) أجْمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ في الرِّجْليْنِ الدِّيَةَ، وفى إحْداهما نصفَها. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ (١)، وبه قال قَتادةُ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والثَّوْرىُّ، وأهلُ العراقِ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ, وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد ذكرْنا الحديثَ والمعنى فيما تقدَّم. وفى تَفْصِيلِها مثلُ ما ذكرْنا (٢) من (٣) التَّفْصيلِ في اليدَيْنِ، سواءً، ومَ فْصِلُ الكَعْبَيْنِ ههُنا مثل مَفْصِلِ الكُوعَيْنِ في اليديْنِ. فصل: وفى قَدَمِ الأعْرَج ويَدِ الأعْسَمِ الدِّيَةُ؛ لأنَّ العَرَجَ لمعنًى في غيرِ القَدَمِ، والعَسَم: الاعْوِجاجُ في الرُّسْغِ. وليس ذلك عَيْبًا في قَدَمٍ ولا كَفٍّ، فلم يَمْنَعْ ذلك كمالَ الدِّيَةِ فيهما. وذكر أبو بكرٍ، أنَّ في كلِّ واحدٍ منهما ثُلُثَ الدِّيَةِ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ. ولا يصحُّ؛ لأنَّ هذين لم تَبْطُلْ مَنْفَعتُهما، فلم تَنْقُصْ دِيَتُهما، بخلافِ اليَدِ الشَّلَّاءِ. ١٤٩٨ - مسألة؛ قال: (وَفِى كُلِّ إصْبَعٍ مِنَ [الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ] (١) عَشْرٌ

стр. 6286

مِنَ الْإِبلِ، وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْها ثُلُثُ عَقْلِها، إلَّا الْإِبْهَامَ، فإنَّها مَفْصِلَانِ، فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْها خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عبَّاس (٢). وبه قال مَسْروقٌ، وعُرْوَةُ، ومكحولٌ، والشَّعْبِيُّ، وعبدُ اللهِ بنُ مَعْقِلٍ (٣)، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعيُّ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وأصحابُ الحديثِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالفًا. إلَّا روايةً عن عمرَ، أنَّه قضَى في الإِبهامِ [بثلاثَ عشرةَ] (٤)، وفي التي تَلِيها باثنتَىْ عشرةَ، وفي الوُسْطَى بعَشْرٍ، وفي التي تَلِيها بِتِسْعٍ، وفي الْخِنْصَرِ بسِتٍّ (٥). ورُوى عنه أنَّه لمَّا أُخْبِرَ بكتابٍ كتَبه النَّبِيُّ ﷺ لآلِ حَزْم: "وَفِى كُلِّ إصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ" (٦). أخذَ به، وتَركَ قولَه الأوَّلَ. وعن مُجاهدٍ: في الإِبهامِ خَمْسَ عشرةَ، وفي التي تَلِيها ثلاثَ عشرةَ، وفي التي تَلِيها عَشْرٌ، وفي التي تَلِيها ثَمانٍ، وفي التي تَلِيها سَبْعٌ. ولَنا، مَا رَوَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ". أخْرجَه التِّرْمِذِيُّ (٧)، وقال: حديثٌ حَسَن (٨) صحيحٌ. ورَواهُ (٩) أبو داودَ (١٠)، عن أبي موسى، عن النَّبِيِّ ﷺ . وعن ابن عباسٍ، قال: قال

стр. 6287

رسولُ اللهِ ﷺ : "هذِهِ وهذِهِ سَوَاءٌ". يعني الإِبْهامَ والخِنْصَرَ. أخرجَه البُخارِيُّ، وأبو داودَ (١١). وفي كتابِ النَّبِيِّ ﷺ لعَمْرو بن حَزْم: "وَفِى كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ [الْيَدِ والرِّجْلِ] (١٢) عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ" (١٣). ولأنَّه جِنْسٌ ذُو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فكان سَواءً في (١٤) الدِّيَةِ، كالأسْنانِ، والأجْفانِ، وسائرِ الأعضَاءِ. ودِيَةُ كُلِّ إصْبَعٍ مَقْسُومةٌ على أنَامِلِها، وفي كلِّ إصْبَعٍ ثلاثُ أناملَ إلَّا الإِبهامَ، فإنَّها أنمُلُتانِ، ففى كُلِّ أنْمُلَةٍ من غيرِ الإِبْهامِ ثُلُثُ عَقْلِ الإِبهامِ، ثلاثةُ أبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ، وفي كلِّ أُنْمُلَةٍ من الإِبْهَامِ خَمْسٌ منَ الإِبلِ، نصفُ دِيَتِها. وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه قال: الإِبْهامُ أيضًا ثلاثُ أناملَ، إحداها باطِنةٌ. وليس هذا بصحيحٍ، فإنَّ الاعْتبارَ بالظَّاهرِ، فإنَّ قولَه ﵇: "فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ". يقْتَضِى وُجوبَ العَشْرِ في الظَّاهرِ؛ لأنَّها هي الإِصْبَعُ التي يقَعُ عليها الاسمُ دُونَ ما بطنَ منها، كما أنَّ السِّنَّ التي يتعلَّقُ بها وُجوبُ دِيَتِها هي الظَّاهرةُ من [لحمِ اللِّثَةِ] (١٥) دُون سِنْخِها. والحكمُ فِي أصابعِ اليَدَينِ والرِّجْلينِ سواءٌ؛ لعُمومِ الخبرِ فيهما، وحُصولِ الاتِّفاقِ عليهما. فصل: وفي الإِصْبَعِ الزَّائدةِ حُكومةٌ. وبذلك قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وعن زيدِ بنِ ثابت، أنَّ فيها ثُلْثَ دِيَةِ الإِصْبَع (١٦). وذكر القاضي أنَّه قياسُ المذهبِ، على روايةِ إيجابِ الثُّلُثِ في اليَدِ الشَّلَّاءِ. والأوَّلُ أصحُ؛ لأنَّ التَّقديرَ لا يُصارُ إليه إلَّا بالتَّوْقيفِ، أو بمُماثَلَتِه (١٧) لما فيه تَوْقِيفٌ، وليس ذلك ههُنا، لأنَّ اليَدَ

