← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

مالِ الكِتابةِ، فاتّفَقَا على أخْذِه عِوَضًا عن مالِ الكِتابةِ، فالحكمُ فيه كما لو كان من جِنْسِها، وإن لم يَتَّفِقَا، قَبَضَتْه [ودفَعتْ ما] (١٥) عليها من مالِ الكِتابةِ من عِوَضِه، أو غيرِه. وإن عَجَزَتْ، ففَسَخَا (١٦) الكِتابةَ، وكان فى يَدِها بقَدْرِ المَهْرِ، أخَذَه الذى لم يَطَأْ، وسَقَطَ (١٧) المَهْرُ من ذمَّةِ الواطئِ، وإِنْ لم يكُنْ فى يَدِها شىءٌ، كان للَّذى لم يَطَأْ أَنَّ يَرْجِعَ على الواطئِ بنِصْفِه؛ لأَنَّه وَطِئَ جارِيةً مُشْتَرَكةً بينَهما. فإِن حَبِلَتْ منه، صارَتْ أمَّ ولَدٍ له، وعليه نِصْفُ قِيمَتِها لشَرِيكِه، مع نِصْفِ المَهْرِ الواجِبِ لها، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، إِلَّا أنَّه إِنْ كان مُوسِرًا أدَّاه فى الحالِ، وإِنْ كان مُعْسِرًا فهو فى ذِمَّتِه. [هذا ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، ذكَر مثلَ] (١٨) هذا فى بابِ العِتْقِ. فعلى هذا، تَصِيرُ أمَّ ولَدٍ للواطئِ، ومُكاتَبَتُه له كأنَّه اشْتَراها، وتكونُ مُبْقاةً على ما بَقِىَ من كِتابَتِها، [أو تُعْتَبَرُ قِيمَتُها بما تُساوِى مُكاتَبَتَه مُبقاةً على ما بَقِىَ عليها (١٩) من كِتابَتِها] (١٨). واختارَ القاضى أنَّه إِنْ كان مُعْسِرًا، لم يَسْرِ الإِحْبالُ؛ لأَنَّه بمَنْزِلةِ الإِعْتاقِ بالقَوْلِ، يُعْتَبرُ اليَسارُ فى سِرَايَتِه، ونَصِيبُ الواطئِ قدثَبَتَ له حكمُ الاسْتِيلادِ، وحُكْمُ الكِتابةِ، ونَصِيبُ شَرِيكِه لم يَثْبُتْ له إِلَّا حكمُ الكِتابةِ، فإنْ أدَّتْ إليهما، عَتَقَتْ، وبَطَلَ حكمُ الاستيلادِ، وإن عَجَزَتْ، وفَسَخَا الكتابةَ، ثَبَتَ لنِصْفِها حكمُ الاسْتِيلادِ، ونِصْفُها قِنٌّ، لا يُقَوَّمُ على الوارِثِ وإن كان مُوسِرًا؛ لأَنَّه ليس بمُعْتِقٍ. وإِنْ مات الواطئِ قبلَ عَجْزِها، عَتَقَ نَصِيبُه، وسَقَطَ حكمُ الكِتابةِ فيه، وكان الباقى مُكاتَبًا. وإِنْ كان الواطئِ مُوسِرًا، فقد ثَبَتَ لنِصْفِها حكمُ الاسْتِيلادِ، ونِصْفُها الآخَرُ مَوْقوفٌ، فإِنَّ أدَّتْ إليهما، عَتَقَتْ كلُّها، وولاؤُها لهما، وإِنْ عَجَزَتْ، وفَسَخَا (٢٠) الكِتابةَ، قَوَّمْناها حِينئَذٍ على الواطئِ، فيَدْفَعُ إلى شَرِيكِه قِيمةَ نَصِيبِه، وتَصِيرُ (٢١) جَمِيعُها (٢٢) أُمَّ ولَدٍ له، فإِنَّ مات، عَتَقَتْ عليه، وكان ولاؤُها له.

стр. 7842

هذا مذهبُ الشافعىِّ. وله قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقَوَّمُ على المُوسِرِ، وتَبْطُلُ الكِتابةُ فى نِصْفِ الشَّرِيكِ، وتَصِيرُ جَمِيعُها أمَّ ولَدٍ، ونِصْفُها مُكاتَبًا للواطئِ، فإِنَّ أدّتْ نَصِيبَه إليه، عَتَقَتْ، وسَرَى إلى الباقِى؛ لأَنَّه مِلْكُه، وعَتَقَ جَمِيعُها، وإن عَجَزَتْ، ففَسَخَ الكِتابةَ، كانت أُمَّ ولَدٍ له خاصَّةً، فإذا مات، عَتَقَتْ كلُّها. ولَنا، أَنَّ بعضَها أُمُّ ولَدٍ، فكان جَمِيعُها كذلك، كما لو كان الشَّرِيكُ مُوسِرًا، يُحَقِّقُ هذا، أَنَّ الولَدَ حاصِلٌ من جَمِيعِها، وهو كلُّه من الواطئِ، ونَسَبُه لَاحِقٌ به، فيَجِبُ أَنَّ يَثْبُتَ ذلك لجمِيعِها، ويُفارِقُ الإِعْتاقَ، فإنَّه أضْعَفُ، على ما بَيَّنَّا مِن قبلُ. ولَنا، على أَنَّ الكِتابةَ لا تَبْطُلُ بالتَّقْوِيمِ، أنَّها [عَقْدٌ لازِمٌ] (٢٣)، فلا (٢٤) تَبْطُلُ مع بَقَائِها بفِعْلٍ صَدَرَ منه، كما لو اسْتَوْلَدَها وهى فى مِلْكِه، أو كما (٢٥) لو لم تَحْبَلْ منه، فأمَّا الولَدُ، فإنَّه حُرٌّ؛ لأَنَّه مِن وَطْءٍ فيه شُبْهةٌ، ونَسَبُه لَاحِقٌ به كذلك، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّها وضَعَتْه فى مِلْكِه. ورُوِىَ عن أحمدَ، فى هذا رِوَايتان؛ إحداهما، لا تَجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّ نَصِيبَ شَرِيكِه انتقلَ إليه مِن حينِ العُلُوقِ، وفى تلك الحالِ لم تكُنْ له قِيمةٌ، فلم يَضْمَنْه. والثانية، عليه نِصْفُ قِيمَتِه؛ لأَنَّه كان من سَبِيلِ هذا النِّصْفِ أَنْ يكونَ مَمْلُوكًا لِشَرِيكِه، فقد تَلِفَ رِقُّه عليه، فكان عليه نِصْفُ قِيمَتِه. قال القاضى: هذه الرِّوايةُ أصَحُّ على المذهبِ. وذكر هاتَيْنِ الرِّوايتَيْنِ أبو بكرٍ، واخْتارَ أنَّها إِنْ وضَعَتْه بعدَ التَّقْوِيمِ، فلا شىءَ على الواطئِ، وإِنْ وضَعَتْه قبلَ التَّقْويمِ، غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِه. فإِنَّ ادَّعَى الواطئُ الاسْتِبْراءَ، وأتَتْ بالوَلَدِ لأكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الاسْتِبْراءِ، لم يُلْحَقْ به، ولم تَصِرْ أُمَّ ولَدٍ، وكان حكمُ ولَدِها حُكْمَها، وإِنْ أتَتْ به لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الاسْتِبْراءِ، أُلْحِقَ (٢٦) به، كما لو كان قبلَ الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّها كانتْ حامِلًا وَقْتَ الاسْتِبْراءِ، فلم يَكُنْ ذلك اسْتِبْراءً. فصل: وإن وَطِئاها جميعًا، فقد وَجَبَ لها على كلِّ واحدٍ منهما مَهْرُ مِثْلِها. فإنْ كانت

стр. 7843

فى الحالَيْنِ على صِفَةٍ واحدةٍ، فهما سَواءٌ فى الواجبِ عليهما، وإن كانت بِكْرًا حين وَطِئَها الأوَّلُ، فعليه مَهْرُ بِكْرٍ، وعلى الآخرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ. فإِن كان نَجْمُها لم يَحِلَّ، فلها مُطَالَبَتُهما بالمَهْزينِ، وإن كان النَّجْمُ قد حَلَّ، وهو مِن جنْسِ المَهْرِ، تَقَاصَّا، على ما ذكَرْنا فى المُقاصَّةِ. فإِن أدَّتْ إليهما، عَتَقَتْ، وكان لها (٢٧) المُطالبةُ بالمَهْرَيْنِ. وإن عَجَزَتْ عن نَفْسِها، وفَسَخَا الكِتابةَ بعدَ قَبْضِها المَهْرَيْن، لم يَمْلِكْ أحَدُهما مُطالبةَ الآخَرِ بشىءٍ؛ لأنَّها قَبَضَتْهُما وهى مُسْتَحِقَّةٌ لذلك، فإِن كانا فى يَدها اقْتَسَماهما (٢٨)، وإن تَلِفَا أو بعضُهما، فلا شىءَ لهما (٢٩)؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَثْبُتُ له دَيْنٌ على مَمْلُوكِهِ. وإن كان الفَسْخُ قبلَ قَبْضِ المَهْرَينِ، وهما سَواءٌ، سَقَطَ عن كلِّ واحدٍ ما عليه، وإن كان أحَدُهُما أكثرَ من الآخَرِ، تقاصَّ منهما (٣٠) بقَدْرِ أقَلِّهِما، [ويَرْجِعُ مَن عليه أقَلُّهما] (٣١) على الآخَرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ، وإن قَبَضَتْ (٣٢) من أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، رَجَعَ المَقْبُوضُ منه على الآخَرِ بنِصْفِ ما عليه، وإِنْ قَبَض منه البعضَ مِن أحدِهما دُونَ الآخَرِ، أو قَبَضَتْ من أحَدِهما أكثرَ من الآخَرِ، رَجَعَ مَنْ قُبِضَ منه الأكْثرُ على الآخَرِ بنِصْفِ الزِّيادةِ التى أدَّاها. وإن أَفْضاها أحَدُهما بوَطْئِه، فعليه لها ثُلثُ قِيمَتِها؛ لأنَّ الإِفْضاءَ فى الحُرَّةِ يُوجِبُ ثُلثَ دِيَتِهَا، فيُوجِبُ (٣٣) فى الأَمَةِ ثُلثَ قِيمَتِها مع المَهْرِ (٣٤). ويَحْتَمِلُ أَن يَلْزَمَه فى الإِفْضاءِ قَدْرُ نَقْصِها. وقال القاضى: تَلْزَمُه قِيمَتُها. وهو مذهبُ الشافعىِّ. والخِلافُ فى ذلك فَرْعٌ على الواجِبِ فى إفْضاءِ الحُرَّةِ. وقد ذكَرْناه (٣٥). فإنْ فسخَتِ الكِتابةَ، رَجَعَ مَنْ لم يُفْضِها على الآخَرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الإِفْضاءِ، على الخِلافِ الذى ذكَرْناه. فإِن ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما على الآخَرِ، أنَّه الذى أفْضاها، أو وَطِئَها، حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما، وبَرِئَ. وإن

стр. 7844

نَكَلَ أحَدُهما، قُضِىَ عليه. وإن كان الخِلافُ فى ذلك قبلَ عَجْزِها، فادَّعَتْ على أحَدِهما، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِيِنه. وإن ادّعَتْ على أحدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى. فصل: فإنْ أوْلَدَها كلُّ واحدٍ منهما، واتَّفَقا على السَّابِقِ منهما، فعلى قولِ الخِرَقِىِّ، تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ، لَاحِقُ النَّسَبِ به. والخِلافُ فى ذلك، كالخِلافِ فيما إذا انْفَرَدَ بإيلادِها، سَواءً. وأمَّا الثانى، فعلى قولِ الْخِرَقِىِّ، قد وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ غيرِه بشُبْهةٍ (٣٦)، وأوْلَدَها، فلا تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له؛ لأنَّها مَمْلوكةُ غيرِه، فأشْبَهَ ما لو باعَها ثم أوْلَدَها، وعليه مَهْرُها لها (٣٧)؛ لأنَّ الكِتابةَ لم تَبْطُلْ، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأَنَّه وَطْءُ شُبْهةٍ، وعليه قِيمَتُه للأوَّلِ؛ لأَنَّه فَوَّتَ رِقَّه عليه، فكان مِن سَبِيلِه أَنْ يكونَ رَقِيقًا له، حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه (٣٨)، فتَلْزَمُه قِيمَتُه على هذه الصِّفةِ. وقد ذكَرْنا فى وُجُوبِ نِصْفِ قِيمَةِ الأوَّلِ خِلافًا؛ فإنْ قُلْنا بوُجُوبِها، تَقَاصَّا [بما لكلِّ واحدٍ] (٣٩) منهما على صاحِبِه فى القَدْرِ الذى تَساوَيَا فيه، ويَرْجِعُ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه، وتُعْتَبَرُ القِيمةُ يومَ الوِلادةِ؛ لأنَّها أوّلُ حالٍ أمْكَنَ التَّقْوِيمُ فيها. وذكَرَ القاضى فى هذه المسألةِ أرْبعةَ أحْوالٍ؛ أحدها، أَنْ يكوَنا مُوسِرَيْنِ، فالحُكْمُ على ما ذكرْنا، إِلَّا أنَّه جَعَلَ المَهْرَ الواجبَ على الثانى للأوَّلِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الكتابةَ لا تَبْطُلُ بالاسْتِيلادِ، ومَهْرُ المُكاتَبةِ لها دُونَ سَيِّدِها، ولأنَّ سَيِّدَها لو وَطِئَها وَجَبَ (٤٠) عليه المهرُ لها، فلَأنْ لا يَمْلِكَ المَهْرَ الواجبَ على غيرِه أوْلَى، ولأنَّه عِوَضُ نَفْعِها، فكان لها، كأُجْرَتِها. الثانى، أَنْ يكونَ الأوَّلُ مُوسِرًا والثانى مُعْسِرًا، فيكونَ كالحالِ الذى قبلَه، سَواءً. قال القاضى: إِلَّا أَنَّ ولَدَه يكونُ مَمْلوكًا؛ لإِعْسارِه بقِيمَتِه. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الولَدَ لا يَرِقُّ لإِعْسارِ والدِه، بدليلِ ولَدِ المَغْرُورِ مِن أمَةٍ، والوَاطِئ (٤١) بشُبْهةٍ (٤٢). كلُّ مَوْضِع حَكَمْنا بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ (٤٣)، لا يَخْتَلِفُ بالإِعْسارِ

стр. 7845

واليَسارِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ (٤٤) اليَسَارُ فى سِرَايه العِتْقِ، : ليس عِتْقُ هذا بطريقِ السِّرايَةِ، إنَّما هو لأجْلِ الشُّبْهةِ فى الوَطْءِ، فلا وَجْهَ لاعْتِبارِ اليَسَارِ فيه، والصَّحِيح أنَّه حُرٌّ، وتَجِبُ قِيمَتُه فى ذِمَّةِ أبِيه. الحال الثالث، أَنْ يكونَا مُعْسِرَيْنِ، فإنَّها تصيرُ أُمَّ ولَدٍ لهما (٤٥) جميعًا، نِصْفُها أُمُّ ولدٍ للأوَّلِ، ونِصْفُها [أُمُّ ولدٍ] (٤٦) للثانى. قال: وعلى كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ مَهْرِها لصاحِبِه، وفى ولَدِ كلِّ واحدٍ منهما وَجْهان؛ أحَدُهما، أَنَّ (٤٧) يكونَ كلُّه حُرًّا، وفى ذِمَّةِ أبِيه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه. والثانى، نِصْفُه حُرٌّ، وباقِيه عَبْدٌ لشَرِيكِه، إِلَّا أَنَّ نِصْفَ ولَدِ الأوَّلَ عَبْدٌ قِنٌّ؛ لأَنَّه تابعٌ لنِّصْفِ الباقِى من الأُمِّ، وأمَّا النِّصْفُ الباقى مَن ولَدِ الثانى، فحُكْمُه حكمُ أُمِّه؛ لأَنَّه وُلِدَ منها بعدَ أَنْ ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتِيلادِ للأوَّلِ، فكان نِصْفُه الرَّقِيقُ تابِعًا لها فى ذلك. ولعلَّ القاضىَ أراد ما إذا عَجَزَتْ، وفَسَخَتِ الكِتابةَ، فأمَّا إذا كانتْ باقِية على الكِتابةِ، فإِنَّ لها المَهْرَ كامِلًا على كلِّ واحدٍ منهما، وإذا حُكِمَ بِرِقِّ نِصْفِ ولَدِها، وجَبَ أَنْ يكونَ له حُكْمُها (٤٨) فى الكِتابةِ؛ لأنَّ ولَدَ المُكاتَبةِ يكونُ تابِعًا لها. الحال الرابع، أَن يكونَ الأوَّلُ مُعْسِرًا والثانى مُوسِرًا، فحُكْمُه حكمُ الثالثِ، سَواءً، إِلَّا أَنَّ ولَدَ الثانى حُرٌّ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ ثَبَتَتْ لنِصْفِه بفِعْلِ أبِيه وهو مُوسِرٌ، فسَرَى إلى جَمِيعِه، وعليه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه، ولم تُقَوَّمْ عليه (٤٩) الأُمُّ؛ لأنَّ نِصْفَها أُمُّ ولَدٍ للأوَّلِ. ولو صَحَّ هذا، لَوَجَبَ أَنْ لا يُقَوَّمَ عليه نِصْفُ الوَلَدِ؛ لأنَّ حُكْمَه حكمُ أُمِّه فى هذا، فإذا مَنَعَ حُكْمُ الاسْتِيلادِ السِّرايةَ فى الأُمِّ، مَنَعَه فيما هو تابعٌ لها. ومذهبُ الشافعىِّ فى هذه المسألةِ قَرِيبٌ ممَّا ذكَرَ القاضِى. فصل: وإن اخْتَلَفا فى السَّابقِ منهما، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ، فعلى

