← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

فصل: والسِّحْرُ الذي ذكرْنا حُكْمَه. هو الذي يُعَدُّ في العُرْفِ سِحْرًا، مثل فِعْلِ لَبِيدِ بنِ الأَعْصَمِ، حينَ سَحَرَ النَّبِىَّ ﷺ في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ. ورَوَينا في "مَغازِى الأُمَويِّ" (٣٦) أنَّ النَّجاشِىَّ دعا السَّواحِرَ، فنفَخْنَ في إحْليلِ عُمارةَ بنِ الوليدِ، فهامَ مع الوَحْشِ، فلم يَزَلْ معها إلى إمارةِ عمرَ بنِ الخطابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، فأمْسَكَهُ إنسانٌ، فقال: خَلِّنِى وإلَّا مِتُّ. فلم يُخَلِّهِ، فماتَ من ساعتِهِ. وبلَغنا أنَّ بعضَ الأُمَراء أَخذَ ساحِرَةً، فجاءَ زوجُها كأنَّه مُحْتَرِقٌ، فقال (٣٧): قُولُوا لها تَحلُّ عنِّى. فقالت: ائْتُونِى بخُيوطٍ وبابٍ. [فأتَوْها به] (٣٨)، فجلَسَتْ على البابِ (٣٩)، وجعلَتْ تَعْقِدُ، فطارَ (٤٠) بها البابُ، فلم يقدرُوا عليها. فهذا وأمثالُه، مثل أنْ يَعْقِدَ الرَّجُلَ المُتزَوَّجَ، فلا يُطِيقُ وَطْءَ امْرأتِه (٤١)، هو السِّحْرُ المُخْتلَفُ في حُكْمِ صاحِبِهِ، فأمَّا الذي يَعْزِمُ على المصْروعِ، ويَزْعُمُ أنَّه يجْمَعُ الجِنَّ، ويأمرُها فتُطِيعُه، فهذا لا يدخلُ في هذا الحكمِ ظاهرًا. وذكره (٤٢) القاضي، وأبو الخطَّاب، في جملةِ السَّحَرَةِ. وأمَّا من يَحُلُّ السِّحْرَ، فإن كانَ بِشىءٍ من القرآنِ، أو شيءٍ من الذِّكْرِ والأقْسامِ والكلامِ الذي (٤٢) لا بأسَ به، فلا بَأْسَ به، وإن كان بشيءٍ من السِّحْرِ، فقد توقَّفَ أحمدُ عنه. قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه سُئِلَ (٤٣). عن رجلٍ يَزْعُمُ أنَّه يحُلُّ السِّحْرَ، فقال: قد رَخَّصَ فيه بعضُ النَّاسِ. قِيلَ لأبي عبدِ اللَّه: إنَّه يَجْعَلُ في الطِّنْجِير ماءً، ويَغِيبُ فيه، ويعْمَلُ كذا، فنفَضَ يدَه كالمُنْكِرِ،

стр. 6442

وقال: ما أَدْرِى ما هذا؟ قِيلَ له: فتَرَى أن يُؤْتَى مثلُ هذا يَحُلُّ السِّحْرَ؟ فقال: ما أَدْرِى ما هذا؟ ورُوِىَ عن محمد بن سِيرِينَ، أنَّه سُئِلَ عن امرأةٍ يُعَذِّبُها السَّحَرَةُ، فقال رجلٌ: أَخُطُّ خَطًّا عليها، وأغْرِزُ السِّكينَ عندَ مَجْمَعِ الخَطِّ، وأقْرَأُ القرآنَ. فقال محمدٌ: ما أعلمُ بقَراءةِ القرَآنِ بأسًا على حالٍ، ولا أدرِى ما الخَطُّ والسِّكِّينُ؟ ورُوِى عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، في الرَّجُلِ يُؤْخَذُ عن امرأتِهِ، فيلتَمِسُ (٤٤) مَنْ يُداوِيه، فقال: إنَّما نَهَى اللهُ عمَّا يَضُرُّ، ولم يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ. وقال أيضًا: إن اسْتَطَعْتَ أنْ تنْفَعَ أخاكَ فافْعَلْ. فهذا من قولِهِم يَدُلُّ على أنَّ المُعَزِّمَ ونحوَه، لم يَدْخُلُوا في حُكْمِ السَّحَرَةِ؛ لأنَّهم (٤٥) لا يُسَمَّوْنَ به، وهو ممَّا ينْفَعُ ولا يَضُرُّ. فصل: فأمَّا الكاهِنُ الذي له رَئِىٌّ من الجِنِّ، تَأْتِيه بالأخبارِ، والعَرَّافُ الذي يَحْدِسُ ويتَخرَّصُ، فقد قال أحمدُ، في روايةِ حَنْبَلٍ، في العَرَّافِ والكاهِنِ والسَّاحرِ: أَرَى أنْ يُستَتَابَ من هذه الأفَاعيلِ. قِيلَ له: يُقْتَلُ؟ قال: لا، يُحْبَسُ، لَعَلَّه يرجِعُ. قال: والعِرَافَةُ (٤٦) طَرَفٌ من السِّحْرِ، والسَّاحِرُ أَخْبَثُ، لأنَّ السِّحْرَ شُعْبَةٌ من الكُفْرِ. وقال: السَّاحِرُ والكاهِنُ حُكْمُهُما (٤٧) القَتْلُ، أو الْحَبْسُ حتى يَتُوبَا؛ لأنَّهما يُلَبِّسانِ أمرَهما، وحديثُ عمرَ: اقتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وكاهِنٍ. وليس هو من أمرِ الإِسلامِ. وهذا يدلُّ على (٤٨) أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما فيه روَايتان؛ إحدَاهما، أنَّه يُقْتَلُ إذا لم يَتُبْ. والثانية، لا يقتلُ؛ لأنَّ حكمَه أخفُّ من حكمِ الساحِرِ، وقد اختُلِفَ فيه، فهذا بدَرْءِ القتلِ عنه أوْلَى. فصل: فأمَّا ساحِرُ أهلِ الكتابِ، فلا يُقْتَلُ لسِحْرِه، إلَّا أن يَقْتُلَ به، وهو ممَّا يُقْتَلُ

стр. 6443

به (٤٩) غالبًا فَيُقْتَلُ قصَاصًا. وقال أبو حنيفة: يُقْتَلُ؛ لِعُمومِ ما تقدَّمَ من الأخبارِ، ولأنَّه جِنَايَةٌ أوْجَبَتْ قتلَ المسلمِ، فأوجبتْ قتلَ الذِّمِّىِّ، كالقتلِ. ولَنا، أنَّ لَبِيدَ بنَ الأعْصَمِ سَحَرَ النَّبِىَّ ﷺ ، فلم يقتُلْه. ولأنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ من سِحْرِه، ولا يُقْتَلُ به، والأخْبارُ ورَدتْ في ساحرِ المسلمين؛ لأنَّه يَكْفُرُ بِسِحْرِه، وهذا كافِرٌ أصلِىٌّ. وقياسُهم ينتقِضُ باعْتقادِ الكفرِ، والتَّكَلُّمِ (٥٠) به، وينتقِضُ بالزِّنَى من المُحْصَنِ، فإنَّه لا يُقْتَلُ به الذِّمِّىُّ عندَهم، ويُقْتَلُ به المسلِمُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 6444

كتاب الحُدُود الزِّنَى حرامٌ، وهو من الكبائرِ العِظَامِ، بدليلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٢). ورَوَى عبدُ اللَّه بنُ مَسْعودٍ قال: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ : أىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قال: قلتُ: ثمَّ أَيٌّ؟ قال: "أَنْ تقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قال: قلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: "أَنْ تَزنِىَ بحَلِيلَةِ جَارِكَ" [. أخرجَه البُخارِىُّ ومُسْلِمٌ] (٣). وكان حَدُّ الزَّانِى (٤) في صَدْرِ الإِسلامِ الحبسَ للثَّيِّبِ، والأذَى بالكلامِ من التَّقْريعِ والتَّوْبِيخِ للبِكْرِ؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٥). قالَ بعضُ (٦) أهلِ العلمِ: المرادُ بقولهِ: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الثَّيِّبُ، لأنَّ قولَه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إضَافةُ زَوْجِيَّةٍ، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٧). ولا

стр. 6445

فائدةَ في إضافتِه هَهُنا نعلَمُها إلَّا اعتبارُ الثُّيُوبَةِ، ولأنَّه قد ذكرَ عُقوبَتَيْنِ، إحْدَاهما أغْلَظُ من الأُخْرى، فكانتِ الأغْلَظُ للثَّيِّب، والْأُخْرَى للأَبْكَارِ. كالرَّجم والجَلْدِ، ثم نُسِخَ هذا بما رَوَى عُبَادَةُ بتُ الصَّامِتِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "خُذُوا عَنِّى، خُذُوا عَنِّى، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتغْرِيبُ عَامٍ، والثِّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ". رواه مُسْلم، وأبو داودَ (٨). فإنْ قِيل: فكيفَ يُنْسَخُ القُرْآنُ بالسُّنَّةِ؟ قُلْنا: قد ذهبَ بعضُ أصْحابِنا إلى جوازِهِ؛ لأنَّ الكُلَّ من عندِ اللهِ، وإن اخْتَلفتْ طريقُه (٩)، ومن مَنَعَ ذلك قال: ليس هذا نَسْخًا، إنَّما هو تفسيرٌ للقرآنِ وَتَبْيِينٌ له؛ لأنَّ النَّسْخَ رَفْعُ حُكْمٍ ظاهِرُه الإِطْلاقُ، فأمَّا ما كانَ مَشْروطًا بشَرْطٍ (١٠)، وزالَ الشَّرْطُ، لا يكونُ نَسْخًا، وههُنا شَرَطَ اللهُ تعالى حَبْسَهُنَّ [إلى أنْ] (١١) يَجْعَلَ اللهُ (١٢) لَهُنَّ سَبِيلًا، فَبيَّنتِ السُّنَّةُ السَّبِيلَ، فكانَ بَيَانًا لا نَسْخًا. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ نَسْخَه حَصَلَ بالقرآنِ، فإنَّ الجَلْدَ في كتابِ اللهِ تعالى، والرَّجْمَ كان فيه، فنُسِخَ رَسْمُه، وبَقِىَ حُكْمُه. ١٥٥١ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وَإذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ، أو الحُرَّةُ الْمُحْصَنَةُ، جُلِدَا وَرُجِمًا حَتَّى يَمُوتَا، في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، والرِّوَايةُ الأُخْرَى، يُرْجَمانِ ولَا يُجْلَدَانِ)

стр. 6446

الكلامُ في هذه المسألةِ قى فصولٍ ثلاثةٍ: أحدُها: في وُجوبِ الرَّجْمِ على الزَّانِى الْمُحصَنِ، رجلًا كان أو امرأةً. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ من الصحابةِ، والتَّابعينَ، ومَنْ بعدَهم من عُلَماءِ الأمصارِ في جميعِ الأعْصارِ، ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا إلَّا الخوارِجَ، فإنَّهم قالوا: الجَلْدُ للبِكْرِ والثَّيِّبِ، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). وقالوا: لا يجوزُ تَرْكُ كتاب اللَّه تعالى الثَّابتِ بطريقِ القَطْعِ واليَقِينِ، لأخْبار آحادٍ يجوزُ الكَذِبُ فيها، ولأنَّ هذا يُفْضِى إلى نَسْخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ، وهو غيرُ جائز. ولَنا، أنَّه قد ثَبَتَ الرَّجْمُ عن رسولِ اللَّه ﷺ بقَوْلهِ وفِعْلِه، في أخبارٍ تُشْبِهُ التَّواتُرَ (٢)، وأجْمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ ، على ما سنذْكُرُه في أثناءِ البابِ في مَواضِعه، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، وقد أَنْزَلَه (٣) اللهُ تعالى في كتابِه، وإنَّما نُسِخَ رَسْمُه دونَ حُكْمِه، فرُوِىَ عن عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ اللهَ تعالى بعثَ محمدًا ﷺ بالحَقِّ، وأنزلَ عليه الكتابَ، فكان فيما أَنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجم، فَقَرَأْتُها وعقَلْتُها ووعَيْتُها، ورَجَمَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ورجَمْنَا بعدَه. فأخْشَى إنْ طال بالنَّاسِ زمانٌ، أن يقولَ قائلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كتابِ اللهِ. فَيضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضةٍ أَنْزلَها اللهُ تعالى، فالرَّجْمُ حَقٌّ على مَن زَنَى إذا أحْصَنَ، من الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، أو كانَ الْحَبَلُ، أو الاعْتِرافُ، وقد قَرَأْتُها: "الشَّيْخُ والشيخةُ [إذا زَنَيَا] (٤) فارْجُمُوهُما الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وأمَّا آيةُ الجَلْدِ، فنقولُ بها، فإنَّ الزَّانِىَ يجبُ جَلْدُه، فإن كان ثَيِّبًا رُجِمَ مع الجلدِ، والآيةُ لم تتعرَّضْ لنَفْيهِ. وإلى هذا أشارَ عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه،