стр. 6288

الشَّلَّاءَ (١٨) يَحْصُلُ بها الجمالُ، والإِصْبَعُ الزَّائدةُ لا جمالَ فيها في الغالبِ، ولأنَّ جَمالَ اليَدِ الشَّلَّاء لا يكادُ يخْتَلِفُ، والإِصْبَعُ الزَّائدةُ تختلفُ باخْتلافِ مَحالِّها وصِفَتِها وحُسْنِها وقُبْحِها، فكيف يصِحُّ قِياسُها على اليَدِ! . ١٤٩٩ - مسألة؛ قال: (وَفِي الْبَطْنِ إِذَا ضُرِبَ فَلَمْ يَستَمْسِكِ الْغائِطَ الدِّيَةُ، وَفِى الْمَثَانَةِ إِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكِ الْبَوْلُ الدِّيَةُ) وبهذا قال ابنُ جُرَيْجٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ. ولم أعْلَمْ فيه مُخالِفًا، إلَّا أنَّ (١) ابن أبي موسى ذكرَ في المَثانةِ روِايةً أُخْرَى، فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ. والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ (٢) كُلَّ واحدٍ من هذين المَحَلَّين عُضوٌ فيه مَنْفعةٌ كبيرةٌ (٣)، ليس في البدنِ مثلُه، فوجبَ في تَفْويتِ مَنْفعتِه دِيَةٌ كاملةٌ، كسائرِ الأعْضاءِ المذكورة، فإنَّ نَفْعَ المثَانةِ حَبْسُ البَوْلِ، وحَبْسُ البطنِ الغائطَ مَنْفَعةٌ مِثْلُها، والنَّفْعُ بهما كثيرٌ، والضَّررُ بفَواتِهما عظيمٌ، فكان في كلِّ واحدةٍ منهما (٤) الدِّيَةُ، كالسَّمْعِ والبصرِ. وإنْ فاتَتِ المَنْفَعتانِ بجنايةٍ واحدَةٍ، وجبَ على الجاني ديَتانِ، كما لو أذْهبَ (٥) سَمْعَه وبصرَه بجنايةٍ واحدةٍ. ١٥٠٠ - مسألة؛ قال: (وَفِى ذَهَابِ الْعَقْلِ الدِّيَةُ) لا نعلمُ في هذا خلافًا. وقد رُوى ذلك (١) عن عمرَ، وزيدٍ، ﵄ (٢)، وإليه ذهبَ من بلَغَنا قولُه من الفقهاءِ. وفي كتاب النَّبِيِّ ﷺ لعَمْرو بن حَزْمٍ: "وَفِي

стр. 6289

الْعَقْلِ الدِّيَةُ" (٣). ولأنَّه أكبرُ المعانى قَدْرًا، وأعْظَمُ الحواسِّ نَفْعًا. فإنَّ به يتمَيَّزُ من البَهِيمةِ، ويَعرِفُ به حقائقَ المعلوماتِ، ويَهْتدِى إلى مَصالحِه، ويتَّقِى ما يضرُّه، ويدْخلُ به في التَّكْليفِ، وهو شَرْطٌ في ثُبوتِ الولاياتِ، وصحَّةِ التَّصَرُّفاتِ، وأداءِ العباداتِ، فكان بإيجابِ الدِّيَةِ أحَقَّ من بَقِيَّةِ الحَواسِ، فإنْ نقَصَ عَقلُه نقصًا معلومًا، مثل أنْ صارَ يُجَنُّ يومًا ويُفِيقُ يومًا، فعليه من الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذلك؛ لأنَّ ما وجَبَتْ فيه الدِّيَةُ، وجَب بعضُها في بعضِه بقَدْرِه، كالأصابعِ، وإنْ لم يُعْلَمْ، مثل أنْ صارَ مَدْهوشًا، أو يَفْزَعُ ممَّا لا يُفْزَعُ منه، وَيَسْتَوحِشُ إذا خَلَا، فهذا لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه، فتجبُ فيه حُكومةٌ. فصل: فإنْ أذْهبَ عقْلَه بجنايةٍ لا تُوجِبُ أرْشًا، كاللَّطْمةِ، والتَّخْويفِ، ونحو ذلك، ففيه الدِّيَةُ لا غيرُ. وإنْ أذهبَه بجنايةٍ تُوجِبُ أَرْشًا، كالجِراحِ، أو قَطْعِ عُضْوٍ، وجبَتِ الدِّيَةُ، وأَرْشُ الجُرْحِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ في الجديدِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القديم: يدْخلُ الأقلُّ منهما في الأكْثرِ، فإن كانت الدِّيَةُ أكثرَ من (٤) أَرْشِ الجُرْحِ، وجَبَتْ وحدَها، وإن كان أرشُ الجُرْحِ أكثرَ، كأنْ قَطَعَ يدَيْه ورِجْليَه، فذهبَ عَقْلُه، وجبَتْ دِيَةُ الجُرْحِ، ودخلَتْ دِيَةُ العَقْلِ فيه؛ لأن ذَهابَ العقلِ تخْتَلُّ معه مَنافِعُ الأعضاءِ، فدخَلَ أرْشُها فيه، كالموتِ. ولَنا، أنَّ هذه جنايةٌ أذْهبَتْ مَنفعةً من غيرِ مَحَلِّها مع بَقاءِ النَّفْسِ، فلم يتَداخَلِ الأرْشان، كما لو أوْضَحَه فذهبَ بصرُه أو سَمْعُه، ولأنَّه لو جَنَى على أُذُنِه أو أنْفِه، فذهبَ سَمْعُه أو شَمُّه، لم يدْخُلْ أرْشُهما (٥) في دِيَةِ الأنْفِ والأُذُنِ، مع قُرْبِهما منهما، فههُنا أوْلَى. وما ذكَرُوه (٦) لا

стр. 6290

يصحُّ؛ لأنَّه لو دخَلَ أرْشُ الجِراحِ (٧) في دِيَةِ العَقْلِ، لم يجبْ أرْشه إذا زاد على دِيَةِ العَقْلِ، كما أنَّ دِيَةَ الأعْضاءِ كلِّها مع القتلِ لا يجبُ بها أكثرُ من دِيَةِ النَّفسِ. ولا يصحُّ قولُهم: إنَّ مَنافعَ الأعْضاءِ تبْطُلُ بذَهابِ العقلِ، فإنَّ المَجنونَ تُضْمَنُ مَنافعُه وأعْضاؤُه بعدَ ذهَابِ عَقْلِه بما تُضْمَنُ به مَنافعُ الصَّحيحِ وأعضاؤُه، ولو ذهبتْ مَنافعُه وأعْضاؤُه، لم تُضْمَنْ، كما لا تُضْمَنُ مَنافعُ المَيِّتِ وأعْضاؤُه، وإذا جازَ أنْ تُضْمَنَ بالجنايةِ عليها بعدَ الجنايةِ عليه، جازَ ضَمانُها مع الجنايةِ عليه، كما لو جَنَى عليه فأذْهَبَ سمعَه وبصرَه بجِرَاحةٍ في غيرِ مَحَلِّهما (٨). فصل: فإن جَنَى عليه، فأذْهَبَ عقْلَه وسمعَه وبصرَهُ وكلامَه، وجَب أرْبَعُ ديَاتٍ مع أرْشِ الجُرْحِ. قال أبو قِلَابةَ: رُمِيَ (٩) رجلٌ (١٠) بحجرٍ، فذهبَ عقلُه وبصرُه (١١) وسمعُه ولسانُه، فَقضى فيه عمر بأربعِ دِيَاتٍ وهو حَيٌّ (١٢). ولأنَّه أذْهبَ مَنافعَ في كلِّ واحدٍ منها دِيَةٌ، فوجبتْ (١٣) عليه دِيَاتُها، كما لو أذْهَبَها بجِناياتٍ. فإنْ مات من الجنايةِ، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ دِيَاتِ المَنْافعِ كلَّها تدْخُلُ في دِيَةِ النَّفْسِ، كدِيَاتِ الأعْضاءِ. ١٥٠١ - مسألة؛ قال: (وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ، وَالصَّعَرُ: أَنْ يَضْرِبَهُ، فَيَصِيرَ وَجْهُهُ فِي جَانبٍ) أصلُ الصَّعَرِ، داءٌ يأخذُ البعيرَ في عُنُقِه، فيَلْتَوِي له (١) عنقُه، وقولُ اللهِ تَعالى:

стр. 6291

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (٢). أي: لا تُعْرِضْ عنهم بوَجْهِكَ تَكَبُّرًا، كإمالةِ وَجْهِ البعيرِ الذي به الصَّعَرُ، فمنْ جَنَى على إنسانِ جنايةً، فعوَّجَ عُنُقَه، حتى صارَ وَجْهُه (٣) في جانبٍ، فعليه دِيَةٌ كاملةٌ. رُوِيَ ذلك عن زيدِ بنِ ثابتٍ (٤). وقال الشافعيُّ: ليس فيه إلَّا حُكومةٌ؛ لأنَّه إذْهابُ جَمالٍ من (٥) غيرِ مَنْفَعةٍ. ولَنا، ما رَوَى مَكْحُولٌ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّه قال: وفي الصَّعَرِ الدِّيَةُ. ولم يُعْرَفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، فكان إجماعًا، ولأنَّه أذْهبَ الجمالَ والمَنْفَعةَ، فوجبتْ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كسائرِ المنافعِ. وقولُهم: لم يَذْهَبْ بمَنْفَعَتِه (٦). غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّه لا يَقْدِرُ على النَّظَرِ أمامَه، واتِّقاءِ ما يَحْذَرُه إذا مَشَى، وإذا نابَه أمْرٌ، أو دَهَمَه عَدُوٌّ، لم يُمْكِنْه العِلْمُ به، ولا اتِّقاؤُه، ولا يُمْكِنُه لَيُّ عُنُقِه ليتَعَرَّفَ (٧) ما يُرِيدُ نَظَرَه، ويَتَعَرَّفَ ما يَنْفعُه [مِمَّا يَضُرُّه] (٨). فصل: فإنْ جَنَى عليه، فصار الالْتِفاتُ عليه شاقًّا، أو ابْتِلاعُ الماءِ، أو غيرِه، ففيه حُكَومةٌ؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ بالمَنْفَعةِ كلِّها، ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُها. وإن صار بحيثُ لا يُمْكِنُه ازْدِرادُ رِيقِه، فهذا لا يكادُ يَبْقَى، فإنْ بَقِيَ مع ذلك، ففيه الدِّيَةُ؛ لأنَّه تَفْويتُ مَنْفَعةٍ ليس لها مِثْلٌ في البَدَنِ. ١٥٠٢ - مسألة؛ قال: (وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ، وَالسِّنُّ السَّوْدَاءُ) اليَدُ الشَّلَّاءُ: التي ذهبَ منها مَنْفَعةُ البطْشِ. والعينُ القائمةُ: التي ذهبَ بصرُها

стр. 6292

وصورتُها باقيةٌ كصُورةِ الصَّحيحةِ. واخْتلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيهما، وفي السِّنِّ السَّوداءِ، فعنه، في كلِّ واحدةٍ ثُلُثُ دِيَتِها. رُوى هذا عن عمر (١) بنِ الخطَّابِ (٢)، ومُجاهدٍ. وبه قال إسحاقُ. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، في العَيْنِ القائمةِ مائةُ دينارٍ (٣). والرِّوايةُ الثَّالثةُ عن أحمدَ، في كُلِّ واحدةٍ حُكومةٌ. وهذا قولُ مَسْرُوقٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالك، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، والنُّعْمانِ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُ دِيَةٍ كاملةٍ، لكوْنِها قدْ ذهبَتْ مَنْفَعتُها، ولا مُقدَّرَ فيها، فتجبُ الحُكومةُ فيها، كاليَدِ الزَّائدةِ. ولَنا، ما رَوى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ في الْعَيْنِ (٤) الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لمَكَانِها بِثُلثِ الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إِذَا قُطِعَتْ ثُلثُ دِيَتِها، وفي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إذَا قُلِعَتْ ثُلثُ دِيَتِها. روَاه النَّسائيُّ (٥)، وأخرجَهُ أبو داودَ (٦) في العَيْن وحدَها مُخْتصَرًا. وقولُ (٧) عمرَ، ﵁، رَواه قَتادةُ عن خِلَاسٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيْدةَ، عن يحيى بن يَعْمُرَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ، ﵁، قَضَى في الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إذا خَسَفَتْ، واليَدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطِعَتْ، والسِّنِّ السَّوْدَاءِ إذا كُسِرَتْ، ثُلثُ دِيَةِ كُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ (٨). ولأنَّها كاملةُ الصُّورةِ، فكان فيها مُقدَّرٌ كالصَّحيحةِ، وقولُهم: لا يُمْكِنُ إيجابُ مُقَدَّرٍ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّا قدْ ذكرْنا التَّقْديرَ وبَيَّنَّاهُ.

стр. 6293

فصل: قال القاضي: قولُ أحمدَ، ﵀: وفي (٩) السِّنِّ السَّوداءِ، ثُلُثُ دِيَتِها. مَحْمُولٌ على سِنٍّ ذهبَتْ مَنْفعَتُها، بحيثُ لا يُمْكِنُه أنْ يعَضَّ بها شيئًا (١٠)، أو كانت تفَتَّتَتْ، فأمَّا إن كانت مَنْفَعتُها باقيةً، ولم يَذهبْ منها إلَّا لَوْنُها، ففيها كمالُ دِيَتِها، سواءٌ قَلَّتْ مَنْفَعتُها، بأنْ عَجَزَ عن عَضِّ الأشياءِ الصُّلْبةِ بها، أو لم يَعْجِزْ؛ لأنَّها باقيةُ المَنْفَعةِ، فكمَلَتْ دِيَتُها، كسائرِ الأعضاءِ، وليس على مَن سوَّدَها إلَّا حُكومةُ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. والصَّحيحُ من مذهبِ أحمدَ ما يُوافِقُ ظاهرَ كلامِه؛ لظاهرِ الأخْبارِ، وقضاءِ عمرَ بنِ الخطَّابِ، ﵁، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، ولأنَّه ذهب جَمالُها بتَسْويدِها، فكمَلَتْ دِيَتُها على مَن سوَّدَها، كما لو سوَّدَ وجهَه. ولم يجبْ على مُتْلِفها أكثرُ مِن ثُلُثِ دِيَتِها، كاليَدِ الشَّلَّاءِ، وكالسِّنِّ إذا كانت بَيْضاءَ فانْقَلعَت، ونبَتَ مكانَها سَوداءُ، لمرضٍ فيها، فإنَّ القاضيَ وأصحابَ الشَّافعيِّ، سلَّموا أنَّها لا تكْمُلُ دِيَتُها. فصل: فإنْ نبتَتْ أسنانُ صَبِيٍّ سوداءَ، ثم ثغَرَ (١١)، ثم عادَتْ سوداءَ، فدِيَتُها تامَةٌ؛ لأنَّ هذا جِنْسٌ خُلِق على (١٢) هذه الصُّورةِ، فأشْبَهَ من خُلِقَ أسْوَدَ الجسمِ والوجْهِ جميعًا. وإنْ نبتَتْ أوَّلًا بَيْضاءَ، ثم ثُغِرَ، ثم عادتْ سوداءَ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرةِ، فإنْ قالوا: ليس السَّوادُ لعِلَّةٍ ولا مَرضٍ، ففيها أيضًا كمالُ دِيَتِها، وإن قالوا: ذلك لمرضٍ فيها. فعلى قالِعِها ثُلُثُ دِيَتِها، أو حُكومةٌ. وقد سلَّم القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ الحُكْمَ في هذه الصُّورةِ، وهو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوا فيه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الحُكْمُ فيما إذا (١٣) كانَتْ سوداءَ من ابْتداءِ الخِلْقةِ هكذا؛ لأنَّ المرضَ قد يكونُ في فيه من ابْتداءِ خِلْقتِه، فيثْبُتُ حُكْمُه في نَقْصِ (١٤) دِيَتِها، كما لو كان طارِئًا.

