سَحَرَتْها (٤١). ولأنَّها مالِكَةٌ تامَّةُ المِلْكِ من أهلِ التَّصَرُّفَاتِ، أشْبَهتِ الرجلَ. وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّ الحَدَّ يُفَوَّضُ إلى وَلِيِّها؛ لأنَّه يُزَوِّجُ أَمَتَها ومَوْلاتَها، فمَلَكَ إقامَةَ الحَدِّ على مَمْلُوكَتِها.
فصل: وإن فَجَرَ بِأَمَةٍ، ثم قَتَلَهَا، فعليه الحَدُّ وقيمَتُها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو يوسف: إذا أوْجَبْتُ (٤٢) عليه قِيمَتَها، أسْقَطْتُ الحَدَّ عنه؛ لأنَّه يَمْلِكُها بغَرامَتِه لها، فيكونُ ذلك شُبْهةً في سُقُوطِ الحَدِّ. ولَنا، أنَّ الحَدَّ وَجَبَ عليه، فلم يَسْقُطْ [بقَتْلِ المَزْنِىِّ بها] (٤٣)، كما لو كانتْ حُرَّةً فغَرِمَ دِيَتَها. وقولُهم: إنَّه يملِكُها. غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه إنَّما غَرِمَها بعدَ قَتْلِها، ولم يَبْقَ مَحَلًّا للمِلْكِ، ثم لو ثَبَتَ أنَّه مَلَكَها، فإنَّما مَلَكَها بعدَ وجوبِ الحَدِّ، فلم يَسْقُطْ عنه الحدُّ، كما لو اشْتراها، ولو زَنَى بأَمَة، ثم اشْتَرَاها، لم يَسْقُطْ عنه الحدُّ، مِع ثُبُوتِ حَقيقةِ المِلْكِ له، فههُنا أوْلَى. ولو زَنَى بِأَمَةٍ، ثم غَصَبَها، فأَبَقَتْ من يَدِه، ثم غَرِمَها، لم يَسْقُطْ عنه الحدُّ؛ لأنَّه إذا لم يسْقُطْ بالمِلْكِ المُتَّفَقِ عليه، فبالمُخْتَلَفِ فيه أَوْلَى.
فصل: وإذا زَنَى مَن نِصْفُه حُرٌّ، ونصفُه رَقِيقٌ، فلا رَجْمَ عليه؛ لأنَّه لم تَكْمُلِ الْحُرِّيَّةُ فيه، وعليه نصفُ حَدِّ الحُرِّ خمسون جَلْدَةً، ونصفُ حَدِّ العبدِ خمسٌ وعشرون (٤٤)، فيكونُ عليه خمسٌ وسبعون جلدةً، ويُغَرَّبُ نصفَ عامٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَحْتَمِلُ أنْ لَا يُغَرَّبُ؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ في جميعِه في جميعِ الزَّمَانِ، ونصيبُه من العبدِ لا تَغْرِيبَ عليه، فلا يَلْزمُه تَرْكُ حَقِّه في بعضِ الزَّمَانِ بمالا يَلْزَمُه، ولا تأخيرُ حَقِّه بالمُهايَأَةِ من غيرِ رضَاه. وإن قُلْنَا بِوُجُوبِ تَغْريبِه، فَيَنْبَغِى أن يكونَ زمنُ التَّغرِيبِ مَحْسُوبًا على العبدِ من نَصيبِه الحُرِّ، وللسَّيِّد نِصْفُ عامٍ بَدَلًا عنه، وما زادَ من الحُرِّيَّةَ أو
стр. 6477
نَقَصَ منها، فبِحِسابِ ذلك، فإن كان فيها كَسْرٌ، مثل أن يكونَ ثلثُه حُرًّا، فمُقْتضَى ما ذكَرْنَاه أنْ يلْزَمَه ثُلُثا جَلْدِ الحُرِّ. وهو ستٌّ وستُّون جلدةً وثُلُثان، فيَنْبغِى أن يسْقُطَ الكسرُ؛ لأنَّ الحدَّ متى دارَ بينَ الوُجوبِ والإِسْقاطِ، سَقَطَ. والمُدَبَّرُ والمُكاتَب وأمُّ الولدِ، بِمَنْزِلَةِ القِنِّ في الحَدِّ؛ لأنَّه رقِيقٌ كلُّه، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" (٤٥).
١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (وَالزَّانِى مَنْ أَتَى الْفَاحِشَةَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ)
لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَنْ وَطِئَ امرأةً في قُبُلِهَا حَرَامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زَانٍ يَجِبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه. والوطءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوطءِ في القُبُلِ؛ ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (١). الآية. ثم بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّه قد جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا: "البِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ" (٢). وَالْوَطءُ في الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ، بقوله تعالى في قومِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ (٣). يعني الوَطْءَ في أدْبارِ الرِّجَالِ، ويُقالُ: أوَّلُ ما بدأَ قومُ لُوطٍ بَوطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ثم صارُوا إلى ذلك في الرِّجالِ.
فصل: وإن وَطِئَ مَيِّتَةً، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، عليه الحَدُّ. وهو قولُ الأوْزَاعيِّ؛ لأنَّه وَطِئَ في فَرْجِ آدَمِيَّةٍ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الحَيَّةِ، ولأنَّه أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكثرُ إثمًا؛ لأنَّه انْضَمَّ ألى فاحِشَتِه (٤) هَتْكُ حُرْمَةِ المَيِّتَةِ. والثانى، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ
стр. 6478
الحسنِ. قال أبو بكر: وبهذا أقولُ؛ لأنَّ الوَطْءَ في المَيِّتَةِ [كَلاوَطْءٍ] (٥)، لأنَّه عُضْوٌ مُسْتَهْلَكٌ، ولأنَّها لا يُشْتَهى مِثْلُها، وتَعافُها النَّفسُ، فلا حاجةَ إلى شَرْع الزَّجْرِ عنها، والحَدُّ إنَّما وجبَ زَجْرًا. وأمَّا الصغيرةُ، فإنْ كانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، فوَطْؤُها زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ؛ لأنَّها كالكبيرَةِ في ذلك، وإن كانَتْ مِمَّنْ لا تَصْلُحُ (٦) للوَطْءِ، ففيها وَجْهَانِ، كالمَيِّتَةِ. قال القاضي: لا حَدَّ على من وَطِئَ صَغِيرَةً لم تَبْلُغْ تِسْعًا؛ لأنَّها لا يُشْتَهَى مِثْلُها، فأشْبَهَ ما لو أدخلَ إصْبَعَه في فَرْجِها، وكذلك لو استدخَلَتِ امرأةٌ ذَكَرَ صَبِيٍّ لم يبلُغْ عشرًا، لا حَدَّ عَليها. والصَّحِيحُ أنَّه متى [وَطِئَ مَن] (٧) أمْكَنَ وَطْؤُها، أو أمْكَنتِ (٨) المرأةُ مَن أمْكَنَه الوَطْءُ فوَطِئَها، أنَّ الحدَّ يجبُ على (٩) المكلَّفِ منهما، ولا يجوزُ تَحْديدُ ذلك بتسْعٍ ولا عشرٍ؛ لأنَّ التَّحديدَ إنَّما يكونُ بالتَّوقِيف، [ولا تَوْقِيفَ] (١٠) في هذا، وكونُ التِّسْع وَقْتًا لإِمكانِ الاسْتِمْتاعِ غالبًا، لا يَمْنَعُ وجودَه قبلَه، كما أنَّ البلُوغَ يُوجدُ في خمسةَ عشرَ عامًا غالبًا، ولم يَمْنَعْ من وجُودِه قبلَه.
فصل: وإن تزَّوجَ ذاتَ مَحْرَمِه، فالنِّكاحُ باطِلٌ بالإِجْماعِ. فإن وَطِئَها، فعليه الحَدُّ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وأبو أيُّوبَ، وابنُ أبي خَيْثَمَةَ. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطءٌ تمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلم يُوجِبِ الْحَدَّ، كما لو اشْترَى أُخْتَه من الرَّضَاعِ ثم وَطِئَها. وبيانُ الشُّبْهَةِ أنَّه قد وُجِدَتْ صورةُ المُبِيحِ، وهو عَقْدُ النِّكَاحِ الَّذِى هو سببٌ للإِباحَةِ، فإذا لم يَثْبُت حُكْمُه وهو الإِباحَةُ، بَقِيَتْ صُورتُه شُبْهةً
стр. 6479
دارِئةً للحَدِّ الذي يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، مُجمعٌ على تَحْريمِه، من غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، والواطِئُ من أهلِ الحَدِّ، عالمٌ بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه (١١) الحَدُّ، كما لو لم يُوجَدِ العقدُ، وصورةُ المُبِيحِ إنَّما تكونُ شُبْهةً إذا كانتْ صَحِيحَةً، والعَقْدُ ههُنا باطِلٌ مُحَرَّمٌ، وفعلُه جِنايَةٌ تقْتَضِي العُقوبَةَ، انضَمَّتْ إلى الزِّنَى، فلم تكُنْ شُبْهَةً، كما لو أكرهَها، وعاقَبها، ثم زَنَى بها، ثم يَبْطُلُ بالاسْتيلاءِ عليها، فإنَّ الاسْتيلاءَ سببٌ للمِلْكِ (١٢) في المُبَاحَاتِ، وليس بشُبْهَةٍ. وأمَّا إذا اشترَى أختَه من الرَّضاعِ، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْناهُ، فإنَّ المِلْكَ المُقْتَضِى للإِباحَةِ صَحِيحٌ ثابِتٌ، وإنما تخلَّفَتِ الإِباحَةُ لمُعارِضٍ، بخلافِ مَسْألتِنا؛ فإن الْمُبيحَ غيرُ موجودٍ؛ لأنَّ عقدَ النِّكاحِ باطِلٌ، والملكُ به غيرُ ثابتٍ، فالمُقْتضى معدومٌ، فافْتَرَقا، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى خمرًا فشَرِبَهُ، أو غُلَامًا فوَطِئَه. إذا ثَبَتَ هذا، فاخْتَلَفَ (١٣) في الحَدِّ، فرُوِى عن أحمدَ أنَّه يُقْتَلُ على كلِّ حالٍ. وبهذا قال جابرُ بنُ زيدٍ، وإسحاقُ، وأبو أيُّوبَ، وابنُ أبي خَيْثَمةَ. وروَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ تزوَّجَ امرأةَ أبيهِ، أو بذَاتِ مَحْرَمٍ (١٤)، فقال: يُقْتَلُ ويؤخذُ مالُه إلى بيتِ المالِ. والرِّواية الثانية، حَدُّه حَدُّ الزَّانِى. وبه قال الحسن، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ. ووَجْهُ الأُولى، ما رَوَى البَرَاءُ. قال: لَقِيتُ عَمِّى ومعه الرَّايةُ، فقلْتُ: إلى أينَ تُرِيدُ؟ فقال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّه ﷺ إلى رجلٍ نكَحَ امرأةَ أبيه من بَعْدِه، أنْ أضْرِبَ عُنُقَه، وآخُذَ مالَه. رواه أبو داودَ، والجُوزَجَانِىُّ، وابن ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (١٥). وقال: حديثٌ حَسَنٌ. وسَمَّى الجُوزَجَانِيُّ عمَّه الحارثَ بنَ عمرٍو. وروى الجُوزَجَانِيُّ، وابنُ ماجَه، بإسْنادِهما عن
стр. 6480
ابنِ عباسٍ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، فاقْتُلُوه" (١٦). ورُفِعَ إلى الحجَّاجِ رجلٌ اغتصبَ أُخْتَه على نفسِها، فقال: احْبِسُوه، وسَلُوا مَنْ ههُنا من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . فسَأَلُوا عبدَ اللَّه بنَ أبي مُطَرِّفٍ، فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ تَخَطَّى الْمُؤْمِنِينَ، فَخُطُّوا وَسَطَهُ بِالسَّيْفِ" (١٧). وهذه الأحادِيثُ أخَصُّ ممَّا وردَ في الزِّنَى، فتُقدَّمُ. والقولُ في من زَنَى بذاتِ مَحْرَمِه من غيرِ عَقْدٍ، كالقولِ في مَن وَطِئَها بعدَ العَقْدِ.
فصل: وكلُّ نكاحٍ أُجْمِعَ على بُطْلَانِه، كنكاحِ خامسةٍ، أو مُتزوِّجَةٍ، أو مُعْتدَّةٍ، أو نكاحِ المُطَلَّقَةِ ثلاثًا، إذا وَطِئَ فيه عالمًا بالتَّحْرِيمِ، فهو زِنًى، مُوجِبٌ للحَدِّ المشْروعِ فيه قَبل العَقْدِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، وصاحِباه: لا حَدَّ فيه؛ لما ذكرُوه في الفصلِ الذي قبلَ هذا. وقال النَّخَعِيُّ: يُجْلَدُ مِائَةً، ولا يُنْفَى. ولَنا، ما ذكرْنَاه فيما مضَى، وروَى أبو نَصْرٍ الْمَرُّوذِىُّ، بإسْنادِه عن عُبَيْدِ بنِ نُضَيْلةَ، قال: رُفِعَ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ امرأةٌ تزوَّجَتْ في عِدَّتِها، فقال: هل عَلِمْتُمَا؟ فقالا: لا. قال: لو عَلِمْتُما لَرَجَمْتُكمَا. فجلَدَهما (١٨) أسْواطًا، ثم فرَّقَ بينهمَا (١٩). وروَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن خِلَاسٍ، قال: رُفِعَ إلى عليٍّ، ﵇، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ ولها زَوْجٌ كتمَتْه، فرجَمَها، وجلَدَ زوجَها الآخَرَ مائَةَ جَلْدَةِ. فإن لم يَعْلَمْ تَحْرِيمَ ذلك، فلا حَدَّ عليه، لِعُذْرِ الجَهْلِ، ولذلك درأَ عمرُ عنهما الحَدَّ؛ لجَهْلِهما.
