← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

بالإِيتاءِ، إعْطاؤُه سَهْمًا من الصَّدَقةِ، أو النَّدْبُ إلى التَّصَدُّقِ عليه، وليس ذلك بواجِبٍ، بدليلِ أَنَّ العَقْدَ يُوجِبُ العِوَضَ عليه، فكيف يَقْتَضِى إسْقاطَ شىءٍ منه؟ قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فإِنَّ عليًّا وابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فَسَّراه بما ذكَرْناه، وهما أعْلَمُ بتَأْوِيلِ القرآنِ، وحَمْلُ الأمرِ على النَّدْبِ يُخالِفُ مُقْتَضَى الأَمْرِ، فلا يُصَارُ إليه إِلَّا بدَلِيلٍ. وقَولُهم: إِنَّ العَقْدَ يُوجِبُ عليه، فلا يَسْقُطُ عنه. قُلْنا: إنَّما يَجِبُ الرِّفْقُ (٧) به عندَ آخِرِ كِتابَتِه، مُوَاساةً له، وشكرًا لنِعْمةِ اللَّهِ تعالى، كما تَجِبُ الزَّكَاةُ مُواساةً من النِّعَمِ التى أَنْعَمَ اللَّهُ تعالى بها على عَبْدِه، ولأنَّ العَبْدَ وَلِىَ جَمْعَ هذا المالَ، وَتَعِبَ فيه، فاقْتَضَى الحالُ مُواساتَه منه، كما أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بإطْعامِه من الطَّعامِ الذى وَلِىَ حَرَّه ودُخَانَه (٨)، واخْتصَّ هذا بالوُجُوبِ؛ لأنَّ فيه مَعُونةً على العِتْقِ، وإعانةً لمن يحِقُّ على (٩) اللَّهِ تعالى عَوْنُه، فإِنَّ أبا هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعالَى عَوْنُهُمْ، الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، والْمُكاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الْأَدَاءَ، والنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَافَ". أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (١٠)، وقال: حديثٌ حسنٌ. الفصل الثانى: فى قَدْرِه، وهو الرُّبْعُ. ذكَره الْخِرَقِىُّ، وأبو بكرٍ، وغيرُهُما من أصحابِنا. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال قَتادةُ: العُشْرُ. وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ. وهو قولُ مالكٍ، إِلَّا أنَّه عندَه مُسْتَحَبٌّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. و ﴿مِنْ﴾ للتَّبْعِيضِ، والقَلِيلُ بعضٌ، فيُكْتَفَى به. وقال ابنُ عباسٍ: ضَعُوا عنهم من كِتَابَتِهم (١١) شيئًا. ولأنَّه قد ثَبَتَ أَنَّ

стр. 7807

المُكاتَبَ لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّىَ جميعَ الكِتابةِ، بما ذكرْنا من الأخْبارِ، ولو وجَبَ إيتاوه الرُّبْعَ، لَوَجَبَ أن يَعْتِقَ إذا أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ عليه أداءُ مالٍ يجبُ رَدُّه إليه، ورُوِىَ فى ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدًا له على خَمْسَةٍ وثلاثينَ ألْفًا، فأخَذَ منه ثلاثِينَ، وَتَرَكَ له خَمْسةً (١٢). ولَنا، ما رَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، فى قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. فقال: "رُبْعُ الكِتابةِ (١٣) " (١٤). ورُوِىَ مَوْقُوفًا على علىٍّ. ولأنَّه مالٌ يَجبُ إيتاؤُه مُواساةً بالشَّرْعِ، فكان مُقَدَّرًا، كالزَّكاةِ، ولأنَّ حِكْمةَ إيجابِه الرِّفْقُ بالمُكاتَبِ، وإعانَتُه على تحْصيلِ العِتْقِ، وهذا لا يَحْصُلُ باليَسِيرِ الذى هو أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، فلم يَجُزْ أن يكونَ هو الواجبَ، وقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾. وإن وَرَدَ غيرَ مُقَدَّرٍ، فإِنَّ السُّنَّةَ تُبَيِّنُه، وتُبيِّنُ قَدْرَه، كالزكاةِ. الفصل الثالث: فى جِنْسِه، إن قَبَضَ مالَ الكِتابةِ، ثمَّ أعْطاهُ منه، جازَ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالإِيتاءِ منه. وإن وَضَعَ عنه بما وَجَبَ عليه، جاز؛ لأنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فَسَّرُوا الإِيتاءَ بذلك، ولأنَّه أَبْلَغُ فى النَّفْعِ، وأعْوَنُ على حُصُولِ العِتْقِ، فيكونُ أفْضَلَ من الإِيتاءِ، وتَحْصُلُ دَلالةُ الآيةِ عليه من طَرِيقِ التَّنْبِيهِ. وإِنْ أعْطاهُ من جِنْسِ مالِ الكتابةِ من غيرِه، جازَ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَلْزَمَ المُكاتَبَ قَبُولُه. وهو ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالإِيتاءِ منه. ولَنا، أنَّه لا فَرْقَ فى المعنى بين الإِيتاءِ منه، وبينَ الإِيتاءِ من غيرِه، إذا كان من جِنْسِه، فوَجَبَ أن يتَساوَيا فى الإِجْزاءِ، وغيرُ (١٥) المَنْصُوص إذا كان فى مَعْناهُ أُلْحِقُ به، وكذلك جاز الحَطُّ، وليس هو بإيتاءٍ، لمَّا كان فى مَعْناهُ. وإن آتَاه من غيرِ جِنْسِه، مثل أن يُكاتِبَه على دَرَاهِم، فيُعْطِيَهُ دَنانِيرَ أو عُرُوضًا (١٦)، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛

стр. 7808

لأَنَّه لم يُؤْتِه منه ولا من جِنْسِه. ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّ الرِّفْقَ (١٧) يَحْصُلُ به. الفصل الرابع: فى وَقْتِ جوازِه، وهو مِن حينِ العَقْدِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ﴾. وذلك يحْتاجُ إليه من حينِ العَقْدِ، وكلَّما عَجّلَه (١٨) كان أفْضَلَ؛ لأَنَّه يكونُ أَنْفَعَ، كالزَّكاةِ. الفصل الخامس: فى وقتِ وُجُوبِه، وهو حينَ العِتْقِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمَرَ بإيتائِه من المالِ الذى آتَاه، وإذا آتَى المالَ عَتَقَ، فيَجبُ إيتاؤُه حِينَئذٍ. قال علىٌّ رضى اللَّه عنه، الكِتابةُ على نَجْمَيْنِ، والإِيتاءُ من الثانى (١٩) فإِنَّ مات السَّيِّدُ قبلَ إيتائِه، فهو دَيْنٌ فى تَركَتِه؛ لأَنَّه حَقٌّ واجِبٌ، فهو كسائرِ دُيُونِه. وإن ضاقَتِ التَّركِةُ عنه وعن غيرِه من الدُّيُونِ، تحاصُّوا فى التَّركِةِ بقَدْرِ حُقُوقِهم، ويُقَدَّمُ ذلك على الوَصايَا؛ لأَنَّه دَيْنٌ، وقد قَضَى النَّبِىُّ ﷺ أَنَّ الدَّيْنَ قبلَ الوَصِيَّةِ (٢٠). ١٩٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحَلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ، وعَتَقَ مِنْ وَقْتِه. فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀. والرِّوَايَةُ الْأُخرَى، إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَقَدَ صَارَ حُرًّا) الكلام فى هذه المسألة فى فَصْلَيْن: أحدهما: فيما إذا عَجَّلَ المُكاتَبُ الكِتابةَ قبلَ مَحَلِّها. فالمنصوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَلْزَمُ قَبُولُها، ويَعْتِقُ المُكاتَبُ. وذكَر أبو بُكَيْر فيه رِوَايةً أُخْرَى، أنَّه لا يَلْزَمُ قَبولُ المالِ إِلَّا عندَ نُجُومِه؛ لأنَّ بَقاءَ المُكاتَبِ فى هذه المُدَّةِ فى مِلْكِه حَقٌّ له، ولم يَرْضَ بزَوَالهِ (١)، فلم يَزُلْ، كما لو عَلَّقَ عِتْقَه على شَرْطٍ (٢)، لم يَعْتِقْ قبلَه. والصَّحِيحُ فى المذهبِ الأوَّلُ. وهو مذهبُ

стр. 7809

الشافعىِّ، إِلَّا أَنَّ القاضىَ قال: أطْلَقَ أحمدُ والْخِرَقِىُّ هذا القولَ، وهو مُقَيَّدٌ بما لا ضَرَرَ فى قَبْضِه قبلَ مَحَلِّه، كالذى لا يَفْسُدُ، ولا يَخْتَلِفُ قديمُه وحَدِيثُه، ولا يحْتاجُ إلى مُؤْنِةٍ فى حِفْظِه، ولا يَدْفَعُه فى حالِ خَوْفٍ يَخافُ ذهابَه، فإنِ اخْتَلَّ أحَدُ هذه الأمورِ، لم يَلْزَمْ قَبْضُه، مثل أن يكونَ مِمَّا يَفْسُدُ؛ كالعِنَبِ، والرُّطَبِ، والبِطِّيخِ، أو يُخافُ تَلَفُه، كالحيوانِ، فإنَّه ربما تلِفَ قبلَ المَحَلِّ، ففاتَه مَقْصُودُه. وإن كان ممَّا يكونُ حَدِيثُه خيرًا مِن قَديمِه، لم يَلْزَمْهُ أيضًا أخْذُه؛ لأَنَّه يَنْقُصُ إلى حينِ الحُلُولِ، وإِنْ كان ممَّا يحْتاجُ إلى مَخْزَنٍ، كالطَّعامِ والقُطنِ، لم يَلْزَمْه أيضًا؛ لأَنَّه يحْتاجُ فى إبْقائِه إلى وَقْتِ المَحَلِّ إلى مُؤْنَةٍ، فيتَضَرَّرُ بها، ولو كان غيرَ هذا، إِلَّا أَنَّ البَلَدَ مَخُوفٌ، يَخافُ نَهْبَه، لم يَلْزَمْه أخْذُه؛ لأنَّ فى أخْذِه ضَرَرًا لم يَرْضَ بالْتِزامِه، وكذلك لو سَلَّمَهُ إليه (٣) فى طَرِيقٍ مَخُوفٍ، أو مَوْضِعِ يتَضَرَّرُ بقَبْضِه فيه، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِق المُكاتَبُ ببَذْلِه. قال القاضى: والمذهبُ عندى أَنَّ فيه (٤) تَفْصِيلًا، على حَسَبِ ما ذكَرْناه فى السَّلَمِ. ولأنَّه لا يَلْزَمُ الإِنْسانَ الْتِزامُ ضَرَرٍ لم يَقْتَضِه العَقْدُ، ولو رَضِىَ بالْتِزامِه. وأمَّا ما لا ضَرَرَ فى قَبْضِه، فإذا عَجَّلَه، لَزِمَ السَّيِّدَ أخْذُه. وذكر أبو بكرٍ، أَنَّه يَلْزَمُه قبولُه مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، اعْتِمادًا على إطْلاقِ أحمدَ القولَ فى ذلك، وهو ظاهِرُ إطْلاقِ الْخِرَقِىِّ؛ لما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن أبى بكرٍ بن حَزمٍ، أن رَجُلًا أتى عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّى كاتَبْتُ عَلَى كذا وكذا، وإنِّى أيْسَرْتُ بالمالِ، فأتَيْتُه به، فزَعَمَ أَنَّه لا يَأْخُذُها إِلَّا نُجُومًا. فقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يا يَرْفَأُ، خُذْ هذا المالَ، فاجْعَلْه فى بيتِ المالِ، وأَدِّ إليه نُجُومًا فى كلِّ عامٍ، وقد عَتَقَ هذا. فلما رأى ذلك سَيِّدُه، أخَذَ المالَ (٥). وعن عثمانَ بنَحْوِ هذا (٥). ورَوَاه سعيدُ بن منصورٍ، فى "سُنَنِه"، عن عمرَ وعثمانَ جميعًا، قال: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ (٦)، عن محمدِ بن سِيرِينَ، أَنَّ عثمانَ قَضَى بذلك. ولأنَّ الأجَلَ حَقٌّ لمِن عليه الدَّيْنُ، فإذا قَدّمَه، فقد رَضِىَ بإِسْقاطِ حَقِّه، فسَقَطَ، كسائرِ الحُقُوقِ. فإنْ

стр. 7810

قِيلَ: إذا عَلَّقَ عِتْقَ عبدِه على فِعْلٍ فى وقتٍ، ففَعَلَه فى غَيرِه، لم يَعْتِقْ، فكذلك إذا قال: إذا أذَيْتَ إلىَّ أَلْفًا فى رمضانَ. فأَدَّاه فى شعبانَ، لم يَعْتِقْ. قلْنا: تلك صِفَةٌ مُجَرَّدةٌ، لا يَعْتِقُ إِلَّا بوُجُودِها، والكِتابةُ مُعاوَضةٌ يَبْرَأُ فيها بأداءِ (٧) العِوَضِ، فافْتَرَقا، وكذلك لو أَبْرَأه من العِوَضِ فى الكتابةِ (٨)، عَتَقَ، ولو أَبْرَأهُ مِن المالِ فى الصِّفَةِ المُجَرَّدةِ، لم يَعْتِقْ. والأوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى ما قالَه القاضى، فى أَنَّ ما كان فى قَبْضِه ضَرَرٌ، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِقْ ببَذْلِه؛ لما ذكَره من الضَّرَرَ الذى لم يَقْتَضِه العَقْدُ، وخبرُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لا دَلالةَ فيه على وُجُوبِ قَبْضِ ما فيه ضَرَرٌ، ولأنَّ أصْحابَنا قالوا: لو لَقِيَه فى بَلَدٍ آخرَ، فدَفَعَ إليه نُجُومَ الكِتابةِ أو بعضَها، فامْتَنعَ من أخْذِها لضَرَرٍ فيه، من خَوْفٍ، أو مُؤْنةِ حَمْلٍ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لما عليه من الضَّرَرِ فيه، وإن لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ، لَزِمَه قَبْضُه. كذا ههُنا. وكلامُ أحمدَ، ﵀، مَحْمولٌ على ما إذا لم يكُنْ فى قَبْضِه ضَرَرٌ، وكذلك قولُ الْخِرَقِىِّ وأبى بكرٍ. فصل: وإذا أحْضَرَ المُكاتَبُ مالَ الكِتابةِ، أو بعضَه، ليُسَلِّمَه، فقال السَّيِّدُ: هذا حَرامٌ، أو غَصْبٌ، لا أقْبَلُه منك. سُئِلَ العبدُ عن ذلك، فإِن أقَرَّ به، لم يَلْزَمِ السَّيِّدَ قَبُولُه؛ لأَنَّه لا يَلْزَمُه أخْذُ المُحَرَّمِ، ولا يجوزُ له، وإِنْ أَنْكَرَ، وكانت للسَّيِّدِ بَيِّنَةٌ بدَعْواه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، وتُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّ له حَقًّا فى أَنْ لا يَقْتَضِىَ دَيْنَه من حَرامٍ، ولا (٩) يَأْمَنُ (١٠) أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُه عليه به، وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، فالقوُل قولُ العبدِ مع يَمِينِه، فإنْ نَكَلَ عن اليَمِينِ، لم يَلْزَمِ السَّيِّدَ قبولُه أيضًا، وإن حَلَفَه، قيل للسَّيِّدِ؛ إمَّا أن تَقْبِضَه، وإمَّا أن تُبْرِئَه ليَعْتِقَ. فإنْ قَبَضَه، وكان تَمامَ كِتابَتِه، عَتَقَ، ثمَّ يُنْظَرُ، فإِن ادَّعَى أنَّه حَرَامٌ مُطْلَقًا، لم يُمْنَعْ منه؛ لأَنَّه لا (١١) يُقِرُّ به لأحَدٍ، وإنَّما تَحْرِيمُه فيما بَيْنَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وإن ادَّعَى أنَّه غَصَبَه من فلانٍ، لَزِمَه دَفْعُه إليه (١٢)؛ لأنَّ قَوْلَه: وإن لم يُقْبَلْ فى حَقِّ المُكاتَبِ، فإنَّه يُقْبَلْ فى حَقِّ

