أحَدٌ من أهلِ دِينِها. وإذا كان مَبْنَى عِتْقِ أُمَّهاتِ الأَوْلادِ على قَولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقد قال هذا القولَ، فيَنْبَغِى أَنْ يخْتَصَّ العِتْقُ بالمُسْلِمَةِ العَفِيفَةِ دُونَ (١٥) الكافِرَةِ الفاجِرَةِ؛ لانْتِفاءِ الدَّلِيلِ الذى ثَبَتَ به عِتْقُهُنَّ. واللَّهُ أعلمُ.
٢٠١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا صَارَتِ الْأَمَةُ أُمَّ (١) وَلَدٍ، [بِمَا وَصَفْنَا، ثُمَّ وَلَدتْ] (٢) مِنْ غَيْرِهِ، كَانَ لَهُ حُكْمُهَا فِى الْعِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِهَا)
وجملتُه أَنَّ أُمَّ الولدِ إذا وَلَدَتْ بعدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ لها من غيرِ سَيِّدِها، مِن زَوجٍ أو غيرِه، فحُكْمُ ولدِها حُكْمُها، فى أنَّه يَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها، ويجوزُ فيه مِن التَّصَرُّفاتِ ما يجوزُ فيها، ويمْتَنِعُ فيه ما يَمْتَنِعُ فيها. قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: قال ابنُ عمرَ، وابنُ عبَّاسٍ، وغيرُهما: ولدُها بمَنْزِلَتِها (٣). ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا بينَ القائِلِينَ بثُبوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ، إِلَّا أنّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: هم عَبِيدٌ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه لا يَثْبُتُ لهم حُكْمُ أُمِّهم؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ مُخْتَصٌّ (٤) بها، فيَخْتَصُّ بحُكْمِه. كولدِ مَنْ عُلِّقَ غِتْقُها بصِفَةٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أَنَّهم عَبِيدٌ، حُكْمُهم حكمُ أمِّهم، مثل قولِ الجماعَةِ؛ لأنَّ الولدَ يَتْبَعُ أُمَّه فى الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فيَتْبَعُها فى سَبَبِه (٥) إذا كان مُتَأَكَّدًا، كولدِ المُكاتبَةِ والمُدَبَّرةِ، بل ولدُ أُمِّ الولدِ أَوْلَى؛ لأنَّ سَبَبَ العِتْقِ فيها مُسْتَقِرٌّ، ولا سَبيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ. فإنْ ماتَتْ أُمُّ الولدِ قبلَ سَيِّدِها، لم يَبْطُلْ حكمُ الاسْتيلادِ فى الوَلَدِ، وَتَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها؛ لأنَّ السَّبَبَ لم يبْطُلْ، وإنَّما لم (٦) تثْبُت الحُرِّيَّةُ فيها؛ لأنَّها لم تَبْقَ مَحَلًّا. وكذلك ولَدُ المُدَبَّرةِ، لا يبْطُلُ الحكمُ فيه بمَوْتِ أُمِّه. وأمَّا ولدُ المُكاتبَةِ إذا ماتَتْ، فإنَّه
стр. 7947
يعودُ رَقِيقًا؛ لأنَّ العَقْدَ يبْطُلُ بمَوْتِها، فلم يَبْقَ حُكْمُه فيه. وقد ذَكَرْنا فى هذا خِلافًا فيما تَقَدَّمَ. وإِنْ أعْتَقَ السَّيِّدُ أُمَّ الولدِ، أو المُدَبَّرَةَ، لم (٧) يَعْتِقْ ولدُها، لأنّها عَتَقَتْ بغيرِ السَّبَبَ (٨) الذى تَبِعَها فيه، ويَبْقَى عِتْقُه مَوْقُوفًا على مَوْتِ سَيِّدِه. كذلك إِنْ أعْتَقَ ولدَهما، لم يَعْتِقَا بعِتْقِه. وإِنْ أعْتَقَ المُكاتَبةَ، فقد قال أحمدُ، وسُفْيانُ، وإسحاقُ: المُكاتَبةُ إذا أدَّتْ أو اعْتِقَتْ، عَتَقَ ولدُها، وأُمُّ الولدِ والمُدَبَّرَةُ إذا أُعْتِقَتْ، لم يَعْتِقْ ولدُها حتَّى يَمُوتَ السَّيِّدُ. فظاهِرُ هذا أَنَّ ولدَ المُكاتبَةِ يتْبَعُها فى العِتْقِ بإعْتاقِ سَيِّدِها؛ لأَنَّه فى حُكْمِ مالِها، يَسْتَحِقُّ كَسْبَه، فيَتْبَعُها إذا أَعْتَقَها كمالِها، ولأنَّ إعْتاقَها يَمْنَعُ أداءَها بسبَبٍ من السَّيِّدِ، فأشْبَهَ ما لو أَبْرَأَها مِن مالِ الكتابَةِ.