стр. 7846

قَوْلنا، لها (٥٠) المَهْرُ على كلِّ واحدٍ منهما، كلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لِصاحِبِه بنِصْفِ قِيمَةِ الجارِيةِ؛ لأَنَّه يقولُ: [صارَتْ أُمَّ ولَدٍ لى، بإحْبالِى إيَّاها، ووَجَبَ لشَرِيكِى علىَّ نِصْفُ قِيمَتِها، ولىِ عليه قِيمَةُ ولَدِه؛ لأَنَّه يقول] (٥١): أوْلَدْتَها بعدَ أَنْ صارَتْ أمَّ ولَدٍ لى. وهل يكون مُقِرًّا له بنِصْفِ قيصةِ ولَدِه؟ على وَجْهَيْن، سَبَقَ ذِكْرُهما. فعلى هذا، إن اسْتَوَى ما يَدَّعِيه وما يُقِرُّ به، تَقاصَّا، وتَساقَطَا (٥٢)، ولا يَمِينَ [لواحدٍ منهما] (٥٣) على صاحِبِه؛ لأَنَّه يقولُ: لى عليكَ مثلُ مالَكَ عَلَىَّ. والجِنْسُ واحدٌ، فتساقَطَا، وإن زاد ما يُقِرُّ به، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّ خَصْمَه يُكَذِّبُه فى إقْرارِه. وإن زاد ما يَدّعِيه، فله اليَمِينُ على صاحِبِه فى الزِّيادةِ، ويَثْبُتُ [للأَمَةِ حُكْمُ] (٥٤) العِتْقِ فى نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما بمَوْتِه؛ لإِقْرارِه بذلك، ولا يقْبَلُ قَوْلُه على شرِيكِه فى إعْتاقِ نَصِيبِه. وقال أبو بكرٍ: فى الأَمَةِ قَوْلان؛ أحدهما، أَنْ (٥٥) يُقْرَعَ بينَهما، فتكونَ أُمَّ ولَدٍ لمن تَقعُ القُرْعةُ له. والثانى، تكونُ أُمَّ ولَدٍ لهما، ولا يَطَؤُها واحدٌ منهما. قال: وبالأوَّلِ أقولُ. وأمَّا القاضى فاخْتارَ أنَّهما إِنْ كانا مُوسِرَيْنِ، فكلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِى المَهْرَ على صاحِبِه، ويُقِرُّ له بنِصْفِه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المَهْرَ عندَهم لسَيِّدِها دُونَها، ولا يَعْتِقُ شىءٌ منها بمَوْتِ الأوَّلِ؛ لِاحْتِمال أَنْ تكونَ أُمَّ ولدٍ للآخَرِ، وإذا (٥٦) مات الآخر، عَتَقَتْ؛ لأنَّ سَيِّدَها قد مات يَقِينًا، وإِنْ كانا مُعْسِرينِ، فكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ (٥٧) بأنَّ نِصْفَها أُمُّ ولَدِه، ويُصَدِّقُه الآخَرُ؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَسْرِى مع الإِعْسارِ، وكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لصاحِبِهِ بنِصْفِ المَهْرِ، والآخَرُ يُصَدِّقُه، فيتَقاصَّان إِنْ تَساوَيا، وإن فَضَلَ أحدُهما صاحِبَه، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان كلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِى الفَضْلَ، تحالَفَا وسَقَطَ، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ للآخَرِ بالفَضْلِ،

стр. 7847

سَقَطَ؛ لتَكْذِيبِ المُقَرِّ له به. وفى الوَلدِ وَجْهان؛ أحدهما، يكونُ حُرًّا، فيكون كلُّ واحدٍ منهما يَدّعِى على (٥٨) الآخَرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ. والوَجْهُ الثانى، نِصْفُه حُرٌّ، فيُقِرُّ بأنَّ نِصْفَ الولدِ مَمْلوكٌ لشَرِيكِه، فيكونُ الولَدَانِ بينَهما من غيرِ يَمِينٍ. وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يتَقاصَّان إِنْ تساوَتْ قِيمةُ الوَلدَيْنِ، ولا يَمِينَ فى المَوْضِعَيْنِ، وأيُّهما مات، عَتَقَ نَصِيبُه، ووَلاؤُه له. وإِنْ كان أحَدُهُما مُوسِرًا والآخرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ يُقِرُّ للمُعْسِرِ بنِصْفِ [قِيمَةِ الأَمَةِ، ونِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها] (٥٩)، ويَدَّعِى عليه جَمِيعَ المَهْرِ، وقِيمةَ الوَلَدِ، والمُعْسِرُ يُقِرُّ للمُوسِرِ بنِصْفِ المَهْرِ، ونِصْفِ قِيمَةِ الولدِ، فيَسْقُطُ إقْرارُ المُوسِرِ للمُعْسِرِ بنِصْفِ قيمَةِ الجارِيةِ؛ لكَوْنِه لا يَدَّعِيه، ولا يُصَدِّقُه فيه، ويتَقاصَّان بالمَهْرِ؛ لِاسْتِوائِهما فيه، ويَدْفَعُ المُعْسِرُ إلى المُوسِرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ؛ لإِقْرارِه به، ويَحْلِفُ على ما يَدَّعِيه عليه مِن الزِّيادةِ؛ لأَنَّه ادَّعَى عليه جميعَ قِيمةِ الوَلدِ، فأقَرَّ له بنِصْفِها، ويَحْلِفُ له المُوسِرُ على نِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ الذى ادَّعاه المُعْسِرُ عليه. وأمَّا الجاريةُ، فإِنَّ نَصِيبَ المُوسِرِ منها أُمُّ ولَدٍ، بغيرِ خلافٍ بينَهما فيه، وباقِيَهَا يتَنازَعانِه؛ فإن ماتَ المُوسِرُ أوّلًا، عَتَقَ نَصِيبُه، ووَلاؤُه لوَرَثَتِه، فإذا مات المُعْسِرُ، عَتَقَ باقِيها، وإِنْ مات المعسرُ أوّلًا، لم يَعْتِقْ منها شىءٌ، فإذا مات المُوسِرُ، عَتَقَ جميعُها. ويَجِىءُ على قولِ أبى بكرٍ، أَنْ يُقْرَعَ بينَهما فى النِّصْفِ المُخْتَلَفِ فيه. فصل: فإنْ وَطِئاها معًا، فأتَتْ بولَدٍ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أَنْ لا يُمْكِنَ أن يكونَ [من واحدٍ] (٦٠) منهما، مثل أَنْ تَأْتِىَ به بعدَ اسْتِبْرائِها منهما، أو بعدَ أرْبعِ سِنِينَ منذُ وَطِئَها كلُّ واحدٍ منهما، أو قبلَ مُضِىِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ وَطِئَها كلُّ واحدٍ منهما، فإنَّ الوَلَدَ مَنْفِىٌّ عنهما، وهو مَمْلوكٌ لهما، حُكْمُه حكمُ أُمِّه فى العِتْقِ بأدائِها. وإذا ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما الاسْتِبْراءَ، قُبِلَ منه؛ لأنَّ دَعْوَى الاسْتِبْراءِ فى الأَمَةِ كاللِّعَانِ فى الحُرَّةِ. القسم الثانى، أَنْ يكونَ من أحَدِهِما بعَيْنِه دُونَ صاحِبِه، فالحكمُ فيه كالحكمِ فيما إذا ولَدَتْ من

стр. 7848

أحَدِهما بعَيْنِه؛ مِن وُجُوبِ المَهْرِ لها، وقِيمَةِ نِصْفِها لشَرِيكِه، مع الخِلافِ فى ذلك. وأمَّا الذى لم تَحْبَلْ مِن وَطْئِه، فإنْ كان الأوَّلَ، فعليه المَهْرُ لها، وإن كان (٦١) هو الثانىَ، فقد وَطِئَ أُمَّ ولَدِ غيرِه، فإن كانت الكِتابةُ باقِيةً، فعليه المَهْرُ لها أيضًا، وإن كانت الكِتابةُ قد فُسِخَتْ، فالمَهْرُ للَّذى اسْتَوْلَدَها، وقد وَجَبَ للثانى على الأوّلِ نِصْفُ قِيمَتِها. وفى [قِيمَةِ نِصْفِ] (٦٢) الوَلَدِ رِوَايتان. فإنْ كان المَهْرُ للأَوَّلِ، تَقاصَّا بقَدْرِ أقَلِّ الحَقَّيْنِ، وإن كان المهرُ لها، رَجعَ بحَقِّه على الذى أحْبَلَها. وأمَّا القاضى، فقال فى هذا القِسْمِ: الحكمُ الأوَّلِ، كالحُكْمِ فيه إذا انْفَرَدَ بالوَطْءِ، على ما مَضَى من التَّفْصِيلِ والتَّطْوِيلِ. وأما الثانى، فإنْ وَطِئَها بعدَ وِلادَتِها من الأوّلِ، نَظَرْنا، فإنْ وَطِئَها بعدَ الحُكْمِ بكَوْنِها أُمَّ ولَدٍ للأوَّلِ، فعليه مَهْرُ مِثْلِها، فإنْ كان فَسَخَ الكِتابةَ فى حَقِّ نَفْسِه لعَجْزِها، فالمَهْرُ له؛ لأنَّها أمُّ ولَدِه، وإن كان لم يَفْسخ، فالمهرُ بينه وبينَها نِصْفَيْنِ. وإِنْ وَطِئَها بعدَ زَوَالِ الكِتابةِ فى حَقِّه، وقبلَ الحُكْمِ بأنَّها أمُّ ولَدٍ للأَوَّلِ، سَقَطَ عنه نِصْفُ مَهْرِها؛ لأنَّ نِصْفَها قِنٌّ له، وعليه النِّصْفُ لها إِنْ لم يَكُن الأوَّلُ فَسَخَ الكِتابةَ، أو له إن كان فَسَخَ. وإِنْ كان الأوَّلُ مُعْسِرًا، فنَصِيبُه منها أُمُّ ولَدٍ له، ولها عليهما المَهْرانِ. والحكمُ فيما إذا عَجَزَتْ أو أدَّتْ، قد تَقَدَّمَ. فأمَّا إِنْ كان الولَدُ من الثانى، فالحكمُ فى وَطْءِ الأوَّلَ، كالحكمِ فيه إذا وَطِئَ مُنْفَرِدًا فلم يُحْبلْها. وأمَّا الثانى، فإنْ كان مُوسِرًا، قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه عندَ العَجْزِ؛ فإنْ فَسَخَا الكِتابةَ، قَوَّمْناها عليه، وصارَتْ أمَّ ولَدٍ له، وإن رَضِىَ الثانى بالمُقامِ على الكِتابةِ، قَوَّمْنا عليه نَصمِيبَ الأوَّلِ، وصارَتْ كلُّها أُمَّ ولَدٍ له، ونِصْفُها مُكاتَبٌ، ويَرْجعُ الأوّلُ على الثانى بنِصْفِ المَهْرِ، ونِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ. على إحدى الرِّوايتَيْن. ويرجعُ الثانى على الأوَّلِ بنصْفِ المَهْرِ، فيتَقاصَّان به، إِنْ كان باقِيًا عليهما. وإِنْ كان الثانى مُعْسِرًا، فالحكمُ فيه (٦١) كما لو ولَدَتْ من الأوَّلِ وكان مُعْسِرًا، لا فَضْلَ بين المسْألتَيْن. القسم الثالث، إن (٦٣) أمْكَنَ أَنْ يكونَ الوَلَدُ من كلِّ واحدٍ منهما، فإنَّه يُرَى القَافةَ معهما، فيُلْحَقُ بمَن أَلْحَقُوه به منهما، فمَن أُلْحِقَ به، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو عُرِفَ أنَّه منه بغيرِ قَافةٍ.

стр. 7849

١٩٩١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدٍ، فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، ومِثْلَهُ لِسَيِّدِه، صَار نِصْفُهُ (١) حُرًّا بِالْكِتَابةِ، إِنْ كَانَ الَّذِى كَاتَبَهُ مُعْسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ، وصَارَ نِصْف قِيمَتِهِ عَلَى الَّذِى كَاتَبَهُ لِشَرِيكِهِ) وجملتُه أَنَّ الرجلَ إذا كان له نِصْفُ عَبْدٍ، كانتْ له مُكاتَبَتُه، وتَصِحُّ منه، سَواءٌ كان باقِيه حُرًّا أو مَمْلوكًا لغيرِه، وسَواءٌ أَذنَ فيه الشَّرِيكُ أو لم يَأْذَنْ. هذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وأبى بكرٍ، وقولُ الحَكَمِ، وابنِ أبى لَيْلَى. وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ البَصْرِىِّ، والحسنِ بن صالحٍ، ومالكٍ، والعَنْبَرِىِّ. وكَرِه الثَّوْرِىُّ، وحَمَّادٌ، كِتابَتَه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه. وقال الثَّوْرِىُّ: إن فَعَلَ رَدَدْتُه، إِلَّا أَنْ يكونَ نَقَدَه، فيَضْمَنُ لشَرِيكِه نِصْفَ ما فى يَدِه. وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ بإذْنِ الشَّرِيك، ولا تَصِحُّ بغيرِ إذْنِه. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. إِلَّا أَنَّ أبا حنيفةَ قال: إذْنُه [فيما مَضَى] (٢) فى ذلك، يَقْتَضِى الإِذْنَ فى تَأْدِيَةِ مالِ الكِتابةِ من جَمِيعِ كَسْبِه، ولا يَرْجِعُ الآذِنُ بشىءٍ منه. وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: يكونُ جَمِيعُه مُكاتَبًا. وقال الشافعىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه: إِنْ كان باقِيه حُرًّا، صَحَّتْ كِتابَتُه، وإِنْ كان باقِيه مِلْكًا، لم تَصِحَّ كتابَتُه، سَواءٌ أذِنَ فيه الشَّرِيكُ أم لم يَأْذَن؛ لأنَّ كِتابَتَه تَقْتَضِى إطْلاقَه فى (٣) الكَسْبِ والمُسافَرَةِ، ومِلْكُ نِصْفِه يَمْنَعُ ذلك، ويَمْنَعُه أخْذَ نَصِيبِه من الصَّدَقاتِ؛ لئَلَّا يَصِيرَ كَسْبًا له (٤)، وَيَسْتَحِقَّ سَيِّدُه نِصْفَه، ولأنَّه إذا أدَّى عَتَقَ جَمِيعُه، فيُؤَدِّى إلى أن يُؤَدِّى نِصْفَ كِتابَتِه، ويَعْتِقَ جَمِيعُه. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ على نَصِيبِه (٥)، فصَحَّ كبَيْعِه، ولأنَّه مِلْكٌ له يَصِحُّ بَيْعُه وهِبَتُه، فصَحَتْ كِتابَتُه، كما لو مَلَكَ جَمِيعَه، ولأنَّه يَنْفُذُ إعْتاقُه، فصَحَّتْ كِتابَتُه، كالعبدِ الكاملِ، وكما لو كان باقِيه حُرًّا عندَ الشافعىِّ، أو أذِنَ فيه الشَّرِيكُ عندَ الباقِينَ. وقَوْلُهم: إنَّه يَقْتَضِى المُسافَرَةَ، والكَسْبَ، وأخْذَ الصَّدَقةِ. قُلْنا: أمَّا المُسافَرَةُ فليستْ مِن المُقْتَضَياتِ الأصْلِيّةِ، فوُجُودُ مانعٍ منها لا

стр. 7850

يَمْنَعُ أصْلَ العَقْدِ، وأمَّا الكَسْبُ وأخْذُ الصَّدَقةِ، فإنَّه لا يَمْتَنِعُ (٦) كَسْبُه وأخْذُه الصَّدقَةَ بِجُزْئِه المُكاتَبِ (٧)، ولا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ شيئًا منه؛ لأَنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ ذلك بالجُزْءِ المُكاتَبِ، ولا حَقَّ للشَّرِيكِ فيه، فكذلك فيما حَصَلَ به، كما لو وَرِثَ شيئًا بِجُزْئِه الحُرِّ. وأمَّا الكَسْبُ، فإنْ هَايَأَه مالِكُ نِصْفِه، فكَسَبَ فى نَوْبَتِه شيئًا، لم يُشارِكْه فيه أيضًا، وإِنْ لم يُهايِئْه، فكَسَبَ بجُمْلَتِه شيئًا، كان بينَهما له بقَدْرِ ما فيه من الجُزْءِ المُكاتَبِ، ولسَيِّدِه الباقِى؛ لأَنَّه كَسَبَه بِجُزْئِه المَمْلوكِ فيه، فأشْبَهَ ما لو كَسَبَ قبلَ كِتابَتِه، فيُقْسَمُ بينَ سَيِّدَيْه. وقَوْلُهم: إنَّه يُفْضِى إلى أن يُؤَدِّىَ بعضَ الكِتابةِ، فيَعْتِقَ جَمِيعُه. قُلْنا: يَبْطُلُ هذا بما لو عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِه على أداءِ مالٍ، فإنَّه يُؤَدِّى عِوَضَ (٨) البَعْضِ، ويَعْتِقُ الجميعُ. على أنَّنا نقولُ: لا يَعْتِقُ حتى يُؤَدِّىَ جميعَ الكِتابةِ، فإِنَّ جَمِيعَ الكِتابةِ هو الذى كاتَبَه عليه مالِكُ نِصْفِه (٩)، ولم يَبْقَ منها شىءٌ، فلا يَعْتِقُ حتى يُؤَدِّىَ جَمِيعَها، ولأنَّه لا يَعْتِقُ الجميعُ بالأدَاءِ، وإنَّما يَعْتِقُ الجُزءُ المُكاتَبُ لا غيرُ، وباقِيه إِنْ كان المُكاتَبُ مُعْسِرًا، لم يَعْتِقْ باقِيه (١٠)، وإِنْ كان مُوسِرًا، عَتَقَ بالسِّرايةِ، لا بالكِتابةِ، ولا يَمْتَنِعُ (١١) هذا، كما لو أعْتَقَ بعضَه عَتَقَ جَمِيعُه، وإذا جاز عِتْقُ (١٠) جَمِيعِهِ بإعْتاقِ بعضِه بطرِيقِ السِّرايةِ، جاز ذلك فيما يَجْرِى مَجْرَى العِتْقِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا كاتَبَ نَصِيبَه، لم تَسْرِ الكتابةُ، ولم يَتَعَدَّ الجُزْءَ الذى كاتَبَه؛ لأنَّ الكِتابةَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم يَسْرِ، كالبَيْعِ، وليس للعبدِ أَنْ يُؤدِّىَ إلى مُكاتِبِه شيئًا حتى يُؤَدِّىَ إلى شَرِيكه مثلَه، سَواءٌ أذِنَ الشَّرِيكُ فى كِتابَتِه أو لم يَأْذَنْ (١٢)؛ لأَنَّه إنَّما أذِنَ فى كِتابةِ نَصِيبِه، وذلك يقتَضِى أَنْ يكونَ نَصِيبُه باقيًا له، ولا يَقْتَضِى أن يكونَ معروفًا فى الكِتابةِ. هذا إذا كان الكَسْبُ بجَمِيعِه، فإن أدَّى الكِتابةَ مِن جميعِ كَسْبِه، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ الكِتابةَ الصَّحِيحةَ تَقْتَضِى العِتْقَ ببَراءَتِه مِن