стр. 7811

نَفْسِه، كما لو قال رَجُلٌ لعبدٍ فى يَد غيره: هذا حُرٌّ. وأَنْكَرَ ذلك مَن العبدُ فى يَدِه، لم يُقْبَلْ قولُه عليه، فإِنَّ انْتَقَلَ إليه بسَبَبٍ مِن الأسْبابِ، لَزِمَتْه حُرِّيَّتُه. وإن أَبْرَأهُ من مالِ الكِتابةِ (١٣)، لم يَلْزَمْه قَبْضُه؛ لأَنَّه لم يَبْقَ له عليه حَقٌّ. وإن لم يُبْرِئْه ولم يَقْبِضْه، كان له دَفْعُ ذلك إلى الحاكِم، ويُطالِبُه بقَبْضِه، فيَنُوبُ الحاكمُ فى قَبْضِه عنه، وَيعْتِقُ العبدُ، كما رَوَيْناه عن عمرَ وعثمانَ، فى قَبْضِهِما مالَ الكِتابةِ حين امْتَنَعَ المُكاتِبُ من قَبْضِه. فصل: وإذا كاتَبه على جِنْسٍ، لم يَلْزَمْه قَبْضُ غيرِه، فلو كاتَبه على دنَانِيرَ، لم يَلْزَمْه قَبْضُ دَراهِمَ، ولا عَرْضٍ، وإن كاتَبه على دَرَاهِم، لم يَلْزَمْه أخْذُ الدَّنانيرِ، ولا العُرُوضِ. وإِنْ كاتَبَه على عَرْضٍ مَوْصُوفٍ، لم يَلْزَمْه قَبْضُ غيرِه. وإِنْ كاتَبه على نَقْدٍ، فأعْطاهُ مِن جِنْسِه خيرًا منه، وكان يَنْفُقُ فيما يَنْفُقُ فيه الذى كاتَبه جمليه، لَزِمَه أخْذُه؛ لأَنَّه زادَه خيرًا، وإن كان لا يَنْفُقُ فى بعضِ البُلْدانِ التى يَنْفُقُ فيها ما كاتَبَه عليه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأنَّ عليه فيه ضَرَرًا. الفصل الثانى: إذا مَلَكَ ما يُؤَدِّى، فالصحيحُ أنَّه لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّىَ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِه، وزَيْدٍ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّهم قالوا: المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ (١٤). وهو قولُ أكثر أهلِ العلمِ، وعن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤَدِّى، عَتَقَ؛ لما رَوَى سعيدٌ، قال (١٥): حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْرِىِّ، عن نَبْهانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤْدِّى، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ". ورَوَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرمِذِىُّ (١٦). وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. فأمَرَهُنَّ بالحِجابِ بمُجَرَّدِ مِلْكِه لما يُؤدِّيه، ولأنَّه مالِكٌ لِوَفَاءِ مالِ الكِتابةِ، أشْبَهَ ما لو أدَّاهُ. فعلى هذه الرِّوايةِ، يَصِيرُ حُرًّا بمِلْكِ الوَفاءِ، فمتى امْتَنَعَ منه، أجْبَرَه الحاكمُ عليه. وإن هَلَكَ ما فى يَدَيْه (١٧) قبلَ

стр. 7812

الأدَاءِ، صار دَيْنًا فى ذِمَّتِه، وقد صار حُرًّا. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" (١٨). وقوله: "أَيُّما عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوَقِيَّةٍ، فَأدَّاهَا إِلَّا عَشْرَ أوَاقٍ، فَهُوَ عَبْدٌ، وأُيُّما عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، فَأدَّاهَا إِلَّا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، فَهُوَ عَبْدٌ". روَاه سعيدٌ (١٩). وفى رِوايةٍ: "مَنْ كَاتَب عَبْدَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ، فَأدَّاها إِلَّا عَشْرَ أواقٍ". أو قال: "إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ عَجَزَ، فَهُوَ رَقِيقٌ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (١٩)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ (٢٠) غريبٌ. ولأنَّه عِتْقٌ عُلِّقَ بعِوَضٍ، فلم يَعْتِقْ قبلَ أدَائِه، كما لو قال: إذا أدَّيْتَ إلىَّ ألْفًا (٢١)، فأنتَ حُرٌّ. فعلى هذه الرِّوايةِ، إِنْ أدَّى عَتَقَ، وإن لم يُؤَدِّ لم يَعْتِقْ. فإن امْتَنَعَ من الأداءِ، فقال أبو بكرٍ: يُؤَدِّيه الإِمامُ منه، ولا يكونُ ذلك عَجْزًا، ولا يَمْلِكُ السَّيِّدُ الفَسْخَ. وهو قولُ أبى حنيفة. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىِّ، أنَّه إذا لم يُؤَدِّ، عَجَّزَه السَّيِّدُ إن أحَبَّ، فإنَّه قال: إذا لم يُؤَدِّ نَجْمًا، حتى حَلَّ نَجْمٌ آخرُ، عَجَّزَه السَّيِّدَ إِنْ أحَبَّ، وعادَ عبدًا غيرَ مُكاتَبٍ. ونحوَه قال الشافعىُّ؛ فإنَّه قال: إِنْ شاء عَجَّزَ نَفْسَه، وامْتَنَعَ مِن الأداءِ. ووَجْهُه أَنَّ العبدَ لا يُجْبَرُ على اكْتِساب ما يُؤَدِّيه فى الكِتابةِ، فلا يُجْبَرُ على الأداءِ، كسائرِ العُقُودِ الجائزةِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه [قد ثَبَتَ للعبدِ] (٢٢) اسْتِحْقاقُ الحُرِّيَّةِ بمِلْكِ ما يُؤَدِّى، فلم يَمْلِكْ إبْطالَها، كما لو أَدَّى. فإنْ تَلِفَ المالُ قبلَ أدائِه، جاز تَعْجِيِزُه (٢٣) واسْتِرْقاقه. وَجْهًا واحدًا. ١٩٨٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ، وَمَاتَ وَفِى يَدِه وَفَاءٌ وَفَضْلٌ، فَهُو لِسَيِّدِه. فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. والْأُخْرَى، لِسَيِّدهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، والْبَاقِى لِوَرَثَتِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ هذه المسألةَ مَبْنِيَّةٌ على ما قبلَها، فإذا قُلْنا: إنَّه لا يَعْتِقُ بمِلْكِ ما يُؤَدِّى. فقد

стр. 7813

مات رَقِيقًا، فانْفَسَختِ الكِتابةُ بمَوْتِه، وكان ما فى يَدِه لسَيِّدِه. وإِنْ قُلُنا: إنَّه عَتَقَ بملكِ ما يُؤَدِّى. فقد مات حُرًّا، وعليه لسَيِّدِه بَقِيَّةُ كِتابتهِ؛ لأَنَّه دَيْنٌ له عليه، والباقِى لوَرَثَتِه. قال القاضى: الأصَحُّ أنَّه تَنْفَسِخُ الكِتابةُ بمَوْتِه، ويموتُ عبدًا، وما فى يَدِه لسَيِّدِه. روَاه الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن عمر، وزيِدِ". والزُّهْرِىِّ (١). وبه قال إبراهيمُ، وعمرُ بن عبدِ العزيز، وقَتادةُ، والشافعىُّ؛ لما ذكَرْناه فى التى قبلَها، ولأنَّه مات قبلَ أداءِ مالِ الكتابةِ، فوَجَبَ أن تَنْفَسِخَ، كما لو لم يَكُنْ له مالٌ، ولأنَّه عِتْق عُلِّقَ بشَرْطٍ مُطْلَقٍ، فيَنْقَطِعُ بالموتِ، كما لو قال: إن (٢) أدَّيْتَ إلىَّ ألْفًا، فأنتَ حُرٌّ. والرِّوايةُ الثانية، يَعْتِقُ، ويموتُ حُرًّا، ولسَيِّدِه بَقِيَّةُ كتابتِه، وما فَضَلَ لوَرَثَتِه. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، ومعاويةَ (٣). وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، وطاوسٌ، وشُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، ومالِكٌ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، إِلَّا أَنَّ أبا حنيفةَ قال: يكون حُرًّا فى آخِرِ جُزْءٍ مِن حياتِه. وهذا قولُ القاضى. ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، ما قَدَّمْنا لها (٤) فى التى قبلَها، ولأنَّها مُعاوَضةٌ لا تَنفَسِخُ بمَوْتِ أحَدِ المُتَعاقِدَيْنٍ، فلا تنْفَسِخُ بمَوتِ الآخَرِ، كالبَيْعِ، ولأنَّ العبدَ أحدُ مَنْ تَمّتْ به الكتابةُ (٥)، فلم تَنْفسِخْ بمَوتِه كالسَّيِّدِ. والأُولَى أَوْلَى. وتُفارِقُ الكتابةُ البَيْعَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المُتعاقِديْنِ غيرُ مَعْقُودٍ عليه، ولا يتَعَلَّقُ العَقْدُ بعَيْنِه، فلم يَنْفَسِخْ بتَلَفِه، والمُكاتبُ هو المعقودُ عليه، والعَقْدُ مُتَعَلِّقٌ (٦) بعَيْنِه، فإذا تَلِفَ قبلَ تَمامِ (٧)

стр. 7814

الأَدَاءِ، انْفَسَخَ العقدُ، كما لو تَلِفَ المَبِيعُ قبلَ قَبْضِه، ولأنَّه مات قبلَ وُجُودِ شَرْطِ حُرِّيَّتِه، ويتَعَذَّرُ وُجُودُها (٨) بعدَ مَوْتِه. فصل: وإِنْ (٩) مات ولم يُخَلِّفْ وَفاءً، فلا خِلافَ فى المذهبِ أَنَّ الكِتابةَ تنْفَسِخُ بمَوْتِه، ويَمُوتُ عَبْدًا، وما فى يَدِه لسَيِّدِه. وهو قولُ أهلِ الفَتْوَى من أئِمَّةِ الأَمْصارِ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بعدَ أداءِ ثلاثةِ أرْبَاعِ الكِتابةِ عندَ أبى بكرٍ والقاضى ومَن وافَقَهُما، فإنَّه يموتُ حُرًّا، فى مُقْتَضَى قَوْلِهم. وقال مالكٌ: إِنْ كان له ولدٌ حُرٌّ، انْفَسَخَتِ الكتابةُ، وإِنْ كان مَمْلوكًا (١٠) فى كِتابَتِه، أُجْبِرَ على دَفْعِ المالِ (١١) إِنْ كان له مالٌ، وإن لم يكُنْ له مالٌ، أُجْبِرَ على الاكْتِسابِ والأداءِ. وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّه يُعْتَقُ منه بقَدْرِ ما أَدَّى (١٢). ورُوِىَ عن ابنِ عباسِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "إِذَا أصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا، أَوْ مِيرَاثًا، وَرِثَ بِقَدْرِ مَا أدَّى، ويُودَى الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أدَّى" (١٣). وعن عمرَ، وعلىٍّ، والنَّخعِىِّ: إذا أدَّى الشَّطر، فلا رِقَّ عليه (١٤). وقال ابنُ مسعودٍ: إذا أدَّى قَدْرَ قِيمَتِه، فهو غَرِيمٌ (١٥). وقد ذكَرْنا الجوابَ عن هذه الأقوالِ كلِّها (١٦) فيما تقَدَّم بما أَغْنَى عن إعادَتِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: ولا تَنْفَسِخُ الكِتابةُ بالجُنُونِ؛ لأنَّها عَقْدٌ لازِمٌ، فلم تَنْفَسِخْ بالجُنُونِ، كالرَّهْنِ، وفارَقَ المَوْتَ؛ لأنَّ العَقْدَ على العَيْنِ، والمَوْتُ يُفَوِّتُ العَيْنَ، بخِلافِ الجُنُونِ، ولأنَّ القَصْدَ من الكِتابةِ العِتْقُ، والموتُ يُنافِيه، ولهذا لا يَصِحُّ عِتْقُ المَيِّتِ،

стр. 7815

والجُنُونُ لا يُنافِيه، بدليلِ صِحَّةِ عِتْقِ المَجْنُونِ. فعلى هذا، إِنْ أَدَّى إليه المالَ، عَتَقَ؛ لأنَّ السَّيِّدَ إذا قَبَضَ منه، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه الذى كان عليه، وله أخْذُ المالِ مِن يَدِه، فيتَضَمَّنُ ذلك بَراءَتَه من المالِ، فيَعْتِقُ بحُكْمِ العَقْدِ، وإن لم يُؤَدِّ إليه (١٧)، كان للسَّيِّدِ أن يُحْضِرَه عندَ الحاكمِ، وَتَثْبُتُ الكِتابةُ بالبَيِّنَةِ، فيَبْحَثُ الحاكمُ عن مالِه، فإنْ وَجَدَ له مالًا، سَلَّمَه فى الكِتابةِ، وعَتَقَ، وإن لم يَجِدْ له مالًا، جَعَلَ له أَنْ يُعَجِّزَه، ويُلْزِمَه الإِنْفاقَ عليه؛ لأَنَّه عادَ قِنًّا، ثمَّ إِنْ وَجَدَ له الحاكمُ بعدَ ذلك مالًا يَفِى بمالِ الكِتابةِ، أَبْطَلَ فَسْخَ السَّيِّدَ؛ لأنَّ الباطِنَ (١٨) بان بخِلافِ ما حَكَمَ به، فبَطَلَ حُكْمُه، كما إذا أخْطَأَ النَّصَّ وحَكَمَ بالاجْتِهادِ، إِلَّا أنَّه يَرُدُّ على السَّيِّدَ ما أَنْفَقَه مِن حينِ الفَسْخِ؛ لأَنَّه لم يَكُنْ مُسْتَحَقًّا عليه فى الباطِنِ. وإن أفَاقَ، فأقامَ البَيِّنَةً أنَّه كان قد دَفَعَ إليه مالَ الكِتابةِ، بَطَلَ أيضًا فَسْخُ السَّيِّدِ، ولا يَرُدُّ عليه ما أَنْفَقَهَ؛ لأَنَّه أَنْفَقَ عليه مع عِلْمِه بحُرِّيَّتِه، فكان مُتَطَوِّعًا بذلك، فلم يَرْجِعْ به. ويَنْبَغِى أَنْ يَسْتَحْلِفَ السَّيِّدَ الحاكمُ، أَنَّهُ ما اسْتَوْفَى مالَ الكِتابةِ. وهذا قولُ أصْحابِ الشافعىِّ. ولم يَذْكُرْه أصحابُنا، وهو حَسَنٌ؛ لأَنَّه [يَحْتَمِلُ أَنَّهُ] (١٩) اسْتَوْفاهُ، والمَجْنُونُ لا يُعْبِّرُ عن نَفسِه فيَدَّعِيه، فيقومُ الحاكمُ مَقامَه فى اسْتِحْلافِه عليه. فصل: وقَتْلُ المُكاتَبِ كمَوْتِه، فى انْفِساخِ الكِتابةِ، على ما أسْلَفْنا من الخِلافِ، سواءٌ كان القاتلُ السَّيِّدَ أو الأجْنَبِىَّ. ولا قِصاصَ على قاتِلِه الحُرِّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ. فإِنَّ كان القاتلُ سَيِّدَه ولم يُخَلِّفْ وَفاءً، انْفَسَخَتِ الكِتابةُ، وعاد ما فى يَدِه إلى سَيِّدِه، ولم يَجِبْ عليه شىءٌ؛ لأَنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ له. فإِن قيل: فالقاتِلُ لا يَسْتَحِقُّ بالقَتْلِ شيئًا مِن تَركَةِ المَقْتولِ. قُلْنا: ههنا لا يَرْجِعُ إليه مالُ المُكاتَبِ مِيراثًا، بل بِحُكْم مِلْكِه عليه، لزَوَالِ الكِتابةِ، وإنَّما يُمْنَعُ القاتلُ المِيراثَ خاصَّةً، ألا تَرَى أَنَّ مَنْ له دَيْنٌ مُؤَجَّل، إذا قَتَلَ مَنْ عليه الحَقُّ، حَلَّ دَيْنُه، فى (٢٠) رِوَايةٍ، وأُمَّ الوَلَدِ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَها

стр. 7816

عَتَقَتْ. وإن كان المُكاتَبُ قد خَلَّفَ وَفاءً، وقُلْنا: إِنَّ الكِتابةَ تَنْفَسِخُ بمَوْتِه. فالحُكْمُ كذلك. وإن قُلْنا: لا تَنْفَسِخُ بمَوْتِه (٢١). فله القِيمَةُ على سَيِّدِه، تُصْرَفُ إلى وَرَثَتِه، كما لو كانت الجِنايةُ على بعضِ أطْرافِه فى حياتِه. فإن كان الوَفاءُ يَحْصُلُ بإيجابِ القِيمَةِ، ولا يَحْصُلُ بدُونِها، وجَبَتْ، كما لو خَلَّفَ وَفاءً؛ لأنَّ دِيَةَ المَقْتُولِ كتَركِتِه، فى قَضاءِ دُيُونِه منها، وانْصِرافِها إلى وُرَّاثِه (٢٢) بينَهم على فَرائضِ اللَّه تعالى. ولا فَرْقَ، فيما ذكَرْنا، بين أَنْ يُخَلِّفَ وارِثًا (٢٣) أو لا يُخَلِّفَ وارِثًا. وذَكَرَ القاضى، أنَّه إذا لم يُخَلِّفْ وارِثًا سِوَى سَيِّدِه، لم تَجِبِ القِيمَةُ عليه بحالٍ. ولَنا، أَنَّ مَنْ لا وارِثَ له، يُصْرَفُ مالُه إلى المسلمينَ، ولا حَقَّ لسَيِّدِه فيه؛ لأنَّ صَرْفَه إلى سَيِّدِه بطَرِيقِ الإِرْثِ، والقاتِلُ لا مِيراثَ له. وإن كان القاتلُ أجْنَبِيًّا، وجَبَتِ القِيمَةُ لسَيِّدِه، إِلَّا فى المَوْضِعِ الذى لا تَنْفَسِخُ الكِتابةُ، فإنَّها تَجِبُ لوَرَثَتِه. واللَّهُ أعلمُ. ١٩٨٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ، كَانَ الْعَبْدُ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَمَا أَدَّى فَبَيْنَ وَرَثَةِ سَيِّدهِ، مَقْسُومًا كَالْمِيرَاثِ) وجملةُ ذلك أَنَّ الكِتابةَ لا تَنْفَسِخُ بمَوْتِ السَّيِّدِ، لا نعلمُ فيه بين أهلِ العلمِ خِلافًا؛ وذلك لأَنَّه عَقْدٌ لازِمٌ من جِهَتِه، لا سَبِيلَ إلى فَسْخِه، فلم يَنْفَسِخْ بمَوْتِه، كالبيعِ والإِجارةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ المُكاتَبَ يُؤَدِّى نُجُومَه، وما بَقِىَ منها، إلى ورَثَتِه؛ لأَنَّه دَيْنٌ لمَوْرُوثِهِم، ويكونُ مَقْسُومًا بينَهم على قَدْرِ مَوارِيثِهم، كسائرِ دُيُونِه؛ فإنْ كان له أولادٌ ذُكورٌ وإناثٌ، فللذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. ولا يَعْتِقُ حتى يُودِّىَ إلى كلِّ ذِى حَقٍّ حَقَّه، فإن أدَّى إلى بعضِهِم دونْ بعض، لم يَعْتِقْ، كما لو كان بينَ شُرَكَاءَ، فأدَّى إلى بعضِهم، فإنْ كان بعضُهم غائِبًا، وكان له وَكِيلٌ، دَفَعَ نَصِيبَه إلى وكِيله، وإِنْ لم يكُنْ له وكيلٌ، دَفَعَ نَصيبَه إلى الحاكمِ، وعَتَقَ. وإن كان مُوَلَّيًا عليه، دَفَعَ نَصِيبَه إلى وَلِيِّه؛ إمَّا ابْنِه أو وَصِيِّه أو الحاكمِ أو أمِينه. فإن كان له وَصِيَّانِ، لم يَبْرَأْ إِلَّا بالدَّفعِ إليهما معًا. وإن كان

