← Адаб

Адаб · id 6911

عيار الشعر

أبو الحسن ابن طباطبا

Полный текст (215 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكقولِ الشَّمَّاخ: (إِذا مَا الَّليْلُ الصُّبْحُ فِيهِ ... أشَقَّ كَمَفْرِقِ الرَّأسِ الدَّهِينِ) وكقولِ عَبيد بن الأبْرَص: (يَا مَنْ لبَرْقٍ أبِيتُ الّليلَ أرْقُبهُ ... فِي عَارِضٍ كَمُضِيء الصُّبْحِ لَمَّاحِ) وكقولِ زُهير: (زَجَرْتُ عَلَيْهَا حُرَّةً أرْحَبِيَّةً ... وَقدْ صَارَ لونُ الليلِ مثلَ الأرَنْدَجِ) وكقولِ امريء القَيْس: (وليلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُ ... عَليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلي)

стр. 37

وكَقَولِ بِشْر: (كأنَّ سَنَا قَوَانِسِهِمْ ضِرَامُ ... مَرَتْهُ الرَّيحُ فِي أعلىَ يَفَاعِ) وكَقَولِ كَعْب بن زُهَير: (ولَيْلَةِ مُشْتْاقٍ كأنَّ نجومَهَا ... تَفَرَّقْنَ مِنْهَا فِي طَيَالِسَةٍ خُضْرِ) وكقولِ ابْن هَرْمة: (ولَيلٍ كسِربَالِ الغُرابِ ادَّرَعُتُهُ ... إِلَيْك كَمَا احْتَثَّ اليمامةَ أجُدَلُ)

стр. 38

وكقولِ ذِي الرُّمَّةِ: (وَقَدْ لاحَ للسَّارِي الَّذِي كَمَّلَ السُّرَى ... عَلَى أَخْرَياتِ اللَّيل فَتقُ مُشَهَّرُ) (كَلَونِ الحِصَانِ الأنْبطِ البَطنِ قائِماً ... تَمَايَلَ عَنْهُ الجُلُّ واللَّوْنُ أشْقَرُ) وَكَقَوْلِه: (إلىَ أنْ يَشُقَّ اللَّيلَ وَرْدُ كأنَّهُ ... وَرَاءَ الدُّجَى هَادٍ أغَرَّ جوَادِ) وَأما تشبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صَوتا فكَقَولِ الشَّمَّاخ: (أُجُدُ كأنّ صَرِيفَها بسَدِيسهَا ... فِي البيدِ جانحةً صَرِيرُ الأخْطَبِ)

стр. 39

وكَقولِ الرَّعي: (كَأَن دَوِيَّ النَّحْلِ تَحتَ ثِيابَها ... حَصَادُ السَّفا لاقَى الرَّياحَ الزَّعَازِعَا) وكقولِ الشَّمَّاخِ: (كأنّ نَهِيتَهُنَّ بِكُلَّ فَجًّ ... إِذا ارتَحَلوُا، تأوُّهُ نائِحَاتِ) وكقولهِ: (إِذا أنْبَضَ الرَّامُوُنَ عَنْها تَرَنَّمتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْهَا الجَنَائزُ) وكقولِ الأعشىَ: (تَسمعُ للحَلْي وَسْواساً إِذا انصَرَفَتْ ... كَمَا استَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِقُ زَجِلُ) وأمَّا الابتدَاءُ بِمَا يُحِسُّ السَّامِعُ بِمَا يَنْقَادُ إليهِ القَولُ فِيهِ قَبلَ اسْتِتْمامِهِ فكقولِ النَّابِغَةِ:

стр. 40

(إِذا مَا غَزَوْا بالجَيشِ حَلَّق فَوقَهْمْ ... عَصَائبُ طَيرٍ تَهْتَدِي بعَصَائِبِ) فَقَدَّم فِي هَذَا البَيْتِ مَعْنَى مَا يُحَلَّقُ الطّيرُ من أجْلِهِ ثمَّ أوضَحَهُ بقَولِهِ: (يُصاَحِبنَهُمْ حَتَّى يُغْرنَ مَغَارَهُمْ ... من الضَّارياتِ بالدماءِ الدَّواربِ) (تَرَاهُنَ خَلْفَ القَومِ زُوراً كأنَهَا ... جُلوسُ الشُّيوخِ فِي مُسُوكِ الأرَانبِ) (جَوَانِحَ قد أيقَنَّ أنَّ قَبيلَهُ ... إِذا مَا التَقَى الجَمَعانِ أولُ غَالِبِ) (لهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةُ قد عَرَفْنَهَا ... إذَا عَرَّضُوا الخَطَّيَّ [فَوْقَ] الكواثِبِ)