стр. 7851

العِوَضِ، وذلك لا يَحْصُلُ بدَفْعِ ما ليس له. وإن أدَّى إليهما جَمِيعًا، عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّ نِصْفَه يَعْتِقُ بالأدَاءِ، فإذا عَتَقَ (١٣)، سَرَى إلى سائِرِه، وإن كان الذى كاتَبَه مُوسِرًا، لأنَّ عِتْقَه بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فلَزِمَتْه قِيمَتُه، كما لو باشَر بالعِتْقِ، [أو كما لو عَلّقَ عِتْقَ نَصِيبِه على صِفَةٍ، فعَتَقَ بها، ويَرْجِعُ الشَّرِيكُ على المُكاتِب بنِصْفِ قِيمَتِه، كما لو باشَر بالعِتْقِ] (١٤). فأمَّا إن مَلَكَ العبدُ شيئًا بِجُزْئِه المُكاتَبِ، مثل أَن هايَأَهُ سَيِّدُه، فكَسَبَ شيئًا فى نَوْبَتِه، أو أُعْطِىَ مِن الصَّدَقةِ مِن سَهْمِ الرِّقَابِ أو مِن غيرِه، فلا حَقَّ لسَيِّدِه فيه، وله أداءُ جَمِيعِه فى كِتابَتِه؛ لأَنَّه إنَّما اسْتَحقَّ ذلك بما فيه من الكِتابةِ، فأشْبَهَ النِّصْفَ الباقِىَ بعدَ إعْطاءِ الشَّرِيكِ حَقَّه. ولو كان ثُلثُه حُرًّا، وثُلثُه مُكاتَبًا، وثُلثُه رَقِيقًا، فوَرِثَ بجُزْئِه الحُرِّ مِيراثًا، وأخَذَ بِجُزْئِه المُكاتَبِ مِن سَهْمِ الرِّقابِ، فله دَفْعُ ذلك كله فى كِتابَتِه؛ لأَنَّه ما اسْتَحَقَّ بجُزْئِه الرَّقِيقِ شيئًا منه، فلا يَسْتَحِقُّ مالِكُه منه شيئًا. وإذا أدَّى جميعَ كِتابَتِه، عَتَقَ، فإنْ (١٥) كان الذى كاتَبَه مُعْسِرًا، لم يَسْرِ العِتْقُ، ولم يتَعَدَّ نَصِيبَه، كما إذا واجَهَه بالعِتْقِ، إِلَّا على الرِّوايةِ التى نقولُ فيها بالاسْتِسْعاءِ، فإنَّه يُسْتَسْعَى فى نَصِيبِ الذى لم يُكاتِبْ، وإن كان مُوسِرًا، سَرَى إلى بَاقِيه. فصل: وإذا كان العبدُ كلُّه مِلْكًا لرَجُلٍ، فكاتَبَ بعضَه، جاز. قالَه أبو بكرٍ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ، فصَحَّتْ فى بعضِه، كالبَيْعِ، فإذا أدَّى جميعَ كِتابَتِه، عَتَقَ كلُّه؛ لأَنَّه إذا سَرَى العِتْقُ فيه إلى مِلْكِ غيرِه، فإلى مِلْكِه أوْلَى، ويَجِبُ أَنْ يُؤدِّىَ إلى سَيِّدِه مِثْلَىْ كِتابَتِه؛ لأنَّ نِصْفَ ما يَكْسِبُه يَسْتَحِقُه سَيِّدُه بما فيه من الرِّقِّ، ونِصْفَه يُؤَدَّى فى الكِتابةِ (١٦)، إِلَّا أن يَرْضَى (١٧) سَيِّدُه بتَأدِيَتِه (١٨) الجميعَ فى الكتابةِ، فيَصِحُّ، فإذا اسْتَوْفَى المالَ كلَّه، عَتَقَ نِصْفُه بالكِتابةِ، وباقِيه بالسِّرَايةِ.

стр. 7852

فصل: وإذا كان العبدُ لِرَجُلَيْنِ، فكاتَباه معًا، جاز (١٩)، سَواءٌ (٢٠) تَساوَيَا فى العِوَض أو اخْتَلَفا فيه، وسَواءٌ اتّفَقَ نَصِيبَاهُما (٢١) فيه أو اخْتَلَفَ، وسَواءٌ كان فى عَقْدٍ واحدٍ أو عَقْدَيْنِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ أَنْ يتَفاضَلَا فى المالِ معَ التَّسَاوِى فى المِلْكِ، ولا (٢٢) التَّساوِى فى المالِ معَ (٢٣) التَّفاضُلِ فى المِلْكِ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى أَنْ يَنْتَفِعَ أحَدُهما بمالِ الآخَرِ؛ لأَنَّه إذا دَفَعَ إلى أحَدِهما أكْثَرَ من قَدْرِ مِلْكِه، ثم عَجَزَ، رَجَعَ عليه الآخَرُ بذلك. ولَنا، أَنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَعْقِدُ على نَصِيبِه عَقْدَ مُعاوَضةٍ، فجاز أَنْ يَخْتَلِفا فى العِوَضِ، كالبَيْعِ (٢٤). وما ذكَرُوه لا يَلْزَمُ؛ لأنَّ انْتِفاعَ أحَدِهما بمالِ الآخَرِ إنَّما يكونُ عندَ العَجْزِ، وليس ذلك مِن مُقْتَضَياتِ العَقْدِ، وإنَّما يكونُ عندَ زَوَالِه، فلا يَضُرُّ، ولأنَّه إنَّما يؤدِّى إليهما على التَّساوِى، وإذا عَجَزَ قُسِمَ ما كَسَبَه بَينَهما على قَدْرِ المِلْكَيْنِ، فلم يكُنْ أحَدُهما مُنْتَفِعًا إِلَّا بما يُقابِلُ مِلْكَه، وعاد الأمرُ بعدَ زَوَالِ الكِتابةِ إلى حُكْمِ الرِّقِّ، كأنَّه لم يَزُلْ. فإنْ قيل: فالتَّساوِى فى المِلْكِ يَقْتَضِى التَّساوِىَ فى أدائِه إليهما، ويَلْزَمُ منه وَفاءُ كِتابةِ أحَدِهما قبلَ الآخَرِ، فيَعْتِقُ نَصِيبُه، ويَسْرى إلى نَصِيبِ صاحِبِه، ويَرْجعُ عليه الآخَرُ بنِصْفِ قِيمَتِه. قُلْنا: يُمْكِنُ أداءُ كِتابَتِه إليهما دَفْعةً واحدةً، فيَعْتِقُ عليهما، ويُمْكِنُ أَنْ يُكاتِبَ أحدَهما على مائةٍ، فى نَجْمَيْنِ، فى كلِّ نَجْمٍ خَمْسُونَ، [ويُكاتِبَ الآخَرَ على مائتينِ، فى نَجْمَيْنِ، فى النَّجْمِ (٢٦) الأوَّلِ خَمْسُون. وفى الثانى مائةٌ وخَمْسُونَ] (٢٥)، ويكونَ وَقْتُهُما واحدًا (٢٦)، فيُؤَدِّىَ إلى كلِّ واحدٍ منهما حَقَّه، على أَنَّ أصْحابَنا قالوا: لا يَسْرِى العِتْقُ إلى نَصِيبِ الآخَرِ ما دام مُكاتَبًا. فعلى هذا القولِ، لا (٢٠) يُفْضِى إلى ما ذكَرُوه، على أنَّه وإِنْ قُدِّرَ إفْضاؤُه إليه، فلا مانِعَ فيه من صِحَّةِ الكِتابةِ، فإنَّه لا

стр. 7853

يُخِلُّ بمَقْصُودِ الكِتابةِ، وهو العِتْقُ بها. ويمكنُ وجودُ سِرَايةِ العِتْقِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، بأنْ يُكاتِبَه على مِثْلَىْ قِيمَتِه، فإذا عَتَقَ عليه، غَرِمَ لشَرِيكِه نِصْفَ قِيمَتِه، وسَلَّمَ له باقِىَ المال، وحَصَلَ له وَلاءُ العبدِ، ولا ضَرَرَ فى هذا. ثم لو كان فيه ضَرَرٌ، لكنْ قد رَضِىَ به [حينَ كِتابَتِه على أمَلَّ ممَّا كاتَبَه به شَرِيكُه، والضَّرَرُ المَرْضِىُّ به] (٢٧) مِن جِهَةِ المَضْرُورِ لا عِبْرَةَ به، كما لو باشَرَه (٢٨) بالعِتْق، أو أبْرَأهُ مِن مالِ الكِتابةِ، فإنَّه يَعْتِقُ عليه، ويَسْرِى عِتْقُه، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه، وهو جائِزٌ، فهذا أوْلَى بالجَوازِ. ولا يجوزُ أن يَخْتَلِفَا فى التَّنْجِيمِ، ولا فى أن يكون لأحَدِهما فى النُّجُومِ قبلَ النَّجْمِ الأخيرِ أكثرُ من الآخَرِ. فى أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأَنَّه لا يجوزُ أن يُؤَدِّىَ إليهما إِلَّا على السَّواءِ، ولا يجوزُ تقديمُ أحَدِهما بالأدَاءِ على الآخَرِ، واخْتِلافُهما فى مِيقَاتِ النُّجُومِ، وقَدْرِ المُؤَدَّى فيهما، يُفْضِى إلى ذلك. والثانى، يجوزُ؛ لأَنَّه يُمْكِنُ أَنْ يُعَجِّلَ لمن تأَخَّرَ نَجْمُه قبلَ مَحَلِّه، ويُعْطِى مَنْ قَلَّ نَجْمُه أكثرَ من الواجِبِ له، ويُمْكِنُ أَنْ يَأْذَنَ له أحَدُهما فى الدَّفْعِ إلى الآخَرِ قبلَه، أو أكثرَ منه، ويُمْكِنُ أن يُنْظِرَه مَنْ حَلَّ نَجْمُه، أو يَرْضَى مَنْ له الكثيرُ بأَخْذِ دُونَ حَقِّه، وإذا أمْكَنَ إفْضاءُ العَقْدِ إلى مَقْصُودِه، فلا نُبْطِلُه باحْتمالِ عَدَمِ الإِفْضاءِ إليه. فصل: وليس للمُكاتَبِ أَنْ يُؤَدِّىَ إلى أحَدِهما أكثرَ من الآخَرِ، ولا يُقَدِّمَ أحَدَهُما على الآخَرِ. ذكَرَه القاضى. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. ولا أعْلُم فيه خِلافًا؛ لأنَّهما سَواءٌ فيه، فيَسْتَوِيانِ فى كَسْبِه، وحَقُّهُما مُتَعَلِّقٌ بما فى يَدِه تَعَلُّقًا واحدًا، فلم يَكُنْ له أَنْ يَخُصَّ أحَدَهما بشىءٍ منه دُونَ الآخَرِ، ولأنَّه ربَّما عَجَزَ، فيَعُودُ إلى الرِّقِّ، ويتَساوَيانِ فى كَسْبِه، فيَرْجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بما فى يَدِه من الفَضْل بعدَ انْتِفاعِه به مُدّةً. فإن قَبَضَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ شيئًا، لم يَصِحَّ القَبْضُ، وللآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ منه (٢٩) حِصَّتَه إذا لم يَكُنْ أَذِنَ فى القَبْضِ، وإِنْ أذِنَ فيه، ففيه وَجْهان، ذكَرَهما أبو بكرٍ؛ أحدهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ المَنْعَ لحَقِّه، فجاز بإذْنِه، كما لو أذِنَ المُرْتَهِنُ للراهِنِ فى التَّصَرُّفِ فمِه، أو أذِنَ البائِعُ للمُشْتَرِى فى قَبْضِ المَبِيعِ (٣٠) قبلَ تَوْفِيَةِ ثَمَنِه، أو أذِنَا للمُكاتَبِ فى التَّبَرُّعِ، ولأنَّهما لو أذِنَا له فى

стр. 7854

الصَّدَقةِ بشىءٍ، صَحَّ قَبْضُ المُتَصَدَّقِ عليه له، كذلك ههُنا. والثانى، لا يجوزُ. وهذا اخْتِيارُ أبِى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَى الشافعىِّ، واختيارُ المُزنِىِّ؛ لأنَّ ما فى يَدِ المكاتَبِ مِلْكٌ له، فلا يَنْفُذُ إذْنُ غيرِه فيه، وإنَّما حَقُّ سَيِّدِه فى ذِمَّتِه. والأَوَّلُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم، فإذا اتّفَقُوا على شىءٍ، فلا وَجْهَ للمَنْعِ. وقولُهم: إنَّه مِلْكٌ للمُكاتَبِ. تَعْلِيقٌ على العِلّةِ ضِدَّ ما تَقْتَضِيه؛ لأنَّ كَوْنَه مِلْكًا له يَقْتَضِى جَوازَ تَصَرُّفِه فيه، على حَسبِ اخْتِيارِه، وإنَّما المَنْعُ لتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِه به، فإذا أذِنَ، زال المانِعُ، فصَحَّ التَّقْبِيضُ، لوُجُودِ مُقْتَضِيه، وخُلُوِّه من المانعِ، ثم يَبْطُلُ بما (٣١) ذكَرْناهُ (٣٢) من المسائلِ. فعلى هذا الوَجْهِ، إذا دَفَعَ إلى أحَدِهما مالَ الكِتابةِ بإذْنِ صاحِبه، عَتَقَ نَصِيبُه مِن المُكاتَبِ؛ لأَنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه، ويَسْرِى العِتْقُ إلى باقِيه، وعليه قِيمةُ حِصَّةِ شَرِيكِه؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبِه. هذا قَوْلُ الْخِرَقِىِّ. ويَضْمَنُه فى الحالِ بنِصْفِ قِيمَتِه مُكاتَبًا، مُبْقًى (٣٣) على ما بَقِىَ عليه مِن كِتابَتِه، ووَلاؤُه كلُّه له، وما فى يَدِه من المالِ للَّذى (٣٤) لم يَقْبِضْ منه بقَدْرِ ما قَبَضَه صاحِبُه، والباقِى بين العبدِ وبينَ سَيِّدِه الذى عَتَقَ عليه؛ لأنَّ نِصْفَه عَتَقَ بالكتابةِ، ونِصْفَه بالسِّرايَةِ، فحِصَّةُ ما عَتَقَ بالكِتابةِ للعبدِ، وحِصَّةُ ما عَتَقَ بالسِّرايةِ لسَيِّدِه. وعلى ما اخْتَرْناه، يكونُ الباقى كلّه للعبدِ؛ لأنَّ الكَسْبَ كان مِلْكًا له، فلا يَزُولُ مِلْكُه عنه بعِتْقِه، كما لو عَتَقَ بالأدَاءِ. وقال أبو بكرٍ، والقاضى: لا يَسْرِى العِتْقُ فى الحالِ، وإنَّما يَسْرِى عندَ عَجْزِه. فعلى قولِهما، يكون باقِيًا على الكِتابةِ، فإن أدَّى إلى الآخَرِ، عَتَقَ عليهما، ووَلاؤُه لهما، وما تَبَقَّى (٣٥) فى يَده مِن كَسْبِه فهو له. وإن عَجَزَ (٣٦)، وفُسِخَتْ كِتابَتُه، قُوِّمَ على الذى أدَّى إليه، وكان وَلاءُ جَمِيعِه له، وتَنْفَسِخُ الكِتابة فى نِصْفِه. وإن مات، فقد مات ونِصْفُه حُرٌّ، ونِصْفُه رَقِيقٌ، ولسَيِّدِه الذى لم يعْتِقْ نَصِيبَه أن يَأْخُذَ ممَّا خَلَّفَه مثلَ ما أخَذَه شَرِيكُه من مالِ الكِتابةِ، وله نِصْفُ ما تَبَقَّى (٣٥)، والباقى لوَرَثةِ العبدِ،

стр. 7855

فإن لم يَكُنْ له وَارِثٌ مِن نَسَبِه، فهو لِلَّذى أدَّى إليه بالوَلَاءِ. وإِنْ قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ. فما أخَذَه القابِضُ بينَه وبينَ شَرِيكِه، ولا تَعْتِقُ حِصّته مِن المُكاتَبِ؛ لأَنَّه لم يَسْتَوْفِ عِوَضَه، ولغيرِ القابضِ مُطالَبةُ القابضِ بنَصِيبِه ممَّا قَبَضَه، كما لو قَبَضَ (٣٧) بغيرِ إذْنِه، سَواءً. وإن لم يَرْجِعْ غيرُ القابض بنَصِيبِه، حتى أدَّى المكاتبُ إليه كِتابَتَه، صَحَّ، وعَتَقَ عليهما جميعًا. وإن مات العبدُ قبلَ اسْتِيفاءِ الآخَرِ حَقَه، فقد مات عَبْدًا، ويَسْتَوْفِى الذى لم يَقْيضْ من كَسْبِه بقَدْرِ ما أخَذَ (٣٨) صاحِبُه، والباقى بينَهما. قال أحمدُ، فى رِوايةِ ابنِ منصورٍ، فى عَبْدٍ بين رَجُلَيْنِ كاتَباهُ، فأدَّى إلى أحَدِهما كِتابَتَه، ثم مات وهو يَسْعَى للآخَرِ، لمن مِيرَاثُه؟ قال أحمدُ: كلُّ ما كَسَبَ العبدُ فى كِتابَتِه، فهو بينَهما، ويَرْجِعُ هذا على الآخَرِ بنَصِيبِه ممَّا أخَذَ (٣٩)، ومِيراثُه بينَهما. قال ابنُ منصورٍ: قال إسحاقُ بن راهُويَه كما قال. فصل: وإن عَجَزَ مُكاتَبُهما، فلهما الفَسْخُ والإمضاءُ، فإن فَسَخَا جَمِيعًا، أو أمْضَيَا الكِتابةَ، جاز ما اتَّفَقا عليه، وإن فَسَخَ أحَدُهما، وأمْضَى الآخرُ، جاز، وعاد نِصْفُه رَقِيقًا قِنًّا، ونِصْفُه مُكاتَبًا. وقال القاضى: تَنْفَسِخُ الكِتابةُ فى جَمِيعهِ. وهو مذهبُ [مالكٍ، و] (٤٠) الشافعىِّ؛ لأنَّ الكِتابةَ لو بَقِيَتْ فى نِصْفِه، لَعادَ نصفُ (٤١) الذى فَسَخَ الكتابةَ إليه ناقِصًا. ولَنا، أنَّها كِتابة فى مِلْكِ أحَدِهما، فلم تَنْفَسِخْ بفَسْخِ الآخَرِ، كما لو انْفَرَدَ بكِتابَتِه، ولأنَّهما عَقْدانِ مُنْفَرِدانِ (٤٢)، فلم يَنْفَسِخْ أحَدُهما بفَسْخِ الآخَرِ، كالبَيْعِ، وما حَصَلَ مِن النَّقْصِ لا يَمْنَعُ؛ لأَنَّه إنَّما حَصَلَ ضِمْنًا لتَصَرُّفِ الشَّرِيكِ فى نَصِيبِه، فلم يَمْنَعْ، كإعْتاقِ الشَّرِيكِ، ولأنَّ مِن أصْلِنا أنَّه تَصِحُّ مُكاتَبَةُ أحَدِهما نَصِيبَه،