стр. 7817

الوارِثُ رَشِيدًا، قَبَضَ لنَفْسِه، ولا تَصِحُّ الوَصِيّةُ إلى غيرِه ليَقْبِضَ له؛ لأنَّ الرَّشِيدَ وَلِىُّ نَفْسِه. وإن كان بعضُهم رَشِيدًا، وبعضُهم مُولَّيًا عليه، فحكمُ كلِّ واحدٍ منهم حُكْمُه لو انْفَرَدَ. وإِنْ أَذِنَ بعضُهم له فى الأداءِ إلى الآخَرِ، وكان الذى أذِنَ له (١) فى ذلك رَشِيدًا، فأدَّى إلى الآخَرِ جَمِيعَ حَقِّه، عَتَقَ نَصِيبُه، فإن كان مُعْسِرًا، لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، وإن كان مُوسِرًا، عَتَقَ عليه كلُّه، وقُوِّمَ عليه باقِيه، كما لو كان بين شَرِيكَيْنِ فأعْتَقَ أحَدُهُما نَصِيبَه. وهذا ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وقال القاضى: لا يَسْرِى (٢) عِتْقُه، وإن كان مُوسِرًا. وهو (٣) القولُ الثانى للشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ إِلَّا بأدَاءِ جميعِ مالِ الكِتابةِ؛ لأَنَّه أدَّى بعضَ مالِ الكِتابةِ، فأشْبَهَ ما لو أدَّاهُ إلى السَّيِّدِ. وإن أبْرَأهُ من مالِ الكِتابةِ، بَرِئَ منه، وعَتَقَ. وإن أبْرَأهُ بعضُهم، عَتَقَ نَصِيبُه، وكذلك إن أعْتَقَ نَصِيبَه منه، عَتَقَ. والخِلافُ فى هذا كلِّه، كالخِلافِ فيما إذا أدَّى إلى بعضِهم بإذْنِ الآخَرِ. ولَنا، على أنَّه يَعْتِقُ نصيبُ مَنْ أبْرَأهُ (٤) مِن حَقِّه عليه، أو اسْتَوْفَى نَصِيبَه بإذْنِ شُرَكائِه، أنَّه أبْرَأهُ مِن جميعِ مالَه عليه، فوَجَبَ أن يَلْحَقَه العِتْقُ، كما لو أبْرَأهُ سَيِّدُه من جميِع مالِ الكِتابةِ، وفارَقَ ما إذا أبْرَأهُ سَيِّدُه مِن بعضِ مالِ الكِتابةِ؛ لأَنَّه ما أبْرَأهُ مِن جميِع حَقِّه. ولَنا، على سِرَايةِ عِتْقِه، أنَّه إعْتاقٌ لبعضِ العبدِ الذى يجوزُ إعْتاقُه، مِن مُوسِرٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ، غيرِ مَحْجُورٍ عليه، فوَجَبَ أن يَسْرِىَ عِتْقُه، كما لو كان قِنًّا، ولأنَّه عِتْقٌ حَصَلَ بفِعْلِه واخْتِيارِه، فسَرَى، كمَحَلِّ الوِفَاقِ. فإن قِيلَ: فى السِّرايَةِ إضْرَارٌ (٥) بالشُّرَكاءِ؛ لأَنَّه قد يَعْجِزُ، فيُرَدُّ إلى الرِّقِّ. قُلْنا: إذا كان العِتْقُ فى مَحَلِّ الوِفَاقِ يُزِيلُ الرِّقَّ المُتَمَكّنَ، الذى لا كِتابةَ فيه، فَلأَن يُزِيلَ عَرَضِيَّةَ ذلك بطرَيقِ الأَوْلَى. ١٩٨٤ - مسألة؛ قال: (وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لِسَائِرِ الْوَرَثةِ) [يعْنِى لجَميعِ الوَرَثةِ] (١)، أمَّا إذا عَجَزَ، ورُدَّ فى الرِّقِّ، فإنَّه يكونُ عَبْدًا لجميعِ الوَرَثةِ،

стр. 7818

كما لو لم يَكُنْ مُكاتَبًا؛ لأَنَّه مِن مالِ مَوْرُوثِهم، فكان بينَهم كسائرِ المالِ، وأمَّا إذا (٢) أدَّى مالَ الكتابةِ، وعَتَقَ، فقال الْخِرَقِىُّ: يكونُ وَلاؤُه لمُكاتَبِه، يَخْتَصُّ به عَصَباتُه دُونَ أصْحابِ الفُرُوضِ. وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. ونَقَله إسحاقُ بن منصورٍ، عن أحمدَ، ﵀، وإسْحاقَ. ورَوَى حَنْبَلٌ، وصالحُ بن أحمدَ، عن أبِيه، قال: اخْتَلف الناسُ فى المُكاتَبِ يَمُوتُ سَيِّدُه، وعليه بَقِيَّةٌ من كِتابَتِه، فقال بعضُ الناسِ: الوَلاءُ للرِّجالِ والنِّساءِ. وقال بعضُ الناسِ: لا وَلاءَ للنِّساء؛ لأنَّ هذا إنَّما هو دَيْنٌ على المُكاتَبِ، ولا يَرِثُ النِّساءُ من الوَلاءِ إِلَّا ما كاتَبْنَ، أو أَعْتَقْنَ. ولكلٍّ وَجْهٌ. والذى أراهُ ويَغْلِبُ، على أنَّهُنَّ يَرِثْنَ؛ وذلك لأنَّ المُكاتَبَ لو عَجَزَ بعدَ وفاةِ السَّيِّدِ، رُدَّ رَقِيقًا. وهذا قولُ طاوسٍ، والزُّهْرِىِّ؛ وذلك لأنَّ (٣) المُكاتَبَ انْتقَل إلى الورَثةِ بمَوْتِ المُكاتِبِ، فكان وَلاؤُه لهم، كما لو انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِى، ولأنَّه يُؤَدِّى إلى الوَرَثةِ، فكان وَلاؤُه لهم، كما لو أدَّى إلى (٤) المُشْتَرِى. ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنَّ السَّيِّدَ هو المُنْعِمُ بالعِتْقِ، فكان الوَلاءُ له، كما لو أدَّى إليه، ولأنَّ الوَرَثةَ إنَّما ينْتَقِلُ إليهم ما بَقِىَ للسَّيِّدِ، وإنَّما بَقِىَ للسَّيِّدِ دَيْنٌ فى ذِمَّةِ المُكاتَبِ، والفَرْقُ بين المِيراثِ والشِّراءِ، أَنَّ السَّيِّدَ نَقَلَ حَقَّه فى المَبِيعِ (٥) باخْتِيارِه، فلم يَبْقَ له فيه (٢) حَقٌّ من وَجْهٍ، والوَارِثُ يَخْلُفُ المَوْرُوثَ، ويقومُ مَقامَه، ويَبْنِى على ما فَعَلَه مَوْرُوثُه، ولا ينْتقِلُ إليه شىءٌ أمْكَنَ بَقاؤُه لمَوْرُوثِه، والولاءُ ممَّا أمْكَنَ بَقاؤُه للمَوْرُوثِ، فوَجَبَ أَنْ لا يَنْتَقِلَ عنه. فصل: فإنْ أعْتَقَه الوَرَثةُ، صَحَّ عِتْقُهم؛ لأَنَّه مِلْكٌ لهم، فصَحَّ عِتْقُهم له، ولأنَّ السَّيِّدَ لو أعْتَقَه نَفَذَ عِتْقُه، وهم يقُومون مَقامَ مَوْرُوثِهم، ويكونُ وَلاؤُه لهم؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٦). وإن أعْتَقَ بعضُهم نَصِيبَه، فعَتَقَ عليه كلُّه، قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شُرَكائِه، وكان وَلاؤُه له. وإن لم يَسْرِ عِتْقُه؛ لكَونِه مُعْسِرًا، أو لغيرِ ذلك،

стр. 7819

فله وَلاءُ ما أعْتَقَه؛ للخَبَرِ، ولأنَّه مُنْعِمٌ عليه بالعِتْقِ، فكان الوَلاءُ له، كغيرِ المُكاتَبِ. وقال القاضى: إِنْ أعْتَقُوه كلّهم قبلَ عَجْزِه، كان الولاءُ للسَّيِّدِ، وإن أعْتَقَ بعضُهم، لم يَسْرِ عِتْقُه، ثم يُنْظَرُ؛ فإن أدَّى إلى الباقِينَ، عَتَقَ كلُّه، وكان وَلاؤُه للسَّيِّدِ، وإن عَجَزَ فرَدُّوه إلى الرِّقِّ، كان وَلاءُ نَصِيبِ المُعْتِقِ له، ؛ لأَنَّه لولا إعْتاقُه، لعَادَ سَهْمُه رَقِيقًا، كسِهَامِ سائرِ الوَرَثةِ، فلمَّا أعْتَقَه، كان هو المُنْعِمَ عليه، فكان الوَلاءُ له دُونَهم. فأمَّا إِنْ أبْرَأهُ الوَرَثةُ كلُهم (٧)، عَتَقَ، وكان وَلاؤُه على الرِّوايتَيْن اللَّتَيْنِ ذكَرْناهما، فيما إذا أدَّى إليهم؛ لأنَّ الإِبْراءَ جَرَى مَجْرَى اسْتِيفاءِ ما عليه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ الوَلاءُ لهم؛ لأنَّهم أنْعَمُوا عليه بما عَتَقَ به، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقُوه، وإن أبْرَأهُ بعضُهم مِن نَصِيبِه، كان فى وَلائِه ما ذكَرْناهُ من الخِلافِ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: إذا باع الوَرَثةُ المُكاتَبَ، أو وَهَبُوه، صَحَّ بَيْعُهم وهِبَتُهم؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ المُكاتِبِ، والمُكاتِبُ يَمْلِكُ بَيْعَه وهِبَتَه، فكذلك ورَثَتُه، ويكونُ عندَ المُشْتَرِى والمَوْهُوبِ له مُبْقًى على كِتابَتِه، فإن عَجَزَ فعَجَّزَه، عاد رَقِيقًا له، وإِنْ أدَّى وعَتَقَ، كان وَلاؤُه لمن يُؤَدِّى إليه. على الرِّوايِة التى تقولُ: إِنَّ وَلاءَه للوَرَثةِ، إذا أدَّى إليهم. وأمَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فيَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ بَيْعُه ولا هِبَتُه؛ لأنَّ ذلك يَقْتَضِى إبْطالَ سَبَبِ ثُبُوتِ الوَلَاءِ للسَّيِّدِ الذى كاتَبَه، وليس ذلك للوَرَثةِ، ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويكونَ الوَلاءُ للسَّيِّدِ إن عَتَقَ بالكِتابةِ؛ لأنَّ السَّيِّدَ عَقَدَها، فعَتَقَ بها، فكان وَلاؤُه له، ويُفارِقُ ما باعَه السَّيِّدُ؛ لأنَّ السَّيِّدَ بِبَيْعِه أبْطَلَ حَقَّ نَفْسِه، وله ذلك، بخِلافِ الوَرَثةِ، فإنَّهم لا يَمْلِكُون إبْطالَ حَقِّ مَوْرُوثِهم. فصل: وإن وَصَّى (٨) السَّيِّدَ بمالِ الكِتابةِ لِرَجُلٍ، صَحَّ. فإنْ سَلَّم مالَ الكِتابةِ إلى المُوصَى له، أو وَكِيلِه، أو وَلَيِّه إن كان مَحْجُورًا عليه، بَرِئ منه، وعَتَقَ، ووَلاؤُه لسَيِّدِه الذى كاتَبَه؛ لأَنَّه المُنْعِمُ عليه. وإِنْ أبْرَأه من المالِ، عَتَقَ أيضًا؛ لأَنَّه بَرِئَ من مالِ الكِتابةِ، فأشْبَهَ ما لو أدَّى. وإن أعْتَقَه، لم يَعْتِقْ؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ رقَبَتَه، ولا وَصَّى له بها،

стр. 7820

وإنما وَصَّى له بالمالَ الذى عليه. وإن عَجَزَ، ورُدَّ فى الرِّفِّ، عاد عَبْدًا للوَرَثةِ، وما قَبَضَه (٩) المُوصَى له من المالِ، فهو له؛ لأَنَّه قَبَضَه بحُكْمِ الوَصِيَّةِ الصَّحيحةِ، والأمْرُ فى تَعْجِيزِه إلى الوَرَثةِ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَتَ (١٠) لهم بتَعْجِيزِه، ويَصِيرُ العبدُ لهم، فكانت الخِيَرَةُ فى ذلك إليهم. وأمَّا المُوصَى له، فإِنَّ حَقَّه ووَصِيَّتَه تَبْطُلُ بتَعْجِيزِه، فلم يَكُنْ له فى ذلك حَقٌّ. وإن وَصَّى بمالِ الكِتابةِ للمَساكِينِ، ووَصَّى إلى رجلٍ بقَبْضِه وتَفْرِيقِه بينَهم، صَحَّ. ومتى سَلَّمَ المالَ إلى الوَصِىِّ (١١)، بَرِئَ، وعَتَقَ. وإن أبْرَأهُ منه لم يَبْرَأْ؛ لأنَّ الحَقَّ لغيرِه. وإن دَفَعَه المُكاتَبُ إلى المَساكِينِ، لم يَبْرَأْ منه، ولم يَعْتِقْ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ إلى الوَصِىِّ دُونَه. وإِنْ وَصَّى بِدَفْعِ المالِ إلى غُرَمائِه، تَعَيَّنَ القَضَاءُ منه، كما لو وَصَّى به عَطِيّةً له. فإن كان إنَّما وَصّى (١٢) بقَضَاءِ دُيُونِه مُطْلَقًا، كان على المُكاتَبِ أن يَجْمعَ بينَ الوَرَثةِ والوَصِىِّ بقَضَاءِ الدَّيْنِ، ويَدْفَعَه إليهم بحَضْرَتِه؛ لأنَّ المالَ للوَرَثةِ، ولهم أَنْ يَقْضُوا الدَّيْنَ منه ومِن غيرِه، وللوَصِىِّ (١٣) فى قَضَاءِ الدَّيْنِ حَقٌّ فيه؛ لأنَّ له (١٤) مَنْعَهم من التَّصَرُفِ فى التَّرِكَةِ قبلَ قَضاءِ الدَّيْنِ. فصل: إذا مات رجلٌ، وخَلَّفَ ابْنَيْنِ وعَبْدًا، فادَّعَى العبدُ أَنَّ سَيِّدَه كاتَبَه، فصَدَّقَاه، ثَبَتَتِ الكِتابةُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما. وإن أنْكَرَاهُ، وكانت له بَيِّنَةٌ بدَعْواهُ، ثَبَتَتِ الكِتابةُ، وعَتَقَ بالأدَاءِ إليهما. وإن عَجَزَ، فلهما رَدُّه إلى الرِّقِّ. وإِنْ لم يُعَجِّزَاه، وصَبَرَا عليه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ. وإن عَجَّزَه أحَدُهما، وأُبى الآخَر تَعْجِيزَه، بَقِىَ نِصْفُه على الكِتابةِ، وعاد نِصْفُه الآخَرُ رَقِيقًا. وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُهما مع أَيْمانِهِما؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ، وعَدَمُ الكِتابةِ، وتكونُ أَيْمانُهما (١٥) على نَفْىِ العِلْمِ، فيَحْلِفانِ باللَّهِ