فصل: ولا يجبُ الحَدُّ بالوَطْءِ في نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كنِكاحِ المُتْعَةِ، والشِّغَارِ، والتَّحْلِيلِ، والنِّكاحِ بلا وَلِىٍّ ولا شُهودٍ، ونكاحِ الأُخْتِ في عِدَّةِ أُخْتِها البائنِ، ونكاحِ
стр. 6481
الخامسةِ في عِدَّةِ الرابعةِ البائنِ، ونكاحِ الْمَجُوسِيَّةِ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ الاختِلافَ في إبَاحةِ الوَطْءِ فيه شُبْهةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، أنَّ الحُدُودَ تُدْرأُ بالشُّبَهِ (٢٠).
فصل: ولا يجبُ الحَدُّ بوَطْءِ جاريَةٍ مُشْترَكَةٍ بينَه وبينَ غيرِه. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: يَجِبُ. ولَنا، أنَّه فَرْجٌ له فيه مِلْكٌ، فلا يُحَدُّ بوطْئِه، كالمُكاتَبَةِ والمَرْهُونَةِ.
فصل: وإن اشترَى أُمَّه أو أُخْتَهُ من الرَّضَاعَةِ ونحوَهما، ووَطِئَهما، فذكرَ القاضي عن أصحابِنا، أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنه فَرْجٌ لا يُسْتَبَاحُ بحالٍ، فوَجَبَ الحَدُّ بالوَطْءِ فيه (٢١)، كَفَرْجِ الغُلامِ. وقال بعضُ أصحابِنا: لا حَدَّ فيه. وهو قَوْلُ أصحابِ الرَّأْىِ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ مَمْلوكٍ له، يَمْلِكُ المُعاوَضَةَ عنه، وأخْذَ صَداقِهِ، فلم يجبْ به الحَدُّ، كَوَطْءِ الجارِيَةِ المُشْترَكَةِ. فأمَّا إن اشْتَرَى ذاتَ مَحْرَمِه من النَّسَبِ، ممَّنْ يَعْتِقُ عليه، وَوَطِئَها، فعليه الحَدُّ. لا نعلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ فيها، فلم تُوْجَدِ الشُّبْهَةُ.
فصل: فإن زُفَّتْ إليه غيرُ زَوْجَتِهِ، وقيل: هذه زوجتُكَ. [فوَطِئَها يعْتقِدُها زوجَتَه، فلا حَدَّ عليه. لا نعلَمُ فيه خِلافًا. وإن لم يُقَلْ له: هذه زوجتُك] (٢٢). أو وَجَدَ على فرَاشِه امرأةً ظَنَّها امرأتَه، أو جارِيَته، فوَطِئَها، أو دعا زوجَتَه أو جارِيَتَه، فجاءتْه غيرُها، فظَنَّها المَدْعُوَّةَ، فوَطِئَها، أو اشْتَبَهَ عليه ذلك؛ لِعَماهُ، فلا حَدَّ عليه. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنَّه وَطِئَ في مَحَلٍّ لا مِلْكَ له فيه. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ اعْتَقَدَ إباحَتَه بما يُعْذَرُ مِثْلُه فيه، فأشْبَهَ ما لَو قِيلَ له: هذه زوجتُك. ولأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، وهذه من أعْظَمِها. فأمَّا إن دَعَا
стр. 6482
مُحَرَّمَةً عليه، فأجابَه غيرُها، فوَطِئَها يظُنُّها المدعُوَّةَ، فعليه الحَدُّ، سواءٌ كانت المدعُوَّةُ ممَّن له فيها شُبْهَةٌ، كالجارِيَةِ المُشْترَكَةِ، أو لم يكُنْ؛ لأنَّه لا يُعْذَرُ بهذا، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَ رجلًا يظُنُّه ابنَه أو عبدَه، فبانَ أجْنبِيًّا.
فصل: ولا حَدَّ على من لم يعلَمْ تَحْريمَ الزِّنَى. قال عمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ: لا حَدَّ إلَّا على مَنْ عَلِمَه (٢٣). وبهذا قال عامَّةُ أهلِ العلمِ. فإن ادَّعَى الزَّانِى الجَهْلَ بالتَّحْرِيمِ، وكان يَحْتَمِلُ أن يَجْهَلَه، كحديثِ العَهْدِ بالإِسْلامِ والنَّاشِئِ ببادِيَةٍ، قُبِلَ منه؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ صادِقًا، وإن كانَ ممَّن لا يَخْفَى عليه ذلك، كالمسلِمِ النَّاشِئِ بينَ المسلِمين، وأهلِ العِلْمِ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ تَحْريمَ الزِّنَى لا يَخْفَى على مَن هو كذلك، فقد عُلِمَ كَذِبُه. وإن ادَّعَى الجَهْلَ بفسادِ نِكاحٍ باطلٍ، قُبِلَ قولُه؛ لأنَّ عمرَ قَبِلَ قولَ المُدَّعِى الجهلَ بتَحْرِيمِ النِّكَاحِ في العِدَّةِ، ولأنَّ مثلَ هذا يُجْهَلُ كثيرًا، ويَخْفَى على غيرِ أهلِ العِلْمِ.
فصل: فإن وَطِىءَ جاريَةَ غيرِه، فهو زَانٍ. سواءٌ كان بإذْنِه أو غيرِ إذنِه؛ لأنَّ هذا ممَّا لا يُسْتَباحُ بالبَذْلِ والإِباحَةِ، وعليه الحَدُّ إلَّا في مَوْضِعَيْنِ؛ أحدُهما، الأبُ إذا وَطِىءَ جارِيَةَ ولدِه، فإنَّه لا حَدَّ عليه. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالِكٌ، وأهلُ المدينةِ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه إجماعٌ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، أشْبَهَ وَطْءَ جارِيَةِ أبِيهِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ تمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلا يَجِبُ به الحَدُّ، كوَطْءِ الجارِيَةِ المُشْترَكَةِ، والدَّلِيلُ على تَمَكُّنِ الشُّبْهةِ قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أنتَ ومَالُكَ لِأَبِيكَ" (٢٤). فأضافَ مالَ ولدِه إليه، وجعَلَه له، فإذا لم نُثبِتْ حقيقةَ المِلْكِ، فلا أقلَّ من جَعْلِه شُبْهَةً دَارئَةً للحَدِّ الذي يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ القائِلِينَ بانْتِفاءِ الحَدِّ في عصرِ مالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، ومَن وافقَهُما، قد اشْتَهَرَ قولُهم، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان ذلك إجماعًا، ولا حَدَّ على الجارِيَةِ؛ لأنَّ
стр. 6483
الحدَّ انْتفَى عن الوَاطِىءِ لشُبْهَةِ المِلْكِ، فيَنْتَفِى عن المَوْطُوءَةِ، كوطْءِ الجارِيَةِ المشْترَكَةِ؛ ولأنَّ المِلْكَ من قَبِيلِ المُتضَايِفَاتِ، إذا ثبتَ في أحدِ المُتضايِفَيْنِ ثبتَ في الآخَرِ، فكذلك شُبْهَتُه، ولا يَصِحُّ القِياسُ على وَطْءِ جارِيَةِ الأبِ؛ [لأنَّه لا مِلْكَ للوَلَدِ فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، بخلافِ مسألتِنَا. وذكرَ ابنُ أبي موسى قولًا في وَطْءِ جارِيَةِ الأبِ] (٢٥) والأُمِّ، أنَّه لا يُحَدُّ؛ لأنَّه لا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مالِه، أشْبَهَ الأبَ. والأوَّلُ أصَحُّ، وعليه عامَّةُ أهلِ العلمِ فيما عَلِمْناه. المَوْضِعُ الثاني: إذا وَطِىءَ جاريَةَ امرأتِهِ بِإذنِها، فإنَّه يُجْلَدُ مائِةً، ولا يُرْجَمُ إن كان ثَيِّبًا، ولا يُغَرَّبُ إن كان بِكْرًا. وإن لم تكُنْ أحَلَّتْها له، فهو زانٍ، حكمُه حُكْمُ الزَّانِى بجارِيَةِ الأجْنَبِىِّ. وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ امرأتَه، فكانتْ له شُبْهَةٌ في مَمْلوكَتِها. وعن عمرَ، وعَلىٍّ، وعطاءٍ، وقَتادةَ، والشَّافِعِىِّ، ومالِكٍ، أنَّه كوَطْءِ الأجْنَبيَّةِ، سَواءٌ أحَلَّتْها له، أو لم تُحِلَّها؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، فأشْبَهَ وَطْءَ جارِيَةِ أُخْتِهِ، ولأنَّه إباحَةٌ لِوَطْءِ مُحَرَّمَةٍ عليه، فلم يكُنْ شُبهَةً، كإباحَةِ سائرِ المُلَّاكِ. وعن ابن مسعودٍ، والحسنِ، إن كان اسْتَكْرهَها فعليه غُرْمُ مِثْلِها، وتَعْتِقُ، وإنْ كانَتْ طاوعَتْه، فعليه غُرْمُ مِثْلِها ويَمْلِكُها؛ لأنَّ هذا يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ (٢٦)، وقد روَاه ابنُ عَبْدِ البَرِّ، وقال (٢٧): هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ (٢٨) بإسْنادِه عن حَبِيبِ بنِ سالمٍ، أنَّ رجلًا يُقالُ له: عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ حُنَيْن، وقعَ على جارِيَةِ امرأتِه، فرُفِعَ إلى النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، وهو أمِيرٌ على الكُوفَةِ، فقال: لأَقْضِيَنَّ
стр. 6484
فيك بقضِيَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، إن كانتْ أحلَّتْها لك، جَلَدْنَاكَ مِائةً، وإن لم تَكُنْ أحلَّتْها لك، رَجَمْنَاكَ (٢٩) بالحجارَةِ. فوجدُوها أحلَّتْها له، فجلَدَه مِائةً. وإن عَلِقَتْ من هذا الوَطْءِ، فهل يَلْحَقُه النَّسَبُ؟ على رِوَايتَيْنِ؛ إحداهما، يَلْحَقُ به؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يجبُ (٣٠) به الحَدُّ، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كوَطْءِ الجارِيَةِ المُشترَكَةِ. والأُخْرى، لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ (٣١)، أشْبَهَ [الزَّانِىَ المُحْصَنَ] (٣٢).
فصل: ولا حَدَّ على مُكْرَهَةٍ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتَادَةَ، والثَّورِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا نعلمُ فيه مُخالفًا؛ وذلك لقولِ رسول اللَّه ﷺ : "عُفِىَ لأمَّتِى عن الْخَطإِ، والنِّسْيَانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه" (٣٣). وعن عبد الجَبَّارِ بن وائلٍ (٣٤)، عن أبيه، أنَّ (٣٥) امرأةً اسْتُكْرِهَتْ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ فدَرَأَ عنها الحَدَّ. روَاه الأثْرَمُ (٣٦). قال: وَأُتِىَ عمرُ بإمَاءٍ من إمَاءِ الإِمارةِ، اسْتكْرَهَهُنَّ غِلْمانٌ من غِلْمانِ الإِمارةِ، فضَرَبَ الغِلْمانَ، ولم يضْرِبِ الإِماءَ (٣٧). ورَوَى سعيدٌ بإسْنادِه عن طارقِ بن شِهَابٍ، قال: أُتِىَ عمرُ بامرأةٍ قد زَنَتْ، فقالَتْ: إنِّي كنتُ نائمةً، فلم أستيقظْ إلَّا برجلٍ قد جَثَمَ علىَّ. فخَلَّى
стр. 6485
سَبِيلَها، ولم يَضْرِبْها (٣٨). ولأنَّ هذا شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. ولا فرقَ بين الإِكراهِ بالإِلْجاءِ، وهو أن يَغْلِبَها على نفسِها، وبينَ الإِكْراهِ بالتَّهْديدِ بالقَتْلِ ونحوه. نصَّ عليه أحمدُ، في راعٍ جاءتْه امرأةٌ، قد عَطِشَتْ، فسألَتْه أن يَسْقِيَها، فقال لها: أمْكنِينى من نفسِكِ. قال: هذه مُضْطَرَّةٌ. وقد رُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ امرأةً استسْقَتْ راعيًا، فأبَى أن يَسْقِيَها إلَّا أنْ تُمكنَه من نَفْسِها، ففعلَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فقال لعلىٍّ: ما تَرَى فيها؟ قال: إنَّها مُضْطَرَّةٌ. فأعْطاها عمرُ شيئًا، وتركَهَا (٣٩).