فصل: فأمَّا ولدُ أُمِّ الوَلدِ قبلَ اسْتِيلادِها، وولدُ المُدَبَّرةِ قبلَ تَدْبيرِها، والمُكاتبَةِ قبلَ كتابَتِها، فلا يَتْبَعُها، لوُجودِه قبلَ انْعِقادِ السَّبَبَ فيها، وزَوالِ حُكْمِ التَّبَعَيَّةِ عنه قبلَ تَحقُّقِ السَّبَبَ فى أُمِّه، ولهذا لا يَتْبَعُها فى العِتْقِ المُنْجَزِ، ففى السَّبَبَ أَوْلَى. وذكرَ أبو الخَطَّابِ فى وَلَدِ المُدَبَّرَةِ قبلَ التَّدْبِيرِ رِوايَتَيْن، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه، وهو بَعِيدٌ؛ لأنَّ الولدَ المُنْفصِلَ لا يَتْبَعُها فى عِتْيقٍ، ولا بَيْعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا رَهْنٍ، ولا شىءٍ من الأَحْكامِ، سِوَى الإِسلامِ، بشَرْطِ كَوْنِه صغيرًا، فكيف يَتْبَعُ فى التَّدْبِيرِ! ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتَضِيه، فيَبْقَى بحالِه.
٢٠١٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَسْلَمَتْ أَمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِىِّ، مُنِعِ مِنْ وَطْئِهَا، والتَّلَذُّذِ بِهَا، وأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِها. فإذَا أسْلَمَ، حَلَّتْ لَهُ، وإِنْ مَاتْ قَبْلَ ذَلِكَ، عَتَقَتْ)
وجملةُ ذلك أَنَّ الكافِرَ يَصِحُّ منه الاستيلادُ لأَمَتِه، كما يَصِحُّ منه عِتْقُها. وإذا اسْتَوْلَدَ الذِّمِّىُّ أمتَهَ، ثمَّ أسْلَمَتْ، لم تَعْتِقْ فى الحالِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ وقال مالِكٌ: تَعْتِقُ، إذْ لا سَبِيلَ إلى بَيْعِها، ولا إلى إقْرارِ مِلْكِه عليها؛ لما فيه من إثْباتِ مِلْكِ كافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، فلم يَجُزْ، كالأَمَةِ القِنِّ. وعن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، روايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُسْتَسْعَى، فإنْ أدَّتْ، عَتَقَتْ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ فيه جَمْعًا بينَ الحَقَّينِ، حَقِّها فى أَنْ لا يَبْقَى مِلْكُ الكافِرِ عليها، وحقِّه فى حُصولِ عِوَضِ مِلْكِه، فأشْبَهَ بَيْعَها إذا لم تكُنْ أُمَّ ولدٍ. ولَنا، أَنَّه إسلامٌ طَرَأَ على مِلْكٍ، فلم يُوجِبْ عِتْقًا، ولا سِعايَةً، كالعبدِ القِنِّ. وما ذَكَرُوه مُجَرَّدُ
стр. 7948
حِكْمَةٍ لم يُعْرَفْ من الشارِعِ اعْتبارُها، ويُقابِلُها (١) ضَرَرٌ، فإِنَّ فى عِتْقِها مَجَّانًا إضْرارًا بالمالِكِ، بإزالَةِ مِلْكِه بغيرِ (٢) عِوَضٍ، وفى الاسْتِسْعاءِ إلْزامٌ لها بالكسْبِ بغيرِ رِضَاها، وتَضْييعٌ لحَقِّهِ؛ لأَنَّ فيه إحالَةً على سِعَايةٍ لا نَدْرِى هل يحْصُلُ منها شىءٌ أو (٣) لا؟ وإِنْ حصَلَ، فالظَّاهِرُ أَنَّه يكونُ يَسِيرًا، فى أوْقاتٍ مُتَفرِّقَةٍ، وُجُودُه قريبٌ من عَدَمِه، والحقُّ أَنْ يَبْقَى المِلْكُ على ما كان عليه، ويُمْنعَ من وَطْئِها، والتَّلَذذِ بها، كى لا يَطَأَهَا ويَبْتَذِلَها وهو مُشْرِكٌ، ويُحالَ بينَه وبينَها، ويُمْنعَ الخَلْوَةَ بها، لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى الوَطْءِ المُحرَّمِ، ويُجْبَرَ على نَفَقَتِها على التَّمامِ؛ لأنَّها مَملوكَتُه، ومَنْعُه من وطْئِها بغيرِ مَعْصِيَةٍ منها، فأشْبَهَتِ الحائِضَ والمريضَةَ، وتُسَلَّمُ إلى امْراة ثِقَةٍ، تكونُ عندَها، لتَحْفَظَها، وَتَقُومَ بأَمْرِها، وإِنْ احْتاجَتْ إلى أَجْرٍ، أو أجْرِ مَسْكَنٍ، فعلى سَيِّدِها. وذكَرَ القاضى أَنَّ نَفَقَتَها فى كَسْبِها، وما فَضَلَ من كَسْبِها فهو لِسَيِّدِها. وإن عَجَزَ عن نَفَقَتِها، فهلْ يَلْزَمُ سَيِّدَها تَمامُ نَفَقَتِها (٤)؟ على رِوايَتَيْن. ونحوُ هذا مذهبُ الشافِعِىِّ. والصَّحِيحُ أَنَّ نَفَقَتَها على سَيِّدِها، وكَسْبَها له، يَصْنَعُ به ما شاءَ وعليه نَفَقَتُها [على التَّمامِ، سَواءٌ كان لها كَسْبٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّها مَمْلوكَةٌ له (٥)، ولم يَجْرِ بينَهما عَقْدٌ يُسْقِط نَفَقَتَها] (٦)، ولا يَمْلِكُ به كَسْبَها، فأَشْبَهَتْ أمَتَه القِنَّ، أو ما قَبْلَ إسْلامِها، ولأنَّ المِلْكَ سَبَبٌ لهذَيْن الحُكْمَيْن، والحادِثُ منهما لا يصْلُحُ مانِعًا؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَمْنعُ منهما، بدليلِ ما قبلَ إِسْلامِها، والإِسْلامُ لا يَمْنعُ، بدليلِ ما لو وُجِدَ قَبْلَ ولادَتِها، واجْتماعُهما لا يَمْنَعُ، لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو فى مَعْنَى المنْصُوص عليه، ولأنَّه إذا لم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، ولم يكُنْ لها كَسْبٌ، أفْضَى إلى هَلاكِها وضَياعِها، ولأنَّه يَمْلِكُ فاضِلَ كَسْبِها، فيَلْزَمُه فَضْلُ نَفَقَتِها، كسائِرِ مَماليكِهِ.
٢٠١٨ - مسألة (١)؛ قال: (وَإِذَا عَتَقَتْ (٢) أُمُّ الْوَلَدِ بمَوْتِ سَيِّدِهَا، فَمَا كَانَ فِى
стр. 7949
يَدهَا مِنْ شَىْءٍ، فَهُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدهَا)
إنَّما كان كذلك؛ لأَنَّه أُمَّ الولد أُمَةٌ، كسْبُها لسَيِّدِها (٣)، وسائِرُ ما فى يَدِها له، فإذا ماتَ سَيِّدُها فعَتَقَتْ، انْتَقَلَ ما فى يَدِها إلى وَرَثَتِه، كسائِرِ مالِه، وكما فى يَدِ المُدَبَّرَةِ، وتُخالِفُ المُكاتَبَةَ؛ فإِنَّ كَسْبَها فى حَياةِ سَيِّدِها لها، فإذا عَتَقَتْ، بَقِىَ لها، كما كان لها قبلَ العِتْقِ.
٢٠١٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَوْصَى لَهَا بِمَا فِى يَدهَا، كَانَ لَهَا، إِذَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ)
وجملتُه أَنَّ الوَصِيَّةَ لأُمِّ الولدِ تصِحُّ. لا نَعْلمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العِلْمِ القائِلِين بثُبوتِ حُكْمِ الا سْتيلادِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد رَوَى الإِمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ منصورٍ، عن هُشَيْمٍ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ، عن الحسنِ، أَنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب، أَوْصَى لأُمَّهاتِ أوْلادِه (١) بأرْبَعَةِ آلافٍ [أربعةِ آلافٍ] (٢). ولأنَّ أُمَّ الولدِ حُرَّةٌ فى حالِ نُفوذِ الوَصِيَّةِ لها؛ لأنَّ عِتْقَها يَتَنَجَّزُ بمَوْتِه، فلا تقَعُ الوصِيَّةُ لها إِلَّا فى حالِ حُرِّيَّتِها. وأمَّا قَوْلُه: إذا احْتَمَلَه الثُّلثُ. فلأنَّ الوَصِيَّةَ كُلَّها لا تَلْزَمُ إِلَّا فى الثُّلثِ فما دونَ، وهذا منها، وما زادَ على الثُّلثِ يَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإنْ أجازُوه جازَ، وإلَّا رُدَّ إلى الوَرَثَةِ. ولا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ أُمِّ الولدِ من الثُّلثِ؛ لأنَّها تَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ، فلا تُحْتَسَبُ من الثُّلثِ، كقضاءِ الدُّيونِ، وأداءِ الواجباتِ.