стр. 6294

فصل: وفي لسانِ الأخْرسِ رِوَايتانِ أيضًا، كالرِّوايتَيْنِ في اليَدِ الشَّلَّاءِ. وكذلك كلُّ عُضْوٍ ذهبَتْ مَنفَعتُه، وبَقِيَتْ صُورتُه، كالرِّجْلِ الشَّلَّاءِ، والإِصْبَعِ والذَّكرِ إذا كان (١٥) أشَلَّ، وذكَرِ الخَصِيِّ والعِنِّينِ إذا قُلنا: لا تكْمُلُ ديَتُهما. وأشْباهِ هذا، فكلُّه يُخرَّجُ على الرِّوايتَيْنِ؛ إحداهما؛ فيه ثُلْثُ دِيَتِه. والأُخْرَى، حُكومةٌ. فصل: فأمَّا اليَدُ أو الرِّجْلُ أو الإِصْبَعُ أو السِّنُّ الزَّوائدُ، ونحوُ ذلك، فليس فيه إلَّا حُكومةٌ. وقال القاضي: هذا في مَعْنى اليَدِ الشَّلَّاءِ، فتكونُ على قِيَاسِها، يُخرَّجُ على الرِّوايتَيْنِ. والذي ذكرْنَاه أصَحُّ؛ لأنَّه لا تَقْديرَ في هذا، ولا هو في معنى المُقَدَّرِ، ولا يصِحُّ قياسُ هذا على العُضْوِ الذي ذهبَتْ مَنْفَعتُه وبَقِىَ جمالُه؛ لأنَّ هذه الزِّوائدَ لا جَمالَ فيها، إنَّما هي شَيْنٌ في الخِلْقة، وعَيْبٌ يُرَدُّ به الْمَبِيعُ، وتَنْقُصُ به القِيمةُ، فكيفَ يصِحُّ قياسُه على ما يحْصُلُ به الجمالُ؟ ثم لو حصَلَ به جَمالٌ مَّا، لكنَّه يُخالِفُ جمالَ العُضْوِ الذي يحصُلُ به تَمامُ الخِلْقةِ، ويختلفُ في نفسِه اخْتلافًا كثيرًا، فوجبَتْ فيه الحُكومةُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ فيه شيءٌ؛ لما ذكَرْنا. فصل: واخْتلفَتِ الرِّوايةُ في قَطْعِ الذَّكرِ بعدَ حَشَفَتِه، وقَطْعِ الكَفِّ بعدَ أصابعِه؛ فرَوى أبو طالبٍ عن أحمدَ، فيه ثُلثُ دِيَتِه، وكذلك شَحْمةُ الأُذُنِ. وعن أحمدَ في ذلك كلِّه حُكومةٌ. والصَّحيحُ في هذا، أنَّ فيه حُكومةً؛ لعَدَمِ التَّقديرِ فيه، وامْتناعِ قِيَاسِه على ما فيه تَقْديرٌ، لأنَّ الأَشلَّ (١٦) بَقِيَتْ صُورتُه، وهذا لم تَبْقَ صُورتُه، إنَّما بَقِيَ بعضُ ما فيه الدِّيَةُ، أو أصلُ ما فيه الدِّيَةُ. فأمَّا قَطْعُ الذِّراعِ بعدَ قطْعِ الكفِّ، والسَّاقِ بعدَ قطْعِ القَدَمِ، فينْبغِى أنْ تجبَ الحُكومةُ فيه، وجهًا واحدًا؛ لأنَّ إيجابَ ثُلثِ دِيَةِ اليَدِ فيه، يُفْضِي إلى أن يكونَ الواجبُ فيه معَ بَقاءِ الكَفِّ والقَدَمِ وذَهابِهما واحدًا، مع تَفاوُتِهما وعَدَمِ النَّصِّ فيهما. واللهُ أعلمُ.

стр. 6295

١٥٠٣ - مسألة؛ قال: (وَفِي إِسْكَتَيِ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ) الإِسْكتَانِ: هُما اللَّحمُ المُحِيطُ بالفَرْجِ مِنْ جانِبَيْه، إحاطةَ الشَّفَتيْنِ بالفَمِ. وأهلُ اللُّغةِ يقولونَ: الشَّفْرانِ حاشِيَتَا الإِسْكَتيْنِ، كما أن أشْفارَ العَيْنِ أهْدابُها. وفيهما دِيَةُ المرأةِ إذا قُطِعَتَا (١). وبهذا قال الشَّافعيُّ. وقالَه (٢) الثَّوْرِيُّ، إذا لم يُقْدَرْ على جِمَاعِها. وقضَى به محمدُ بنُ سُفْيان (٣) إذا بلَغ العَظْمَ؛ لأنَّ فيهما جَمالًا ومَنْفَعةً، وليس في البدَنِ غيرُهما من جِنْسِهما، فوجبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما فيه منه شيئانِ، وفي إحْداهما نصفُ الدِّيَةِ، كما ذكرْنا في غيرِهما. وإنْ جَنَى عليهما فأشلَّهما، وجبَتْ دِيَتُهما، كما لو جَنَى على شَفَتَيْه فأشلَّهما. ولا فرقَ بين كَوْنِهما غَلِيظتيْنِ أو دَقِيقتَيْنِ, قصيرتَيْنِ أو طَوِيلتَيْن، من بكرٍ أو ثَيِّبٍ، أو صغيرةٍ أو كبيرةٍ، مَخْفُوضةٍ أو غيرِ مَخْفُوضةٍ؛ لأنَّهما عُضْوان فيهما الدِّيَةُ، فاسْتَوى فيهما جميعُ ما ذكرْنا، كسائرِ أعضائِها، ولا فرقَ بين الرَّتْقاء وغيرِها؛ لأنَّ الرَّتَقَ عَيبٌ في غيرِهما، فلم ينْقُصْ دِيَتَهما، كما أنَّ الصَّممَ لم يَنْقُصْ دِيَةَ الأذُنَيْنِ. والخَفْضُ: هو الخِتانُ في حقِّ المرأةِ. فصل: وَفِي رَكَبِ المرأةِ حُكومةٌ، وهو عَانَةُ المرأةِ، وكذلك في عَانةِ الرَّجُلِ؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، ولا هو نَظِيرٌ لما قُدِّرَ فيه، فإنْ أُخِذَ منه شيءٌ مع فَرْجِ المرأةِ أو ذكرِ الرَّجُلِ، ففيه الحُكومةُ مع الدِّيَةِ، كما لو أُخِذَ مع الأنْفِ أو الشَّفَتيْنِ (٤) شيءٌ من اللَّحْمِ الذي حَوْلَهما. ١٥٠٤ - مسألة؛ قال: (وَفِي مُوضِحَةِ الْحُرِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، والمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَواءٌ، وَهِىَ (١) الَّتِي تُبْرِزُ الْعَظْمَ) هذه من شِجَاجِ الرَّأْسِ أو الوَجْهِ، وليس في الشِّجاجِ ما فيه قِصاصٌ سِواها، ولا يجبُ

