← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

فإذا اشْتَرَى أحَدُ المُكاتبَيْنِ الآخَرَ، صَحَّ شِراؤُه، ومِلْكُه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ من أهلِه فى مَحَلِّه، وسَواءٌ كانا مُكاتبَيْنِ لسَيِّدٍ واحِدٍ، أو لسيِّدَيْن. فإذا عادَ الثانى، فاشْتَرَى الذى اشْتَراهُ، لم يصِحَّ؛ لأَنَّه سَيِّدُه ومالِكُه، وليس للمَمْلوكِ أَنْ يَمْلِكَ مالِكَه؛ لأَنَّه يُفْضِى إلى تَناقُضِ الأحكامِ، إذْ كُلُّ واحِدٍ منهما يقولُ لصاحبِه: أنا سَيِّدُكَ، ولى عليكَ مالُ الكتابةِ تُؤَدِّيه إلىَّ، وإِنْ عَجَزْتَ، فلى فَسْخُ كتابَتِكَ، ورَدُّكَ إلى أَنْ تكونَ رَقِيقًا لى. وهذا تناقُضٌ، وإذا تنافَى أَنْ تَمْلِكَ المرأةُ زَوْجَها مِلْكَ اليَمِينِ؛ لثُبوتِ مِلْكِه عليها فى النِّكاحِ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّه لو صَحَّ هذا، لتَقاصَّ الدَّيْنانِ إذا تساوَيَا، وعَتقَا جميعًا. فإذا ثَبَتَ هذا، فشراءُ الأَوَّلِ صحيحٌ، والْمبِيعُ منهما (١) باقٍ على كتابتِه، فإنْ أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ، فإنْ أدَّى سَيِّدُه كتابَتَه، كان له؛ لأَنَّه عَتَقَ بأدائِه إليه، وإِنْ عَجَزَ، فوَلاؤُه لسَيِّدِه؛ لأنَّ العبدَ لا يثْبُتُ له وَلاءٌ، ولأنَّ السَّيِّدَ يأْخُذُ مالَه، فكذلك حُقُوقَه. هذا مُقْتَضَى (٢) قَوْلِ القاضِى، ومُقْتَضَى قَولِ أبى بكرٍ، أَنَّ الوَلاءَ لسَيِّدِه؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ لا يثْبُتُ له (٣) الوَلاءُ، فيثْبُتُ (٤) لسَيِّدِه. [ذكَرا ذلك] (٥) فيما إذا أعْتَقَ بإذْنِ سَيِّدِه (٦)، أو كاتَبَ عَبْدَه فأدَّى كتابَتَه، وهذا نَظيرُه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بينَهما؛ لكَونِ العِتْقِ تَمَّ بإذْنِ السَّيِّدِ، فيَحْصُلُ الإِنْعامُ منه بإذْنِه فيه، وههُنا لا يفْتَقِرُ إلى إذْنِه، فلا نِعْمةَ له عليه، فلا (٧) يكونُ له عليه وَلاءٌ، ما لم يُعَجِّزْه سَيِّدُه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: فإنْ لم يُعْلَمِ السَّابِقُ منهما، فقال أبو بكرٍ: يبْطُلُ البَيْعانِ، ويُرَدُّ كلُّ واحِدٍ منهما إلى كتابته؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مَشكوكٌ فى صِحَّةِ بَيْعِه، فيُرَدُّ إلى اليقينِ. وذكرَ

стр. 7912

القاضى أنَّه يَجْرِى مَجْرَى (٨) ما إذا زَوَّجَ الوَلِيَّانِ فأشْكَلَ الأوَّلُ منهما، فيَقْتَضِى (٩) هذا أَنْ يُفْسَخَ البَيْعانِ، كما يُفْسَخ النِّكاحان. وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا حاجَةَ إلى الفَسْخِ؛ ولأنَّ النِّكاحَ إنَّما احْتِيجَ إلى فَسْخِه من أجْلِ المَرْأَةِ؛ فإنَّها مَنْكُوحَةٌ نِكاحًا صحيحًا، لواحِدٍ منهما يَقينًا، فلا يزُولُ إِلَّا بفَسْخٍ، وفى مسألتِنا لم يَثْبُتْ تَعَيُّنُ البَيْعِ فى واحِدٍ بعَيْنِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى فَسْخٍ. فصل: وإذا كاتَبَ عبيدًا له، صَفْقَةً واحِدَةً، بعِوَضٍ واحِدٍ، مثل أَنْ يُكاتِبَ ثلاثةَ أعْبُدٍ له بأَلْفٍ، صَحَّ، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم، عَطاءٌ، وسليمانُ بنُ موسى، وأبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والحسنُ بن صالحٍ، وإسْحاقُ. وهو المَنْصوصُ عن الشافِعِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال بعضُ أصحابِه: فيه قولٌ آخَرُ، لا يَصِحُّ، ولأنَّ العَقْدَ مع ثلاثةٍ، كعقودٍ ثلاثةٍ، وعِوَضُ كُلّ منهم مَجْهولٌ، فلم يصِحَّ، كما لو باعَ كُل واحِدٍ منهم لواحِدٍ صَفْقَة واحِدَةً، بعِوَضٍ واحِدٍ. ولَنا، أَنَّ جملةَ العِوَضِ مَعْلُومَةٌ، وإنَّما جُهِلَ تَفْصِيلُه (١٠)، فلم تَمْنَعْ (١١) صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو باعَهُم لواحِدٍ. وعلى قولِ مَنْ قال: إنَّ العِوَضَ يكونُ بينَهم على السَّواءِ. فقد عُلِمَ أيضًا تَفْصِيلُ العِوَضِ، وعلى كُلِّ واحِدٍ منهم ثُلثٌ، وكذا يقولُ فيما لو باعَهم لِثلاثةٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ كُلَّ واحِدٍ منهم مُكاتَبٌ بحِصَّتِه من الأَلْفِ، ويُقْسَمُ بينَهم على قَدْرِ قِيمَتِهم حينَ العَقْدِ؛ لأَنَّه حينَ المُعاوَضةِ، وزوالِ سُلْطانِ السَّيِّدِ عنهم، فإذا أدَّاهُ، عَتَقَ. هذا (١٢) قولُ عَطاءٍ، وسليمانَ بن موسى، والحسنِ بنِ صالِحٍ، والشافِعِىِّ، وإسحاقَ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيز: يَتَوَجَّهُ لأبى عبد اللَّه قَولٌ آخرُ، أَنَّ العِوَضَ بينَهم على عَدَدِ رءُوسِهم، فيَتَساوون فيه؛ لأَنَّه أُضِيفَ إليهم إضافةً واحِدَةً، فكان بينَهم بالسَّوِيَّةِ، كما لو أقرَّ لهم بشىءٍ. ولَنا، أَنَّ هذا عِوَضٌ، فيُقَسَّطُ (١٣) على المُعَوِّضِ، كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيْفًا، وكما لو اشْتَرَى عَبِيدًا. فرَدَّ واحدًا منهم بعَيْبٍ، أو أتْلَفَ

стр. 7913

أحدَهم، ورَدَّ الآخَرَ. ويُخالِفُ الإِقْرارَ؛ فإنَّه ليس بعِوَضٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فأيُّهم أدَّى حِصَّتَه، عَتَقَ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. وقال ابنُ أبى موسى: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهم حتى يُؤَدِّىَ جميعَ الكتابةِ. وحُكِىَ ذلك عن أبِى بكرٍ. وهو قولُ مالِكٍ. وحُكِىَ عنه، أنَّه إذا امْتَنَعَ أحَدُهم عن الكَسْبِ (١٤) مع القُدْرَةِ عليه، أجْبَرَهُ (١٥) عليه الباقُون. واحْتَجُّوا بأنَّ الكِتابةَ واحِدَةٌ؛ بدليلِ أنَّه لا يَصِحُّ مِن كُلِّ واحِدٍ منهم الكتابةُ بقَدْرِ حِصَّتِه دُونَ الباقِين، ولا يحْصُلُ العِتْقُ إِلَّا بأداءِ جميعِ الكِتابةِ، كما لو كان المُكاتَبُ واحِدًا. وقال أبو حنيفةَ: إِنْ لم يقُلْ لهم السَّيِّدُ: إِنْ أَدَّيْتُم عَتَقْتُم: [فأيُّهم أدَّى حِصَّتَهَ (١٦)، عَتَقَ. وإِنْ أدَّى جَمِيعَها، عَتَقُوا كُلُّهم، ولم يرْجِعْ على صَاحِبَيْه بشىءٍ. وإِنْ قال لهم: إِنْ أَدَّيْتُم، عَتَقْتُم] (١٧). لم يَعْتِقْ واحِدٌ منهم حتى تُؤَدَّى الكتابةُ كُلُّها، ويكونَ بعضُهم حَمِيلًا عن بعضٍ، ويأخُذُ أيُّهم شاءَ بالمالِ، وأيُّهم أدَّاها عَتَقُوا كُلُّهم، ويَرْجِعُ (١٨) على صاحِبَيْه بحِصَّتِهما. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ مع ثلاثةٍ، فيَبْرأُ (١٩) كُلُّ واحِدٍ منهم بأداءِ حِصَّتِه، كما لو اشْتَرَوْا عبدًا، وكما لو لم يَقُلْ لهم: إِنْ أدَّيْتُم عَتَقْتُم. على قَولِ (٢٠) أبى حنيفةَ، فإِنَّ قَولَه ذلك لا يُؤثِّرُ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ العِتْقِ بأداءِ العِوَضِ، لا بهذا القَوْلِ، بدَلِيلِ أنَّه يَعْتِقُ (٢١) بالأداءِ بدونِ هذا القَوْلِ، ولم يَثْبُتْ كَونُ هذا القولِ مانِعًا مِن العِتْقِ، ولا نُسَلِّمُ أَنَّ هذا العَقْدَ كتابةٌ واحِدَةٌ؛ فإِنَّ العَقْدَ مع جماعةٍ عُقودٌ، بدليلِ البَيْعِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على كتابةِ الواحِدِ؛ لأنَّ ما قَدَّرَه فى مُقابَلَةِ عِتْقِه، وههُنا فى مُقابَلَةِ عِتْقِه ما يَخُصُّه، فافْتَرَقا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إِنْ شَرَطَ عليهم فى العَقْدِ، أَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهم ضامِنٌ عن الباقِين، فالشَّرْطُ فاسِدٌ، والعَقْدُ صَحِيحٌ. وقال أبو الخَطَّاب: فى الشَّرطِ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه صَحِيحٌ. وخَرَّجَه ابنُ حامِد وَجْهًا، بِناءً على الرِّوايَتَيْن فى ضَمانِ الحُرِّ (٢٢) لمالِ الكتابةِ. وقال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: العَقْدُ

стр. 7914

والشَّرْطُ فاسِدان؛ [لأنَّ الشَّرْطَ فاسِدٌ] (٢٣)، ولا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ العَقْدِ بدُونِه؛ لأنَّ السَّيِّدَ إنَّما رَضِىَ بالعَقْدِ بهذا الشَّرْطِ، فإذا لم يَثْبُتْ، لم يكُنْ راضِيًا بالعَقْدِ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: العَقْدُ والشَّرْطُ صَحيحان؛ لأَنَّه مُقْتَضَى العَقْدِ عِنْدَهما. ولَنا، أَنَّ مالَ الكتابةِ ليس بلازمٍ، ولا مَآلهُ إلى اللُّزُومِ، فلم يصِحَّ ضَمانُه، كما لو جَعَلَ المالَ صِفَةً مُجَرَّدَةً فى العِتْقِ، فقال: إِنْ أدَّيْتَ إِلىَّ ألْفًا، فأنْت حُرٌّ. ولأَنَّ الضَّامِنَ لا يَلْزَمُه أكثرُ ممَّا يَلْزَمُ (٢٤) المَضْمُونَ عنه، ومالُ الكِتابةِ لا يَلْزَمُ المُكاتَبَ، فلا يلْزَمُ الضَّامِنَ، ولأنَّ الضَّمانَ تَبَرُّعٌ، وليس للمُكاتَبِ التَّبَرُّعُ، ولأنَّهُ لا يَمْلِك الضَّمانَ عن حُرٍّ، ولا عَمَّنْ ليس معه فى الكتابةِ، فكذلك مَن مَعَه. وأمَّا العَقْدُ فصَحِيحٌ؛ لأنَّ الكِتابةَ لا تَفْسُدُ بفَسادِ الشَّرْطِ؛ بدَلِيلِ خَبَرِ بَرِيرَةَ (٢٥)، [وسنَذْكرُ ذلك] (٢٦) فيما بَعْدُ، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: إذا ماتَ بعضُ المُكاتَبين، سَقَطَ قَدْرُ حِصَّتِه. نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عنه، فى رِوايَةِ حَنْبَلٍ. وكذلك إِنْ أُعْتِقَ بَعْضُهم. وعن مالِكٍ، إِنْ أعْتَقَ السَّيِّدُ أحَدَهم وكانَ مُكْتَسِبًا، لم يَنْفُذْ عِتْقُه؛ لأَنَّه يَضُرُّ بالباقِينَ، وإِنْ لم يكُنْ مُكْتَسِبًا، نَفَذَ عِتْقُه؛ لعَدَمِ الضَّرَرَ فيه. وهذا مَبْنِىٌّ على أنَّه لا يَعْتِقُ واحِدٌ (٢٧) منهم حتى يُؤَدِّىَ جميعَ مالِ الكتابةِ، وقد مَضَى الكلامُ فيه. فصل: وإِنْ أدَّى أحَدُ المُكاتَبَيْنِ عن صاحِبِه، أو عن مُكاتَبٍ آخَرَ، قبلَ أداءِ ما عليه، بغيرِ عِلْمِ سَيِّدِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ، وليس له التَّبرُّعُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه. وإِنْ كان قد حَلَّ عليه نَجْمٌ، صُرِف ذلك فيه. وإِنْ لم يكُنْ حَلَّ عليه نَجْمٌ، فله الرُّجُوعُ فيه. وإِنْ عَلَمِ السَّيِّدُ بذلك، ورَضِىَ بقَبْضِه عن الآخَرِ، صَحَّ؛ لأنَّ قَبْضَه له راضِيًا به مع العِلْمِ، دليلٌ على الإِذْنِ فيه، فجازَ، كما لو أذِنَ فيه صَرِيحًا (٢٨). وإِنْ كان الأداءُ بعدَ أنْ عَتَقَ،

стр. 7915

صَحَّ، سَواءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ أو لم يَعْلَمْ. فإذا أرادَ الرُّجوعَ على صاحِبِه بما أدَّى عنه، نَظَرْنا؛ فإنْ كان قد قَصَدَ التبرُّعَ عليه، لم يَرْجعْ به، وإِنْ أدَّاه مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ عليه، وكان الأداءُ بإذْنِ المُؤدَّى عنه، فهو قَرْضٌ، يلْزَمُه (٢٩) أداؤُه، كما لو اقْتَرَضَه (٣٠) منه. وإِنْ كان بغيرِ إذْنِه، لم يَرْجِعْ عليه؛ لأَنَّه تَبَرُّعٌ عليه بأداءِ ما لا يَلْزَمُه [أداؤُه بغيرِ إذْنِه، فلم يرْجِعْ عليه] (٣١)، كما لو تَصَدَّقَ عنه صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ، وبهذا فارقَ سائِرَ الدُّيونِ. وإِنْ كان بإذْنِه، وطلبَ اسْتيفاءَه، قُدِّمَ على أداءِ مالِ الكتابةِ، كسائِرِ الديونِ. وإن (٣٢) عَجَزَ عن أدائِه، فحكْمُه حكمُ سائِرِ الدُّيونِ. وهذا كُلُّه مذهبُ الشافِعِىِّ. فصل: ولا يَصِحُّ ضَمانُ (٣٣) الحُرِّ لمالِ الكتابةِ. وذكرَ القاضى فيبه رِوَايَتَيْن؛ إحْداهُما، يصِحَّ ضَمانُه؛ لأَنَّه عِوَضٌ فى مُعاوَضَةٍ (٣٤)، فصَحَّ ضَمانُه، كثَمَنِ الْمَبِيعِ (٣٥). ولَنا، ما ذَكَرْناه من قَبْلُ، ولا يصِحُّ قِياسُه على الثَّمنِ؛ لأَنَّه (٣٦) لازِمٌ، وهذا غيرُ لازِمٍ. فصل: وإِنْ (٣٧) أَدَّوا ما عليهم، أو بعضَه، ثم اخْتَلَفُوا، فقال مَنْ كَثُرَتْ قِيمتُه: أدَّى كُلُّ واحِدٍ منَّا (٣٨) بقَدْرِ ما عليه، فلا فَضْلَ لأحَدِنا على صاحِبه. وقال مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُه: أدَّيْنا على السَّواءِ، فلى الفَضْلُ عليكَ، أو يكونُ وَدِيعةً لى عندَ سَيِّدِنا. فالقَولُ قولُ الأوَّلِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنّ مَنْ عليه دَيْنٌ لا يُؤَدِّى أكثرَ منه، فرَجَحَتْ دَعْواهُ بذلك. فإنْ كان المُؤَدَّى أكثَرَ ممَّا عليهم، واخْتَلَفُوا فى الزِّيادةِ، فالقَوْلُ قولُ مَنْ يَدّعِى التَّساوِىَ؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا فى أدائِه، فكانتْ أيْدِيهم عليه، فاسْتَوَوْا فيه، كما لو كان فى أيدْيِهم مالٌ فاخْتَلَفُوا فيه.