فصل: وإن أُكْرِهَ الرجلُ فزَنَى، فقال أصحابُنا: عليه الحَدُّ. وبه قال محمدُ بنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يكونُ إلَّا بالانْتشارِ، والإِكرَاهُ يُنافِيه. فإذا وُجِدَ الانْتِشارُ انتفَى الإِكراهُ، فيلزمُه الحَدُّ، كما لو أُكْرِهَ عل غيرِ الزِّنَى، فزنَى. وقال أبو حنيفة: إن أكرهَه السُّلطانُ، فلا حَدَّ عليه، وإنْ أكرهَه غيرُه، حُدَّ اسْتِحْسانًا. وقال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا حَدَّ عليه؛ لِعُمومِ الخَبَرِ، ولأنَّ الحدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والإِكراهُ شُبْهَةٌ، فيَمْنَعُ الحَدَّ، كما لو كانتِ امْرَأةً، يُحَقِّقُه أنَّ الإِكْراهَ، إذا كان بالتَّخْوِيفِ، أو بِمَنْعِ ما تفُوتُ حياتُه بمَنْعِه، كان الرَّجُلُ فيه كالمرأةِ، فإذا لم يجبْ عليها الحَدُّ، لم يَجِبْ عليه. وقولُهم: إنَّ التخويفَ يُنافى الانْتِشارَ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّخْويفَ بتَرْكِ الفعلِ، والفعلُ لا يُخافُ منه، فلا يَمْنَعُ ذلك. وهذا أصحُّ الأقوالِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
١٥٥٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ تَلَوَّطَ، قُتِلَ، بِكْرًا كَانَ أوْ ثَيِّبًا، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخرَى حُكْمُه حُكْمُ الزَّانِى)
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على تَحْرِيمِ اللِّواطِ، وقد ذمَّه اللهُ تعالى في كتابِه، وعابَ من
стр. 6486
فعَله، وذَمَّه رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ" (٢). واخْتلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في حَدِّه؛ فرُوِىَ عنه، أنَّ حَدَّه الرَّجْمُ، بِكْرًا كان أو ثَيِّبًا. وهذا قولُ عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، وجابِرِ بنِ زيدٍ، وعبيد اللَّه (٣) بنِ مَعْمَرٍ، والزُّهْرِىِّ، وأبى حَبِيبٍ (٤)، ورَبِيعَةَ، ومالِكٍ، وإسحاقَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. [والرِّوايةُ الثانية، أنَّ حَدَّه حَدُّ الزَّانِى. وبه قال سعيد بن المُسَيَّب، وعَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ] (٥)، وقَتادةُ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ، وهو المشهورُ من قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا أتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَهُمَا زَانِيَانِ" (٦). ولأنَّه إيلاجُ فَرْجِ آدَميٍّ في فَرْجِ آدَمِىٍّ، لا مِلْكَ له فيه، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى كالإِيلاجِ في فرْجِ المرأةِ، وإذا (٧) ثَبَتَ كونُه زِنًى، دَخَلَ في عُمومِ الآيةِ والأخبارِ فيه، ولأنَّه فاحِشَةٌ، فكان زِنًى، كالفاحِشَةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ. ورُوِىَ عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه أمرَ بتَحْريقِ اللُّوطِىِّ. وهو (٨) قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ؛ لما رَوَى صَفْوانُ بنُ
стр. 6487
سُلَيْم، عن خالِدِ بنِ الوليدِ، أنَّه وجدَ في بعضِ ضَواحِى العربِ رَجُلًا يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فكَتبَ إلى أبى بكرٍ، فاسْتَشارَ أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، الصَّحابةَ فيه، فكان علىٌّ أشدَّهم قَوْلًا فيه فقال: ما فعلَ هذا إلَّا أُمَّةٌ من الأُمَمِ واحِدَةٌ، وقد عَلِمْتُمُ ما فعلَ اللهُ بها، أرَى أنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ. فكتبَ أبو بكرٍ إلى خالدٍ بذلك، فحرَقَه (٩). وقال الحكمُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه ليس بمَحَلٍّ للوَطْءِ (١٠)، أشْبَهَ غيرَ الفَرْجِ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَن وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فاقْتُلُوا الفَاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ". روَاه أبو داودَ (١١). وفى لفظٍ: "فَارْجُمُوا الأَعْلَى والأَسْفَلَ". ولأنَّه إجماعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّهم أَجْمَعُوا على قَتْلِه، وإنَّما اخْتلفُوا في صِفَتِه. واحتجَّ أحمدُ [بعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه] (١٢)، وأنَّه كان يَرَى رَجْمَه، ولأنَّ اللَّه تعالى عَذَّبَ قومَ لُوطٍ بالرَّجْمِ، فيَنْبَغِى أن يُعَاقَبَ مَن فَعَلَ فِعْلَهم بمثْلِ عُقُوبَتِهم. وقولُ من أسقطَ الحَدَّ عنهْ يُخالِفُ النَّصَّ والإِجْماعَ، وقياسُ الفَرْجِ على غيرِه لا يَصِحُّ؛ لما بينهما من الفَرْقِ. إذا ثبتَ هذا، فلا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ في مَمْلوكٍ له أو أجْنَبِىٍّ؛ لأنَّ الذَّكَرَ ليس بمَحَلٍّ لِوَطْءِ الذَّكَرِ، فلا يُؤَثِّرُ مِلْكُه له. ولو وَطِىءَ زَوْجتَه أو مَمْلوكتَه في دُبُرِها، كان مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ فيه؛ لأنَّ المرأةَ مَحَلٌّ لِلْوَطْءِ في الجُمْلَةِ، وقد ذهب بعضُ العُلَماءِ إلى حِلِّه، فكان ذلك شُبْهةً مانِعَةً من الحَدِّ، بخلافِ التَلَوُّطِ.
فصل: وإن تَدَالَكتِ امْرأتانِ، فهما زانِيَتانِ ملْعونَتانِ؛ لمَا رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذَا أتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَهُمَا زَانِيَتانِ" (١٣). ولا حَدَّ عليهما؛ لأنَّه لا يتَضمَّنُ
стр. 6488
إيلاجًا، فأشْبَهَ المُباشَرَةَ دُونَ الفَرْجِ، وعليهما التَّعْزِيرُ لأنَّه زِنًى لا حَدَّ فيه، فأشْبَهَ مُباشرةَ الرَجُلِ المرأةَ مِن غيرِ جمَاعٍ. ولو باشرَ الرجلُ المرأةَ، واسْتَمْتَعَ بها فيما دونَ الفَرْجِ، فلا حَدَّ عليه؛ لما رُوِىَ أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي لَقِيتُ امرأةً، فأصبْتُ منها كلَّ شيءٍ إلَّا الجماعَ. فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية (١٤). فقال الرجلُ: ألِىَ هذه الآيَةُ؟ فقال: "لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِى". روَاه النَّسَائِىُّ (١٥). ولو وُجِدَ رجُلٌ مع امرأةٍ، يُقَبِّلُ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه، ولم يُعْلَم هل وَطِئَها أو لا، فلا حَدَّ عليهما، فإن قالَا: نحن زَوْجانِ، واتَّفَقا على ذلك، فالقولُ قولُهما. وبه قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وإن شُهِدَ عليهما بالزِّنَى، فقالا: نحن زَوْجانِ. فعليهما الحَدُّ إنْ لم تكُنْ بَيِّنَةٌ. بالنِّكَاح. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الشَّهَادَةَ بالزِّنَى تَنْفِى كَوْنَهما زَوْجَيْن، فلا تَبْطُلُ بمُجرَّدِ قَوْلِهما. ويَحْتَمِلُ أنْ يَسْقُطَ الحَدُّ إذا لم يُعْلَمْ كَونُها أجْنَبِيَّةً منه؛ لأنَّ ما ادَّعَيَاهُ مُحتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهةً، كما لو شُهِدَ عليه بالسَّرِقَةِ، فادَّعَى أنَّ المسْرُوقَ مِلْكُه.
١٥٥٧ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَتَى بَهِيمَةً أُدِّبَ، وأُحْسِنَ أَدَبُهُ، وقُتِلَتِ الْبَهِيمَةُ)
اختَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في الذي يأْتِى البَهِيمَةَ، فرُوِىَ عنه، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطَاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، ومالِكٍ،
стр. 6489
والثَّوْرىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وإسحاقَ، وهو قولٌ للشَّافِعِىِّ. والرِّوايةُ الثانيةُ، حُكْمُه حكمُ اللَّائطِ سواءً. وقال الحسن: حَدُّه حَدُّ الزَّانِى. وعن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمنِ: يُقْتَلُ هو والبهيمةُ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "مَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوهَا مَعَهُ". روَاه أبو داودَ (١). ووَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولَى، أنَّه لم يَصِحُّ فيه نَصٌّ، ولا يُمْكِنُ قياسُه على الوَطْءِ في فَرْجِ الآدَمِىِّ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ لها، وليس بمَقْصودٍ يُحْتاجُ في الزَّجْرِ عنه إلى الحَدِّ، فإنَّ النُّفُوسَ تَعافُه، وعَامَّتُها تَنْفِرُ منه، فَبَقِىَ على الأصْلِ في انْتفاءِ الحَدِّ، والحديثُ يرْويه عمرُو بنُ أبى عمرٍو، ولم يُثْبِتْهُ أحْمَدُ. وقال الطَّحَاوِىُّ: هو ضَعِيفٌ. ومذهبُ ابنِ عَبَّاسٍ خِلَافُه، وهو الذي رُوِىَ عنه. قال أبو داودَ: هذا يُضْعِفُ الحديثَ عنه، قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يأْتِى البهيمةَ، فوقفَ عندَها، ولم يُثْبِتْ حديثَ عمرِو بنِ أبي عمرٍو في ذلك. ولأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يجوزُ أن يَثْبُتَ بحديثٍ فيه هذه الشُّبْهَةُ والضَّعْفُ. وقولُ الْخِرَقِىِّ: أُدِّبَ، وأُحْسِنَ أَدَبُه. يعني يُعَزَّرُ، ويُبَالَغُ في تَعْزيرِه؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ، لا شُبْهَةَ له فيه، لم يُوجِبِ الحَدَّ، فأوْجَبَ التَّعْزيرَ، كوَطْءِ المَيِّتَةِ.
فصل: ويجبُ قتلُ البهيمةِ. وهذا قولُ أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِى. وسَواءٌ كانتْ مملوكةً له أو لغيرِه، مأكولةً أو غيرَ مأكولةٍ. قال أبو بكرٍ: الاخْتيارُ قَتْلُها، وإن تُرِكَتْ فلا بأسَ. وقال الطَّحَاوِىُّ: إن كانتْ مأكولةً ذُبِحَتْ، وإلا لم تُقْتَلْ. وهذا قولٌ ثانٍ للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن ذَبْحِ الحيوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ (٢).
стр. 6490
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ". ولم يُفَرِّقْ بينَ كونِها مأكولةً أو غيرَ مأكولَةٍ، ولا بين مِلْكِهِ وملكِ غيرِه. فإن قِيلَ: الحديثُ ضَعِيفٌ، ولم يَعْمَلُوا به في قَتْلِ الفَاعِلِ الجَانِى، ففى حَقِّ حيوانٍ لا جِنَايةَ منه أوْلَى. قُلْنا: إنَّما [لم] (٣) يُعْمَلْ به في قتلِ الفاعلِ على إحْدَى الرِّوايتين، لِوَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّه حَدٌّ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهات، وهذا إتْلافُ مالٍ، فلا تُؤَثِّرُ الشُّبْهَةُ فيه. والثانى، أنَّه إتْلافُ آدَمِىٍّ، وهو أعظمُ المخلوقاتِ حُرْمَةً، فلم يَجُزِ التَّهَجُّمُ على إتْلافِه إلَّا بدليلٍ في غايةِ القُوَّةِ، ولا يَلْزَمُ مثلُ هذا في إتْلافِ مالٍ، ولا حيوانٍ سِوَاهُ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ الحيوانَ إنْ كانَ للفاعلِ، ذهبَ هَدْرًا، وإن كانَ لغيرِه، فعلَى الفاعلِ غَرامتُه له (٤)؛ لأنَّه سَببُ إتْلافِه، فيَضْمَنُه (٥)، كما لو نَصَب له شَبَكَةً فتَلِفَ بها. ثم إنْ كانَتْ مَأْكولةً، فهل يُباحُ أكْلُها؟ على وَجْهَين. وللشَّافِعِىِّ أيضًا في ذلك وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحِلُّ أكْلُها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (٦). ولأنَّه حيوانٌ من جِنْسٍ يجوزُ أكلُه، ذَبَحَهُ مَنْ هو من أهلِ الذَّكاةِ، فحلَّ أكْلُه، كما لو لم يُفْعَلْ به هذا الفعلُ، ولكن يُكْرَهُ أكلُه؛ لشُبْهَةِ التَّحْريمِ. والوَجْهُ الثاني، لا يَحِلُّ أَكْلُها؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قيلَ له: ما شأنُ البَهيمةِ؟ قال: ما أُراه قال ذلك، إلَّا أنَّه كَرِهَ أكْلَها وقد فُعِلَ بها ذلك الفِعْلُ. ولأنَّه حيوانٌ يجبُ قَتْلُه، لِحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَجُزْ أكلُه، كسائرِ المقتُولاتِ. واخْتُلِفَ في عِلَّةِ قتلِها، فقيل: إنَّما قُتِلَتْ لِئَلَّا يُعَيَّرَ فاعلُها، ويُذَكَّرَ برُؤْيَتِها. وقد رَوَى ابنُ بَطَّةَ، بإسْنادِه عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقتُلُوه، واقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ". قالوا: يا رسولَ اللَّه ما بالُ البَهِيمةِ؟ قال: "لَا يُقَالُ هَذِهِ وَهَذِهِ" (٧). وقيل: لِئَلَّا تَلِدَ خَلْقًا مُشَوَّهًا. وقيل: لِئَلَّا تُؤْكَلَ. وإليها أشارَ ابنُ عباسٍ في تَعْليلِه. ولا
стр. 6491
يجبُ قَتْلُها حتى يَثْبُتَ هذا العملُ بها بِبَيِّنَةٍ، فأمَّا إن أقرَّ الفاعِلُ، فإن كانتِ البهيمةُ له، ثَبَتَ بإقْرارِه، وإن كانَتْ لغيرِه، لم يَجُزْ قَتْلُها بقَوْلِه؛ لأنَّه إقرارٌ على مِلْكِ غيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقرَّ بها لغيرِ مالِكِها. وهل يثبتُ هذا بشاهِدَيْن عَدْلَيْنِ، وإقْرارٍ مَرَّتَين (٨)، أو يُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبَرُ في الزِّنَى؟ على وَجْهَيْن، نذكرُهما في مَوْضِعِهما، إن شاء اللَّه تعالى.