стр. 6296

المُقدَّرُ في أقلَّ منها، وهي التي تَصِلُ إلى العَظْمِ، سُمِّيَتْ مُوضِحَةً؛ لأنَّها أبدَتْ وَضَحَ العَظْمِ، وهو بَياضُه. وأجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ أرْشَها مُقَدَّرٌ. قالَه ابنُ المنذرِ. وفي كتابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرو بن حَزْمٍ: "وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبلِ" (٢). [ورُوِيَ عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "في الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ"] (٣). روَاه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتِّرمِذيُّ (٤)، وقال: حديثٌ حَسنٌ. وقولُ الْخِرَقِيِّ: فِي مُوضِحَةِ الحُرِّ. يَحْتَرِزُ به من مُوضِحَةِ العَبْدِ. وقوله: سَواءٌ كانَ من رَجُلٍ أو امرأةٍ. يعني أنَّهما لا يَخْتلفانِ في أرْشِ المُوضِحَةِ؛ لأنَّها دُونَ ثُلثِ الدِّيَةِ، وهما يسْتويَانِ فيما دونَ الثُّلثِ، ويخْتلِفان فيما زَادَ. وعندَ الشافعيِّ أنَّ مُوضِحَةَ المرأةِ على النِّصْفِ مِن مُوضِحَةِ الرجلِ، بِناءً على أنَّ جِراحَ المرأةِ على النِّصفِ مِن (٥) جِرَاحِ الرَّجُلِ في الكثيرِ والقليل. وسنذْكرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تعالى. وعُمومُ الحديثِ الذي رَويْناه ههُنا حُجَّةٌ عليه، وفيه كِفايةٌ. أكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ المُوضِحَةَ في الرَّأْسِ والوجهِ سَواءٌ. رُوِى ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، ﵄. وبه قال شَريْحٌ، ومَكْحُولٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْريُّ، ورَبِيعةُ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ الحسنِ (٦)، وأبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ، وإسحاقُ. ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: تُضَعَّفُ مُوضِحَةُ الوَجْهِ على مُوضِحةِ الرَّأْسِ، فيجبُ في مُوضِحَةِ الوَجْهِ عَشْرٌ منَ الإِبلِ؛ لأنَّ شَيْنَها أكثرُ. وذكرَهُ الْقاضي رِوايةً عن أحمدَ. ومُوضِحةُ الرأسِ يسْتُرُها الشَّعَرُ والعِمامةُ.

стр. 6297

وقال مالكٌ: إذا كانتْ في الأنْفِ أو فِي اللَّحْيِ الأَسْفلِ، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّها تَبْعُدُ عن الدِّماغِ، فأشْبهَتْ مُوضِحةَ سائرِ البدنِ. ولَنا، عُمومُ الأحاديثِ، وقولُ أبي بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما: المُوضِحَةُ في الرَّأْسِ والوجْهِ سواءٌ (٧). ولأنَّها مُوضِحَةٌ، فكان أرشُها خمسًا مِنَ الإِبلِ، كغيرِها ممَّا سَلَّمُوه، ولا عِبْرةَ بكثْرةِ الشَّيْنِ، بدليل التَّسْوِيَةِ بين الصَّغيرةِ والكبيرةِ. وما ذكروه لمالكٍ لا يصحُّ؛ فإنَّ المُوضِحَةَ في الصدْرِ أكثرُ ضَررًا، وأقْرَبُ إلى القلبِ، ولا مُقدَّرَ فيها. وقد رُوى عن أحمدَ، ﵀، أنَّه قال: مُوضِحَةُ الوَجْهِ أَحْرَى أنْ يُزادَ في دِيَتِها. وليسَ (٨) معنى هذا أنَّه يجبُ فيها أكثرُ واللهُ أَعلمُ، وإنَّما مَعْناه أنَّها أَوْلَى بإيجابِ الدِّيَةِ، فإنَّها (٩) إذا وجب (١٠) في مُوضِحَةِ الرأْسِ مع قِلَّةِ شَيْنِها واستِتارِها بالشَّعَرِ وغِطاءِ الرأْسِ، خمسٌ من الإِبلِ، فَلأنْ يجبَ ذلك في الوَجْهِ الظَّاهرِ، الذي هو مَجْمَعُ الْمَحاسنِ، وعُنْوانُ الجمال، أوْلَى. وحَمْلُ كلامِ أحمدَ على هذا، أوْلَى من حمْلِه على ما يُخالفُ الخبرَ والأثرَ وقولَ أكثرِ أهلِ العلم، ومصيرُه إلى التَّقديرِ بغيرِ تَوْقيفٍ، ولا قِياسٍ صَحيحٍ. فصل: ويجبُ أرْشُ المُوضِحَةِ في الصَّغيرةِ والكَبيرةِ، والبارزةِ والمَسْتُورةِ بالشَّعَرِ؛ لأنَّ اسْمَ المُوضِحةِ يشْملُ الجميعَ. وحَدُّ المُوضِحَةِ ما أفْضَى إلى العَظْمِ، ولو بقدرِ إبْرَةٍ. ذكَره ابنُ القاسمِ، والقاضى. فإنْ شجَّه في رأْسِه شَجَّةً، بعضُها مُوضِحَةٌ، وبعضُها دُونَ المُوضِحَةِ، لم يَلْزَمْهُ أكثرُ من أَرْشِ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّه لو أوْضَحَ الجميعَ لم يَلْزَمْه أكثرُ في أَرْشِ مُوضِحَةٍ، فلأَنْ لا يَلْزَمَه في الإِيضاحِ في البعض أكثرُ من ذلك أوْلَى، وهكذا لو شجَّه شَجَّةً بعضُها هاشِمَةٌ، وباقِيها دُونَها، لم يَلْزَمْه أكثرُ من أرْشِ

стр. 6298

هَاشِمةٍ، وإنْ كانت مُنَقِّلَةً وما دُونها، أو مَأْمُومةً. وما دونها، فعليه أرْشُ مُنَقِّلَةٍ أو مَأمُومَةٍ؛ لما ذكَرْنَا. فصل: وليس في مُوضِحَةِ غيرِ الرأْسِ والوَجْهِ مُقَدَّرٌ، في قولِ أكْثرِ أهْلِ العلم؛ منهم إمامُنا، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِر. قال ابنُ عبدِ البرِّ: ولا يكونُ في البدَنِ مُوضِحَةٌ. يعني ليس فيها مُقَدَّرٌ. قال: وَعَلى ذلك جاعةُ العلماءِ إلَّا اللَّيْثَ بنَ سَعْدٍ، قال: المُوضِحَةُ تكونُ فِي الجسَدِ أيضًا. وقال الأوزاعيُّ في جِراحةِ الجسَدِ على النِّصفِ من جراحةِ الرأسِ. وَحُكِيَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ الخُراسَانِيِّ، قال: فِي المُوضِحَةِ في سائرِ الجسدِ خمسةٌ وعشْرون دِينارًا. ولَنا، أنَّ اسمَ المُوضِحَةِ إنَّما يُطْلَقُ على الجِراحةِ المَخْصوصةِ في الوَجْهِ والرأسِ، وقولُ الخليفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ: المُوضِحَةُ في الوجْهِ والرأسِ سواءٌ. يدُلُّ على أنَّ باقِيَ الجسدِ بخلافِه، ولأنَّ الشَّيْنَ فيما في الرأْسِ والوَجْهِ أكثرُ وأخْطرُ ممَّا في سائرِ البدنِ، فلا يَلْحَقُ به، ثُمَّ إيجابُ ذلك في سائرِ البدنِ يُفْضِي إلى أنْ يجبَ في مُوضحةِ العُضوِ أكثرُ من دِيَتِه، مثل أن يُوضِحَ أُنْمُلةً دِيَتُها ثلاثةٌ وثُلثٌ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسةٌ. وأمَّا قولُ الأوْزَاعيِّ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، فَتَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا قياسَ يقْتَضيه، فيجبُ اطِّرَاحُه. فصل: وإنْ أوْضَحَه في رأْسِه، وجرَّ السِّكِّينَ إلى قَفاه، فعليه أَرْشُ مُوضِحَةٍ، وحُكومةٌ لجُرْحِ الْقَفا؛ لأنَّ القَفا ليس بمَوْضِعٍ (١١) للمُوضِحَةِ. وإنْ أوْضَحَهُ في رَأْسِه، ومدَّها إلى وجههِ، فعلى وَجْهين؛ أحدهما، أنَّها مُوضِحَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الوَجْهَ والرأْسَ سواءٌ في المُوضِحَةِ، فصار كالعُضْوِ الواحدِ. والثاني؛ هما مُوضِحَتان؛ لأنَّه أَوْضَحَه في عُضْوَيْن، فكان لكلِّ واحدٍ منهما حُكْمُ نفسِه، كما لو أوْضَحَه في رَأسِه ونزَلَ إلى الْقَفا. فصل: وإنْ أَوْضَحَه في رأسِه مُوضِحَتَيْنِ، بينهما حاجزٌ، فعليه أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأنَّهما مُوضِحتانِ. فإنْ أزالَ الحاجزَ الذي بينهما، وجبَ أرْشُ مُوضِحَةٍ واحدةٍ؛