стр. 7856

فإذا لم يُمْنَعِ العَقْدُ فى ابْتِدائِه، فلَأن لا (٤٣) يَبْطُلَ فى دَوَامِه أوْلَى، ولأنَّ (٤٤) ضَرَرَه حَصَلَ بعَقْدِه وفَسْخِه، فلا يُزالُ (٤٥) بفَسْخِ عقدِ (٤٤) غيرِه، ولأنَّ فى فَسْخِ الكِتابةِ ضَرَرًا بالمُكاتَبِ وسَيِّدِه، وليس دَفْعُ الضَّرَرِ عن الشَّرِيكِ الذى [فَسَخَ، بِأَوْلَى من دَفْعِ الضَّرَر عن الذى لم يَفْسَخْ، بل دَفْعُ الضَّرَر عن الذى] (٤٦) لم يَفْسَخْ أوْلَى، لوُجُوهٍ ثلاثةٍ؛ أحدها، أَنَّ ضَرَرَ الذى فسَخَ حَصَلَ ضِمْنًا، لبَقاءِ عَقْدِ شَرِيكِه فى مِلْكِ نَفْسِه، وضَرَرُ شَرِيكه بِزوالِ (٤٥) عَقْدِه، وفسْخِ تَصَرُّفِه فى مِلْكِه. والثانى، أَنَّ ضَرَرَ الذى فَسَخَ لم يَعْتَبِرْه الشَّرْعُ فى مَوْضِع، ولا أصْلَ لما ذكَرُوه من الحُكْمِ، ولا يُعْرَفُ له نَظِيرٌ، فيكون بمَنْزِلةِ المَصْلحةِ المُرْسَلَةِ، التى وقَعَ الإِجْماعُ على اطِّراحِها، وضَرَرُ شَرِيكِه بفَسْخِ عَقْدِه مُعْتَبَرٌ فى سائِرِ عُقُودِه؛ مِن بَيْعِه، وهِبَتِه، ورَهْنِه، وغيرِ ذلك، فيكونُ أوْلَى. الثالث، أَنَّ ضَرَرَ الفَسْخِ يتَعَدَّى إلى المُكاتَبِ، فيكونُ ضَرَرًا باثْنَيْنِ، وضَرَرَ الفاسخِ لا يتَعَدَّاه، ثم لو قُدِّرَ تَساوِى الضَّرَرَيْنِ، لَوَجَبَ إبْقاءُ الحُكْمِ على ما كان لم عليه، ولا يجوزُ إحْداثُ الفَسْخِ من غيرِ دليلٍ راجِحٍ. ١٩٩٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَتَقَ (١) المُكَاتَبُ، اسْتَقْبَلَ بِمَا فِى يَدهِ مِنَ الْمَالِ حَوْلًا، ثُمَّ زَكَّاهُ، إِنْ كَان نِصَابًا (٢)) وجملتُه أَنَّ المُكاتَبَ لا زَكاةَ عليه. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه. فإذا عَتَقَ، صارَ مِن أهْلِ الزَّكاةِ حِينَئذٍ، فيَبْتَدِئُ حَوْلُ الزكاةِ مِن يومَ عَتَقَ، فإذا تَمَّ الحَوْلُ، وجَبَتِ الزَّكاةُ إِنْ كان نِصَابًا، وإن لم يكُنْ نِصابًا، فلا شىءَ فيه، ويَصِيرُ هذا كالكافرِ إذا أسْلَمَ، وفى يَدِه مالٌ زَكَوِىٌّ يَبْلُغُ نِصابًا، فإنَّه يَسْتَقْبِلُ به حَوْلًا مِن حينَ أسْلَمَ؛ لأَنَّه صار حِينَئذٍ مِن أهلِ الزَّكاةِ، وكذلك

стр. 7857

العبدُ إذا عَتَقَ وفى يَده مالٌ أبْقاه له سَيِّدُه. ١٩٩٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ نَجْمًا حَتَّى حَلَّ نَجْمٌ آخرُ، عَجَّزَهُ السّيدُ إِنْ أحَبَّ، وعَادَ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ) وجملتُه أَنَّ الكِتابةَ عَقْدٌ لازِمٌ، لا يَمْلِكُ السَّيِّدُ فَسْخَها قبلَ عَجْزِ المُكاتَبِ. بغير خلافٍ نَعْلَمُه. وليس له مُطالبةُ المُكاتَبِ قبلَ حُلُولِ النَّجْمِ؛ لأَنَّه إنَّما ثَبَتَ فى العقْدِ مُؤَجَّلًا، وإذا حَلَّ النَّجْمُ، فللسَّيِّدِ مُطالَبَتُه بما حَلَّ مِن نُجُومِه؛ لأَنَّه دَيْنٌ له حَلَّ، فأشْبَهَ دَيْنَه على الأَجْنَبِىِّ، وله الصَّبْرُ عليه، وتأخِيرُه به، سَواءٌ كان قادِرًا على الأداءِ أو عاجِزًا عنه؛ لأَنَّه حَقٌّ له سَمَحَ بتأْخِيرِه، أشْبَهَ دَيْنَه على الأجْنَبِىِّ. فإن اختارَ الصَّبْرَ عليه، لم يَمْلِك العبدُ الفَسْخَ. بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنّ المُكاتَبَ إذا حَلَّ عليه نَجْمٌ، أو نَجْمانِ، أو نُجُومُه كلُّها، فوَقَفَ السَّيِّدُ عن مُطَالَبَتِه، وتَرَكَه بحالِه (١)، أَنَّ الكِتابةَ لا تَنْفَسِخُ، ماد اما ثابِتَيْنِ على العَقْدِ الأوَّلِ، فإنْ أجَّلَه به، ثم بَدَا له الرُّجُوعُ، فله ذلك؛ لأنَّ الدَّيْنَ الحالَّ لا يتَأَجَّل بالتَّأْجِيلِ، كالقَرْضِ. وإِنْ حَلَّ عليه نَجْمان، فعَجَزَ عنهما، وإخْتارَ السَّيِّدُ فَسْخَ كِتابَتِه، ورَدَّه إلى الرِّقِّ، فله ذلك، بغيرِ حُضُورِ حاكِم ولا سُلْطانٍ، ولا تَلزمُه الاسْتِنابةُ. فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ. وهو قولُ شُرَيْحٍ، والنَّخعِىِّ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ. وقال ابنُ أبى لَيْلَى: لا يكون عَجْزُه إلا عندَ قاضٍ. وحُكِىَ نحو هذا (٢) عن مالكٍ. وقال الحسنُ: إذا عَجَزَ اسْتُؤْنِىَ (٣) بعدَ العَجْزِ سَنَتَيْنِ. وقال الأوْزَاعىُّ: شَهْرينِ، ونحوَ ذلك. ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ، بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ غُلامًا على أَلْفِ دَينارٍ، فأدَّى إليه تسعَمائَةِ دينارٍ، وعَجَّزَه عن مائةِ دينارٍ، فرَدَّه إلى (٤) الرِّقِّ (٥). وبإسْنادِه عن عَطِيَّة العَوْفِىِّ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عَبْدَه على عشرينَ ألْفًا، فأدَّى عَشرةَ آلافٍ، ثم أتاهُ، فقال: إنِّى قد طُفْتُ العِراقَ والحِجازَ، فرُدَّنِى فى الرِّقِّ. فرَدَّه. ورُوِىَ عنه، أنَّه كاتَبَ عبدًا له على ثَلاثِينَ

стр. 7858

ألْفًا، فقال له: أنا عاجِزٌ. فقال له: امْحُ كِتابَتكَ. فقال: امْحُ أنْتَ (٦). ورَوَى سعيدٌ، بإسْنادِه عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خَطَبَ، فقال: "أَيُّمَا رَجُلٍ كَاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أوَاقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ" (٧) ولأنَّه عَقْدٌ عَجَزَ عن عِوَضِه، فمَلَكَ مُسْتَحِقُّه فَسْخَه، كالسَّلَمِ إذا تَعَذّرَ المُسْلَمُ فيه، ولأنَّه فَسْخُ عَقْدٍ مُجْمَعٍ عليه، فلم يَفْتَقِرْ إلى الحاكمِ، كفَسْخِ المُعْتَقةِ تحتَ العبدِ. فإن قيل: فلمَ كانت الكِتابةُ لازِمَةً مِن جِهَةِ السَّيّدِ، غيرَ لازِمةٍ من جِهَةِ العبدِ؟ قُلْنا: بل (٨) هى لازِمةٌ من جِهَةِ (٩) الطَّرَفَيْنِ، ولا يَمْلِكُ العبدُ (١٠) فَسْخَها بحالٍ، وإنَّما له أن يُعَجِّزَ نَفْسَه، ويَمْتَنِعَ من الكسْبِ، وإنَّما كان له ذلك لوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أَنَّ الكِتابةَ تتَضَمَّنُ إعتْاقًا بصِفةٍ، ومَن عَلَّقَ عِتْقَ عبدِه بصِفَةٍ، لم يَمْلِكْ إبْطالَها، ويَلْزَمُ وقوعُ العِتْقِ بالصِّفَةِ، ولا يَلْزَمُ العَبْدَ الإِتيانُ بالصِّفَةِ، ولا يُجْبَرُ عليها. الثانى، أَنَّ الكِتابةَ لِحَظِّ العبدِ دُونَ سَيِّدِه، فكان العَقْدُ (١١) لازِمًا لمن ألْزَمَ نَفْسَه حَظَّ غيرِه، وصاحِبُ الحَظِّ بالخِيارِ فيه، كمَن ضَمِنَ لغيرِه شيئًا، أو كَفَلَ له، أو رَهَنَ عندَه رَهْنًا. فصل: فأمَّا إِنْ حَلَّ نَجْمٌ واحدٌ، فعَجَزَ عن أدائِه، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه ليس للسَّيِّدِ الفَسْخُ، حتى يَحِلَّ نَجْمانِ قبلَ أدَائِهِما. وهى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عن أحمدَ. قال القاضى: وهو ظاهِرُ كلامِ أصْحابِنا. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ أبى لَيْلَى، وأبى يوسفَ، والحسنِ بن صالحٍ. وقال ابنُ أبى موسى: ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَعُودُ رَقِيقًا حتى يقولَ: قد عَجَزْتُ. وقيل عنه: إذا أدَّى أكثرَ مالِ الكِتابةِ، لم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ، وأُتْبِعَ بما بَقِىَ. والرِّواية الثانية، أنَّه إذا عَجَزَ عن نَجْمٍ واحدٍ، فلِسَيِّدِه فَسْخُ الكِتابةِ. وهو قولُ الحارثِ العُكْلِىِّ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ السَّيِّدَ

стр. 7859

دَخَلَ على أن يُسَلِّمَ له مالَ الكِتابةِ على الوَجْهِ الذى كاتَبَه عليه، ويَدْفَعَ إليه المالَ فى نُجُومِه، فإذا لم يُسَلِّمْ له، لم يَلْزَمْه عِتْقُه، ولما ذكَرْنا فى ال فَصْلِ الذى قبلَ هذا، ولأنَّه عَجَزَ عن أداءِ النَّجْمِ فى وَقْتِه، فجاز فَسْخُ كِتابَتِه، كالنَّجمِ الأخيرِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهَ عنه، أنَّه قال: لا يُرَدُّ المُكاتَبُ فى الرِّقِّ، حتى يَتَوالَى عليه نَجْمانِ (١٢). ولأنَّ ما بينَ النَّجْمَيْن مَحَلٌّ لأدَاءِ الأوَّلِ، فلا (١٣) يتَحَقَّقُ العَجْزُ عنه حتى يَفُوتَ مَحَلُّه بحُلُولِ الثانى. فصل: وإذا حَلَّ النَّجْمُ، ومالُه حاضِرٌ عندَه، طُولِبَ بأدَائِه، ولم يَجُزِ الفَسْخُ قبلَ الطَّلَبِ، كما لا يجوزُ فَسْخُ البَيْعِ والسَّلَمِ بمُجَرَّدِ وُجُوبِ الدَّفْعِ قبلَ الطَّلَبِ. فإن طُلِبَ منه، فذَكَرَ أنَّه غائِبٌ عن المَجْلِسِ، فى ناحِيَةٍ من نَواحِى البَلَدِ، أو قَرِيبٌ منه على مسافةٍ لا تُقْصَرُ فيها الصَّلاةُ، يُمْكِنُ إحْضارُه قَرِيبًا، لم يَجُزْ فَسْخُ الكِتابةِ، وأُمْهِلَ بقَدْرِ ما يَأْتِى به، إذا طَلَبَ الإِمْهالَ؛ لأنَّ هذا يَسِيرٌ، لا ضَرَرَ فيه. وإن كان معَه مالٌ مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابةِ، فطَلَبَ الإِمْهالَ؛ لِيَبِيعَه بجِنْسِ مالِ الكِتابةِ، أُمْهِلَ. وإن كان المالُ غائِبًا أكثرَ مِن مَسافةِ القَصْرِ، لم يَلْزَمِ الإِمْهالُ. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إِنْ كان له مالٌ حاضِرٌ، أو غائبٌ يَرْجُو قُدُومَه، اسْتُؤْنِىَ (١٤) يَوْمَيْنِ وثلاثةً، لا أَزيِدُه على ذلك؛ لأنَّ الثلاثةَ آخِرُ حَدِّ القِلّةِ والقُرْب؛ لما بَيّنَاه فيما مَضَى، وما زاد عليها فى حَدِّ الكَثْرةِ. وهذا كلُّه قريبٌ بعضُه من بعضٍ. فأمَّا إذا كان قادِرًا على الأداءٍ، واجِدًا لما يُؤَدِّيه، فامْتَنَعَ من أدائِه، وقال (١٥): قد عَجَزْتُ (١٦). فقال الشَّريفُ أبو جَعْفرٍ، وجماعةٌ مِن أصْحابِنا المتَأَخِّرِينَ: يَمْلِكُ السَّيِّدُ فَسْخَ الكِتابةِ. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لقولِه: وإذا حَلَّ نَجْمٌ، فلم يُؤَدِّه حتى حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ، عَجَّزَه السَّيِّدُ إِنْ أحَبَّ. فعَلَّقَ جَوازَ الفَسْخِ على عَدَمِ الأداءِ. وهذا (١٧) مذهبُ الشَّافعىِّ. وقال أبو بكرِ بن جَعْفَرٍ: ليس له ذلك، ويُجْبَرُ على تَسْلِيمِ

стр. 7860

العِوَضِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والأَوْزاعِىِّ. وقد ذكَرْنا هذا فيما تقَدّمَ. فأمَّا إِنْ كان قادِرًا على أداءِ المالِ كلِّه، ففيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصِيرُ حُرًّا بِمِلْكِ ما يُؤَدِّى. وقد سَبَقَ ذِكْرُها. فصل: وإذا حَلَّ النَّجْمُ والمكاتَبُ غائِبٌ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فله الفَسْخُ. وإن كان سافَرَ بإذْنِه، لم يكُنْ له أَنْ يَفْسَخَ؛ لأَنَّه أذِنَ فى السَّفَرِ المانعِ من الأداءِ، ولكنْ يَرْفَعُ أمْرَه إلى الحاكِم، [ويُثْبِتُ عندَه حُلُولَ مالِ الكِتابةِ، ليَكْتُبَ الحاكمُ إلى المُكاتَبِ، فيَعْلَمَ بما ثَبَتَ عِنْدَه، فإنْ كان عاجِزًا عن أداءِ المالِ، كَتَبَ بذلك إلى الحاكمِ] (١٨) الكاتبِ، لِيَجْعَلَ للسَّيِّدِ فَسْخَ الكِتابةِ. وإن كان قادِرًا على الأداءِ، طالَبَه بالخُرُوجِ إلى البَلَدِ الذى فيه السَّيِّدُ، ليُؤَدِّىَ مالَ الكِتابةِ، أو يُوَكِّلَ مَنْ يَفْعَلُ ذلك، فإن فَعَلَه فى أولِ حالِ الإِمكانِ، عندَ خُرُوجِ القافلةِ، إِنْ كان لا يُمْكِنُه الخروجُ إِلَّا معها، لم يَجُزِ الفَسْخُ، وإِنْ أخَّرَه عن حالِ الإِمكانِ، ومَضَى زَمَنُ المسيرِ (١٩)، ثَبَت للسَّيِّدِ خِيارُ الفَسْخِ. فإن [وَكَّلَ السَّيِّدُ فى بَلَدِ المكاتَبِ مَنْ يَقْبضُ منه مالَ الكِتابةِ، لَزِمَه الدَّفْعُ إليه، فإن امْتَنَعَ من الدَّفْعِ، ثَبَتَ للسَّيِّدِ خِيارُ الفَسْخِ] (٢٠). وإن كان قد جَعَلَ للوكيلِ الفَسْخَ عندَ امتناعِ المُكاتَب مِن الدَّفْعِ إليه، جاز، وله الفَسْخُ إذا ثَبَتتْ وكالَتُه ببَيِّنةٍ، بحيث يَأْمَنُ المكاتَبُ إنْكارَ السَّيِّدِ وَكالَتَه. وإن لم يَثْبُتْ ذلك، لم يَلْزَمِ الْمكاتبَ الدَّفْعُ إليه، وكان له عُذْرٌ يَمْنَعُ جَوازَ الفَسْخِ؛ لأَنَّه لا يَأْمَنُ أَنْ يُسَلِّمَ إليه، فيُنْكِرَ السَّيِّدَ وَكالَتَه، ويَرْجعَ على المُكاتَبِ بالمالِ، وسَواءٌ صَدَّقَه فى أنَّه وكيلٌ أو كَذَّبَه. وإن كَتَبَ حاكمُ البَلَدِ الذى فيه السَّيِّدُ، إلى حاكمِ البَلَدِ الذى فيه المُكاتَبُ، ليَقْبِضَ منه المالَ، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّ هذا تَوْكيل لا يَلْزَمُ الحاكمَ الدُّخولُ فيه، فإِنَّ الحاكِمَ لا يُكَلَّفُ القَبْض للبالغِ الرَّشيدِ، فإن اخْتارَ القَبْضَ، جَرَى مَجْرَى الوَكيلِ، ومتى قَبَضَ منه المالَ، عَتَقَ. فصل (٢١): وإذا دَفَعَ العِوَضَ فى الكِتابةِ، فبان مُسْتَحَقًا، تَبَيَّنَ أنَّه لم يَعْتِقْ، وكان هذا