стр. 7916

فصل: وإِنْ جَنَى بعضُهم، فجِنايَتُه عليه دُونَ صاحِبِه. وبهذا قال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال مالِكٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يُودُّون كُلُّهم أرْشَه، فإنْ عَجَزُوا رقُّوا. ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣٩). وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يَجْنِى جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ" (٤٠). ولأنَّه لو اشْتَرَك رَجُلان، وتعاقَدَا، لم يَحْمِلْ أحَدُهما [عن الآخَرِ] (٤١) جِنايَةَ صاحِبِه، فكذا ههنا؛ لأنَّ (٤٢) ما لا يَصِحُّ، لا يَتَضَمَّنه عَقْدُ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ على أحَدِهما بفِعْلِ الآخَرِ، كالقِصاصِ، وقد بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُكاتَبٌ بحِصَّتِه، فهو كالمُنْفَرِدِ بعَقدِه. ٢٠١٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا شَرَطَ فِى كتَابَتِهِ أَنْ يُوالِىَ مَنْ شَاءَ، فَالْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ، والشَّرْطُ بَاطِلٌ) أمَّا الشَّرْطُ فباطِلٌ. لا نَعْلَمُ فى بُطْلانِه خِلافًا؛ وذلك لما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: كانتْ فى بَرِيرَةَ ثلاثُ قَضِيَّاتٍ، أرادَ أهْلُها أَنْ يَبِيعُوها ويَشْتَرِطُوا الولاءَ، فذَكَرْتُ ذلك للنَّبِىِّ ﷺ ، فقال: "اشْتَرِيهَا، واعتقِيهَا، فَإنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ. مُتَفَقٌ عليه (١). وفى الحَدِيثِ الآخَرِ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اشْتَرِيهَا، وَاشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". فقامَ رسولُ اللَّه ﷺ فى النَّاسِ، فحَمِدَ اللَّه، وأَثْنَى عليه، ثم قال: "أمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ نَاسٍ (٢) يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّه! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أحَقُّ، وشَرْطُ اللَّهِ (٣) أوْثَقُ، فَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". مُتَفَقٌ عليه (١). ولأنَّ الوَلاءَ لا يَصِحُّ نَقْلُه،

стр. 7917

بدليلِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الوَلاءِ وهِبَتِه، وقال: "إنّما الولاءُ لِمَنْ أعتقَ". ولأنَّه لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ، فلم يصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ صاحِبه، كالقَرابةِ، ولأنَّه حكمُ العِتْقِ، فلم يصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ المُعْتِقِ، كما لا يَصِحُّ اشْتِراطُ حُكمِ النِّكاحِ لغيرِ النَّاكِحِ، ولا حُكْمِ البَيْعِ لغيرِ العاقِدِ (٤). وسَواءٌ (٥) شَرَطَ (٦) أَنْ يُوَالِىَ مَن شاءَ، أو شرطَهُ لبائِعِه، أو لرجلٍ آخَرَ بعَيْنِه. ولا تفْسُدُ الكتابةُ بهذا الشَّرْطِ. نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يفْسُدُ به، كما لو شَرَطَ عِوَضًا مَجْهولًا. ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ فى البَيْعِ. ولَنا، حديثُ بَرِيرَةَ؛ فإِنَّ أهْلَها شَرَطُوا لهم الوَلاءَ، فأمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بشِرَائِها مع هذا الشَّرْطِ، وقال: "إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". ويُفارِقُ جَهالةَ العِوَضِ؛ فإنَّه رُكْنُ العَقْدِ، لا يُمْكِنُ تصْحِيحُ العَقْدِ بدُونِه، ورُبَّما أفْضَتْ جَهالَتُه إلى التَّنازُعِ (٧) والاخْتِلافِ، وهذا شَرْطٌ (٨) زائِدٌ، فإذا حَذَفْناهُ بَقِىَ العَقْدُ صَحِيحًا بحالِه. فإنْ قيلَ: المُرادُ بقَولِ النَّبِىِّ ﷺ : "اشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ". أى عليهم؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لا يَأْمُرُ بالشَّرطِ الفاسِدِ، واللَّامُ تُسْتَعْمَلُ بمعنَى "على"، كقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٩). [أى فَعَلَيْها] (١٠). قُلْنا: هذا لا يَصِحُّ؛ لوُجوهٍ ثلاثةٍ؛ أحَدُاها، أنَّه يُخالِفُ وَضْعَ اللَّفْظِ والاسْتِعمالَ. والثانِى، أَنَّ أهْلَ بَرِيرَةَ أَبَوْا هذا الشَّرْطَ، فكيفَ يَأمُرُها النَّبِىُّ ﷺ بشرطٍ لا بَقْبَلُونَه! والثالِثُ، أَنَّ ثُبوتَ الوَلاءِ لها لا يَحْتاجُ إلى شَرْطٍ؛ لأَنَّه مُقْتَضَى العِتْقِ وحُكْمُه. والرَّابِعُ، أَنَّ فى بعضِ الألْفاظِ: "لَا يَمْنَعُكِ (١١) هذَا الشَّرْطُ مِنْهَا، ابْتَاعِى، وأعْتِقِى". وإنَّما أمَرَها النَّبِىُّ ﷺ بالشَّرْطِ، تَعْرِيفًا لنا أَنَّ وُجودَ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه، وأنَّه لا يَنْقُلُ الوَلاءَ عن المُعْتِقِ.

стр. 7918

فصل: وإِنْ شَرَطَ (١٢) السَّيِّدُ على المُكاتَبِ أَنْ يَرِثَه دُونَ ورَثَتِه، أو يُزَاحِمَهم (١٣) فى مَوارِيِثِهم، فهو شَرْطٌ فاسِدٌ. فى قَولِ عامَّةِ العُلَماءِ، منهم، الحسنُ، وعَطاءٌ، وشُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، والنَّخَعِىُّ، وإسْحاقُ. وأجازَ إياسُ بنُ مُعاوِيَةَ أَنْ يَشْتَرِطَ شيئًا من مِيرَاثِه. ولا يَصِحُّ؛ لأنّه يُخالِفُ كتابَ اللَّه ، كلُّ شَرْطٍ ليس فى كتابِ اللَّه، فهو باطِلٌ، بقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ . قال سعيد: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا منصورٌ، عن ابنِ سِيرِينَ، أَنَّ رجُلًا كاتَبَ مَمْلُوكَهُ، واشْتَرَطَ مِيرَاثَه، فلمَّا ماتَ المُكاتَبُ، خَاصَمَ (١٤) ورَثَتَه إلى شُرَيْحٍ، [فقَضَى شريحٌ] (١٥) بمِيراثِ المُكاتَبِ لوَرَثَتِه، فقال الرجلُ: ما يُغْنِى عنِّى (١٦) شَرْطِى منذُ عِشْرِينَ سَنَة؟ فقال شُرَيحٌ: كتابُ اللَّه أنْزَلَه على نَبِيِّه قبلَ شَرْطِكَ بخَمْسِينَ سَنَةً (١٧). ولا تفْسُدُ الكتابةُ بهذا الشَّرْطِ، كالذى قبلَه. فصل: وإِنْ شَرَطَ عليه خِدْمَةً معلومَةً بعدَ العِتْقَ، جازَ. وبه قال عَطاءٌ، وابنُ شُبْرُمَةَ. وقال مالِكٌ، والزُّهْرِىُّ: لا يصِحُّ؛ لأنَّهُ يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ مِيراثَه. ولَنا، أنَّه رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أعْتَقَ كلَّ مَن يُصَلِّى مِن سَبْىِ العربِ، وشَرَطَ عليهم، أَنَّكم تخْدُمُونَ الخليفةَ مِن بَعْدِى ثلاثَ سَنَواتٍ (١٨). ولأنَّه اشْتَرطَ خِدْمَةً فى عَقْدِ الكتابةِ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَها قبلَ العِتْقِ، ولأنَّه شَرَطَ نَفْعًا مَعْلُومًا، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ عِوَضًا معلومًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ؛ فإِنَّ مُقْتَضاهُ العِتْقُ عندَ الأداءِ، وهذا لا يُنافِيه. فصل: وإذا كاتَبَه على أَلْفَيْن، فى رأسِ كُلِّ شَهْرٍ أَلْفٌ، وشَرَطَ أَنْ يَعْتِقَ عندَ أداءِ الأوَّلِ، صَحَّ، فى قِياسِ المذهبِ، ويَعْتِقُ عندَ أدائِه؛ لأنَّ السَّيِّدَ لو أعْتَقَه بغيرِ أدَاءِ شىءٍ،

стр. 7919

صَحَّ، فكذلك إذا أعْتَقَه عندَ أداءِ البَعْضِ، ويَبْقَى الآخَرُ دَيْنًا عليه بعدَ عِتْقِه، كما لو باعَه نَفْسَه به (١٩). ٢٠١١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ، فَاشتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأَخْرَجَهُ إِلَى سَيِّدهِ، فَأحَبَّ أخْذَه، أخذَهُ بِمَا اشتَرَاهُ، فَهُوَ عَلَى كتابَتِهِ. وإِنْ لَمْ يُحِبَّ أخذَهُ، فَهُوَ عَلَى (١) مِلْكِ مُشْتَرِيه، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِىَ مِنْ كِتابَتِهِ، يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ، ووَلَاؤُهُ لِمَنْ يُؤدِّى إلَيْهِ) وجُمْلَتُه أَنَّ الكُفَّارَ إذا أسَرُوا مُكاتَبًا، ثم اسْتَنْقَذَه المسلمون، فالكتابةُ بحالِها؛ فإنْ أُخِذَ فى الغَنائِم، فعُلِمَ بحالِه، أو أدْرَكَه سَيِّدُه قبلَ قَسْمِه، أخَذَه بغيرِ شىءٍ، وكان على كتابتِه، كمَنْ لم يُؤْسَرْ، وإِنْ لم يُدْرِكه حتى قُسِمَ، وصارَ فى سَهْمِ بعضِ الغانِمين، أو اشْتَراهُ رجُلٌ مِن الغَنِيمَةِ قبلَ قَسْمِه، أو مِن المشركين، وأخْرَجَه إلى سَيِّدِه، فإِنَّ سَيِّدَه أحَقُّ به بالثَّمَنِ الذى ابْتاعَه به. وفيما إذا كان غَنِيمَةً، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه إذا قُسِمَ، فلا حَقَّ لسَيِّدِه فيه بحالٍ. فيُخَرَّجُ فى المُشْتَرَى (٢) مثلُ ذلك. وعلى كُلِّ تَقْديرٍ، فإِنَّ سَيِّدَه إِنْ أخَذَه، فهو مُبْقًى على ما بَقِىَ مِن كتابَتِهِ، وإِنْ تَرَكَه، فهو فى يَدِ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِىَ مِن كِتابَتِه، يعْتِقُ (٣) بالأداءِ فى المَوْضِعَيْن، وَلاؤُه لمَن يُؤدِّى إليه، كما لو اشْتَراهُ مِن سَيِّدِه. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ، [رَضِىَ اللَّهُ عنهما: لا يَثْبُتُ عليه مِلْكُ الكُفَّارِ، ويُرَدُّ إلى سَيِّدِه بكلِّ حالٍ. ووافَقَ أبو حنيفةَ الشافِعِىَّ] (٤)، فى المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ خاصَّةً؛ لأنَّهما عندَه لا يجوزُ بَيْعُهما، ولا نَقْلُ (٥) المِلْكِ فيهما، فأشْبها أُمَّ الوَلدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكلامُ فى الدَّلالةِ على أَنَّ ما أدْرَكَه صاحِبُه مَقْسُومًا، لا يَسْتَحِقُّ صاحِبُه أخْذَه بغيرِ شىءٍ، وكذلك ما اشْتَراهُ مُسْلِمٌ من

стр. 7920

دارِ الحَرْبِ، وفى أَنَّ المُكاتبَ والمُدَبَّرَ يجوزُ بَيْعُهما (٦)، بما يُغْنِى عن إعادَتِه ههُنا. فصل: وهل يَحْتَسِبُ عليه بالمدَّةِ التى كان فيها مع الكُفَّارِ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّ الكتابَةَ اقْتَضَتْ تَمْكِينَه من التَّصَرفِ والكَسْبِ فى هذه المُدَّةِ، فإذا لم يحْصُلْ له ذلك، لم يَحْتَسِبْ عليه، كما لو حَبَسَه سَيِّدُه. فعلى هذا، يَنْبَنِى على ما (٧) مَضَى من المُدَّةِ قبلَ الأَسْرِ، ويُلْغِى (٨) مُدَّةَ الأَسْرِ، كأنَّها لم تُوجَدْ. والثانى، يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّها من مُدَّةِ الكِتابَةِ، مَضَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ من سَيِّدِه، فاحْتَسَبَ عليه بها، كما لو مَرِضَ، ولأنَّه مَدِينٌ مَضَتْ مُدَّةٌ مِن أجَلِ دَيْنِه فى حَبْسِه، فاحْتَسَبَ عليه بها، كسائِرِ الغُرَماءِ، وفارَقَ ما إذا حَبَسَه سَيِّدُه، بما سَنَذْكُره إِنْ شاءَ اللَّه تعالى. فعلى هذا، إذا حلَّ عليه نَجْمٌ عندَ اسْتِنْقاذِه، جازَتْ مُطالَبَتُه به (٧). وإِنْ حَلَّ ما يجوزُ تَعْجيزُه بتَرْكِ أدائِه، فلِسَيِّدِه تَعْجِيزُه، وردُّه إلى الرِّقِّ. وهل له ذلك بنَفْسِه أو حُكْمِ الحاكمِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأَنَّه تَعَذَرَ عليه الوُصولُ إلى المالِ فى وَقْتِه، فأشْبَهَ ما لو كان حاضِرًا، يُحققُه أنَّه لو كان حاضِرًا، والمالُ غائبًا، يتَعَذَّرُ إحْضارُه وأداؤُه فى مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ، لَكانَ لسَيِّدِه الفَسْخُ، والمالُ ههُنا إمَّا مَعْدُومٌ، وإثَا غائِبٌ يتَعَذَّرُ أداؤُه، وفى كِلْتا الحالَتَيْن يجوزُ الفَسْخُ. والثانى، ليس له ذلك إِلَّا بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأَنَّه مع الغَيْبَةِ يحْتاجُ إلى أَنْ يبْحَثَ، ألَهُ مالٌ أم لا؟ وليس كذلك إذا كان حاضِرًا؛ فإنَّه يُطالِبُه، فإنْ أدَّى، وإلَّا فقد عجَّزَ نَفْسَه. فإنْ فَسَخَ الكتابَةَ بنَفْسِه، أو بحُكْمِ الحاكِمِ، ثم خَلَصَ المُكاتَبُ، فادَّعَى أَنَّ له مالًا فى (٩) وَقْتِ الفَسْخِ، يَفِى بِما عليه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، بَطَلَ الفَسْخُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يبْطُلَ حتى يَثْبُتَ أنَّه كان يُمْكِنُه أداؤُه؛ لأَنَّه إذا (٧) كان مُتَعذِّرَ الأداءِ، كان وُجودُه كعَدَمِه. فصل: وإِنْ حَبَسَه سَيِّدُه مُدَّةً، فقد أساءَ، ولا يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه (١٠)، فى أحَدِ