١٥٥٨ - مسألة؛ قال: (والَّذِى يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ، مِمَّنْ ذَكَرْتُ، مَنْ أقَرَّ بالزِّنِى أرْبَعَ مَرَّاتٍ)
وجملتُه أنَّ الحَدَّ لا يجبُ إلَّا بأحدِ شَيْئَيْنِ؛ إقرارٍ، أو بَيِّنَةٍ. فإن ثَبَتَ بإقْرارٍ اعتُبِرَ إقْرارُ أرْبَعِ مَرَّاتٍ. وبهذا قال الحكمُ، وابنُ أبي ليلى، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الحسنُ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُحَدُّ بإقْرارِ مَرَّةٍ؛ لقولِ النَّبِىّ ﷺ : "واغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امْرأَةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ، فارْجُمْهَا" (١). واعترافُ مرَّةٍ اعْترافٌ، وقد أَوْجَبَ عليها الرَّجْمَ به. ورَجَمَ الجُهَنِيَّةَ، وإنَّما اعْترفَتْ مَرَّةً (٢). وقال عمرُ: إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ واجبٌ على مَن زَنَى وقد أُحْصِن، إذا قامتِ الْبَيِّنَةُ، أو كانَ الحَبَلُ، أو الاعْترافُ (٣). ولأنَّه حَقٌّ، فَيَثْبُتُ باعْترافِ مَرَّةٍ، كسائرِ الحقوقِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: أتى رَجُلٌ من الأسْلَمِيِّين رسولَ اللَّه ﷺ ، وهو في المسجدِ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي زَنَيْتُ. فأعْرَضَ عنه، فتنَحَّى تِلْقاءَ وَجْهِه، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي زَنَيْتُ. فأعْرَضَ عنه، حتى ثَنَى ذلك أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فلَمَّا شَهِدَ على نفسِه أرْبَعَ شَهاداتٍ، دَعاهُ رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ ". قال: لا. قال: "فَهَلْ
стр. 6492
أُحْصِنْتَ؟ ". قال: نعم. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ارْجُمُوُه". مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولو وَجَبَ الحَدُّ بمَرَّةٍ، لم يُعْرِضْ عنه رسولُ اللَّه ﷺ ؛ لأنَّه لا يجوزُ تَرْكُ حَدٍّ وَجَبَ للهِ تعالى. ورَوَى نُعَيْمُ بنُ هَزَّالٍ حديثَه، وفيه: حتى قالَها أربعَ مَرَّاتٍ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّكَ قَدْ قُلْتَها أربعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟ ". قال: بفُلانةَ، روَاه أبو داودَ (٥). وهذا تعْليلٌ منه يَدُلُّ على أن إقْرارَ الأربَعِ هي المُوجبَةُ. ورَوَى أبو بَرْزَةَ الأسْلَمِىُّ، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، قال له عندَ النَّبِىِّ ﷺ : إنْ أقْرَرْتَ أربعًا، رَجَمَكَ رسولُ اللَّه ﷺ (٦). وهذا يَدُلُّ من وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أقَرَّه على هذا، ولم يُنْكِرْه، فكانَ بمَنْزلةِ قَوْلِه؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَإِ. الثاني، أنَّه قد عَلِمَ هذا من حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، لولا ذلك ما تَجاسَرَ على قَوْلِه بين يدَيْه. فأمَّا أحاديثُهم، فإنَّ الاعْترافَ لفظُ المصدَرِ، يقعُ على القليلِ والكثيرِ، وحديثُنا يُفَسِّرُه، ويبيِّنُ أن الاعْترافَ الذي يَثْبُتُ به كان أرْبعًا.
فصل: وسواءٌ كان في مجلسٍ واحدٍ، أو مجالسَ مُتَفرِّقةٍ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ عن الزَّانِى، يُرَدَّدُ أربعَ مَرَّاتٍ؟ قال: نعم، على حديثِ ماعِزٍ، هو أحْوَطُ. قلتُ له: في مجلسٍ واحدٍ، أو في مجالسَ شَتَّى؟ قال: أمَّا الأحاديثُ، فليستْ تَدُلُّ إلَّا على مجلسٍ واحدٍ، إلَّا ذاك الشيخَ بَشِيرَ بنَ مُهاجِرٍ، عن عبدِ اللَّه بن بُرَيْدةَ، عن أبيه، وذاك عندى مُنْكَرُ الحديثِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبَعِ إقْراراتٍ، في أرْبَعة مجالسَ؛ لأنَّ ماعِزًا أقَرَّ في أربَعة مَجالسَ. ولَنا، أنَّ الحديثَ الصحيحَ إنَّما يَدُلُّ على أنَّه
стр. 6493
أقَرَّ أرْبَعًا في مجلسٍ واحدٍ. وقد ذكَرْنَا الحديثَ، ولأنَّه إحْدَى حُجَّتَىِ الزِّنَى، فاكتُفِىَ به في مجلسٍ واحدٍ، كالبَيِّنَةِ.
فصل: يُعْتَبَرُ في صِحَّةِ الإِقرارِ أن يَذْكُرَ حقيقةَ الفعل، لِتزولَ الشُبْهَةُ؛ لأنَّ الزِّنَى يُعَبِّرُ عمَّا ليسَ بموجِبٍ للِحَدِّ. وقد روَى ابنُ عباسٍ؛ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لماعزٍ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ، أو نَظَرْتَ". قال: لا. قال: "أَفَنِكْتَهَا". لا يَكْنِى. قال: نعم. قال: فعبدَ ذلك أمرَ بِرَجْمِه. روَاه البُخَارِىُّ (٧). وفي رِوَايةٍ عن أبي هُرَيْرةَ، قال: "أَفَنِكْتَها؟ ". قال: نعم [قال]: "حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْكَ فِي ذَاكَ مِنْها؟ ". قال: نعم. قال: "كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءُ فِي البِئْرِ". قال: نعم. قال: "فَهَلْ تَدرِى مَا الزِّنَى؟ ". قال: نعم، أتيتُ منها حَرَامًا ما يأْتِى الرجلُ من امرأتِه حَلالًا. وذكَر الحديثَ. روَاه أبو داودَ (٨).
فصل: فإن أقرَّ أنَّه زَنَى بامرأةٍ فكذَّبَتْه، فعليه الحَدُّ دُونَها. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّا صَدَّقْناها في إنْكارِها، فصارَ مَحْكومًا بِكَذِبِه. ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ (٩)، بإسْنادِه عن سَهلِ بن سعدٍ السَّاعِدِيِّ (١٠)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّ رجلًا أتاه، فأقرَّ عندَه أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فسمَّاها له، فبعثَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى المرأةِ، فسألَها عن ذلك، فأنكَرَتْ أن تكونَ زَنَتْ، فجلدَه الحَدَّ وتَرَكَهَا. ولأنَّ انْتفاءَ ثُبوتِه في حَقِّها لا يُبْطِلُ إقْرارَهُ، كما لو سكتَتْ، أو كما لو لم يُسْأَلْ، ولأنَّ عمومَ الْخَبرِ يَقْتَضِى وُجوبَ الحَدِّ عليه (١١) باعْترافِه، وهو قولُ عمرَ: إذا كان الحَبَلُ أو
стр. 6494
الاعترافُ (١٢). وقولُهم: إنَّنا صَدَّقْناهَا في إنْكارِها. لا يَصِحُّ، فإنَّنا لم نَحْكُمْ بصِدْقِها، وانْتفاءُ الحَدِّ إنَّما كان لعَدَمِ المُقْتَضِى، وهو الإِقْرارُ أو البَيِّنَةُ، لا لوُجودِ التَّصْدِيقِ؛ بدليلِ ما لو سكتَتْ، أو لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحُرَّ والعبدَ، والبِكْرَ والثَّيِّبَ، في الإِقْرارِ سَواءٌ؛ لأنَّه أحدُ حُجَّتَىِ الزِّنَى، فاسْتَوَى فيه الكُلُّ، كالبَيِّنَةِ.
١٥٥٩ - مسألة؛ قال: (وَهُوَ بَالِغٌ صَحِيحٌ عَاقِلٌ)
أمَّا البلوغُ والعقلُ، فلا خلافَ في اعْتبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ، وصِحَّةِ الإِقْرارِ؛ لأنَّ الصَّبِىَّ والمجنونَ قد رُفِعَ القَلَمُ عنهما، ولا حُكْمَ لكلامِهِما. وقد روَى (١) علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ". روَاه أبو داودَ، والتِّرمذِىُّ (٢). وقال: حديثٌ حَسَنٌ. وفي حديثِ ابنِ عباسٍ، في قِصَّةِ ماعِزٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سأل قَوْمَه: "أمَجْنُونٌ هُوَ؟ ". قالوا: ليس به بَأْسٌ (٣). ورُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال له حينَ أقرَّ عندَه: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ " (٣). ورَوَى (٤) أبو داودَ (٥)، بإسْنادهِ، قال: أُتِىَ عمرُ بمَجْنونَةٍ قد زنَتْ، فاسْتشارَ فيها أُناسًا، فأمرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ، فمرَّ بها علىُّ بنُ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، فقال: ما شأنُ هذه؟ . قالوا: مَجْنونةُ آلِ فلانٍ زَنَتْ، فأمرَ بها
стр. 6495
عمرُ أنْ تُرْجمَ. فقال: ارْجِعُوا بها. ثم أتاه، فقال: يا أميرَ المؤمنِين، أما عَلِمْتَ أنَّ القَلمَ قد رُفِعَ عن ثلاثَةٍ؛ عن المجنونِ حتى يَبْرَأَ، وعن النَّائِمِ حتى يسْتَيْقِظَ، وعن الصَّبِىِّ حتى يَعْقِلَ؟ قال: بَلَىَ. قال: فما بَالُ هذه؟ قال: لا شىءَ. قال: فأرْسِلْها. [قال: فأرسَلَها] (٦). قال: فجعلَ عمرُ يُكَبِّرُ.
فصل: فإن كان يُجَنُّ مَرَّةً ويُفيقُ أُخْرَى، فأقرَّ لي إفاقَتِه أنَّه زَنَى وهو مُفِيقٌ، أو قامَتْ عليه بَيِّنَةٌ أنَّه زَنَى في إفاقَتِه، فعليه الحَدُّ. لا نَعْلَمُ فيه (٧) خِلَافًا. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأىِ؛ لأنَّ الزِّنَى المُوجِبَ للحَدِّ وُجِدَ منه في حالِ تَكْليفِهِ والقلَمُ غيرُ مَرْفوعٍ عنه، وإقرارُه وُجِدَ في حالِ اعْتبارِ كلامِه. فإن أقَرَّ في إفاقَتِهِ، ولم يُضِفْهُ إلى حالٍ، أو شَهِدَتْ عليه البَيِّنَةُ بالزِّنَى، ولم تُضِفْه إلى حالِ إفَاقَتِه، لم يجبِ الحَدُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه وُجِدَ في حالِ جُنونِه، فلم يجبِ الحَدُّ مع الاحْتمالِ. وقد رَوَى أبو داودَ، في حديثِ المجْنونةِ التي أُتِىَ بها عمرُ، أنَّ عليًّا قال: إنَّ هذه مَعْتُوهةُ بنى فلانٍ، لعلَّ الذي أتَاها أتاها في بَلائِها. فقال عمرُ: لا أدْرِى. فقال علىٌّ: وأنا لا أدْرِى.
فصل: والنَّائِمُ مَرْفوعٌ عنه القلَمُ، فلو زُنِىَ بنائمةٍ، أو اسْتَدْخَلَتِ امْرَأةٌ ذكرَ نائمٍ، أو وُجِدَ منه الزِّنَى حالَ نَوْمِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفوعٌ عنه. ولو أقرَّ في حالِ نَوْمِه، لم يُلْتَفَتْ إلى إقْرارِه؛ لأنَّ كلامَه ليس بمُعْتَبَرٍ، ولا يَدُلُّ على صِحَّةِ مَدْلولِه. فأمَّا السَّكْرانُ ونحوُه، فعليه حَدُّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ والشُّرْبِ والقَذْفِ، إن فعلَ ذلك في سُكْرِه؛ لأنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللَّه عنهم، أوْجَبُوا عليه حَدَّ الفِرْيَةِ؛ لكَوْنِ السُّكْرِ مَظِنَّةً لها، ولأنَّه تَسَبَّبَ إلى هذه المُحَرَّماتِ بسَبَبٍ لا يُعْذَرُ فيه، فأشْبَهَ مَن لا عُذْرَ له. ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ الحَدُّ؛ لأنه غيرُ عاقلٍ، فيكونَ ذلك شُبهَةً في دَرْءِ ما يَنْدَرِئُ
стр. 6496
بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ طَلاقَه لا يقعُ في رِوَايةٍ، فأشْبَهَ النائمَ. والأولُ أوْلَى؛ لأنَّ إسْقاطَ الحَدِّ عنه يُفْضِى إلى أنَّ مَن أرادَ فِعْلَ هذه المُحَرَّماتِ، شَرِبَ الخمرَ، وفعلَ ما أحبَّ، فلا يلزمُه شيءٌ، ولأنَّ السُّكْرَ مَظِنَّةٌ لفعلِ الْمَحارِمِ، وسَببٌ إليه، فقد تسَّببَ إلى فِعْلِها حالَ صَحْوِه. فأمَّا إنْ أَقَرَّ بالزِّنَى وهو سَكْرانُ، لم يُعْتَبَرْ إقْرارُه؛ لأنَّه لا يَدْرِى ما يقولُ، ولا يدُلُّ قولُه على صِحَّةِ خَبَرِه، فأشْبَهَ قولَ النائمِ والمجنونِ. وقد رَوَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَنْكَهَ ماعِزًا. روَاه أبو داودَ (٨). وإنَّما فعلَ ذلك، ليَعْلَمَ هل (٩) هو سَكْرانُ أو لا، ولو كان السَّكْرانُ مَقْبولَ الإِقْرارِ، لمَا احْتِيجَ إلى تَعَرُّفِ بَراءَتِه منه.
فصل: فأمَّا قولُه: وهو صحيحٌ. ففسَّرَه القاضي بالصَّحِيحِ من المَرضِ، يعني أن الحَدَّ لا يجبُ عليه في مَرَضِه، وإن وَجَبَ فإنَّه إنَّما يُقَامُ عليه الحَدُّ بما يُؤْمَنُ به تَلَفُه، فإن خِيفَ ضَرَرٌ عليه، ضُرِبَ ضَرْبَةً واحدةً بِضِغْثٍ فيه مائةُ شِمْرَاخٍ أو عُودٍ صَغيرٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد الصحِيحَ الذي يُتَصَوَّرُ منه الوَطْءُ، فلو أقرَّ بالزِّنَى مَن لا يُتَصَوَّرُ منه، [كالمَجْبُوب، فلا حَدَّ عليه] (١٠)؛ لأنَّنا نتيقَّنُ أنَّه لا يُتَصَوَّرُ منه الزِّنَى المُوجِبُ للحَدِّ، ولو قامَتْ به بيِّنَةٌ، فهى كاذِبَةٌ، وعليها الحَدُّ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن أقرَّ الخَصِىُّ أو العِنِّينُ، فعليه الحَدُّ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ (١١)؛ لأنَّه يُتَصَوَّرُ منه ذلك، فقُبِلَ إقْرارُه به، كالشَّيْخِ الكَبيرِ.