стр. 41

وكقولِ الآخر: (لَعَمْرُك مَا النَّاسُ أثْنَوْا عَليَكَ ... وَلَا مَدَحُوكَ وَلَا عَظَّمُوا) (ولَو أنهُمْ وَجَدُوا مَسْلكاً ... إِلَى أنْ يَعِيبُوكَ مَا أحْجَمْوا) فَقَدَّم مَعْنَى مَا سَاقَ إِلَيْهِ الابتَداءَ فَقَالَ فِي إتمامِهِ: (ولكنْ صَبَرْتَ لِماَ ألزَمُوكَ ... وجَدْتَ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُ) (فأنْتَ بِفَضْلكَ ألجَأتَهُمْ ... إِلَى أنْ يَقُولوا وأنْ يُعْظِمُوا) وأمَّا التَّعريضُ الَّذِي يَنُوبُ عَن التَّصْريحِ، والاخْتِصارُ الَّذِي يَنُوبُ عَن الإطَالَةِ فكَقَولِ عَمْرو بن مَعْدِ يكرب. (فَلَوْ أنَّ قَوْمي أنْطَقَتنْي رِمَاحُهُمْ ... نَطَقْتُ، ولكنَّ الرَّمَاحَ أجَرَّتِ!) أَي: لَو أنَّ قومِي اعَتَنْوا فِي القِتَالِ وَصَدقُوا المصَاعَ، وطَعَنُوا أعداءهُمْ برماحِهِمْ فأنْطَقَتْني بِمَدْحِهم، وذِكّرِ حُسْنِ بلائهم:

стр. 42

( ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . ... نَطَقْتُ، ولكنَّ الرَّمَاحَ أجَرَّتِ!) أَي: شَقَّتْ لساني كَمَا يُجَرُّ لسانُ الفَصِيِل؛ يُرِيدُ: أسكَتَتْني. وكَقَولِ الآخرِ فِي مَعْناهُ: (بَنِي عَمَّنا لَا تَذْكروا الشَّعْرَ بَعْدَمَا ... دَفَنْتُمْ بِصَحْراءِ الغُمَيرِ القَوَافِيَا) وكقولِ قيس بن خويلد فِي ضِدَّه: (وَكُنَّا أنَاساً أنطَقَتَنا سُيُوفَنا ... لنا فِي لقَاءِ القَوم حدُّ وكوكبُ) وكَقَولِ الآخر: (لعَمْري لنِعْمَ الحَيُّ حَيُّ بني كَعْبِ ... إِذا نَزَلَ الخَلْخَالُ منزلةَ القُلْبِ) يَقُول: إِذا ريعَتْ صاحبةُ الخَلخَال فأبدَتْ سَاقَهَا، وشَمَّرَتْ للهَرَب - والقٌ لبُ: السَّوارُ وتُبديه المرأةُ وتخفي الخَلْخَالَ إِذا لَبِسَتْهُمَا.

стр. 43

وَقد قيلَ فِي مَعْنَى هَذَا البَيْتِ أَيْضا أنَّ الْمَرْأَة إِذا رِيعَتْ لَبِسَتِ الخَلْخَالَ فِي يَدِهَا دَهَشاً. وكقَولِ حُمَيْد بن ثَوْر: (أرَى بَصَري قَدْ رَابَني بعد صِحَّةٍ ... وحَسُبكَ دَاء أَن تَصِحَّ وتَسْلَمَا) وكقولِ لَبِيد: (تَمنَّى ابْنَتَايَ أنْ يَعِيشَ أبوهُمَا ... وهَل أَنا إلَاّ من رَبِيعَةَ أوْ مُضَرْ؟ !) وَمِنَ الاخْتصَار قَولُ لَبيد: (وَبَنو الدَيانِ أعدَاءُ لِلَا ... وعَلَى ألْسُنِهمْ ذَلَّتْ نَعَمْ) (زيَّنَتْ أحسَابُهُمْ أنسَابَهُمْ ... وكذاكَ الحِلمُ زَيْنُ للكَرَمْ)