стр. 7921

الوُجُوهِ. والثانِى، يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه؛ لأنَّ مالَ الكتابةِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فيَحْتَسِبُ بمُدَّةِ الحَبْسِ من الأَجَلِ، كسائِرِ الدُّيونِ المُؤَجَّلَةِ. فعلى هذا الوَجْه، يلْزَمُه أجْرُ مثلِه فى المُدَّةِ التى حَبَسَه فيها. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ على سَيِّدِه تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ مُدَّةَ كتابَتِه، فإذا حَبَسَه مُدَّةً، وجَبَ عليه تَأْخِيرُه مثلَ تلك المُدَّةِ؛ ليَسْتَوْفِىَ الواجبَ له، ولأَنَّ حَبْسَه يُفْضِى إلى إبْطالِ الكتابَةِ، وتَفْوِيتِ مَقْصُودِها، ورَدِّه إلى الرِّقِّ، ولأنَّ عَجْزَه عن أداءِ نُجومِه فى مَحَلِّها بسَبَبٍ مِن سَيِّدِه، فلم يَسْتَحِقَّ به فَسْخَ العَقْدِ، كما لو مَنَعَ البائِعُ المُشْتَرِىَ مِن أداءِ الثَّمنِ، لم تَسْتَحِقَّ فَسْخَ البَيْعِ؛ لذلك (١١)، ولو مَنَعَت المرأَة زَوْجَها من الإِنْفاقِ عليها، لم يَسْتَحِقَّ فَسْخَ العَقْد، لذلك (١١)، كذا ههُنا. الوَجْهُ الثالِثُ، أنَّه يَلْزَمُ سَيِّدَه أَرفَقُ الأَمْرَيْنِ به؛ مِن تَخْلِيَتِه مثلَ تللث المُدَّةِ، أو أجْر مِثْلِها؛ لأنَّه قد (١٢) وُجِدَ سَبَبُهما، فكان للمُكاتَبِ أنْفَعُهما. فصل: وإذا وَصَّى (١٣) بأَنْ يُكاتَبَ عبدُه، صَحَّت الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ الكتابةَ يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللَّهِ تعالى وحَقُّ الآدَمِىِّ (١٤)، فإذا وَصَّى (١٥) به، صَحَّ، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُه من ثُلثِه؛ لأَنَّه تَبَرُّعٌ من جِهَتِه، فإنَّه بَيْعُ (١٦) مالِه بمالِه. فإنْ خَرَجَ من الثُّلثِ؛ لَزِمَتْهم (١٧) كتابَتُه، ولا يُعْتَبَرُ مالُ الكتابَةِ من مالِه. ذكرَه القاضى؛ لأَنَّه نَماءُ مالِه وفائِدَتُه، ولأنَّ الاعْتِبارَ بحالَةِ الموتِ، وهو لايَمْلِكُ مالَ الكتابَةِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإنْ عَيَّنَ مالَ الكتابَةِ، كاتَبُوه عليه، سَواءٌ كان أقلَّ من قِيمَتِه، أو مثلَها أو أكثرَ. وإِنْ لم يُعَيِّنْه، كاتَبُوه على ما جَرَى العُرْفُ بكتابَةِ مثلِه به. والعُرْفُ أَنْ يُكاتَبَ العبدُ بأكثرَ من قِيمَتِه؛ [الكَوْنِ دَيْنِها] (١٨) مُوجَّلًا. ويجبُ رَدُّ رَيْعِه إليه. ويُعْتَبَرُ فى ذلك رِضَى العَبْدِ؛ لأنَّ الكتابةَ لا تَلْزَمُه، ولا يجوزُ إجْبارُه عليها،

стр. 7922

بخلافِ ما لو وَصَّى بعِتْقِه، فإنَّه يَعْتِقُ (١٩)، ولا يَقِفُ على اخْتِيارِه ولا رِضاهُ. فإنْ رَدَّ الوَصِيَّةَ، بطَلتْ. فإنْ عادَ فطَلبَها، لم تَلْزَمْه إجابَتُه إليها؛ لأنَّ وَصِيَّتَه بطَلَتْ بالرَّدِّ، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ بالمالِ. وإِنْ لم يكُنْ رَدَّها، وَجَبَتْ إجابَتُه إليها. وإِنْ (٢٠) أدَّى [وعَتَقَ، كان] (٢١) ولاؤُه للمُوصِى بكتابَتِه، كما لو وَصَّى بعِتْقِه، وإِنْ عجَزَ، فلِلْوارِثِ رَدُّه فى الرِّقِّ، وإِنْ لم يخْرُجْ من الثُّلثِ، فإنَّه يُكاتَبُ منه ما يَخْرُجُ (٢٢) من الثُّلثِ. وإِنْ كان قد وصَّى بوَصايَا غيرِ الكتابَةِ، لا تخْرُجُ مِن الثُّلثِ، تَحاصُّوا فى الثُّلثِ، وأُدْخِلَ النَّقْصُّ على كُلِّ إحِدٍ منهم بقَدْرِ ما لَه فى الوَصِيَّةِ. ويتخَرَّجُ أَنْ تُقَدَّمَ الكتابةُ، بِناءً على الرِّوايَةِ التى تُقَدِّمُ العِتْقَ؛ لأنَّ الكتابَةَ مَقْصُودُها العِتْقُ، وتُفْضِى إليه. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا تُقَدَّمَ بحالٍ؛ لأنَّ العِتْقَ تَغْلِيبٌ وسِرايَةٌ، ليس هو الكتابَةَ (٢٣)، وإفضاؤُها إلى العِتْقِ لا يُوجِبُ تَقْدِيمَها، كما لو وَصَّى لرجُلٍ بابْنِه، فإنَّه لا يُقَدَّمُ، مع أن القَصْدَ بوَصِيَّتِه العِتْقُ، ويُفْضِى إليه. فصل: فإنْ قال: كاتِبُوا أَحَدَ رَقِيقِى. فلِلْوَرَثَةِ مُكاتَبَةُ مَنْ شاءُوا (٢٤) منهم. فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يُكاتِبُونَ واحِدًا منهم بالقُرْعَةِ. وإِنْ قال: أحَدَ عَبِيدِى. فكذلك، إِلَّا أنَّه ليس لهم مُكاتَبَةُ أَمَةٍ، ولا خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأَنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُ الخُنْثَى عبدًا (٢٥). وإِنْ قال: أحَدَ إمائِى. فليس لهم مُكاتَبَةُ عبدٍ، ولا خُنْثَى مُشْكِلٍ، كذلك. وإِنْ كان الخُنْثَى غيرَ مُشْكِلٍ، وكان رجُلًا، فلهم مُكاتَبَتُه إذا قال: كاتِبُوا أحَدَ عَبِيدِى. وإِنْ كان أُنْثَى، فلهم مُكاتَبَتُه إذا قال: كاتِبُوا إحْدَى (٢٦) إمائِى. لأنَّ هذا عَيْبٌ فيه، ولعَيْبُ لا يَمْنَعُ الكتابَةَ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: والكِتابَةُ الفاسِدَةُ، أَنْ يُكاتِبَه على عِوَضٍ مَجْهُولٍ، أو عِوَضٍ حالٍّ، أو

стр. 7923

مُحَرَّمٍ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ. فأمَّا إِنْ شَرَطَ فى الكتابَةِ شَرْطًا فاسِدًا، فالمَنْصوصُ أنَّه لا يُفْسِدُها، لكن يَلْغُو (٢٧) الشَّرْطُ، وتَبْقَى الكتابَةُ صحيحَةً. ويتخَرَّجُ أَنْ يُفْسِدَها؛ بِناءً (٢٨) على الشروطِ الفاسِدَةِ فى البَيْعِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وقد رُوِىَ عن أبى عبدِ اللَّه، ﵀، ما يَدُل على أن الكتابَةَ على العِوَضِ المُحرَّمِ باطِلَةٌ، لا يَعْتِقُ بالأداءِ فيها. وهو (٢٩) اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ، فإنَّه (٣٠) روَى عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إذا كاتَبَه كتابَةً فاسِدَةً، فأدَّى ما كُوتِبَ عليه، عَتَقَ، مالم تَكُنِ الكتابَةُ مُحَرَّمَةً. فحَكَمَ بالعِتْقِ بالأداءِ إِلَّا فى المُحَرَّمَةِ. واخْتارَ (٣١) القاضِى أنَّه يَعْتِقُ بالأداءِ، كسائِرِ الكتاباتِ الفاسِدَةِ. ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ القاضى على ما إذا جعَلَ السَّيِّدُ الأداءَ شَرْطًا للعِتْقِ، فقال: إذا أدَّيْتَ إلىَّ، فأنْتَ حُرٌّ. فأدَّى إليه، فإنَّه يَعْتِقُ بالصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، لا بالكتابَةِ، ويَثْبُتُ فى هذه الكتابةِ حكمُ الصِّفَةِ فى العِتْقِ [بوُجودهِا، لا بحُكْمِ الكتابَةِ] (٣٢). وأمَّا غيرُها من الكتابَةِ الفاسِدَةِ، فإنَّها تُساوِى الصَّحِيحَةَ فى أَربَعَةِ أحْكامٍ؛ أحَدُها، أنَّه يَعْتِقُ بأداءِ ما كُوتِبَ عليه، سَواءٌ صَرَّحَ بالصِّفَةِ، فقال: إذا (٣٣) أَدَّيْتَ إلىَّ، فأنْتَ حُرٌّ. أو لم (٣٤) يَقُلْ؛ لأنَّ مَعْنَى الكِتابة يَقْتَضِى هذا، فيَصِيرُ كالمُصَرَّحِ به، فيَعْتِقُ بوُجودِه، كالكتابةِ الصَّحِيحَةِ. الثانى، أنَّه إذا عَتَقَ بالأداء، لم تَلْزَمْه قِيمةُ نَفْسِه، ولم يَرْجِعْ على سَيِّدِه بما أَعطاهُ. ذَكَره أبو بكرٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ أَحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّه عنه: يتَراجَعان، فيجبُ على العبدِ قِيمَتُه، وعلى السَّيِّدِ ما أَخَذَه، فيتَقاصَّان بقَدْرِ أَقلِّهِما، إِنْ كانَا من جِنْسٍ واحِدٍ، ويأخُذُ ذو الفَضْلِ فَضْلَه؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فاسِدَةٍ، فوجَبَ التَّراجُعُ فيه، كالبَيْعِ الفاسِدِ. ولَنا، أنَّه عَقْدُ كِتابَةٍ لمُعاوَضَةٍ حَصَلَ

стр. 7924

العِتْقُ فيها بالأَداءِ، فلم يجِبِ [التَّراجُعُ فييها، كما لو كان العَقْدُ صَحِيحًا، ولأنّ ما يأْخُذُه (٣٥) السَّيِّدُ فهو من كَسْبِ عَبْدِه، الذى لم يَمْلِكْ كَسْبَه، فلم يجِبْ] (٣٦) عليه رَدُّه، والعبدُ عَتَقَ بالصِّفَةِ، فلم تَجِبْ عليه قِيمَتُه، كما لو قال: إِنْ دَخَلْتَ الدارَ، فأنْتَ حُرٌّ. وأمَّا البَيْعُ الفاسِدُ، فإنَّه إِنْ كان بينَ هذا وبين سَيِّدِه، فلا رُجُوعَ على السَّيِّدِ بما أخَذَه، وإِنْ كان بَيْنَه وبَيْنَ غيرِه، فإنَّه أخَذَ ما لا يَسْتَحِقُّه، ودَفعَ إلى الآخَرِ ما لا يَسْتَحِقّه، بعَقدٍ المقْصودُ منه المُعاوَضَةُ، وفى مسألتِنا بخلافِه. الثالِثُ، أَنَّ المُكاتَبَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فى كَسْبِه؛ لأنَّ عَقْدَ الكتابةِ تَضَمَّنَ الإِذْنَ (٣٧) فى ذلك، وله أخْذُ الصَّدَقاتِ والزَّكواتِ؛ ولأنَّه (٣٨) مُكاتَبٌ يَعْتِقُ بالأداءِ، فمَلَكَ ذلك، كما فى الكتابةِ الصَّحِيحَةِ. الرابعُ، أنَّه إذا كاتبَ جماعَةً كتابَة فاسِدَةً، فأدَّى أَحَدُهُم حِصَّتَه، عَتَقَ. على قَوْلِ مَنْ قال: إنَّه يَعْتِقُ فى الكتابةِ الصَّحِيحَةِ بأداءِ حِصَّتِه. لأنَّ مَعْنَى العَقْدِ أَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهم مُكاتَبٌ بقَدْرِ حِصَّتِه، متى أدَّى إلى كُلِّ واحِدٍ منهم قَدْرَ حِصَّتِه، فهو حُرٌّ. ومن قال: لا يَعْتِق فى الصَّحِيحَةِ إِلَّا أَنْ يُؤدِّىَ الجميعَ. فههُنا أوْلَى. وتُفارِقُ الصَّحِيحَةَ فى ثلاثةِ أحْكامٍ؛ أحدُها، أَنَّ لكُلِّ واحِدٍ من السَّيِّدِ والمُكاتَبِ فَسْخَها ورَفْعَها، سَواءٌ كان ثَمَّ صِفَةٌ أو لم تَكُنْ. وهذا قولُ أصْحابِ الشَّافعِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ الفاسِدَ لا يَلْزَمُ حُكْمُه، والصِّفَةُ ههُنا مَبْنِيَّةٌ على المُعاوَضَةِ، وتابِعَةٌ لها؛ لأنَّ المُعاوَضَةَ هى المَقْصُودُ (٣٩)، فلمَّا أبْطَلَ المُعاوضَةَ التى هى الأَصْلُ، بطَلَت الصِّفَةُ المَبْنِيَّةُ عليها، بخلافِ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، ولأنَّ (٤٠) السَّيِّدَ لم يَرْضَ بهذه الصِّفَةِ إلَّابأنْ يُسَلَمَ له العِوَضُ المُسَمَّى، فإذا لم يُسَلَّمْ، كان له إبْطالُها، بخلافِ الكتابةِ الصَّحِيحَةِ؛ فإِنَّ العِوَضَ سُلِّمَ له، فكان العقدُ لازِمًا له. الثانى، أَنَّ السيّدً إذا أَبْرَأَه من المالِ، لم تصِحَّ الْبَراءَةُ، ولا يَعْتِقُ بذلك؛ لأنَّ المالَ