فصل: وأمَّا الأخْرَسُ، فإن لم تُفهَمْ إشارَتُه، فلا يُتَصَوَّرُ منه إقْرارٌ، وإن فُهِمَتْ إشارتُه، فقالَ القاضي: عليه الحَدُّ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وابنِ القاسِمِ صاحِبِ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ؛ لأنَّ من صَحَّ إقْرارُه بغيرِ الزِّنَى، صَحَّ إقرارُه به، كالنَّاطِقِ. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: لا يُحَدُّ بإقْرارٍ ولا بَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الإِشارَةَ تَحْتَمِلُ ما فُهِمَ منها وغيرَه،
стр. 6497
فيكونُ ذلك شُبْهةً في دَرْءِ الحَدِّ، لكَوْنِه مما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولَا يجبُ بالبَيِّنَةِ؛ لاحْتمالِ أن يكونَ له شُبْهَةٌ لم (١٢) يُمْكِنْه التَّعْبِيرُ عنها، ولم (١٣) يَعْرِفْ كَوْنَها شُبْهةً. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىِّ أن لا يلْزَمُه (١٤) الحَدُّ بإقرارِه؛ لأنَّه غيرُ صحيحٍ، ولأنَّ الحَدَّ لا يجبُ مع الشُّبْهَةِ، والإِشارةُ لا تنْتَفِى معها الشُّبُهاتُ. فأمَّا البَيِّنَةُ، فيجبُ عليه بها الحَدُّ؛ لأنَّ قولَه معها غيرُ مُعْتَبَرٍ.
فصل: ولا يَصِحُّ الإِقْرارُ من المُكْرَهِ، فلو ضُرِبَ الرجلُ لِيُقِرَّ بالزِّنَى، لم يجبْ عليه الحَدُّ، ولم يَثْبُتْ عليه الزِّنَى. ولا نعلمُ من أهلِ العلم خِلافًا في أنَّ إقرارَ المُكْرَهِ لا يجبُ به حَدٌّ. ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: ليس الرجلُ بأمينٍ على نفسِه إذا جَوَّعْتَه، أو ضَرَبْتَه، أو أوْثَقْتَه. رواه سعيد (١٥). وقال ابنُ شِهَابٍ، في رجلٍ اعْتَرَفَ بعد جَلْدِه: ليس عليه حَدٌّ. ولأنَّ الإِقْرارَ إنَّما ثَبَتَ به المُقَرُّ به؛ لوُجودِ الدَّاعِى إلى الصِّدْقِ، وانْتفاءِ التُّهْمَةِ عنه، فإنَّ العاقلَ (١٦) لا يتَّهمُ بقَصْدِ الإِضْرارِ بنفسِه، ومع الإِكْراه يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه قَصَدَ بإقْرارِه دَفْعَ ضَرَرِ الإِكْراهِ، فانْتَفَى ظَنُّ الصِّدْقِ عنه، فلم يُقْبَلْ.
فصل: فإن أقرَّ أنَّه وَطِىءَ امرأةً، وادَّعَى أنَّها امرأتُه، وأنْكرَتِ المرأةُ أن يكونَ زوجَها. نَظَرْنا؛ فإن لم تُقِرَّ المرأةُ بِوَطْئِه إيَّاها، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه لم يُقِرَّ بالزِّنَى، ولا مهرَ لها؛ لأنَّها لا تَدَّعِيه، وإن اعترفتْ بوَطْئِه إيَّاها، وأقرَّتْ بأنَّه زَنَى بها مُطاوِعةً، فلا مَهْرَ عليه أيضًا، ولا حَدَّ على واحدٍ منهما، إلَّا أن يُقِرَّ أربعَ مَرَّاتٍ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يجبُ بدُونِ إقْرارِ (١٧) أرْبَعِ مَرَّاتٍ (١٨)، وإن ادَّعَتْ أنَّه أكْرَهَها عليه، أو اشْتَبَهَ عليها، فعليه المهْرُ؛ لأنَّه أقرَّ
стр. 6498
بسَبَبِه. فقد رَوَى مُهنَّا، عن أحمدَ، أنَّه سألَه عن رَجُلٍ وَطِىءَ امرأةً، وزَعَمَ أنَّها زَوْجتُه، وأنْكرَتْ هي أن يكونَ زوجَها، وأقرَّتْ بالوَطْءِ. قال: فهذه قد أقرَّتْ على نفسِها بِالزِّنَى، ولكن يُدْرَأُ عنه الحَدُّ بقولِه: إنَّها امرأتُه، ولا مهرَ عليه، ويُدْرَأُ عنها الحَدُّ حتى تعْترِفَ مِرَارًا. قال أحمد: وأهلُ المدينة يرَوْنَ عليها الحَدَّ، يذْهَبُون إلى قولِ (١٩) النَّبِيِّ ﷺ : "وَاغْدُ يا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" (٢٠). وقد تقدَّم الجوابُ عن قَوْلِهم.
١٥٦٠ - مسألة؛ قال: (ولا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ)
وجملتُه، أنَّ مِنْ شَرْطِ إقامةِ الحَدِّ بالإِقْرارِ، البقاءَ عليه إلى تَمامِ الحَدِّ، فإنْ رَجَعَ عن إقْرارهِ أو هَرَبَ، كُفَّ عنه. وبهذا قال عَطاءٌ، ويحيى بن يَعْمُرَ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ. وقال الحسنُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وابنُ أبي ليلى: يُقامُ عليه الحَدُّ، ولا يُتْرَكُ؛ لأنَّ ماعِزًا هربَ فقَتلُوه، ولم يتْرُكوه. ورُوِىَ أنَّه قال: رُدُّونى إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فإنَّ قَوْمِى هم غَرُّونِى من نَفْسِى، وأخْبَرُونى أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ غيرُ قاتِلِى. فلم ينْزِعُوا عنه حتى قَتَلُوه. أخْرجَه أبو داود (١). ولو قُبِلَ رجوعُه، لَلَزِمَتْهُم دِيَتُه، ولأنَّه حَقٌّ وَجَبَ بإقْرارِه، فلم يُقْبَلْ رُجوعُه، كسائرِ الحُقوقِ. وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، أنَّه إن رَجَعَ حُدَّ لِلْفِرْيَةِ على نفسِه، وإن رَجَعَ عن السَّرِقَةِ والشُّرْبِ، ضُرِبَ دُونَ الحَدِّ. ولَنا، أنَّ ماعِزًا هَرَب، فَذُكِرَ للنَّبِىِّ ﷺ فقال: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ". قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ثَبتَ من حديثِ أبى هُرَيْرةَ، وجابرٍ، ونُعَيْمٍ بن هَزَّال، ونَصْر بن دَاهِر، وغيرِهم، أنَّ ماعزًا لَمَّا هَرَبَ، فقال لهم: رُدُّونِى إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "هَلَّا تَرَكْتُموهُ، يَتُوبُ فَيَتوبُ
стр. 6499
اللهُ عَلَيْهِ" (٢). ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا [بعدَ اعْترافِهِما] (٣). أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود (٤). ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، [والحدودُ تُدْرَأُ] (٥) بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)
ذكر الْخِرَقِىُّ في شُهودِ الزِّنَى سبعةَ شُروطٍ؛ أحدُها، أن يكونوا أربعةً. وهذا إجماعٌ،
стр. 6500
لا خلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٣). وقال سعدُ بن عُبادةَ لرسولِ اللَّه ﷺ : أرأَيتَ لو وَجَدْتُ مع امرأتِى رجلًا، أُمْهِلُه حتى آتِىَ بَأرْبعةِ شُهدَاءَ؟ فقال النَّبِىُّ ﷺ : "نَعَمْ". روَاه مالِكٌ، في "المُوَطَّإِ"، وأبو داود في "سُنَنِه" (٤). الشرطُ الثاني، أن يكونُوا رجالًا كلُّهم، ولا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ بحالٍ. ولا نعلمُ فيه خلافًا. إلَّا شيئًا يُرْوَى عن عَطاءٍ، وحَمَّادٍ، أنَّه يُقْبَلُ فيه ثلاثةُ رجالٍ وامرأتانِ. وهو شذوذٌ لا يُعَوَّلُ عليه؛ لأنَّ لَفْظَ الأربعةِ اسمٌ لعدَدِ المُذَكَّرين (٥)، ويقْتضى أن يُكْتَفَى فيه بأربعةٍ، ولا خلافَ في أن الأربعةَ إذا كان بعضُهم نساءً لا يُكْتَفَى بهم، وأنَّ أقلَّ ما يُجْزِئُ خمسةٌ، وهذا خلافُ النَّصِّ، ولأنَّ في شَهادتِهنَّ شُبْهَةً؛ لتَطَرُّقِ الضَّلالِ إلَيْهِنَّ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٦). والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. الشرط الثالث، الحُرِّيَّةُ، فلا تُقْبَلُ فيه شهادةُ العَبِيدِ، ولا نعلمُ في هذا خلافًا، إلَّا روايةً حُكِيَتْ عن أحمدَ، أنَّ شهادتَهم تُقْبَلُ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لعُمومِ النُّصوصِ فيه، ولأنَّه عَدْلٌ ذَكَرٌ مُسْلِمٌ، فَتُقْبَلُ شهادتُه، كالحُرِّ. ولَنا، أنَّه مُخْتَلَفٌ في شهادتِه في سائرِ الحُقوقِ، فيكونُ
стр. 6501
ذلك شُبْهةً تَمْنَعُ من قَبولِ شهادتِه في الحَدِّ؛ لأنَّه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. الشرط الرابع، العَدالةُ، ولا خلافَ في اشْتراطِها؛ فإنَّ العدالةَ تُشْتَرَطُ فى سائرِ الشهاداتِ، فههُنا مع مَزِيدِ الاحْتياطِ أوْلَى، فلا تُقْبَلُ شهادةُ الفاسِقِ، ولا مَسْتُورِ الحال الذي لا تُعْلَمُ عدالَتُه؛ لجوازِ أن يكونَ فاسِقًا. الشرط الخامس، أن يكونوا مُسْلِمِين، فلا تُقْبَلُ شهادةُ أهْلِ الذِّمَّةِ فيه، سواءٌ كانت الشهادةُ على مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ، لا تتحَقَّقُ العدالةُ فيهم، ولا تُقْبَلُ روايتُهم ولا أخْبارُهم الدِّينِيَّةُ، فلا تُقْبَلُ شهادتُهم، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ. الشرط السادس، أن يَصِفُوا الزِّنَى، فيقولوا: رأيْنا ذَكَرَه في فَرْجِها، كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءِ في البِئرِ. وهذا قولُ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ، والزُّهْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لما رُوِىَ في قصَّةِ ماعزٍ، أنَّه لمَا أقرَّ عندَ النَّبِيِّ ﷺ بالزِّنَى، فقال: "أَنِكْتَهَا؟ ". فقال: نعم. فقال: "حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ، في ذَلِكَ مِنْها، كما يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءُ في البِئْرِ؟ ". قال: نعم (٧). وإذا اعْتُبِرَ التَّصْريحُ في الإِقْرارِ، كان اعْتبارُه في الشَّهادَةِ أوْلَى. ورَوَى أبو دَاودَ (٨)، بإسْناده عن جابرٍ، قال: جاءتِ اليهودُ برجلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيَا، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "ائتُونِى بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُم". فأتَوْه بابْنَى صُوريا، فنشَدَهما: "كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ؟ ". قالا: نجدُ في التَّوْراةِ إذا شَهِدَ أربعةٌ أنَّهم رَأَوْا ذكرَه في فَرْجِها، مثلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، رُجِمَا. قال: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ (٩) أنْ تَرْجُمُوهُمَا؟ " قالا: ذَهَب سُلْطانُنا، وكَرِهْنَا القتلَ. فدَعا رسولُ اللَّه ﷺ بالشُّهودِ، فجاءَ أربعةٌ، فشَهِدُوا أنَّهم رأَوْا ذَكَرَه في فَرْجِها مثلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، فأمرَ النَّبِىُّ ﷺ بِرَجْمِهِما. ولأنَّهم إذا لم يَصِفُوا الزِّنَى احْتَمَلَ أن يكونَ المشهودُ به (١٠) لا يُوجِبُ
стр. 6502