стр. 6447

حينَ جلَدَ شُراحَةَ، ثم رَجَمَهَا، وقال: جلدتُها بكتابِ اللَّه تعالى، ثم رَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ (٦). ثم لو قُلْنَا: إنَّ الثَّيِّبَ لا يُجْلَدُ، لَكان هذا تَخْصيصًا للآيةِ العامَّةِ، وهذا سائِغٌ بغيرِ خلافٍ، فإنَّ عُموماتِ القرآنِ في الإِثْباتِ كلَّها مُخَصَّصةٌ. وقولُهم: إنَّ هذا نَسْخٌ. ليس بصحيحٍ، وإنَّما هو تَخْصيصٌ، ثم لو كان نسخًا، لَكان نَسْخًا بالآيةِ التي ذكرَها عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه. وقد رَوَيْنَا أنَّ رُسُلَ الخَوارِج جاءوا عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، ﵀، فكان من جُملةِ ما عابُوا عليه الرَّجْمُ، وقَالوا: ليس، في كتابِ اللَّه إلَّا الجَلْدُ. وقالوا: الحائضُ أوْجَبْتُمْ عليها قضاءَ الصَّومِ دونَ الصَّلاةِ، والصلاةُ أوْكدُ. فقال لهم عمرُ: وأنتمُ لا تأْخُذونَ إلَّا بما في كتابِ اللَّه؟ قالوا: نعم. قال: فأخبِرُونِى عن عددِ الصَّلواتِ المفْروضاتِ، وعَدَدِ أَرْكانِها وركعاتِها ومَواقِيتِها، أينَ تَجِدُونَه في كتابِ اللَّه تعالى؟ وأخْبِرُونى عمَّا تجبُ الزَّكاةُ فيه، ومقادِيرُها، ونُصُبُها؟ فقالوا: أنظِرْنا. فرَجَعُوا يومَهم ذلك، فلم يجدُوا شيئًا ممَّا سألَهم عنه في القرآنِ. فقالوا: لم نَجِدْهُ في القرآنِ. قال: فكيف ذَهبْتُم إليه؟ قالوا: لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعلَه، وفَعلَه المسلمون بعدَه. فقال لهم: فكذلك الرَّجْمُ، وقَضاءُ الصَّومِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَجَمَ ورَجَمَ خُلَفاؤُه بعدَه والمسلمونَ، وأمرَ النَّبِىُّ ﷺ بقضاءِ الصَّومِ دونَ الصَّلاةِ، وفعلَ ذلك نساؤُه ونِساءُ أصحابه. إذا ثبت هذا، فمعنى الرَّجْمِ أن يُرْمَى بالحِجَارَةِ وغيرِها حتى يُقْتَلَ بذلك. قال ابنُ المُنْذِر: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المَرْجُومَ يُدَامُ عليه الرَّجْمُ حتى يموتَ. ولأنَّ إطْلاقَ الرَّجْمِ يَقْتَضِى القتلَ به، كقوله تعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (٧). وقد رَجَمَ رسولُ اللَّه ﷺ اليَهُودِيَّيْن اللَّذَيْن زَنَيا، وماعِزًا، والغامِدِيَّةَ، حتى ماتُوا (٨).

стр. 6448

فصل: وإذا كان الزَّانِى رجُلًا أُقِيمَ قائمًا، ولم يُوثَقْ بشيءٍ، ولم يُحْفَرْ له، سواءٌ ثبتَ الزِّنَى ببَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ. لا نعلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، لم يحفِرْ لماعِزٍ. قال أبو سعيد: لمَّا أمرَ رسولُ اللَّه ﷺ برَجْمِ ماعِزٍ خرَجْنَا به إلى البَقِيعِ، فواللهِ ما حَفَرْنَا له، ولا أوْثَقْنَاه، ولكنَّه قام لنا. روَاه أبو داود (٩). ولأنَّ الحَفْرَ له، ودَفْنَ بَعْضِه، عُقوبةٌ لم يَرِدْ بها الشَّرْعُ في حقِّه، فوجبَ أن لا تَثْبُتَ. ش إن كان امرأةً، فضاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها لا يُحْفَرُ لها أيضًا. وهو الذي ذكرَه القاضي في "الخلافِ"، وذكر (١٠) في "المُجرَّدِ"، أنَّه إن ثبتَ الحدُّ بالإِقْرارِ، لم يُحْفَرْ لها، وإن ثَبتَ بالبَيِّنَةِ، حُفِرَ لها إلى الصَّدْرِ. قال أبو الخَطَّابِ: وهذا أصحُّ عندى. وهو قولُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لمَا روَى أبو بكرةَ (١١) وبُرَيْدةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رجمَ امرأةً، فحَفَرَ لها إلى الثَّنْدُوَةِ. روَاه أبو داودَ (١٢). ولأنَّه أسْتَرُ لها، ولا حاجةَ إلى تَمْكينِها من الهربِ، لكَوْنِ الحدِّ ثَبَتَ بالبَيِّنَةِ، فلا يسقطُ بفعلٍ من جِهَتِها، بخلافِ الثابتِ بالإِقْرارِ، فإنَّها تُتْرَكُ على حالٍ لو أرادتِ الهربَ تمَكَّنَتْ منه؛ لأنَّ رُجوعَها عن إقْرارِها مَقبولٌ. ولَنا، أنَّ أكثرَ الأحاديثِ على تَرْكِ الحَفْرِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَحْفِرْ للْجُهَنِيَّةِ، ولا لماعِزٍ، ولا لليهوديَّيْن، والحديثُ الذي احْتجُّوا به غيرُ مَعْمُولٍ به، ولا يقولونَ به، فإنَّ الَّتى نُقِلَ عنه الحَفْرُ لها، ثَبَتَ حدُّها بإقْرارِها، ولا خلافَ بينَنا فيها، فلا يَسُوغُ لهم الاحتجاجُ به مع مُخالفتِهم له. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ ثِيابَ المرأةِ تُشَدُّ عليها، كيْلا تنْكَشِفَ. وقد روَى أبو داودَ (١٣)، بإسْنادِه عن عِمْرَانَ بن

стр. 6449

حُصَينٍ، قال: فأمرَ بها النَّبِىُّ ﷺ ، فَشُدَّتْ عليها ثيابُها. ولأنَّ ذلك أسْتَرُ لها. فصل: والسُّنَّةُ أن يدُورَ الناسُ حولَ المرْجُومِ، فإن كان الزِّنَى ثبتَ ببَيِّنَةٍ، فالسُّنَّةُ (١٤) أن يَبْدَأَ الشهودُ بالرَّجْمِ، وإن كان ثبتَ بإقْرارٍ، بدأ به الإِمامُ أو الحاكِمُ، إن كان ثَبَتَ عندَه، ثم يَرْجُمُ النَّاسُ بعدَه. وروى سعيدٌ، بإسْنادهِ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: الرَّجْمُ رِجْمانِ؛ فما كان منه بإقْرارٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ الإِمامُ، ثم النَّاسُ، وما كانَ ببَيِّنَةٍ، فأوَّلُ من يَرْجُمُ البَيِّنَةُ، ثم النَّاسُ (١٥). ولأنَّ فِعْلَ ذلك أَبْعَدُ لهم من التُّهْمَةِ في الكذبِ عليه. فإنْ هَرَبَ منهم، وَكان الحدُّ ثَبَتَ ببَيِّنَةٍ، اتَّبَعُوه حتى يقتُلُوه، وإن كان ثَبَتَ بإقْرارٍ، تَركُوه؛ لمَا رُوِىَ أنَّ ماعِزَ بِنَ مالكٍ، لمَّا وَجَدَ مَسَّ الحجارةِ، خَرجَ يشْتَدُّ، فلَقِيَهُ عبدُ اللَّه بنُ أُنَيْسٍ، وقد عَجَزَ أصحابُه، فنَزعَ له بوَظِيفِ بَعيرٍ (١٦)، فرَماه به فقَتَلَه، ثم أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فذكَرَ ذلك له. فقال: "هلَّا تَرَكتُمُوه، يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ". روَاه أبو داودَ (١٧). ولأنَّه يَحْتَمِلُ الرُّجوعَ، فيَسْقُطُ عنه الحَدُّ. فإنْ قتلَه قاتلٌ في هَرَبِه، فلا شىءَ عليه؛ لحديثِ ابنِ أُنَيْسٍ حينَ قتلَ ماعِزًا، ولأنَّه قد ثَبَتَ زِنَاهُ بإقْرارِه، فلا يزولُ ذلك باحْتمالِ الرُّجُوعِ، وإن لم يُقْتَلْ، وأُتِىَ به الإِمامُ، فكان مُقِيمًا

стр. 6450

على اعْترافِه رَجَمَه، وإن رجعَ عنه، تَرَكَه. الفصل الثاني: أنَّه يُجْلَدُ، ثم يُرْجَمُ، في إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، فَعَلَ ذلك عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال ابنُ عباسٍ، وأُبَىُّ بنُ كعبٍ، وأبو ذَرٍّ. ذكرَ ذلك عبدُ العزيزِ عنهما، واخْتارَه. وبه قالَ الحسنُ، وإسحاقُ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ. والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، يُرْجَمُ ولا يُجْلَدُ. رُوِىَ عن عمرَ وعثمانَ؛ أَنَّهما رجَما ولم يَجْلِدَا (١٨). ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: إذَا اجْتَمعَ حَدَّان لِلهِ تعالى، فيهما القَتْلُ، أحاطَ القتلُ بذلك. وبهذا قالَ النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والأَوزَاعِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثور، وأصْحابُ الرَّأْىِ. واخْتار هذا أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِىُّ، وأبو بكرٍ الأثْرمُ. ونَصَراه في "سُنَنِهما"؛ لأنَّ جابِرًا رَوَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَجَمَ ماعِزًا ولم يَجْلِدْه، ورَجَمَ الغَامِدِيَّةَ ولم يَجْلِدْها. وقال: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرَأَةِ هذَا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". مُتَّفَقٌ عليه (١٩). ولم يَأْمُرْهُ بجَلْدِها، وكان هذا آخرَ الأمْرَيْنِ من رسولِ اللَّه ﷺ ، فوجبَ تَقْديمُه. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّه، يقول في حديثِ عُبَادَةَ: إنَّه أوَّلُ حَدٍّ نزلَ، وإن حديثَ ماعِزٍ بعدَه، رجمَه رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يَجْلِدْهُ، وعمرُ رَجَمَ ولم يَجْلِدْ. ونَقَلَ عنه إسماعيلُ بن سعيدٍ نحوَ هذا. ولأنَّه حَدٌّ، فيه قَتْلٌ، فلم يجتمعْ معه جَلْدٌ، كالرِّدَّةِ، ولأنَّ

стр. 6451

الحُدُودَ إذا اجتمعتْ وفيها قتلٌ، سَقَطَ ما سِواهُ، فالحَدُّ الواحدُ (٢٠) أوْلَى. ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى (٢١) قولُه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢٢). وهذا عامٌّ، ثم جاءتِ السُّنَّةُ بالرَّجْمِ في حَقِّ الثِّيِّبِ، والتَغْرِيبِ في حَقِّ البِكْرِ، فوجبَ الجمعُ بينهما. وإلى هذأ أشارَ علىٌّ، ﵁، بقولِهِ: جَلَدْتُها بكتابِ اللهِ، ورَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ . وقد صرَّحَ النَّبِىُّ ﷺ بقولِه في حديثِ عُبادَةَ: "والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، الْجَلْدُ والرَّجْمُ" (٢٣). وهذا الصَّريحُ الثابِتُ بيَقِينٍ لا يُتْرَكُ إلَّا بمِثْلِه، والأحاديثُ الباقيَةُ ليست صريحةً، فإنَّه ذكرَ الرَّجْمَ ولم يَذْكُرِ الْجلدَ، فلا يُعارَضُ به الصريحُ، بدليل أنَّ التَّغْرِيبَ يجبُ بذكْرِه في هذا الحديثِ، وليس بمَذْكورٍ فى الآيةِ، ولأنَّه زانٍ فَيُجْلَدُ كالبِكْرِ، ولأنَّه قد شُرِعَ في حَقِّ البِكْرِ عُقُوبَتان؛ الجلدُ، والتَّغْريبُ، فيُشْرَعُ في حَقِّ المُحْصَنِ أيضًا عُقُوبَتانِ؛ الجلدُ، والرَّجْمُ، فيكونُ الرَّجْمُ مَكانَ التَّغْريبِ. فعلى هذه الرِّوايةِ، يَبْدأُ بالجَلْدِ أوَّلًا، ثم يَرْجُمُ، فإنْ والَى بينهما (٢٤) جازَ، لأنَّ إتْلافَه مقصودٌ، فلا تَضُرُّ المُوالاةُ بينَهما، وإن جَلَدَه يومًا ورَجَمَهُ في آخرَ، جازَ، فإنَّ علِيًّا، ﵁، جلَد شُراحةَ يومَ الخميسِ، ثم رَجَمَها يومَ الجمعةِ، ثم قال: جلَدْتُها بكتابِ اللَّه تعالى، ورَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ . الفصلُ الثالثُ: أنَّ الرَّجْمَ لا يجبُ إلَّا علَى الْمُحْصَنِ، بإجْماعِ أهلِ العلمِ. وفى حديثِ عمرَ: إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ على مَن زنَى وقد أُحْصِنَ (٢٥). وقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ". ذكرَ منها: "أو زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ" (٢٦). وللإِحْصانِ شُروطٌ سبعة؛ أحدُهما، الوَطْءُ في القُبُلِ، ولا خلافَ في اشْتراطِه؛ لأنَّ