стр. 7861

الدَّفْعُ كعَدَمِه؛ لأَنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ عليه، وقيل له: إِنْ أدَّيْتَ الآنَ، وإلَّا فُسِخَتْ كِتابَتُكَ. وإِنْ كان قد ماتَ بعدَ الأداءِ، فقد مات عَبْدًا (٢٢)، فإن بان مَعِيبًا، مثل أَنْ كاتَبَه على [عُرُوضٍ مَوْصُوفةٍ] (٢٣) فقَبَضَها، فأصاب بها عَيْبًا بعدَ قَبْضِها، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان قد رَضِىَ بذلك وأمْسَكَها، اسْتَقَرَّ العِتْقُ. فإن قيل: كيف يَسْتَقِرُّ العِتْقُ، ولم يُعْطِه جَمِيعَ ما وَقَعَ عليه العَقْدُ؟ فإنَّ ما يُقابِلُ العَيْبَ لم يَقْبِضْه، فأشْبَهَ ما لو كاتَبَه على عَشرةٍ، فأعْطاه تِسعةً، قُلْنا: إمْساكُه المَعِيبَ (٢٤) رَاضِيًا به رِضًى منه بإسْقاطِ حَقِّه، فجَرَى مَجْرَى إبْرائِه مِن بَقِيَّةِ كِتابَتِه. وإن اختارَ إمْساكَه، وأخَذَ أرْشَ العَيْبِ، أو رَدَّه، فله ذلك. قال أبو بكرٍ: وقياسُ قولِ أحمدَ، ﵀، أنَّه لا يَبْطل العِتْقُ، وليس له الرَّدُّ، وله الأرْشُ؛ لأنَّ العِتْقَ إتْلافٌ واسْتِهْلاكٌ، فإذا حَكَمَ بوُقُوعِه لم يَبطُلْ، كعَقْدِ الخُلْعِ، ولأنَّه ليس المَقْصُودُ منه المالَ، فأشْبَهَ الخُلْعَ. وقال القاضى: يتَوَجَّهُ أَنَّ له الرَّدَّ، ويحْكمُ بارْتِفاعِ العِتْقِ الواقِعِ؛ لأنَّ العِتْقَ إنَّما يَسْتَقِرُّ (٢٥) باسْتِقْرارِ الأداءِ، وقد ارْتَفَعَ الأداءُ، فارْتَفَعَ العِتْقُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ الكِتابةَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ يَلْحَقُه الفَسْخُ بالتَّراضِى، فوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ بوُجُودِ العَيْبِ، كالبَيْعِ. وإن اخْتارَ إمْساكَه، وأخْذَ الأرْشِ، فله ذلك، وَتَبَيَّن أَنَّ العِتْقَ لم يَقَعْ، ولأنَّنا تَبَيَّنَّا أَنَّ ذِمَّتَه لم تَبْرَأْ من مالِ الكِتابةِ، ولا يَعْتِقُ قبلَ ذلك، وظَنُّ وُقُوعِ العِتْقِ لا يُوقِعُه إذا بانَ الأمْرُ بخِلافِه، كما لو بان العِوَضُ مُسْتَحَقًّا. وإِنْ تَلِفَتِ العَيْنُ عندَ السَّيِّدِ، أو حَدَثَ بها عندَه عَيْبٌ، اسْتَقَرَّ أرْشُ العَيْبِ، والحكمُ فى ارْتِفاعِ العِتْقِ على ما ذكَرْناه فيما مَضَى. ولو قال السَّيِّدَ لعَبْدِه: إِنْ أعْطَيْتَنِى عبْدًا، فأنْتَ حُرٌّ. فأعْطاهُ عبدًا، فبانَ حُرًّا، أو مُسْتَحَقًّا، لم يَعْتِقْ بذلك؛ لأنَّ مَعْناهُ: إِنْ أعْطَيْتَنِيه (٢٦) مِلْكًا. ولم يُعْطِه إيَّاه مِلْكًا، ولم يُمَلِّكْه إيَّاهُ.

стр. 7862

فصل: وإذا دَفَعَ إليه مالَ كتابتِه (٢٧) ظاهِرًا، فقال له السَّيِّدُ: أنتَ حُرٌّ. [وقال: هذا حُرٌّ] (٢٨). ثم بانَ العِوَضُ مُسْتَحَقًّا، لم يعْتِقْ بذلك؛ لأنَّ ظاهِرَه الإِخْبارُ عمَّا حَصَلَ له بالأداءِ. فلو ادَّعَى المُكاتَبُ أَنَّ سَيِّدَه قَصَدَ بذلك عِتْقَه، وأنْكَرَ السَّيِّدُ، فالقولُ قولُ السَّيِّدِ معَ يَمِينِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معه (٢٩)، وهو أخْبَرُ بما نَوَى. ١٩٩٤ - مسألة؛ قال: (وَمَا قَبَضَ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ، اسْتَقْبَلَ بِهِ (١) حَوْلًا) وجملتُه أَنَّ ما يَأْخُذُه مِن نُجُومِ كِتابتَهِ، كمالٍ أسْتَفادَه بكَسْبٍ أو غيرِه، فيَمْلِكُه بأخْذِه، ويَسْتَقْبِلُ به حَوْلًا؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ ما فى يَدِ مُكاتَبِه، ولهذا جَرَى الرِّبا بينَهما، ولا زَكاةَ عليه فى الدَّيْنِ الذى على المُكاتَبِ؛ لأنَّ مِلْكَه عليه غيرُ تامٍّ، فوَجَبَ أن يسْتَقْبِلَ بما يأخُدُه منه حَوْلًا، كما لو أخَذَه من أجْنَبِىٍّ. ١٩٩٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ، بُدِئَ بِجِنَايَتِهِ قَبْلَ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ، كَانَ سَيِّدُهُ مُحَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِه إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ جِنَايَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ المُكاتَبَ إذا جَنَى جِنايةً مُوجِبةً للمالِ، تَعَلّقَ أرْشُها برَقَبَتِه، ويُؤَدِّى من المالِ الذى فى يَدِه. وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والحسنُ بن صالحٍ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وعمرُو بن دِينارٍ: جِنايَتُه على سَيِّدِه. قال عَطاءٌ: ويَرْجع سَيِّدُه بها عليه. وقال الزُّهْرِىُّ: إذا قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، كانت كِتابَتُه ووَلاؤُه لوَلِىِّ المَقْتُولِ، إِلَّا أَنْ يَفْدِيَه سَيِّدُه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يَجْنِى جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ" (١). ولأنَّها جِنايةُ عَبْدٍ، فلم تَجِبْ فى ذِمَّةِ سَيِّدِه،

стр. 7863

كالقِنِّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَبْدَأُ بأدَاءِ الجِنايةِ قبلَ الكِتابةِ، سَواءٌ حَلَّ عليه نَجْمٌ أو لم يَحِلَّ. وهذا المَنْصُوصُ عليه عن أحمدَ، والمَعْمُولُ به فى المذهبِ. وذكر أبو بكرٍ قولًا آخرَ، أَنَّ السَّيِّدَ يُشارِكُ وَلِىَّ الجِنايةِ، فيَضْرِبُ بقَدْرِ ما حَلَّ من نُجُومِ كِتابَتِه؛ لأنَّهما دَيْنانِ، فيتَحاصَّان، كسائرِ الدُّيُونِ. ولَنا، أَنَّ أرْشَ الجِنَايةِ من العبدِ يُقَدَّمُ على سائرِ الحُقُوق المُتَعَلِّقَةِ به، ولذلك قُدِّمَتْ على حَقِّ المالكِ، وحَقِّ المُرْتَهِنِ، وغيرهما، فوَجَبَ أن يُقَدَّمَ ههُنا، يُحَقِّقُه أَنَّ أرْشَ جِنايَتِه مُقَدَّمٌ (٢) على مِلْكِ السِّيِّدِ فى عَبْدِه، فيَجِبُ تقديمُه (٣) على عِوَضِه، وهو مالُ الكِتابةِ، بطرَيقِ الأَوْلَى؛ لأنَّ المِلْكَ فيه قبلَ الكِتابةِ كان مُسْتَقِرًّا، ودَيْنَ الكتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فإذا قُدِّمَ على المُسْتَقِرِّ، فعلى غيرِه أوْلَى، ولأنَّ (٤) أرْشَ الجِنايةِ مُسْتقِرٌّ، فيَجبُ تقْديمُه على الكِتابةِ التى ليست مُسْتَقِرَّةً. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَفْدِى نَفْسَه بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ؛ من قِيمَتِه، أو أرْشِ جِنايَتِه؛ لأَنَّه إن كان أرْشُ الجنايةِ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكثرُ من مُوجَبِ جِنايَتِه، وهو أرْشُها. وإن كان أكثرَ، لم يكُنْ عليه أكثرُ من قِيمَتِه؛ لأَنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ من بَدَلِ المَحَلِّ الذى تعَلَّقَ به الأرْشُ. فإن بدَأَ بدَفْعِ المالِ إلى وَلىِّ الجِنايةِ، فوَفَّى بما يَلْزَمُه من أرْشِ الجِنايةِ، وإلَّا باعَ الحاكِمُ منه بما بَقِىَ مِن أرْشِ الجنايةِ، وباقِيه باقٍ على كِتابَتِه. وإن اختارَ الفَسْخَ، فله ذلك، ويَعُودُ عبدًا غيرَ مكاتَبٍ، مُشْتَرَكا بين السّيِّدِ وبينَ المُشْتَرِى. وإِنْ أبْقَاه على الكِتابةِ فأدَّى، عَتَقَ بالكِتابةِ، وسَرَى العِتْقُ إلى باقِيه. وإِنْ كان المُكاتَبُ مُوسِرًا، يُقَوَّمُ عليه، وإِنْ كان مُعْسِرًا، عَتَقَ منه ما عَتَقَ، وباقِيه رَقِيقٌ. وإِنْ لم يكُنْ فى يَدِه مالٌ، ولم يَفِ بالجِنايةِ إِلَّا قِيمَتُه كلُّها، بِيعَ كُلُّه عليه (٥)، وبَطَلَتْ كِتابَتُه. وإن بَدَا بدَفْعِ المالِ إلى سَيِّدِه، نَظَرْنا؛ فإنْ كان وَلِىُّ الجِنايةِ سأَلَ الحاكمَ، فحَجَرَ [على المُكاتَبِ، ثَبَتَ الحَجْرُ] (٦) عليه، وكان النَّظَرُ فيه إلى الحاكمِ، فلا يَصِحُّ دَفْعُه إلى سَيِّدِه، ويَرْتَجِعُه الحاكمُ، ويَدْفَعُه إلى وَلِىِّ الجنايةِ، فإن

стр. 7864

وَفَّى، وإلَّا كان الحكمُ فيه على ما ذكرْنا مِن قبلُ. وإن لم يكُنِ الحاكمُ حَجَرَ عليه، صَحَّ دَفْعُه إلى السَّيِّدِ (٧)؛ لأَنَّه يَقْضِى حَقًّا عليه، فجاز، كما لو قَضَى بعضَ غُرَمائِه قبلَ الحَجْرِ عليه. ثم إِنْ كان ما دَفَعَه إليه جَمِيعَ مالِ الكِتابةِ، عَتَقَ، ويكونُ الأرْشُ فى ذِمَّتِه، فيَضْمَنُ ما كان عليه قبلَ العِتْقِ، وهو أقلُّ الأَمْرَيْنِ؛ من قِيمَتِه، أو أرْش جِنايَتِه؛ لأَنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ ما كان واجِبًا بالجِنايةِ، وإِنْ أعْتَقَه السَّيِّدُ، فعليه فِداؤُه بذلك؛ لأَنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ الاسْتِحقاقِ، فكان عليه فِداؤُه، كما لو قَتَلَه. وإن عَجَزَ، ففَسَخَ السَّيِّدُ كِتابَتَه، فَدَاهُ أيضًا بما ذكَرْناه. وقال أبو بكرٍ: فيما إذا فَدَاهُ سَيِّدُه. قولان -يعنى رِوَايتَيْنِ- إحْداهما، يَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَيْنِ. والثانية، يَفْدِيه بأرْشِ جِنايَتِهِ، بالغةً ما بَلَغَتْ. فصل: وإذا جَنَى المُكاتَبُ جِناياتٍ، تَعَلَّقَتْ برَقَبَتِه، واسْتَوَى الأوَّلُ والآخِرُ فى الاسْتِيفاءِ، ولم يُقَدَّمِ الأوَّلُ على الثانى؛ لأنَّها تَعَلَّقَتْ بمَحَلٍّ واحدٍ. وكذا إِنْ كان بعضُها فى حالِ كِتابَتِه، وبعضُها بعدَ تَعْجِيزِه، فهى سَواءٌ. ويتَعَلَّقُ جَمِيعُها بالرَّقَبةِ، فإن كان فيها ما يُوجِبُ القِصاصَ، فلِوَلِىِّ الجِنايةِ اسْتِيفاؤُه، وَتَبْطُلُ حُقُوقُ الآخَرِينَ. وإن عَفَا إلى مالٍ، صارَ حُكْمُه حكمَ الجِنايةِ المُوجِبةِ للمالِ. فإنْ أبْرَأَه بعضُهم، اسْتَوْفَى (٨) الباقُونَ؛ لأنَّ حَقَّ كلِّ واحدٍ يتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، يَسْتَوفِيه إذا انْفَرَدَ، فإذا اجْتَمَعُوا تَزاحَمُوا، فإذا أبْرَأَهُ بعضُهم، سَقَطَ حَقُّه، وتزاحَمَ الباقُونَ، كما لو انْفَرَدُوا، وكما (٩) فى الوَصَايَا. فإن أدَّى وعَتَقَ، فالضَّمانُ عليه، وإن أعْتَقَه (١٠) سَيِّدُه، فالضَّمانُ عليه. وأيُّهما (١١) ضَمِنَ، فالواجبُ عليه أقَلُ الأمْرَيْنِ، كما ذكرْنا فى الجِنايةِ الواحدةِ. ولأنَّه لو عَجَّزَه الغُرَماءُ، وعادَ (١٢) قِنًّا، بِيعَ، وتَحاصُّوا فى ثَمَنِه (١٣)، كذلك ههُنا. فأمَّا إِنْ عَجَّزَه سَيِّدُه، فعاد قِنًّا، خُيِّرَ بينَ فِدائِه، وتَسْلِيمِه، فإن اخْتارَ فِداءَه، ففيه رِوَايتان؛ إحْداهما، يَفْدِيه بأقَلِّ

стр. 7865

الأَمْرَيْنِ، كما لو أعْتَقَه أو قَتَلَه. والثانية، يَلْزَمُه أرْشُ الجناياتِ كلِّها، بالغةً ما بَلَغَتْ؛ لأَنَّه لو سَلَّمَه احْتَمَلَ أن يَرغبَ فيه راغِبٌ بأكْثرَ مِن قِيمَتِه، فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادةَ باخْتِيارِ إمْساكِه، فكان عليه جَمِيعُ الأرْشِ. ويُفارِقُ ما إذا أعْتَقَه أو قَتَلَه؛ لأنَّ المَحَلَّ فيهما تَلِفَتْ مالِيَّتُه، فلم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه، فلم يَجِبْ أكثرُ من قِيمَتِه، والمَحَلُّ باقٍ، وههنا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه وبَيْعُه. وإِنْ أراد المُكاتَبُ فِداءَ نَفْسِه قبلَ تَعْجِيزِه أو عِتْقِه، ففيه وَجْهان (١٤)؛ أحدُهما (١٥)، يَفْدِى نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَيْنِ. والثانى، بأرْشِ الجناياتِ، بالغةً ما بَلَغَتْ؛ لأنَّ مَحَلَّ الأرْشِ قائِمٌ غيرُ تالِفٍ، ويُمْكِنُ تَعْجِيزُ نَفْسِه فى كلِّ جِنايةٍ ليُباعَ (١٦) فيها، فأشْبَهَ ما لو عَجَّزَه سَيِّدُه. فصل: وإِنْ جَنَى المُكاتَبُ على سَيِّدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، فالسَّيِّدُ خَصْمُه فيها؛ فإنْ كانت مُوجِبةً للقِصاصِ، وَجَبَ، كما تَجِبُ على عَبْدِه القِنِّ؛ لأنَّ القِصاصَ يَجِبُ للزَّجْرِ، فيَحْتاجُ إليه العبدُ فى حَقَ سَيِّدِه، وإن عَفَا على مالٍ، أو كانت مُوجِبةً للمالِ ابْتِداءً، وجَبَ له؛ لأنَّ المُكاتَبَ مع سَيِّدِه كالأجْنَبِىِّ، يَصِحُّ أَنْ يُبايِعَه، ويَثْبُتَ له فى ذِمَّتِه المالُ والحُقُوقُ، كذلك الجِنايةُ (١٧). ويَفْدِى نَفْسَه بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ. فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ. والأُخْرَى، يَفْدِيها بأرْشِ الجِنايةِ، بالغةً ما بَلَغَتْ. فإن وَفَّى ما فى يَدِه بما عليه، فلِسَيِّدِهِ مُطالَبَتُه به وأخْذُه، وإِنْ لم يَفِ به (١٧)، فلِسَيِّدِه تَعْجِيزُه، فإذا عَجَّزَه، وفَسَخَ الكِتابةَ، سَقَطَ عنه مالُ الكِتابه وأرْشُ الجِنايةِ؛ لأَنَّه عاد عَبْدًا قِنًّا. ولا يَثْبُتُ للسَّيِّدِ على عَبْدِه القِنِّ مالٌ. وإِنْ أعْتَقَه سَيِّدُه، ولا مالَ فى يَدِه، سَقَطَ الأرْشُ؛ لأَنَّه كان مُتْعَلِّقًا برَقَبتِه، وقد أتْلَفَها، فسَقَطَ (١٨). وإن كان فى يَدِه مالٌ، لم يَسْقُطْ (١٩)؛ لأنَّ الحَقَّ كان مُتَعَلِّقًا بالذِّمَّةِ، وما فى يَدِه من المالِ، فإذا تَلِفَتِ الرَّقَبةُ، بَقِىَ الحَقُّ مُتعلِّقًا بالمالِ، فاسْتُوفِىَ منه،