стр. 7821

أنَّهما لا يَعْلَمانِ أَنَّ أباهُما كاتَبَه؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ، فإن حَلَفَا، ثَبَتَ رِقُّه، وإن نَكَلَا، قُضِىَ عليهما، أو رُدَّتِ اليَمِينُ (١٦)، على قولِ مَنْ قَضَى برَدِّها، فيَحْلِفُ العبدُ، وتَثْبُتُ الكِتابةُ. وإن حَلَفَ أحدُهما، ونَكَلَ الآخرُ، قُضِىَ برِقِّ نِصْفِه، وكِتابةِ نِصْفِه. وإن صَدَّقَه أحَدُهما، وكذَّبَه الآخَرُ، ثَبَتتِ الكِتابةُ فى نِصْفِه، وعليه البَيِّنَةُ فى نِصْفِه الآخَرِ. فإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، وحَلَفَ المُنْكِرُ، صار نِصْفُه مُكاتَبًا، ونِصْفُه رَقِيقًا قِنًّا. فإن شَهِدَ المُقِرُّ على أخِيه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأَنَّه لا يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها ضرَرًا. فإن كان معَه شاهدٌ آخَرُ، كَمَلَتِ الشَّهادةُ، وثَبَتَتِ الكِتابةُ فى جَمِيعه. وإن لم يَشْهَدْ معَه غيرُه، فهل يَحْلِفُ العبدُ معَه؟ على رِوَايتَيْنِ. وإن لم يَكُنْ عَدْلًا، أو لم يَحْلِفِ العبدُ معَه، وحَلَفَ المُنْكِرُ، كان نِصْفُه مُكاتَبًا، ونِصْفُه رَقِيقًا، ويكونُ كَسْبُه بينَه وبينَ المُنْكِرِ نِصْفَيْنِ، ونَفَقَتُه من كَسْبِه؛ لأنَّها على نَفْسِه، وعلى مالِكِ نِصْفِه، فإنْ لم يَكُنْ له كَسْبٌ، كان على المُنْكِرِ نِصْفُ نَفَقَتِه، ثم إن اتَّفَقَ هو ومالِكُ نِصْفِه على المُهايأَةِ، مُعاوَمةً أو مُشَاهَرَةً، أو كيفَما كان، جاز. وإن طَلَبَ ذلك أحَدُهما، وامْتَنَع الآخَرُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُجْبَرُ عليها. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ المَنافِعَ مُشْتَرَكةٌ بينَهما، فإذا أراد أحَدُهما حِيازَةَ نَصِيبِه من غيرِ ضَرَرٍ، لَزِمَ الآخَرَ إجَابَتُه، كالأعْيانِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المُهايأةَ تأْخِيرُ حَقِّهِ الحالِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ فى هذا اليوم مُشْتَرَكَةٌ بينَهما، فلا تَجِبُ الإِجابةُ إليه، كتَأخِيرِ دَيْنِه الحالِّ. فإن اقْتَسَما الكَسْبَ مُهايأةً، أو مُناصَفةً، فلم يَفِ بأداءِ نُجُومِه، فللمُقِرِّ رَدُّه فى الرِّقِّ، وما فى يَده له خاصَّةً؛ لأنَّ المُنْكِرَ قد أخَذَ حَقَّه من الكَسْبِ. وإن اخْتَلَفَ المُنْكِرُ والمُقِرُّ فيما فى يَد المُكاتَبِ، فقال المنكرُ: هذا كان فى يَده قبلَ دَعْوَى الكِتابةِ، أوكَسَبَه (١٧) فى حياةِ أبِينَا. وأنْكَرَ ذلك المُقِرُّ، فالقولُ قولُه معَ يَمِينِه؛ لأنَّ المُنْكِرَ يَدَّعِى كَسْبَه فى وَقْتٍ الأصْلُ عَدَمُه فيه، ولأنَّه لو اخْتَلَفَ هو والمُكاتَبُ فى ذلك، كان القولُ قولَ المُكاتَبِ، فكذلك مَن يقومُ مَقامَه. وإِنْ أدَّى الكِتابةَ، عَتَقَ نَصِيبُ المُقِرِّ خاصَّة، ولم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأَنَّه لم يُباشِرِ

стр. 7822

العِتْقَ، ولم يَتَسَبَّبْ (١٨) إليه، وإنَّما كان السَّبَبُ (١٩) مِن أبِيه، وهذا حَاكٍ عن أبِيه، مُقِرٌّ بفِعْلِه، فهو كالشاهِدِ، ولأنَّ المُقِرَّ يَزْعُمُ أَنَّ نَصِيبَ أخِيه حُرٌّ أيضًا؛ لأَنَّه قد قَبَضَ مِن العبدِ مثلَ ما قَبَضَ، فقد حَصَلَ أدَاءُ مالِ الكِتابةِ إليهما جميعا، فعَتَقَ كلُّه بذلك، ووَلاءُ هذا النِّصْفِ للمُقِرِّ؛ لأنَّ أخاهُ لا يَدَّعِيه، وهذا المُقِرُّ يَدَّعِى أنَّه كلُّه قد عَتَقَ بالكِتابةِ، وهذا الوَلاءُ الذى على هذا النِّصْفِ نَصِيبِى مِن الوَلَاءِ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: فى ذلك وَجْهان؛ أحدهما، كقَوْلِنا. والثانى (٢٠)، الوَلَاءُ بين الاثْنَيْنِ؛ لأَنَّه يَثْبُتُ لمَوْرُوثِهما، فكان لهما بالمِيراثِ. والصَّحيحُ ما قُلْناه، لما ذكَرْناه، ولا يَمْتَنِعُ (٢١) ثُبُوتُ الولاءِ للأبِ، واخْتِصاصُ أحَدِ الابْنَينِ به، كما لو ادَّعَى أحَدُهما دَيْنًا لأبيه على إنسانٍ، وأنْكَرَهَ الآخَرُ، فإنَّ المُدَّعِىَ يَأْخُذُ نَصِيبَه من الدَّيْنِ، ويَخْتَصُّ به دونَ أخِيه، وإن كان يَرِثُه عن الأبِ، وكذلك لو ادَّعَياه مَعًا، وأقاما به شاهِدًا واحدًا، فحلَفَ أحَدُهما مع الشاهِدِ، وأبَى الآخَرُ. فإن أعْتَقَ أحَدُهما حِصَتّهَ، عَتَقَ، وسَرَى إلى باقِيه، إن كان مُوسِرًا. هذا قولُ الْخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَا يبْلُغُ قِيمَةَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَة العَدْلِ، وأُعْطِىَ شُرَكاؤُهُ حِصَصَهُمْ" (٢٢). ولأنَّه مُوسِرٌ أعْتَقَ نَصِيبَه من عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، فسَرَى إلى باقِيه، كغيرِ المُكاتَبِ. وقال أبو بكرٍ، والقاضى: لا تُعْتَقُ إِلَّا حِصَّتُه؛ لأَنَّه إِنْ كان المُعْتِقُ المُقِرَّ، فهو مُنَفِّذٌ، وإن كان المُنْكِرَ، لم يَسْرِ (٢٣) إلى نَصِيبِ المُقِرِّ؛ لأَنَّه مُكاتَبٌ لغيرِه، وفى سِرَاية العِتْقِ إليه إبْطالُ سَبَبِ الوَلاءِ عليه، فلم يَجُزْ ذلك. ١٩٨٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنَ السَّفَرِ) وجملتُه أَنَّ المُكاتَبَ لا يُمْنَعُ من السَّفَرِ، قريبًا كان أو بعيدًا. وهذا (١) قولُ الشَّعْبِىِّ،

стр. 7823

والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بن صالحٍ، وأبى حنيفةَ. ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بين السَّفَرِ الطويلِ وغيرِه، ولكنَّ (٢) المذهبَ أَنَّ له مَنْعَه مِن سَفَرٍ تَحِل نُجُومُ كِتابَتِه قَبْلَه (٣)؛ لأَنَّه يتَعَذَّرُ معه اسْتيفاءُ النُّجُومِ فى وَقْتِها، والرُّجُوعُ فى رِقِّهِ (٤) عندَ عَجْزِه، فمُنِعَ منه، كالغَرِيمِ الذى يَحِلُّ عليه الدَّيْنُ قبلَ مُدَّةِ سَفَرِه. واخْتَلَفَ قولُ الشافعىِّ، فقال فى مَوْضِع: له السَّفَرُ. [وفى قَولٍ: ليس له السَّفَرُ] (٥). فقالَ بعضُ أصحابِه: فيها قَوْلان. وقال بعضُهم: ليستْ على قَوْلَيْنِ، إنَّما هى على اخْتلافِ حالَيْنِ؛ فالمَوْضِعُ الذى قال: له السفرُ. إذا كان قَصِيرًا؛ لأَنَّه فى حُكْمِ الحاضرِ، والموضعُ الذى مَنَعَ منه، إذا كان بَعِيدًا، يتعَذَّرُ معَه (٦) اسْتِيفاءُ نُجُومه، والرُّجُوعُ فى رِقِّه عندَ عَجْزِه. ولَنا، أَنَّ المُكاتَبَ فى يَدِ نَفْسِه، وإنّما للسَّيِّدِ عليه دَيْنٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ المَدِينَ، وما ذكَرُوه لا أصْلَ له، ويَبْطُلُ بالحُرِّ (٧) الغَرِيم. فصل: فإنْ شَرَطَ عليه فى الكِتابةِ أَنْ لا يُسافِرَ، فقال القاضى: الشَّرْطُ باطِلٌ. وهو قولُ الحسنِ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لأَنَّه يُنافِى مُقتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ شَرْطُه، كشَرْطِ تَرْكِ الاكْتِسابِ، ولأنَّه غَرِيمٌ، فلم يَصِحَّ شَرْطُ تَرْكِ السَّفَرِ عليه، كما لو أقْرَضَ (٨) رَجُلًا (٩) قَرْضًا بشَرْطِ أَنْ لا يُسافِرَ. وقال أبو الخَطابِ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، وله مَنْعُه من السَّفَر. وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم" (١٠). ولأنَّه شَرْطٌ له فيه فائدةٌ، فلَزِمَ، كما لو شَرَطَ نَقْدًا مَعْلُومًا. وبَيانُ فائِدَتِه، أنَّه لا يَأْمَنُ (١١) إباقَه، وأنَّه لا يَرْجِعُ إلى سَيِّده، فيَفُوتُ العبدُ والمالُ الذى عليه،

стр. 7824

ويُفارِقُ القَرْضَ، فإنَّه عَقْدٌ جائِزٌ من جانِبِ المُقْرِضِ، متى شاءَ طالَبَ بأَخْذِه، ومَنَعَ الغَرِيمَ السَّفرَ قبلَ إِيفائِه، فكان المَنْعُ مِن السَّفَرِ حاصِلًا بدُون شَرْطِه، بخِلافِ الكِتابةِ، فإنَّه لا يُمْكِنُ السَّيِّدَ مَنْعُه مِن السَّفَرِ إِلَّا بشَرْطِه، وفيه حِفْظُ عَبْدِه ومالِه، فلا يُمْنَعُ مِن تَحْصِيلِه (١٢). وهِذا أصَحُّ، إن شاءَ اللَّه تعالى، وأوْلَى. فعلى هذا الوَجْهِ، لسَيِّدِه مَنْعُه من السَّفَرِ، فإن سافرَ بغيرِ إذْنِه، فله رَدُّه، إِنْ أمْكَنَه، وإن لم يُمْكِنْه رَدُّه، احْتَمَلَ أَنَّ له تَعْجِيزَه، ورَدَّه إلى الرِّقِّ؛ لأَنَّه لم يَفِ بما شَرَطَه عليه، أشْبَهَ ما لو لم يَفِ بأداءِ الكِتابةِ. واحْتَمَلَ أَنْ لا يَمْلِكَ ذلك؛ لأَنَّه مُكاتَبٌ كِتابةً صَحِيحةً، لم يَظْهَرْ عَجْزُه، فلم يَمْلِكْ تَعْجِيزَه، كما لو لم يَشْتَرِطْ (١٣) عليه. فصل: وإن شَرَطَ فى كِتابَتِه أَنْ لا يسْأَل النَّاسَ (١٤)، فقال أحمدُ: قال جابرُ بنُ عبدِ اللَّه: هم على شُرُوطِهِما، إِنْ رَأيْتَه يَسْأَلُ تَنْهاهُ، فإن قال: لا أَعُودُ. لم يَرُدَّه عن كِتابَتِه فى مَرَّةٍ. فظاهِرُ هذا أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لازمٌ، وأنَّه إِنْ خالفَ مَرّةً، لم يُعَجِّزْه، وإن خالَفَ مَرَّتَيْنِ أو أكثرَ، فله تَعْجِيزُه. قال أبو بكرٍ: إذا رآه يَسْأَلُ مَرَّة فى مرةٍ، عَجَّزَه، كما إذا حَلَّ نَجْمٌ فى نَجْمٍ، عَجّزَه. فاعْتَبَر المُخالَفةَ فى مَرَّتَيْنِ كحُلُولِ (١٥) نجْمَيْنِ. وإنَّما صَحَّ الشَّرْطُ؛ لقولِه ﷺ : "المُسْلِمُونَ على شُرُطِهِم". ولأنَّ له فى هذا فائِدةً وغَرَضًا صَحِيحًا، وهو أن لا يكونَ كَلًّا على الناسِ، ولا يُطْعِمَه من صَدَقَتِهم وأَوْساخِهم. وذكر أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يَصِحُّ الشَّرْط؛ لأنَّ اللَّه تعالى جَعَلَ للمُكاتَبِ سَهْمًا من الصَّدَقةِ، بقولِه تعالى: ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾ (١٦). وهم المُكاتَبُونَ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ تَرْكِ (١٧) طَلَبِ ما جَعَلَه اللَّه تعالى له (١٧). ١٩٨٦ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا بإِذْنِ سَيِّدهِ) وهذا قولُ الحسنِ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وابنِ أبى لَيْلَى، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، وأبى

стр. 7825

يوسفَ. وقال الحسنُ بن صالحٍ: له ذلك؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ. ولَنا، قولُ النَّبِىّ ﷺ : "أَيُّمَا عَبْدٍ تزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ" (١). ولأنَّ على السَّيِّدِ فيه ضَرَرًا؛ لأَنَّه ربَّما عجَزَ، فيَرْجِعُ إليه ناقِصَ القِيمَةِ، ويَحْتاجُ أن يُؤدِّىَ المَهْرَ والنَّفَقةَ من كَسْبِه، فيَعْجِزُ عن تَأْدِيةِ نُجُومِه، فيُمْنَعُ من ذلك، كالتَّبَرُّعِ به. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا تزَوَّجَ، لم يَصِحَّ تَزْوِيجُه. وقال الثَّوْرِىُّ: نِكاحُه مَوْقُوفٌ، إِنْ أدَّى، تَبَيَّنَّا، أنَّه كان صَحِيحًا، وإن عَجَزَ، فنِكاحُه باطِلٌ. ولَنا، الخبرُ، ولأنَّه تَصَرُّفٌ مُنِعَ (٢) منه للضَّرَرِ، فلم يَصِحَّ، كالهِبَةِ، وما ذكَرَه لا أصْلَ له. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُفَرَّقُ بينَهما، فإن كان قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها، وإن كان بعدَه، فعليه مَهْرُ مِثْلِها، يُؤَدَّى مِن كَسْبِه؛ لأَنَّه بمَنْزِلةِ جنَايَتِه. وإن أتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه نَسَبُه؛ لأَنَّه من وَطْءٍ فى نِكاح فاسِدٍ، فإن كانتِ المرأةُ حُرَّةً، فهو حُرٌّ، وإن كانتْ أمَةً، فولَدُها رَقِيقٌ لسَيِّدِها. فأمَّا إِنْ أذِنَ له [سَيِّدُه فى النِّكاحِ، صَحَّ منه. فى قولِهم جميعًا؛ فإِنَّ الخَبَرَ يدُلُّ بمَفْهُومِه على صِحَّةِ تَزْويجِه، إذا أذِنَ له] (٣)، ولأنَّ المَنْعَ من نِكاحِه لِحَقِّ سَيِّده، فإذا أذِنَ له، زال المانِعُ، ولأنَّه لو أَذِنَ لعَبْدِه القِنِّ فى النِّكاحِ، صَحَّ منه، فالمُكاتَبُ أَوْلَى. فصل: وليس له التَّسَرِّى بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ (٤) مِلْكَه غيرُ تامٍّ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا يَنْبَغِى لأهْلِه أن يَمْنَعُوه مِنَ التَّسَرِّى. ولَنا، أَنَّ مِلْكَهُ ناقِصٌ، وعلى السَّيِّدِ فيه ضَرَرٌ، فيُمْنَعُ منه، كالتَّزْوِيج. وبَيانُ الضَّرَرِ فيه؛ أنَّه ربَّما أحْبَلَها، والحَبَلُ مَخُوفٌ فى بَناتِ آدَمَ، فرُبَّما تَلِفَتْ، وربَّما ولَدَتْ، فصارَتْ أُمَّ ولَدٍ، فيَمْتَنِعُ (٥) عليه بَيْعُها فى أداءِ كِتابتِهِ (٦)، وإن عَجَزَ (٧)، رَجَعَتْ إلى السَّيِّدِ ناقصةً، فإذا مُنِعَ من التَّزْوِيج لضَرَرِه، فهذا أَوْلَى.