стр. 7925

غيرُ ثابِتٍ فى العَقْدِ، بخلافِ الكتابةِ الصَّحِيحَةِ، وجَرَى هذا مَجْرَى الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، فى قولِه: إذا أَدَّيْتَ إِلىَّ ألْفًا، فأنْتَ حُرٌّ. الثالِثُ، أَنَّه لا يَلْزَمُ السَّيِّدَ (٤١) أَنْ يُؤَدِّىَ إليه شيئًا من الكتابةِ؛ لأنَّ العِتْقَ ههُنا بالصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: إذا أدَّيْتَ إِلىَّ ألْفًا، فأنْتَ حُرٌّ. واخْتُلِفَ فى أحكامٍ أرْبَعَةٍ؛ أحدُها، فى بُطْلانِ الكتابةِ بمَوْتِ السَّيِّدِ. فذَهَبَ القاضى وأصحابُه إلى بُطْلانِها. وهو قولُ الشَّافِعِىّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأَنَّه عَقْدٌ جائِزٌ من الطَّرَفَيْنِ، لا يُؤُولُ إلى اللُّزومِ، فيَبْطُلُ بالمَوْتِ، كالوَكَالةِ، ولأنَّ المُغَلَّبَ فيها حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، والصِّفَةُ تبْطُلُ بالمَوْتِ، فكذلك هذه الكتابةُ. وقال أبو بكرٍ: لا تَبْطُلُ بالمَوْتِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ إلى الوارِثِ. [وهو قولُ أبى حنيفةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأَنَّه مُكاتَبٌ يَعْتِقُ بالأداءِ إلى السَّيِّدِ، فيَعْتِقُ بالأداءِ إلى الْوارِثِ] (٤٢)، كما فى الكتابةِ الصحيحَةِ (٤١)، ولأنَّ الفاسِدَةَ كالصَّحِيحَة فى بابِ العِتْق بالأداءِ، وفى أَنَّ الوَلدَ يتْبَعُه، فكذلك فى هذا. والثانى، فى بُطْلانِها بجُنونِ السَّيِّدِ، والحَجْرِ عليه لسَفَهٍ، والخلافُ فيه كالخلافِ فى بُطْلانِها بمَوْتِه. والأَوْلَى أنها لا تبْطُلُ ههنا؛ لأنَّ الصِّفَةَ المُجرَّدَةَ لا تبْطُلُ بذلك، والمُغلَّبُ فى هذه الكتابةِ، حكمُ الصِّفَةِ المُجرَّدَةِ، فلا تبْطُلُ به. فعلى هذا، لو أدَّى إلى سيِّدِه بعدَ ذلك، عَتَقَ. وعلى قَوْلِ مَن أَبْطَلها، لا يَعْتِقُ. الثالِثُ، أَنَّ ما فى يَد المُكاتَبِ وما يَكْسِبُه، وما يفْضُلُ فى يَده بعدَ الأداءِ، له دُونَ سَيِّدِه. فى قولِ القاضِى، ومذهبِ الشافِعِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لأَنَّها كتابةٌ يَعْتِقُ بالأداءِ فيها، فكان هذا الحُكْمُ ثابِتًا فيها، كالصَّحِيحَةِ. وقال أبو الخَطَّاب: ذلك لِسَيِّدِه فى المَوْضِعَيْن؛ لأنَّ كَسْبَ العبدِ لِسَيِّدِه، بحُكمِ الأَصْلِ، والعَقْدُ ههُنا فاسِدٌ، لم يثْبُتِ الحُكْمُ فى وُجوبِ العِوَضِ فى ذِمَّتِه، فلم يُنْقَلِ المِلْكُ فى المُعَوَّضِ، كسائِرِ العُقودِ الفاسِدَةِ، ولأنَّ المُغلَّبَ فيها حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، وهى لا تُثْبِتُ المِلْكَ له فى كَسْبِه، فكذا ههُنا، وفارَقَ (٤٣) الكتابَةَ

стр. 7926

الصَّحِيحَةَ، فإنَّها أثْبَتَتِ (٤٤) المِلْكَ فى العِوَضِ، فأَثْبَتَتْه فى المُعَوَّضِ. الرابعُ، هل يتْبَعُ المُكاتَبَةَ ولَدُها؟ قال أبو الخَطَّاب: فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَتْبَعُها، لأَنَّها كتابَةُ تَعْتَقُ فيها بالأداءِ، فيَعْتِقُ ولدُها به، كالكتابةِ الصَّحِيحَةِ. والثانى، لا يَتْبَعُها. وهو أَقْيَسُ، وأصَحُّ؛ لما ذكرْنا فى الذى قبلَه، ولأنَّ الأَصْلَ بَقاءُ الرِّقِّ فيه، فلا يزُولُ إلَّا بنَصٍّ، أو مَعْنَى نَصٍّ، وما وُجِدَ واحِدٌ منهما، ولا يَصِحُّ القياسُ على الكتابةِ الصَّحِيحَةِ، لما ذَكَرْنا من الفَرْقِ بينَهما فيما تَقَدَّم، فيَبْقَى على الأَصْلِ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 7927

كتاب عِتْقِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ أمُّ الوَلَدِ: هى التى وَلَدَت مِن سَيِّدِها فى مِلْكِه. ولا خِلافَ فى إباحةِ التَّسَرِّى ووَطْءِ الإِماءِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (١). وقد كانت مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلنَّبِىِّ (٢) ﷺ ، وهى أمُّ إبراهيمَ بنِ النَّبِىِّ ﷺ ، التى قال (٣): "أَعْتَقَها وَلَدُها" (٤). وكانتْ هاجَرُ أُمُّ إسماعيلَ ﵇، سُرِّيَّةً لإِبراهيمَ (٥) خَلِيلِ الرحمنِ ﵇. وكان لعمرَ ابنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُمَّهاتُ أوْلادٍ وَصَّى (٦) لكُلِّ واحِدَةٍ منهنَّ بأرْبَعِمائةٍ أربَعِمائةٍ (٧). وكان لعَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُمَّهاتُ أوْلادٍ (٨). ولكثيرٍ من الصحابَةِ. وكان علىُّ ابنُ الحسين، والقاسِمُ بنُ محمد، وسالِمُ بن عبد اللَّه، من أُمَّهاتِ أوْلادٍ. ويُرْوَى (٩) أنّ النَّاسَ لم يكونُوا يَرْغَبُون فى أُمَّهاتِ الأوْلادِ، حتى وُلدَ هؤلاء الثَّلاثةُ من أمَّهاتِ الأوْلادِ، فرَغِبَ الناسُ فِيهِنَّ. ورُوِىَ عن سالِم بنِ عبد اللَّه، قال: كان لابْنِ رَواحَةَ جارِيَةٌ، وكان يُرِيدُ الخَلْوَةَ بها، وكانت امْرَأَتُه تَرْصُدُه، فخَلَا البيتُ، فوَقَعَ عليها، فنَذِرَتْ به (١٠) امْرَأَتُه،

стр. 7928

وقالتْ: أفَعَلْتَها (١١)؟ قال: ما فَعَلْتُ. قالتْ: فاقْرَأْ إذًا (١٢). فقال: شَهِدْتُ بأَنَّ وَعدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الكافِرينَا وأنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ ... وفوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَا وتَحْمِلُه مَلائِكَةٌ شِدادٌ ... مَلائِكَةُ الإِلهِ مُسَوّمِينَا فقالتْ: أمَّا إذا قَراتَ فاذْهَبْ إذًا (١٣). فأَتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فأَخْبَرَه، قال (١٤): فلقد رَأيْتُه يَضْحَكُ حتى تَبْدُوَ نَواجِذُه، ويقول: "هِيهِ، كَيْفَ قُلْتَ؟ ". فأُكَرِّرُه عليه، فيَضْحَكُ (١٥). فصل: فإذا وَطِئَ الرجلُ أمَتَه، فأتَتْ (١٦) بوَلَدٍ بعدَ وَطْئِه بِسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا، لَحِقَه نَسَبُه، وصارَت له بذلك أُمَّ ولدٍ. وإن أتَتْ بولدٍ تامٍّ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه؛ لأنَّ أقلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، بدَليلِ ما رَوَى الحسنُ، أن امْرَأةً ولدَتْ لسِتَّةِ أشْهُرٍ، فأُتِىَ بها (١٧) عمرُ بنِ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فهَمَّ برَجْمِها، فقال له علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس لَكَ ذلك، إِنَّ اللَّه يقولُ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١٨). فقد يكونُ فى البَطنِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، والرَّضاعُ أرْبَعَةٌ وعشرون شَهْرًا، فذلك تَمامُ ما قال اللَّه تعالَى: ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فخَلَّى عنها عمرُ (١٩). ورُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّه قال ذلك لعثمانَ (٢٠). ومَن اعْتَرَفَ بوَطْءِ أمَتِهِ، فأتَتْ بولَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يكونَ منه، لَحِقَه نَسَبُه، ولم

стр. 7929

يَكُنْ له نَفْيُه؛ لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: حَصِّنُوا هذه الولائِدَ، فلا يَطَأُ رجُلٌ وَليدَتَه، ثم يُنْكِرُ ولدَها، إِلَّا أَلْزَمْتُه إيَّاهُ (٢١). روَاه سعيدٌ (٢٢). وعَنْ ابنِ عمرَ، قال: قال عمرُ: أيُّمَا رجلٍ غَشِىَ أَمَتَه، ثم ضَيَّعها، فالضَّيْعَةُ عليه، والولَدُ ولَدُه. روَاه سعيدٌ أيضًا (٢٣). ولأنَّ أَمَتَه صارت فِراشًا بالوَطْءِ، فلَحِقَه ولَدُها، كالمرأَةِ، ولقولِه ﷺ : "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" (٢٤). فإنْ نَفاهُ سيِّدُها، لم يَنْتَفِ عنه، إلا أَنْ يَدَّعِىَ أنَّه اسْتَبْرَأَها، وأَتَتْ بالولَدِ بعدَ اسْتِبْرائِهِا بستَّةِ أشْهُرٍ، فيَنْتَفِى عنه بذلك. وهل يَحْلِفُ على ذلك؟ على وَجْهَيْن. وقد رُوِىَ عن الحسنِ، قال: إذا انكَرَ الرجلُ ولدَه مِن أمَتِه، فلَه ذلك. وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّه كان يقول: يَنْتَفِى مِن ولدِه، إذا كان مِن أمَتِه، متى شاءَ. ولَنا، قَولُ عمرَ، وأنَّه وُلِدَ على فِراشِه، فلِم يكُنْ له نَفْيُه، كولدِهِ مِن زَوْجَتِه. فإن أقرَّ به، لم يكُنْ له نَفْيُه بعدَ ذلك. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال إبراهيمُ: إذا أقَرَّ بولدِه، فليس له أَنْ ينْتَفِىَ منه، فإن انْتَفَى منه، ضُرِبَ الحَدَّ، وأُلْحِقَ به الولدُ. وقال شُرَيْحٌ لرجلٍ (٢٥) أقَرَّ بوَلدِه: لا سَبيلَ لكَ أَنْ تَنْتَفِىَ منه. وكذلك إن هُنِّئَ به، فسَكَتَ، أو أمّنَ على الدُّعاءِ؛ لأَنَّه دَليلٌ على الرِّضَى به، فقامَ مَقامَ الإِقْرارِ به. وإِنْ كان يَطَأُ جارِيتَه، وادَّعَى أنَّه كان يَعْزِلُ عنها، لم يَنْتَفِ الولدُ بذلك؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ، أنَّه قال: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نُصِيبُ النِّساءَ، ونُحِبُّ الأثْمانَ، أفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ؟ قال: "إِنَّ اللَّه إِذَا قَضَى خَلْقَ نَسْمَةٍ، خَلَقَها" (٢٦). وعَنْ جابِرٍ، قال: جاءَ رَجُلٌ من الأنْصارِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: إِنَّ لِى جاريَةً، وأنا أطُوفُ عليها، وأنا أكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ. فقال: "اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". قال: فلَبِثَ الرجلُ، ثم أتاهُ، فقال: إِنَّ الجارِيَةَ قد حَمَلَتْ. قال: "قَدْ

стр. 7930

أخْبَرْتُكَ، أنَّه سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". روَاه أبو داودَ (٢٧). وعَنْ أبى سَعِيدٍ، أنَّه قال: كُنْتُ أَعْزِلُ عن جارِيَتِى، فوَلَدَتْ أحَبَّ الخَلْقِ إلىَّ. يَعْنِى ابْنَه (٢٧). وعَن ابنِ عمرَ، أَنَّ عمرَ قال: ما بالُ رجالٍ يَطأُون وَلائِدَهم، ثم يَعْزِلُونَهُنَّ، لا تَأْتِينِى وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سيِّدُها أنَّه أتَاهَا، إلَّا أَلْحَقْتُ به ولدَها، فاعْزِلُوا بعدَ ذلك أو اتْرُكُوا (٢٨). ولأَنَّها بالوَطْءِ صارَتْ فِراشًا، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ". ولمَّا تنازَعَ عبدُ بن زَمْعَةَ وسَعْدٌ، فى ابنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فقال عبدٌ: هو أخِى، وابنُ وليدَةِ أبِى، وُلِدَ على فِرَاشِه. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "هُوَ لكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرِاشِ، وللْعَاهِرِ الحَجَرُ". مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّه قد يسْبِقُ من الماء ما لا يُحِسُّ به، فيُخْلَقُ منه الوَلَدُ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، ما يَدُلُّ على أنَّ الولدَ لا يُلْحَقُ به مع العَزْلِ، فرَوَى سَعِيدٌ (٢٩)، حَدَّثَنا (٣٠) سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن فَتًى من أهلِ المَدِينَةِ، أَنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يَعْزِلُ عن جارِيَةٍ له، فجاءَتْ بحَمْلٍ، فشَقَّ عليه، وقال: اللَّهُمَّ لا تُلْحِقْ بآلِ عمرَ مَنْ ليس منهم، فإِنَّ آلَ عمرَ ليس بهم خَفاءٌ. فولَدَتْ ولدًا أسْوَدَ، فقال: ممَّنْ هو؟ فقالتْ: مِن رَاعِى الإِبلِ. فحَمِدَ اللَّهَ، وأَثْنَى عليه. وقال (٣١): حَدَّثَنا سُفْيانُ (٣٢)، عن أبى الزِّنادِ، عن خَارِجَةَ [بنِ زَيْدٍ] (٣٣) أَنَّ زيدَ بنَ ثابِتٍ، كانتْ له جارِيَةٌ فارِسِيَّةٌ، وكان يعْزِلُ عنها، فجاءَتْ بوَلَدٍ، فأعْتَقَ الولدَ، وجلَدَها الحَدَّ، وقال: إنَّما كنْتُ أسْتَطِيبُ (٣٤) نَفَسَكِ، ولا أُريِدُكِ. وفى رِوايَةٍ، قال: مِمَّنْ حَمَلْتِ؟ قالت: مِنْكَ. فقال: كَذَبْتِ، وما وَصَلَ إليكِ منِّى ما يكونُ منه الحَمْلُ، وما أَطَأُكِ، إلَّا أَنِّى (٣٥) أسْتَطِيبُ (٣٤) نَفَسَكِ. وقال

стр. 7931

الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا تصِيرُ فِراشًا، ولا يَلْحَقُه ولدُها، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بولدِها، فيَلْحَقَه أوْلادُها بعدَ ذلك. ولَنا، ما ذَكَرْناه، وقولُ عمرَ المُوَافِقُ للسُّنَّةِ أوْلَى من قولِه فيما خالَفَها. فصل: وإن اعْتَرَفَ بوَطْءِ أَمَتِه فى الدُّبُرِ، أو دُونَ الفَرْجِ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يَلْحَقُه ولدُها، وتَصِيرُ فِراشًا بهذا. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأَصْحابِ الشافِعِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ولأَنَّه قد يُجامِعُ، فيَسْبِقُ الماءُ إلى الفَرْجِ. والصَّحِيحُ فى هذا، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى، أنَّها لا تَصِيرُ به (٣٦) فِراشًا؛ لأَنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا [هو فى] (٣٧) مَعْنَى المُنْصوص، ولا يَثْبُتُ الحكمُ إلَّا بدليلِ، ولا ينْتَقِلُ عن الأَصْلِ إِلَّا بناقِلٍ عنه. إذا ثَبَتَ هذا، فكُلَّ مَوْضِع لَحِقَه الولدُ مِن أمَتِه، إذا حَمَلَت به (٣٨) فى مِلْكِه، فالولدُ حُرُّ الأَصْلِ، لا وَلاءَ عليه، وتَصِيرُ به الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ. ٢٠١٢ - مسألة؛ قال: (وأَحْكَامُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، أَحْكَامُ الْإِمَاءِ، فِى جَمِيعِ أُمُورِهِنَّ، إِلَّا أنَّهُنَّ لَا يُبعْنَ) وجملةُ ذلك أَنَّ الأمَةَ إذا حَمَلَت مِن سَيِّدِها، ووَلَدَتْ منه، ثَبَتَ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، وحُكْمُها حكمُ الإِماءِ، فى حِلِّ وطئِها لسَيِّدِها، واسْتِخْدامِها، ومِلْكِ كَسْبها، وَتَزْوِيجِها، وإجارَتِها، وعِتْقِها، وتَكْليفِها، وحَدِّها، وعَوْرَتِها. وهذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ وحُكِىَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يَمْلِكُ إجارَتَها وتَزْوِيجَها؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ بَيْعَها، فلا يَمْلِكُ تَزْويجَها وإجازتّها، كالحُرَّةِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَةٌ يُنْتَفَعُ بها، فيَمْلِكُ سيِّدُها تَزْوِيجَها، وإجارَتَها، كالمُدَبَّرةِ، ولأنَّها مَمْلُوكَة تَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها، فأشْبَهَت المُدَبَّرةَ، وإنَّما مُنِعَ بَيْعُها؛ لأَنَّها اسْتَحَقَّتْ أَنْ تَعْتِقَ بمَوْتِه، وبَيْعُها يَمْنَعُ ذلك، بخلافِ التَزويجِ والإِجارَةِ. ويبْطُلُ دليلُهم بالمَوْقُوفَةِ والمُدَبَّرةِ عندَ مَنْ مَنَعَ بَيْعَها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها تُخالِفُ الأمَةَ القِنَّ، فى أنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ سيِّدِها مِن رأسِ المالِ، ولا يجوزُ بَيْعُها، ولا