الحَدَّ فاعتُبِرَ كَشْفُه. قال بعضُ أهلِ العلم: يجوزُ للشُّهودِ أنْ ينظرُوا إلى ذلك منهما، لإِقامةِ الشهادَةِ عليهما ليَحْصُلَ الرَّدْعُ بالحَدِّ، فإن شَهِدُوا أنَّهم رَأَوْا ذَكَرَه قد غَيَّبَه [في فَرْجِها] (١١) كَفَى، والتَّشْبِيهُ تأكِيدٌ. وأمَّا تَعْيينُهم المَزْنِىَّ بها أو الزَّانِىَ، إن كانتِ الشهادةُ على امرأةٍ، ومَكانَ الزِّنَى، فذكرَ القاضِى أنَّه يُشْتَرَطُ، لئلَّا تكونَ المرأةُ ممَّن اختُلِفَ في إباحَتِها، ويُعْتَبَرُ ذِكْرُ المكانِ، لئلَّا تكونَ شهادةُ أحدِهم على غيرِ الفِعْلِ الذي شَهِدَ به الآخَرُ، ولهذا سألَ النَّبِىُّ ﷺ ماعِزًا، فقال: "إِنَّكَ أَقْرَرْتَ أربعًا، فَبِمَنْ؟ " (١٢). وقال ابن حامدٍ: لا يُحْتَاجُ إلى ذِكْرِ هذَيْنِ؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ ذِكْرُهما في الإِقْرارِ، ولم يأْتِ ذكرُهما في الحديثِ الصحيحِ، وليس في حديثِ الشهادةِ في رَجْمِ اليَهُودِيَّيْن ذكرُ المَكانِ، ولأنَّ ما لَا يُشْتَرَطُ فيه ذكرُ الزَّمانِ، لا يُشْتَرَطُ فيه ذكرُ المكانِ، كالنِّكاحِ، ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوهُ (١٣) بالزَّمَانِ. الشرط السابع، مَجِىءُ الشُّهودِ كُلِّهم في مجلسٍ واحدٍ. ذكرَه الْخِرَقِىُّ، فقال: وإن جاءَ أربعةٌ متفرِّقِين، والحاكم جالِسٌ في مجلسِ حُكْمِه، لم يَقُمْ قبلَ شهادتِهم، وإن جاءَ بعضُهم بعدَ أن قامَ الحاكمُ، كانوا قَذَفَةً، وعليهم الحَدُّ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعي، والْبَتِّىُّ، وابن المُنْذِرِ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لَقْولِ اللهِ تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (١٤). ولم يذْكُرِ المجلسَ، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (١٥). ولأنَّ كلَّ شَهادةٍ مَقْبولةٌ إن اتَّفَقتْ، تُقْبَلُ إذا افْتَرَقَتْ في مَجالِسَ، كسائرِ الشَّهاداتِ. ولَنا، أنَّ أبا بَكْرَةَ ونافعًا وشِبْلَ بن مَعْبدٍ شَهِدُوا عند عمرَ، على المُغِيرةِ بن شُعْبةَ بالزِّنَى، ولم يَشْهَدْ زيادٌ، فحَدَّ الثلاثةَ (١٦). ولو
стр. 6503
كان المجلسُ غيرَ مُشْتَرَطٍ، لم يَجُزْ أن يُحدَّهم؛ لجَوازِ أن يَكْمُلُوا برابعٍ في مجلسٍ آخرَ، ولأنَّه لو شَهِدَ ثلاثةٌ، فحَدَّهم، ثم جاءَ رابِعٌ فشَهِدَ، لم تُقْبَلْ شهادتُه، ولَوْلَا اشتراطُ المجلسِ، لَكَمَلَتْ شَهادتُهم. وبهذا فارقَ سائرَ الشَّهادَاتِ. وأمَّا الآيةُ، فإنَّها لم تتَعرَّضْ للشُّروطِ، ولهذا لم تذْكُرِ العدالةَ، وصِفَةَ الزِّنَى، ولأنَّ قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (١٧). لا يخلُو من أن يكونَ مُطْلَقًا في الزَّمانِ كُلِّه، أو مقيَّدًا، لا يجوزُ أن يكونَ مُطْلقًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ من جوازِ جَلْدِهم، لأنَّه ما مِنْ زَمَنٍ إلَّا يجوزُ أنْ يأْتِىَ فيه بأربعةِ شُهَداءَ، أو بكمالِهم إن كان قد شَهِدَ بعضُهم، فيَمْتَنِعُ جلدُهم المأمورُ به، فيكونُ تناقُضًا، وإذا ثَبَتَ أنَّه مُقَيَّدٌ، فأوْلَى ما قُيِّدَ بالمجْلسِ؛ لأنَّ المجلِسَ كلَّه بمَنْزلَةِ الحالِ الواحدَةِ، ولهذا ثَبَتَ فيه خيارُ المجلسِ، واكْتُفِىَ فيه بالقَبْضِ فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ اجتماعهُم حالَ مَجِيئِهم، ولو جاءوا مُتفرِّقِينَ واحدًا بعدَ واحدٍ، في مجلسٍ واحدٍ، قَبِلَ شهادَتَهم. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: إنْ جاءوا مُتَفَرِّقين، فهم قَذَفَةٌ؛ لأنَّهم لم يَجْتمعُوا في مجِيئهم، فلم تُقْبَلْ شهادتُهم، كالذين لم يَشْهَدُوا في مجلسٍ واحدٍ. ولَنا، قِصَّةُ المُغيرةِ، فإنَّ الشُّهودَ جاءوا واحدًا بَعد واحدٍ، وسُمِعَتْ (١٨) شهادتُهم، وإنما حُدُّوا لعدم كمالِها. وفي حديثه، أنَّ أبا بكرةَ قال: أرأيتَ لو (١٩) جاءَ آخَرُ يشْهدُ، أكنتَ تَرْجُمُه؟ . قال عمر: أىْ، والذي نفسِى بيدِه. ولأنَّهم اجْتَمعُوا في مجلسٍ واحدٍ (٢٠)، أشْبَهَ ما لو جاءُوا (٢١) مُجْتَمِعِين، ولأنَّ المجلسَ كلَّه بمْنزِلةِ ابْتدائِه، لما ذكرْناه. وإذا تفرَّقُوا في مجالسَ، فعليهم الحَدُّ؛ لأنَّ من شَهِدَ بالزِّنَى، ولم يُكْمِلِ الشَّهادَةَ يَلْزمْه الحَدُّ (٢٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ
стр. 6504
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢٣).
فصل: وإذا لم تَكْمُلْ شُهودُ الزِّنَى، فعليهم الحَدُّ. في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ فيهم رِوَايتَيْن. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ فيهم قَوْلَانِ؛ أحدُهما، لا حَدَّ عليهم؛ لأنَّهم شُهودٌ، فلم يجبْ عليهم الحَدُّ، كما لو كانوا أربعةً أحدُهم فاسِقٌ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢٣). وهذا يُوجِبُ الجلدَ على كلِّ رامٍ لم يَشْهدْ بما قال أرْبَعةٌ، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فإنَّ عمرَ جَلَدَ أبا بَكْرةَ وأصحابَه حينَ لم يُكْمِلِ الرَّابِعُ شهادتَه، بمَحْضَرٍ من الصَّحابَةِ، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ. ورَوَى صالِحٌ في "مسائِلِه"، بإسْنادِه عن أبي عثمان النَّهْدِىِّ، قال: جاءَ رجلٌ إلى عمرَ، فشَهِدَ على المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ، فتَغيَّرَ لَوْنُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشَهِدَ، فتغيَّرَ لَوْنُ عمرَ، ثم جاءَ آخرُ فشَهِدَ، فاسْتَكْبرَ ذلك عمرُ، ثم جاء شابٌّ يخْطُرُ بيدَيْهِ، فقال عمرُ: ما عندَك يا (٢٤) سَلْحَ العُقابِ؟ وصاح به عمرُ (٢٥) صَيْحَةً، فقال أبو عثمان: واللهِ لقد كِدْتُ يُغْشَى علىَّ. فقال: يا أميرَ المؤمنينِ، رأيتُ أمْرًا قبيحًا. فقال: الحمدُ للهِ الذي لم يُشَمِّتِ الشَّيْطانَ بأصحابِ محمدٍ ﷺ . قال: فأمرَ بأُولئِك النَّفَرِ فجُلِدُوا. وفي روايةٍ، أنَّ عمرَ لمَّا شُهِدَ عندَه على المُغِيرةِ، شَهِدَ ثلاثةٌ، وبَقِىَ زيادٌ، فقال عمرُ: أرى شابًّا حَسَنًا، وأرجُو أن لا يفْضَحَ اللهُ على لسانِه رجلًا من أصحابِ محمدٍ [رسولِ اللَّه] (٢٦) ﷺ . فقال: يا أمير المؤمنين (٢٧)، رأيتُ اسْتًا تنْبُو، ونَفَسًا يعْلُو، ورأيتُ رِجْلَيْها فوقَ عُنُقِه، كأنَّهما أُذُنَا حمارٍ، ولا أدْرِى ما وراءَ ذلك؟ فقال عمر: اللَّه أكبرُ. وأمرَ بالثَّلاثَةِ
стр. 6505
فضُرِبُوا. وقولُ عمرَ: يا سَلْحَ العُقابِ. معناه أنَّه يُشْبِهُ سَلْحَ العُقابِ، الذي يَحْرِقُ كُلَّ شيءٍ أصابَه، وكذلك هذا، تُوقَعُ العُقوبةُ بأحَدِ الفَرِيقَيْن لا مَحَالةَ، إن كَمَلَتْ شهادتُه حُدَّ المشْهودُ عليه، وإن لم تَكْمُلْ، حُدَّ أصحابُه. فإن قِيلَ: فقد خالفَهم أبو بَكْرةَ وأصحابُه الذين شَهِدُوا. قُلْنا: لم يُخالِفُوا في وُجُوبِ الحَدِّ عليهم، إنَّما خالَفُوهم في صِحَّةِ ما شَهِدُوا به، ولأنَّه رَامٍ بالزِّنَى لم يَأْتِ بأربعةِ شُهَدَاءَ، فيجبُ عليه الحَدُّ، كما لو لم يَأْتِ بأحَدٍ.
فصل: وإن كَمَلُوا أربعةً غيرَ مَرْضِيِّينَ، أو واحدٌ منهم، كالعَبِيدِ والفُسَّاقِ والعُمْيانِ، ففيهم ثلاثُ رِوَايات؛ إحْداهُنَّ، عليهم الحَدُّ. وهو قولُ مالِكٍ. قال القاضي: هذا الصَّحِيحُ؛ لأنَّها شهادةٌ لم تَكْمُلْ، فوجبَ الحَدُّ على الشُّهودِ، كما لو كانوا ثلاثةً. والثانية، لا حَدَّ عليهم. وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىّ، وأبى حنيفةَ، ومحمد؛ لأنَّ هؤلاءِ قد جاءوا بأربعةِ شُهَدَاءَ، فدخلُوا في عُمُومِ الآيةِ، ولأنَّ عددَهم قد كَمَلَ، ورَدُّ الشهادةِ لمعنًى غيرِ تَفْريطِهم، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ أربعةٌ مَسْتُورون، ولم تَثْبُتْ عَدالتُهم ولا فِسْقُهم. الثالثة، إن كانوا عُمْيانًا أو بعضُهم، جلِدُوا، وإن كانُوا عبِيدًا أو فُسَّاقًا، فلا حَدَّ عليهم. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّ العُمْيانَ معلومٌ كَذِبُهم، لأنَّهم شَهِدُوا بما لم يَرَوْهُ يَقِينًا، والآخرون يَجوزُ صِدْقُهم، وقد كَمَلَ عَدَدُهم، فَأَشْبَهُوا مَسْتُورِى الحالِ. وقال أصحابُ الشَّافِعِىّ: إن كان رَدُّ الشهادةِ لمعنًى ظاهرٍ، كالعَمَى، والرِّقِّ، والفِسْقِ الظاهِرِ، ففيهم قَوْلان، وإن كان لمعنًى خَفِىٍّ، فلا حَدَّ عليهم؛ لأنَّ ما يَخْفَى يَخْفَى على الشُّهُودِ، فلا يكونُ ذلك تَفْرِيطًا منهم، بخلافِ ما يَظْهَرُ. وإن شَهِدَ ثلاثةُ رجالٍ وامرأتان، حُدُّ الجميعُ؛ لأنَّ شهادةَ النِّساءِ في هذا البابِ كعَدَمِها. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهذا يُقَوِّى روايةَ إيجابِ الحَدِّ على الأوَّلِينَ، ويُنَبِّهُ على إيجابِ الحَدِّ فيما إذا كانُوا عُميانًا أو أحدَهم؛ لأنَّ المرأَتَيْن يَحْتَمِلُ صِدْقُهما، وهما من أهلِ الشَّهادةِ في الجُمْلةِ، والأَعْمَى كاذِبٌ يقِينًا، وليس من أهلِ الشهادةِ على الأفْعالِ، فوُجوبُ الحَدِّ عليهم وعلى مَن معهم أَوْلَى.
стр. 6506
فصل: وإن رجعُوا (٢٨) عن الشَّهادةِ، أو واحدٌ منهم، فعلى جميعِهم الحَدُّ، في أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. والثَّانيةُ، يُحَدُّ الثلاثةُ دونَ الرَّاجعِ. وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ وابنِ حامدٍ؛ لأنَّه إذا رجعَ قَبْلَ الحَدِّ، فهو كالتَّائِبِ قبلَ تَنْفيذِ الحُكْمِ بَقْولِه، فيَسْقُطُ عنه الحَدُّ، ولأنَّ في دَرْءِ الحَدِّ عنه تَمْكِينًا له من الرُّجوعِ الذي يحصُلُ به مصلحةُ المَشْهودِ عليه، وفى إيجابِ الحَدِّ عليه زَجْرٌ له عن الرُّجُوعِ، خَوْفًا من الحَدِّ، فتَفُوتُ تلك المصلحةُ، وتتحَقَّقُ المَفْسدةُ، فناسَبَ ذلك نَفْىَ الحَدِّ عنه. وقال الشَّافِعِىُّ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ دونَ الثلاثةِ؛ لأنَّه مُقِرٌّ على نفسِه بالكَذِبِ في قَذْفِه، وأمَّا الثلاثةُ فقد وَجَبَ الحَدُّ [بَشَهادتِهم، وإنَّما سقطَ بعدَ وُجوبِه برُجوعِ الرَّاجِعِ، ومن وجبَ الحَدُّ] (٢٩) بشهادتِه، لم يكُنْ قاذِفًا، فلم يُحَدَّ، كما لو لم يَرجِعْ. ولَنا، أنَّه نَقَصَ العددُ بالرُّجوعِ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو شَهِدَ ثلاثةٌ، وامتنعَ الرابعُ من الشَّهادةِ. وقولُهم: وجبَ الحَدُّ بشهادتِهم. يَبْطُلْ بما إذا رَجَعُوا كلُّهم، وبالرَّاجعِ وَحْدَه، فإنَّ الحَدَّ وَجَبَ ثم سقطَ، ووجبَ الحَدُّ عليهم بسُقوطِه، ولأنَّ الحَدَّ إذَا وجبَ على الرَّاجعِ مع المَصْلَحةِ في رُجوعِه، وإسْقاطِ الحَدِّ عن المَشْهودِ عليه بعدَ وُجوبِه، وإحيائِه المشْهودَ عليه بعدَ إشْرافِه على التَّلَفِ، فعلى غيرِه أَوْلَى.