стр. 7866

كما لو عَتَقَ بالأداءِ. وهل يَجِبُ أقَلُّ الأمْرَيْنِ، أو أرْشُ الجِنايةِ كلُّه؟ على وَجْهَيْن. ويَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ مُطالَبَتَه بأرْشِ الجنايةِ قبلَ أداءِ مالِ الكتابةِ؛ لما ذكَرْنا مِن قبلُ فى حَقِّ الأجْنَبِىِّ. وإن اخْتارَ تَأْخِيرَ الأرْشِ، والبدايةَ بِقَبْضِ مالِ الكتابةِ، جاز. ويَعْتِقُ إذا قَبَضَ مالَ الكتابةِ كلَّه. وقال أبو بكرٍ: لا يَعْتِقُ بالأداءِ قبلَ أرْشِ الجِناية؛ لوُجُوبِ تَقْدِيمِه على مالِ الكِتابةِ. ولَنا، أَنَّ الحَقَّيْنِ جميعًا للسَّيِّدِ، فإذا تَراضَيَا على تَقْديمِ أحَدِهما على الآخَرِ، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، ولأنَّه لو بَدَأَ بأداءِ الكِتابةِ قبلَ أرْشِ الجِنايةِ فى حَقِّ الأجْنَبِىِّ عَتَقَ، ففى حَقِّ السَّيِّدِ أوْلَى، ولأنَّ أرْشَ الجِنايةِ لا يَلْزَمُ أداؤُه قبلَ انْدِمالِ الجُرْحِ، فيُمْكِنُ تقَدُّمُ وُجُوبِ الأداءِ عليه. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا أدَّى، عَتَقَ، ويَلْزَمُه أرْشُ الجِنايةِ، سَواءٌ كان فى يَدِه مالٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبٍ (٢٠) مِن جِهَتِه، فلم يَسْقُطْ ما عليه، بخِلافِ ما إذا أعْتَقَه سَيِّدُه؛ فإنَّه أتْلَفَى مَحَلَّ حَقِّه، وههُنا بخِلافِه. وهل يَلْزَمُه أقَلُّ الأَمْرَيْنِ، أو جَمِيعُ الأرْشِ؟ على وَجْهَيْن. وإِنْ كانتْ جِنايَتُه على نَفْسِ سَيِّدِه، فلِوَرَثَتِه القِصاصُ فى العَمْدِ، أو العَفْوُ (٢١) على (٢٢) مالٍ. وفى الخطأِ المالُ. وفيما يَفْدِى به نَفْسَه رِوَايتان. وحُكْمُ الوَرَثةِ مع المُكاتَبِ، حكمُ سَيِّدِه معه؛ لأنَّ الكتابةَ انْتقَلتْ إليهم، والعبدُ لو عاد قِنًّا، لَكانَ لهم. وإن جَنَى على مَوْرُوثِ سَيِّدِه (٢٣)، [فوَرثَه سَيِّدُه] (٢٤)، فالحكمُ فيه كما لو كانت الجِنايةُ على سَيِّدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، على ما مَضَى. فصل: وإذا (٢٥) اجْتَمَعَ على المُكاتَبِ أرْشُ جِنايةٍ، وثَمَنُ مَبِيعٍ، أو عِوَضُ فَرْضٍ (٢٦)، أو غيرُهما من الدُّيُونِ مع مالِ الكِتابةِ، وفى يَدِه ما (٢٧) يَفِى بها، فله أن

стр. 7867

يُؤَدِّيَها، ويَبْدَأُ بِما شاءَ منها كالحُرِّ. وإِنْ [لم يف بها ما فى يَدِه، وكلُّها حالَّةٌ، ولم (٢٨) يَحْجُرِ الحاكمُ عليه، فخَصَّ بعضَهم بالقَضاءِ، صَحَّ كالحُرِّ. وإن] (٢٩) كان فيها مُؤَجَّلٌ، فعَجَّلَه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ تَعْجِيلَه تَبَرُّعٌ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كالهِبَةِ. وإن كان بإذْنِ سَيِّدِه، جاز، كالهِبَةِ. وإِنْ كان التَّعْجِيلُ للسَّيِّدِ، فقبُولُه بمَنْزِلةِ إذْنِه. وإِنْ كان الحاكمُ قد حَجَرَ عليه بسُؤالِ غُرَمائِه، فالنَّظَرُ إلى الحاكِم، وإنَّما يَحْجُرُ عليه بسُؤالِهِم، فإن حَجَرَ عليه بغيرِ سُؤَالِهِم، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فلا يُسْتَوْفَى بغيرِ إذْنِهِم. وإن سألَه سَيِّدُه الحَجْرَ عليه، لم يُجِبْه إلى ذلك؛ لأنَّ حَقَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فلا (٣٠) يَحْجُرُ عليه من أجْلِه. فإذا حَجَرَ عليه بسُؤالِ الغُرَماءِ، فقال القاضى: عندى أنَّه يَبْدَأُ بقَضاءِ ثمنِ المَبِيعِ، وعِوَضِ الفَرْضِ (٣١)، يُسَوِّى بينَهما، ويُقَدِّمُهُما على أرْشِ الجِنايةِ ومالِ الكِتابةِ؛ لأنَّ أرْشَ الجِنايةِ مَحَلُّ الرقَبةِ، فإذا لم يَحْصُلْ ممَّا فى يَده، اسْتُوفِىَ من رَقَبَتِه، وهذا مذهبُ الشافعىِّ. واتّفَقَ أصْحابُنا، والشافعىُّ، على تَقْدِيمِ أرْشِ الجِنايةِ على مالِ الكِتابةِ، على ما مَضَى بيانُه. فصل: وإذا جَنَى بعضُ عَبِيدِ المُكاتَبِ جِنايةً تُوجِبُ القِصاصٍ، فلِلْمَجْنِىِّ عليه الخِيارُ بين القِصاصِ والمالِ؛ فإن اختارَ المالَ، أو كانت الجنايةُ خطأً، أو شِبْهَ عَمْدٍ، أو إتْلافَ مالٍ، تعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه، وللمُكاتَبِ فِداؤُه بأقَلِّ الأمْرينِ؛ من قِيمَتِه، أو أرْشِ جِنايَتِه؛ لأَنَّه بمنزلةِ شِرائِه، وليس له فِداؤُه بأكثرَ من قِيمَتِه، كما لا يجوزُ له أن يَشْتَرِيَه بذلك، إِلَّا أن يَأْذَنَ فيه (٣٢) سَيِّدُه. فإن كان الأرْشُ أقَلَّ من قِيمتِه، لم يكُنْ له تَسْلِيمُه؛ لأَنَّه يتَبَرَّعُ (٣٣) بالزِّيادةِ. وإن زادَ الأرْشُ على قِيمَتِه، فهل يَلْزَمُه تَسْلِيمُه، أو يَفْديه بأقَلِّ الأمرينِ؟ على رِوَايتَيْن. فصل: فإن مَلَكَ المُكاتَبُ ابْنَه، أو بعضَ ذَوِى رَحِمِه المَحْرَمِ، أو وُلِدَ له ولَدٌ من

стр. 7868

أمَتِه، فجَنَى جِنايةً، تعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه، وللمُكاتَبِ فِداؤُه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كما يَفْدِى غيرَه مِن عَبِيدِه. وقال القاضى، فى "المُجَرَّدِ": ليس له فِداؤُه بغيرِ إذْنِه. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّه إتْلافٌ لمالِه، فإِنَّ ذَوِى رَحِمه ليسوا بمالٍ له، ولا يتَصَرَّفُ فيهم، فلم يَجُزْ له [إخْراجُ مالِه] (٣٤) فى مُقابَلَتِهِم، ولا (٣٥) شِراءُهم، كالتّبَرُّعِ، ويُفارِقُ العَبْد الأجْنَبِىَّ؛ فإنَّه يَنْتَفِعُ به، وله (٣٦) صَرْفُه فى كِتابَتِه، فكان له (٣٧) فداؤُه وشِراؤُه، كسائرِ الأمْوالِ. ولكنْ (٣٨) إن كان لهذا الجانى كَسْبٌ، فُدىَ منه، وإن لم يكُنْ له كَسْبٌ، بِيعَ فى الجِنايةِ، إن اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَه، وإن لم تَسْتَغْرِقْها، بِيعَ بعضُه فيها، وما بَقِىَ للمُكاتَبِ. ولَنا، أنَّه عَبْدٌ له جَنَى، فمَلَكَ فِداءَه، كسائرِ عَبِيدِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَمْلِكُ شِراءَه. وقولُهم: لا يتَصَرَّفُ فيه. قُلْنا: إِلَّا أَنَّ كَسْبَه له، وإن عَجزَ (٣٩) المُكاتبُ، صار رَقِيقًا معه لسَيِّدِه، وإن أدَّى المُكاتبُ، لم يتَضَرَّر السَّيِّدُ بعِتْقِهِم، وانْتَفَعَ به المُكاتَبُ، وإذا دار أمْرُه بين نَفْعِ وانْتِفاءِ ضَرَرٍ، وجَبَ أن لا يُمْنَعَ منه، وفارَقَ التَّبَرُّعَ، فإنَّه يُفَوِّتُ المالَ على السَّيِّدِ. فإن قيل: بل فيه مَضَرّةٌ، وهو مَنْعُه من أداءِ الكِتابةِ، فإنَّه إذا صَرَفَ المالَ فيه، ولم يَقْدِرْ على صَرْفِه فى الكِتابةِ، عَجَزَ عنها. قُلْنا: هذا الضَّرَرُ لا يُمْنَعُ المُكاتَبُ منه؛ بدليلِ ما لو تَرَكَ الكَسْبَ مع إمْكانِه، أو امْتَنَعَ من الأداءِ مع قُدْرَتِه عليه، فإنَّه لا يُمْنَعُ منه، ولا يُجْبَرُ على كَسْب ولا أدَاءٍ، فكذلك لا يُمْنَعُ ممَّا هو فى مَعْناه، ولا ممَّا يُفْضِى إليه، ولأنَّ غايةَ الضَّرَرِ فى هذا، المَنْعُ من (٤٠) إتْمامِ الكِتابةِ، وليس إتْمامُها واجِبًا عليه، فأشْبَهَ تَرْكَ الكَسْبِ، بل هذا أوْلَى لوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أَنَّ هذا فيه نَفْعٌ للسَّيِّدِ؛ لمَصِيرِهم عَبِيدًا له. والثانى، أَنَّ فيه نَفْعًا للمُكاتَبِ، بإعتاقِ ولَدِه، وذَوِى رَحِمِه، [ونَفْعًا لهم] (٤١) بالإِعْتاقِ، على تَقْديرِ الأداءِ، فإذا (٤٠) لم يُمْنَعْ ممَّا (٤٢) يُساوِيه فى المَضَرَّةِ مِن غيرِ نَفْعٍ فيه،

стр. 7869

فلَأَنْ لا يُمْنَعَ مما (٤٣) فيه نَفْعٌ لازِمٌ لإِحْدَى الجِهَتينِ أوْلَى. ووَلَدُ المُكاتَبةِ يَدْخُلُ فى كِتابَتِها، والحكمُ فى جِنايَتِه كالحُكْمِ فى ولَدِ المُكاتبِ، سَواءً. فصل: وإن جَنَى بعضُ عَبِيدِ المُكاتَبِ على بعضٍ، جِنايةً مُوجَبُها المالُ، لم يَثْبُتْ لها حكمٌ؛ لأَنَّه لا يَجِبُ للسَّيِّدِ على عبدِه مالٌ. وإن كان مُوجَبُها قِصاصًا، فقال أبو بكرٍ: ليس (٤٤) له القِصاصُ؛ لأَنَّه إتْلافٌ لمالِه باخْتيارِه. وهذا الذى ذكَره أبو الخَطَّابِ، فى "رُءُوسِ المسائلِ". وقال القاضى: له القِصاصُ؛ لأَنَّه مِن مَصْلَحةِ مِلْكِه، فإنَّه لو لم يَسْتَوْفِه، أفْضَى إلى إقْدامِ بعضِهم على بعضٍ، وليس له العَفْوُ على مالٍ؛ لما ذكرْنا. ولا يجوزُ بَيْعُه فى أرْشِ الجنايةِ؛ لأنَّ الأرْشَ لا يَثْبُتُ له فى رَقَبةِ عَبْدِه. فإن كان الجانى مِن عَبِيدِه ابْنَه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لذلك. وقال أصحابُ الشافعىِّ: يجوزُ بَيْعُه، فى أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ بَيْعَه قبلَ جِنايَتِه، فيَسْتَفِيدُ بالجنايةِ مِلْكَ بَيْعِه. ولَنا، أنَّه عَبْدُه، فلم يَجِبْ له عليه أرْشٌ (٤٤)، كالأجنبىِّ. وما ذكَرُوه يَنْتَقِضُ بالرَّهْنِ، إذا جَنَى على راهِنِه. فصل: وإن جَنَى عَبْدُ المُكاتَبِ عليه جِنايةً مُوجَبُها المالُ، كانت هَدْرًا؛ لما ذكرْنا. وإن كان مُوجَبُها القِصاصُ، فله أَنْ يَقْتَصَّ، إن كان فيما دون النَّفسِ؛ لأنَّ العَبْدَ يُقْتَصُّ (٤٥) منه لِسَيِّدِه. وإِنْ عَفَا على مالٍ، سَقَطَ القِصاصُ، ولم يَجبِ المالُ. فإنْ كان الجانى أبَاهُ، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ الوالِدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه. وإن جَنَى المُكاتَبُ عليه، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يُقْتَصُّ منه لعَبْدِه. وقال القاضى: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْتَصُّ منه؛ لأنَّ حُكْمَ الأبِ معه حكمُ الأحْرارِ، بدليلِ أنَّه لا يَمْلِكُ بَيْعَه والتَّصَرُّفَ فيه، وجُعِلَتْ حُرِّيَّتُه مَوْقوفةً على حُرِّيَّتِه. قال: ولا نَعْلَمُ مَوْضِعًا يَقْتَصُّ فيه المَمْلُوكُ من مالِكِه سِوَى هذا المَوْضِعِ. فصل: وإذا (٤٦) جُنِىَ على المُكاتَبِ فيما دُونَ النَّفْسِ، فأرْشُ الجِنايةِ له، دُونَ

стр. 7870

سَيِّدِه، لثلَاثةِ مَعانٍ؛ أحدها، أَنَّ كَسْبَه له، وذلك عِوَضٌ عمَّا يتَعَطَّلُ بقَطع يَدِه مِن كَسْبِه. والثانى، أَنَّ المُكاتَبَة تَسْتَحِقُّ المَهْرَ فى النِّكاحِ، لتَعَلُّقِه بعُضْوٍ من أعْضائِها، كذلك بَدَلُ العُضْوِ. والثالث، أَنَّ السَّيِّدَ يَأْخُذُ مالَ الكتابةِ بَدَلًا عن نَفْسِ المُكاتَبِ (٤٧)، فلا يجوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ عنه عِوَضًا آخَرَ. ثم لا يَخْلُو من ثَلاثةِ أحوالٍ؛ أحدها، أَنْ يكونَ الجانِى سَيِّدَه، فلا قِصاصَ عليه؛ لمَعْنيَيْنِ؛ أحدهما، أنَّه حُرٌ، والمُكاتَبُ عَبْدٌ. والثانى، أنَّه مالِكُه، ولا يُقْتَصُّ من المالِكِ لمَمْلُوكِه، ولكنْ يَجِبُ الأرْشُ، ولا يَجِبُ إِلَّا بانْدِمالِ الجُرْحِ، على ما ذكَرْنا فى الجِناياتِ (٤٨). ولأنَّه قبلَ الانْدِمالِ لا تُؤْمَنُ سِرايَتُه إلى نَفْسِه، فيَسْقُطُ أرْشُه. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن (٤٩) سَرَى الجُرْحُ إلى نَفسِه، انْفَسَخَتِ الكِتابةُ، وكان الحكمُ فيه كما لو قَتَلَه. وإن انْدَمَلَ الجُرْحُ، وجَبَ أرْشُه له على سَيِّدِه. فإن كان من جِنْسِ مالِ الكِتابةِ، وقد حَلَّ عليه نَجْمٌ، تَقَاصَّا، وإن كان من غيرِ جنْسِ مالِ الكِتابةِ، أو كان النَّجْمُ لم يَحِلَّ، لم يتَقاصَّا، ويُطالِبُ كلُّ واحدٍ منهما بما يَسْتَحِقُّه. وإن اتّفَقَا على أن يَجْعَلَ أحَدُهما عِوَضًا عن الآخَرِ، وكانا من جِنْسَيْنِ، لم يَجُزْ؛ لأَنَّه بَيْعُ دَيْنِ بدَيْنِ. فإن قَبَضَ أحَدُهما حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخَرِ، عِوَضًا عن حَقِّه، جاز. وإن رَضِىَ المكاتَبُ بتَعْجِيلِ الواجِبِ له عن ما لم يَحِلَّ مِن نُجُومِه، جاز، إذا كان من جِنْسِ مالِ الكِتابةِ. الحال الثانية، إذا كان الجانِى أجْنَبِيًّا حُرًّا، فلا قِصاصَ أيضًا؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعَبْدِ، ولكنْ يُنْظَرُ؛ إن سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه، أنْفَسختِ الكِتابةُ، وعلى الجانِى قِيمَتُه لسَيِّدِه، وإن انْدَمَلَ الجرحُ، فعليه أرْشُهُ له. فإن أدَّى الكِتابةَ، وعَتَقَ، ثم سَرَى الجُرْحُ إلى نفسِه، وجَبَتْ دِيَتُه؛ لأنَّ اعْتِبارَ الضَّمانِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، ويكونُ ذلك لوَرَثَتِه. فإن كان الجانى السَّيِّدَ، أو غيرَه من الوَرَثةِ، لم يَرِثْ منه شيئًا؛ لأنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ، ويكونُ لبيتِ المالِ، إن لم يَكُنْ له وارِثٌ. ومَن اعْتَبَرَ الجِنايةَ بحالةِ ابْتِدائِها، أوْجَبَ على الجانِى قِيمَتَه، ويكونُ لوَرَثَتِه أيضًا. الحالُ الثالِثُ، إذا كان الجانِى عَبْدًا أو مُكاتَبًا، فإنْ كان مُوجَبُ الجِنايَةِ القصاصَ، وكانت على النَّفْسِ، انْفَسَخَت الكِتابَةُ، وسَيِّدُه مُخَيَّرٌ بينَ القصاصِ