стр. 44

ومنَ المَدْحِ البَليِغِ المُوجَز قَوْلُ امريء القَيْسِ: (وتَعْرفُ فِيهِ مِنَ أبيهِ شَمَائلاً ... ومِنْ خَالِهِ ومِنَ يَزِيدَ ومنْ حُجُرْ) (سَمَاحةَ ذَا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفَاء ذَا ... ونَائلَ ذَا؛ إِذا صَحَا وَإِذا سَكِرْ) وكَقَولِ مُحَمَّد بن بَشِير الخَارِجَّي: (يَا أيُهَا المُتَمنَّي أَن تَكونَ فَتىً ... مِثلَ ابنِ زَيدٍ لَقَدْ خَلَّى لكَ السُّبُلا)

стр. 45

(أعْدُدْ نَظَائِرَ أخلاقٍ عُدِدْنَ لَهُ ... هَلْ سَبَّ من أحدٍ أَو سُبَّ أَو بَخِلَا) وكقولِ الآخر: (عَلَّم الغيثَ النَّدى حَتَّى إِذا ... مَا حَكَاهُ عَلَّمَ البأسَ الأسَد) (فَلَهُ الغَيْثُ مُقِرُّ بالنَّدَى ... وَله اللَّيثُ مُقِرُّ بالجَلَدْ) وكقولِ الآخر: (يَا مَن يؤمَّل أنْ تكونَ خِصَالُهُ ... كخِصَالِ عبد الله: أنصِتْ واسْمَعِ) (فَلَا نَصَحْتُكَ فِي المَشُورةِ وَالَّذِي ... حَجَّ الحَجيجُ إِلَيْهِ فاقْبَلْ أودَعِ) (اصدُقْ وعِفَّ وبرَّوا صْبِر واحتَمِلْ ... واحلمْ وكُفَّ ودَارِ واسْمحْ واشْجَعِ)

стр. 46

وكقولِ الآخر: (شَبَهُ الغَيثِ فِيهِ والليثِ والبَدْرِ ... فَسَمْحُ ومِحْرَبُ وجَميِلُ) فهذهِ أمثلةُ لأنواعِ التَّشْبيهاتِ الَّتِي وَعَدْناَ شرحَهَا، [و] فِي كتاب " تَهذيبِ الطَّبْعِ " مَا يَسُدُّ الخَلَلَ الَّذِي فِيهَا وَيَأْتِي علىَ مَا أغْفَلْنا وَصْفَهُ، والاستِشهادَ بِهِ مِنْ هَذَا الفَنَّ إنْ شَاءَ اللهُ تَعالى. ١٠ - (سننُ العَرَب وتَقَاليدُها) ونَذْكرُ الآنَ أَمْثِلَة للأشعارِ المُحْكمةِ الوصفِ، المُسْتْوفاةِ المَعَاني، السَّلسِلةِ الألفاظِ، الحَسَنَةِ الدَّيباجةِ، وأمثِلةً لأضدَادهَا، ونُنَبَّهُ على الخَللِ الَواقعِ فِيهَا، ونَذْكُرُ الأبيات الَّتِي زَادَتْ قَريحةَ قَائِلهَا فِيهَا على عُقولِهم، والأبياتَ الَّتِي أغرَقَ قائِلوهَا فِيمَا ضمنوها من الْمعَانِي، والأبياتَ الَّتِي قَصَّروا فِيهَا عَن الغَايَاتِ الَّتِي جروا إِلَيْهَا فِي الفُنُونِ الَّتِي وَصَفًوها، والقَوافي القَلقَةِ فِي مَوَاضِعها، والقَوافي المتمكنة فِي مواقعها، والألفاظ المُسْتَكْرَهَة النَّافِرَة الشَّائِنَة للمعَاني الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا، والمَعَاني المُسْتَرْذَلّة الشَّائِنَة للألْفَاظ المَشْغُولة بهَا، والأبْيَات الرَّائِقَة سَمَاعاً الوَاهِيَة تَحْصِيلاً، والأبْيَات القَبِيحَة نَسْجا وَعبارَة العَجيبةِ معنى وَحِكْمَة وإصابةً، وأمثلةً لسَنَنِ العَرَب المستعملة