стр. 7932

التَّصَرُّفُ فيها بما يَنْقُلُ المِلْكَ، من الهِبَةِ والوَقْفِ، ولا ما يُرادُ للبَيْعِ، وهو الرَّهْنُ، ولا تُورَثُ؛ لأنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ السَّيِّدِ (١)، ويزولُ الملْكُ عنها. رُوِىَ هذا عن عمرَ (٢)، وعثمانَ (٢)، وعائشةَ (٣)، وعامَّةِ الفُقهاءِ. وروى عن علىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، إباحَةُ بَيْعِهِنَّ. وإليه ذَهَبَ داودُ. قال سعيدٌ (٤): حَدَّثَنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، فى أُمِّ الولدِ، قال: بِعْهَا، كما تَبِيعُ شاتَكَ، أو بَعِيرَكَ. قال (٥): وحَدَّثَنا أبو عَوانَةَ، عن مُغِيرةَ، عن الشَّعْبِىِّ، عن عَبِيدَةَ، قال: خطَبَ عَلِىٌّ النَّاسَ، فقال: شَاوَرَنِى عمرُ فى أُمَّهاتِ الأولادِ، فرَأَيْتُ أنا وعمرُ أَنْ أَعْتِقَهُنَّ، فقَضَى به عمرُ (٦) حَياتَه، وعثمانُ (٦) حياتَه، فلمَّا وَلِيتُ، رأيتُ أَنْ أُرِقَّهُنَّ. قال عَبِيدَةُ: فرَأْىُ عمرَ وعلىٍّ فى الجماعَةِ، أحَبُّ إلينا مِن رَأْىِ عَلِىٍّ وَحْدَه. وقد رَوَى صالِحُ بنُ أحمدَ، قال: قُلْتُ لأَبى: إلى أىِّ شىءٍ تَذْهَبُ فى بَيْعِ أُمَّهاتِ الأَوْلادِ؟ قال: أكْرَهُه، وقد باعَ علىُّ بنُ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال، فى رِوَايةِ إسحاقَ بنِ منصورٍ: لا يُعْجِبُنِى بَيْعُهُنَّ. قال أبو الخَطَّاب: فظاهِرُ هذا أنَّه يَصِحُّ بَيْعُهُنَّ معَ الكَراهَةِ. فجعلَ هذا رِوايةً تانيةً عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. والصَّحِيحُ أن هذا ليس برِوَايةٍ (٧) مُخالِفَةٍ لقولِه: إنَّهُنَّ لا يُبَعْنَ. لأَنَّ السَّلَفَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عليهم، كانُوا يُطْلِقُون الكَراهَةَ على التَّحْريِم كثيرًا، ومتى كان التَّحْريمُ والمَنْعُ مُصرَّحًا به فى سائِرِ الرِّواياتِ عنه، وَجَبَ حَمْلُ هذا اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ، على

стр. 7933

المُصرَّحِ به، ولا يُجْعَلُ ذلك اخْتِلافًا. ولمن أجازَ بَيْعَهُنَّ أَنْ يَحْتَجَّ بما رَوَى جابرٌ، قال: بِعْنَا أُمَّهاتِ الأَوْلادِ، عك عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأبى بكرٍ، [فلمَّا كان عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، نَهانَا، فانْتَهَيْنا. روَاه أبو داودَ (٨). وما كان جائزًا فى عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ وأبى بكرٍ] (٩)، لم يجُزْ (١٠) نَسْخُه بقولِ عمرَ ولا غيرِه، ولأَنَّ نَسْخَ الأَحْكامِ إنَّما يجوزُ فى عصرِ رسولِ اللَّه ﷺ ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما يُنْسَخُ بنَصٍّ (١١). وأمَّا قولُ الصَّحابِىِّ، فلا يَنْسَخُ، لا يُنْسَخُ به؛ فإِنَّ أصْحابَ النَّبِىِّ ﷺ كانُوا يتْركون أقْوالَهم لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا يَتْرُكُونها بأقْوالِهم (١٢)، وإنَّما تُحْمَلُ مُخالَفَةُ عمرَ لهذا النَّصِّ، على أنَّه لم يَبْلُغْه، ولو بَلَغَه لم يَعْدُه إلى غيرِه، ولأنَّها مَمْلوكَةٌ، لم (١٣) يَعْتِقْها سَيِّدُها، ولا شيئًا منها، ولا قرابَةَ بينَه وبينَها، فلم تَعْتِقْ، كما لو وَلَدَتْ من أبِيه فى نِكاحٍ أو غيرِه، ولأنَّ الأَصْلَ الرِّقُّ، ولم يَرِدْ بزَوالِه نَصٌّ ولا إجْماعٌ، ولا ما فى مَعْنَى ذلك، فوجَبَ البقاءُ عليه، ولأَنَّ وِلادَتَها لو كانتْ مُوجِبَةً لعِتْقِها، لَثَبَتَ العِتْقُ بها (١٤) حينَ وُجودِها، كسائِرِ أسْبابِه. ورُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها تُجْعَلُ فى سَهْمِ ولدِها؛ لِتَعْتِقَ عليه (١٥). وقال سعيدٌ (١٦): حَدَّثَنا سُفيانُ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عن زيد بن وَهْبٍ، قال: مات رَجَلٌ مِنَّا، وترَكَ أُمَّ وَلَدٍ، فأرادَ الوليدُ بن عُقْبَةَ أَنْ يَبِيعَها فى دَيْنِه، فأتَيْنَا عبدَ اللَّه بنَ مَسعودٍ، فذَكَرْنا ذلك له، فقال: إِنْ كان ولا (١٧) بُدَّ، فاجْعَلُوها مِن (١٨) نَصِيبِ أولادِها. ولَنا، ما رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عَبَّاسٍ،

стр. 7934

قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ من سَيِّدها، فَهِىَ حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ". وقال ابنُ عبَّاسٍ: ذُكِرَتْ أُمُّ إبراهيمَ عندَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "أَعْتَقَهَا وَلَدُها". روَاهما ابنُ ماجَه (١٩). وذكَر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، فى "مسائِله"، عن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن بَيْعِ أُمَّهات الأولادِ، ولا يُبَعْنَ، ولا يُرْهَنَّ، ولا يَرِثْنَ، ويَسْتَمْتِعُ بها سَيِّدُها ما بَدَا له، فإنْ ماتَ، فهى حُرَّةٌ (٢٠). وهذا فيما أظُنُّ عن عمرَ، ولا يصِحُّ عن النَّبِىِّ ﷺ ، ولأَنَّه إجماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، بدليلِ قَوْلِ علىٍّ كرَّمَ اللَّه وَجْهَه: كان رَأْيِىِ ورَأْىُ عمرَ، أَنْ لا تُباعَ أُمَّهاتُ الأوْلادِ. وقوله: فَقَضَى به عمرُ حياتَه وعثمانُ حياتَه. وقولِ عَبِيدَةَ: رَأىُ علىٍّ وعمرَ فى الجماعَةِ، أحَبُّ إلينا من رَأْيِه وَحْده. ورَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال (٢١) عمرُ، رضِىَ اللَّهُ عنه: ما من رَجُلٍ كان يُقِرُّ بأَنَّه يَطَأُ جارِيَتَه، ثم يموتُ، إِلَّا أعْتَقَها وَلَدُها إذا وَلَدَتْ، وإِنْ كان سَقطًا (٢٢). فإن قيل: فكيف تَصِحُّ دَعْوَى الإِجْماعِ، مع مُخالَفِةِ علىٍّ وابنِ عَبَّاسٍ وابنِ الزُّبَير، رَضِىَ اللَّهُ عنهم؟ قُلْنا: قد رُوِىَ عنهم الرُّجوعُ عن المُخالَفَةِ، فرَوَى (٢٣) عَبِيدَةُ، قال: بَعَثَ إلىَّ علىٌّ وإلى شُرَيْحِ، أن اقْضُوا كما كُنْتُم تَقْضُونَ، فإنِّى أُبْغِضُ الاخْتلافَ (٢٤). وابنُ عبّاسٍ قال: ولدُ أُمِّ الولدِ بمَنْزِلَتِها. وهو الرَّاوِى لحديثِ عِتْقِهِنَّ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، وعَنْ عمرَ، فيَدُلُّ على مُوافَقَتِه لهم. ثم قد ثَبَتَ الإِجْماعُ باتِّفاقِهم قبلَ المُخالَفَةِ، واتَّفاقُهم مَعْصومٌ عن الخَطَأِ، فإِنَّ الأُمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على ضَلالَةٍ، ولا يجوزُ أَنْ يَخْلُوَ زمنٌ عن قائِمٍ للَّهِ بحُجَّتِه، ولو جازَ ذلك

стр. 7935

فى بعضِ العَصْرِ (٢٥)، لَجازَ فى جَميعِه، ورَأْىُ المُوافِقِ (٢٦) فى زَمَنِ الاتِّفاقِ، خيرٌ من رَأْيِه فى الخلافِ بَعْدَه، فيكونُ الاتّفاقُ حُجَّةً على المُخالِفِ له منهم، كما هو حُجَّةٌ على غيرِه. فإنْ قيلَ: لو كانَ الاتِّفاقُ فى بعضِ العَصْرِ (٢٥) إجْماعًا، حَرُمَت مُخالَفَتُه، فكيف مخالَفَه هؤلاء الأَئِمَّةُ، الذين لا تجوزُ نِسْبَتُهم إلى ارْتكابِ الحَرامِ؟ قُلْنا: الإِجْماعُ يَنْقَسِم إلى مَقْطوعٍ به ومَظْنُونٍ، وهذا من المَظْنُونِ، فيُمْكِنُ وُقوعُ المُخالَفَةِ منهم له، مع كَوْنِه حُجَّةً، كما وَقَعَ منهم مُخالَفَةُ النُّصُوصِ الظَّنيَةِ، ولم (٢٧) تخْرُجْ بمُخالَفَتِهم (٢٨) عن كونِها حُجَّة، كذا ههُنا. فأمَّا قولُ جابِرٍ: بِعْنا أُمَّهاتِ الأوْلادِ فى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وأبى بَكْرٍ. فليس فيه تصْرِيحٌ بأَنَّه كان بِعِلْمِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا عِلْمِ أبى بَكْرٍ، فيكونُ ذلك واقِعًا مِن فِعْلِهم على انْفِرادِهم، فلا يكونُ فيه حُجَّةٌ، ويتعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ على هذا؛ لأَنَّه لو كانَ هذا (٢٩) واقِعًا بعِلْمِ رسولِ اللَّه ﷺ وأبى بكرٍ، وأقَرَّا عليه، لم تَجُزْ مُخالَفَتُه، ولم يُجْمِعِ الصَّحابَةُ بعدَهُما على مُخالَفَتِهما، ولو فعلُوا ذلك، لم يَخْلُ مِن مُنْكِرٍ يُنْكِرُ عليهم، ويَقولُ: كيف يُخالِفُون فِعْلَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وفعلَ صاحِبِه؟ كيف يتْرُكُونَ سُنَتّهَما، ويُحَرِّمُونَ ما أَحَلَّا (٣٠)؟ ولأنَّه لو كان ذلك واقِعًا بعِلْمِهما، لاحْتَجَّ به علىٌّ حينَ رَأى بَيْعَهنَّ، واحْتَجَّ به كُلُّ مَنْ وافَقَه على بَيْعهِنَّ، ولم يَجْرِ شىءٌ من هذا، فوجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الأَمْرُ على ما حَمَلْناه عليه، فلا يكونُ فيه (٢٩) إذًا حجَّةٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم باعُوا أُمَّهاتِ الأَوْلادِ فى النِّكاحِ، لا فى المِلْكِ. فصل: ومَنْ أجاز بَيْعَ أُمِّ الولدِ، فعلى قولِه، إِنْ لم يَبِعْها حتى مات، ولم يكُنْ له وارِثٌ إلَّا ولدَها، عَتَقَتْ عليه، وإِنْ كان له (٣١) وارِثٌ سِوَى ولدِها، حُسِبَتْ مِن نَصِيبِ ولدِها،

стр. 7936

فعَتَقَتْ، وكان له ما بَقِىَ من مِيراثِه. وإِنْ لم يَبْقَ شىءٌ، فلا شىءَ له. وإِنْ كانتْ أكثرَ مِن نَصِيبِه، عَتَقَ منها قَدْرُ نَصِيبِه، وبَاقِيها رَقِيقٌ لسائِرِ الوَرَثَةِ، إِلَّا على قولِ مَنْ قال: إنَّه إذا وَرِثَ سَهْمًا ممَّنْ يَعْتِقُ عليه، سَرَى العِتْقُ إلى باقِيه. وإِنْ لم يكُنْ لها وَلَدٌ مِن سَيِّدِها، وَرِثَها ووَرِثَتْه (٣٢)، كسائِرِ رَقِيقِه. ٢٠١٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَصَابَ الْأَمَةَ، وَهِىَ فِى مِلْكِ غَيْرِهِ، بِنِكَاحٍ، فحَمَلَتْ مِنْهُ، ثمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا، عَتَقَ الْجَنِينُ، وكَانَ لَهُ بَيْعُهَا) وجملتُه أَنَّه إذا تَزَوَّجَ أَمَةَ غيرِه، فأوْلَدَها، أو أحْبَلَها، ثمَّ مَلَكَها بشِرَاءٍ، أو غيرِه، لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ له بذلك، سَواءٌ مَلَكَها حامِلًا فوَلَدَت فى مِلْكِه، أو مَلَكَها بَعْدَ وِلادَتِها. وبهذا قال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأَنَّها عَلِقَت منه بمَمْلوكٍ، فلم يثْبُتْ لها حكمُ الاسْتِيلادِ، كما لو زَنَى بها، ثمَّ اشْتَراها، ولأَنَّ الأَصْلَ الرِّقُّ، وإنَّما خُولِفَ هذا الأَصْلُ فيما إذا حَمَلَت منه فى مِلْكِه، بقَوْلِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأَصْلِ. ونَقَلَ القاضى ابن أبى موسى، عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّها تصيرُ أُمَّ ولدٍ فى الحالَيْنِ. وهو قولُ الحسنِ، وأبى حنيفةَ؛ لأَنَّها أُمُّ وَلَدِه، وهو مالِكٌ لها، فيثْبُتُ (١) لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، كما لو حَمَلَتْ فى مِلْكِه. ولم أَجِدْ هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ، فيما إذا مَلَكَها بعدَ وِلادَتِها، إنَّما نُقِلَ عنه التَّوقّفُ عنها، فى رِوايَةِ مُهَنَّا، فقال: لا أقولُ فيها شيئًا. وصرَّحَ فى رِوَايةِ جَماعَةٍ سِواهُ، بجَوازِ بَيْعِها، فقال: لا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبِيعَها، إنَّما الحسنُ وَحْدَه قال: إنَّها أمُّ ولَدٍ. وقال: أكثرُ ما سَمِعْنا فيه مِن التَّابِعين يقولون: لا تكونُ أُمَّ ولدٍ حتَّى تَلِدَ عندَه وهو يَمْلِكُها. فإنْ كان (٢) عَبِيدةُ السَّلْمانِىُّ يقولُ: نَبيعُها. وشُرَيْحٌ، وإبراهيمُ، وعامِرٌ، والشَّعْبِىُّ. وأمَّا إذا مَلَكَها حامِلًا، فظاهِرُ كلامِ أَحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّها تصِيرُ أُمَّ ولدٍ. وهو مذهبُ مالِكٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لأنَّها وَلَدَت منه فى مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو أَحْبَلَها فى مِلْكِه، وقد صَرَّحَ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى رِوايَةِ إسْحَاقَ بنِ منصورٍ، أنَّها لا