стр. 7871

والعَفْوِ على مالٍ يَتَعَلَّقُ برَقَبَةِ الجانِى. وإنْ كانَت فيما دُونَ النَّفْسِ، مثل أن يقطعَ يدَه أو رِجْلَه، فللمُكاتَبِ اسْتِيفاءُ القصاصِ، وليس لِسَيِّدِه مَنْعُه، كما أَنَّ المريضَ يَقبِضُ ولا يَعْتَرِضُ عليه رَثَتُه، والمُفلِسَ يقْبِضُ ولا يعْتَرِضُ عليه غُرَماؤُه. وإِنْ عَفَا على مالٍ، ثَبَتَ له. وإِنْ عَفا مُطْلَقًا، أو إلى غيرِ مالٍ، انْبَنَى ذلك على الرِّوايتَيْن فى مُوجَبِ العَمْدِ؛ إِنْ قُلْنا: مُوجَبُهُ القِصاصُ عَيْنًا. صَحَّ، ولم يثْبُتْ له مالٌ، وليس للسَّيِّدِ مُطَالَبَتُه باشْتِراطِ مالٍ؛ لأنَّ ذلك تكَسُّبٌ، ولا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إجْبارَه على الكَسْبِ. وإِنْ قُلْنا: الواجِبُ أحَدُ أَمْرَيْن. ثبَتَتْ له دِيَةُ الجُرْحِ؛ لأَنَّه لمَّا سَقَطَ القِصاصُ، تَعَيَّنَ المالُ، ولا يصِحُّ عَفْوُه عن المالِ؛ لأَنَّه لا يَمْلِك التَّبَرُّعَ به (٥٠) بغيرِ إذْنِ سيِّدِه. وإِنْ صالَحَ على بعضِ الأرْشِ، فحكمُه حكمُ [المَعْفُوِّ عنه] (٥١) إلى غيرِ مالٍ. فصل: وإذا ماتَ المُكاتَبُ، وعليه دُيونٌ، وأُروشُ جِناياتٍ، ولم يكُنْ مَلَكَ ما يُؤَدِّى فى كتابَتِه، انفَسَخَت كتابَتُه (٥٢)، وسَقَطَ أرشُ الجناياتِ؛ لأنَّها مُتعلِّقَةٌ برَقَبَتِه وقد تَلِفَت، ويُسْتَوْفَى دَيْنُه ممَّا كان فى يَدِه، فإنْ لم يَفِ بها، سَقَطَ الباقِى. قال أحمد: ليس على سَيِّدِه قَضاءُ دَيْنِه، هذا كان يَسْعَى لِنَفْسِه. وإِنْ كان قد مَلَكَ ما يُؤدِّى فى كتابَتِه، انْبَنَى ذلك على الرِّوايَتَيْنِ فى عِتْقِ المُكاتَبِ بمِلْكِ ما يؤدِّيه، ولحد ذَكَرْنا فيه رِوايَتَيْن، الظَّاهِرُ منهما أنَّه لا يَعْتِقُ بذلك، فتَنْفَسِخُ الكِتابَةُ أيْضًا، ويَبْدَأُ بقَضاءِ الدَّيْنِ، على ما ذَكَرنا فى الحالِ الأَوَّلِ. وهذا قولُ زيد بنِ ثابِت، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسن، وشُرَيْحٍ، وعَطاءٍ، وعَمرِو بنِ دينارٍ، وأبى الزِّنادِ، ويحيى الأنْصارِىِّ، ورَبِيعَةَ، والأَوْزَاعِىِّ، وأبى حنيفة، والشافِعِىِّ. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤدِّى، فقد صارَ حُرًّا. فعلى هذا، يضْرِبُ السَّيِّدُ معَ الغُرَماءِ بما حَلَّ مِن نُجومِه. ورُوِىَ نحوُ (٥٣) هذا عن (٥٠) شُرَيْحٍ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وابنِ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بنِ صالحٍ؛ لأَنَّه دَيْنٌ له حَالٌّ، فيَضْرِبُ به كسائِرِ الدُّيُونِ. ويَجِىءُ على قَوْلِ مَن قال: إِنَّ

стр. 7872

الدَّيْنَ يَحِلُّ بالموتِ. أَنْ يضربَ بجميعِ مالِ الكتابَةِ؛ لأَنَّه قد صارَ حَالًّا. والمذهبُ الأَوَّلُ، الذى نَقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. وقد رَوَى سعيدٌ، فى "سُنَنِه"، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، أنا منصورٌ وسعيدٌ، عن قتادَةَ، قال: ذكرتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ قولَ شُرَيْحِ فى المُكاتَبِ إذا ماتَ وعليه دَيْنٌ، وبَقِيَّةٌ من مُكاتَبتِه، فقلتُ: إنّ شُرَيْحًا قَضَى أنّ مَوْلاهُ يضْرِبُ مع الغُرَماءِ. فقال سعيدٌ: أَخْطَأَ شُرَيحٌ، قَضَى زيدٌ بالدَّيْنِ قبلَ المُكاتَبَةِ (٥٤). ١٩٩٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَاتَبَهُ، ثُمَّ دَبَّرَهُ، فَإِذَا أَدَّى، صَارَ حُرًّا، وإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الأَدَاءِ، عَتَقَ بالتَّدْبِيرِ، إِنْ حَمَلَ الثُّلثَ، مَا بَقِىَ عَلَيْهِ (١) مِن كِتَابَتِهِ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بمِقْدارِ الثُّلُثِ، وسَقَطَ مِنَ الْكِتَابَةِ بِمِقْدَارِ مَا عَتَقَ، وَكَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِىَ) وجُمْلَةُ دلك أَنَّ تَدْبِيرَ المُكاتَبِ صحيحٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّه تَعْلِيقُ عِتْقٍ بصِفَةٍ، وهو يَمْلِكُ إعْتاقَه، وإِنْ كان وَصِيَّةً، فهو وَصِيَّةٌ بإعْتاقِه، وهو يَمْلِكُه. فعندَ هذا، إِنْ أدَّى عَتَقَ بالأداءِ؛ لأَنَّه سَبَبٌ للعِتْقِ، ويبْطُلُ التَّدْبِيرُ للغِنَى عنه، وما فى يَدِه له. وإِنْ عَجَزَ، وفُسِخَتِ الكتابَةُ، بطَلت كِتابَتُه، وصارَ مُدبَّرًا غيرَ مُكاتَبٍ. فإذا ماتَ السَّيِّدُ، عَتَقَ إِنْ خَرجَ من الثُّلثِ، وما فى يَدِه لسَيِّدِه. وإِنْ لم يخْرُجْ مِن الثُّلثِ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، فإنْ ماتَ السَّيِّدُ قبلَ أدائِه وعَجْزِه، عَتَقَ بالتَّدْبيرِ، إِنْ حَمَلَه الثُّلثُ، وإِنْ لم يخْرُجْ من الثُّلثِ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، وسقَط من الكتابَةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ؛ لأنَّ مالَ الكتابَةِ عِوَضٌ عنه، فإذا عَتَقَ نِصْفُه، وجَبَ أَنْ يسْقُطَ نصفُ الكتابَةِ؛ لأَنَّه لم تَبْقَ الكتابةُ إِلَّا فى نِصْفِه، فلم يَبْقَ عليه مِن مالِها إلَّا بقَدْرِ ذلك، وهو على الكتابَةِ فيما بَقِىَ، وما فى يَدِه له. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال أصحابُنا: إذا عَتَقَ بالتَّدْبيرِ، بطَلتِ الكتابَةُ، وكان ما فى يَدِه لسَيِّدِه، كما لو بطَلتِ الكتابَةُ بعَجْزِه؛ لأَنَّه عبْدٌ عَتَقَ بالتَّدْبِيرِ،

стр. 7873

فكان ما فى يَدِه لِسَيِّدِه، كغيرِ المكاتَبِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأَنَّه مُكاتَبٌ بَرِئَ من مالِ الكتابَةِ، فعَتَقَ بذلك، وكان ما فى يَدِه له، كما لو أَبْرَأَه سَيِّدُه. يُحَقِّقُه أَنَّ مِلْكَه كان ثابتًا على ما فى يَدِه، ولم يحْدُثْ ما يُزِيلُه، وإنّما الحادِثُ مُزِيلٌ لمِلْكِ سَيِّدِه عنه، فيَبْقَى مِلكُه، كما لو عَتَقَ بالأداءِ. فصل: إذا قال السَّيِّدُ لمُكاتَبِه: متى عَجَزْتَ بعدَ مَوْتِى، فأَنْتَ حُرٌّ. فهذا تَعْليقٌ للحُرِّيَّةِ على صِفَةٍ تَحْدُثُ بعدَ الموتِ. وقد ذَكَرْنا فيه اخْتِلافًا فيما مَضَى. فإنْ قُلْنا (٢): لا يَصِحُّ. فلا كلامَ. وإن قُلْنا: يصِحُّ. فمتى عَجَزَ بعدَ المَوْتِ، صارَ حُرًّا بالصِّفَةِ، فإن ادَّعَى العَجْزَ قبلَ حُلولِ النَّجْمِ، لم يَعْتِقْ؛ لأَنَّه لم يجِبْ عليه شىءٌ يَعْجِزُ عنه. وإن ادَّعَى ذلك بعدَ حُلولِ نَجْمِه، ومعه ما يُؤَدِّيه، لم يَصِحَّ قولُه؛ لأَنَّه ليس بعاجِزٍ. وإِنْ لم يَكُنْ معه مالٌ ظاهِرٌ، فصدَّقَه الورثَةُ، عَتَقَ، وإِنْ كَذَّبُوه، فالقولُ قوله مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ المالِ وعَجْزُه، فإذا حَلَفَ عَتَقَ. وإذا عَتَقَ بهذه الصِّفَةِ، كان ما فى يَدِه له، إِنْ لم تكُنْ كتابَتُه فُسِخَتْ؛ لأنَّ العَجْزَ لا تنْفَسِخُ به الكتابَةُ، وإنَّما يَثْبُتُ به اسْتِحقاقُ الفَسْخِ، والحُرِّيَّةُ تحْصُلُ به (٣) بأوّلِ وُجُودِه، فتكونُ الحُرِّيَّةُ قد حصَلتْ له فى حالِ كتابَتِه، فيكون ما فى يَدِه له، كما لو عَتَقَ بالإِبْراءِ مِن مالِ الكتابَةِ. ومُقْتَضَى قولِ بعضِ أصْحابِنا، أَنْ تبْطُلَ كتابَتُه، ويكونَ ما بِيَدِه لورَثَةِ سَيِّدِه. فصل: وإذا كاتَبَ عَبْدًا له (٤) فى صِحَّتِه، ثم أعْتَقَه فى مرَضِ مَوْتِه، أو أبْرَأَه من مالَ الكتابةِ، فإنْ كان يخْرُجُ مِن ثُلثِه الأقَلُّ مِن قِيمَتِه، أو مالِ كتابَتِه، عَتَقَ، مثل أَنْ يكونَ له سِوَى المُكاتَبِ مائتان، وقِيمةُ المُكاتَبِ مائةٌ، ومالُ الكتابَةِ مائةٌ وخمسون، فإنَّنا نعْتَبِرُ قِيمتَه دونَ مالِ الكتابةِ، وهى تخْرُجُ من الثُّلثِ. ولو كان مالُ الكتابةِ مائةً، وقِيمَتُه مائةٌ وخمسون، اعْتَبَرْنا مالَ الكتابَةِ، ونَفَذَ العِتْقُ، ويُعْتَبَرُ الباقى من مالِ الكتابةِ دُونَ ما أدَّى منها. وإنَّما اعْتَبَرْنا الأَقَلَّ؛ لأنَّ قِيمَتَه إِنْ كانتْ أقلَّ، فهى قِيمةُ ما أتْلفَ بالإِعْتاقِ، ومالُ

стр. 7874

الكتابَةِ ما اسْتَقَرَّ عليه، فإِنَّ للعبدِ إسْقاطَه بتَعْجيزِ نَفْسِه، أو يَمْتَنِعُ من أدائِه، فلا يُجْبَرُ عليه، فلم يُحْتَسَبْ له به. وإِنْ كان عِوَضُ الكتابةِ أقلَّ، اعْتَبَرْناه؛ لأَنَّه يعْتِقُ بأدائِه، ولا يسْتَحِقُّ السَّيِّدُ عليه سِواهُ، وقد ضَعُفَ مِلْكُه فيه، وصار عِوَضَه. وإِنْ كان كُلُّ واحدٍ منهما لا يخْرُجُ مِن الثُّلثِ، مثل أَنْ يكونَ مالُه (٥) سِوَى المكاتبِ (٦) مائةً، فإنَّنا نضُمُّ الأقَلَّ مِن قِيمَتِه أو مالِ كِتابتِهِ إلى مالِه، ونَعْمَلُ بحسابِه، فيَعْتِقُ منه ثُلثاهُ، ويَبْقَى ثُلثُه بثلثِ مالِ الكتابَةِ، فإنْ أدَّاهُ، عَتَقَ، وإلَّا رَقَّ منه ثُلثُه. ويحْتَمِلُ أنَّه إذا كان مالُ الكتابةِ مائةً وخمسين، فيَبْقَى (٧) ثُلثُه بخَمْسِين (٨)، فأدَّاها، أَنْ يقولَ: قد زادَ مالُ المَيِّتِ. لأَنَّه حُسِبَ على الورَثَةِ بمائةٍ، وقد (٩) حصلَ لهم بثُلثِه خَمْسون، فقد زادَ مالُ (١٠) الميِّتِ، فيَنْبَغِى أَنْ يَزِيدَ بما يَعْتِقُ (١١) منه؛ لأنَّ هذا المالَ يحْصُل لهم بعَقْدِ السَّيِّدِ، والإِرْثِ عنه. ويجبُ أَنْ يكونَ المُعْتبَرُ من مالِ الكتابةِ ثلاثةَ أرْباعِه؛ لأنَّ ربعَهُ يجِبُ إيتاؤُه للمُكاتَب، فلا يُحْسَبُ من مالِ المَيِّتِ. فعلى هذا، إذا كان ثلاثةُ أرْباعِ مالِ المُكاتَبِ (١٢) مائةً وخمسين، وقِيمةُ العبدِ مائةً، وللمَيِّتِ مائةٌ أُخْرَى، عَتَقَ مِن العبدِ ثلثاهُ، وحصَلَ للورَثَةِ مِن كتابةِ العبدِ خَمْسون، عن ثُلثِ العبدِ المَحْسُوبِ عليهم بثُلثِ المائةِ، فقد زادَ لهم ثُلثُ الخَمْسين، فيَعْتِقَ من العبدِ قَدْرُ ثُلثِها، وهو تُسْعُ الخَمْسِين، وذلك نِصْفُ تُسْعِه، فصارَ العِتْقُ ثابِتًا فى ثُلثِهُ (١٣)، ونِصْفِ تُسْعِه، وحصلَ للورَثَةِ المائةُ، وثمانِيَةُ أَتْساعِ الخَمْسين، وهو مِثْلَا ما عَتَقَ منه. فإنْ قيلَ: لِمَ أعْتَقْتُم بَعْضَه، وقد بَقِىَ عليه بعضُ مالِ الكتابةِ، وقد قُلتُم: إِنَّ المُكاتَبَ لا يَعْتِقُ منه شىءٌ حتى يؤدِّىَ جميعَ مالِ الكتابةِ؟ قُلْنا:

стр. 7875

إنَّما (١٤) أعْتَقْنا بَعْضَه ههُنا بإعْتاقِ سَيِّدِه، لا بالكتابةِ، ولمَّا كان العِتْقُ فى مرَضِ مَوْتِه، نَفَذَ فى ثُلثِ مالِه، وبَقِىَ باقِيه لحَقِّ الورَثَةِ، والمَوْضِعُ الذى لا يَعْتِقُ إِلَّا بأداءِ جميعِ الكتابةِ، إذا كان عِتْقُه بها، لأَنَّه إذا بَقِىَ عليه شىءٌ، فما حصَلَ الاسْتِيفاءُ، ويَخُصُّ (١٥) المُعاوضَةَ، فلم تثْبُت الحُرِّيَّة فى العِوَضِ. فصل: وإِنْ وَصَّى سَيِّدُه بإعْتاقِه، أو إبْرائِه من الكتابَةِ، وكان يخْرُجُ مِن ثُلثِه أقَلُّ الأمْرَيْن مِن قِيمَتِه أو مالِ كتابَتِه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا أعْتَقَه فى مَرَضِه، أو أبْرَأَه، إِلَّا أنَّه يحْتاجُ ههُنا إلى إيقاع العِتْقِ؛ لأَنَّه أوْصَى به. وإِنْ لم يخْرُجِ الأقَلُّ منهما مِن ثُلثِه، عَتَقَ (١٦) منه يقَدْرِ الثُّلثِ، ويسْقُطُ من الكتابةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ، ويَبْقَى باقِيه على بَاقِى الكتابَةِ، فإنْ أدَّاهُ، عَتَقَ جَمِيعُه، وإِنْ عَجَزَ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، ورَقَّ الباقِى. وقياسُ المذهبِ أَنْ يتَنجَّزَ عِتْقُ ثُلثِه فى الحالِ، كقَوْلِنا (١٧) فى مَن دَبَّرَ عبدًا (١٨) وله مالٌ غائِبٌ، أو دَيْنٌ فى ذِمَّةِ مُوسِرٍ أو مُعْسِرٍ: إنَّه يَعْتِقُ ثُلثُه فى الحالِ، وإِنْ لم يَحْصُلْ للورَثَةِ فى الحالِ شىءٌ. ولأنَّ حَقَّ الورَثَةِ مُتَحَقِّقُ الحصولِ، فإنَّه إِنْ أدَّى، وإلَّا عادَ (١٩) الباقِى قِنًّا. وذكرَ القاضِى فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يَتَنَجَّزُ عِتْقُ شىءٍ منه إذا لم يكُنْ للميِّتِ مالٌ سِواهُ؛ لئلَّا يتَنَجَّزَ للوَصِيَّةِ ما عَتَقَ منه، ويتأَخَّرَ حَقُّ الوارِثِ، وكذلك لو كان له مالٌ غائِبٌ، أو دَيْنٌ حاضِرٌ، لم تَتَنَجَّزْ وَصِيَّتُه من الحاضِرِ. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لما ذَكَرْناهُ. وأمَّا الحاضِرُ والغائِبُ، فإنَّه إِنْ كان مُوصًى (٢٠) له بالحاضِرِ، أخَذَ ثُلثَه فى الحالِ، ووَقَفَ الباقِى على قُدومِ الغائِبِ، فقد حصَلَ للمُوصَى (٢١) له ثُلثُ (٢٢) الحاضِرِ، ولم يحْصُل للوَرَثَةِ شىءٌ فى