стр. 47

بَينهَا الَّتِي لَا تُفْهَم مَعَانيها إلَاّ سَمَاعا؛ كإمْسَاكِ العَرَب عَن بكاءِ قَتْلاها حَتَّى تَطْلُبَ بثَأرِهَا، فَإِذا أدركَتْهُ بَكَتْ حينئذٍ قَتْلاها، وَفِي هَذَا المَعْنى [يَقُول الشَّاعر] . (من كانَ مَسْروراً بمقتل مَالكٍ ... فَلْيأتِ نِسْوَتَنَا بَوْجهِ نَهارِ) (يَجِدِ النِّسَاء حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ ... يَلْطمنَ أوجُهَهُنَّ بالأسْحَارِ) (قد كُنَّ يَكْنُنَّ الوُجُوهَ تَسَتُّراً ... فَالْآن حِين بَرَزْنَ للنُّظّارِ)

стр. 48

يَقُول: من كانَ مَسْروراً بمَقْتَل مَالِكٍ فليَسْتَدلَّ ببُكاءِ نسَائِنا ونَدْبِهِنَّ إياهُ على أنَّا قد أخّذْنا بثَأرِنَا، وقَتَلْنَا قاتِلَهُ. وَكَكَيِّهم، إذَا أصَابَ العُرُّ والجَرَبُ، السِّلِيمَ مِنْهَا ليذهَبَ العُرُّ عَن السَّقيم، وَفِي ذَلِك يقولُ النَّابِغَةُ مُتَمثُلاً. (لكفلتَني ذنبَ امريءٍ وتركْتَهُ ... كَذِي العُرِّ يُكوَى غَيرُهُ وَهُوَ رَاتِعُ) وكحُكْمِهِمْ إذَا أحَبَّ الرجلُ مِنْهُم امْرَأَة وأحَبَّتْهُ فَلَمْ يَشُقَّ برقُعَهَا وتشقَّ هِيَ رداءهُ أنَّ حُبَّهُمَا يَفْسُدُ، وَإِذا فَعَلاهُ دَامَ أمْرُهُمَا، وَفِي ذَلِك يقولُ عَبْدُ بني الحَسْحاس. (فكَمْ قد شَقَقْنا من ردَاءٍ مُحَبَّرٍ ... وَمن بُرْقُعٍ عَن طَفْلَةٍ غيرِ عَانِسِ (إِذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْدِ مثلُهُ ... دَوَالَيْكَ، حَتَّى كُلَّنَا غيرُ لَا بِسِ

стр. 49

وكتعليقِهِمُ الحَلْيَ والجَلاجِلَ على السَّليم ليُفِيقَ، وَفِي ذَلِك يَقُولُ النَّابغة: (يُسَهَّدَ من لَيْلِ التِّمام سَليمُهَا ... لِحَلْيِ النِّسَاء فِي يَدَيْه قَعَاقِعُ) ويقولُ رَجُلٌ من عُذْرة: (كأنِّي سَليمٌ نَالَهُ كَلْمُ حَيةٍ ... تُرَى حَوْلَهُ حَلْيُ النِّساءِ مُوَضَّعَا) وكَفَقْئِهم عَيْنَ الفَحْل إذَا بَلَغَت إِبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً، فإنْ زَادَتْ على أَلْفٍ فَقَأُوا العَيْنَ الأُخْرَى؛ يَقُولُونَ؛ إنَّ ذَلِكَ يَدْفَعُ عَنْهَا الغَارَةَ والعَيْنَ. وَفِي ذَلِك يَقُولُ قَائلُهُمْ؛ يَشْكُر رَبَّهُ على مَا وَهَب لَهُ: (وَهَبْتَها وأَنَتَ ذُو امْتِنَانِ ... ) (تُفْقَأُ فِيهَا أَعْيُنُ البُعرانِ ... )