стр. 7937

تكونُ أُمَّ ولدٍ، حتَّى تُحْدِثَ عندَه حَمْلًا. ورَوَى عنه ابنُه صالحٌ، قال: سألتُ أبى عن الرجلِ يَنْكِحُ الأَمَةَ، فتَلِدُ منه، ثمَّ يَبْتاعُها. قال؛ لا تكونُ أُمَّ ولدٍ له. قُلْتُ: فإِنْ اسْتَبْرَأَهَا، وهى حامِلٌ منه. قال: إذا كان الوَطْءُ يَزِيدُ فى الولدِ، وكان يطَؤُها بعدَ (٣) ما اشتَرَاها، وهى حامِلٌ منه (٤)، كانتْ أُمَّ ولدٍ له. قال ابنُ حامِد: إِنْ وَطِئَها فى ابْتداءِ حَمْلِها، أو تَوَسُّطِه، [صارتْ له] (٥) بذلك أُمَّ ولدٍ له؛ لأَنَّ الماءَ يَزِيدُ فى سَمْعِ الولدِ وبَصَرِه. وقال القاضى: إِنْ مَلَكَها حامِلًا، فلم يَطَأْها حتَّى وَضَعَت، لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ (٦)، وإِنْ وَطِئَها حالَ حَمْلِها، نَظَرْنا؛ فإنْ كان بعدَ أَنْ كَمَلَ الولدُ، وصارَ له خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، لم تَصِرْ بذلك (٧) أُمَّ ولدٍ. وإِنْ (٨) وَطِئَها قبل ذلك، صارَتْ له بذلك أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أَبَعْدَما اخْتَلَطَتْ دِماؤُكُم ودماؤُهُنَّ، ولُحومُكُم ولُحومُهنَّ، بعْتُمُوهُن (٩)! فعلَّلَ بالمُخالَطَةِ، والمُخالَطَةُ ههُنا حاصِلَةٌ؛ لأنَّ الماءَ يَزيدُ فى الولدِ، ولأنَّ لحُرِّيَّةِ البَعْضِ أثَرًا فى تَحْريرِ الجميعِ، بدليلِ ما إذا أعْتَقَ أحَدُ الشَّرِيكَيْن نَصِيبَه من العبدِ. وقال أبو الخَطَّاب: إِنْ وَطِئَها بعدَ الشِّراءِ، فهى أمُّ ولدٍ. وكلامُ الْخِرَقِىِّ يَقْتَضِى أنَّها لا تكونُ أُمَّ ولدٍ، إِلَّا أَنْ تحْبَلَ منه فى مِلْكِه. وهو الذى نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى روايةِ إسحاقَ بنِ منصورٍ، فقال: لا تكونُ أُمَّ ولدٍ حَتّى تُحْدِثَ عندَه حَمْلًا؛ لأَنَّها لم تَعْلَقْ منه بحُرٍّ، فلم يثْبُتْ لها حكمُ الاسْتيلادِ، كما لو زَنَى بها ثم اشْتراها. يحقِّقُ هذا، أَنَّ حَمْلَها منه ممَّا أفادَ الحُرِّيَّةَ لولَدِه، فلَأَنْ لا يُفيدَها الحُرِّيَّةَ أوْلَى. ويفارِقُ هذا ما إذا حَمَلَت منه فى مِلْكِه؛ فإِنَّ الولدَ حُرٌّ، فيَتَحَرَّرُ بتَحْرِيرِه. وما ذَكَرُوه مِن زيادَةِ الولدِ بالوَطْءِ، غيرُ مُتَيَقَّنِ؛ فإِنَّ هذا الولدَ يحتملُ أنَّه زادَ، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يَزِدْ، فلا يثْبُتُ الحكمُ بالشَّكِّ، ولو ثَبَتَ أنَّه

стр. 7938

زادَ، لم يَثْبُتِ الحكمُ بهذه الزِّيادَةِ، بدليلِ ما لو مَلَكَها وهى حامِلٌ من زِنًى منه، أو من غيرِه، فوَطِئَها، لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ، وإِنْ زادَ الولدُ به، ولأنَّ حكمَ الاسْتِيلادِ إنَّما يثْبُتُ بالإِجْماعِ لى حقِّ مَن حَمَلَتْ منه فى مِلْكِه، وما عَداهُ ليس فى مَعْناهُ، وليس فيه نَصٌّ، ولا إجْماعٌ، فوجَبَ أَنْ لا يثْبُتَ هذا الحكمُ، ولأَنَّ الأَصْلَ الرِّقُّ، فيَبْقَى على ما كان عليه. فصل: قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى مَن اشْتَرَى جارِيَةً حامِلًا مِن غيرِه، فوَطِئَها قبلَ وَضْعِها: فإِنَّ الولدَ لا يَلْحَقُ بالمُشْتَرِى، ولا يَبِيعُه، ولكنْ يَعْتِقُه؛ لأَنَّه قد شَرَكَ فيه؛ لأَنَّ الماءَ يَزِيدُ فى الولدِ. وقد رُوِىَ عن أبى الدَّرْداءِ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه مَرَّ بامْرَأَةٍ مُجِحٍّ (١٠)، على بابِ فُسْطاطٍ، فقال: "لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟ ". قالوا: نَعَم. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ فِى قَبْرِهِ، كَيْفَ يَرِثُهُ (١١) وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ! أمْ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ! ". روَاه أبو داودَ (١٢). يعنى إن اسْتَلْحَقَه وشَركِهِ فى ميراثِه، لم يَحِلَّ له؛ لأَنَّه ليس بولدِه، فإِنَّ اتَّخَذَه مَمْلوكًا يَسْتَخْدِمُه، لم يَحِلَّ له؛ لأَنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لكَوْنِ الماءِ يَزِيدُ فى الولدِ. فصل: وإذا وَطِئَ الرجلُ جارِيةَ ولدِه، فإِن كان قد قَبَضَها، وتَمَلَّكَها (١٣)، ولم يكُن الولدُ وَطِئَها، ولا تَعَلَّقَت بها حاجَتُه، فقد مَلَكَها الأَبُ بذلك، وصارَتْ جارِيَتَه، والحكمُ فيها كالحُكْمِ فى جارَيَتِه التى مَلَكَها بالشِّراءِ (١٤). وإِنْ وَطِئَها قبل تَملُّكِها، فقد فعلَ مُحَرَّمًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١٥). وهذه ليستْ زَوْجًا له، ولا مِلْكَ يَمِينِه. فإنْ قيلَ: فقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "أَنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ" (١٦).

стр. 7939

فأضافَ مالَ الابنِ إلى أبِيه، بلامِ المِلْكِ والاسْتِحْقاقِ، فيَدُلُّ (١٧) على أنَّه مِلْكُه. قُلْنا: لى يُرِدِ النَّبِىُّ ﷺ حقيقةَ المِلْكِ، بدليلِ أنَّه أضافَ إليه الولدَ، وليس بمَمْلُوكٍ، وأضافَ إليه مالَهُ فى حالَةِ إضافَتِه إلى الولدِ، ولا يكونُ الشىءُ مَمْلوكًا لمالِكَيْنِ حَقِيقَةً فى حالٍ واحِدَةٍ، وقد يثْبُتُ (١٨) المِلْكُ لِلْوَلدِ (١٩) حقيقَةً، بدليلِ حِلِّ وَطْءِ إمائِه، والتَّصَرُّفِ فى مالِه، وصِحَّةِ بَيْعِه وهِبَتِه وعِتْقِه، ولأنَّ الولدَ لو ماتَ لم يَرِثْ منه أبُوه إِلَّا ما قُدِّرَ له، ولو كان مالَه، لاخْتَصَّ به، ولو ماتَ الأَبُ، لم يَرِثْ ورَثتُهُ مالَ ابْنِه، ولا يجبُ على الأبِ حَجٌّ ولا زَكاةٌ ولا جهادٌ بيَسارِ ابنِه، فعُلِمَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما أرادَ التَّجَوُّزَ، بتَشْبيهِه بمالِه فى بعضِ أحْكامِه (٢٠). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا حَدَّ على الأبِ؛ للشُّبْهَةِ، لأَنَّه إذا لم يَثْبُتْ حقيقةُ المِلْكِ، فلا أقَلَّ من أَنْ يكونَ شُّبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، فإِنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولكن يُعَزَّرُ، لأَنَّه وَطِئَ جارَيةً لا يَمْلِكُها، وَطْئًا مُحَرَّمًا، فكانَ عليه التَّعْزِيرُ، كوَطْءِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكةِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تَعْزِيرَ (٢١) عليه؛ لأنَّ مالَ ولدِه كمالِه (٢٢). ولا يصِحُّ؛ لأنَّ مالَهُ مباحٌ له، غيرُ مَلُومٍ عليه، وهذا الوَطْءُ هو عادٍ فيه، مَلُومٌ عليه. وإِنْ عَلِقَتْ منه، فالولدُ حُرٌّ؛ لأَنَّه مِن وَطْءٍ دُرِئَ (٢٣) فيه الحَدُّ لِشُبْهَةِ المِلْكِ، فكان حُرًّا، كولدِ الجارَيِة المُشْترَكَةِ، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه، لأَنَّ الجارِيَةَ تصِيرُ مِلْكًا له بالوَطْءِ، فيَحْصُل عُلوقُها بالولدِ وهى مِلْكٌ له، وتَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، تَعْتِقُ بمَوْتِه، وتنْتَقِلُ إلى مِلْكِه، فيَحِلُّ له وَطْؤُها بعدَ ذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه، وقال فى الآخَرِ: لا تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، ولا يَمْلِكُها؛ لأَنَّه اسْتَوْلَدَها فى غيرِ مِلْكِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ، ولأنَّ ثُبوتَ أحْكامِ الاسْتِيلادِ، إنَّما كان بالإِجْماعِ فيما إذا اسْتَوْلَدَ مَمْلوكَتَه، وهذه ليستْ مَمْلوكَةً له، ولا فى مَعْنَى مَسْلوكَتِه، فإنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه، فوجَبَ أَنْ لا يثْبُتَ لها هذا الحكمُ، ولأَنَّ الأَصْلَ

стр. 7940

الرِّقُّ (٢٤)، فيَبْقَى على الأَصْلِ، ولأنَّ الوَطْءَ المُحرَّمَ لا يَنْبَغِى أَنْ يكونَ سَبَبًا للمِلْكِ، الذى هو نِعْمَةٌ وكَرامَةٌ؛ لأَنَّه يُفْضِى إلى تَعاطِى المُحَرَّماتِ. ولَنا، أنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ، لأَجْلِ المِلْكِ، فصارَتْ أُمَّ ولدٍ له، كالجارَيَةِ المُشْترَكَةِ، وفارَقَ وَطْءَ الأجْنَبِىِّ فى هذا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَلْزَمُه مَهْرُها، [ولا قيمَتُها. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَلْزَمُه مهرُها] (٢٥)، ويَلْزَمُه قِيمَتُها؛ لأَنَّه أَخْرَجَها عن مِلْكِ سَيِّدِها بفِعْلٍ مُحَرَّم، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَها، وإنَّما لم يَلْزَمْه مَهْرُها؛ لأَنَّه إذا ضَمِنَها، فقد دَخَلَتْ قِيمةُ البُضْعِ فى ضَمانِها، فلم يَضْمَنْه ثانيًا، كما لو قَطَعَ يدَها فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِها، فإنَّه يضْمَنُ قِيمةَ النَّفْسِ دُونَ قِيمَةِ اليَدِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يلْزَمُه مَهْرُها؛ لأَنَّه وطِئَ جارِيَةَ غيره وَطْئًا مُحَرَّمًا، فلَزِمَه مَهْرُها، كالأجْنَبِىِّ، وتَلْزَمُه قِيمَتُهما، على القَوْلِ بكَوْنِها أُمَّ ولدٍ، كما يَلْزَمُ أحدَ الشَّرِيكَيْنِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه، إذا اسْتَوْلَدَ الجارِيَةَ المُشْترَكَةَ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "أَنْتَ ومالُكَ لأَبِيكَ". ولأنَّه لا تَلْزَمُه قِيمَةُ ولدِها، فلم يَلْزَمْه مَهْرُها، ولا قِيمَتُها، كمَمْلُوكَتِه، ولأَنَّه وَطْءٌ صارتْ به المَوْطُوءَةُ أُمَّ ولدٍ، لأمْرٍ لا يَخْتَصُّ ببَعْضِها، فأشْبَهَ اسْتِيلادَ مَمْلُوكَتِه. فصل: فإنْ كان الولدُ قد وَطِئَ جارِيَةً (٢٦)، ثمّ وَطِئَها أبُوه فأَولَدَها؛ فقد رُوِىَ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى من وَقَعَ على جارِيَةٍ ابْنِه: إِنْ كان الأَبُ قابضًا لها، ولم يكُن الابنُ وَطِئَها، فهى أُمُّ ولدِه، وليس للابْنِ فيها شىءٌ. قال القاضى: فظاهِرُ هذا، أَنَّ الابْنَ إِنْ كان قد وَطِئَها، لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ للأبِ باسْتِيلادِها؛ لأنَّها تُحَرَّمُ عليه تَحْرِيمًا مُؤبَّدًا بوَطْءِ ابْنِه لها، ولا تَحِلُّ له بحالٍ، فأشْبَهَ وَطْءَ الأجْنَبىِّ. فعلى هذا القَوْلِ، لا يَمْلِكُها، ولا تَعْتِقُ بمَوْتِه. فأمَّا ولدُها، فيَعْتِقُ على أَخِيه؛ لأنَّه ذو رَحِمٍ منه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يثْبُتَ لها حكمُ الاسْتِيلادِ، من غيرِ أَنْ تَحِلَّ له، كما لو (٢٧) اسْتَوْلَدَ مَمْلوكَتَه التى وَطِئَها ابنُه، فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، مع كَوْنِها مُحَرَّمَةَ عليه على التَّأْبِيدِ، فكذلك ههُنا؛ وذلك لأَنَّه وَطْءٌ يُدْرَأُ فيه الحَدُّ لِشُبْهَةِ (٢٨) المِلْكِ، فصارَتْ به أُمَّ ولدٍ، كما لو لم يَطَأْها الابنُ.

стр. 7941

فصل: وإِنْ وَطِئَ الابنُ جارِيَةَ أبيهِ أو أُمِّهِ، فهو زَانٍ، يَلْزَمُه الحَدُّ إذا كان عالمًا بالتَّحْريِم، ولا تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له، ويَلْزَمُه مَهْرُها، وولدُه يَعْتِقُ على جَدِّه؛ لأَنَّه ابنُ ابْنِه، إذا قُلْنا: إِنَّ ولدَه من الزِّنَى يَعْتِقُ على أبِيه. وتَحْرُمُ الجارِيَةُ على الأبِ على التَّأْبِيدِ. ولا تجِبُ (٢٩) قِيمَتُها على الابنِ، لأنَّه لم يُخْرِجْها عن مِلْكِه، ولم يَمْنَعْه بَيْعَها، ولا التَّصَرَّفَ فيها بغيرِ الاسْتِمتاعِ. فإِنَّ اسْتَوْلَدَها الأبُ بعدَ ذلك، ققد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأَنَّه وطْءٌ صادَفَ مِلْكًا، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له؛ لأَنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلوكَتَه، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ. فصل: وإِنْ زَوَّجَ أمَتَه، ثمَّ وَطِئَها، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ. قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يُجْلَدُ، ولا يُرْجَمُ. يعنى أنَّه يُعَزَّرُ بالجَلْدِ؛ لأَنَّه لو وَجَبَ [عليه الحَدُّ، لَوَجَبَ] (٣٠) الرَّجْمُ إذا كان مُحْصَنًا. فإِن أَوْلَدَها، صارَتْ أُمَّ ولدِه، لأَنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وولدُه حُرٌّ، وما وَلَدَت بعدَ ذلك من الزَّوْجِ، فحُكْمُه حكمُ أُمِّه. فصل: ولو مَلَكَ رجُلٌ أُمَّهُ مِن الرَّضاعِ، أو أُخْتَه، أو ابْنَتَه، لم يَحِلَّ له وَطَؤُها. فإنْ وَطِئَها، فلا حَدَّ عليه. فى أَصَحِّ الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ. فإِنَّ وَلَدَتْ، فالوَلَدُ حُرٌّ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، وهى أُمُّ وَلَدِه. وكذلك لو مَلَكَ أَمَةً مَجُوسِيَّةً، أو وَثَنِيَّةً، فاسْتَوْلَدَها، أو مَلَكَ الكافِرُ أمَةً (٣١) مُسْلِمَةً فاسْتَوْلَدَها، فلا حَدَّ عليه، ويُعَزَّرُ، ويَلْحَقُه نَسَبُ ولَدِه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له، تَعْتِقُ بمَوْتِه؛ لما ذَكَرْنا. وكذلك لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ، أو وَطِئَ رَبُّ المالِ أَمَةً مِن مالِ المُضارَبَةِ فأوْلَدَها، صارَتْ له بذلك أُمَّ ولدٍ، وخرجتْ من الرَّهْنِ والمُضارَبَةِ، وعليه قِيمَتُها للمُرْتَهِنِ، تُجْعَلُ مَكانَها رَهْنًا، أو تَوْفِيَةً عن دَيْنِ الرَّهْنِ، وتَنْفَسِخُ المُضارَبَةُ فيها. وإِنْ كان فيها ربحٌ، جُعِلَ الرِّبْحُ فى مالِ المُضارَبَةِ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 7942