فصل: وإِنْ وَصَّى (٣) لمُدَبَّرِه أو مُدَبَرّتَه، صَحَّت الوَصِيَّةُ أيضًا، إِلَّا أنَّه تُعْتبَرُ قِيمَتُه وما أَوصَى له به من الثُّلثِ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ تبرُّعٌ، فكان من الثُّلثِ، كالوَصِيَّةِ. فإنْ خَرَجَا من الثُّلثِ عَتَقَ، وكان ما أَوصَى به له، وصَحَّت الوَصِيَّةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ فى حالِ حُرِّيَّتِه، فأشْبَهَتِ الوَصِيَّةَ لأمِّ ولدِه. وإِنْ لم يَخْرُجَا من الثُّلثِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه من الثُّلثِ، فيَعْتِقُ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، لِيَعْتِقَ دُونَ المالِ. وإِنْ كانتْ قِيمَتُه بقَدْرِ الثُّلثِ، عَتَقَ، ولا وَصِيَّةَ له. وإِنْ فَضَلَ مِن الثُّلثِ شىءٌ بعدَ عِتْقِه، فله مِن الوصِيَّةِ تَمامُ الثُّلثِ، ويَقِفُ ما زادَ على إجازَةِ الوَرَثَةِ.
стр. 7950
٢٠٢٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ، فَعِدَّتُهَا حَيْضَةٌ)
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الواجِبَ عليها اسْتِبْراءُ نَفْسِها، لخُروجِها عن (١) مِلْكِ سَيِّدِها الذى كان يَطَؤُها، فكان ذلك بحَيْضَةٍ، كما لو أعْتَقَها سَيِّدُها فى حياتِه. وإنَّما سَمَّى الْخِرَقِىُّ هذا عِدّةً؛ لأَنَّ الاسْتِبْراءَ أَشْبَهَ العِدَّةَ فى كَوْنِه يَمْنَعُ النِّكاحَ، وتَحْصُلُ به مَعْرِفةُ بَراءَتِها مِن الحَمْلِ. وقد ذكرْنا هذه المسألةَ فى العِدَدِ، والخلافَ فيها فيما (٢) مَضَى (٣).
٢٠٢١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أو دُونِهَا)
وجملتُه أَنَّ اُمَّ الولدِ إذا جَنَتْ، تعلَّقَ أرْشُ جِنايَتِها برَقَبَتِها، وعلى السَّيِّدِ أَنْ يَفْدِيَها بأقَلِّ الأَمْرين؛ من قيمَتِها أو [أرْشِ جنايَتِها] (١). وبهذا قال الشافِعِىُّ. وحكى أبو بكرٍ عبدُ العزيز قَوْلًا آخَرَ، أنَّه يَفْدِيها بأَرْشِ جِنايَتِها بالِغَةً ما بَلَغَتْ؛ لأَنَّه لم يُسَلِّمْها فى الجِنايَةِ، فلَزِمَه أَرْشُ جِنايَتِها بالِغةً ما بَلَغَتْ، كالقِنِّ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأهلُ الظَّاهِرِ: ليس عليه فداؤُها، وتكونُ جِنايَتُها فى ذِمَّتِها، تُتْبَعُ إذا عَتَقَتْ (٢)؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ بَيْعَها، فلم [يكنْ] (٣) عليه فِداؤُها كالحُرَّةِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَةٌ له كسْبُها، لم يُسَلِّمْها، فلَزِمَه أَرْشُ جِنايَتِها، كالقِنِّ، لا تَلْزَمُه زيادَةٌ على قِيمَتِها؛ لأَنَّه لم يَمْتَنِعْ من تَسْلِيمِها، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ ذلك؛ لكَوْنِها لم تبْقَ مَحَلًّا للبَيْعِ، ولا لنَقْلِ المِلْكِ فيها، وفارَقَ (٤) القِنَّ إذا لم يُسَلِّمْها، فإنَّه (٥) أمْكَنَ أَنْ يُسَلِّمها للبَيعِ، فربَّما زادَ فيها مَزِيدًا أكثرَ من قِيمَتِها؛ فإذا امتَنَعَ مالِكُها مِن تَسْلِيمِها، أوْجَبْنا عليه الأَرْشَ بكَمالِه. وفى مسألتِنا لا يَحْتَمِلُ ذلك فيها؛ فإِنَّ بَيْعَها غيرُ جائِزٍ، فلم يكُنْ عليه أكثرُ مِن قِيمَتِها.