стр. 6299

لأنَّه صارَ الجميعُ بفعلِه مُوضِحَةً، فصارَ كما لو أوْضَحَ الكلَّ من غيرِ حَاجزٍ يَبْقَى بينهما. وإن انْدَملَتا، ثم أزالَ الحاجِزَ بينهما، فعليه أَرْشُ ثلاثِ مَواضِحَ؛ لأنَّه اسْتقَرَّ عليه أرْشُ الأُولَيَيْنِ بالانْدِمالِ، ثم لَزِمَتْه دِيَةُ الثَّالثةِ (١٢). وإنْ تَأكَّل ما بينهما قبْلَ انْدِمالِهما فزالَ، لم يَلْزَمْه أكثرُ من أرشِ واحدةٍ؛ لأنَّ سِرَايةَ فِعْلِه كفِعْلِه. وإن انْدَمَلَتْ إحداهُما وزالَ الحاجزُ بِفعله، أو سِرَايةِ الأُخْرَى، فعليه أرْشُ مُوضِحَتَيْنِ. وإنْ أزالَ الحاجزَ أجْنَبِيٌّ، فعلى الأوَّلِ أَرْشُ مُوضحَتَيْن، وعلى الثَّاني أرشُ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّ فِعلَ أحدِهما لا يَنْبنِي على فِعلِ الآخَرِ، فانْفَردَ كلُّ واحدٍ منهما بحُكْمِ جنايتِه. وإنْ أزالَه المَجْنِيُّ عليه، وجبَ على الأوَّلِ أرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأنَّ ما وجبَ بجنايتِه لا يسْقُطُ بفِعْلِ غيرِه. فإنِ اخْتَلَفا، فقال الجاني: أنا شَقَقْتُ ما بينهما. وقال المَجْنِيُّ عليه: بَلْ أنا. أو: أزَالها آخَرُ سِواكَ. فالقولُ قولُ المَجْنِيِّ عليه؛ لأنَّ سببَ أرْشِ مُوضِحَتَيْن قد وُجِدَ، والجاني يدَّعِي زَوالَه، والمَجْنِيُّ عليه يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِر، والأصْلُ معه. وإن أوْضَحَ مُوضِحَتيْن، ثُمَّ قطَعَ اللَّحْمَ الذي بينهما في الباطنِ، وتركَ الجِلْدَ الذي فوقَها (١٣) ففيها (١٤) وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه أرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لانْفِصَالِهما في الظَّاهرِ. والثَّاني، أرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لاتِّصالِهما في الباطنِ. وإنْ جَرحَه جِرَاحًا واحدةً، أوْضَحَه (١٥) في طَرَفَيْها، وباقِيها دُونَ المُوضِحَة، ففيه أرْشُ مُوضِحتَيْن، لأنَّ ما بينهما ليس بِمُوضِحَةٍ. ١٥٠٥ - مسألة؛ قال: (وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَهِي الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وتَهْشِمُهُ) الهاشِمةُ: هي التي تتجاوزُ المُوضِحةَ، فتَهْشِمُ العظمَ، سُمِّيَتْ هاشِمةً؛ لهشْمِها

стр. 6300

العظْمَ. ولم يَبلُغْنا عن النَّبِيِّ ﷺ فيها تَقْدِيرٌ، وأكثرُ مَن بلَغَنا قولُه من أهلِ العلم، على أنَّ أرْشَها مُقَدَّرُ بعَشْرٍ من الإِبلِ. رَوَى ذلك قَبِيصَةُ بن ذُؤَيْب، عن زيدِ بن ثابتٍ (١). وبه قال قَتادةُ، والشَّافعيُّ، والعَنْبريُّ، ونحوُه قولُ (٢) الثَّوْريِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّهم قدَّروها بعُشْرِ الدِّيَةِ من الدَّراهم، وذلك على قولِهم ألفُ دِرْهم. وكان الحسنُ لا يُوَقِّتُ فيها شيئا. وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه قال: لا أعْرِفُ الهاشِمَةَ، لكنْ في الإِيضاحِ خمسٌ، وفي الهَشْمِ حُكومةٌ. قال ابن المُنْذِرِ: النَّظَرُ يدُلُّ على قولِ الحسنِ؛ إذْ لا سُنَّةَ فيها وَلا إجماعَ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ فيها عن النَّبِيِّ ﷺ تَقْديرٌ، فوجبَتْ فيها الحُكومةُ، كما دُونَ المُوضِحَةِ. ولَنا، قولُ زيدٍ، ومثْلُ ذلك الظَّاهرُ أنَّه تَوْقيفٌ، ولأنَّه لم نَعْرِفْ له مُخالِفًا في عَصْرِه، فكانَ إجْماعًا، ولأنَّها شَجَّةٌ فوقَ المُوضِحَة تَخْتَصُّ باسمٍ، فكان فيها مُقدَّرٌ كالمَأْمُومةِ. فصل: والهاشِمَةُ في الرأسِ والوجهِ خاصَّةً، على ما ذكرْنا في المُوضِحَةِ. وإن هشَمَه هاشِمَتَيْنِ، بينهما حاجِزٌ، ففيهما عِشْرون منَ الإِبلِ، على ما ذكَرْنا في المُوضِحَةِ من التَّفْصيلِ. وتَسْتَوِي الهاشِمةُ الصغيرةُ والكبيرةُ. وإن شَجَّه شجَّةً، بعضُها مُوضِحَةٌ، وبعضُها هاشِمَةً، وبعضها سِمْحاقٌ، وبعضُها مُتلاحِمَةٌ، وجبَ أرشُ الهاشِمةَ؛ لأنَّه لو كانَ جميعُها هاشمةً، أجْزَأَ أَرْشُها، ولو انْفرَدَ القَدْرُ المهشومُ، وجبَ أرشُها، فلا يُنْتَقَصُ (٣) ذلك بما (٤) زادَ من الأرْشِ في غيرِها. وإن ضربَ رأسَهُ، فهشَمَ العظْمَ، ولم يُوضِحْه، لم تجبْ دِيَةُ الهاشِمَةِ. بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ أَرْشَ (٥) المُقدَّرِ وجبَ في هاشِمَةٍ يكونُ (٦) معها مُوضِحَةٌ، وفي الواجبِ فِيها وجهانِ؛ أحدهما؛ فيها خمسٌ من الإِبلِ؛