стр. 50

وَقَالَ بعضُ العَربَ ممَّنْ أدرَكَ الإِسلام يذكُرُ أفعالَهُمْ (وكانَ شُكْرُ القَوْم عِندَ المِنَنِ ... ) (كيَّ الصَّحِيحَات وفَقْأَ الأَعْيُنِ ... ) وكَسَقْيهمُ العَاشقَ الماءَ على خَرزةٍ تُسمَى السُّلوان فَيَسْلو، فَفِي ذَلِك يَقُول الْقَائِل. (يَا لَيْتَ أنَّ لِقَلْبِي مَنْ يُعلَّلُهُ ... أَو سَاقِياً فسَقَاهُ اليومَ سُلْوانَا) وَقَالَ آخر: (شَرِبْتُ على سُلْوانةٍ ماءَ مُزْنةٍ ... فَلَا وجَديدِ العَيْشِ يَا مَيُّ مَا أسْلُو) وكإيقَادِهمٍ خَلْفَ المُسَافِرِ الَّذِي لَا يُحِبُّون رُجُوعَهُ نَاراً ويَقُولونَ: أَبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ، وأوْقَدَ نَاراً إثْرَهُ. وَفِي ذَلِك يَقُولُ شَاعِرُهُمْ: (وذمَّةِ أقوامٍ حَمَلْتَ وَلم تَكُنْ ... لتوقِدَ نَارا إثَرَهُمْ للتَّنَدُّمِ)

стр. 51

وكضَرْبِهمُ الثَّوْرَ إذَا امتَنَعتِ البَقَرُ من المَاءِ ﴿يَقُولُونَ: إنَّ الجنَّ تركَبُ الثيرانَ فَتَصُدُّ البَقَرَ عَن الشُّرْبِ﴾ قَالَ الأَعْشَى. (فَأَنِّي وَمَا كَلّفتموني وربِّكم ... لِيَعْلَمَ من أمْسىَ أعَقَّ وأحْوَباَ) (لكالثَّورِ والجِنَّيُّ يركَبُ ظَهْرَهُ ... وَمَا ذَنْبُهُ أنْ عافَتِ الماءَ مَشْرَبَا) (وَمَا ذَنْبُهُ أنْ عافَتِ الماءَ باقِرٌ ... وَمَا إنْ تَعَافُ الماءَ إلَاّ ليُضْرَبا) وَقَالَ نَهْشَل بن حَرِّي:

стр. 52

(أتُتْرَكُ عَامِرٌ وَبَنُو عَدِيٍّ ... وتَغْرَم دَارِمٌ وهُمُ بَراءُ؟ !) (كذاكَ الثَّوْرُ يُضْرَبُ بالهَرَاوَى ... إذَا مَا عَافَتِ البَقَرُ الظْماءُ) وكزَعْمهم أنّ المِقْلاتَ - وَهِي الَّتِي لَا يَبْقَى لَهَا وَلَدٌ - إِذا وَطئتْ قَتيلاً شَريفاً بَقِي وَلَدُهَا وَفِي ذَلِك يَقُولُ الْقَائِل: (تَظَلٌّ مَقَاليتُ النِّسَاءِ يَطَأنَهُ ... يَقُلْنَ: ألَا يُلْقَى على المَرْءِ مِيَزرُ؟) وَقَالَ الكميتُ بن زيد: (وتظلَّ المُرزَّآت المقاليتُ ... يُطِلْنَ القعودَ بَعْدَ القِيَام) وإِنَّما تفعل النِّسَاء ذَلِك بالشَّريف إِذَا كانَ مَقْتولاً غَدْراً أوْ قُوَّةً.

стр. 53

وكزَعْمِهمْ أنّ الرَّجُلَ إِذا خَدَرتْ رِجْلُه فَذكر أحَبَّ النَّاس إِلَيْهِ ذَهَب عَنهُ الخَدَرُ، وَقَالَ كُثِّير: (إذَا خَدِرَتْ رِجْلي ذكَرْتُكِ أشْتَفِي ... بدَعْوَاكِ من مَذْلٍ بهَا فَيَهُون) وقَاَلتِ امْرَأَة من بني أبي بَكْرِ بكر بن كلاب. (إِذا خَدِرَتْ رِجْلي ذَكَرْتُ ابنَ مُصعْبَ ... فإنْ قلتُ: عبد الله أَجْلَى فُتورَهَا) وقالَ آخر] : (صَبٌّ مُحِبّ إِذَا مَا رِجْلُهُ خَدِرَتْ ... نادَى كُبَيْسَةَ حَتَّى يذْهَبَ الخَدَرُ)