стр. 6452

النَّبِىَّ ﷺ قال: "الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ الجَلْدُ والرَّجْمُ". والثِّيَابَةُ تَحْصُلُ بالوَطْءِ في القُبُلِ، فوَجَبَ اعتبارُه. ولا خِلَافَ في أنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ الخالِى عن الوَطْءِ، لا يَحْصُلُ به إحْصَانٌ؛ سواءٌ حَصَلَتْ فيه خَلْوَةٌ، أو وَطْءٌ فيما دونَ الفرجِ، أو في الدُّبُرِ، أَو لَم يحصُلْ شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ هذا لا تَصِيرُ به المرأةُ ثَيِّبًا، ولا تَخْرُجُ به عن حَدِّ الأبْكارِ، الِذينَ حَدُّهم جَلْدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، بمُقْتضَى الخَبَرِ. ولا بُدَّ من أنْ يكونَ وَطْئًا حَصَلَ به تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ؛ لأنَّ ذلك حَدُّ الوَطْءِ الذي يتعلَّقُ به أحْكامُ الوَطْءِ. الثاني، أن يكونَ في (٢٧) نكاحٍ؛ لأنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى إحْصانًا؛ بدليلِ قول اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢٨). يعني المُتزَوِّجاتِ. ولا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ الزِّنَى، ووَطْءَ الشُّبْهةِ، لا يَصِيرُ به الواطىءُ مُحْصَنًا. ولا نَعْلمُ خلافًا في أنَّ التَّسَرِّىَ لا يحْصُلُ به الإِحْصانُ لواحدٍ منهما؛ لكَوْنِه ليس بنكاحٍ ولا تثْبُتُ فيه أحْكامُه. الثالث، أن يكونَ النِّكَاحُ صحيحًا. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقالَ أبو ثَوْر: يحْصُلُ الإِحْصانُ بالوَطْءِ في نكاحٍ فاسِدٍ. وحُكِىَ ذلك عن اللَّيثِ، والأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ الصحيحَ والفاسِدَ سواءٌ في أكثرِ الأحكامِ، مثل وُجوب المَهْرِ والعِدَّةِ، وتَحْريمِ الرَّبِيبَةِ وأمِّ المرأةِ، ولَحاقِ/ الولدِ، فكَذلك في الإِحْصانِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ. فلم يحْصُلْ به الإِحصانُ، كوَطْءِ الشُّبْهةِ، ولا نُسَلِّمُ ثُبوتَ (٢٩) ما ذكرُوه من الأحْكامِ، وإنَّما [ثَبَتَتْ بالوَطْءِ] (٣٠) فيه، وهذه (٣١) ثبتَتْ في كلِّ وَطْءٍ، وليستْ مُخْتصَّةً بالنكاحِ، [إلَّا أنَّ النِّكاحَ] (٣٢) ههُنا صارَ شُبْهةً، فصارَ الوَطْءُ فيه كوَطْءِ الشُّبْهةِ سَواءً. الرابع، الحُرِّيَّةُ، وهى شَرْطٌ في قولِ

стр. 6453

أهلِ (٣٣) العلم كلِّهم، إلَّا أبا ثَوْرٍ، قال: العبدُ والأمَةُ هما مُحْصَنَانِ، يُرْجَمانِ إذا زَنَيَا، إلَّا أن يكونَ إجْماعٌ يُخالِفُ ذلك. وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىّ في العبدِ تحتَه حُرَّةٌ: هو مُحْصَنٌ، يُرْجَمُ إذا زَنَى، وإن كان تحتَه أمَةٌ، لم يُرْجَمْ. وهذه أقوالٌ تُخالِفُ النَّصَّ والإِجْماعَ، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣٤). والرَّجْمُ لا يَتَنَصَّفُ، وإيجابُه كلُّه يُخالِفُ النَّصَّ بع مُخالفَةِ الإِجْماعِ المُنْعَقِدِ قَبْلَه، إلَّا أن يكونَ إذا عَتَقَا بعدَ الإِصابةِ، فهذا فيه اخْتلافٌ سنذْكرُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وقد وافَق الأوْزَاعِىُّ على أنَّ العَبْدَ إذا وَطِىءَ الأمَةَ، ثم عَتَقَا، لم يَصِيرَا مُحْصَنَيْنِ، وهو قولُ الجمهورِ، وزاد فقال في المَمْلوكَيْن إذا أُعْتِقَا، وهما متزوِّجَانِ، ثم وَطِئَها الزَّوْجُ: لا يَصِيرانِ مُحْصَنَيْنِ بذلك الوَطْءِ. وهو أيضًا قولٌ شاذٌ، خالَفَ أهلَ العلمِ به؛ فإنَّ الوطءَ وُجِدَ منهما حالَ كَمالِهما، فحصَّنَهما، كالصَّبِيَّيْن إذا بَلَغَا. الشَّرْطُ الخامسُ والسادسُ، البُلُوغُ والعقلُ، فلو وَطِىءَ وهو صَبِىٌّ أو مجنونٌ، ثم بلغَ أو عَقَلَ، لم يكُن مُحْصَنًا. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، ومذهبُ الشَّافِعِىِّ. ومِن أصْحابِه مَن قال: يصيرُ مُحْصَنًا، وكذلك العبدُ إذا وَطِىءَ في رِقِّه، ثم عَتَقَ، يصيرُ مُحْصَنًا؛ لأنَّ هذا وَطْءٌ يحْصُلُ به الإِحْلالُ للمُطلِّق ثلاثًا، فحصَلَ به الإِحْصانُ، كالموجودِ حالَ الكمالِ. ولَنا، قولُه ﵇: "والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ". فاعْتَبَرَ الثُّيوبَةَ خاصَّةً، ولو كانتْ تحْصُلُ قبلَ ذلك، لَكان يجبُ عليه الرَّجْمُ قبلَ بُلوغِه وعَقْلِه، وهو خلافُ الإِجماعِ، ويُفارِقُ الإِحصانُ الإِحْلالَ، لأنَّ اعتبارَ الوَطْءِ في حَقِّ المُطلِّق , يَحْتَمِلُ أن يكونَ عقُوبةً له بتَحْريمِها عليه حتى يطأَها غيرُه، ولأنَّ هذا ممَّا تَأْبَاه الطِّباعُ ويَشُقُّ على النُّفُوسِ، فاعْتبرَه الشارِعُ زَجْرًا عن الطَّلَاقِ ثلاثًا، وهذا يَسْتَوِى فيه العاقِلُ والمجنونُ، بخلافِ الإِحْصانِ، فإنَّه اعْتُبِرَ لكَمالِ النِّعْمَةِ [في حَقِّهِ] (٣٥)، فإن مَنْ كَمَلَتِ النِّعْمَةُ في حَقِّه، كانتْ جِنايتُه أفْحَشَ وأحقَّ بزيادَةِ

стр. 6454

العُقوبةِ، والنِّعْمَةُ في العاقلِ البَالِغِ أكْمَلُ. واللهُ أعلمُ. الشرط السابع، أن يُوجَدَ الكمالُ فيهما جميعًا حالَ الوَطْءِ، فيَطَأُ الرجلُ العاقلُ الحُرُّ امرأةً عاقلةً حُرّةً. وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه، ونحوُه قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحَاقَ. قالُوه (٣٦) في الرَّقِيقِ. وقال مالِكٌ: إذا كان أحدُهما كاملًا صارَ مُحْصَنًا، إلَّا الصَّبِىَّ إذا وَطِىءَ الكبيرةَ، لم يُحْصِنْها، ونحوُه عن الأوْزَاعِىِّ. واخْتلَفَ عن الشَّافِعِىِّ، فقيل: له قَوْلانِ، أحدُهما، كقولِنا. والثانى، أنَّ الكامِلَ يصيرُ مُحْصَنًا. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ، لأنَّه حُرٌّ، بالِغٌ عاقِلٌ، وَطِىءَ في نكاحٍ صحيحٍ، فصارَ مُحْصَنًا، كما لو كانَ الآخَرُ مِثْلَه. وقال بعضُهم: إنَّما القَوْلان في الصَّبِىِّ دونَ العبدِ، فإنَّه يصيرُ مُحْصَنًا، قولًا واحدًا، إذا كانَ كامِلًا. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ لم يُحْصَنْ به (٣٧) أحدُ المُتواطِئَينِ، فلم يُحْصَنِ الآخرُ، كالتَّسَرِّى، ولأنَّه متى كان أحدُهما ناقصًا، لم يَكْمُلِ الوَطْءُ، فلا يحْصُلُ به الإِحْصانُ، كما لو كانا غيرَ كامِلَيْن، وبهذا فارقَ ما قاسُوا عليه. فصل: ولا يُشْتَرطُ الإِسلامُ في الإِحصانِ. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ. فعلى هذا يكون الذِّمِّيَّانِ مُحْصَنَيْنِ، فإن تزوَّجَ المسلمُ ذِمِّيَّةً، فوَطِئَها، صارا (٣٨) مُحْصَنَيْنِ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، في (٣٩) الذِّمِّيَّةِ: لا تُحْصِنُ المسلِمَ. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ: هو شَرْطٌ في الإِحْصانِ. فلا يكونُ الكافِرُ مُحْصَنًا، ولا تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مسلمًا؛ لأن ابنَ عمرَ روَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ" (٤٠). ولأنَّه إحْصانٌ من شَرْطِه الحُرِّيَّةُ، فكان الإِسلامُ شَرْطًا فيه، كإحْصانِ القَذْفِ. وقال مالِكٌ كقولِهِمْ، إلَّا أنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحْصِنُ المسلمَ، بِناءً على أصْلهِ

стр. 6455

في أنَّه لا يَعْتَبِرُ الكمالَ في الزَّوْجَيْن، وينْبَغِى أن يكونَ ذلك قولًا للشَّافِعِى. ولَنا، ما روَى مالِكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّه قال: جاءَ اليهودُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، [فذكَروا له أنَّ رجلًا منهم وامرأةً زَنَيَا. وذكرَ الحديثَ، فأمرَ بهما رسولُ اللَّه ﷺ ] (٤١) فرُجِما. مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). ولأنَّ الجنايَةَ بالزِّنَى استَوَتْ من المسلمِ والذِّمِّىِّ، فيجبُ أن يَسْتَويَا في الْحَدِّ. وحديثُهم لم يَصِحَّ، ولا نعرفُه في مُسْنَدٍ. وقيل: هو مَوْقوفٌ على ابن عمر. ثم يتَعيَّنُ حَمْلُه على إحْصانِ القَذْفِ، جَمْعًا بين الحديثَيْن، فإنَّ راوِيَهما واحدٌ، وحديثُنا صريحٌ في الرَّجْمِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِهِم على الإِحْصانِ الآخَرِ. فإن قالوا: إنَّما رَجَمَ النَّبِىُّ ﷺ اليَهُودِيَّيْن بحُكْمِ التَّوْراةِ، بدليلِ أنَّه راجَعها، فلما تبيَّن له أنَّ ذلك حكمُ اللهِ عليهِمْ، أقامَه فيهم، وفيها أنزلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (٤٣). قُلنا: إنَّما حَكَمَ عليهم بما أَنْزَلَ اللهُ إليه، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤٤). ولأنَّه لا يَسُوغُ للنَّبِىِّ ﷺ الحُكْمُ بغيرِ

стр. 6456

شَرِيعَتِه، ولو ساغَ ذلك له (٤٥) لساغَ لغيرِه، وإنَّما راجعَ التَّوْراةَ لتعْرِيفِهم أنَّ حُكْمَ التَّوراةِ مُوافِقٌ لما يَحْكُمُ به عليهم، وأنَّهم تارِكون لشرِيعَتِهِم، مُخالِفُونَ لحُكْمِهِم، ثم هذا حُجَّةٌ لنا، فإنَّ حكمَ اللهِ في وُجوبِ الرَّجْمِ إن كانَ ثابتًا في حَقِّهم يجبُ أن يحْكمَ به عليهم، فقد ثَبَتَ وجودُ الإِحْصانِ فيهم, فإنَّه لا معنَى له سوى وُجوبِ الرَّجْمِ على مَن زَنَى منهم بعدَ وُجُودِ شُروطِ الإِحْصانِ فيه (٤٦)، وإن مَنَعُوا ثُبوتَ الحُكْمِ في حقِّهم، فَلِمَ حَكَمَ به النَّبِىُّ ﷺ ؟ . ولا يَصَحُّ القياسُ على إحْصانِ القَذْفِ؛ لأنَّ مِن شَرْطِهِ العِفَّةَ، وليستْ شَرْطًا ههُنا. فصل: ولو ارْتَدَّ الْمُحْصَنُ، لم يَبْطُلْ إحْصانُه، فلو أسلَمَ بعدَ ذلك كان مُحْصَنًا. قال أبو حنيفةَ، رَضِىَ اللَّه عنه: يبْطُلُ؛ لأنَّ الإِسلامَ عندَه شرطٌ في الإِحْصانِ. قد بَيَّنَّا أنَّه ليس بشَرْطٍ، ثم هذا داخِلٌ في عُمومِ قوله ﵇: "أو زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ" (٤٧). ولأنَّه زِنًى بعدَ الإِحْصانِ، فكان حدُّه الرَّجْمَ، كالذى لم يَرْتَدَّ. فأمَّا إن نقَضَ الذِّمِّىُّ العهدَ، ولَحِقَ بدارِ الحربِ بعدَ إحْصانِه، فسُبِىَ واسْتُرِقَّ، ثم أُعْتِقَ (٤٨)، احْتَمَلَ أن لا يَبْطُلَ إحْصَانُه، لأنَّه زَنَى بعدَ إحْصانِه فأشْبَهَ مَن ارتَدَّ. واحْتَمَلَ أن يَبْطُلَ؛ لأنَّه بَطَلَ بكَوْنِه رقيقًا، فلا يعودُ إلَّا بسَبَبٍ جديدٍ، بخلافِ مَن ارْتَدَّ. فصل: وإذا زَنَى وله زوجةٌ له منها وَلَدٌ، فقال: ما وَطِئْتُها. لم يُرْجَمْ. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: يُرْجَمُ؛ لأنَّ الولدَ لا يكونُ إلَّا من وَطْءٍ. فقد حَكَمَ بالوَطْءِ ضَرُورةَ الحُكْمِ بالولد. ولَنا، أنَّ الولدَ يُلْحَقُ بإمْكانِ الوَطْءِ واحْتمالِه، والإِحْصانُ لا يثْبُتُ إلَّا بحَقيقةِ الوَطْءِ، فلا يلْزَمُ من ثُبُوتِ ما يُكْتَفَى فيه بالإِمكانِ وُجودُ ما تُعْتَبَرُ فيه