стр. 7951
فصل: وإذا ماتَتْ قبلَ فِدَائِها، فلا شىءَ على سَيِّدِها؛ لأَنَّه لم يتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شىءٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ برَقَبَتِها، فإذا ماتَتْ سَقَطَ الحقُّ؛ لِتَلَفِ مُتَعَلَّقِه. وإن نَقَصَتْ قِيمَتُها قبلَ فِدائِها، وجَبَ فِداؤُها بقِيمَتِها يومَ الفِداءِ؛ لأنَّها لو تَلِفَتْ جميعُها لَسَقَطَ الفِداءُ، فوَجَبَ أَنْ يسْقُطَ بعضُه بتَلَفِ بعضِها. وإِنْ زادَتْ قِيمَتُها، زادَ فِداؤُها؛ لأنَّ مُتَعَلَّقَ الحقِّ زادَ، فزادَ الفِداءُ بزيادَتِه، كالرَّقِيقِ القِنِّ. ويَنْبَغِى أَنْ تُحْسَبَ قِيمَتُها مَعِيبَةً بعَيْبِ (٦) الاسْتِيلادِ؛ لأَنَّ ذلك يَنْقُصُها (٧)، فاعْتُبِرَ كالمرَضِ (٨) وغيرِه من العُيوبِ، ولأنَّ الواجِبَ قِيمتُها فى حالِ فِدائِها، وقِيمَتُها ناقِصَةٌ عن قِيمَةِ غيرِ أُمِّ الولَدِ، فيَجِبُ أَنْ ينْقُصَ فِداؤُها، وأنْ يكونَ [مُقَدَّرًا بقِيمَتِها] (٩) فى حالِ كَوْنِها أُمَّ ولدٍ، والحكمُ فى المُدَبَّرةَ كالحُكْمِ فى أُمِّ الولدِ، إِلَّا أنَّها يجوزُ بَيعُها، فى روايَةٍ، فيُمْكِنُ تَسْلِيمُها للبَيْعِ إن اخْتارَ سَيِّدُها. وإن امْتَنَع منه، فهل يَفْدِيها بأقَلِّ الأَمْرَيْن، أو يَلْزَمُه أرْشُ الجِنايَةِ بالِغًا ما بَلَغ (١٠)؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
فصل: وإِنْ كَسَبَتْ بعدَ جِنايَتِها شيئًا، فهو لسَيِّدِها؛ لأنَّ المِلْكَ ثابِتٌ له دُونَ المَجْنِىِّ عليه. وإِنْ وَلَدَت، فهو لِسَيِّدِها أيضًا؛ لأَنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، فأشْبَهَ الكَسْبَ. وإِنْ فَداها فى حالِ حَمْلِها، فعليه قِيمَتُها حامِلًا؛ لأنَّ الوَلدَ مُتَّصِلٌ بها، فأشْبَهَ سِمَنَها (١١). وإِنْ أَتْلَفَها سَيِّدُها، فعليه قِيمَتُها؛ لأَنَّه أَتْلَفَ حَقَّ غَيْرِه، فأشْبَهَ ما لو أتْلَفَ الرَّهْنَ. وإِنْ نَقَصَها، فعليه نَقْصُها؛ لأَنَّه لمَّا ضَمِنَ العَيْنَ، ضَمِنَ أَجْزاءَها. واللَّه أعلمُ.