فصل: وإذا شهدَ اثنانِ أنَّه زَنَى بها في هذا البيتِ، واثنانِ أنَّه زَنَى بها في بيتٍ آخرَ، أو شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْن عليه بالزِّنَى في بلدٍ غيرِ البلدِ الذي شَهِدَ به صاحباهُما، أو اختلَفُوا في اليومِ، فالجميعُ قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. واختارَ أبو بكرٍ أنَّه لا حَدَّ عليهم. وبه قال النَّخَعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّهم كَمَلُوا أربعةٌ. وَلَنا، أنَّه لم يَكْمُلْ أربعةٌ على زِنًى واحدٍ، فوجبَ عليهم الحَدُّ، كما لو انْفَردَ [بالشهادَةِ اثنان] (٣٠) وحدَهما، فأمَّا المَشْهُودُ عليه، فلا حَدَّ عليه في قولِهِم جميعًا. وقال أبو بكر:
стр. 6507
عليه الحَدُّ. وحكاه قولًا لأحمدَ. وهذا بعيدٌ، فإنَّه لم يَثْبُتْ زنَى واحِدٍ بشهادةِ أربعةٍ، فلم يجبِ الحَدُّ، ولأنَّ جميعَ ما يُعْتَبَرُ له البَيِّنَةُ، يُعْتَبرُ كَمالُهَا في حَقِّ واحدٍ (٣١)، فالمُوجِبُ للحَدِّ أوْلَى؛ لأنَّه ممَّا يُحْتَاطُ له، ويَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. وقد قال أبو بكر: إنَّه لو شَهِدَ اثنانِ أنَّه زَنَى بامرأةٍ بَيْضاءَ، وشهدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى بسوداءَ، فهم قَذَفَةٌ. ذكرَه القاضي عنه، وهذا ينْقُضُ قولَه.
فصل: وإن شهِدَ اثنانِ أنَّه زَنَى بها في زاويةِ بيتٍ، وشَهِدَ اثنانِ أنَّه زَنَى بها في زاويةٍ منه أُخْرَى، وكانتِ الزَّاوِيَتانِ مُتباعِدَتَيْنِ، فالقَوْلُ فيهما كالقَوْلِ في البيتَيْن، وإن كانتا مُتقارِبَتَيْنِ، كَمَلَتْ شهادتُهم، وحُدَّ المشهودُ عليه. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّ شهادتَهم لم تَكْمُلْ، ولأنَّهم اخْتلَفُوا في المكانِ، فأشْبَهْ ما لو اخْتلَفا في البَيْتَيْن. وعلى قولِ أبى بكرٍ تَكْمُلُ الشهادةُ، سواءٌ تَقاربَتِ الزَّاوِيتَان أو تباعدَتَا. ولَنا، أنَّهما إذا تقاربَتَا أمْكَن صِدْقُ الشُّهودِ، بأن يكونَ ابتداءُ الفعلِ في إحداهما، وتَمامُه في الأُخْرَى، أو ينْسِبُه كلُّ اثنَيْن إلى إحْدى الزَّاوِيتَيْنِ لِقُرْبِه منها، فيجبُ قَبولُ شَهادتِهم، كما لو اتَّفَقُوا، بخلافِ ما إذا كانتا مُتباعِدَتَيْن، فإنَّه لا يُمْكِنُ كَوْنُ المشهودِ به فعلًا واحدًا. فإن قيلَ: فقد يُمْكِنُ أنْ يكونَ المشهودُ به فِعْلَيْنِ، فلِمَ أوْجَبْتُمُ (٣٢) الحَدَّ مع الاحْتمالِ، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ؟ قُلْنا: ليس هذا بشُبْهةٍ، بدليلِ ما لو اتَّفَقُوا على مَوْضِعٍ واحدٍ، فإنَّ هذا يَحْتَمِلُ فيه والحَدُّ واجِبٌ. والقولُ في الزَّمانِ كالقولِ في هذا، وأنَّه متى كان بينَهما زمنٌ مُتباعِدٌ، لا يُمْكِنُ وُجودُ الفعلِ الواحدِ في جميعِه، كطرَفَىِ النَّهارِ، لم تَكْمُلْ شهادتُهم، ومتى تقارَبا، كَمَلَتْ شهادتُهم. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن شَهِدَ اثْنَانِ أنَّه زَنَى بها في قَمِيصٍ أبْيَضَ، وشهدَ اثْنانِ [أنَّه زَنَى بها في قميصٍ أحمرَ، أو شَهِدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى بها في ثَوْبِ (٣٣) كَتَّانٍ، وشَهِدَ اثنانِ] (٣٤) أنَّه زَنَى بها في
стр. 6508
ثوبِ خَزٍّ، كَمَلَتْ شهادتُهم. وقال الشَّافِعِىُّ: لا تَكْمُلُ؛ لتَنافِى الشَّهادَتَيْنِ. ولَنا، أنَّه لا تَنافِىَ بينَهما، فإنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ عليه قميصانِ، فذكرَ كُلُّ اثْنَيْنِ واحدًا، وتركَا ذِكْرَ الآخَرِ، ويُمْكِنُ أن يكونَ عليه قميصٌ أبيضُ، وعليها قميصٌ أحمرُ، وإذا أمْكَنَ التَّصْدِيقُ، لم يَجُزِ التَّكْذيبُ.
فصل: وإن شَهِدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى بها مُكْرَهَةً، وشَهِدَ اثنانِ أنَّه زَنَى بها مُطاوِعَةً، فلا حَدَّ عليها إجماعًا؛ فإنَّ الشَّهادةَ لم تَكْمُلْ على فِعْلٍ مُوجِبٍ للحَدِّ. وفى الرجلِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ أبى بكرٍ، والقاضى، وأكْثرِ الأصْحابِ، وقولُ أبى حنيفةَ، وأحدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ لم تَكْمُلْ على فِعْلٍ واحدٍ، فإنَّ فعلَ المُطاوِعَةِ غيرُ فعلِ المُكْرَهَةِ، ولم يَتِمَّ العددُ على كلِّ واحدٍ من الفِعْلَيْن، ولأنَّ كُلَّ شاهدَيْنِ منهما يُكَذِّبانِ الآخَرَيْن، وذلك يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادَةِ، أو يكونُ شُبْهَةً في دَرْءِ الحدِّ، ولا يخرجُ عن أن يكونَ قولُ واحدٍ منهما مُكَذِّبًا لِلآخَرِ، إلَّا بتَقْديرِ فِعْلَيْنِ تكونُ مُطَاوِعَةً في أحدِهما، ومُكْرَهَةً (٣٥) في الآخَرِ، وهذا يَمْنَعُ كَوْنَ الشهادةِ كاملةً على فِعْلٍ واحدٍ، ولأنَّ شاهِدَىِ المُطاوِعَةِ قاذِفانِ لها، ولم تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ عليها، فلا تُقْبَلُ شهادتُهما على غيرِها. والوَجْهُ الثاني، يجبُ الحَدُّ عليه. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وهو قولُ أبى يوسفَ ومحمدٍ، ووَجْهٌ ثانٍ للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الشَّهادةَ كَمَلَتْ على وُجُودِ الزِّنَى منه، واخْتلافُهما إنَّما هو في فِعْلِها، لا فِي فِعْلِه، فلا يَمْنَعُ كمالَ الشَّهادةِ عليه. وفى الشُّهودِ ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها: لا حَدَّ عليهم. وهو قولُ من أوجبَ الحَدَّ على الرجلِ بشَهادتِهم. والثانى، عليهم الحَدُّ؛ لأنَّهم شَهِدُوا بالزِّنَى ولم تَكْمُلْ شهادتُهم، فَلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو لم يَكْمُلْ عددُهم. والثالث، يجبُ الحَدُّ على شاهِدَىِ المُطاوِعَةِ؛ لأنَّهما قَذَفَا المرأةَ بالزِّنَى، ولم تَكْمُلْ شَهادتُهم عليها، ولا يجبُ على شاهِدَىِ الإِكْراه؛ لأنَّهما لم يَقْذِفا المرأةَ، وقد كَمَلَتْ شَهادتُهم على الرَّجُلِ، وإنما انْتَفَى عنه الحَدُّ للشُّبْهَةِ.
стр. 6509
فصل: وإذا تَمَّتِ الشَّهَادةُ بالزِّنَى، فصَدَّقَهم المشهودُ عليه (٣٦)، لم يسْقُطِ الحَدُّ. وقال أبو حنيفةَ: يسقطُ؛ لأنَّ شَرْطَ صِحَّةِ البَيِّنَةِ الإِنْكارُ، وما كَمَلَ الإِقْرارُ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٣٧). وبيَّنَ النَّبِىُّ ﷺ السَّبِيلَ بالحَدِّ، فتجبُ إقامتُه، ولأنَّ البَيِّنَةَ تَمَّتْ عليه، فوَجَبَ الحَدُّ، كما لو لم يَعْتَرِفْ، ولأنَّ البَيِّنَةَ أحدُ حُجَّتَىِ الزِّنَى، فلم يَبْطُلْ بوُجودِ الحُجَّةِ الأُخْرَى أو بعضِها، كالإِقْرارِ، يحققُه أنَّ وُجودَ الإِقرارِ يُؤكِّدُ البَيِّنَةَ، ويُوافقُها، ولا يُنَافِيها، فلا يَقْدَحُ فيها، كتَزْكِيَةِ الشُّهودِ، والثَّناءِ عليهم، ولا نُسَلِّمُ اشْتراطَ الإِنْكارِ، وإنَّما يُكْتَفَى بالإِقْرارِ في غيرِ الحَدِّ إذا وُجِدَ بكَمالِه، وههُنا لم يَكْمُلْ، فلم يَجُزْ الاكْتفاءُ به، ووجبَ سَماعُ البَيِّنَةِ، والعملُ بها. وعلى هذا، لو أقرَّ مرَّةً، أو دونَ الأرْبعِ، لم يَمْنَعْ ذلك سماعَ البَيِّنَةِ عليه، ولو تَمَّت البَيِّنَةُ عليه، وأقرَّ على نفسِه إقْرارًا تامًّا، ثم رَجَعَ عن إقْرارِه، لم يسْقُطْ عنه الحَدُّ برُجوعِه، وقولُه يقْتضِى خِلافَ ذلك.
فصل: وإن شهدَ شاهدان، واعْترفَ هو مَرَّتَيْنِ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ، ولم يجبِ الحَدُّ. لا نعلمُ في هذا خِلافًا بينَ مَن اعْتَبَرَ إقْرارَ أرْبَعِ مرَّاتٍ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ إحْدَى الحُجَّتَيْنِ لم تَكْمُلْ، ولا تُلَفَّقُ إحداهُما بالأُخْرَى، كإقْرارِ بَعْضٍ مَرَّةً.
فصل: وإن كَمَلَتِ البَيِّنَةُ، ثم ماتَ الشُّهودُ أو غابُوا، جازَ الحُكْمُ بها، وإقامةُ الحَدِّ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ الحكمُ؛ لجَوازِ أنْ يكونُوا رَجَعُوا، وهذه (٣٨) شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الحَدَّ. ولَنا، أنَّ كُلَّ شهادةٍ جازَ الحكمُ بها مع حُضورِ الشُّهودِ، جاز مع غَيْبَتِهم، كسائرِ الشَّهاداتِ، واحتمالُ رُجوعِهم ليس بشُبْهَةٍ، كما لو حُكِمَ بشهادتِهم.
فصل: وإن شَهِدُوا بِزنًى قديمٍ، أو أقرَّ به، وجبَ الحَدُّ. وبهذا قال مالِكٌ،
стр. 6510
والأوزاعِىُّ، والثَّورِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفة: لا أقْبَلُ بَيِّنَةً على زِنًى قديمٍ، وأحُدُّه بالإِقْرارِ به. وهذا قولُ ابنِ حامِدٍ. وذكرَه ابنُ أبي موسى مذهبًا لأحمدَ؛ لما رُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: أيُّما شُهودٍ شَهِدُوا بحَدٍّ لم يَشْهدُوا بِحَضْرَتِه، فإنَّما هم شهودٌ ضِغْنٍ. ولأنَّ تأخيرَه للشهادةِ إلى هذا الوقتِ، يَدُلُّ على التُّهْمَةِ، فيَدْرَأُ ذلك الحَدَّ. ولَنا، عمومُ الآية، وأنَّه حَقٌّ يثْبُتُ على الفَوْرِ، فيَثْبُتُ بالبَيِّنَةِ بعدَ تَطاوُلِ الزَّمانِ، كسائرِ الحُقوقِ. والحديثُ روَاه الحَسَنُ مُرْسَلًا، ومَراسِيلُ الحسنِ ليستْ بالقَويَّةِ، والتأْخِيرُ يجوزُ أن يكونَ لعُذْرٍ أو غَيْبَةٍ، والحَدُّ لا يسْقُطُ بمُطْلَقِ الاحْتمالِ، فإنَّه لو سَقَطَ بكُلِّ احْتمالٍ، لم يجِبْ حَدٌّ أصْلًا.