стр. 7826

فأمَّا إِنْ أذِنَ له سَيِّدُه فى التَّسَرِّى، جاز له. وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ له ذلك، وإن أَذِنَ له (٨) فيه سَيِّدُه. فى أحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لأَنَّه أمْرٌ يُضِرُّ به، وربَّما أفْضَى إلى مَنْعه من العِتْقِ، فلم يَجُزْ وإِنْ أذِنَ فيه سَيِّدُه، ولأنَّه ناقِصُ المِلْكِ، فلم يَجُزْ له التَّسَرِّى، كوَطْءِ الجاريةِ المُشْتَرَكَةِ. ولَنا، أنَّه لو أذِنَ لعَبْدِه القِنِّ فى التّسَرِّى، جازَ، فالمُكاتَبُ أَوْلَى , ولأنَّ المَنْعَ كان لأجْلِ الضَّرَرِ بالسَّيِّدِ، فجاز بإذْنِه (٩)، كالتَّزْوِيج. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا تَسَرَّى بإذْنِ سَيِّدِه، أو غيرِ إذْنِه، فلا حَدَّ عليه؛ لشُبْهةِ المِلْكِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأَنَّه لو وَجَبَ لَوَجَبَ له، ولا يَجِبُ على الإِنسانِ شىءٌ لنَفْسِه. وإن حَبِلَتْ، فالنَّسَبُ لَاحِقٌ به؛ لأنَّ الحَدَّ إذا سَقَطَ بالشُّبْهةِ، لَحِقَه النَّسَبُ، ويكونُ الولدُ مملوكًا له؛ لأَنَّه ابنُ أمَتِه، ولا يَعْتِقُ عليه؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ، وليس له بَيْعُه؛ لأَنَّه ولَدُه، ويكون مَوْقوفًا على كتابتِه، فإن أدَّى، عَتَقَ، وعَتَقَ الولدُ؛ لأَنَّه مِلْكٌ لأِبيه الحُرِّ، وإن عَجَزَ، وعاد إلى الرِّقِّ، فولدُه رَقِيقٌ أيضًا، ويكُونان مَمْلوكَيْنِ للسَّيِّدِ. فأمَّا الأمَةُ، فإنْ ولَدَتْ قبلَ عِتْقِه وعَجْزِه، فإنَّها تصيرُ أُمَّ ولَدٍ للمُكاتَبِ، وليس له بَيْعُها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ ولَدَها له حُرْمةُ الحُرِّيَّةِ، ولا يجوزُ بَيْعُه. ويعْتِقُ بعِتْقِ أبيه، فكذلك أُمُّه. فعلى هذا، لا يجوزُ بَيْعُها، وتكون مَوْقوفةً مع (١٠) المكاتَبِ، إن عَتَقَ، فهى أُمُّ ولَدٍ (١١)، وإن رَقَّ، رَقَّتْ. وقال القاضى، فى موضعٍ. لا تصيرُ أُمَّ ولَدٍ بحالٍ، وله بَيْعُها؛ لأنَّها حَمَلَتْ بمَمْلوكٍ، فى مِلْكٍ غير تامٍّ. وللشافعىِّ قَوْلان، كهذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. وإن وضَعَتْه بعدَ عِتْقِه لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، تَبَيَّنَّا أنَّها حَمَلَتْ به فى حالِ رِقِّه، فالحكمُ على ما مَضَى. وإن أتَتْ به كْثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، حَكَمْنا أنَّها حَمَلَتْه حُرًّا؛ لأنَّنا لم نتَيَقَّنْ وُجُودَه فى حالِ الرِّقِّ، وتكونُ أُمَّ ولَدٍ؛ لأنَّها عَلِقَتْ بحُرٍّ فى مِلْكِه. وللشافعىِّ مِن التَّفْصيلِ نحوٌ ممَّا ذكَرْنا. فصل: وليس للمُكاتَبِ أَنْ يُزَوِّجَ عَبِيدَه وإماءَه، بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وذُكِرَ عن مالكٍ أَنَّ له ذلك، إذا كان على وَجْهِ النَّظَرِ؛ لأَنَّه عَقْدٌ

стр. 7827

على مَنْفعةٍ، فمَلَكَه، كالإِجارةِ. [وهو الذى قالَه أبو الخَطَّاب، فى "رُءُوسِ المسائلِ"] (١٢). وحُكِىَ عن القاضى، أنَّه قال فى "الخِصالِ": له تَزْوِيجُ الأَمَةِ دُونَ العَبْدِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّه يأخُذُ عِوَضًا عن تَزْوِيجها، بخِلافِ العبدِ، ولأنَّه عَقْدٌ (١٣) على مَنافِعِها، فأشْبَهَ إجارَتَها. ولَنا، أَنَّ على السَّيَدِ فيه ضَرَرًا؛ لأَنَّه إِنْ زَوَّجَ [العبدَ، لَزِمَتْه نَفَقةُ امْرأتِه ومَهْرُها، وشَغَلَه بحُقُوقِ النِّكاحِ، ونَقَصَ قِيمَتَه، وإن زَوَّجَ] (١٤) الأمةَ، مَلَكَ الزَّوجُ بُضْعَها، ونَقَصَتْ قِيمَتُها، وقَلَّتِ الرَّغَباتُ فيها، وربَّما امْتَنعَ بَيْعُها بالكُلِّيةِ، وليس ذلك من جِهاتِ المَكاسِبِ (١٥)، فربَّما أعْجَزَه (١٦) ذلك عن أداءِ نُجُومِه، وإن عَجَزَ، عاد رَقِيقًا للسَّيِّدِ, مع ما تعَلّقَ بهم مِن الحقوقِ، ولَحِقَهم من النَّقْصِ، فلم يَجُزْ ذلك له، كإعْتاقِهم، وفارَق إجارةَ الدَّارِ، فإنَّها من جهاتِ المَكاسِبِ عادةً. فعلى هذا، إِنْ وجَبَ تَزْوِيجُهم، لطَلَبِهم ذلك، وحاجَتِهِم إليه، باعَهُم؛ فإِنَّ العَبْدَ متى طَلَبَ التَّزْوِيجَ، خُيِّرَ سَيِّدُه بينَ بَيْعِه وتَزْوِيجِه. وإن أذِنَ له (١٧) السَّيِّدَ فى ذلك، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ له، والمَنْعَ مِن أجْلِه، فجاز بإذْنِه. فصل: وليس له إعْتاقُ رَقِيقِه، إِلَّا بإذْنِ سَيِّدِه. وبهذا قال الحسنُ، والأوْزَاعىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على سَيِّدِه، بتَفْوِيتِ مالِه فيما لا يَحْصُلُ له به مالٌ، فأشْبَهَ الهِبَةَ. فإنْ أعْتَقَ، لم يَصِحَّ إعْتاقُه. ويتَخَرّجُ أَنْ يَصِحَّ، ويَقِفَ على إذْنِ سَيِّدِه. وقال أبو بكرٍ: هو مَوْقوفٌ على آخِرِ أمْرِ المُكاتَبِ، فإن أدَّى، عَتَقَ مُعْتَقُه، وإن لم يُؤَدِّ، رَقَّ. قال القاضى: هذا قياسُ المذهبِ، كقَوْلِنا فى ذَوِى الأرْحامِ، إنَّهم مَوْقُوفونَ. ولَنا، أنَّه تَبَرُّعٌ بمالِه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فكان باطلًا، كالهِبةِ، ولأنَّه تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا مُنِعَ منه لِحَقِّ سَيِّدِه، فكان باطلًا، كسائرِ ما مُنِعَ (١٨) منه. ولا يَصِحُّ قياسُه على

стр. 7828

ذَوِى أرْحامِه (١٩) لأنَّ عِتْقَ ذَوِى أرْحامِه، ليس بتَصَرُّفٍ منه، وإنَّما يَعْتِقُهم الشَّرْعُ على مالِكِهم بمِلْكِهم، والمُكاتَبُ مِلْكُه ناقِصٌ، فلم يَعْتِقُوا (٢٠) به، فإذا عَتَقَ، كَمَلَ مِلْكُه، فعَتَقُوا حينئذٍ، والمُعْتَقُ إنَّما يَعْتِقُ بالإِعْتاقِ الذى كان باطلًا، فلا تُتَيَقَّنُ صِحّتُه إذا كَمَلَ المِلْكُ؛ [لأنَّ كمالَ المِلْكِ] (٢١) فى الثانى، لا يُوجِبُ كونَه كاملًا حينَ الإِعْتاقِ، ولذلك (٢٢) لا يَصِحُّ سائرُ تَبَرُّعاتِه بأدَائِه. فأمَّا إِنْ أذِنَ فيه سَيِّدُه، صَحَّ. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ القَوْلينِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَبَرُّعَه بمالِه يُفَوِّتُ (٢٣) المَقْصُودَ من كِتابَتِه، وهو العِتْقُ الذى هو حَقٌّ للَّه تعالى، أو فيه حَقٌّ له، فلا يجوزُ تَفْوِيتَه، ولأنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ مِن الوَلَاءِ، [والعَبْدُ ليس] (٢٤) مِن أهْلِه، ولأنَّ مِلْكَ المُكاتَب ناقِصٌ، والسَّيِّدُ لا يَمْلِكُ إعْتاقَ ما فى يَده، ولا هِبَتَه، فلم يَصِحَّ إذْنُه (٢٥) فيه. ولَنا، أَنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، فإذا اتَّفَقَا على التَّبَرُّعِ به، جاز، كالرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بالنِّكاحِ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُه (٢٦) [ولا يَمْلكُه السَّيِّدَ] (٢٧) عليه، وإذا أذنَ له فيه، جاز. وأمَّا الوَلاءُ، فإنَّه يكون مَوْقوفًا، فإن عَتَقَ المُكاتَبُ، كان له، وإلَّا فهو لسَيِّدِه، [كما يَرِقُّ مَمالِيكُه من ذَوِى أرْحامِه. هذا قولُ القاضِى. وقال (٢٨) أبو بكرٍ: يكونُ لسَيِّدِه] (٢٩)؛ لأنَّ إعْتاقَه إنَّما صَحَّ بإذْنِ سَيِّدِه، فكان كالنائِبِ (٣٠) له. فصل: والمُكاتَبُ مَحْجُورٌ عليه فى مالِه، فليس له اسْتِهْلاكُه، ولا هِبَتُه. وبهذا قال

стр. 7829

الحسنُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ حَقَّ سَيِّدِه لم يَنْقَطِع عنه؛ لأَنَّه قد يَعْجِزُ، فيَعُودُ إليه، ولأنَّ القَصْدَ من الكِتابةِ تَحْصِيلُ العِتْقِ بالأداءِ، وهِبةُ مالِه تُفَوِّتُ ذلك. وإن أذِنَ فيه سَيِّدُه، جاز. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ؛ لأَنَّه يُفَوِّتُ المَقْصُودَ بالكتابةِ. وعن الشافعىِّ فيه (٣١) كالمَذْهبَيْنِ. ولَنا، أَنَّ الحقَّ لا يخْرُجُ عنهما، فجاز باتِّفاقِهِما، كالرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ. فأمَّا الهِبَةُ بالثَّوابِ، فلا تَصِحُّ. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: تَصِحُّ؛ لأنَّ فيها مُعَاوَضةً. ولَنا، أَنَّ الاخْتِلافَ فى تَقْديرِ الثَّوابِ، يُوجِبُ الغَرَرَ فيها، ولأنَّ عِوَضَها يتأَخَّرُ، فتكونُ كالبيْعِ نَسِيئةً. وإن أذِنَ فيها السَّيِّدُ، جازت. وإن وَهَبَ لسَيِّدِه، جاز؛ لأنَّ قَبُولَه الهِبةَ إذْنٌ فيها. وكذلك إن وَهَبَ لابنِ سَيِّدِه الصَّغِيرِ. فصل: ولا يُحَابِى فى البَيْعِ، ولا يَزِيدُ فى الثَّمنِ الذى اشْتَرَى به، ولا يُعِيرُ دابَّةً (٣٢)، ولا يُهْدِى هَدِيّةً. وأجاز ذلك أصحابُ الرَّأْى. ويَحْتَملُ جَوازَ إعارَةِ دابَّتِه، وهَدِيّةِ المَأْكُولِ، دعائِه إليه؛ لأنَّ ذلك يجوزُ للمَأْذُونِ له، ولا يَنْحَطُّ المُكاتَبُ عن دَرَجتِه. ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه تَبَرُّعٌ بمالِه، فلم يَجُزْ، كالهِبَةِ، ولا يُوصِى بمالِه، ولا يَحُطُّ عن المُشْتَرِى شيئًا، ولا يُقْرِضُ، ولا يَضْمَنُ، ولا يتَكَفَّلُ بأحدٍ. وبه قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ ذلك تبَرُّعٌ بمالِه (٣٣)، فمُنِعَ منه، كالهِبَةِ. فصل: وليس له أَنْ يَحُجَّ إن احْتاجَ إلى إنْفاقِ مالِه فيه. ونَقَلَ المَيْمُونِىُّ، عن أحمدَ، للمُكاتَبِ أَنْ يَحُجَّ من المالِ الذى جَمَعَه، إذا لم يَأْتِ نَجْمُه. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه يَحُجُّ بإذْنِ سَيِّدِه، أمَّا بغيرِ إذْنِه، فلا يجوزُ؛ لأَنَّه تَبَرُّعٌ بما يُنْفِقُ مالَهُ (٣٤) فيه.، فلم يَجُزْ، كالعِتْقِ. فأمَّا إِنْ أمْكَنَه الحجُّ من غيرِ إنْفاقِ مالِه، كالذى يتَبَرّعُ (٣٥) له (٣٦) إنْسانٌ

стр. 7830

بإحْجاجِه، أو يَخْدِمُ مَنْ يُنْفِقُ عليه، فيجوزُ إذا لم يَأْتِ نَجْمُه؛ لأنَّ هذا يَجْرِى مَجْرَى تَرْكِه للكَسْبِ، وليس ذلك ممَّا يُمْنَعُ منه. فصل: وليس للمُكاتَبِ أَنْ يُكاتِبَ إِلَّا بإذْنِ سَيِّدِه. وهو (٣٧) قولُ الحسنِ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الكِتابةَ نَوْعُ إعْتاقٍ، فلم تَجُزْ من المُكاتَبِ، كالمُنْجَزِ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ الإِعْتاق، فلم يَمْلِكِ الكَتابةَ، كالمأْذُونِ [له فى التِّجارةِ] (٣٨). واختارَ القاضِى جوازَ الكِتابةِ. وهو الذى (٣٩) ذكَره أبو الخَطَّابِ، فى "رُءُوسِ المسائلِ". وهو قولُى مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأرْزَاعىِّ؛ لأَنَّه نَوْعُ مُعاوَضةٍ، فأشْبَهَ البَيعَ. وقال أبو بكرٍ: هو مَوْقُوفٌ -كقَوْلِه فى العِتْقِ المُنْجَزِ- فإن أذِنَ فيها (٣٩) السَّيِّدُ، صَحَّتْ. وقال الشافعىُّ: فيها قَوْلَان. وقد ذكَرْنا ذلك فيما تقَدَّمَ. فإذا كاتَبَ عَبْدَه، فعَجَزَا جميعًا، صارا رقِيقَيْنِ للسَّيِّدِ. وإن أدَّى المُكاتَبُ الأوَّلُ، ثم أدَّى الثانى، فوَلاءُ كلِّ واحدٍ منهما لمُكاتِبِه. وإن أدَّى الأوَّلُ، وعَجَزَ الثانى، صار رَقِيقًا للأوَّلِ. وإن عَجَزَ الأوَّلُ، وأدَّى الثانى، فوَلاؤُه للسَّيِّدِ الأوَّلِ. وإن أدَّى الثانى قبلَ عِتْقِ الأوَّلِ، عَتَقَ. قال أبو بكر: وَولاؤه للسَّيِّدِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ عن الوَلاءِ، والوَلاءُ لا يُوقَفُ؛ لأَنَّه سبَبٌ يُورَثُ به، فهو كالنَّسَبِ، ولأنَّ المِيراثَ لا يَقِفُ، كذلك سَبَبُه. وقال القاضى: هو مَوْقوفٌ، إن أدَّى عَتَقَ، والوَلاءُ له، وإلَّا فهو للسَّيِّدِ. وهذا (٤٠) أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٤١). ولأنَّ العبدَ ليس بمِلْكٍ له، ولا يجوزُ أن يَثْبُتَ له الوَلاءُ على مَنْ لم يَعْتِقْ فى مِلْكِه. وقولُهم: لا يجوزُ أن يَقِفَ، كما لم يَقِفِ النَّسَبُ والميراثُ. فليس كذلك؛ فإِنَّ النَّسَبَ يَقِفُ على بُلُوغ الغُلامِ، وانْتِسابِه إذا لم تُلْحِقْه الْقافَةُ بأحدِ الواطِئين، وكذلك المِيراثُ يُوقَفُ، على أَنَّ الفَرْقَ بينَ النَّسَبِ