٢٠٢٢ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ عَادَتْ فجَنَتْ، فَدَاهَا، كَمَا وَصَفْتُ)
وجملتُه أَنَّ أُمَّ الولدِ إذا جَنَتْ جِناياتٍ، لم تَخْلُ من أَنْ تكونَ الجِناياتُ كُلُّها قبلَ فِداءِ
стр. 7952
شىءٍ منها أو بعدَه (١)؛ فإنْ كانَتْ كُلًّا (٢) قبلَ الفِداءِ، تَعَلَّقَ أرْشُ الجميعِ برَقَبَتِها، ولم يَكُنْ عليه فيها كُلِّها إِلَّا قِيمَتُها، أو أَرْشُ جَميعِها، وعليه الأقَلُّ منهما، ويشْتَرِكُ الْمَجْنِىُّ عليهم فى الواجِبِ لهم، فإنْ وَفَّى: بها، وإلَّا تَحاصُّوا فيه بقَدْرِ أُروشِ جِناياتِهم. وإِنْ كان الثانِى بعدَ فدائِه (٣) مِن الأُولَى، فعليه فِداؤُه (٤) من التى بعدَها، كما فدَى الأُولَى. وقال أبو الخَطَّاب، عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رِوايةٌ ثانيةٌ: إذا فَداها بقِيمَتِها مَرَّةً، لم يَلْزَمْه فِداؤُها بعدَ ذلك؛ لأَنَّها جانِيَةٌ (٥)، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِيمَتِها، كما لو لم يكُنْ فَداها. وقال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَضْمَنُها ثانيًا، ويُشارِكُ الثانى الأوَّلَ فيما أخَذَه، كما لو كانَت الجناياتُ قبلَ فِدائِها. ولَنا، أنَّها أمُّ ولدٍ جانِيَةٌ، فلَزِمَه فِداؤُها، كالأُولَى، ولأَنَّ ما أخَذَه الأوَّلُ عِوَضُ جِنايَتِه، أَخذَه بِحَقٍّ، فلم يَجُزْ أَنْ يُشارِكَه غيرُه فيه، كأرْشِ جِنايَةِ الحُرِّ، أو الرَّقِيقِ القِنِّ، وفارَقَ ما قبلَ الفِداءِ؛ لأنَّ أرْشَ الجناياتِ تَعَلَّقَ برَقَبَتِها فى وَقْتٍ واحِدٍ، فلم يَلْزَمِ السَّيِّدَ أكثرُ مِن قِيمَةٍ واحِدَةٍ، كما لو كانت الجِناياتُ على واحِدٍ.
فصل: فإنْ أبْرَأَ بعضُهم من حَقِّه، تَوَفَّرَ الواجِبُ على الباقِينَ، إذا كانت كُلُّها قبلَ الفِداءِ، وإِنْ كانَت الجنايَةُ الْمَعْفُوُّ عنها بعدَ فِدائِه، تَوَفَّرَ أرْشُها على سَيِّدِها. واللَّهُ أعلمُ.
٢٠٢٣ - مسألة؛ قال: (ووَصِيَّةُ الرَّجُلِ لأُمِّ وَلَدِه وإِلَيْهَا جَائِزَةٌ)
أمَّا الوَصِيَّةُ لها، فقد ذَكَرْناها. وأمَّا الوَصِيَّةُ إِليها، فجائِزَةٌ؛ لأنَّها فى حالِ نُفوذِ الوَصِيَّةِ حُرَّةً، فأشْبَهَتْ زَوْجَتَه، أو غيرها من النِّساءِ. ويُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الوَصِيَّةِ إليها، ما يُعْتَبَرُ فى غيرِها؛ من العَدالَةِ، والعقلِ، وسائرِ الشُّروطِ. وسَواءٌ كانت الوَصِيَّةُ على أولادِها، أو غيرِهم، أو وَصَّى إليها بتَفْرِيقِ ثُلثِه، أو قَضاءِ دَيْنِه، أو إمْضاءِ وَصِيَّتِه، أو غيرِ ذلك.