стр. 7876

الحالِ، فهو كَمَسْأَلَتِنا، ولم يكْمُلْ له جميعُ وَصِيَّتِه؛ لأنَّ الغائِبَ غيرُ مَوْثوقٍ بحُصولِه، فإنَّه ربَّما تَلِفَ، بخلافِ ما نحنُ فيه. فأمَّا الزِّيادَةُ الحاصِلَةُ بزيادَةِ مالِ الكتابةِ، فإنَّها تَقِفُ على أداءِ مالَ الكتابةِ. ١٩٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ادَّعَى الْمُكَاتَبُ (١) وَفَاءَ كِتَابَتِهِ، وأَتَى بِشَاهِدٍ، خَلَفَ مَعَ شَاهِدِه، وصَارَ حُرًّا) وهذا قولُ الشافِعِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ النِّزاعَ بينَهما فى أداءِ المالِ، والمالُ يُقْبَلُ فيه الشَّاهِدُ واليَمِينُ. فإنْ قيل: القَصْدُ بهذه الشَّهادةِ العِتْقُ، وهو [مِمَّا لا] (٢) يثبُتُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ. قُلْنا: بل يَثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ، فى رِوايَةٍ، وإِنْ سلَّمْنا أنَّه لا يَثْبُتُ بذلِك، لكن الشَّهادةُ ههُنا إنَّما هى بأداءِ المالِ، والعِتْقُ يحْصُلُ عندَ أَدائِه بالعَقْدِ الأوَّلِ، ولم يشْهَدِ الشَّاهِدُ به، ولا بينَهما فيه نِزاعٌ، ولا يَمْتَنِعُ أَنْ يثْبُتَ بشَهادَةِ الواحِدِ ما يَتَرَتَّبُ عليه أَمْرٌ لا يَثْبُتُ إِلَّا بشاهِدَيْن، كما أَنَّ الوِلادَةَ تَثْبُتُ بشَهادةِ المَرْأَةِ الواحِدَةِ، ويَتَرَتَّبُ عليها ثُبوتُ النَّسَبِ، الذى لا يَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ، ولا بشَهادةِ (٣) واحِدٍ. فصل: فإنْ لم يَكُنْ للعبدِ شاهِدٌ، وأنْكَرَ السَّيِّدُ، فالقَول قولُه معَ يَمِينِه؛ لأَنَّه مُنْكِرٌ. وإِنْ قال العبدُ: لى شاهِدٌ غائِبٌ. أُنْظِرَ ثَلاثًا، فإنْ جاءَ به، وإلَّا حَلَفَ السَّيِّدُ، ثم متى جاءَ شاهِدُه، وأدَّى الشَّهادَةَ، ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُه. وإِنْ جاءَ بشاهِدٍ فَجُرِحَ، فقال: لى شاهِدٌ غائِبٌ (٤) عَدْلٌ. أُنْظِرَ ثلاثًا؛ لما ذَكَرْنا. فصل: وإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِقَبْضِ مالِ الكتابةِ، عَتَقَ العبدُ، إذا كان ممَّنْ يصِحُّ إقْرارُه. وإِنْ أَقَرَّ بذلك فى مَرَضِ مَوْتِه، قُبِلَ؛ لأَنَّه إقْرارٌ لغيرِ وارِثٍ، وإقرارُ المريضِ لغيرِ وارِثِه مَقْبُولٌ. وإذا قال: اسْتَوْفَيْتُ كِتابَتِى كُلَّها. عَتَقَ العبدُ. وإِنْ قال: اسْتَوْفَيْتُها كُلَّها، إِنْ شاءَ اللَّه تعالَى، وإِنْ (٥) شاءَ زيدٌ. عَتَقَ، ولم يُؤَثِّرْ الاسْتِثْناءُ؛ لأنَّ هذا الاسْتِثْناءَ لا

стр. 7877

مَدْخَلَ له فى الإِقْرارِ. قال أحمدُ، فى رِوايَةِ أبى طالِبٍ: إذا قال: له علىَّ أَلْفٌ، إِنْ شاءَ اللَّهُ. كان مُقِرًّا بها. ولأنَّ هذا الاسْتِثْناءَ تَعْلِيقٌ بشَرْطٍ، والذى يَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ إنَّما هو المُسْتَقْبَلُ، وأمَّا الماضِى، فلا يُمْكِنُ تَعْلِيقُه؛ لأَنَّه قد وَقَعَ على صِفَةٍ لا يَتَغَيَّرُ عنها بالشَّرْطِ، وإنَّما يدُلُّ الشَّرْطُ فيه على الشَّكِّ فيه، فكأنَّه قال: اسْتَوْفَيْتُ كتابَتِى، وأنا أشُكُّ فيه. فيَلْغُو الشَّكُّ، ويثْبُتُ الإِقْرارُ. وإِنْ قال: اسْتَوْفَيْتُ آخِرَ كتابَتِى. وقال: إنَّما أرَدْتُ أنِّى اسْتَوْفَيْتُ النَّجْمَ الآخِرَ دونَ ما قبلَه. وادَّعَى العبدُ إقْرارَه باسْتِيفاءِ الكُلِّ، فالقَوْلُ قولُ السَّيِّدِ؛ لأَنَّه أعْرَفُ بمُرادِه. فصل: وإذا أَبْرَأَه السَّيِّدُ مِن مالِ الكتابةِ، بَرِئَ، وعَتَقَ؛ لأنَّ ذِمَّتَه خَلَتْ من مال الكِتابةِ، فأشْبَهَ ما لو أدَّاهُ. وإِنْ أبْرَأهَ مِن بَعْضِه، بَرِئَ منه كلِّه (٦)، وكان على الكتابةِ فيما بَقِىَ؛ لأنَّ الإِبْراءَ كالأداءِ. وإِنْ كاتَبَه على دَنانِيرَ، فأبْرأَه من دَراهِمَ، أو على دَراهِمَ، فأَبْرَأَه من دَنانيرَ، لم تَصِحَّ البَراءَةُ؛ لأَنَّه أَبْرأَهُ ممَّا لا يجِبُ له عليه، إِلَّا أن يُرِيدَ بقَدْرِ ذلك ممَّا لِى عليك. فإنْ اخْتَلَفَا، فقال المُكَاتَبُ: إنَّما أرَدْتَ مِن قِيمَةِ ذلك. وقال السَّيِّدُ: بل (٧) ظَنَنْتُ أَنَّ لِى عَلَيْك النَّقْدَ الذى أَبْرأْتُكَ منه، فلم تقَعِ البَراءَةُ مَوْضِعَها. فالقَولُ قولُ السَّيِّدِ، مع يَمِينِه؛ لأَنَّه أعْرَفُ (٨) بنِيَّتِه. وإِنْ ماتَ السَّيِّدُ، واخْتلَفَ المُكاتَبُ مع ورَثَتِه، فالقوُل قولُهم مع أيْمانِهم أنَّهم لا يَعْلَمُون مَوْروثَهم أرادَ ذلك. وإِنْ ماتَ المُكاتَبُ، واخْتَلفَ ورَثَتُه وسَيِّدُه، فالقولُ قولُ السَّيِّدِ؛ لما ذَكَرْنا. ١٩٩٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُكَفِّرُ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ) وجملتُه أَنَّ المُكاتَبَ إذا لَزِمَتْه كَفَّارَةُ ظِهارٍ، أو جِماعٍ فى نهارِ رمضانَ، أو قَتْلٍ، أو كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لم يكُنْ له التَّكْفِيرُ بالمالِ؛ لأَنَّه عبدٌ، ولأَنَّه فى حُكْمِ المُعْسِرِ، بدليلِ أنَّه لا تَلْزَمُه زَكاةٌ، ولا نَفَقَةُ قَرِيبٍ، وله أَخْذُ الزَّكاةِ لحاجَتِه، وكَفَّارَةُ العبدِ والمُعْسِرِ الصِّيامُ. وإِنْ أذِنَ له سَيِّدُه فى التَّكْفيرِ بالمالِ، جازَ؛ لأَنَّه بمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ، ويجوزُ له التَّبَرُّعُ بإذْنِ سَيِّدِه، ولأَنَّ المَنْعَ لِحَقِّه، وقد أذِنَ فيه. [ولا يَلْزَمُه التَّكْفِيرُ بالمالِ، إذا أذِنَ فيه] (١) السَّيِّدُ؛

стр. 7878

لأنَّ عليه ضَرَرًا فيه، لِمَا يُفْضِى إليه مِن تَفْويتِ حُرِّيَّتِه، كما أَنَّ التَّبَرُّعَ لا يَلْزَمُه بإِذْنِ سَيِّدِه. وقال القاضِى: المُكاتَبُ كالعبدِ القِنِّ فى التَّكْفِيرِ، ومتى أذِنَ له سَيِّدُه [فى التَّكْفيرِ] (٢) بالمالِ، انْبَنَى على مِلْكِ العبدِ إذا مَلَّكَه سَيِّدُه؛ [فإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ. لم يصِحَّ تَكْفيرُه بعِتْقٍ ولا إطْعامٍ ولا كِسْوَةٍ، سَواءٌ مَلَّكَه سَيِّدُه] (٣) أو لم يُمَلِّكْه، وسَواءٌ أذِنَ فيه أو لم يأذَنْ؛ لأَنَّه يكفِّرُ بما ليس بمَمْلُوكٍ له، فلم يصِحَّ. وإِنْ قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ. صَحَّ تَكْفِيرُه بالطَّعامِ إذا أذِنَ فيه. وإِنْ أذِنَ له فى التَّكْفِيرِ بالعِتْقِ، فهل يصِحُّ؟ على رِوَايَتَيْن، سَبَقَ ذِكْرُهما فى تَكْفيرِ العَبْدِ (٤). والصَّحِيحُ أَنَّ هذا التَّفْصِيلَ لا يتَوجَّهُ فى المُكاتَبِ؛ لأَنَّه يَمْلِكُ المالَ، بغيرِ خِلافٍ، وإنَّما مِلْكُه ناقِصٌ؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّده به، فإذا أذِنَ له سَيِّدُه فيه، صَحَّ، كالتَّبَرُّعِ. ١٩٩٩ - مسألة؛ قال: (وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ فِى الْكِتَابَةِ، يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا) وجملتُه أنَّه يصِحُّ مُكاتَبةُ الأَمَةِ، كما تَصِحُّ مُكاتَبةُ العبدِ. لا خِلافَ بينَ أهْلِ العلمِ فيه. وقد دَلَّ عليه حَدِيثُ بَرِيرَةَ (١)، وحديثُ جُوَيْريةَ بنتِ الحارِثِ (٢). ولأَنَّها داخِلَةٌ فى عُمومِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. ولأنَّها يُمْكِنُها التَّكَسُّبُ والأَداءُ، فهى كالعبدِ. وإذا أتَتِ المُكاتَبةُ بوَلَدٍ مِن غيرِ سَيِّدِها، إمَّا مِن نِكاحٍ أو غيرِه، فهو تابِعٌ لها، مَوْقوفٌ على عِتْقِها، فإنْ عَتَقَت بالأدَاءِ أو الإِبْراءِ، عَتَقَ، وإِنْ فُسِخَتْ كِتابَتُها، وعادَتْ إلى الرِّقِّ، عادَ رَقِيقًا. وهذا قولُ شُرَيْح، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ. وسَواءٌ فى هذا ما كان حَمْلًا حالَ الكتابةِ، وما حَدَثَ بعدَها. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: هو عبدٌ قِنٌّ، لا يَتْبَعُ أُمَّه.

стр. 7879

وللشَّافِعِىِّ قَوْلان، كالمذهبَيْن. واحْتَجُّوا بأنَّ الكِتابةَ غيرُ لازِمَةٍ من جِهَةِ العبدِ، فلا تَسْرِى إلى الولدِ، كالتَّعْلِيقِ بالصِّفَةِ. ولَنا، أَنَّ الكِتابَةَ سبَبٌ ثابِتٌ للعِتْقِ، لا يجوزُ إبْطالُه، فسَرَى إلى الولدِ، كالاسْتِيلادِ، ويُفارِقُ التَّعْلِيقَ بالصِّفَةِ، فإِنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إبْطالَه بالبَيْعِ. إذا ثَبَت هذا، فالكلامُ فى الولدِ فى فُصولٍ أرْبعةٍ؛ فى قِيمَتِه إذا أُتْلِفَ (٣)، [وفى كَسْبِه، وفى نَفَقَتِه، وفى عِتْقِه. أمَّا قيمَتُه إذا أُتْلِفَ] (٤)، فقال أبو بكرٍ: هو لأُمِّه، تَسْتَعِينُ بها على كِتابَتِها؛ لأَنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه معَ كونِه عبدًا، فلا يَسْتَحِقُّ قِيمَتَه، ولأَنَّه بمَنْزِلَةِ جُزْءٍ منها، ولو جُنِىَ على جُزْءٍ منها، كان أرْشُه لها، كذلك وَلَدُها، وإذا لم يَسْتَحِقَّها هو كانتْ لأُمِّهِ؛ لأنَّ الحقَّ لا يخْرُجُ عنهما، ولأَنَّ ولَدَها لو مَلَكَتْه بهِبَةٍ أو شراءٍ فقُتِلَ (٥) كانتْ قِيمَتُه لها، فكذلك إذا (٦) تَبِعَها. [يُحَقِّقُه أنَّه إذا تَبِعَها] (٧)، صارَ حكْمُه حُكْمَها، فلا يَثْبُتُ مِلْكُ السَّيِّدَ فى مَنافِعِه، ولا فى أرْشِ الجِنايَةِ عليه، كما لا يثْبُتُ له ذلك فيها. وقال الشافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه: تكونُ القِيمَةُ لسَيِّدِها؛ لأنَّها لو قُتِلَتْ، كانتْ قيمَتُها لسَيِّدِها، فكذلك وَلَدُها. والفَرْقُ بينَهما أَنَّ الكِتابَةَ تبْطُلُ بقَتْلِها، فيَصِيرُ مالُها لسَيِّدِها، بخِلافِ وَلَدِها؛ فإِنَّ العقْدَ باقٍ بعدَ قَتْلِه، فنَظِيرُ هذا إتْلافُ بعضِ أَعْضائِها. والحكمُ فى إتْلافِ بعْضِ أعْضائِه (٨)، كالحُكْمِ فى إتْلافِه. وأمَّا كَسْبُه، وأرْشُ الجِنايَةِ عليه، فيَنْبَغِى أيضًا أَنْ يكونَ لأُمِّه؛ لأنَّ ولدَها جُزْءٌ منها، تابِعٌ لها، فأشْبَهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ أَداءَها لكِتابَتِها سَبَبٌ لِعِتْقِه، وحُصولِ الحُرِّيَّةِ له، فيَنْبَغِى أَنْ يُصْرَفَ ذلك (٩) فيه (١٠)، بمَنْزِلَةِ صَرْفِه إليه، إذْ فى عَجْزِها رِقُّهُ (١١)، وفَواتُ كَسْبِه عليه، وأمَّا نَفَقَتُه فعلى

стр. 7880

أُمِّه؛ لأنَّها تابِعَةٌ لِكَسْبِه، وكَسْبُه لها، فنَفَقَتُه عليها. وأمَّا عِتْقُه، فإنَّه يَعْتِقُ بأدائِها أو إِبْرائِها، ويَرِقُّ بعَجْزِها؛ لأَنَّه تابِعٌ لها. وإِنْ ماتَتِ المُكاتَبةُ على كتابَتِها، بطَلت كِتابَتُها، وعادَ رَقِيقًا قِنًّا، إِلَّا أَنْ تُخلِّفَ وَفاءً، فيكونَ على الرِّوايَتَيْن. وإِنْ أَعْتَقَها سَيِّدُها، لم يَعْتِقْ ولدُها؛ لأَنَّه إنَّما تَبِعَها فى حُكمِ الكتابةِ، وهو العِتْقُ بالأداءِ، وما حصلَ الأداءُ، وإنَّما حصَلَ عِتْقُها بأَمْرٍ لا يَتْبَعُها فيه، فأشْبَهَ ما لو لم تكُنْ مُكاتَبةً. ومُقْتَضَى قولِ أصْحابِنا الذين قالُوا: تَبْطُلُ كتابَتُها بعِتْقِها. أَنْ يعودَ ولَدُها رَقِيقًا. ومُقْتَضَى قَوْلِنا، أنَّه (١٢) يَبْقَى على حكمِ الكتابةِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ؛ لأنَّ العقدَ لم يُوجَدْ ما يُبْطِلُه، وإنَّما سقَطَ الأداءُ عنها لحُصولِ الحُرِّيَّةِ بدُونِه، فإذا لم يكُنْ لها ولَدٌ يَتْبَعُها فى الكتابةِ، ولا فى يدِها مالٌ يأْخُذُه، لم يظْهَرْ حُكْمُ بَقاءِ العَقْدِ، ولم يكُنْ فى بقائِه فائِدَةٌ، [فانْتَفَى لانْتِفاءِ فائِدَتِه، وفى مَسْأَلَتِنا، فى بقائِه فائِدَةٌ] (١٣)؛ لإِفْضائِه إلى عِتْقِ وَلَدِها، فيَنْبَغِى أَنْ يَبْقَى. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ بإعْتاقِها؛ لأَنَّه جَرَى مَجْرَى إبْرائِها من المالِ (١٤). والحكمُ فيما إذا عَتَقَتْ (١٥) باسْتِيلادٍ أو تَدْبِيرٍ أو تَعْلِيقٍ بصِفَةٍ، كالحُكْمِ فيما إذا أَعْتَقَها؛ لأنَّها عَتَقَتْ بغيرِ الكِتابةِ. وإِنْ أعْتَقَ السَّيِّدُ الولدَ دُونَها، صَحَّ عِتْقُه. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوَايةِ مُهَنَّا؛ لأَنَّه مَمْلوكٌ له (١٦)، فصَحَّ عِتْقُه، كأُمِّه، ولأَنَّه لو أَعْتَقَه مَعَها لَصَحَّ، ومَنْ صَحَّ عِتْقُه مع غيرِه، صَحَّ مُفْرَدًا، كسائِرِ مَماليكِهِ. وقال القاضِى: وقد كان يَجِبُ أَنْ لا يَنْفُذ عِتْقُه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بأُمِّه، بتَفْوِيتِ كَسْبِه عليها؛ فإنَّها (١٧) كانت تَسْتَعِينُ به فى كتابَتِها، ولعلَّ أحمدَ نَفَّذَ عِتْقَه تَغْلِيبًا للعِتْقِ. والصَّحِيحُ أنَّه يَعْتِقُ، وما ذَكَرَه القاضى من الضَّرَرِ لا يَصِحُّ لوجُوهٍ؛ أحدُها، أَنَّ الضَّرَرَ إنَّما يحْصُلُ فى حَقِّ مَنْ له كَسْبٌ يفْضُلُ عَن نَفَقَتِه، فأمَّا مَنْ لا كَسْبَ له، فتَخْلِيصُها مِن نفَقَتِه نَفْعٌ مَحْضٌ، فلا ضَرَرَ فى إعْتاقِه؛ لأَنَّه لا يفْضُلُ لها مِن كَسْبِه
следующие страницы →