стр. 6301

لأنَّه لو أوْضَحَ وكسرَ، لَوجَبتْ (٧) عشرٌ؛ خمسٌ في الإِيضاحِ، وخمسٌ في الكَسْرِ، فإذا وُجِدَ الكسْرُ دونَ الإيضاحِ، وجبَ خمسٌ. والثاني: تحبُ حُكومةٌ؛ لأنَّه كَسْرُ عَظْمٍ لا جُرْحَ معه، فأشْبَهَ كَسْرَ قَصَبةِ الأنْفِ. فصل: فإنْ أوْضَحه مُوضِحَتَيْنِ، هَشَمَ العَظْمَ في كلِّ واحدةٍ منهما، واتَّصَلَ الهَشْمُ في الباطنِ، فهما هاشِمَتان؛ لأنَّ الهشْمَ إنَّما يكونُ تَبَعًا للإِيضاحِ، فإذا كانتا مُوضِحَتيْنِ، كان الهَشْمُ هاشِمَتَيْنِ، بخلافِ المُوضِحَةِ، فإنَّها ليست تَبَعًا لغيرِها، فَافْتَرقا. ١٥٠٦ - مسألة؛ قال: (وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَهِى الَّتي تُوضِحُ وتُهْشِمُ وتَسْطُو حَتَّى تَنْقُلَ عِظَامَهَا) المُنَقِّلَةُ: زائدةٌ على الهاشِمَةِ، وهي التي تكْسِرُ العظامَ وتُزِيلُها عن مَواضِعِها، فيَحْتاجُ إلى نَقْلِ العَطمِ ليَلْتَئِمَ. وفيها خمسَ عشرةَ منَ الإِبلِ. بإجماعٍ من أهلِ العلمِ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ. وفي كتابِ النَّبيِّ ﷺ لعمْروِ بنِ حَزمٍ: "وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ (١) عَشرَةَ مِنَ الْإِبِلِ" (٢). وفي تَفصِيلها ما في تَفْصِيلِ المُوضِحَة والهاشِمَةِ، على مَا مضى. ١٥٠٧ - مسألة؛ قال: (وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثلثُ الدِّيَةِ، وَهِي الَّتي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِي الْآمَّةِ (١) مِثلُ مَا فِي المَأْمُومَةِ) المَأْمُومةُ والآمَّةُ شيءٌ واحدٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أهلُ العراقِ يقولونَ لها: الآمَّةُ. وأهلُ

стр. 6302

الحجاز: المَأْمُومَةُ. وهي الجراحةُ الوَاصِلةُ إلى أُمِّ (٢) الدِّماغِ، [وهي جِلْدةٌ فيها الدِّماغُ] (٣)؛ سُمِّيَتْ أُمَّ الدِّماغِ؛ لأنَّها تَحُوطُه وتَجْمعُه، فإذا وَصَلَت الجِراحةُ إليها سُمِّيَتْ آمَّةً ومَأْمُومةً. يُقالُ: أَمَّ الرَّجلَ آمَّةً ومَأْمُومةً، وأرْشُها ثُلثُ الدِّيَة. في قوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا مَكحُولًا. فإنَّه قال: إنْ كانتْ عمدًا. ففيها ثُلثَا الدِّيَةِ، وإن كانت خطَأً ففِيها ثُلثُها. ولَنا، قولُ النَّبيِّ ﷺ ، في كتابِ عَمْرو بن حَزْمٍ: "وَفِي المأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ" (٤). وعن ابن عمرٍو (٥)، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْل ذلك. ورُوِيَ نحوُه عن عليٍّ (٥). ولأنَّها شَجَّةٌ فلم يخْتَلِفْ أَرْشُها بالعَمْدِ والخطَإِ في المِقْدارِ، كسائر الشِّجاجِ. فصل: وإنْ خَرَقَ جِلْدةَ الدِّماغِ، فهي الدَّامِغَةُ، وفيها ما في المَأْمُومةِ. قال القاضي: لم يذْكُرْ أصحابُنا الدَّامِغةَ، لمُساواتِها المأْمُومةَ في أَرْشِها، وقيل: فيها مع (٦) ذلك حُكومةٌ؛ لخَرْقِ جِلْدةِ الدِّماغ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم تَركُوا ذِكْرَها [لكَوْنِ صاحبِها لا يَسْلَمُ] (٧) في الغالبِ. فصل: فإنْ أَوْضَحَه رجلٌ، ثُمَّ هشَمَه (٨) الثَّاني، ثم جعَلها الثالثُ مُنَقِّلَةً، ثُمَّ جعلها الرابعُ مَأْمُومةً، فعلى الأوَّلِ أرْشُ مُوضِحَةٍ (٩)، وعلى الثَّاني خَمْسٌ، تَمامُ أرْشِ الهاشِمَةِ، وعلى الثَّالثِ خَمْسٌ، تَمام أرْشِ المُنَقِّلَةِ، وعلى الرَّابعِ ثمانيةَ عشرَ وثُلُثٌ، تَمامُ أرْش المَأْمومةِ.

стр. 6303

١٥٠٨ - مسألة؛ قال: (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِى الَّتي تَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ) وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، منهم أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأهلُ الحديثِ، وأصحابُ الرَّأْيِ، إلَّا مَكْحولًا، قال فيها: في الْعمدِ ثُلثَا الدِّيَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ في كِتاب عَمْرو بن حَزْم: "وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلْثُ الدِّيةِ" (١). وعن ابن عمرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ مثلُ ذلك (٢). ولأنَّها جِرَاحةٌ فيها مُقَدَّرٌ، فلم يخْتلِفْ قدْرُ أَرْشِها بالعَمْدِ والخَطَإِ، كالمُوضِحَة، ولا نعلمُ في جِرَاح البَدَنِ الخاليةِ عن قَطْعِ الأعْضاءِ وكسْرِ العِظامِ مقدَّرًا غيرَ الجائفةِ، والجائفةُ: ما وصل إلى الجَوْفِ من بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو صَدْرٍ، أو ثَغْرةِ نَحْرٍ، أو وَرِكٍ، أو غيرِه. وذكرَ ابنُ عبد البَرِّ، أنَّ مالكا، وأبا حنيفةَ، والشَّافعيَّ، والْبَتِّيَّ، وأصْحابَهم، اتَّفَقُوا على أن الجائفةَ لا تكونُ إلَّا في الجَوْف. قال ابنُ القاسِم: الجائفةُ ما أفْضَى إلى الجَوْفِ ولو بمَغْرِزِ إبْرَةٍ، فأمَّا إنْ خَرَقَ شِدْقَه. فوصل إلى باطِنِ الفَمِ، فليس بجائفةٍ؛ لأنَّ داخلَ الفَمِ حُكْمُه حُكْمُ الظَّاهرِ، لا حُكْمُ الباطنِ. وإنْ طَعنَه في وَجْنَتِه، فكسرَ العَظْمَ، ووصَلَ إلى فِيهِ، فليس بجائفةٍ؛ لما ذكرْنَا. وقال الشَّافعيُّ، في أحدِ قوليْهِ: هو جائفةٌ؛ لأنَّه قد وصل إلى جَوْفٍ. وهذا ينْتَقِضُ بما إذا خَرَق شِدْقَه. فعلى هذا يكونُ عليه دِيَةُ هاشمةٍ، لكَسْرِ العظمِ، وفيما زادَ حُكومةٌ. وإنْ جَرَحَه في أَنْفِه فأنْفَذَه، فهو كما لو جَرَحَه في وَجْنَتِه فأنْفَذَه إلى فِيهِ، في الحُكْمِ والخلافِ. وإنْ جَرَحَه في ذَكَرِه، فوصلَ إلى مَجْرَى البَوْلِ مِن (٣) الذَّكَر، فليس بجائِفة؛ لأنَّه ليس بجَوْفٍ يُخافُ التَّلَفُ من الوُصولِ إليه، بخلاف غيرِه. فصل: وإن أجافَه جائفَتَيْنِ، بينهما حاجِزٌ، فعليه ثُلثا الدِّيَةِ. وإنْ خَرَقَ