стр. 7831

والمِيراثِ، وبين الوَلاءِ، أَنَّ الولاءَ (٤٢) يجوزُ أن يَقِعَ لشَخْصٍ، ثم يَنْتَقِلَ، وهو ما يَجرُّه مَوْلَى (٤٣) الأبِ من مَوْلَى الأُمِّ، فجاز أَنْ يكون مَوْقوفًا، والنَّسَبُ والمِيراث بخلافِ ذلك. فإنْ مات المُعْتِقُ قبلَ عِتْقِ المُكاتَبِ، وقُلْنا: الوَلاءُ للسَّيِّدِ. وَرِثَه. وإن قُلْنا: هو موقوفٌ. فمِيراثُه أيضًا مَوْقوفٌ. فصل: وليس له أَن يَبِيعَ نَسِيئةً، وإن باع السِّلْعةَ بأضْعافِ قِيمَتِها. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بالمالِ، وهو ممنوعٌ من التَّغْرِيرِ بالمالِ، لتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ به. قال القاضى: ويتَخَرَّجُ الجَوَازُ، بِناءً على المُضارِبِ (٤٤) أَنَّ له البَيْعَ نَسِيئةً. فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، فيُخَرَّجُ ههنا مثلُه. وسَواءٌ أخَذَ بالثَّمنِ ضَمِينًا، أو رَهْنًا، أو لم يأْخُذْ؛ لأنَّ الغَرَرَ لم يَزُلْ، فإِنَّ الرَّهْنَ يَحْتَمِلُ أَنَّ يَتْلَفَ، ويَحْتَمِلُ أَنَّ يُفْلِسَ الغَرِيمُ والضَّمِينُ، ويَحْتَمِلُ أَن يجوزَ مع الرَّهْنِ أو الضَّمِينِ، لأنَّ الوَثِيقةَ قد حَصَلَتْ به، والعَوارِضُ نادِرةٌ، على خِلافِ الأَصْلِ. فإِنَّ باعَ بأكْثَرَ ممَّا يُساوِى حالًا، وجَعَلَ الزِّيادةَ مُؤَجَّلةً، جاز؛ لأنَّ الزِّيادةَ رِبْحٌ. وإدن اشْتَرَى نَسِيئةً، جاز؛ لأَنَّه لا غَرَرَ فيه. ولا يجوزُ أن يَدْفَعَ به رَهْنًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ أمانةٌ، وقد يَتْلَفُ، أو يَجْحَدُه الغَرِيمُ. وليس له أَن يَدْفَعَ ما لَه سَلَمًا؛ لأَنَّه فى مَعْنَى البَيْعِ نَسِيئةً. وله أَن يَسْتَسْلِفَ فى ذِمَّتِه؛ لأَنَّه فى معنى الشِّراءِ نَسِيئةً. وليس له أَن يُقْرِضَ؛ لأَنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، وفيه خَطَرٌ به. وله أَن يَقْتَرِضَ؛ لأَنَّه يَنْتَفِعُ بالمالِ. وليس له أَنْ يَدْفَعَ مالَه مُضَارَبةً؛ لأَنَّه يُسَلِّمُه إلى غيرِه، فيُغَرِّرُ به. وله أَن يَأْخُذَ المالَ قِرَاضًا؛ لأَنَّه من أنْواعِ الكَسْبِ. ومذهبُ الشافعىِّ فى هذا الفَصْلِ كلَّه، على ما ذكَرْنا. فصل: وللمُكاتَبِ أَن يَبِيعَ وَيشْتَرِىَ. بإجْماعٍ من أهلِ العِلْم؛ لأنَّ عَقْدَ الكِتابةِ لتَحْصِيلِ العِتْقِ، ولا يَحْصُلُ إِلَّا بأدَاءِ عِوَضِه، ولا يُمْكِنُه الأداءُ إِلَّا بالاكْتِسابِ، والبيعُ والشراءُ من أقْوَى جهَاتِ الاكْتِسابِ، فإنَّه قد جاء فى بعضِ الآثارِ، أَنَّ تِسْعةَ أعشارِ الرِّزْقِ فى التِّجارةِ (٤٥). وله أَن يَأْخُذَ ويُعْطِىَ، فيما فيه الصَّلاحُ لما لِه، والتَّوْفِيرُ عليه. وله

стр. 7832

أَنَّ يُنْفِقَ ممَّا فى يَده من المالِ على نَفْسِه، فى مَأْكَلِه، ومَشْرَبِه، وكِسْوَتِه، بالمَعْرَوفِ ممَّا لا غِنَى (٤٦) له عنه (٤٧)، وعلى رَقِيقِه، والحيوانِ الذى له. وله تأدِيبُ عَبِيدِه، وتَعْزِيرُهم، إذا فَعَلُوا ما يَسْتَحِقُّون ذلك؛ لأَنَّه مِن مَصْلَحةِ مِلْكِه، فمَلَكَه، كالنَّفَقةِ عليهم. ولا يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عليهم؛ لأنَّ هذا مَوْضِعُ وِلَايةٍ، وليس هو مِن أهْلِها. وله المُطالبةُ بالشُّفْعةِ، والأخْذُ بها؛ لأَنَّه نَوْعُ شِرَاءٍ، فإِن كان المُشْتَرِى للشِّقْصِ سَيِّدَه، فله [أخْذُه منه] (٤٨)؛ لأنَّ له أَنْ يَشْتَرِىَ منه. وإن اشْتَرَى المُكاتَبُ شمِقْصًا لسَيِّدِه فيه شَركِةٌ، فله أخْذُه من المُكاتَبِ بالشُّفْعةِ؛ لأَنَّه بع سَيِّدِه فى بابِ البَيْعِ والشراءِ كالأجْنَبِىِّ. وإن وَجَبَتْ للسَّيِّدِ على مُكاتَبِه شُفْعةٌ، فادَّعَى المُكاتَبُ أَنَّ سَيِّدَه عَفَا عنها، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ. وإن أنْكَرَه السَّيِّدُ، كان عليه اليَمِينُ. وإِنْ أذِنَ السَّيِّدُ لمُكاتَبِه فى البيعِ بالمُحاباةِ، صَحَّ منه، وكان لسَيِّدِه إِلَّا خْذُ بالشُّفْعةِ؛ لأنَّ بَيْعَه بالمُحاباةِ، مع إذْنِ سَيِّدِه فيه، صَحِيحٌ. ويَصِحُّ إقْرارُ المُكاتَبِ بالبيعِ، والشِّراءِ، والعَيْبِ، والدَّيْنِ؛ لأَنَّه يَصِحُّ تصَرُّفُه فيه بذلك، ومَنْ مَلَكَ شيئًا، مَلَكَ (٤٩) الإِقْرارَ به. ١٩٨٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَبِيعُه سَيِّدُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ) وجملتُه أَنَّ الرِّبَا يَجْرِى بينَ العبدِ وسَيِّدِه (١)، فلم يَجُزْ أَنْ يَبِيعَه دِرْهَمًا بدِرْهَمَيْنِ، كالأجْنَبِيَّيْنِ. وقال ابنُ أبى موسى: لا رِبَا بينَهما؛ لأَنَّه عبدٌ فى الأظْهَرِ من (٢) قَوْلِه، ولا ربَا بين العبدِ وسَيِّدِه، ولهذا جازَ أن يُعَجِّلَ لسَيِّدِه، ويَضَعَ عنه بَعْضَ كِتابَتِه، وله وَطْءُ مُكاتَبَتِه إذا شَرَطَ، ولو حَمَلَتْ منه صارتْ له بذلك أُمَّ وَلَدٍ. ووَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ: أَنَّ السَّيِّدَ معَ مُكاتَبِه فى بابِ المُعامَلةِ كالأجْنَبِىِّ؛ بِدليلِ أَنَّ لكلِّ واحدٍ منهما الشُّفْعةَ على صاحِبِه، ولا

стр. 7833

يَمْلِكُ كلُّ واحدٍ منهما التَّصَرُّفَ فيما بِيَدِ (٣) صاحِبِه، وإنَّما يتَعَلَّقُ لسَيِّدِه حَقٌّ فى ما بيَدِه؛ لكَوْنِه بعَرَضِيَّةِ أَن يَعْجِزَ (٤)، فيَعُودَ إليه، وهذا لا يَمْنَعُ جَرَيانَ الرِّبَا بينَهما، كالأبِ مع ابْنِه. فعلى هذا القَولِ، لا يجوزُ التَّفاضُلُ بينَهما فيما يَحْرُمُ التَّفاضلُ فيه بيَن الأجْنَبِيَّيْنِ، ولا النَّسَاءُ فى ما يَحْرُمُ النَّسَاءُ فيه بينَ الأجانِبِ. فصل: فإِن كان لكلِّ واحدٍ منهما على صاحِبه دَيْنٌ، مثل أَنَّ كان للسَّيِّدِ على المُكاتَبِ دَيْنٌ من الكتابةِ أو مِن (٥) غيرِها، وللمُكاتَبِ على سَيِّدِه دَيْنٌ، وكانا نَقْدًا من جِنْسٍ واحدٍ، حالَّيْنِ، أو مُؤَجَّلَيْنِ أجَلًا واحدًا، تقَاصَّا، وتساقَطا؛ لأنَّهما إذا تساقَطا بينَ الأجانبِ، فمع السَّيِّدِ ومُكاتَبِه أَوْلَى. وإن كانا نَقْدًا (٦) مِن جِنْسَيْنِ، كدَرَاهِمَ ودنانِيرَ، فقال ابنُ أبى موسى: لو كان له على سَيِّدِه ألْفُ دِرْهَمٍ، ولسَيِّدِه عليه مائةُ دينارٍ، فجَعَلَها قِصَاصًا بها، جاز، بخِلافِ الحُرَّيْنِ. وقال القاضى: لا يجوزُ هذا؛ لأَنَّه بَيْعُ دَيْنٍ بدَيْنٍ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن بَيْعِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ (٧). ولأنَّه لا يجوزُ بين الأجْنَبِيَّيْنِ، فلم يَجُزْ بينَ المُكاتَبِ وسَيِّدِه، كسائرِ المُحَرَّماتِ، وفارَقَ العَبْدَ القِنَّ؛ فإنَّه باقٍ فى تَصَرُّفِ سَيِّدِه، وما فى يَدِه مِلْكٌ خالِصٌ لسَيِّدِه، له أخْذُه، والتَّصَرُّفُ فيه. فعلى هذا، لا يجوزُ معَ التَّرَاضِى به. وعلى قولِ ابنِ (٥) أبى موسى: يجوزُ إذا تراضَيَا بذلك (٨)، وتَبايَعاه، ولا يَثْبُتُ التَّقاصُّ (٩) قبلَ تَراضِيهِما به؛ لأَنَّه بَيْعٌ. فأمَّا إن كانا (١٠) عَرْضَيْنِ، أو عَرْضًا ونَقْدًا، لم

стр. 7834

تَجُزِ المُقاصَّةُ (١١) فيهما بغيرِ تَراضِيهِما بحالٍ، سَواءٌ كان العَرْضُ (١٢) من جِنْسِ حَقِّه، أو غيرِ جنْسِه. وإِنْ تَراضَيا بذلك، لم يَجُزْ أيضًا؛ لأَنَّه بَيْعُ دَيْنٍ بدَيْنِ. وإن قَبَضَ أحَدُهما مِن الآخَرِ حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخَرِ عِوَضًا عن مالِه فى ذِمَّتِه، جازَ، إذا لم يكُنِ الثَّابِتُ فى الذِّمَّةِ عن سَلَمٍ، فإِن كان (١٣) ثَبَتَ عن سَلَمٍ، لم يَجُزْ أخْذ عِوَضِه قبلَ قَبْضِه. وفى الجُملةِ إِنَّ حُكْمَ المُكاتَبِ سَيِّدِه فى هذا، حُكْمُ الأجانبِ، إِلَّا على قولِ ابنِ أبى موسى، الذى ذكَرْناه. واللَّه أعلمُ. ١٩٨٨ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ فكَاتَبَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فَصْلَيْن: أحدهما: فى وَطْئِها بغيرِ شَرْطٍ، وهو حَرَامٌ. فى قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقيل: له وَطْؤُها فى الوَقْتِ الذى لا يَشْغَلُها الوَطْءُ عن السَّعْىِ عمَّا هى فيه؛ لأنَّها مِلْكُ يَمِينِه، فتَدْخُلُ فى عُمومِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (١). ولَنا، أَنَّ الكِتابةَ عَقْدٌ أزَالَ مِلْكَ أسْتِخْدامِها، ومِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعةِ بُضْعِها فيما إذا وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، فأزَالَ حِلَّ وَطْئِها، كالبَيْعِ، والآيةُ مَخْصُوصةٌ بالمُزَوَّجَةِ، فنَقِيسُ عليها مَحَلَّ النِّزاعِ، ولأنَّ المِلْكَ ههُنا ضَعِيف؛ لأَنَّه قد زالَ عن مَنافِعِها جُمْلةً، ولهذا لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ، كان المَهْرُ لها، وتُفارِقُ أُمَّ الوَلَدِ؛ فإِنَّ مِلْكَه باقٍ عليها، وإنَّما يَزُولُ بمَوْتِه، فأشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ والمُوصَى بها، وإنَّما امْتَنَعَ البَيْعُ؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ العِتْقَ بمَوْتِه اسْتِحْقاقًا لازِمًا، لا يُمْكِنُ زَوَالُه. الفصل الثانى: إذا شَرَطَ وطْأَها، فله ذلك. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ. وقال سائِرُ مَنْ ذكَرْنا: ليس له وَطْؤُها؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُه مع إطْلاقِ العَقْدِ، فلم يَمْلِكْه بالشَّرْطِ، كما لو

стр. 7835

زَوَّجَها أو أعْتَقَها. وقال (٢) الشافعىُّ: إذا شَرَطَ ذلك فى عَقْدِ الكِتابةِ، فَسَدَ؛ لأَنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَطَ عِوَضًا فاسِدًا. وقال مالكٌ: لا يَفْسُدُ العَقْدُ به؛ لأَنَّه لا يُخِلُّ بِرُكْنِ العَقْدِ، ولا شَرْطِه، فلم يَفْسُدْ (٣)، كالصَّحِيحِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" (٤). ولأنَّها مَمْلُوكةٌ، له شَرْطُ نَفْعِها، فصَحَّ، كشَرْطِ اسْتِخْدامِها، يُحَقِّقُ هذا أَنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها مع بَقَاءِ مِلْكِه عليها، ووُجُودِ المُقْتَضِى لحِلِّ وَطْئِها، إنَّما كان لِحَقِّها، فإذا اشْتَرَطَه (٥) عليها، جازَ، كالخِدْمةِ، ولأنَّه اسْتَثْنَى بعضَ ما كان له، فصَحَّ، كاشْتِراطِ الخِدْمةِ، وفارَقَ البَيْعَ؛ لأَنَّه يُزِيلُ مِلْكَه عنها. فصل: فإنْ وَطِئَها مع الشَّرْطِ، فلا حَدَّ عليه، ولا تَعْزِيرَ، ولا مَهْرَ؛ لأَنَّه وَطْءٌ يَمْلِكُه، ويُبَاحُ له، فأشْبَهَ وَطْأَها قبلَ كِتَابَتِها. وإن وَطِئَها مِن غيرِ شَرْطٍ، فقد أسَاءَ، وعليه التَّعْزِيرُ؛ لأَنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، ولا حَدَّ عليه. فى قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا، إِلَّا عن الحسنِ، والزُّهْرِىِّ؛ فإنَّهما قالا: عليه الحَدُّ؛ لأَنَّه عَقَدَ عليها عَقْدَ مُعَاوَضةٍ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فأوْجَبَ الحَدَّ بوَطْئِها، كالبَيْعِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَتُه، فلم يَجِب الحَدُّ بوَطْئِها، كأمَتِه المُسْتَأْجَرةِ والمَرْهُونةِ، وتُخالِفُ البَيْعَ؛ فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، والكِتابةُ لا تُزِيلُه؛ بدليلِ قولِه ﵇: "الْمُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ" (٦). وعليه مَهْرُها لها (٧)؛ لأَنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها المَمْنُوعُ مِن اسْتِيفائِها، فكان عليه عِوَضُها، كمنافِعِ بَدَنِها. فصل: وإِنْ أوْلَدَها، صارتْ أُمَّ ولَدٍ له، سَواءٌ وَطِئَها بشَرْطٍ أو بغيرِ شَرْطٍ؛ لأَنَّه أحْبَلَها بحُرٍّ فى مِلْكِه، فكانتْ أُمَّ ولَدِه، كغيرِ المُكاتَبةِ، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأَنَّه ولَدُه مِن مَمْلُوكَتِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه لذلك، ولأنَّه مِن وَطْءٍ سَقَطَ فيه الحَدُّ للشُّبْهةِ، فأشْبَهَ ولَدَ