٢٠١٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِى مِلْكِهِ، فَوَضَعَتْ بَعْضَ ما يَتَبَيَّنُ (١) فِيهِ خلْقُ الإِنْسانِ، كَانَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ) ذكرَ الْخِرَقِىُّ لمَصِيرِها أُمَّ ولَدٍ شُروطًا ثلاثَةً؛ أحدُها، أَنْ تَعْلَقَ منه بحُرٍّ. فأمَّا إِنْ علِقَتْ منه بمَمْلُوكٍ، ويُتَصَوَّرُ ذلك فى المِلْكِ فى (٢) مَوْضِعيَن؛ أحدُهما، فى العبدِ إذا مَلَّكَه سَيِّدُه، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ. فإنَّه إذا وَطِئَ أمَتَه واسْتَوْلَدَها، فوَلَدُه مَمْلوكٌ، ولا تَصِيرُ الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ يثْبُتُ لها حكمُ الاسْتيلادِ بذلك، وسَواءٌ أذِنَ له سَيِّدُه فى التَّسَرِّى بها أو لم يَأْذَن له. والثانِى، إذا اسْتَوْلَدَ المُكاتَبُ أَمَتَه، فإِنَّ ولدَه مَمْلوك له، وأمَّا الأمَةُ، فإنَّه لا تَثْبُتُ لها أحكامُ أُمِّ الولدِ فى العِتْقِ بمَوْتِه فى الحالَيْنِ (٣)؛ لأَنَّ المُكاتَبَ ليس بحُرٍّ، وولدُه منها ليس بحُرٍّ، فأَوْلَى أَنْ لا تَتَحَرَّرَ هى. ومتى عجَزَ المُكاتَبُ، وعادَ إلى الرِّقِّ، أو ماتَ قبلَ أداءِ كِتابَتِه، فهى أمَةٌ قِنٌّ، كأَمةِ العبدِ القِنِّ. وهل يَمْلِكُ المُكاتَبُ بَيْعَها، والتَّصَرُّفَ فيها؟ فيه اخْتلافٌ، ذكرَ القاضى فى مَوْضِعٍ، أنَّه لا يثْبُتُ فيها شىءٌ من أحْكامِ الاسْتِيلادِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ بحالٍ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ؛ لأَنَّها عَلِقَت بمَمْلوكٍ فى مِلْكٍ غيرِ تامٍّ، فلم يثبُتْ لها (٤) شىءٌ من أحْكامِ الاسْتِيلادِ، كأَمَةِ العبدِ القِنِّ. وظاهِرُ الذهبِ أنَّها مَوْقُوفَةٌ، لا يَمْلِكُ بَيْعَها، ولا نَقْلَ المِلْكِ فيها، فإنْ عتقَ، صارَتْ له أُمَّ ولدٍ، تَعْتِقُ بمَوْتِه، فيثْبُتُ لها من حُرْمَةِ الاسْتِيلادِ، ما يثبُتُ لوَلَدِها من حُرْمَةِ الحُرِّيَّةِ. وقد نَصَّ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على مَنْعِ بَيْعِها، ومَفْهومُ كَلامِ الْخِرَقِىِّ، يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْن جميعًا. الشرطُ الثانِى، أَنْ تَعْلَقَ منه فى مِلْكِه، سَواءٌ كان [من وَطْءٍ] (٥) مُباحٍ أم مُحرَّمٍ، مثل الوَطْءِ فى الحَيْضِ، أو النِّفاسِ، أو الصَّوْمِ، أو الإِحْرامِ، أو الظِّهارِ، أو غيرِه. فأمَّا إِنْ علقَتْ منه فى غيرِ مِلْكِه، لم تصِرْ بذلك أُمَّ ولدٍ، سَواءٌ عَلِقَتْ منه بمَمْلُوكٍ، أو غُرَّ من أمَةٍ، وَتَزَوَّجَها على أنَّها حُرَّةٌ فاسْتَوْلَدَها، أو اشْتَرَى جارِيَةً فاسْتَوْلَدَها، فبانَتْ مُسْتَحَقَّةً، فإِنَّ الولدَ حُرٌّ، ولا تَصِيرُ

стр. 7943

الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ فى هذه المواضِعٍ بحالٍ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّه إِنْ مَلَكَها بعدَ ذلك، صارَتْ أُمَّ ولدٍ. وقد ذَكَرْنا (٦) الخِلاف فى ذلك، فى المسألةِ التى قبلَ هذه. والمقْصودُ بذكْرِ هذه الشُّروطِ ههُنا، ثُبوتُ الحُكْمِ عندَ اجْتِماعِها، وأمَّا انْتِفاؤُه عندَ انْتِفائِها، فيُذْكَرُ فى مسائِلَ مُفْرَدَةٍ لها. الشرطُ الثالِثُ، أَنْ تَضَعَ ما يَتَبَيَّنُ فيه شىءٌ من خَلْق الإِنْسانِ؛ من رَأْس، أو يَدٍ، أو رِجْلٍ، أو تَخْطيطٍ، سَواءٌ وضَعَتْه حَيًّا أو مَيِّتًا، وسَواءٌ أَسْقَطَتْه، أو كان تامًّا. قال عمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إذا وَلَدَتِ الأَمَةُ من سَيِّدِها، فقد عَتَقَتْ وإِنْ كان سَقْطًا (٧)، وروَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: أعْتَقَها ولدُها، وإِنْ كان (٨) سَقْطًا. قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبِى عبدِ اللَّهِ: أُمُّ الولدِ، إذا أسْقَطَتْ، لا تَعْتِقُ؟ فقال: إذا تَبَيَّنَ فيه يَدٌ، أو رِجْلٌ، أو شىءٌ من خَلْقِه، فقد عَتَقَتْ. وهذا قولُ الحسنِ، والشافِعِىِّ. وقال الشَّعْبِىُّ: إذا تَلَبَّثَ (٩) فى الخَلْقِ الرَّابِعِ، فكان مُخَلَّقًا، انْقَضت به عِدَّةُ الحُرَّةِ، واُعْتِقَتْ به الأمَةُ. ولا أعْلَمُ فى هذا خِلافًا بينَ مَنْ قال بثُبوتِ حكمِ الاسْتِيلادِ. فأمَّا إِنْ أَلْقَتْ نُطْفَةً، أو عَلَقَةً، لم يثْبُتْ به شىءٌ من أحْكامِ الولادَةِ؛ لأنَّ ذلك ليس بولدٍ. ورَوَى يُوسفُ بنُ موسى، أَنَّ أبا عبد اللَّه قيل له: ما تقولُ فى الأَمَةِ إذا أَلْقَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً؟ قال: تَعْتِقُ. وهذا قولُ إبراهيمَ النَّخَعِىِّ. وإِنْ وَضَعَت مُضْغَة لم يظْهَرْ فيها شىءٌ من خَلْقِ الآدَمِىِّ، فشَهِدَ ثِقاتٌ مِن القَوابِلِ، أَنَّ فيها صُورَةً خَفِيَّةً، تعَلَّقَتْ بها الأحْكَامُ؛ لأَنَّهُنَّ اطَّلَعْنَ على الصُّورَةِ التى خَفِيَتْ على غَيْرِهِنَّ. وإِنْ لم يَشْهَدْن بذلك، لكنْ عُلِمَ أنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ؛ إمَّا بشَهادَتِهِنَّ، أو غيرِ ذلك، ففيه رِوايَتان، إحداهُما، لا تَصِيرُ به الأمَةُ أُمَّ ولدٍ، ولا تَنْقَضِى به عِدَّةُ الحُرَّةِ، ولا يجبُ على الضَّارِبِ المُتْلِفِ له الغُرَّةُ، ولا الكفَّارَةُ. وهذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وظاهِرُ ما نَقَلَه الأَثْرَمُ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وظاهِرُ قَوْلِ (١٠) الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وسائِرِ مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَتَبَيَّن شىءٌ فيه من (١١) خَلْقِ

стр. 7944

الآدَمِىِّ (١٢)؛ لأنَّهُ لم يَبِنْ فيه شىءٌ من خَلْقِ الآدَمِىِّ، أشْبَهَ النُّطْفَةَ والعَلَقَةَ. والثانِيَةُ، تَتَعَلَّقُ به (١٣) الأَحْكامُ الأَرْبعةُ؛ لأَنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ، أشْبَهَ إذا تَبَيَّنَ. وخرَّجَ أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامِدٍ رِوايَةً ثالِثَةً، وهو أَنَّ الأمَةَ تصيرُ بذلك أُمَّ ولدٍ، ولا تَنْقَضِى به عِدَّةُ الحُرَّةِ؛ لأَنَّه رُوِىَ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى الأَمَةِ إذا وضَعَت، فمَسَّتْه القَوابِلُ، فعَلِمْنَ أنَّه لحمٌ، ولم يَتَبَيَّنْ لحمهُ: تَحْتاطُ (١٤) فى العِدَّة بأُخْرَى، ويَحْتاطُ بعِتْقِ الأَمَةِ. وظاهِرُ هذا، أَنَّه حَكَمَ بعِتْقِ الأَمَةِ، ولم يحْكُمْ بانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ لأنَّ عتقَ الأَمَةِ يحْصُلُ للحُرِّيَّةِ، فاحْتِيطَ بتَحْصِيلِها، والعِدَّةُ يتَعَلَّقُ بها تَحْريمُ التَّزْوِيح (١٥) وحُرْمَةُ الفَرْجِ، فاحْتِيطَ بإبْقائِها. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ بالعَكْسِ: لا تجبُ العِدَّةُ، ولا تصيرُ الأَمَةُ أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ كُلِّ واحِدٍ منهما، فيَبْقَى على أصْلِه. ولا يصِحُّ؛ لأنَّ العِدَّةَ كانتْ [ثابتَةً، والأَصْل بقاؤُها على ما كانت] (١٦) عليه، والأَصْلُ فى الآدَمِىِّ الحُرِّيَّةُ، فنُغَلِّبُ ما يُفْضِى إليها. واللَّهُ أعلمُ. ٢٠١٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ، فَقَدْ صَارَتْ حُرَّةً، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكُ غَيْرَهَا) . يَعْنِى أَنَّ أُمَّ الولدِ تَعْتِقُ مِن رَأْسِ المالِ، وإِنْ لم يَمْلِكْ سِواهَا. وهذا قولُ كُلِّ مَنْ رَأَى عِتْقَهُنَّ، لا نَعْلَمُ بينهم فيه خِلافًا. وسَواءٌ وَلَدَت فى الصِّحَّةِ أو المرضِ؛ لأَنَّه حاصِلٌ بالْتِذاذِه وشَهْوَتِه، وما يُتْلِفُه فى لَذَّاتِه وشَهَواتِه (١)، يَسْتَوِى فيه حالُ الصِّحَّةِ والمرضِ، [كالذى يأكُلُه ويَلْبَسُه، ولأنَّ عِتْقَها بعدَ [الموتِ، وما يكونُ بعدَ] (٢) الموتِ يَسْتَوِى فيه المَرَضُ والصِّحَّةُ] (٣)، كقَضاءِ الدُّيونِ؛ والتَّدْبِيرِ، والوَصِيَّةِ. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا بينَ

стр. 7945

مَن رَأَى عِتْقَهُنَّ. قال سعيدٌ (٤): حَدَّثَنا سُفْيانُ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافِعٍ، قال: أدْرَكَ ابنَ عمرَ رجلانِ، فقالا: إنَّا تَرَكْنا هذا الرجِلَ يَبِيعُ أُمَّهاتِ الأَوْلادِ. يَعْنِيان ابنَ الزُّبَيْر. فقال ابنُ عمرَ: أَتَعْرِفان أبا حَفْصٍ؟ فإنَّه قضَى فى أُمَّهاتِ الأوْلادِ أَنْ لا يُبَعْنَ، ولا يُوهَبْنَ، يَسْتَمْتِعُ بها صاحِبُها، فإذا ماتَ فهى حُرَّةٌ. وقال (٥): حَدَّثَنا غِياثٌ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ما مِنْ رجلٍ كان يُقِرُّ بأنَّه يَطَأَ جارِيَتَهُ، ويموتُ (٦)، إِلَّا أَعْتَقَها إذا وَلَدت، وإِنْ كان سَقْطًا. فصل: ولا فَرْقَ بين المُسْلِمَةِ والكافِرَةِ، والعَفِيفَةِ والفاجرَةِ، ولا بينَ المسلمِ والكافِرِ، والعَفِيفِ والفاجِرِ، فى هذا، فى قَوْلِ (٧) أهْلِ الفَتْوَى (٨) من أَهلِ الأمْصارِ؛ لأنَّ ما يتعلَّقُ به العِتْقُ يَسْتَوِى فيه المسلمُ والكافِرُ، والعَفيفُ والفاجِرُ، كالتَّدْبِيرِ والكتابَةِ، ولأَنَّ عِتْقَها بسَبَب اخْتلاطِ دَمِها بدَمِه ولحمِها بلَحْمِه، فإذا اسْتَوَيا فى النَّسَبِ، اسْتَوَيا فى حُكْمِه. وروَى سعيدٌ (٩)، حَدَّثنا هُشَيْمٌ، أخْبَرَنا منصورٌ، عن ابنِ سِيرينَ، عن أبى عطيَّةَ (١٠) الهَمْدانِىّ، أَنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال فى أُمِّ الولدِ: إِنْ أَسْلَمَتْ وأَحْصَنَتْ وعَفَّتْ، أُعْتِقَتْ، وإِنْ كفَرَت وفجَرَتْ وغدَرَتْ، رَقَّتْ. وقال (١١): حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا يحيى عن أُمِّ ولدِ رجلٍ ارْتَدَّتْ عن الإِسلامِ، فكُتِبَ فى ذلك إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فكتَبَ (١٢) عمرُ (١٣): بِيعُوها [بأرضٍ ليس بها] (١٤)

стр. 7946

أحَدٌ من أهلِ دِينِها. وإذا كان مَبْنَى عِتْقِ أُمَّهاتِ الأَوْلادِ على قَولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقد قال هذا القولَ، فيَنْبَغِى أَنْ يخْتَصَّ العِتْقُ بالمُسْلِمَةِ العَفِيفَةِ دُونَ (١٥) الكافِرَةِ الفاجِرَةِ؛ لانْتِفاءِ الدَّلِيلِ الذى ثَبَتَ به عِتْقُهُنَّ. واللَّهُ أعلمُ. ٢٠١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا صَارَتِ الْأَمَةُ أُمَّ (١) وَلَدٍ، [بِمَا وَصَفْنَا، ثُمَّ وَلَدتْ] (٢) مِنْ غَيْرِهِ، كَانَ لَهُ حُكْمُهَا فِى الْعِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِهَا) وجملتُه أَنَّ أُمَّ الولدِ إذا وَلَدَتْ بعدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ لها من غيرِ سَيِّدِها، مِن زَوجٍ أو غيرِه، فحُكْمُ ولدِها حُكْمُها، فى أنَّه يَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها، ويجوزُ فيه مِن التَّصَرُّفاتِ ما يجوزُ فيها، ويمْتَنِعُ فيه ما يَمْتَنِعُ فيها. قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: قال ابنُ عمرَ، وابنُ عبَّاسٍ، وغيرُهما: ولدُها بمَنْزِلَتِها (٣). ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا بينَ القائِلِينَ بثُبوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ، إِلَّا أنّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: هم عَبِيدٌ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه لا يَثْبُتُ لهم حُكْمُ أُمِّهم؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ مُخْتَصٌّ (٤) بها، فيَخْتَصُّ بحُكْمِه. كولدِ مَنْ عُلِّقَ غِتْقُها بصِفَةٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أَنَّهم عَبِيدٌ، حُكْمُهم حكمُ أمِّهم، مثل قولِ الجماعَةِ؛ لأنَّ الولدَ يَتْبَعُ أُمَّه فى الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فيَتْبَعُها فى سَبَبِه (٥) إذا كان مُتَأَكَّدًا، كولدِ المُكاتبَةِ والمُدَبَّرةِ، بل ولدُ أُمِّ الولدِ أَوْلَى؛ لأنَّ سَبَبَ العِتْقِ فيها مُسْتَقِرٌّ، ولا سَبيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ. فإنْ ماتَتْ أُمُّ الولدِ قبلَ سَيِّدِها، لم يَبْطُلْ حكمُ الاسْتيلادِ فى الوَلَدِ، وَتَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها؛ لأنَّ السَّبَبَ لم يبْطُلْ، وإنَّما لم (٦) تثْبُت الحُرِّيَّةُ فيها؛ لأنَّها لم تَبْقَ مَحَلًّا. وكذلك ولَدُ المُدَبَّرةِ، لا يبْطُلُ الحكمُ فيه بمَوْتِ أُمِّه. وأمَّا ولدُ المُكاتبَةِ إذا ماتَتْ، فإنَّه