стр. 6457

الحقيقةُ. وهو أحقُّ النَّاسِ بهذا، فإنَّه قال: لو تزوَّجَ امرأةً في مجلسِ الحاكم، ثم طلَّقَها فيه، فأتَتْ بولَدٍ، لَحِقَهُ. مع العلمِ بأنَّه لم يَطَأْهَا في الزَّوْجِيَّة، فكَيفَ يُحْكَمُ بحَقيقةِ الوَطْءِ مع تحَقُّقِ انْتِفَائِه! وهكذا لو كان لامرأةٍ وَلَدٌ من زَوْجٍ، فأنكرَتْ أن يكونَ وَطِئَها، لم يَثْبُتْ إحصانُها لذلك. فصل: ولو شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الإِحْصانِ أنَّه دخلَ بزَوْجتِه، فقال أصحابُنا: يثْبُتُ الإِحصانُ به؛ لأنَّ الْمفهومَ من لفظِ الدُّخولِ كالمَفْهومِ من لَفْظِ المُجامَعةِ. وقال محمد بن الحسن: لا يُكْتَفَى به حتى تقولَ: جامَعَها أو باضَعَها. أو نحوَه؛ لأنَّ الدُّخولَ يُطْلَقُ على الخَلْوَةِ بها، ولهذا تثْبُتُ بها أحكامُه. وهذا أصحُّ القَوْلَيْن، إن شاءَ اللهُ تعالى. فأمَّا إذا قالتْ: جامعَها أو باضعَها. فلم نعلَمْ خِلَافًا في ثُبُوتِ الإِحصانِ، وكذلك (٤٩) ينْبغِى إذا قالتْ: وَطِئَها. فإنْ قالَتْ: باشرَها، أو مَسَّها، أو أصابَها، أو أتاهَا. فينْبَغِى أن لا يَثْبُتَ به الإِحْصانُ؛ لأنَّ هذا يُسْتَعْمَلُ فيما دُونَ الجماعِ في الفَرْجِ كثيرًا، فلا يثْبُتُ به الإِحْصانُ الذي يَنْدَرِئُ بالاحْتمالِ. فصل: وإذا جُلِدَ الزَّانِى على أنَّه بِكْرٌ، ثم بانَ مُحْصَنًا، رُجِمَ؛ لما رَوَى جابرٌ، أنَّ رجلًا زَنَى بامرأةٍ، فأَمَرَ به رسولُ اللَّه ﷺ فجُلِدَ الحَدَّ، ثم أُخْبِرَ أنَّه مُحْصَنٌ، فَرُجِمَ. روَاه أبو داودَ (٥٠). ولأنَّه وجبَ الجمعُ بينَهما، فقد أتَى ببعضِ الواجبِ، فيجبُ إتْمامُه، وإن لم يجبِ الجمعُ بينهما تبيَّنَ أنَّه لم يأْتِ بالحدِّ الواجبِ، فيجبُ أن يَأْتِىَ به. ١٥٥٢ - مسألة؛ قال: (ويُغسَّلَانِ، ويُكَفَّنانِ، ويُصَلَّى عَلَيْهِمَا، ويُدْفَنَانِ) لا خِلافَ في تَغْسيلِهما ودَفْنِهما، وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ الصَّلاةَ عليهما.

стр. 6458

قال الإِمامُ أحمدُ: سُئِلَ عَلِىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه، عن شُرَاحَةَ، وكَانَ رَجَمَها، فقال: اصْنَعُوا بها كما تصنَعُونَ بمَوْتاكم. وصَلَّى عَلىٌّ على شُرَاحةَ (١). وقال مالِكٌ: مَنْ قتلَه الإِمامُ في حَدٍّ، لا نُصَلِّى عليه؛ لأنَّ جابرًا قال في حديثِ ماعِزٍ: فرُجِمَ حتى ماتَ، فقالَ له النَّبِىُّ ﷺ خيرًا، ولم يُصَلِّ عليه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولَنا، ما روَى أبو داودَ، بإسْنادِهِ عن عِمْران بنِ حُصَيْنٍ، في (٣) حديثِ الجُهَنِيَّةِ: فأمرَ بها النَّبِىُّ ﷺ فرُجِمَتْ، ثم أمرَهُم فصلَّوا عليها، فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّه أتُصَلِّى عليها وقد زَنَتْ؟ فقال: "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِه، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعينَ مِنْ أهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ من (٤) [أنْ جَادَتْ] (٥) بِنَفْسِهَا؟ " (٦). ورَواه التِّرْمِذِىُّ وفيه: فرُجِمَتْ، وصَلَّى عليها. وقال: هو (٣) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ" (٧). ولأنَّه مسلمٌ لو ماتَ قبلَ الحَدِّ صُلِّىَ عليه، فيُصَلَّى عليه بعدَه، كالسَّارِقِ. وأمَّا خبرُ ماعِزٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يحْضُرْهُ، أو اشْتَغَلَ عنه بأمْرٍ، أو غيرَ ذلك، فلا يُعارِضُ ما رَوَيْنَاه.

стр. 6459

١٥٥٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا زَنَى الْحُرُّ البِكْرُ، جُلِدَ مِائَةً، وغُرِّبَ عَامًا) يعني من (١) لَمْ يُحْصَنْ وإن كان ثيِّبًا، وقد ذكرنا الإِحْصانَ وشروطَه، ولا خلافَ في وُجوبِ الجَلْدِ على الزَّانِى إذا لم يكُنْ مُحْصَنًا، وقد جاءَ بيانُ ذلك في كتابِ اللهِ تعالى، بقولهِ سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). وجاءت الأحاديثُ عن النَّبِيِّ ﷺ مُوافِقَةً لما جاءَ به الكتابُ. ويجبُ مع الجَلْدِ تَغْريبُه عامًا، في قولِ جُمْهورِ العلماء. رُوِىَ ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشدِين. وبه قال أُبَىٌّ، وأبو ذَرٍّ (٣)، وابن مسعود، وابنُ عمر، رَضِىَ اللَّه عنهم (٤). وإليه ذهبَ عَطاءٌ، وطاوسٌ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبي ليلى، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالِكٌ، والأوْزاعِىُّ: يُغرَّبُ الرَّجُلُ دونَ المرأةِ؛ لأنَّ المرأةَ تَحْتَاجُ إلى حِفْظٍ وصِيَانةٍ، ولأنَّها لا تَخْلُو من التَّغْرِيبِ بمَحْرَمٍ أو بغيرِ مَحْرَمٍ، لا يجوزُ التَّغْريبُ بغيرِ مَحْرَمٍ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ, أنْ تُسافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, إِلَّا معَ ذِى مَحْرَمٍ" (٥). ولأنَّ تَغْرِيبَها بغيرِ مَحْرَمٍ إغْراءٌ لها بالفُجورِ (١)، وتضْيِيعٌ لها، وان غُرِّبَتْ بمَحْرَمٍ، أفْضَى إلى تَغْريبِ مَنْ لَيس بزَانٍ، ونَفْىِ مَنْ لا ذَنْبَ له، وإنْ كُلِّفَتْ أُجْرتَه، ففى ذلك زيادةٌ على عقوبَتِها بما لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كما لو زادَ ذلك على الرجلِ، والخبرُ الخاصُّ في التَّغْريبِ إنَّما هو في حَقِّ الرجلِ، وكذلك فَعَلَ الصَّحابةُ، رَضِىَ اللَّه عنهم، والعامُّ يجوزُ تخْصِيصُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ من العملِ بعُمومِه مُخالفةُ مَفْهُومهِ، فإنَّه دَلَّ (٦) بمَفْهُومِه على أنَّه ليس على الزَّانِى

стр. 6460

أَكْثَرُ من العُقوبةِ المذْكورةِ فيه، وإيجابُ التَّغْريبِ على المرأةِ يَلْزَمُ منه الزِّيادةُ على ذلك، وفَواتُ حِكْمَتِه؛ لأنَّ الحَدَّ وجبَ زَجْرًا عن الزِّنَى، وفى تَغْرِيبِها إغْراءٌ به، وتَمْكينٌ منه، مع أنَّه قد يُخصَّصُ في حَقِّ اْلثَّيِّبِ بإسْقاطِ الجَلْدِ، في قولِ الأكْثَرِين، فتَخْصِيصُه ههُنا أوْلَى. وقال أبو حنيفةَ، ومحمد بن الحسن: لا يجبُ التَّغْرِيبُ؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: حَسْبُهما من الفِتْنةِ أن يُنْفَيَا (٧). وعن ابنِ المُسَيَّب، أنَّ عمرَ غَرَّبَ رَبِيعةَ بنَ أُمَيَّةَ بنِ خَلفٍ في الخمرِ إلى خَيْبرَ، فلَحِقَ بهِرَقْلَ فتَنصَّرَ، فقال عمرُ: لا أُغَرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أبدًا (٨). ولأنَّ اللهَ تعالى أمرَ بالجَلْدِ (٩) دُونَ التَّغْرِيبِ، فإيجابُ التَّغْرِيبِ زيادةٌ على النَّصِّ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "البِكْرُ بالبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ" (١٠). ورَوَى أبو هُرَيْرةَ، وزيدُ بنُ خالدٍ، أنَّ رَجلَيْنِ اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال أحدُهما: إنَّ ابنى كان عَسِيفًا على هذا، فزَنَى بامْرأتِه، وإنَّنى افْتَدَيْتُ منه بمائةِ شاةٍ ووَلِيدةٍ، فسألتُ رجالًا من أهلِ العلم، فقالوا: إنَّما على ابْنِكَ جلدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والرَّجْمُ على امرأةِ هذا. فقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بكِتَابِ اللهِ [ ] (١١)، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ". وجَلَدَ ابْنَه مِائَةً، وغَرَّبَه عامًا، وأمرَ أُنَيْسًا الأسْلَمِىَّ أن يأتىَ امرأةَ الآخَرِ، فإن اعْتَرفتْ رَجَمَها، فاعترفَتْ، فرجَمَها. مُتَّفَقٌ عليه (١٢). وفى الحديثِ، أنَّه قال: فَسَألتُ رجالًا من أهلِ العلم، فقالُوا: إنَّما على ابنِكَ جلدُ مائةٍ وتَغْريبُ عامٍ وهذا يدلُّ على أنَّ هذا كان مشهورًا عندَهم، من حُكْمِ اللهِ تعالى، وقضاءِ رسولِ اللَّه ﷺ . وقد قِيل: إنَّ الذي قال له هذا هو أبو بكرٍ وعمرُ، رَضِىَ اللهُ عنهما. ولأنَّ التَّغْريبَ فَعَلَه الخلفاءُ الرَّاشِدونَ، ولا نعْرِفُ

стр. 6461

لهم في الصَّحابَةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الخبرَ يَدُلُّ على عُقوبَتَيْنِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، وكذلك في حقِّ البِكْرِ، وما رَوَوْه عن عليٍّ لا يثْبُتُ؛ لضَعْفِ رَاوِيه (١٣) وإرْسالِه. وقولُ عمرَ: لا أُغَرِّبُ بعدَه مُسْلِمًا. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ (١٤) تَغْرِيبه في الخمرِ الَّذِى أصابتِ الفِتْنةُ رَبِيعةَ فيه. وقولُ مالكٍ يُخالفُ عُمومَ الخبرِ والقياسِ؛ لأنَّ ما كان حدًّا في الرجلِ، يكونُ حَدًّا في المرأةِ، كسائرِ الحُدودِ. وقولُ مالكٍ فيما يقعُ لي، أصَحُّ الأقوالِ وأعْدَلُها، وعمومُ الْخَبرِ مَخْصوصٌ بخبرِ النَّهْىِ عن سفرِ المرأةِ بغيرِ مَحْرَمٍ، والقياسُ على سائرِ الحُدودِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَسْتَوِى الرجلُ والمرأةُ في الضَّررِ الحاصلِ [بها، بخلافِ] (١٥) هذا الحَدِّ، ويُمْكِنُ قَلْبُ هذا القياسِ، بأنَّه حَدٌّ، فلا تُزادُ فيه المرأةُ على ما على الرجلِ، كسائرِ الحُدودِ. فصل: ويُغَرَّبُ البِكْرُ الزَّانِي حَوْلًا كَامِلًا، فإن عادَ قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، أُعِيدَ تَغْرِيبُه، حتى يُكْمِلَ الحَوْلَ مُسافِرًا، ويَبْنِى على ما مَضَى. ويُغَرَّبُ الرجلُ إلى مَسافةِ القَصْرِ؛ لأنَّ ما دونَها في حُكمِ الحَضَرِ، بدليل أنَّه لا يثْبُتُ في حَقِّه أحكامُ المُسافِرين، ولا يسْتبيحُ شيئًا من رُخَصِهِم. فأمَّا المرأةُ، فإن خرَجَ معها مَحْرَمُها، نُفِيَتْ إلى مَسافةِ القَصْرِ، وإن لم يَخْرُجْ معها مَحْرَمُها، فقد نُقِلَ عن أحمدَ، أنَّها تُغَرَّبُ إلى مسافةِ القَصْرِ، كالرجلِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّها تُغَرَّبُ إلى دُونِ مَسافةِ القَصْرِ؛ لتَقْرُبَ من أهلِها، فيحفظُوهَا. ويَحْتَملُ كلامُ أحمدَ (١٦) أنْ لا يُشْتَرَطَ في التَّغْريبِ مَسافةُ القَصْرِ، فإنَّه قال، في روايةِ الأَثْرَمِ: يُنْفَى من عملِه إلى عملٍ غيرِه. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لو نُفِىَ إلى قريةٍ أُخْرَى، بينهما مِيلٌ أو أقَلُّ، جازَ. وقال إسحاقُ: يجوزُ أن يُنْفَى من مصرٍ إلى مصرٍ. ونحوَه قال ابنُ أبي ليلى؛ لأنَّ النَفْىَ وردَ مُطْلَقًا غيرَ مُقَيَّدٍ،