стр. 7836

المَغْرُورِ، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّها وَضَعَتْه فى مِلْكِه. فصل: وليس له وَطْءُ بِنْتِها؛ لأنَّها تابِعةٌ لأُمِّها مَوْقُوفةٌ معها، فلم يُبَحْ وَطْؤُها كأُمِّها، ولا يُباحُ ذلك بالشَّرْطِ؛ لأنَّ حُكْمَ الكِتابة يَثْبُتُ (٨) فيها تَبَعًا، ولم يكنْ وطؤُها مُباحًا حالَ العَقْدِ بشَرْطِه. فإنْ وَطِئَها، فلا حَدَّ عليه، [لأَنَّهَا مِلْكُه] (٩)، ويَأْثَمُ، ويُعَزَّرُ؛ لأَنَّه وَطِئَ فَرْجًا مُحَرَّمًا، ولها المَهْرُ (١٠)، حُكْمُه حكمُ كَسْبِها، يكونُ لأُمِّها تَسْتَعِينُ به فى كِتابَتِها؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ حُرِّيَّتِها. وإن أحْبَلَها، صارتْ أُمَّ ولَدٍ له، والولَدُ حُرٌّ؛ لأَنَّه أحْبَلَها بحُرٍّ فى مِلْكِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه، ولا تَجِبُ عليه قِيمَتُها؛ لأنَّ أُمَّها لا تَمْلِكُها، ولا قِيمةُ ولَدِها؛ لأنَّها وَضَعَتْه فى مِلْكِه. فصل: وليس له وَطْءُ جارِيِةِ مُكاتَبَتِه ولا مُكاتَبِه اتِّفاقًا، فإِنَّ فَعَلَ أَثِمَ، وعُزِّرَ، ولا حَدَّ عليه، لشُبْهةِ المِلْكِ؛ لأَنَّه يَمْلِكُ مالِكَها، وعليه مَهْرُها لسَيِّدِها، ووَلَدُه منها حُرٌّ، يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ لشُبْهةِ المِلْكِ، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له، وعليه قِيمَتُها لسَيِّدِها؛ لأَنَّه أخْرَجَها بوَطْئِه عن مِلْكِه، فكان عليه قِيمَتُها لسَيِّدِها (١١)، ولا تَجِبُ عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنَّها وضَعَتْه فى مِلْكِه. ويَحْتَمِلُ أَنَّ تَلْزَمَه قِيمَتُه؛ لأَنَّه أخْرَجَه بوَطْئِه عن أَنْ يكونَ مَمْلوكًا لسَيِّدِها، فأشْبَهَ وَلَدَ المَغْرُورِ. فصل: ولا يَمْلِكُ إجْبارَ مُكاتَبَتِه ولا ابْنَتِها ولا أمَتِها على التَّزويجِ؛ لأَنَّه زال مِلْكُه بعَقْدِ الكِتابةِ عن نَفْعِها، ونَفْعِ بُضْعِها، وعن عِوَضِه. وليس لواحدةٍ منهما التَّزَوُّجُ (١٢) بغيرِ إذْنِه (١٣)؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فى ذلك، فإنَّه يُثْبِتُ للزَّوْجِ حَقًّا فيها، فرُبما عَجَزَتْ، وعادَتْ إليه على وَجْهٍ لا يَمْلِكُ وَطْأَها. فإنْ تَراضَيا بذلك، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، وهو

стр. 7837

وَلِيُّها ووَلِىُّ ابْنَتِها وجارِيَتِها جميعًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فأشْبَهَ الجاريِةَ القِنَّ، والمَهْرُ للمُكاتَبةِ، على ما ذكَرْنا (١٤) فى مَهْرِهِنَّ إذا وَطِئَهُنَّ (١٥) السَّيِّدُ. ١٩٨٩ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ وَطِئَهَا، وَلَمْ يَشتَرِطْ، أُدِّبَ، ولم يُبْلَغْ بِهِ حَدُّ الزَّانِى، وكَانَ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا) وجملةُ الأمرِ أَنَّ السَّيِّدَ إذا وَطِئَ مُكاتَبَتَه مِن غيرِ شَرْطٍ، فقد ذكرْنا أنَّه لا حَدَّ عليه، لكنْ إن كانا عالِمَيْنِ بالتَّحْرِيِم، عُزِّرَا، وإِنْ كانا جاهِلَيْنِ، عُزِّرَا، وإن كان أحَدُهُما عالِمًا والآخَرُ جاهِلًا، عُزِّرَ العالِمُ عُزِّرَ الجاهِلُ. ولا يخْرُجُ بالوَطْءِ عن الكِتابةِ. وقال اللَّيْثُ: إن طاوَعَتْه، فقد فُسِخَتْ كِتَابَتُها، وعادَتْ قِنًّا. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَنْفَسِخْ بالمُطاوَعةِ على الوَطْءِ، كالإِجَارَةِ، والبَيْعِ بعدَ لُزُومِه. فأمَّا المَهْرُ، فإنَّه يَجِبُ لها، أكْرَهَها أو طاوَعَتْه. وبه قال الحسنُ، والثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، والشافعىُّ. وقال قَتادَةُ: يَجِبُ إذا أكْرَهَها، ولا يَجِبُ إذا طاوَعَتْه. ونَقَلَه الْمُزَنِىُّ عن الشافعىِّ؛ لأنَّ المُطاوِعَةَ بذَلَتْ نَفْسَها بغيرِ عِوَضٍ، فصارت كالزَّانيةِ. ومَنْصُوصُ الشافعىِّ وُجُوبُه فى الحالَيْنِ. وأنْكَرَ أصحابُه ما نَقَلَه الْمزَنىُّ، وقالوا: لا يُعْرَفُ. وقال مالكٌ: لا شئَ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه. ولَنا، أنَّه عِوَضُ مَنْفَعَتِها، فوَجَبَ لها، كعِوَضِ بَدَنِها، ولأنَّ المُكاتَبةَ فى يَدِ نَفْسِها، ومَنافِعُها لها، ولهذا لو وَطِئَها أجْنَبِىٌّ، كان المَهْرُ لها، وإنَّما وجَبَ فى حالِ المُطاوَعَةِ؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ (١) عنه لشُبْهةِ المِلْكِ، فوَجَبَ لها المَهْرُ، كما لو وَطِئَ امْرَأةً بشُبْهةِ عَقْدٍ مُطاوِعَةً. فإِنَّ تَكَرَّرَ وَطْؤُها، وكان قد أدَّى مَهْرَ الوَطْءِ الأوَّلِ، فللثَّانى مَهْرٌ أيضًا؛ لأنَّ الأداءَ قَطَعَ حُكْمَ الوَطْءِ الأوَّلِ (٢)، وإن لم يَكُنْ أدَّى عن الأوَّلِ، لم يَجِبْ إِلَّا مَهْرٌ واحدٌ؛ لأنَّ هذا عن وَطْءِ الشُّبْهةِ، فلم يَكُنْ إِلَّا [مَهْرٌ واحدٌ] (٣)، كالوَطْءِ فى النِّكاحِ الفاسِدِ.

стр. 7838

فصل: وإذا وَجَبَ لها المَهْرُ، فإنْ كان لم يَحُلَّ عليها نَجْمٌ، فلها المُطالَبةُ به (٤). وإِنْ كان قد حَلَّ عيها، فكان المَهْرُ من غير جِنْسِه، فلها المُطالبةُ به (٥) أيضًا. وإن كان من جِنْسِه، تَقَاصَّا، وأخَذَ ذُو الفضْلِ فَضْلَه. ١٩٩٠ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَهِىَ مُخيَّرةٌ بَيْنَ الْعَجْز وَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، وبَيْنَ الْمُضِىِّ عَلَى كتابَتِهَا. فَإِنْ أدَّتْ عَتَقَتْ، وإِنْ عَجَزَتْ عَتَقَتْ بمَوْتِهِ. وإِنْ مَاتَ قَبْلَ عَجْزِهَا انْعتَقَتْ؛ لأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، ويَسْقُطُ عَنْهَا مَا بَقِىَ منْ كِتَابَتهَا، وَمَا (١) فِى يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا) وجملتُه أَنَّ السَّيِّدَ إذا اسْتَوْلَدَ مُكاتَبَتَه، فالولَدُ حُرٌّ؛ الأنَّه مِن مَمْلوَكَتِه، ونَسبُه لَاحِقٌ به؛ لذلك (٢)، ولا تَجبُ قِيمَتُه؛ لذلك، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لذلك، ولا تَبْطُلُ كِتَابَتُها؛ لأَنَّه عَقْدٌ لازِمٌ من جهَةِ سَيًّدِها، وقد اجْتَمَعَ لهَا سَببانِ يَقْتَضِيانِ العِتْقَ، أيُّهما سَبَقَ صاحِبَه ثَبَتَ حُكْمُه. هذا قولُ االزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرىِّ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الحَكَمُ: تَبْطُلُ كِتابَتها؛ لأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ (٣)، فتَبْطُلُ بالاسْتِيلادِ، كالتَّدْبِيرِ. ولَنا، أنَّها (٤) عَقْدُ معَاوَضةٍ، فلا تبْطُلُ بالوَطْءِ كَالبَيْعِ، ولأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ، لا يَمْلِكُ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ عنه، فلم تبْطُلْ بذلك، كالتَّعْلِيقِ بصِفَةٍ، وما ذكَرَه (٥) يَبْطُلُ بالتَّعْلِيقِ بالصِّفَةِ، وتُفارِقُ الكِتابةُ التَّدْبِيرَ مِن وُجُوهٍ؛ أحدها، أَنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ والاسْتِيلادِ وأحدٌ، وهو العِتْقُ عَقِيبَ المَوْتِ، والاسْتِيلادُ أَقْوَى؛ لأَنَّه يُعْتَبَرُ مِن رأسِ المالِ، ولا سَبِيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ، فاسْتُغْنِىَ به من التَّدْبِيرِ، والكِتابةُ سَبَبٌ يُتَعَجَّلُ بها العِتْقُ بالأداءِ، ويكونُ ما فَضَلَ من كَسْبِها لها؛ ويَمْلِكُ بها مَنافِعَها وكسْبَها، وتخْرُجُ عن

стр. 7839

تَصَرُّفِ سَيِّدِها، وهذا لا يَحْصُلُ بالاسْتِيلادِ، فيَجبُ أَنْ تَبْقَى لبقاءِ فائِدَتِها. الثانى، أَنَّ الكِتابةَ أقْوَى من التَّدْبيرِ، لِلُزُومِها، وكَوْنِها لا تَبْطلُ بالرُّجُوعِ عنها، ولا بِبَيْعِ المُكاتَبِ ولا هِبَتِه. الثالث، أَنَّ التَّدْبِيرَ تَبَرُّعٌ، والكِتابة عَقْدُ مُعاوَضةٍ لازِمٌ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجْتَمِعُ لها سَبَبان، كلُّ واحدٍ منهما يَقْتَضِى الحُرِّيَّةَ، فأيُّهما تَمَّ قبلَ صاحِبِه، ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ به، كما لو انْفَرَدَ؛ لأنَّ انْضِمامَ أحَدِهما إلى الآخَرِ مع كونِه لا يُنَافِيه، لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه. فإِن أدَّتْ، عَتَقَتْ بالكِتابةِ، وما فَضَلَ من كَسْبِها فهو لها؛ لأنَّ المُعْتَقَ بالكِتابةِ له ما فَضَلَ من نُجُومِه، وإن عَجَزَتْ، ورُدَّتْ فى الرِّقِّ، بَطَلَ حُكْمُ الكِتابةِ، وبَقِىَ لها حكمُ الاسْتِيلادِ مُنْفَرِدًا، كما لو لم تَكُنْ مُكاتَبَةً، وله وَطْؤُها، وتَزْوِيجُها، وإجارَتُها، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وما فى يَدِها لوَرَثةِ سَيِّدِها. وإذا (٦) مات سَيِّدُها قبل عَجْزِها، انْعَتَقَتْ، لأنَّها أُمُّ ولَد، وتَسْقُطُ الكِتابةُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ، فسَقَطَ العِوَضُ المبْذولُ فى تَحْصِيلها، كما لو باشَرَها سَيِّدُها بالعِتْقِ، وما فى يَدِها لوَرثةِ سَيِّدِها. فى قولِ الْخِرَقِىِّ، وأبى الخَطَّابِ؛ لأنَّها عَتَقَتْ بحُكْمِ الاسْتِيلادِ (٧)، وبَطَلَ حكمُ الكِتابةِ، فأشْبَهَتْ غيرَ المُكاتَبةِ. وقال القاضِى، فى "المُجَرَّدِ"، وابنُ عَقِيلٍ، فى "كِتابه": ما فَضَلَ فى يَدِها لها. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وَقَعَ فى الكِتابةِ، لا يُبْطِلُ حُكْمَها، كالإِبْراءِ من نُجُومِ الكِتابةِ، ولأنَّ مِلْكَها كان ثابتًا على ما فى يَدِها، ولم يَحْدُثْ إِلَّا ما يُزِيلُ حَقَّ سَيِّدِها عنها، فيَقْتَضِى زَوَالَ حَقِّه عن ما فى يَدِها، وتَقْرِيرَ مِلْكِها، وخُلُوصَه لها، كما اقْتَضَى ذلك فى نَفْسِها. وهذا أصَحُّ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإِنْ أعْتَقَها سَيِّدُها، عَتَقَتْ، وسَقَطتْ كِتَابَتُها، وما فى يَدِها لها. فى قولِ القاضِى [ومَنْ وافَقَه] (٨)، فأمَّا على قولِ الْخِرَقِىِّ ومَنْ وافَقَه، فقِياسُه أَنْ يكونَ لسَيِّدِها، كما لو عَتَقَتْ بالاسْتِيلادِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ لها على قولِهم أيضًا؛ لأنَّ السَّيِّدَ أعْتَقَها برِضَاهُ، فيكونُ رِضًى منه بإعْطائِها مالَها، بخِلافِ العِتْقِ بالاسْتِيلادِ، فإنَّه حَصَلَ بغيرِ رِضَى الوَرَثةِ واخْتِيارِهم، ولأنَّه لو كان مالُ المُكاتَبِ يَصِيرُ للسَّيِّدِ بإعْتاقِه، لتَمَكَّنَ السَّيِّدُ من

стр. 7840

أخْذِ مالِ المكاتَبِ متى شاءَ، فمتى كان له غَرَضٌ فى أخْذِ مالِه، إمَّا لِكَثْرَتِه وفَضْلِه عن نُجُومِ كِتَابَتِه، وإمَّا لغَرَضٍ له فى بعضِ أعْيانِ ما لِه، أعْتَقَه وأخَذَ مالَه، وهذا ضَرَرٌ على المُكاتَبِ لم يَرِد الشَّرْعُ به، ولا يَقْتَضِيه عَقْدُ الكِتابةِ، فوَجَبَ أَنْ لا يُشْرَعَ. فصل: وإِنْ أتَتْ بوَلَدٍ من غيرِ سَيِّدِها بعدَ اسْتِيلادِها، فله حُكمُها فى العِتْقِ بكلِّ واحدٍ من السَّبَبَيْنِ، أيُّهما سَبَقَ عَتَقَ به، كالأُمِّ، سَواءً؛ لأَنَّه تابعٌ لها، فيَثْبُتُ له ما يثْبُتُ لها. وإن ماتَتِ المُكاتَبةُ، بَقِىَ للوَلَدِ سَبَبُ الاسْتِيلادِ وحدَه. وإن اخْتَلَفا فى ولَدِها، فقالتْ: ولَدْتُه بعدَ كِتابَتِى، أو بعدَ (٩) وِلادَتِى. وقال السَّيِّدُ: بل قبلَه، فقال أبو بكرٍ: القَوْلُ قولُ السَّيِّدِ مع يَمِينِه. وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ الأصْلَ كَوْنُ الأَمَةِ ووَلَدِها رَقِيقًا، لسَيِّدِهِمَا (١٠) التصرُّفُ فيهما (١١)، وهى تَدَّعِى ما يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ. وإن زَوَّجَ مُكاتَبَه أمَتَه، ثم باعَها منه، واخْتَلَفا فى ولَدِها، فقال السَّيِّدُ: هو لِى؛ لأنَّها ولَدَتْه قبل بَيْعِها لك. وقال المُكاتَبُ: بل بعدَه. فالقولُ قولُ المُكاتَبِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا فى مِلْكِه، ويَدُ المُكاتَبِ عليه، فكان القولُ قولَ صاحِبِ اليَدِ مع يَمِينِه، كسائرِ الأمْوالِ، ويُفارقُ ولَدَ المُكاتَبةِ؛ لأنَّها لا تَدَّعِى مِلْكَه. فصل: إذا كانت الأمَةُ بين شَرِيكَيْنِ، فكاتَبَاها، ثم وَطِئَها أحَدُهما، أُدِّبَ فوقَ أَدَبِ الواطئِ لمُكاتَبَتِه الخالِصَةِ له؛ لأنَّ الوَطْءَ ههُنا حَرُمَ مِن وَجْهَيْنِ؛ الشَّرِكِةُ، والكِتابةُ، فهو آكَدُ، وإثْمُه أعْظَمُ، وأدَبُه أكْثَرُ، وعليه لها (١٢) مَهْرُ مِثْلِها، على ما أسْلَفْناه فيما إذا كان السَّيِّدُ واحِدًا. فإِن لم يَكُنْ حَل نَجْمٌ، قَبَضَتْهُ (١٣)، فإذا حَلَّ نَجْمُها (١٤)، سَلَّمَتْه إليهما. وإن حَلَّ نَجْمُها (١٤) وهو من جِنْسِ مالِ الكِتابةِ، وكان فى يَدها بقَدْرِه، دفَعَتْه إلى الذى لم يَطَأْها، واحْتَسَبَتْ على الواطئِ بالمَهْرِ. وإن لم يَكُنْ فى يَدِها شىءٌ، وكان بقَدْرِ نَجْمِها أو دُونَه، أخَذَتْ من الواطئِ نِصْفَه، وسَلَّمَتْه إلى الآخَرِ، وإن لم يَكُنْ من جِنْسِ