стр. 6304

الجاني ما بينهما، أو ذهبَ بالسَّرَايةِ، صار جائفةً واحدةً، فيها (٤) ثُلثُ الدِّيَةِ لا غيرُ. وإن خَرقَ ما بينهما أجْنَبِيٌّ، أو المَجْنِيُّ عليه، فعلى الأوَّل ثُلثا الدِّيَةِ، وعلى الأجْنَبِيِّ الثَّاني ثُلثُها، ويسْقُطُ ما قابلَ فِعْلَ المَجْنِيِّ عليه. وإن احْتاجَ إلى خَرْق ما بينهما للمُداواةِ، فخَرقها المَجْنِيُّ عليه أو غيرُه بأمْرِه، أو خرقها وَلِيُّ المَجْنِيِّ عليه لذلك، أو الطَّبِيبُ بأمْرِه، فلا شىءَ في خَرْق الحاجزِ، وعلى الأوَّل ثُلثَا الدِّيَةِ. وإن أجافَه رجلٌ، فوسَّعَها آخَرُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما أرْشُ جائفةٍ؛ لأنَّ فعلَ كُلِّ واحدٍ منهما لو انْفَردَ كانَ جائفةً، فلا يسْقُطُ حُكْمُه بانْضمامِه إلى فعلِ غيرهِ، لأنَّ (٥) فعلَ الإِنسان لا يَنْبَنِى على فِعْلِ غيرِه. وإن وسَّعها الطبيبُ بإذنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه لمصلحتِه، فلا شىءَ عليه. وإن وَسَّعها جانٍ آخَرُ، في الظَّاهر دُونَ الباطنِ، أو في الباطنِ دُونَ الظاهرِ، فعليه حُكومةٌ؛ لأنَّ جِنايتَه لم تبلُغ الجائفةَ. وإنْ أدخلَ السِّكِّينَ في الجائفةِ ثم أخْرجَها، عُزِّرَ، ولا أرْشَ عليه. وإنْ كان قد خاطَها، فجاءَ آخَرُ، فقَطَع الخُيوطَ، وأدخلَ السِّكِّينَ فيها قبلَ أنْ تلْتَحِمَ، عُزِّرَ أشدَّ من التَّعْزيرِ (٦) الذي قبلَه، وغَرِمَ (٧) ثمنَ الخُيوطِ وأُجْرةَ الخَيَّاطِ، ولم يَلْزَمْه أرْشُ جائفَةٍ؛ لأنَّه لم يُجِفْهُ. وإن فعلَ ذلك بعدَ الْتحامِها، فعليه أرْشُ الجائفةِ وثمنُ الخُيوطِ؛ لأنَّه بالالْتِحامِ عادَ إلى الصِّحَّةِ، فصار كالذي لم يُجْرَحْ. وإن الْتَحمَ بعضُها دونَ بعضٍ، ففتَقَ بَعْضَ (٨) ما الْتَحَمَ، فعليه أرْشُ جائفةٍ؛ لما ذكرْنا. وإن فتَق غيرَ ما الْتَحمَ (٩)، فليس عليه أرْشُ الجائفةِ، وحكْمُه حكمُ مَنْ فعلَ مثلَ فِعْله قبلَ أن يلْتَحِمَ منها شيءٌ. وإن فتَقَ بعضَ ما الْتَحَم في الظَّاهرِ دونَ الباطنِ، أو الباطنِ دُون الظاهرِ، فعليه حكومةٌ، كما لو وسَّعَ جُرْحَه كذلك.

стр. 6305

فصل: وإنْ جَرحَ فَخِذَه، ومدَّ السِّكِّينَ حتى بلغَ الوَرِكَ، فأجافَ (١٠) فيه، أو جرَح الكَتِفَ، وجرَّ السِّكِّين حتى بلَغ الصَّدرَ، فأجافَه فيه، فعليْه أرْشُ الجائفةِ وحكومةٌ في الجِراحِ؛ لأنَّ الجِراحَ في غير مَوْضِعِ الجائفةِ، فانْفَردَتْ بالضَّمانِ، كما لو أوْضَحَه في رأسهِ وجَرَّ السِّكِّينَ حتى بلغَ الْقَفا، فإنَّه يَلْزَمُه أرْشُ مُوضِحَةٍ وحُكومةٌ لجرْحِ الْقَفا. فصل: فإنْ أدخلَ حَدِيدةً أو خَشَبةً، أو يدَه، في دُبُرِ إنسانٍ، فخَرقَ حاجِزًا في الباطن، فعليه حُكومةٌ، ولا يلْزَمُه أرْشُ جائفةٍ؛ لأنَّ الجائفةَ ما خَرقَتْ من الظَّاهرِ إلى الجَوْفِ، وهذه بخلافِه. وكذلك لو أدْخَل السِّكِّينَ في جائفةِ إنسانٍ، فخَرقَ شيئًا في الباطنِ، فليس ذلك بجائفةٍ؛ لما ذكرْنا. ١٥٠٩ - مسألة؛ قال: (فَإنْ جَرَحَه فِي جَوْفِه، فَخَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَهُمَا (١) جَائِفَتَانِ) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، ومُجاهدٌ، وقتادةُ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. قال ابنُ عبدِ البرِّ: لا أعلمُهم يخْتلفون في ذلك. وحُكِيَ عن بعضِ أصْحابِ الشَّافعيِّ، أنَّه قال: هي جَائفةٌ واحدةٌ. وحُكِيَ أيضًا عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الجائفةَ هي التي تَنْفُذُ من ظاهرِ البدنِ إلى الجَوْفِ، وهذه الثانية إنَّما نفَذَتْ من الباطنِ إلى الظَّاهِرِ (٢). ولَنا، ما رَوى سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، أنَّ رَجُلًا رَمى رَجُلًا بسَهْم، فأنْفَذَه، فقضَى أبو بكرٍ، ﵁، بثُلثَيِ الدِّيَةِ. ولا مُخالِفَ له، فيكون إجْماعًا. أخْرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ في "سُنَنِه" (٣). وروى عن عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن
следующие страницы →