стр. 6462

فيتناولُ أقلَّ ما يقَعُ عليه الاسمُ، والقَصْرُ يُسَمَّى سَفَرًا، ويجوزُ فيه التَّيَمُّمُ، والنافِلَةُ على الراحِلَةِ. ولا يُحْبَسُ في البَلَدِ الَّذِى نُفِىَ إليه. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وقال مالِكٌ: يُحْبَسُ. وَلنا، أنَّه زيادةٌ لم يَرِدْ بها الشَّرْعُ، فلا تُشْرَعُ، كالزِّيادَةِ على العامِّ. فصل: وإذا زَنَى الغريبُ، غُرِّبَ إلى بَلَدٍ غيرِ وطنِه. وإن زَنَى في البلدِ الَّذِى غُرِّبَ إليه، غُرِّبَ منه إلى غيرِ البلدِ الَّذِى غُرِّبَ منه؛ لأنَّ الأمرَ بالتَّغْريبِ يتَناولُه حيث كان، ولأنَّه قد أَنِسَ بالبَلَدِ الَّذِى سكنَه، فيُبْعَدُ عنه. فصل: ويَخْرُجُ مع المرأةِ مَحْرَمُها حتى يُسْكِنَها في مَوْضعٍ، ثم إنْ شاءَ رجعَ إذا أَمِنَ عليها، وإن شاءَ أقامَ معها حتى يَكْمُلَ حولُها. وإن أبَى الخروجَ معها، بذَلَتْ له الأُجْرَةَ. قال أصْحابُنا: وتَبْذُلُ من مالِها؛ لأنَّ هذا من مُؤْنَةِ سَفَرِها. ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ ذلك عليها؛ لأنَّ الواجبَ عليها التَّغَرُّبُ بنَفْسِها، فلم يلْزَمْها زيادةٌ عليه كالرجلِ، ولأنَّ هذا من مُؤْنَةِ إقامةِ الحَدِّ، فلم يَلْزَمْها، كأُجْرَةِ الجلَّادِ. فعلى هذا تُبْذَلُ الأُجْرةُ من بيتِ المالِ. وعلى قولِ أصْحابِنا، إن لم يكُنْ لها مالٌ، بُذِلَتْ من بيتِ المالِ. فإن أبَى مَحْرَمُها الخروجَ معها، لم يُجْبَرْ، وإن لم يكنْ لها مَحْرَمٌ، غُرِّبَتْ مع نِساءٍ ثقات. والقولُ في أُجرَةِ مَن يسافرُ معها منهنَّ، كالقولِ في أُجْرَةِ المَحْرَمِ. فإن أَعْوَز، فقد قال أحمدُ: تَبْقَى بغيرِ مَحْرَمٍ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا سبيلَ إلى تأْخِيرِه، فأشْبَهَ سفَرَ الهِجْرَةِ والحجِّ إذا ماتَ محرمُها في الطَّرِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يسْقُطَ النَّفْىُ، إذا لم تَجدْ مَحْرَمًا، كما يسْقُطُ سَفَرُ الحجِّ، إذا لم يكُنْ لها مَحْرَمٌ، فإنَّ تَغْريبَها إغراءٌ لها بالفُجُورِ، وتعريضٌ لها للفِتْنةِ، وعُمومُ الحديثِ مَخْصوصٌ بعُمومِ النَّهْىِ عن سَفَرِها بغيرِ مَحْرَمٍ. فصل: ويجب أن يحضُرَ الحَدَّ طائفةٌ من المؤمنين؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٧). قال أصحابُنا: والطائِفَةُ واحدٌ فما فوقَه. وهذا

стр. 6463

قولُ ابنِ عباسٍ، ومُجاهدٍ. والظاهرُ أنَّهم أرادُوا واحدًا مع الَّذِى يُقِيمُ الحَدَّ؛ لأنَّ الذي يُقِيمُ الحَدَّ حاصِلٌ ضرورَةً، فيَتَعَيَّنُ صَرْفُ الأمرِ إلى غيرِه. وقال عَطاءٌ، وإسحاقُ: اثنان. فإن أرادَ به واحدًا مع الَّذِى يُقِيمُ الحَدَّ، فهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وإن أرادَ اثنينِ غيرَه، فوَجْهُه أنَّ الطائِفَةَ اسمٌ، لمَا زادَ على الواحدِ، وأقلُّه اثْنانِ. وقال الزُّهْرِىُّ: ثلاثةٌ؛ لأنَّ الطَّائِفَةَ جماعَة، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ، وقال مالِكٌ: أربَعَةٌ؛ لأنَّه العددُ الذي يَثْبُتُ به الزِّنَى. وللشافِعِىِّ، قَوْلَانِ، كَقَوْل الزُّهْرِىّ ومالكٍ. وقال رَبِيعةُ: خمسةٌ. وقال الحسنُ: عشرةٌ. وقال قتادةُ: نَفَرٌ. واحتجَّ أصحابُنَا بقولِ ابنِ عباسٍ، ولأنَّ اسمَ الطَّائِفةِ يقَعُ على الواحِدِ، بدليلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (١٨). ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١٨). [وقيل في قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (١٩). أنَّه مَخْشِىُّ (٢٠) بنُ حُمَيِّرٍ (٢١) وحدَه] (٢٢). ولا يجبُ أن يَحْضُرَ الإِمامُ، ولا الشُّهودُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: إنْ ثَبَتَ الحَدُّ ببَيِّنَةٍ، فعليها الحضُورُ، والبَداءَةُ بِالرَّجْمِ، [وإن ثَبَتَ باعْترافٍ، وَجَبَ على الإِمامِ الحضُورُ، والبَدَاءةُ بالرَّجْمِ] (٢٣)؛ لمَا رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنه قال: الرَّجْمُ رَجْمَانِ؛ فما كان منه بإقْرارٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ الإِمامُ، ثم النَّاسُ، وما كان بِبَيِّنَةٍ، فأَوَّلُ من يَرْجُمُ البَيِّنَةُ، ثم النَّاسُ. رواه سعيدٌ، بإسنادِه (٢٤). ولأنَّه إذا لم تَحْضُرِ الْبَيِّنَةُ ولا الإِمامُ، كان ذلك شُبْهَةً، والحَدُّ يسْقُطُ بِالشُّبُهاتِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ بِرَجْمِ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ، ولم يَحْضُرْهما، والحَدُّ ثَبَتَ باعْترافِهِما.

стр. 6464

وقال: "يَا أُنَيْسُ، اذْهَبْ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". ولم يَحْضُرْها (٢٥). ولأنَّه حَدٌّ، فلم يَلْزَمْ أن يحضُرَه الإِمامُ، ولا البَيِّنَةُ، كسائِرِ الحُدُودِ، ولا نُسَلِّمُ أن تَخَلُّفَهم عن الحضُورِ، ولا امتِناعَهمْ من البَداءَةِ بِالرَّجْمِ، شُبْهَةٌ. وأمَّا قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، فهو على سبيلِ الاسْتِحْبابِ والفَضِيلَةِ. قال أحمدُ: سُنَّةُ الاعْتِرافِ أن يَرْجُمَ الإِمامُ ثم النَّاسُ. ولا نعلمُ خلافًا في اسْتِحْبابِ ذلك، والأصلُ فيه قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وقد رُوِىَ في حديثٍ، روَاه أبو بكرٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ؛ أنَّه رَجَمَ امرأةً، فحَفَرَ لها إلى الثَّنْدُوَةِ، ثم رماها بحصاةٍ مثلِ الحِمَّصَةِ، ثم قال: " ارْمُوا، واتَّقُوا الْوَجْهَ". أخرجَه أبو داودَ (٢٦). فصل: ولا يُقامُ الحَدُّ على حامِلٍ حتى تضعَ، سَواءٌ كان الحملُ من زِنًى أو غيرِه. لا نعلَمُ في هذا خِلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحامِلَ لا تُرْجَمُ حتى تَضَعَ. وقد رَوَى بُرَيْدَةُ، أنَّ امرأةً مِن بنى غامِدٍ قالتْ: يا رسولَ اللَّه، طَهِّرْنِى. قال: "وَمَا ذَاكَ؟ " قالَتْ: إنَّها حُبْلَىَ مِن زِنًى. قال: "أَنْتِ؟ " قالتْ: نعم. فقال لها: "ارْجِعِى حَتَّى تَضَعِى مَا فِي بَطْنِكِ". قال، فكفَلَها رجلٌ من الأنصارِ حتى وضعَتْ، قال: فأتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: قد وضَعَتِ الغَامِدِيَّةُ. فقال: "إذًا لَا نَرْجُمُها، ونَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لهَ مَنْ تُرْضِعُهُ". فقامَ رجلٌ من الأنصارِ، فقال: إلىَّ رَضاعُه (٢٧) يا نَبِىَّ اللَّه، قال: فَرَجَمَها. روَاه مُسْلِمٌ، وأبو داودَ (٢٧). ورُوِىَ أنَّ امرأةً زَنَتْ في أيَّامِ عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه، فَهَمَّ عمرُ برَجْمِها وهى حامِلٌ، فقالَ له مُعاذٌ: إن كان لك سَبِيلٌ عليها، فليس لك سَبِيلٌ على حَمْلِها. فقال: عَجَزَ النِّسَاءُ أنْ يَلِدْنَ

стр. 6465

مِثْلَكَ. ولم يَرْجُمْها (٢٨). وعن عليٍّ مِثْلُه (٢٩). ولأنَّ في إقامةِ الحَدِّ عليها في حالِ حَمْلِها إتْلافًا لمَعْصُومٍ، ولا سبيلَ إليه، وسَواءٌ كان الحَدُّ رَجْمًا أو غيرَه، لأنَّه لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الوَلَدِ من سَرَايَةِ الضَّرْب والقَطْعِ، ورُبَّما سَرَى إلى نفسِ المضْروبِ والمقْطُوعِ، فيفوتُ الولدُ بفَواتِهِ. فإذا وضَعتِ الولدَ، فإن كان الْحَدُّ رَجْمًا، لم تُرْجَمْ حتى تَسْقِيَه اللِّبَأَ؛ لأنَّ الولدَ لا يَعِيشُ إلَّا به، ثم إن كان له مَنْ يُرْضِعُهُ، أو تَكَفَّلَ أحَدٌ برَضَاعِهِ، رُجِمَتْ، وإلَّا تُرِكَتْ حتى تَفْطِمَه؛ لما ذكرْنا من حديثِ الْغامِدِيَّةِ، ولما رَوَى أبو داودَ (٣٠)، بإسْنادِه عن بُرَيْدَةَ، أنَّ امرأةً أتَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فقالتْ: إنِّي فَجَرْتُ، فواللهِ إنِّي لَحُبْلَى. فقال لها: "ارْجِعِى حَتى تَلِدِى". فرَجَعَتْ، فلَمَّا ولَدتْ، أَتَتْه بالصَّبِىِّ، فقال: "ارْجِعِى فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ". فجاءَتْ به وقد فَطَمَتْه، وفى يَدِه شَىءٌ يأْكلُه، فأمرَ بالصَّبِىِّ، فدُفِعَ إلى رجلٍ من المسلمين، فأَمَرَ بها فحُفِرَ لها، وأمَرَ بها فَرُجِمَتْ، وأَمَرَ بها فصُلِّىَ عليها وَدُفِنَتْ. وإن لم يَظْهَرْ حَمْلُها، لم تُؤَخَّر؛ لاحْتِمالِ أنْ تكونَ حَمَلَتْ من الزِّنَى، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَجَمَ اليَهُوديَّةَ والجُهَنِيَّةَ، ولم يَسْأَلْ، عن اسْتِبْرَائِهِما. وقال لأُنَيْسٍ: "اذْهَبْ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". ولم يَأْمُرْه بسُؤالِهَا عن اسْتِبْرَائِهَا. ورَجَمَ علىٌّ شُراحةَ، ولم يَسْتَبْرِئْها. وإن ادَّعتِ الْحَمْلَ قُبِلَ قَوْلُها، كما قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ قولَ الغَامِدِيَّةِ. وإن كان الحَدُّ جَلْدًا، فإذا وَضَعَتِ الْوَلَدَ، وانْقَطَعَ النِّفَاسُ، وكانتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُها، أُقِيمَ عليها الحَدُّ، وإن كانَتْ في نِفَاسِها، أو ضَعِيفَةً يُخَافُ تَلَفُهَا، لم يُقَمْ عليها الحَدُّ حتى تَطْهُرَ وَتَقْوَى. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ وأبى حنيفةَ. وذَكَرَ القاضي، أنَّه ظاهِرُ كلام الْخِرَقِىِّ. وقال أبو بكرٍ: يُقامُ عليها الحَدُّ في الحالِ، بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَه التَّلَفُ، فإن خِيفَ عليها من السَّوْطِ، أُقِيمَ بالعُثْكُولِ. يعني شِمْرَاخَ النَّخلِ، وأطْرافَ الثِّياب؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ بضَرْبِ المريضِ الذي زَنَى، فقال:

стр. 6466

"خُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً" (٣١). ولَنا، ما رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ أَمَةً لرسولِ اللَّه ﷺ زَنَتْ، فأَمَرَنِى أن أجْلدَها، فإذا هي حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فخَشيْتُ إن أنا جَلَدْتُها أن أَقْتُلَها، فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "أَحسَنْتَ". رواه مُسْلِمٌ، والنَّسَائِيُّ، وأبو داودَ (٣٢). ولفظُه، قال: فَأَتَيْتُهُ، فقال: "يا عَلِىُّ، أَفَرَغْتَ؟ " فقُلْتُ: أَتَيْتُها ودَمُها يسيلُ. فقال: "دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْها الدَّمُ، ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْها الْحَدَّ". وفي حَدِيثِ أبي بَكْرَةَ، أنَّ المرأةَ انطقَتْ، فوَلَدَتْ غُلَامًا، فجاءَتْ به النَّبِيَّ ﷺ فقال لها: "انْطَلِقِى، فَتَطَهَّرِى مِنَ الدَّمِ". روَاه أبو داود (٣٣). ولأنَّه لو تَوَالَى عليه حَدَّانِ، فاسْتُوفِىَ أحدُهما، لم يُسْتَوْفَ الثَّانِى حتى يَبْرَأَ من الأوَّلِ، ولأنَّ في تأخيرِه إقامَةَ الحَدِّ على الكَمَال، من غيرِ إتْلافٍ، فكان أَولَى. فصل: والمريضُ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، يُرْجَى بُرْؤُه، فقال أصحابُنا: يُقَامُ عليه الحَدُّ، ولا يُؤَخَّرُ. كما قالَ أبو بكرٍ في النُّفَسَاءِ. وهذا قولُ اسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه أقامَ الحَدَّ عَلَى قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ في مَرَضِه، ولم يُؤَخِّرْه (٣٣)، وانتشرَ ذلك في الصَّحَابَةِ، فلم يُنْكِرُوه، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الحَدَّ واجبٌ فلا يُؤَخَّرُ ما أوجَبَهُ اللهُ بغيرِ حُجَّةٍ. قال القاضي: وظاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تأخيرُه؛ لقولِه في مَن يجبُ

стр. 6467

عليه الحَدُّ: وهو صحيحٌ عاقِلٌ. وهذا قولُ أبِي حنيفةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِيِّ؛ لحديثِ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في التي هي حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفاسٍ، وما ذَكَرْنَاه من المعنى. وأمَّا حديثُ عمرَ، في جَلْدِ قُدامَةَ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه كان مَرَضًا خَفِيفًا، لَا يمْنَعُ من إقامَةِ الحَدِّ على الكمالِ، ولهذا لم يُنْقَلْ عنه أنَّه خَفَّفَ عنه في السُّوْطِ، وإنَّما اخْتارَ له سَوْطًا وسَطًا، كالذى يُضْرَبُ به الصَّحِيحُ، ثم إنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ يُقَدَّمُ على فِعْلِ عمرَ، مع أنَّه اخْتِيارُ عليٍّ وفِعْلُه، وكذلك الحُكْمُ في تأخيرِه لأجْلِ الحَرِّ والبَرْدِ المُفْرِطِ. الضَّرب الثَّانِى، المريضُ الذي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ. فهذا يُقَامُ عليه الحَدُّ (٣٤) في الحالِ ولا يُؤَخَّرُ، بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، كالقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وشِمْرَاخِ النَّخْلِ، فإن خِيفَ عليه من ذلك، جُمِعَ ضِغْثٌ فيه مائةُ شِمْرَاخٍ، فضُرِبَ به ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وأنكرَ مالِكٌ هذا، وقال: قد قال اللهُ تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣٥). وهذا جَلْدَةٌ واحِدَةٌ. ولَنا، ما رَوَى أبو أُمامَةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، عن بعضِ أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّ رجلًا منهم اشْتَكَى حتى ضَنِىَ، فدخلَتْ عليه امرأةٌ فهَشَّ لها، فوقَعَ بها، فسُئِلَ له رسولُ اللَّه ﷺ ، [فأمرَ رسولُ اللَّه ﷺ ] (٣٦) أن يأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فيَضْرِبُوه ضَرْبَةً وَاحِدَةً. رواه أبو داودَ، والنَّسَائِيُّ (٣٧). وقال ابنُ المُنْذِرِ: في إسْنادِه مقالٌ. ولأنَّه لا يخْلُو من أن يُقامَ الحَدُّ على ما ذكَرْنَا، أو لا يُقامَ أصْلًا، أو يُضْرَبَ ضَرْبًا كامِلًا لا يجوزُ تَرْكُه بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، ولا يجوزُ جَلْدُه جَلْدًا تامًا؛ لأنَّه يُفْضِي إلى إتْلافِه، فتعيَّنَ ما ذكَرْنَاه. وقولُهم: هذا جَلْدَةٌ واحدةٌ. قُلْنا: يجوزُ أن يُقَامَ ذلك في حالَ العُذْرِ مُقامَ مِائَةٍ، كما قال اللَّه تعالى في حَقِّ أيُّوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ

стр. 6468

ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٣٨). وهذا أوْلَى من تَرْكِ حَدِّهِ بالكُلِّيَّةِ، أو قَتْلِه بما (٣٩) لا يُوجِبُ القَتْلَ. ١٥٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زَنَى الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، جُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ جَلْدَةً، ولَمْ يُغَرَّبَا) وجملتُه أنَّ حَدَّ العَبْدِ والأَمَةِ خمسون جَلْدَةً بِكْرَيْن كانا أو ثَيِّبَيْنِ. في قولِ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم عمرُ، وعَلىٌّ، وابنُ مسعود، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ، والْبَتِّيُّ، والعَنْبَرِيُّ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ، وطاوُسٌ، وأبو عُبَيْدٍ: إن كانا مُزَوَّجَيْنِ فعليْهِما نصفُ الحَدِّ، ولا حَدَّ على غيرِهما؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١). فدليلُ خِطَابِه أنَّه لا حَدَّ على غيرِ المُحْصَناتِ. وقال داودُ: على الأَمَةِ نِصْفُ الحَدِّ إذا زَنَتْ بعدَ ما زُوِّجَتْ، وعلى العبدِ جَلْدُ مِائَةٍ بكُلِّ حالٍ، وفي الأَمَةِ إذا لم تُزَوَّجْ روايتَانِ؛ إحداهما، لا حَدَّ عليها. والأخرى، تُجْلَدُ مِائَةً؛ لأنَّ قولَ اللَّه تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). عامٌّ، خَرَجَتْ منه الأَمَةُ المُحْصَنَةُ بقولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. فَيبَقَى العَبْدُ والأَمَةُ التي لم تُحْصَنْ على مُقْتَضَى العُمومِ. ويَحْتَمِلُ دَلِيلُ الخِطابِ في الأَمَةِ أن لا حَدَّ عليها، كَقولِ (٣) ابنِ عَبَّاسٍ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذَا لم يُحْصَنَا بالتَّزْوِيجِ، فعليهما نصفُ الحَدِّ، وإن أُحْصِنَا فعليْهِما الرَّجْمُ؛ لعُمومِ الأخْبارِ فيه،

стр. 6469

ولأنَّه حَدٌّ لا يتبعَّضُ، فوجَبَ تكْمِيلُه، كالقَطْع في السَّرِقَةِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن أبي هُرَيْرَةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ، وسُئِلَ (٤)، قالوا: سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ عن الأمَةِ إذا زَنَتْ ولم تُحْصَنْ، فقال: "إذَا زَنَتْ فاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثم إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا ولَوْ بِضَفِيرٍ" (٥). مُتَّفَقٌ عليه (٦). قال ابنُ شِهابٍ: وهذا نَصٌّ في جَلْدِ الأَمَةِ إذا لم تُحْصَنْ، وهو حُجَّةٌ على ابنِ عَبَّاسٍ، ومُوافِقِيه، وداودَ. وجَعْلُ داودَ عليها مِائَةً إذا لم تُحْصَنْ، وخمسين إذا كانتْ مُحْصَنَةً، خلافُ ما شَرَعَ اللهُ تعالى، فإنَّ اللَّه ضاعَفَ عُقوبةَ الْمُحْصَنَةِ على غيرِها، فجعلَ الرَّجْمَ على المُحْصَنَةِ، والجلْدَ على البِكْرِ، وداودُ ضاعَفَ عُقوبةَ البِكْرِ على المُحْصَنَةِ، واتِّباعُ شَرْعِ اللهِ أَوْلَى. وأمَّا دَلِيلُ الخِطابِ، فقد رُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، رحمَةُ اللهِ عليه (٧)، أنَّه قال: إحْصانُها إسْلامُها وأقْراؤُها (٨). بفتح الألِف. ثم دليلُ الخِطابِ إنَّما يكونُ دليلًا إذا لم يكُنْ للتَّخْصِيصِ بالذِّكْرِ فائِدَةٌ، سِوَى اخْتصاصِه بالحُكْمِ، ومتى كانتْ له فائِدَةٌ أُخْرَى، لم يكُنْ دليلًا، مثلَ أن يخْرُجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، أو للتَّنْبِيهِ، أو لمَعْنًى من المعانِى، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ

стр. 6470

مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (٩). ولم يخْتَصَّ التَّحْرِيمُ باللَّاتِي في حُجُورِهم (١٠). وقال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٩). وحرَّم حَلائلَ الأبْناءِ من الرَّضاعِ، وأبْناءِ الأبْناءِ. وقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١١). وأُبِيحَ القَصْرُ بدونِ الخَوْفِ. وأمَّا العبدُ فلا فَرْقَ بينَه وبينَ الأَمَةِ، فالتَّنْصِيصُ على أحدِهما يَثْبُتُ حُكْمُه في حقِّ الآخَرِ، كما أنَّ قولَ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ" (١٢). ثبتَ حُكْمُه في حَقِّ الأَمَةِ، ثم إنَّ المَنْطوقَ أَوْلَى منه على كلِّ حالٍ. وأمَّا أبو ثَوْرٍ، فخالَف (١٣) نصَّ قولهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. وعَمِلَ به فيما لم يتناولْه النصُّ، وخَرَقَ الإِجْمَاعَ في إيجابِ الرَّجْمِ على الْمُحْصَناتِ، كما خَرَقَ داودُ الإِجماعَ في تكْميلِ الجَلْدِ على العبيدِ (١٤)، وتَضْعيفِ حَدِّ الأبْكارِ على الْمُحْصَناتِ. فصل: ولا تَغْريبَ على عبدٍ ولا أَمَةٍ. وبهذا قالَ الحسنُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ وإسحاقُ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُغَرَّبُ نصفَ عامٍ؛ لقولهِ تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. وحدَّ ابنُ عمرَ مملوكةً له، ونَفاهَا إلى فَدَكَ (١٥). وعن الشافعيِّ قَوْلان كالمذهَبَيْنِ. واحتجَّ مَنْ أوجَبَهُ بعُمومِ قولِه ﵇: "والبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" (١٦). ولَنا، الحديثُ المَذكورُ في حُجَّتِنا، ولم يذْكُرْ فيه تَغْريبًا، ولو كان واجبًا لَذكَرَه؛ لأنَّه لا يجوزُ تأْخيرُ البيان

стр. 6471

عن وَقْتِه، وحديثُ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: يا أيُّها النَّاسُ، أقيمُوا على أرِقَّائكُم الحَدَّ، مَنْ أحْصَنَ منهم، ومن لم يُحْصَنْ؛ فإنَّ أَمَةً لرسولِ اللَّه ﷺ زَنَتْ، فأمرَنِى أن أجلدَها. وذكرَ الحديثَ. روَاه أبو داودَ (١٧)، ولم يذكُرْ أنَّه غَرَّبَها. وأَمَّا الآيَةُ، فإنَّها حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ العذابَ المذكورَ في القرآنِ مِائَةُ جلدةٍ لا غيرُ، فيَنْصَرِفُ التَّنْصيفُ إليه دونَ غيرِه؛ بدليلِ أنَّه لم ينْصَرِفْ إلى تَنْصِيفِ الرَّجْمِ، ولأنَّ التَّغْرِيبَ في حقِّ العبدِ عُقوبةٌ لسيِّدِه دونَه، فلم يجبْ في الزِّنَى، كالتَّغْرِيمِ، بيانُ ذلك، أنَّ العبدَ لا ضرَرَ عليه في تَغْريبِه؛ لأنَّه غَرِيبٌ في مَوْضِعِه، ويترفَّهُ بتَغْريبِه من الخِدْمَةِ، ويَتَضَرَّرُ سيِّدُه بتَفْويتِ خِدْمَتِه، والخطرِ بخُروجِه من تحتِ يدِه، والكُلْفَةِ في حِفْظِه، والإِنفاقِ عليه مع بُعْدِه عنه، فيصيرُ الحدُّ مَشْروعًا في حقِّ غيرِ الزَّانِي، والضررُ على غيرِ الجانِي، وما فعلَ ابنُ عمرَ، ففى حَقِّ نفسِه وإسْقاطِ حَقِّه، وله فعلُ ذلك من غيرِ زِنًى ولا جِنَايَةٍ، فلا يكونُ حُجَّةً في حَقِّ غيرِه. فصل: وإذا زنَى العبدُ، ثم عَتَقَ، حُدَّ حَدَّ الرَّقِيقِ؛ لأنَّه إنَّما يُقامُ عليه الحَدُّ الذي وَجَبَ عليه. ولو زَنَى حُرٌّ ذِمِّيٌّ، ثم لَحِقَ بدارِ الحَربِ، ثم سُبِىَ واسْتُرِقَّ، حُدَّ حَدَّ الأحْرارِ؛ لأنَّه وَجَبَ عليه وهو حُرٌّ. ولو كان أحدُ الزَّانِيَيْنِ رَقِيقًا، والآخَرُ حُرًّا، فعلى كُلِّ واحدٍ منهما حَدُّه. ولو زَنَى بِكرٌ بثيِّبٍ، حُدَّ كُلُّ واحدٍ منهما حَدَّه؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما إنَّما تَلْزمُه عُقوبَةُ جِنَايَتِه. ولو زَنَى بعدَ العِتْق، وقَبْلَ العلمِ به، فعليه حَدُّ الأحْرارِ؛ لأنَّه زَنَى وهو حُرٌّ. وإن أُقِيمَ عليه حَدُّ الرَّقِيقِ قبلَ العِلْمِ بحُرِّيَّتِه، ثم عُلِمتْ بعدُ، تُمِّمَ عليه حَدُّ الأحْرارِ. وإن عَفَا السَّيِّدُ عن عبدِه، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحسنَ، قال: يَصِحُّ عَفْوُه. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّه حَقٌّ للهِ تعالى، فلا يسْقُطُ بإسْقاطِ سَيِّدِه، كالعِبَاداتِ، وكالحُرِّ إذا عَفَا عنه الإِمامُ. فصل: وللسَّيِّدِ إقامَةُ الحَدِّ بالجَلْدِ على رَقِيقِه القِنِّ، في قولِ أكثرِ العلماءِ.