стр. 7953
٢٠٢٤ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ تَزْوِيجُهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ)
وجملتُه أَنَّ للرَّجُلِ تَزْوِيجَ أُمِّ ولدِه، أحَبَّتْ ذلك أم كَرِهَت. وبهذا قال أبو حنيفةَ، رَضِىَ اللَّه عنه. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ، واخْتيارُ المُزنِىِّ. وقال فى القديمِ: ليس له تَزْويجُها إِلَّا برِضَاها؛ لأَنَّها قد ثَبَتَ لها حكمُ الحُرِّيَّةِ، على وَجْهٍ لا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إبْطالَها، فلم يَمْلِكْ تَزْويجَها بغيرِ رِضَاها، كالمُكاتبَةِ. وقال فى الثَّالِثِ: ليس له تَزْويجُها، وإِنْ رَضِيَتْ؛ لأَنَّ مِلْكَه فيها قد ضَعُف، وهى لم تكْمُلْ، فلم يَمْلِكْ تَزْويجَها، كاليَتِيمَةِ. وهل يُزَوِّجُها الحاكِمُ على هذا القَوْلِ؟ فيه خِلافٌ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قيل له: إِنَّ مالِكًا لا يَرَى تَزْوِيجَها. فقال: وما نَصْنَعُ بمالِك؟ هذا ابنُ عمرَ، وابنُ عبَّاسِ، يقولان: إذا وَلَدَتْ من غيرِه، كان لوَلَدِها حُكْمُها (١). ولَنا، أنَّها أمَةٌ يَمْلِكُ الاسْتِمْتاعَ بها، واسْتِخْدامَها، فمَلَكَ تَزْويجَها، كالقِنِّ، وفارَقَ (٢) المُكاتبَةَ، فإنَّه لا يَمْلِكُ ذلك منها. والقولُ الثالِثُ فاسِدٌ؛ لذلك، ولأَنَّه يُفْضِى إلى مَنْعِ النِّكاحَ لامْرَأَةٍ بالِغَةٍ مُحْتاجَةٍ إليه. وقولُهم: يُزَوِّجُها الحاكِمُ. لا يَصِحُّ؛ فإِنَّ الحاكِمَ لا يزوِّجُ إِلَّا عندَ عَدَمِ الوَلِىِّ، أو غَيْبَتِه، أو عَضْلِه، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا زَوَّجَها فالمَهْرُ له؛ لأَنَّه بمَنْزِلَةِ كَسْبِها، وكسْبُها له. وإذا عَتَقَتْ بمَوْتِه، فإن كان زَوْجُها عبدًا، فلها الخيارُ؛ لأنَّها (٣) عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وإِنْ كان حُرًّا، فلا خِيارَ لها.
٢٠٢٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا)
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه عليه الحَدُّ؛ لأَنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ (١). ولأنَّ قَذْفَها قذفٌ لوَلَدِها الحُرِّ، وفيها مَعْنًى يمنَعُ بَيْعَها، فأشْبَهَت الحُرَّةَ. والأَوّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّها أَمَةٌ، حُكْمُها حكمُ الإِماءِ، فى أكثر أَحْكامِها، ففى الحَدِّ أوْلَى؛ لأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ويُحْتاطُ لإِسْقاطِها، ولأنَّها أَمَةٌ تعْتِقُ
стр. 7954
بالموتِ، أشْبَهَت المُدَبَّرَةِ، وتُفارِقُ الحُرَّةَ، فإنَّها كامِلَةٌ.
فصل: ولا يَجِبُ القصاصُ على الحُرَّةِ بقَتْلِها؛ لعدَمِ المُكافَأَةِ. وإِنْ كان القاتِلُ لها رَقِيقًا، وجَبَ القِصاصُ عليه؛ لأنَّها أكْمَلُ منه. وإِنْ جَنَتْ على عبدٍ أو أَمَةٍ، جنايَةً فيها القِصاصُ، لَزِمَها القِصاصُ؛ لأنَّها أَمَةٌ، أحْكامُها أحْكامُ الإِماءِ، واسْتِحْقاقُها العِتْقَ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالمُدَبَّرَةِ.
٢٠٢٦ - مسألة؛ قال: (وإِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، كُرِهَ لَهَا ذلِكَ، وأَجْزأَهَا)
إنَّما كُرِهَ لها كَشْفُ رَأْسِها فى صلاتِها؛ لأنَّها قدأخَذَتْ شَبَهًا من الحَرائِرِ، لامْتِناعِ بَيْعِها. وقد سُئِلَ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن أُمِّ الولدِ كيف تُصَلِّى؟ قال: تُغَطِّى رَأْسَها وقَدَمَيْها؛ لأنَّها لا تُباعُ. وكان الحسنُ يُحِبُّ للأَمَةِ إذا [عَهِدَها سَيِّدُها -يعنى وَطِئَها] (١) - أَنْ لا تُصَلِّىَ إِلَّا مُجْتَمِعَةً. وإِنْ صَلَّتْ مكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، أَجْزَأَها؛ لأنَّها أمَةٌ، حكمُها حكمُ (٢) الإِماءِ. قال إبراهيمُ: تُصَلِّى أُمُّ الولدِ بغيرِ قِناعِ، وإِنْ كانَتْ بنتَ سِتِّينَ سَنَةً. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رِوايةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَوْرَتَها عَوْرَةُ الحُرَّةِ. وذكرنا ذلك فى كتابِ الصَّلاةِ (٣). والصحيحُ أنّ حُكْمَها حكمُ الإِماءِ، وإنَّما خالَفَتْهُنَّ فى اسْتِحْقاقِها للعِتْقِ، وامْتِناعِ نَقْلِ المِلْكِ فيها، وهذا لا يوجِبُ تغَيُّرَ الحكمِ فى عَوْرَتِها، كالمُدَبَّرَةِ، ولأنَّ الأَصْلَ بقاءُ حُكْمِها فى إباحَةِ كشفِ رَأْسِها، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُ عنه مِن نَصٍّ، ولا ما فى مَعْناه، فيَبْقَى الحكمُ على ما كان عليه.