стр. 54

وكَحَذْفِ الصَّبِّي مِنْهُم [سِنَّهُ] ، إِذَا سَقَطَتْ، فِي عَيْن الشِّمس وقولهِ: أبْدليني بهَا أَحْسَنَ مِنْهَا، ولْيَجْرِ فِي ظلَمِهَا إياتُكِ. وزَعَمَ العَرَبُ أَن الصَّبِيَّ إِذَا فَعَل ذَلِك لم تَنْبُت أسنانُهُ عُوجاً وَلَا ثُعْلاً! وقَالَ طَرَفَةُ بن العَبَدْ فِي ذَلِك: (بدَّلَتْهُ الشَّمْسُ من مَنْبِتهِ ... بَرَداً أبْيَضَ مَصْقُولَ الأشَرْ) وَقَالَ أَيْضا: (سقَتَهُ إياةُ الشمسِ إِلَاّ لِثَاتِهٍ ... أَسِفَّ وَلم تكْدِمْ عليهِ بإثْمِدِ) وَقَالَ أَبُو دُؤاد:

стр. 55

( ... ... ... ... ... ... . ... ألْقى عليهِ إيَاةُ الشَّمس أروْاقاً] ) وكزَعْمِهِمْ أنَّ المَهْقُوعَ - وَهُوَ الفَرسُ الَّذِي بِهِ هَقْعَةٌ؛ وَهِي دائرةٌ تكون بالفَرَس، فَيُقَال فَرَسٌ مَهْقُوع - إِذا ركبَهُ رَجُلٌ فَعَرِقَ الفرسُ اغْتَلَمتِ امرأتُهُ وطَمَحَتْ إِلَى غير بَعْلها! وَقَالَ بعضُ العَرَب لصَاحِبِ فَرَسٍ مَهْقوع: (إِذا عَرِق المَهْقُوعُ بالمَرْءِ أنْعَظَتُ ... حَلِيلَتُهُ وازْدَادَ حَرًّا عِجَانُهَا)

стр. 56

فأجَابَهُ: (وَقد يركَبُ المَهْقُوع من لستَ مثلَهُ ... وَقد يركَبُ المَهْقُوعَ زَوْجُ حَصَانِ) وكَعقْدِهمُ السَّلَعَ والعُشَر فِي أَذنابِ الثِّيرانِ، وإضرْامِهِمُ النِّيرانَ فِيهَا وإصْعَادِهِم إِيَّاهَا على تِلْكَ الحَالةِ فِي جَبَلٍ؛ يَسْتَسْقون بذلك، ويَدْعُون الله، وَهَذَا إِذا حَبَسَتِ السَّماءُ قَطْرَهَا. وَفِي ذَلِك يَقُول أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْت: (سَنَةٌ أزْمَةٌ تَخَيَّلُ بالنَّاسِ ... تَرَى للعِضَاةِ فِيهَا صَرِيرَا) (لَا على كَوْكَبٍ تنوءُ وَلَا رِيحِ ... جَنُوبٍ وَلَا تَرَى طُحرورَا) (وَيَسُوقونَ بَاقِرَ السَّهلِ للطَّودِ ... مَهَازِيلَ خَشْيةً أنْ تَبُورَا) (سَلَعٌ مَا ومِثْلُهُ عُشَرٌ مَا ... عَائِلٌ مَا وعَالَتِ البَيْقُورَا)

стр. 57

أيْ: أُثْقِلَت البَقَرُ بِمَا حُمِّلَتْ من السَلَعِ والعُشَر. وَفي هَذَا المَعْنَى للوَرلِ الطَائِيِّ: (لَا دَرَّ دَرُّ رجَالٍ خَابَ سَعْيُهمُ ... يَسْتَمطِرُون لَدَي الأزْمات بالعُشَرِ) (أجاعِلٌ أنتَ بَيْقوراً مُسَلَّعَةً ... ذَرِيعةً لَك بَين اللهِ والمَطَرِ) وكَزَعْمِهم أنَّ من وُلِدَ فِي القَمَرِ رجَعَتْ قُلْفَتُهُ إِلَى وراءَ فَكَانَ كالمَختُونِ. ودَخَل امرؤُ القَيْس مَعَ قَيْصر الحَمَّامَ، فرآهُ أقْلَفَ فَقَالَ فِيهِ:

стр. 58

(إِنِّي حَلَفْتُ يَمِينا غير كَاذِبةٍ ... أَنَّك أقْلَفُ إلاّ مَا جَنَى القَمَرُ) (إِذا طَعَنْتَ بهِ مَالَتْ عِمَامَتُهُ ... كَمَا تَجَمَّعَ تحتَ الفِلكَةِ الوَبُر) وكَعَقْدِهِمْ خَيْطاً، يُسَمّونَهُ الرَّتَمَ، فِي غُصْنِ شَجَرةٍ أَو سَاقِهَا إِذا سَافَرَ أحَدُهُمْ، وتَفَقّدِ ذَلِك الخَيْط عِنْد رُجوعِ المُسافِر مِنْهُم، فَإِذا وَجَدهُ على حَالِهِ قَضَى بأنَّ أَهْلَهُ لم تَخُنْهُ، وإنْ رآهُ قد حُلَّ حكمَ بِأَنَّهَا قد خانَتْهُ وأَنْشِدَ فِي هَذَا المَعْنَى: (هَلْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهَمّ ... ) (كَثَرةُ مَا تُوصِي وتَعْقَادُ الرَّتَمْ ... ) وَفِي مَعْناهُ أَيْضا: (خَانَتْهُ لمَّا رأتْ شَيْباً بَمفْرقِهِ ... وغَرَّهُ حَلْفُها والعَقْدُ والرَّتَمُ) وَقَالَ الرَّاجزُ:

стр. 59

(بِهِ مِنَ الهَوَى لَمَمْ ... ) (وَهمَّهُ عَقْدُ الرَّتَمْ ... ) وكزَعْمِهم أنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ قَريةٍ، فَخَافَ وَبَاءهَا، فوَقَفَ على بَابِهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها فَعَشَّر كَمَا يَنْهِقُ ثمَّ دَخَلَهَا لم يُصِبْهُ وَبَاؤهَا: وقَالَ عُرْوَةُ بن الوَرْد فِي ذَلِك - وكانَ خَرَجَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ إِلَى خَيْبَر يَمْتَارُونَ مِنْهَا فَخَافُوا وباءهَا فَعَشَّروا، وأبَى عُروَةُ أنْ يَفْعَلَ، فَلمَّا دَخلُوهَا، وامْتَارُوا، وانْصَرَفُوا إِلَى بلادِهِمْ لم يَبْلُغُوا مكانَهُمْ إلَاّ وعَامَّتُهُمْ مَرِيضٌ أوْ مَيِّتٌ إِلَّا عُرْوَةٌ، فَقَالَ: (لَعَمْري لَئِن عَشَّرْتُ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... نهاق الحَمير إنَّني لجَزُوعُ) (فَلَا وَألَتْ تِلْكَ النُّفُوسُ وَلَا أتَتْ ... على رَوْضَةِ الأجْدادِ وَهِي جَميعُ)

стр. 60

وكزَعْمِهم أنَّ من عَلّقَ على نَفْسِهِ كَعْبَ أرْنَبٍ لم تَقْرَبْهُ الجِنُّ. وَفِي ذَلِك يَقُول الشَّاعِرُ: (وَلَا يَنْفَعُ التَّعْشِيرُ إنْ حُمَّ واقِعٌ ... وَلَا دَعْدَعٌ يُغْني وَلَا كَعْبُ أرْنَبِ) [قَالَ ابنُ الأعْرابي: قلتُ لزيد بن كَثْوة] (أَحَقٌ مَا يَقُولُونَ: إنَّ) مَنْ عَلَّق على نَفْسِه كَعْبَ أرْنَبِ لم تَقْربْهُ جِنَّان الحيّ، وعُمَّار الدَّار؟ ، فَقَالَ: أَي واللهِ، وشَيْطانُ الحَماطِة، وجَانُّ العُشَرَةِ، وغولُ القَفْر وكلُّ الخَوَافي. إِي وَالله! وتُطْفَأُ عَنهُ