стр. 6472

رُوِىَ نحوُ ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابن عمرَ، وأبى حُمَيْدٍ وأبى أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّيْن، وفاطمةَ ابنةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وعَلْقَمَةَ، والأسْودِ، والحسنِ (١٨)، والزُّهْرِيِّ، وهُبَيْرَةَ بنِ يَرِيمَ (١٩)، وأبى مَيْسَرَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن الْمُنْذِرِ. وقال ابنُ أبي ليلى: أدْرَكْتُ بَقايا الأنْصارِ يَجْلِدُونَ ولائِدَهم في مجالِسِهم الحُدودَ إذا زَنَوْا. وعن الحسنِ بن محمدٍ، أنَّ فاطمةَ حَدَّتْ جَارَيَةً لها زَنَتْ. وعن إبراهيمَ، أنَّ عَلْقَمَةَ والأسْوَدَ كانَا يُقيمانِ الحُدُودَ على مَنْ زَنَى من خَدَمِ عشائِرِهم. رَوَى ذلك سعيدٌ، في "سُنَنِه" (٢٠). وقال أصْحابُ الرّأْيِ: ليس له ذلك؛ لأنّ الحُدودَ إلى السلطانِ، ولأنَّ من لا يَمْلِكُ إقامةَ الحَدِّ على الحُرِّ لا يَمْلِكُه على العبدِ، كالصبِىِّ، ولأنَّ الحَدَّ لا يجبُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، ويُعْتَبَرُ لذلك شروطٌ، مِنْ عَدالةِ الشُّهودِ، ومَجيئِهِم مُجْتَمِعينَ، أو في مجلسٍ واحدٍ، وذِكْرِ حَقِيقَةِ الزِّنَى، وغيرِ ذلك من الشُّروطِ التي تحتاجُ إلى فقيهٍ يعرفُها، ويعرفُ الخِلافَ فيها، والصَّوابَ منها، وكذلك الإِقْرارُ، فيَنْبَغِى أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإِمامِ أو نائِبه، كحَدِّ الأحْرَارِ، ولأنَّه حَدٌّ هو حَقٌّ للَّه (٢١) تعالى، فَيُفَوَّضُ إلى الإِمامِ، كالقتلِ والقَطْعِ. ولَنا، ما رَوى سعيدٌ (٢٢)، حدَّثنا سفيانُ، عن أيُّوبَ بن موسى، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ. عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا زَنَتْ أَمَةُ أحَدِكُمْ، فتَبَيَّنَ (٢٣) زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا، ولا يُثَرِّبْ بِهَا، فإنْ عَادَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا، ولا يُثَرِّبْ بها، فَإنْ عَادَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، ولا يُثَرِّبْ (٢٤) بها، فإنْ عَادَتِ الرَّابِعَةَ،

стр. 6473

فَلْيَجْلِدْهَا، ولْيَبِعْها (٢٥) وَلَوْ بِضَفِيرٍ". وقال (٢٦): حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، حدَّثنا عبدُ الأعْلَى، عن أبي جَمِيلةَ، عن علىٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ". وروَاه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢٧). ولأنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تأْديبَ أَمَتِه وتَزْويجَها، فَمَلَكَ إقَامَةَ الحَدِّ عليها، كالسُّلْطَانِ، وفارقَ الصَّبِيَّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَمْلِكُ إقامةَ الحَدِّ بشروطٍ أربعةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ جلدًا كحَدِّ الزِّنَى، والشُّرْبِ، وحَدِّ القَذْفِ، فأمَّا القتلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ، فلا يَمْلِكُهما إلَّا الإِمامُ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وفيهما وَجْهٌ آخرُ، أنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُهُما. وهو ظاهِرُ مذهب الشَّافِعِيِّ؛ لِعُمومِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ". ورُوِىَ أنَّ ابنَ عمرَ قطَعَ عبدًا سَرَقَ (٢٨). وكذلك عائِشةُ. وعن حَفْصَةَ أنَّها قَتَلَتْ أَمَةً لها سَحرَتْها (٢٨). ولأنَّ ذلك حَدٌّ أشْبَهَ الجَلْدَ. وقالَ القاضي: كلامُ أحمدَ يَقْتَضِي أنَّ في قَطْعِ السَّارِقِ روَايتَيْن. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ تَفْويضُ الحَدِّ إلى الإِمامِ؛ لأنَّه حَقٌّ للهِ تعالى، فيُفَوَّضُ إلى نائِبِه، كما في حَقِّ الأحْرارِ، ولما ذكَرَه أصحابُ أبي حَنِيفةَ، وإنَّما فُوِّضَ إلى السَّيِّدِ الجَلْدُ خاصَّةً، لأنَّه تأدِيبٌ، والسَّيِّدُ يَمْلِكُ تأديبَ (٢٩) عبدِه وضَرْبَه على الذَّنْبِ، وهذا من جنسِه، وإنَّما افْتَرَقَا في أنَّ هذا مُقَدَّرٌ، والتأديبُ غيرُ مُقَدَّرٍ، وهذا لا أَثَرَ له في مَنْعِ السَّيِّدِ منه، بخلافِ القَطْعِ والقَتْلِ، فإنَّهما إتْلافٌ لجُمْلَتِه أو بَعْضِه (٣٠) الصَّحِيحِ، ولا يَمْلِكُ السَّيِّدُ هذا من عَبْدِه، ولا شيئًا من جِنْسِه، والخبرُ الواردُ في حَدِّ السَّيِّدِ عبدَه، إنَّما جاءَ في الزِّنَى خاصَّةً، وإنَّما قِسْنَا عليْه ما يُشْبِهُه من الجَلْدِ. وقولُه: "أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ". إنَّما جاء في سِياقِ الجَلْدِ في الزِّنَى، فإنَّ أوَّلَ الحديثِ عن عليٍّ

стр. 6474

قالَ: أُخْبِرَ النَّبِىُّ ﷺ بأَمَةٍ لهم فَجَرَتْ، فَأَرْسَلَنِى إليها، فقال: "اجْلِدْهَا الحَدَّ". قال: فانطلَقْتُ، فوَجَدْتُها لم تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا، فرَجَعْتُ إليه، فقال: "أفَرَغْتَ؟ ". فقلتُ: وجَدْتُها لم تَجِفَّ من دَمِها. قال: "إذَا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا، فَاجْلِدْهَا الحَدَّ، وأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٣١). فالظَّاهِرُ أنَّه إنَّما أرادَ ذلك الحَدَّ وشِبْهَه. وأمَّا فعلُ حَفْصَةَ، فقد أَنْكَرَهُ عثمانُ عليها، وشَقَّ عليه، وقولُه أَوْلَى مِنْ قَوْلِها. وما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، فلا نعلَمُ ثُبوتَه عنه. الشَّرْطُ الثَّانِي، أن يَخْتَصَّ السَّيِّدُ بالمَمْلوكِ، فإن كان مُشْتَرَكًا بينَ اثْنَيْنِ، أو كانتِ الأَمَةُ مُزَوَّجَةً، أو كان المملوكُ مُكاتَبًا، أو بعضُه حُرًّا، لم يَمْلِكِ السَّيِّدُ إقامَةَ الحَدِّ عليه. وقال [مالِكٌ، ] (٣٢) والشَّافِعِيُّ: يَمْلِكُ السَّيِّدُ إقامَةَ الحَدِّ على الأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ؛ لِعُمُومِ الخبَرِ، ولأنَّه مُخْتَصٌّ بِمِلْكِهَا، وإنَّما يَمْلِكُ الزَّوْجُ بعضَ نَفْعِها، فَأشْبَهَتِ المُسْتَأْجَرَةَ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: إذا كانتِ الأمَةُ ذاتَ زوجٍ، رُفِعَتْ إلى السُّلْطانِ، وإن لم يكُنْ لها زَوْجٌ، جلدَها سَيِّدُها نصْفَ ما على المُحْصَنِ (٣٣). ولا (٣٤) نَعْرِفُ له مُخالِفًا في عصرِه، فكانَ إجْماعًا. ولأنَّ نَفْعَها مملوكٌ لغيرِه مُطْلَقًا، أشْبَهتِ الْمُشْتَرَكَةَ، ولأنَّ المُشْتَرَكَ إنَّما مُنِعَ من إقَامةِ الحَدِّ عليه، لأنَّه يُقِيمُه في غيرِ مِلْكِه، فإنَّ الجزءَ (٣٥) الحُرَّ أو المملوكَ (٣٦) لغيرهِ، ليس بمَمْلوكٍ له، وهو يُقِيمُ الحَدَّ عليه، وهذا يُشْبِهُه؛ لأنَّ مَحَلَّ الحَدِّ هو مَحَلُّ اسْتِمْتاعِ الزَّوْجِ، وهو بدنُها فلا يَمْلِكُه، والخبرُ مَخْصوصٌ بالمُشْتَرَكِ, فنَقِيسُ عليه، والمُسْتأجَرَةُ إجارتُها مُؤَقَّتةٌ تَنْقَضِى (٣٧). ويَحْتَمِلُ أنْ نقولَ: لا يَمْلِكُ إقامَتَه عليها في حالِ إجارتِها؛

стр. 6475

لأنَّه رُبَّما أفْضَى إلى تَفْويتِ حَقِّ المُسْتَأْجِرِ، وكذلك الأمَةُ المَرْهونَةُ، يُخَرَّجُ فيها وَجْهان. الشرطُ الثالث، أنَّ يَثْبُتَ الحَدُّ بِبَيِّنَةٍ أو اعْترافٍ، فإن ثَبَتَ باعْترافٍ، فلِلسَّيِّدِ إقامتُه، إذا كانَ يعرفُ الاعْترافَ الذي يَثْبُتُ به الحَدُّ وشُروطَه، وإن ثَبَتَ ببَيِّنةٍ، اعْتُبِرَ أنْ يَثْبُتَ عندَ الحاكمِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تحْتاجُ إلى البحثِ عن العدالَةِ، ومعرفَةِ شرُوطِ سَماعِها ولَفْظِها، ولا يقومُ بذلك إلَّا الحاكِمُ. وقال القاضي يعقوب (٣٨): إنْ كان السَّيِّدُ يُحْسِنُ سَماعَ البَيِّنَةِ، ويَعْرِفُ شُروطَ العدالَةِ، جازَ أن يسْمَعَها، ويُقِيمَ الحَدَّ بها، كما يُقِيمُه بالإِقْرارِ. وهذا ظاهرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّها أحَدُ ما يَثْبُتُ به الحَدُّ، فأشْبَهتِ الإِقْرارَ. ولا يُقيمُ السَّيِّدُ الحَدِّ بعِلْمِه. وهذا قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه لا يُقِيمُه الإِمَامُ بعلْمِه، فالسَّيِّدُ أوْلَى، فإنَّ ولايةَ الإِمامِ للحَدِّ أقْوَى مِنْ وِلايَةِ السَّيِّدِ؛ لكَوْنِها مُتَّفَقًا عليها، وثابتةً بالإِجْماعِ، فإذا لم يَثْبُتِ الْحَدُّ في حَقِّه بالعِلْمِ، فههُنا أوْلَى. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُقِيمُهُ بعِلْمِه؛ لأنَّه قد ثَبَتَ عندَه، فمَلَكَ إقامَتَه، كما لو أقَرَّ به، ويفارِقُ الحاكِمَ؛ لأنَّ الحاكِمَ مُتَّهَمٌ، ولا يَمْلِكُ مَحَلَّ إقامَتِه، وهذا بخلافِه. الشرطُ الرابع، أن يكونَ السَّيِّدُ بالغًا عاقِلًا عالِمًا بالحُدُودِ وكَيْفِيَّةِ إقامَتِها؛ لأنَّ الصَّبِىَّ والمجنُونَ لِيسَا من أهلِ الولاياتِ، والجاهلَ بالحَدِّ لا يُمْكِنُه إقامَتُه على الوجْهِ الشَّرْعِيِّ، فلا يُفَوَّضُ إليه. وفي الفاسِقِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّ هذه ولايةٌ، فنافَاها الفِسْقُ، كولايةِ التَّزْوِيجِ. والثَّانى، يَمْلِكُه؛ لأنَّ هذه ولايةٌ اسْتَفادَها بالمِلْكِ، فلم يُنَافِها الفِسْقُ، كبَيْعِ العبدِ. وإن كان مُكاتَبًا ففيه احْتمالانِ؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّه ليس من أهلِ الوِلَايةِ. والثاني، يَمْلِكُه؛ لأنَّه مُسْتَفادٌ (٣٩) بالمِلْكِ، فأَشْبَهَ سَائِرَ تَصَرُّفَاتِه. وفي المرأَةِ أيضًا احْتمالانِ؛ أحدُهما، لا تَمْلِكُه؛ لأنَّها ليستْ من أهلِ الولايات. والثانى، تَمْلِكُهُ؛ لأنَّ فاطِمَةَ جَلَدَتْ أمَةً لها، وعائِشَةَ قَطَعَتْ أمَةً لها سَرَقَتْ، وحَفْصَةَ قَتَلَتْ أَمَةً لها (٤٠)