٢٠٢٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَتلَتْ أمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا، فعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا)
وجملتُه أَنَّ أُمَّ الولدِ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَها، عَتَقَتْ؛ لأنَّها لا يُمْكِنُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، وقد زالَ مِلْكُ سَيِّدِها بقَتْلِه، فصارَتْ حُرَّةً، كما لو قَتَلَه غيرُها، وعليها قِيمَةُ نَفْسِها، إِنْ لم يجبِ
стр. 7955
القِصاصُ عليها. وهذا قولُ أبى يوسفَ. وقال الشافِعِىُّ: عليها الدِّيَةُ؛ لأنَّها تَصِيرُ حُرَّةً. وكذلك (١) لَزِمَها مُوجَبُ جِنايَتِها، والواجِبُ على الحُرِّ بقَتلِ الحُرِّ دِيَتُه (٢). ولَنا، أنَّها جِنايَةٌ من أُمِّ ولدٍ، فلم يَجِبْ بها أكثرُ مِن قِيمَتِها، كما لو جَنَتْ على أَجْنَبِىٍّ، ولأنَّ اعْتبارَ الجِنايَةِ فى حَقِّ الجانِى بحالِ الجِنايَةِ، بدليلِ ما لو جَنَى على عَبْدٍ فأَعْتَقَه سَيِّدُه، وهى فى حالِ الجنايَةِ أَمَهٌّ، فإنَّها إنَّما عَتَقَتْ بالموتِ الحاصِلِ بالجنايَةِ، فيكونُ عليها فِداءُ نَفْسِها بقِيمَتِها، كما يَفْدِيها سَيِّدُها إذا قَتَلَت غيرَه، ولأنَّها ناقِصَةٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَتِ القِنَّ، وتُفارِقُ الحُرَّ، فإنَّه جَنَى وهو كامِلٌ، وإنَّما تعَلَّقَ مُوجَبُ الجنايَةِ بها؛ لأنَّها فوَّتَتْ رِقَّها بقَتْلِها لسَيِّدِها، فأشْبَهَ ما لو فَوَّتَ المُكاتَبُ الجانِى رِقَّه بأدائِه. وأما إِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَها عَمْدًا، ولم يكُنْ [له منها] (٣) ولَدٌ، فعليها القِصاصُ لورَثَةِ سَيِّدِها، وإِنْ كان له منها وَلدٌ، وهو الوارثُ وَحْدَه، فلا قصاصَ عليها، لأَنَّها لو وجَبَ، لَوَجَبَ لولدِها، ولا يجبُ للولَدِ على أُمِّهِ قِصاصٌ. وقد توقَّفَ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن هذه المَسْأَلَةِ، فى رِوايَةِ مُهَنَّا، وقال: دَعْنا مِن هذه المسائِلِ. وقِياسُ مَذْهَبه ما ذَكَرْناه. وإِنْ كان لها منه ولَدٌ، وله أولادٌ من غيرِها، لم يجِبِ القصاصُ أيضًا؛ لأنَّ حَقَّ ولدِها من القصاصِ يسْقُطُ، فيسْقُطُ كلُّه. وقد نَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يقْتُلُها أولادُه مِن غيرِها. وهذه الرِّوايَةِ تُخالِفُ أُصولَ مذهبِه. والصَّحِيحُ أنَّه لا قِصاصَ عليها، ويجبُ عليها فِداءُ نَفْسِها بقِيمَتِها، كما لو عَفَا بعضُ مُسْتَحِقِّى القِصاصِ عن حَقِّه منه، واللَّهُ أَعْلَم. [والْحَمْدُ للَّه وَحْدَهُ] (٤).
قال الشيخُ المُصَنِّفُ لهذا الكتابِ، [أحْسَنَ اللَّه جَزاءَه] (٥)، ونفَعنا به، وأجْزَلَ ثَوابَه، ورزَقَه الفِرْدَوْسَ الأعْلَى، بمَنِّه وكَرَمِه، وجَمَعنَا وإيَّاه فى دارِ كَرامتِه: هذا آخِرُ الكتابِ، والحمدُ للَّهِ العزيزِ الوَهَّابِ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٦).