فصل: وتجوزُ الشَّهادةُ بالحَدِّ من غيرِ مُدَّعٍ. لا نعلمُ فيه خِلافًا (٣٩)، ونَصَّ عليه أحمدُ، واحْتَجَّ بقضيَّةِ أبى بَكْرةَ، حين شَهِدَ هو وأصحابُه على المُغِيرَةِ من غيرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى (٤٠)، وشَهِدَ الجارودُ وصاحبُه على قُدامةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُرْبِ الخمرِ، ولم يتقدَّمْه دَعْوَى (٤١). ولأنَّ الحَدَّ حقٌّ للهِ تعالى، فلم تَفْتَقِرِ الشَّهادةُ به إلى تقَدُّمِ دَعْوَى، كالعباداتِ، يُبَيِّنُه أنَّ الدَّعْوَى في سائرِ الحقوقِ إنَّما تكونُ من المُسْتَحِقِّ، وهذا لا حَقَّ فيه لأحَدٍ من الآدَمِيِّينَ فَيَدَّعِيه، فلو وقَفَتِ (٤٢) الشَّهادةُ به (٤٣) على الدَّعْوَى لَامْتَنَعَتْ إقامتُها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَن عندَه شهادَةٌ على حَدٍّ، فالمُسْتَحَبُّ أن لا يُقِيمَها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ [في الدُّنْيَا] (٤٤) سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (٤٥). وتجوز إقامتُها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً
стр. 6511
مِنْكُمْ﴾ (٤٦). ولأنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا بالحَدِّ في عصرِ النَّبِيِّ ﷺ وأَصْحابِه، لم تُنْكَرْ عليهم شهادتُهم به. ويُسْتَحبُّ للإِمامِ وغيرِه التَّعْرِيضُ بالوُقوفِ عن الشَّهادةِ؛ بدليلِ قولِ عمرَ لزيادٍ: إنِّي لأرَى رجلًا أرجُو أن لا يفْضَحَ اللهُ على يَدَيْه رجلًا من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ (٤٧). ولأنَّ تَرْكَها أفضلُ، فلم يكُنْ بأسٌ بدَلالتِه على الفَضْلِ. وقد رُوِىَ أنَّ رجلًا سألَ عُقْبةَ بنَ عامرٍ، فقال: إنَّ لي جِيرانًا يشْربون الخمرَ، أفأرْفَعُهم إلى السُّلطانِ؟ فقال عُقْبةُ بنُ عامرٍ: إنِّي سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
فصل: وإن شَهِدَ أربعةٌ على امرأةٍ بالزِّنَى، فشَهِدَ ثِقاتٌ من النِّساءِ أنَّها عَذْراءُ، فلا حَدَّ عليها، ولا على الشُّهودِ. وبهذا قالَ الشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: عليها الحَدُّ؛ لأنَّ شهادةَ النِّساءِ لا مَدْخَلَ لها في الحُدودِ، فلا تسْقُطُ بشهادَتِهنَّ. ولَنا، أنَّ البَكارَةَ تَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ، ووُجودُها يَمْنَعُ من الزِّنَى ظاهرًا؛ لأنَّ الزِّنَى، لا يحْصُلُ بدونِ الإِيلاجِ في الفَرْجِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع بَقاءِ البَكارَةِ، لأنَّ البِكْرَ هي التي لم تُوطَأْ في قُبلِهَا، وإذا انَتفَى الزِّنَى، لم يجبِ الحَدُّ، كما لو قامَتِ البَيِّنَةُ بأنَّ المشهودَ عليه بالزِّنَى مَجْبوبٌ، وإنَّما لم يجبِ الحَدُّ على الشُّهودِ؛ لِكَمالِ عِدَّتِهِم، مع احْتمالِ صِدْقِهم، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَطِئَها ثم عادَتْ عُذْرَتُها، فيكونَ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ عنهم، غيرَ مُوجِبٍ له عليها، فإنَّ الحَدَّ لا يجبُ بالشُّبُهاتِ. ويجبُ أن يُكْتَفَى بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ شهادتَها مَقْبولةٌ فيما لا يَطَّلِعُ
стр. 6512
عليه الرِّجَالُ. فأمَّا إن شهدَتْ بأنَّها رَتْقَاءُ، أو ثبتَ أنَّ الرجل المشهودَ عليه مَجْبُوبٌ، فيَنْبَغِى أن يجبَ الحَدُّ على الشُّهودِ؛ لأنَّه يُتَيَقَّنُ كَذِبُهم في شَهادتِهم بأمْرٍ لا يعْلَمُه كثيرٌ من النَّاسِ، فوَجَبَ عليهم الحَدُّ.
فصل: إذا شَهِدَ أربعةٌ على رجلٍ أنَّه زَنَى بامرأةٍ، وشَهِدَ أربعةٌ آخَرون على الشهودِ أنَّهم هم [الذين زَنَوْا] (٤٨) بها، لم يجبِ الحَدُّ على أحدٍ منهم. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الأوَّلِين قد جَرَّحَهم الآخِرون بشَهادتِهم عليهم، والآخِرون تَتَطَرَّقُ إليهم التُّهْمةُ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ وُجوبَ الحَدِّ على الشُّهودِ الأوَّلِين؛ لأنَّ شهادةَ الآخِرِين صحيحةٌ، فيجبُ الحكْمُ بها. وهذا قولُ أبي يوسفَ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ في صَدْرِ المسألةِ كلامًا معناه، لا يُحَدُّ أحدٌ منهم حَدَّ الزِّنَى. وهل يُحَدُّ الأوَّلون حَدَّ القَذْفِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على القاذفِ إذا جاءَ مَجِىءَ الشاهدِ هل يُحَدُّ؟ على رِوَايتَيْن.
فصل: وكُلُّ زِنًى أوْجبَ الحَدَّ، لا يُقْبَلُ فيه (٤٩) إلَّا أربعةُ شهودٍ، باتِّفاقِ العلماءِ؛ لِتَناوُلِ النَّصِّ له، بقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥٠). ويدْخُلُ فيه اللِّواطُ، ووَطْءُ المرأةِ في دُبُرِهَا؛ لأنَّه (٥١) زِنًى. وعند أبي حنيفةَ، يثْبُتُ بشاهدَيْنِ، بِناءً على أصْلِه في أنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ. وقد بيَّنَّا وُجوبَ الحَدِّ به، ويُخَصُّ هذا بأنَّ الوَطْءَ في الدُّبُر فاحِشَةٌ، بدليلِ قولِه تعالى [: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٥٢). وقال اللَّه تعالى] (٥٣): ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥٤). فإذا
стр. 6513
وُطِئَتْ في الدُّبُرِ، دخَلَتْ في عُمومِ الآيةِ. ووَطْءُ البَهيمة إن قُلْنا بوُجوبِ الحَدِّ به (٥٥)، لم يَثْبُتْ إلَّا بشُهودٍ أرْبعةٍ، وإن قُلْنا: لا يُوجِبُ إلَّا التَّعْزِيرَ. ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يثْبُتُ بشاهدَيْنِ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ، فيثبتُ بشاهِدَيْن، كسائرِ الحقوقِ. والثانى، لا يثبتُ إلَّا (٥٥) بأربعةٍ. وهو قولُ القاضِى؛ لأنَّه فاحِشةٌ، ولأنَّه إيلاجٌ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ، فأشْبَهَ الزِّنَى. وعلى قياسِ هذا، كُلُّ وَطْءٍ لا يُوجِبُ الحَدَّ ويُوجِبُ التَّعْزِيرَ، كوَطْءِ الأَمَةِ المُشْترَكَةِ، وأَمَتِه المُزَوَّجَةِ، فإن لم يكُنْ وَطْئًا كالمُباشرةِ دونَ الفَرْجِ ونحوِها، ثبَتَ بشاهِدَيْنِ، وجهًا واحدًا؛ لأنَّه ليس بوَطْءٍ، فأشْبَهَ سائرَ الحُقوقِ.
فصل: ولا يُقِيمُ الإِمامُ الحَدَّ بعِلْمِه. رُوِىَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال مالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأىِ. وهو أحدُ قولَى الشَّافِعِي. وقال، في الآخَرِ: له إقامتُه بعِلْمِه. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه إذا جازَتْ له إقامتُه بالبَيِّنَةِ والاعْترافِ الذي لا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، فيما يُفيدُ العلمَ أوْلَى. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. وقال عمرُ: أو كان الحَبَلُ أو الاعْترافُ (٥٦). ولأنَّه لا يجوزُ له أن يتكلَّمَ به، ولو رَماه بما عَلِمَه منه لكان قاذِفًا، يلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ، فلم تَجُزْ إقامَةُ الحَدِّ به، كقولِ غيرِه، ولأنَّه إذا حَرُمَ النُّطْقُ به، فالعملُ به أَوْلَى. فأمَّا السَّيِّدُ إذا عَلِمَ من عبدِه أو جارِيَتِه ما يُوجِبُ الحَدَّ عليه، فهل له إقامتُه عليه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُ إقامتَه عليه؛ لما ذكرْنَاهُ في الإِمامِ، ولأنَّ الإِمامَ إذا لم يملِكْ إقامتَه بِعِلْمِه، مع قُوَّةِ وِلَاِيَتِه، والاتِّفاقِ على تَفْويضِ الحَدِّ إليه، فغيرُه أوْلَى. والثانى، يَمْلِكُ ذلك؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تأْدِيبَ عبدِه بِعِلْمِه، وهذا يَجْرِى مَجْرَى التَّأْديبِ، ولأنَّ السَّيِّدَ أَخَصُّ بعَبْدِه، وأتمُّ وِلايَةً عليه، وأشْفَقُ من الإِمامِ على سائرِ الناسِ.
стр. 6514
فصل: وإذا حَبِلَتِ (٥٧) امرأةٌ لا زَوْجَ لها، ولا سَيِّدَ، لم يَلْزَمْها الحَدُّ بذلك، وتُسْأَلُ فإنِ ادَّعَتْ أنَّها أُكْرِهَتْ، أو وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أو لم تَعْتَرِفْ بالزِّنَى، لم تُحَدَّ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعىِّ. وقال مالكٌ: عليها الحَدُّ إذا كانت مُقِيمَةً (٥٨) غيرَ غريبةٍ، إلَّا أنْ تظهرَ أماراتُ الإِكْرَاهِ، بأن تَأْتِىَ مُسْتَغِيْثَةً أو صارِخَةً؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: والرَّجْمُ واجِبٌ على كُلِّ مَنْ زَنَى من الرِّجَالِ والنِّساءِ إذا كان مُحْصنًا، إذا قامَتْ بَيِّنَةٌ، أو كان الحَبَلُ أو الاعْترافُ (٥٩). ورُوِيَ أنَّ عثمانَ أُتِىَ بامرأةٍ وَلَدَتْ لستَةِ أشْهُرٍ، فأَمَرَ بها عثمانُ أن تُرْجَمَ، فقال عليٌّ: ليس لك عليها سبيلٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٦٠). وهذا يدُلُّ (٦١) على أنَّه كان يرْجُمُها بحَمْلِها، وعن عمرَ نحوٌ مِن هذا. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. أنَّه قال: يا أيُّها النَّاسُ، إن الزِّنَى زِنَاءَان؛ زِنَى سِرٍّ، وزنَى عَلَانِيَةٍ، فزِنَى السِّرِّ أن يشْهدَ الشُّهودُ، فيكونَ الشهودُ أَوَّلَ مَن يَرْمِى، وزِنَى العَلَانِيَةِ أنْ يظهرَ الحَبَلُ أو الاعْترافُ، فيكونَ الإِمامُ أَوَّلَ من يَرْمِى (٦٢). وهذا قولُ سادةِ الصحابةِ، ولم يظْهَرْ لهم في عَصْرِهم مُخالِفٌ، فيكونُ إجْماعًا. ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه مِنْ وَطءِ إكْراهٍ أو شُبْهةٍ، والحَدُّ يسْقطُ بالشُّبُهاتِ. وقد قِيلَ: إنَّ المرأةَ تَحْمِلُ من غيرِ وَطْءٍ بأن يَدْخُلَ ماءُ الرَّجُلِ في فَرْجِها، إمَّا بفِعْلِها أو فِعْلِ غيرِها. ولهذا تُصُوِّرَ حَمْلُ البِكْرِ، فقد وُجِدَ ذلك. وأما قَوْلُ الصَّحابةِ، فقد اخْتَلفتِ الرِّوَايَةُ عنهم، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثنا خَلفُ بنُ خَلِيفةَ، حدَّثنا أبو (٦١) هاشِمٍ، أنَّ امرأةً،
стр. 6515
رُفِعتْ إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، ليس لها زَوْجٌ، وقد حَملَتْ، فسألَها عمرُ، فقالت: إنِّي امرأةٌ ثَقيلةُ الرَّأْسِ، وقعَ عَلَىَّ رجلٌ وأنا نائمةٌ، فما اسْتَيْقَظْتُ حتى فرغَ. فَدَرَأَ عنها الحَدَّ (٦٣). ورَوَى [النَّزَّالُ بن سَبْرَةَ] (٦٤)، عن عمرَ، أنَّه أُتِىَ بامرأَةٍ حاملٍ، فادَّعَتْ أنَّها أُكْرِهَتْ، فقال: خَلِّ سَبِيلَها. وكتبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أنْ لا يُقْتَلَ أحَدٌ إلَّا بإذْنِه (٦٥). ورُوِىَ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، أَنَّهما قالا: إذا كانَ في الحَدِّ لعلَّ وعَسَى، فهو مُعَطَّلٌ. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٦٦) بإسْنادِهِ عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وعُقْبةَ بنِ عامرٍ، أنَّهم قالوا: إذا اشْتَبَهَ عليك الحَدُّ، فادْرَأْ ما اسْتَطعْتَ. ولا خلافَ في أنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهى مُتحقِّقَةٌ ههُنا.
فصل: وإذا اسْتَأْجَر امرأةً [لعملِ شيءٍ] (٦٧)، فزَنَى بها، أو اسْتَأْجرَها لِيَزْنِىَ بها، وفعلَ ذلك، أو زَنَى بامْرأةٍ ثم تزوَّجَها أو اشتراها، فعليهما الحَدُّ. وبه قال أكثرُ أهلِ العلمِ. وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليهما في هذه المواضِعِ [إِلَّا إذا اسْتأجرَها لعملِ شيءٍ] (٦٨)؛ لأَنَّ مِلكَه لِمَنْفَعتِها شُبْهَةٌ دَارِئةٌ للحَدِّ (٦٩)، ولا يُحَدُّ بَوْطءِ امرأةٍ هو مالِكٌ لها. ولَنا، عُمومُ الآيةِ، والأخبارُ، ووجُودُ المعنى المُقْتَضِى لوُجوبِ الحَدِّ. وقولُهم: إنَّ مِلْكَه مَنْفَعتَها شُبْهَةٌ. ليس بصحيحٍ، فإنَّه إذا لم يسْقُطْ عنه الحَدُّ ببَذْلِها [نَفْسَها له] (٦٨)، ومُطاوَعتِها إيَّاه، فلأنْ لا يسْقُطَ بمِلْكِه نَفْعَ مَحَلٍّ آخَرَ أوْلَى، وما وجبَ الحَدُّ