стр. 6476

سَحَرَتْها (٤١). ولأنَّها مالِكَةٌ تامَّةُ المِلْكِ من أهلِ التَّصَرُّفَاتِ، أشْبَهتِ الرجلَ. وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّ الحَدَّ يُفَوَّضُ إلى وَلِيِّها؛ لأنَّه يُزَوِّجُ أَمَتَها ومَوْلاتَها، فمَلَكَ إقامَةَ الحَدِّ على مَمْلُوكَتِها. فصل: وإن فَجَرَ بِأَمَةٍ، ثم قَتَلَهَا، فعليه الحَدُّ وقيمَتُها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو يوسف: إذا أوْجَبْتُ (٤٢) عليه قِيمَتَها، أسْقَطْتُ الحَدَّ عنه؛ لأنَّه يَمْلِكُها بغَرامَتِه لها، فيكونُ ذلك شُبْهةً في سُقُوطِ الحَدِّ. ولَنا، أنَّ الحَدَّ وَجَبَ عليه، فلم يَسْقُطْ [بقَتْلِ المَزْنِىِّ بها] (٤٣)، كما لو كانتْ حُرَّةً فغَرِمَ دِيَتَها. وقولُهم: إنَّه يملِكُها. غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه إنَّما غَرِمَها بعدَ قَتْلِها، ولم يَبْقَ مَحَلًّا للمِلْكِ، ثم لو ثَبَتَ أنَّه مَلَكَها، فإنَّما مَلَكَها بعدَ وجوبِ الحَدِّ، فلم يَسْقُطْ عنه الحدُّ، كما لو اشْتراها، ولو زَنَى بأَمَة، ثم اشْتَرَاها، لم يَسْقُطْ عنه الحدُّ، مِع ثُبُوتِ حَقيقةِ المِلْكِ له، فههُنا أوْلَى. ولو زَنَى بِأَمَةٍ، ثم غَصَبَها، فأَبَقَتْ من يَدِه، ثم غَرِمَها، لم يَسْقُطْ عنه الحدُّ؛ لأنَّه إذا لم يسْقُطْ بالمِلْكِ المُتَّفَقِ عليه، فبالمُخْتَلَفِ فيه أَوْلَى. فصل: وإذا زَنَى مَن نِصْفُه حُرٌّ، ونصفُه رَقِيقٌ، فلا رَجْمَ عليه؛ لأنَّه لم تَكْمُلِ الْحُرِّيَّةُ فيه، وعليه نصفُ حَدِّ الحُرِّ خمسون جَلْدَةً، ونصفُ حَدِّ العبدِ خمسٌ وعشرون (٤٤)، فيكونُ عليه خمسٌ وسبعون جلدةً، ويُغَرَّبُ نصفَ عامٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَحْتَمِلُ أنْ لَا يُغَرَّبُ؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ في جميعِه في جميعِ الزَّمَانِ، ونصيبُه من العبدِ لا تَغْرِيبَ عليه، فلا يَلْزمُه تَرْكُ حَقِّه في بعضِ الزَّمَانِ بمالا يَلْزَمُه، ولا تأخيرُ حَقِّه بالمُهايَأَةِ من غيرِ رضَاه. وإن قُلْنَا بِوُجُوبِ تَغْريبِه، فَيَنْبَغِى أن يكونَ زمنُ التَّغرِيبِ مَحْسُوبًا على العبدِ من نَصيبِه الحُرِّ، وللسَّيِّد نِصْفُ عامٍ بَدَلًا عنه، وما زادَ من الحُرِّيَّةَ أو

стр. 6477

نَقَصَ منها، فبِحِسابِ ذلك، فإن كان فيها كَسْرٌ، مثل أن يكونَ ثلثُه حُرًّا، فمُقْتضَى ما ذكَرْنَاه أنْ يلْزَمَه ثُلُثا جَلْدِ الحُرِّ. وهو ستٌّ وستُّون جلدةً وثُلُثان، فيَنْبغِى أن يسْقُطَ الكسرُ؛ لأنَّ الحدَّ متى دارَ بينَ الوُجوبِ والإِسْقاطِ، سَقَطَ. والمُدَبَّرُ والمُكاتَب وأمُّ الولدِ، بِمَنْزِلَةِ القِنِّ في الحَدِّ؛ لأنَّه رقِيقٌ كلُّه، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" (٤٥). ١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (وَالزَّانِى مَنْ أَتَى الْفَاحِشَةَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَنْ وَطِئَ امرأةً في قُبُلِهَا حَرَامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زَانٍ يَجِبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه. والوطءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوطءِ في القُبُلِ؛ ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (١). الآية. ثم بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّه قد جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا: "البِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ" (٢). وَالْوَطءُ في الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ، بقوله تعالى في قومِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ (٣). يعني الوَطْءَ في أدْبارِ الرِّجَالِ، ويُقالُ: أوَّلُ ما بدأَ قومُ لُوطٍ بَوطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ثم صارُوا إلى ذلك في الرِّجالِ. فصل: وإن وَطِئَ مَيِّتَةً، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، عليه الحَدُّ. وهو قولُ الأوْزَاعيِّ؛ لأنَّه وَطِئَ في فَرْجِ آدَمِيَّةٍ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الحَيَّةِ، ولأنَّه أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكثرُ إثمًا؛ لأنَّه انْضَمَّ ألى فاحِشَتِه (٤) هَتْكُ حُرْمَةِ المَيِّتَةِ. والثانى، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ

стр. 6478

الحسنِ. قال أبو بكر: وبهذا أقولُ؛ لأنَّ الوَطْءَ في المَيِّتَةِ [كَلاوَطْءٍ] (٥)، لأنَّه عُضْوٌ مُسْتَهْلَكٌ، ولأنَّها لا يُشْتَهى مِثْلُها، وتَعافُها النَّفسُ، فلا حاجةَ إلى شَرْع الزَّجْرِ عنها، والحَدُّ إنَّما وجبَ زَجْرًا. وأمَّا الصغيرةُ، فإنْ كانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، فوَطْؤُها زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ؛ لأنَّها كالكبيرَةِ في ذلك، وإن كانَتْ مِمَّنْ لا تَصْلُحُ (٦) للوَطْءِ، ففيها وَجْهَانِ، كالمَيِّتَةِ. قال القاضي: لا حَدَّ على من وَطِئَ صَغِيرَةً لم تَبْلُغْ تِسْعًا؛ لأنَّها لا يُشْتَهَى مِثْلُها، فأشْبَهَ ما لو أدخلَ إصْبَعَه في فَرْجِها، وكذلك لو استدخَلَتِ امرأةٌ ذَكَرَ صَبِيٍّ لم يبلُغْ عشرًا، لا حَدَّ عَليها. والصَّحِيحُ أنَّه متى [وَطِئَ مَن] (٧) أمْكَنَ وَطْؤُها، أو أمْكَنتِ (٨) المرأةُ مَن أمْكَنَه الوَطْءُ فوَطِئَها، أنَّ الحدَّ يجبُ على (٩) المكلَّفِ منهما، ولا يجوزُ تَحْديدُ ذلك بتسْعٍ ولا عشرٍ؛ لأنَّ التَّحديدَ إنَّما يكونُ بالتَّوقِيف، [ولا تَوْقِيفَ] (١٠) في هذا، وكونُ التِّسْع وَقْتًا لإِمكانِ الاسْتِمْتاعِ غالبًا، لا يَمْنَعُ وجودَه قبلَه، كما أنَّ البلُوغَ يُوجدُ في خمسةَ عشرَ عامًا غالبًا، ولم يَمْنَعْ من وجُودِه قبلَه. فصل: وإن تزَّوجَ ذاتَ مَحْرَمِه، فالنِّكاحُ باطِلٌ بالإِجْماعِ. فإن وَطِئَها، فعليه الحَدُّ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وأبو أيُّوبَ، وابنُ أبي خَيْثَمَةَ. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطءٌ تمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلم يُوجِبِ الْحَدَّ، كما لو اشْترَى أُخْتَه من الرَّضَاعِ ثم وَطِئَها. وبيانُ الشُّبْهَةِ أنَّه قد وُجِدَتْ صورةُ المُبِيحِ، وهو عَقْدُ النِّكَاحِ الَّذِى هو سببٌ للإِباحَةِ، فإذا لم يَثْبُت حُكْمُه وهو الإِباحَةُ، بَقِيَتْ صُورتُه شُبْهةً

стр. 6479

دارِئةً للحَدِّ الذي يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، مُجمعٌ على تَحْريمِه، من غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، والواطِئُ من أهلِ الحَدِّ، عالمٌ بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه (١١) الحَدُّ، كما لو لم يُوجَدِ العقدُ، وصورةُ المُبِيحِ إنَّما تكونُ شُبْهةً إذا كانتْ صَحِيحَةً، والعَقْدُ ههُنا باطِلٌ مُحَرَّمٌ، وفعلُه جِنايَةٌ تقْتَضِي العُقوبَةَ، انضَمَّتْ إلى الزِّنَى، فلم تكُنْ شُبْهَةً، كما لو أكرهَها، وعاقَبها، ثم زَنَى بها، ثم يَبْطُلُ بالاسْتيلاءِ عليها، فإنَّ الاسْتيلاءَ سببٌ للمِلْكِ (١٢) في المُبَاحَاتِ، وليس بشُبْهَةٍ. وأمَّا إذا اشترَى أختَه من الرَّضاعِ، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْناهُ، فإنَّ المِلْكَ المُقْتَضِى للإِباحَةِ صَحِيحٌ ثابِتٌ، وإنما تخلَّفَتِ الإِباحَةُ لمُعارِضٍ، بخلافِ مَسْألتِنا؛ فإن الْمُبيحَ غيرُ موجودٍ؛ لأنَّ عقدَ النِّكاحِ باطِلٌ، والملكُ به غيرُ ثابتٍ، فالمُقْتضى معدومٌ، فافْتَرَقا، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى خمرًا فشَرِبَهُ، أو غُلَامًا فوَطِئَه. إذا ثَبَتَ هذا، فاخْتَلَفَ (١٣) في الحَدِّ، فرُوِى عن أحمدَ أنَّه يُقْتَلُ على كلِّ حالٍ. وبهذا قال جابرُ بنُ زيدٍ، وإسحاقُ، وأبو أيُّوبَ، وابنُ أبي خَيْثَمةَ. وروَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ تزوَّجَ امرأةَ أبيهِ، أو بذَاتِ مَحْرَمٍ (١٤)، فقال: يُقْتَلُ ويؤخذُ مالُه إلى بيتِ المالِ. والرِّواية الثانية، حَدُّه حَدُّ الزَّانِى. وبه قال الحسن، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ. ووَجْهُ الأُولى، ما رَوَى البَرَاءُ. قال: لَقِيتُ عَمِّى ومعه الرَّايةُ، فقلْتُ: إلى أينَ تُرِيدُ؟ فقال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّه ﷺ إلى رجلٍ نكَحَ امرأةَ أبيه من بَعْدِه، أنْ أضْرِبَ عُنُقَه، وآخُذَ مالَه. رواه أبو داودَ، والجُوزَجَانِىُّ، وابن ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (١٥). وقال: حديثٌ حَسَنٌ. وسَمَّى الجُوزَجَانِيُّ عمَّه الحارثَ بنَ عمرٍو. وروى الجُوزَجَانِيُّ، وابنُ ماجَه، بإسْنادِهما عن

стр. 6480

ابنِ عباسٍ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، فاقْتُلُوه" (١٦). ورُفِعَ إلى الحجَّاجِ رجلٌ اغتصبَ أُخْتَه على نفسِها، فقال: احْبِسُوه، وسَلُوا مَنْ ههُنا من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . فسَأَلُوا عبدَ اللَّه بنَ أبي مُطَرِّفٍ، فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ تَخَطَّى الْمُؤْمِنِينَ، فَخُطُّوا وَسَطَهُ بِالسَّيْفِ" (١٧). وهذه الأحادِيثُ أخَصُّ ممَّا وردَ في الزِّنَى، فتُقدَّمُ. والقولُ في من زَنَى بذاتِ مَحْرَمِه من غيرِ عَقْدٍ، كالقولِ في مَن وَطِئَها بعدَ العَقْدِ. فصل: وكلُّ نكاحٍ أُجْمِعَ على بُطْلَانِه، كنكاحِ خامسةٍ، أو مُتزوِّجَةٍ، أو مُعْتدَّةٍ، أو نكاحِ المُطَلَّقَةِ ثلاثًا، إذا وَطِئَ فيه عالمًا بالتَّحْرِيمِ، فهو زِنًى، مُوجِبٌ للحَدِّ المشْروعِ فيه قَبل العَقْدِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، وصاحِباه: لا حَدَّ فيه؛ لما ذكرُوه في الفصلِ الذي قبلَ هذا. وقال النَّخَعِيُّ: يُجْلَدُ مِائَةً، ولا يُنْفَى. ولَنا، ما ذكرْنَاه فيما مضَى، وروَى أبو نَصْرٍ الْمَرُّوذِىُّ، بإسْنادِه عن عُبَيْدِ بنِ نُضَيْلةَ، قال: رُفِعَ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ امرأةٌ تزوَّجَتْ في عِدَّتِها، فقال: هل عَلِمْتُمَا؟ فقالا: لا. قال: لو عَلِمْتُما لَرَجَمْتُكمَا. فجلَدَهما (١٨) أسْواطًا، ثم فرَّقَ بينهمَا (١٩). وروَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن خِلَاسٍ، قال: رُفِعَ إلى عليٍّ، ﵇، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ ولها زَوْجٌ كتمَتْه، فرجَمَها، وجلَدَ زوجَها الآخَرَ مائَةَ جَلْدَةِ. فإن لم يَعْلَمْ تَحْرِيمَ ذلك، فلا حَدَّ عليه، لِعُذْرِ الجَهْلِ، ولذلك درأَ عمرُ عنهما الحَدَّ؛ لجَهْلِهما. فصل: ولا يجبُ الحَدُّ بالوَطْءِ في نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كنِكاحِ المُتْعَةِ، والشِّغَارِ، والتَّحْلِيلِ، والنِّكاحِ بلا وَلِىٍّ ولا شُهودٍ، ونكاحِ الأُخْتِ في عِدَّةِ أُخْتِها البائنِ، ونكاحِ
следующие страницы →