стр. 7841

مالِ الكِتابةِ، فاتّفَقَا على أخْذِه عِوَضًا عن مالِ الكِتابةِ، فالحكمُ فيه كما لو كان من جِنْسِها، وإن لم يَتَّفِقَا، قَبَضَتْه [ودفَعتْ ما] (١٥) عليها من مالِ الكِتابةِ من عِوَضِه، أو غيرِه. وإن عَجَزَتْ، ففَسَخَا (١٦) الكِتابةَ، وكان فى يَدِها بقَدْرِ المَهْرِ، أخَذَه الذى لم يَطَأْ، وسَقَطَ (١٧) المَهْرُ من ذمَّةِ الواطئِ، وإِنْ لم يكُنْ فى يَدِها شىءٌ، كان للَّذى لم يَطَأْ أَنَّ يَرْجِعَ على الواطئِ بنِصْفِه؛ لأَنَّه وَطِئَ جارِيةً مُشْتَرَكةً بينَهما. فإِن حَبِلَتْ منه، صارَتْ أمَّ ولَدٍ له، وعليه نِصْفُ قِيمَتِها لشَرِيكِه، مع نِصْفِ المَهْرِ الواجِبِ لها، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، إِلَّا أنَّه إِنْ كان مُوسِرًا أدَّاه فى الحالِ، وإِنْ كان مُعْسِرًا فهو فى ذِمَّتِه. [هذا ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، ذكَر مثلَ] (١٨) هذا فى بابِ العِتْقِ. فعلى هذا، تَصِيرُ أمَّ ولَدٍ للواطئِ، ومُكاتَبَتُه له كأنَّه اشْتَراها، وتكونُ مُبْقاةً على ما بَقِىَ من كِتابَتِها، [أو تُعْتَبَرُ قِيمَتُها بما تُساوِى مُكاتَبَتَه مُبقاةً على ما بَقِىَ عليها (١٩) من كِتابَتِها] (١٨). واختارَ القاضى أنَّه إِنْ كان مُعْسِرًا، لم يَسْرِ الإِحْبالُ؛ لأَنَّه بمَنْزِلةِ الإِعْتاقِ بالقَوْلِ، يُعْتَبرُ اليَسارُ فى سِرَايَتِه، ونَصِيبُ الواطئِ قدثَبَتَ له حكمُ الاسْتِيلادِ، وحُكْمُ الكِتابةِ، ونَصِيبُ شَرِيكِه لم يَثْبُتْ له إِلَّا حكمُ الكِتابةِ، فإنْ أدَّتْ إليهما، عَتَقَتْ، وبَطَلَ حكمُ الاستيلادِ، وإن عَجَزَتْ، وفَسَخَا الكتابةَ، ثَبَتَ لنِصْفِها حكمُ الاسْتِيلادِ، ونِصْفُها قِنٌّ، لا يُقَوَّمُ على الوارِثِ وإن كان مُوسِرًا؛ لأَنَّه ليس بمُعْتِقٍ. وإِنْ مات الواطئِ قبلَ عَجْزِها، عَتَقَ نَصِيبُه، وسَقَطَ حكمُ الكِتابةِ فيه، وكان الباقى مُكاتَبًا. وإِنْ كان الواطئِ مُوسِرًا، فقد ثَبَتَ لنِصْفِها حكمُ الاسْتِيلادِ، ونِصْفُها الآخَرُ مَوْقوفٌ، فإِنَّ أدَّتْ إليهما، عَتَقَتْ كلُّها، وولاؤُها لهما، وإِنْ عَجَزَتْ، وفَسَخَا (٢٠) الكِتابةَ، قَوَّمْناها حِينئَذٍ على الواطئِ، فيَدْفَعُ إلى شَرِيكِه قِيمةَ نَصِيبِه، وتَصِيرُ (٢١) جَمِيعُها (٢٢) أُمَّ ولَدٍ له، فإِنَّ مات، عَتَقَتْ عليه، وكان ولاؤُها له.

стр. 7842

هذا مذهبُ الشافعىِّ. وله قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقَوَّمُ على المُوسِرِ، وتَبْطُلُ الكِتابةُ فى نِصْفِ الشَّرِيكِ، وتَصِيرُ جَمِيعُها أمَّ ولَدٍ، ونِصْفُها مُكاتَبًا للواطئِ، فإِنَّ أدّتْ نَصِيبَه إليه، عَتَقَتْ، وسَرَى إلى الباقِى؛ لأَنَّه مِلْكُه، وعَتَقَ جَمِيعُها، وإن عَجَزَتْ، ففَسَخَ الكِتابةَ، كانت أُمَّ ولَدٍ له خاصَّةً، فإذا مات، عَتَقَتْ كلُّها. ولَنا، أَنَّ بعضَها أُمُّ ولَدٍ، فكان جَمِيعُها كذلك، كما لو كان الشَّرِيكُ مُوسِرًا، يُحَقِّقُ هذا، أَنَّ الولَدَ حاصِلٌ من جَمِيعِها، وهو كلُّه من الواطئِ، ونَسَبُه لَاحِقٌ به، فيَجِبُ أَنَّ يَثْبُتَ ذلك لجمِيعِها، ويُفارِقُ الإِعْتاقَ، فإنَّه أضْعَفُ، على ما بَيَّنَّا مِن قبلُ. ولَنا، على أَنَّ الكِتابةَ لا تَبْطُلُ بالتَّقْوِيمِ، أنَّها [عَقْدٌ لازِمٌ] (٢٣)، فلا (٢٤) تَبْطُلُ مع بَقَائِها بفِعْلٍ صَدَرَ منه، كما لو اسْتَوْلَدَها وهى فى مِلْكِه، أو كما (٢٥) لو لم تَحْبَلْ منه، فأمَّا الولَدُ، فإنَّه حُرٌّ؛ لأَنَّه مِن وَطْءٍ فيه شُبْهةٌ، ونَسَبُه لَاحِقٌ به كذلك، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّها وضَعَتْه فى مِلْكِه. ورُوِىَ عن أحمدَ، فى هذا رِوَايتان؛ إحداهما، لا تَجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّ نَصِيبَ شَرِيكِه انتقلَ إليه مِن حينِ العُلُوقِ، وفى تلك الحالِ لم تكُنْ له قِيمةٌ، فلم يَضْمَنْه. والثانية، عليه نِصْفُ قِيمَتِه؛ لأَنَّه كان من سَبِيلِ هذا النِّصْفِ أَنْ يكونَ مَمْلُوكًا لِشَرِيكِه، فقد تَلِفَ رِقُّه عليه، فكان عليه نِصْفُ قِيمَتِه. قال القاضى: هذه الرِّوايةُ أصَحُّ على المذهبِ. وذكر هاتَيْنِ الرِّوايتَيْنِ أبو بكرٍ، واخْتارَ أنَّها إِنْ وضَعَتْه بعدَ التَّقْوِيمِ، فلا شىءَ على الواطئِ، وإِنْ وضَعَتْه قبلَ التَّقْويمِ، غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِه. فإِنَّ ادَّعَى الواطئُ الاسْتِبْراءَ، وأتَتْ بالوَلَدِ لأكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الاسْتِبْراءِ، لم يُلْحَقْ به، ولم تَصِرْ أُمَّ ولَدٍ، وكان حكمُ ولَدِها حُكْمَها، وإِنْ أتَتْ به لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الاسْتِبْراءِ، أُلْحِقَ (٢٦) به، كما لو كان قبلَ الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّها كانتْ حامِلًا وَقْتَ الاسْتِبْراءِ، فلم يَكُنْ ذلك اسْتِبْراءً. فصل: وإن وَطِئاها جميعًا، فقد وَجَبَ لها على كلِّ واحدٍ منهما مَهْرُ مِثْلِها. فإنْ كانت

стр. 7843

فى الحالَيْنِ على صِفَةٍ واحدةٍ، فهما سَواءٌ فى الواجبِ عليهما، وإن كانت بِكْرًا حين وَطِئَها الأوَّلُ، فعليه مَهْرُ بِكْرٍ، وعلى الآخرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ. فإِن كان نَجْمُها لم يَحِلَّ، فلها مُطَالَبَتُهما بالمَهْزينِ، وإن كان النَّجْمُ قد حَلَّ، وهو مِن جنْسِ المَهْرِ، تَقَاصَّا، على ما ذكَرْنا فى المُقاصَّةِ. فإِن أدَّتْ إليهما، عَتَقَتْ، وكان لها (٢٧) المُطالبةُ بالمَهْرَيْنِ. وإن عَجَزَتْ عن نَفْسِها، وفَسَخَا الكِتابةَ بعدَ قَبْضِها المَهْرَيْن، لم يَمْلِكْ أحَدُهما مُطالبةَ الآخَرِ بشىءٍ؛ لأنَّها قَبَضَتْهُما وهى مُسْتَحِقَّةٌ لذلك، فإِن كانا فى يَدها اقْتَسَماهما (٢٨)، وإن تَلِفَا أو بعضُهما، فلا شىءَ لهما (٢٩)؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَثْبُتُ له دَيْنٌ على مَمْلُوكِهِ. وإن كان الفَسْخُ قبلَ قَبْضِ المَهْرَينِ، وهما سَواءٌ، سَقَطَ عن كلِّ واحدٍ ما عليه، وإن كان أحَدُهُما أكثرَ من الآخَرِ، تقاصَّ منهما (٣٠) بقَدْرِ أقَلِّهِما، [ويَرْجِعُ مَن عليه أقَلُّهما] (٣١) على الآخَرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ، وإن قَبَضَتْ (٣٢) من أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، رَجَعَ المَقْبُوضُ منه على الآخَرِ بنِصْفِ ما عليه، وإِنْ قَبَض منه البعضَ مِن أحدِهما دُونَ الآخَرِ، أو قَبَضَتْ من أحَدِهما أكثرَ من الآخَرِ، رَجَعَ مَنْ قُبِضَ منه الأكْثرُ على الآخَرِ بنِصْفِ الزِّيادةِ التى أدَّاها. وإن أَفْضاها أحَدُهما بوَطْئِه، فعليه لها ثُلثُ قِيمَتِها؛ لأنَّ الإِفْضاءَ فى الحُرَّةِ يُوجِبُ ثُلثَ دِيَتِهَا، فيُوجِبُ (٣٣) فى الأَمَةِ ثُلثَ قِيمَتِها مع المَهْرِ (٣٤). ويَحْتَمِلُ أَن يَلْزَمَه فى الإِفْضاءِ قَدْرُ نَقْصِها. وقال القاضى: تَلْزَمُه قِيمَتُها. وهو مذهبُ الشافعىِّ. والخِلافُ فى ذلك فَرْعٌ على الواجِبِ فى إفْضاءِ الحُرَّةِ. وقد ذكَرْناه (٣٥). فإنْ فسخَتِ الكِتابةَ، رَجَعَ مَنْ لم يُفْضِها على الآخَرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الإِفْضاءِ، على الخِلافِ الذى ذكَرْناه. فإِن ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما على الآخَرِ، أنَّه الذى أفْضاها، أو وَطِئَها، حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما، وبَرِئَ. وإن

стр. 7844

نَكَلَ أحَدُهما، قُضِىَ عليه. وإن كان الخِلافُ فى ذلك قبلَ عَجْزِها، فادَّعَتْ على أحَدِهما، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِيِنه. وإن ادّعَتْ على أحدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى. فصل: فإنْ أوْلَدَها كلُّ واحدٍ منهما، واتَّفَقا على السَّابِقِ منهما، فعلى قولِ الخِرَقِىِّ، تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ، لَاحِقُ النَّسَبِ به. والخِلافُ فى ذلك، كالخِلافِ فيما إذا انْفَرَدَ بإيلادِها، سَواءً. وأمَّا الثانى، فعلى قولِ الْخِرَقِىِّ، قد وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ غيرِه بشُبْهةٍ (٣٦)، وأوْلَدَها، فلا تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له؛ لأنَّها مَمْلوكةُ غيرِه، فأشْبَهَ ما لو باعَها ثم أوْلَدَها، وعليه مَهْرُها لها (٣٧)؛ لأنَّ الكِتابةَ لم تَبْطُلْ، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأَنَّه وَطْءُ شُبْهةٍ، وعليه قِيمَتُه للأوَّلِ؛ لأَنَّه فَوَّتَ رِقَّه عليه، فكان مِن سَبِيلِه أَنْ يكونَ رَقِيقًا له، حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه (٣٨)، فتَلْزَمُه قِيمَتُه على هذه الصِّفةِ. وقد ذكَرْنا فى وُجُوبِ نِصْفِ قِيمَةِ الأوَّلِ خِلافًا؛ فإنْ قُلْنا بوُجُوبِها، تَقَاصَّا [بما لكلِّ واحدٍ] (٣٩) منهما على صاحِبِه فى القَدْرِ الذى تَساوَيَا فيه، ويَرْجِعُ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه، وتُعْتَبَرُ القِيمةُ يومَ الوِلادةِ؛ لأنَّها أوّلُ حالٍ أمْكَنَ التَّقْوِيمُ فيها. وذكَرَ القاضى فى هذه المسألةِ أرْبعةَ أحْوالٍ؛ أحدها، أَنْ يكوَنا مُوسِرَيْنِ، فالحُكْمُ على ما ذكرْنا، إِلَّا أنَّه جَعَلَ المَهْرَ الواجبَ على الثانى للأوَّلِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الكتابةَ لا تَبْطُلُ بالاسْتِيلادِ، ومَهْرُ المُكاتَبةِ لها دُونَ سَيِّدِها، ولأنَّ سَيِّدَها لو وَطِئَها وَجَبَ (٤٠) عليه المهرُ لها، فلَأنْ لا يَمْلِكَ المَهْرَ الواجبَ على غيرِه أوْلَى، ولأنَّه عِوَضُ نَفْعِها، فكان لها، كأُجْرَتِها. الثانى، أَنْ يكونَ الأوَّلُ مُوسِرًا والثانى مُعْسِرًا، فيكونَ كالحالِ الذى قبلَه، سَواءً. قال القاضى: إِلَّا أَنَّ ولَدَه يكونُ مَمْلوكًا؛ لإِعْسارِه بقِيمَتِه. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الولَدَ لا يَرِقُّ لإِعْسارِ والدِه، بدليلِ ولَدِ المَغْرُورِ مِن أمَةٍ، والوَاطِئ (٤١) بشُبْهةٍ (٤٢). كلُّ مَوْضِع حَكَمْنا بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ (٤٣)، لا يَخْتَلِفُ بالإِعْسارِ

стр. 7845

واليَسارِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ (٤٤) اليَسَارُ فى سِرَايه العِتْقِ، : ليس عِتْقُ هذا بطريقِ السِّرايَةِ، إنَّما هو لأجْلِ الشُّبْهةِ فى الوَطْءِ، فلا وَجْهَ لاعْتِبارِ اليَسَارِ فيه، والصَّحِيح أنَّه حُرٌّ، وتَجِبُ قِيمَتُه فى ذِمَّةِ أبِيه. الحال الثالث، أَنْ يكونَا مُعْسِرَيْنِ، فإنَّها تصيرُ أُمَّ ولَدٍ لهما (٤٥) جميعًا، نِصْفُها أُمُّ ولدٍ للأوَّلِ، ونِصْفُها [أُمُّ ولدٍ] (٤٦) للثانى. قال: وعلى كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ مَهْرِها لصاحِبِه، وفى ولَدِ كلِّ واحدٍ منهما وَجْهان؛ أحَدُهما، أَنَّ (٤٧) يكونَ كلُّه حُرًّا، وفى ذِمَّةِ أبِيه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه. والثانى، نِصْفُه حُرٌّ، وباقِيه عَبْدٌ لشَرِيكِه، إِلَّا أَنَّ نِصْفَ ولَدِ الأوَّلَ عَبْدٌ قِنٌّ؛ لأَنَّه تابعٌ لنِّصْفِ الباقِى من الأُمِّ، وأمَّا النِّصْفُ الباقى مَن ولَدِ الثانى، فحُكْمُه حكمُ أُمِّه؛ لأَنَّه وُلِدَ منها بعدَ أَنْ ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتِيلادِ للأوَّلِ، فكان نِصْفُه الرَّقِيقُ تابِعًا لها فى ذلك. ولعلَّ القاضىَ أراد ما إذا عَجَزَتْ، وفَسَخَتِ الكِتابةَ، فأمَّا إذا كانتْ باقِية على الكِتابةِ، فإِنَّ لها المَهْرَ كامِلًا على كلِّ واحدٍ منهما، وإذا حُكِمَ بِرِقِّ نِصْفِ ولَدِها، وجَبَ أَنْ يكونَ له حُكْمُها (٤٨) فى الكِتابةِ؛ لأنَّ ولَدَ المُكاتَبةِ يكونُ تابِعًا لها. الحال الرابع، أَن يكونَ الأوَّلُ مُعْسِرًا والثانى مُوسِرًا، فحُكْمُه حكمُ الثالثِ، سَواءً، إِلَّا أَنَّ ولَدَ الثانى حُرٌّ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ ثَبَتَتْ لنِصْفِه بفِعْلِ أبِيه وهو مُوسِرٌ، فسَرَى إلى جَمِيعِه، وعليه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه، ولم تُقَوَّمْ عليه (٤٩) الأُمُّ؛ لأنَّ نِصْفَها أُمُّ ولَدٍ للأوَّلِ. ولو صَحَّ هذا، لَوَجَبَ أَنْ لا يُقَوَّمَ عليه نِصْفُ الوَلَدِ؛ لأنَّ حُكْمَه حكمُ أُمِّه فى هذا، فإذا مَنَعَ حُكْمُ الاسْتِيلادِ السِّرايةَ فى الأُمِّ، مَنَعَه فيما هو تابعٌ لها. ومذهبُ الشافعىِّ فى هذه المسألةِ قَرِيبٌ ممَّا ذكَرَ القاضِى. فصل: وإن اخْتَلَفا فى السَّابقِ منهما، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ، فعلى
следующие страницы →