стр. 7947

يعودُ رَقِيقًا؛ لأنَّ العَقْدَ يبْطُلُ بمَوْتِها، فلم يَبْقَ حُكْمُه فيه. وقد ذَكَرْنا فى هذا خِلافًا فيما تَقَدَّمَ. وإِنْ أعْتَقَ السَّيِّدُ أُمَّ الولدِ، أو المُدَبَّرَةَ، لم (٧) يَعْتِقْ ولدُها، لأنّها عَتَقَتْ بغيرِ السَّبَبَ (٨) الذى تَبِعَها فيه، ويَبْقَى عِتْقُه مَوْقُوفًا على مَوْتِ سَيِّدِه. كذلك إِنْ أعْتَقَ ولدَهما، لم يَعْتِقَا بعِتْقِه. وإِنْ أعْتَقَ المُكاتَبةَ، فقد قال أحمدُ، وسُفْيانُ، وإسحاقُ: المُكاتَبةُ إذا أدَّتْ أو اعْتِقَتْ، عَتَقَ ولدُها، وأُمُّ الولدِ والمُدَبَّرَةُ إذا أُعْتِقَتْ، لم يَعْتِقْ ولدُها حتَّى يَمُوتَ السَّيِّدُ. فظاهِرُ هذا أَنَّ ولدَ المُكاتبَةِ يتْبَعُها فى العِتْقِ بإعْتاقِ سَيِّدِها؛ لأَنَّه فى حُكْمِ مالِها، يَسْتَحِقُّ كَسْبَه، فيَتْبَعُها إذا أَعْتَقَها كمالِها، ولأنَّ إعْتاقَها يَمْنَعُ أداءَها بسبَبٍ من السَّيِّدِ، فأشْبَهَ ما لو أَبْرَأَها مِن مالِ الكتابَةِ. فصل: فأمَّا ولدُ أُمِّ الوَلدِ قبلَ اسْتِيلادِها، وولدُ المُدَبَّرةِ قبلَ تَدْبيرِها، والمُكاتبَةِ قبلَ كتابَتِها، فلا يَتْبَعُها، لوُجودِه قبلَ انْعِقادِ السَّبَبَ فيها، وزَوالِ حُكْمِ التَّبَعَيَّةِ عنه قبلَ تَحقُّقِ السَّبَبَ فى أُمِّه، ولهذا لا يَتْبَعُها فى العِتْقِ المُنْجَزِ، ففى السَّبَبَ أَوْلَى. وذكرَ أبو الخَطَّابِ فى وَلَدِ المُدَبَّرَةِ قبلَ التَّدْبِيرِ رِوايَتَيْن، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه، وهو بَعِيدٌ؛ لأنَّ الولدَ المُنْفصِلَ لا يَتْبَعُها فى عِتْيقٍ، ولا بَيْعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا رَهْنٍ، ولا شىءٍ من الأَحْكامِ، سِوَى الإِسلامِ، بشَرْطِ كَوْنِه صغيرًا، فكيف يَتْبَعُ فى التَّدْبِيرِ! ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتَضِيه، فيَبْقَى بحالِه. ٢٠١٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَسْلَمَتْ أَمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِىِّ، مُنِعِ مِنْ وَطْئِهَا، والتَّلَذُّذِ بِهَا، وأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِها. فإذَا أسْلَمَ، حَلَّتْ لَهُ، وإِنْ مَاتْ قَبْلَ ذَلِكَ، عَتَقَتْ) وجملةُ ذلك أَنَّ الكافِرَ يَصِحُّ منه الاستيلادُ لأَمَتِه، كما يَصِحُّ منه عِتْقُها. وإذا اسْتَوْلَدَ الذِّمِّىُّ أمتَهَ، ثمَّ أسْلَمَتْ، لم تَعْتِقْ فى الحالِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ وقال مالِكٌ: تَعْتِقُ، إذْ لا سَبِيلَ إلى بَيْعِها، ولا إلى إقْرارِ مِلْكِه عليها؛ لما فيه من إثْباتِ مِلْكِ كافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، فلم يَجُزْ، كالأَمَةِ القِنِّ. وعن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، روايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُسْتَسْعَى، فإنْ أدَّتْ، عَتَقَتْ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ فيه جَمْعًا بينَ الحَقَّينِ، حَقِّها فى أَنْ لا يَبْقَى مِلْكُ الكافِرِ عليها، وحقِّه فى حُصولِ عِوَضِ مِلْكِه، فأشْبَهَ بَيْعَها إذا لم تكُنْ أُمَّ ولدٍ. ولَنا، أَنَّه إسلامٌ طَرَأَ على مِلْكٍ، فلم يُوجِبْ عِتْقًا، ولا سِعايَةً، كالعبدِ القِنِّ. وما ذَكَرُوه مُجَرَّدُ

стр. 7948

حِكْمَةٍ لم يُعْرَفْ من الشارِعِ اعْتبارُها، ويُقابِلُها (١) ضَرَرٌ، فإِنَّ فى عِتْقِها مَجَّانًا إضْرارًا بالمالِكِ، بإزالَةِ مِلْكِه بغيرِ (٢) عِوَضٍ، وفى الاسْتِسْعاءِ إلْزامٌ لها بالكسْبِ بغيرِ رِضَاها، وتَضْييعٌ لحَقِّهِ؛ لأَنَّ فيه إحالَةً على سِعَايةٍ لا نَدْرِى هل يحْصُلُ منها شىءٌ أو (٣) لا؟ وإِنْ حصَلَ، فالظَّاهِرُ أَنَّه يكونُ يَسِيرًا، فى أوْقاتٍ مُتَفرِّقَةٍ، وُجُودُه قريبٌ من عَدَمِه، والحقُّ أَنْ يَبْقَى المِلْكُ على ما كان عليه، ويُمْنعَ من وَطْئِها، والتَّلَذذِ بها، كى لا يَطَأَهَا ويَبْتَذِلَها وهو مُشْرِكٌ، ويُحالَ بينَه وبينَها، ويُمْنعَ الخَلْوَةَ بها، لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى الوَطْءِ المُحرَّمِ، ويُجْبَرَ على نَفَقَتِها على التَّمامِ؛ لأنَّها مَملوكَتُه، ومَنْعُه من وطْئِها بغيرِ مَعْصِيَةٍ منها، فأشْبَهَتِ الحائِضَ والمريضَةَ، وتُسَلَّمُ إلى امْراة ثِقَةٍ، تكونُ عندَها، لتَحْفَظَها، وَتَقُومَ بأَمْرِها، وإِنْ احْتاجَتْ إلى أَجْرٍ، أو أجْرِ مَسْكَنٍ، فعلى سَيِّدِها. وذكَرَ القاضى أَنَّ نَفَقَتَها فى كَسْبِها، وما فَضَلَ من كَسْبِها فهو لِسَيِّدِها. وإن عَجَزَ عن نَفَقَتِها، فهلْ يَلْزَمُ سَيِّدَها تَمامُ نَفَقَتِها (٤)؟ على رِوايَتَيْن. ونحوُ هذا مذهبُ الشافِعِىِّ. والصَّحِيحُ أَنَّ نَفَقَتَها على سَيِّدِها، وكَسْبَها له، يَصْنَعُ به ما شاءَ وعليه نَفَقَتُها [على التَّمامِ، سَواءٌ كان لها كَسْبٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّها مَمْلوكَةٌ له (٥)، ولم يَجْرِ بينَهما عَقْدٌ يُسْقِط نَفَقَتَها] (٦)، ولا يَمْلِكُ به كَسْبَها، فأَشْبَهَتْ أمَتَه القِنَّ، أو ما قَبْلَ إسْلامِها، ولأنَّ المِلْكَ سَبَبٌ لهذَيْن الحُكْمَيْن، والحادِثُ منهما لا يصْلُحُ مانِعًا؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَمْنعُ منهما، بدليلِ ما قبلَ إِسْلامِها، والإِسْلامُ لا يَمْنعُ، بدليلِ ما لو وُجِدَ قَبْلَ ولادَتِها، واجْتماعُهما لا يَمْنَعُ، لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو فى مَعْنَى المنْصُوص عليه، ولأنَّه إذا لم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، ولم يكُنْ لها كَسْبٌ، أفْضَى إلى هَلاكِها وضَياعِها، ولأنَّه يَمْلِكُ فاضِلَ كَسْبِها، فيَلْزَمُه فَضْلُ نَفَقَتِها، كسائِرِ مَماليكِهِ. ٢٠١٨ - مسألة (١)؛ قال: (وَإِذَا عَتَقَتْ (٢) أُمُّ الْوَلَدِ بمَوْتِ سَيِّدِهَا، فَمَا كَانَ فِى

стр. 7949

يَدهَا مِنْ شَىْءٍ، فَهُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدهَا) إنَّما كان كذلك؛ لأَنَّه أُمَّ الولد أُمَةٌ، كسْبُها لسَيِّدِها (٣)، وسائِرُ ما فى يَدِها له، فإذا ماتَ سَيِّدُها فعَتَقَتْ، انْتَقَلَ ما فى يَدِها إلى وَرَثَتِه، كسائِرِ مالِه، وكما فى يَدِ المُدَبَّرَةِ، وتُخالِفُ المُكاتَبَةَ؛ فإِنَّ كَسْبَها فى حَياةِ سَيِّدِها لها، فإذا عَتَقَتْ، بَقِىَ لها، كما كان لها قبلَ العِتْقِ. ٢٠١٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَوْصَى لَهَا بِمَا فِى يَدهَا، كَانَ لَهَا، إِذَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ) وجملتُه أَنَّ الوَصِيَّةَ لأُمِّ الولدِ تصِحُّ. لا نَعْلمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العِلْمِ القائِلِين بثُبوتِ حُكْمِ الا سْتيلادِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد رَوَى الإِمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ منصورٍ، عن هُشَيْمٍ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ، عن الحسنِ، أَنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب، أَوْصَى لأُمَّهاتِ أوْلادِه (١) بأرْبَعَةِ آلافٍ [أربعةِ آلافٍ] (٢). ولأنَّ أُمَّ الولدِ حُرَّةٌ فى حالِ نُفوذِ الوَصِيَّةِ لها؛ لأنَّ عِتْقَها يَتَنَجَّزُ بمَوْتِه، فلا تقَعُ الوصِيَّةُ لها إِلَّا فى حالِ حُرِّيَّتِها. وأمَّا قَوْلُه: إذا احْتَمَلَه الثُّلثُ. فلأنَّ الوَصِيَّةَ كُلَّها لا تَلْزَمُ إِلَّا فى الثُّلثِ فما دونَ، وهذا منها، وما زادَ على الثُّلثِ يَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإنْ أجازُوه جازَ، وإلَّا رُدَّ إلى الوَرَثَةِ. ولا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ أُمِّ الولدِ من الثُّلثِ؛ لأنَّها تَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ، فلا تُحْتَسَبُ من الثُّلثِ، كقضاءِ الدُّيونِ، وأداءِ الواجباتِ. فصل: وإِنْ وَصَّى (٣) لمُدَبَّرِه أو مُدَبَرّتَه، صَحَّت الوَصِيَّةُ أيضًا، إِلَّا أنَّه تُعْتبَرُ قِيمَتُه وما أَوصَى له به من الثُّلثِ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ تبرُّعٌ، فكان من الثُّلثِ، كالوَصِيَّةِ. فإنْ خَرَجَا من الثُّلثِ عَتَقَ، وكان ما أَوصَى به له، وصَحَّت الوَصِيَّةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ فى حالِ حُرِّيَّتِه، فأشْبَهَتِ الوَصِيَّةَ لأمِّ ولدِه. وإِنْ لم يَخْرُجَا من الثُّلثِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه من الثُّلثِ، فيَعْتِقُ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، لِيَعْتِقَ دُونَ المالِ. وإِنْ كانتْ قِيمَتُه بقَدْرِ الثُّلثِ، عَتَقَ، ولا وَصِيَّةَ له. وإِنْ فَضَلَ مِن الثُّلثِ شىءٌ بعدَ عِتْقِه، فله مِن الوصِيَّةِ تَمامُ الثُّلثِ، ويَقِفُ ما زادَ على إجازَةِ الوَرَثَةِ.

стр. 7950

٢٠٢٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ، فَعِدَّتُهَا حَيْضَةٌ) إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الواجِبَ عليها اسْتِبْراءُ نَفْسِها، لخُروجِها عن (١) مِلْكِ سَيِّدِها الذى كان يَطَؤُها، فكان ذلك بحَيْضَةٍ، كما لو أعْتَقَها سَيِّدُها فى حياتِه. وإنَّما سَمَّى الْخِرَقِىُّ هذا عِدّةً؛ لأَنَّ الاسْتِبْراءَ أَشْبَهَ العِدَّةَ فى كَوْنِه يَمْنَعُ النِّكاحَ، وتَحْصُلُ به مَعْرِفةُ بَراءَتِها مِن الحَمْلِ. وقد ذكرْنا هذه المسألةَ فى العِدَدِ، والخلافَ فيها فيما (٢) مَضَى (٣). ٢٠٢١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أو دُونِهَا) وجملتُه أَنَّ اُمَّ الولدِ إذا جَنَتْ، تعلَّقَ أرْشُ جِنايَتِها برَقَبَتِها، وعلى السَّيِّدِ أَنْ يَفْدِيَها بأقَلِّ الأَمْرين؛ من قيمَتِها أو [أرْشِ جنايَتِها] (١). وبهذا قال الشافِعِىُّ. وحكى أبو بكرٍ عبدُ العزيز قَوْلًا آخَرَ، أنَّه يَفْدِيها بأَرْشِ جِنايَتِها بالِغَةً ما بَلَغَتْ؛ لأَنَّه لم يُسَلِّمْها فى الجِنايَةِ، فلَزِمَه أَرْشُ جِنايَتِها بالِغةً ما بَلَغَتْ، كالقِنِّ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأهلُ الظَّاهِرِ: ليس عليه فداؤُها، وتكونُ جِنايَتُها فى ذِمَّتِها، تُتْبَعُ إذا عَتَقَتْ (٢)؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ بَيْعَها، فلم [يكنْ] (٣) عليه فِداؤُها كالحُرَّةِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَةٌ له كسْبُها، لم يُسَلِّمْها، فلَزِمَه أَرْشُ جِنايَتِها، كالقِنِّ، لا تَلْزَمُه زيادَةٌ على قِيمَتِها؛ لأَنَّه لم يَمْتَنِعْ من تَسْلِيمِها، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ ذلك؛ لكَوْنِها لم تبْقَ مَحَلًّا للبَيْعِ، ولا لنَقْلِ المِلْكِ فيها، وفارَقَ (٤) القِنَّ إذا لم يُسَلِّمْها، فإنَّه (٥) أمْكَنَ أَنْ يُسَلِّمها للبَيعِ، فربَّما زادَ فيها مَزِيدًا أكثرَ من قِيمَتِها؛ فإذا امتَنَعَ مالِكُها مِن تَسْلِيمِها، أوْجَبْنا عليه الأَرْشَ بكَمالِه. وفى مسألتِنا لا يَحْتَمِلُ ذلك فيها؛ فإِنَّ بَيْعَها غيرُ جائِزٍ، فلم يكُنْ عليه أكثرُ مِن قِيمَتِها.
следующие страницы →