стр. 61

نيرانُ السَّعَالي وتَبُوخ. وكزَعْمِهمْ إِذَا أرادَتْ جِنيّةٌ صَبِيَّ قَوْمٍ فَلم تَقْدِرْ عَلَيْهِ لما عَلَيْهِ من سِنِّ ثَعْلبٍ أَو سِنِّ هِرَّةٍ، وأشبَاهِ ذَلِك، فلمَّا رجَعَتْ إِلَى صَوَاحِبَاتِهَا قُلْن لَهَا فِي ذَلِك، فَقَالَت: (كانَتْ عَلَيْهِ نُفَرَةْ ... ) (ثَعَالبٌ وهِرَرَةْ ... ) (والحَيْضُ حَيْضُ السَّمُرَةْ ... ) وحَيْضُ السَّمُرَة: شَيْءٌ يَسِيلُ فِي حُمْرة دَمٍ الغَزَال، فَإِذا يَبِسَ كانَ أسْوَدَ فَإِذا دِيفَ بالماءِ عَادَ أحْمَرَ مَا كَانَ ذَلِك يُزَايلُ صِبيانَهُمْ [؟] ، حِين تَلِدُ المرأةُ تَخُطُّ بِهِ وَجهَ الصَّبيِّ ورأسَهُ، ويُنْقَطُ بِهِ وَجْهُ أمِّه؛ تُسَمِّيه نُقْطَةَ الماءِ. واسْمُ هَذَا الخَطِّ الدُّوَدِمُ] .

стр. 62

فَهَذهِ الأبْيَاتُ لَا تُفْهَمُ مَعَانيهَا إِلَّا سَماعاً. ورُبَّما كانَتْ لَهَا نَظَائرُ فِي أشعْارِ المُحْدثينَ من وَصْفِ أشْيَاءَ تَعْرضُ فِي حَالاتٍ غامِضَةٍ؛ إِذَا لم تَكُن المعرفَةُ بهَا مُتَقَدِّمةً عَسُرَ اسِتنْبَاطُ مَعَانيها، واسْتُبْرِدَ المَسْمُوعُ مِنْهَا كَقَوْلِ أبي تَمام: (تِسْعُون ألفا كأسادِ الشَّرى نَضِجَتْ ... أعْمَارُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التِّين والعِنَبِ وكَانَ القومُ الَّذين وَصفَهُمْ يَتَواعَدوُن الجَيْشَ الَّذِي كَانَ بإزائِهم بالقتالِ، وأنّ مِيعادَ فَنَائِهم وَقْتُ نُضْجِ التِّين والعِنَبِ - وَكَانَت مدةُ ذَلِك قريبَة فِي ذَلِك الوَقْت - فَلَمَّا ظُفِرَ بهم حَكَى الطَّائيُّ قولَهُمْ على جِهَةِ التَّقريعِ والشَّماتة. وَلَوْلَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنى لكانَ مَا أوردَه من أبْرَدِ الكَلام وأغَثِّهِ. على أنَّ قَوْله: ( ... ... ... ... ... ... ... . . نَضِجَتْ ... أعْمَارُهُمْ ... ... ... ... ... ...) (لَيْسَ بمُسْتَحْسَنٍ وَلَا مَقْبُولٍ ...

стр. 63

(الأبياتُ المُسْتكرهةُ الْأَلْفَاظ) فأمَّا الأبْيات المُسْتكرهَةُ الألْفاظِ، المُتَفَاوتةُ النَّسْج، القَبِيحَةُ العِبَارةِ الَّتِي يَجِبُ الاحْترَازُ من مِثْلها فكَقَوْلِ الأَعْشَى: (أَفِي الطَّوفِ خِفْتِ عليَّ الرَّدَى ... وكَمْ من رَدٍ أهْلَهُ لم يَرِمْ) يُريدُ: لم يَرِمْ أهْلَهُ وكقَوْلِ الرَّاعي: (فَلمَّا أتاهَا حَبْتَرٌ بسِلاحِهِ ... مَضَىَ غَيرَ مَبْهورٍ ومُنْصُلَهُ انتضَى) يُرِيدُ: وانتضَى مُنْصُلَهُ. وكقَوْلِ عُروةَ بن أُذَينَة: (واسْقِ العَدُوَّ بِكَأسِهِ وَاعْلَمْ لَهُ ... بالغَيْبِ أنْ قدْ كَانَ قبْلُ سَقاكَهَا)

стр. 64

(واجْزِ الكَرَامَةَ مَنْ تَرىَ أنْ لَوْ لَهُ ... يَوْماً بَذَلْتَ كَرَامةً لَجزَاكَهَا) فقَوْلُهُ فِي البَيْتِ الأوَّلِ: ( ... ... ... ... ... ... ... وَاعْلَمْ لَهُ ... بالغَيْبِ ... ... ... ... ... ... . .) كلامٌ غَثٌّ، و " لَهُ " رَدِيئَة الْموقع، بشِعَةُ المَسْمع. والبَيْتُ الثَّاني كانَ مَخْرجُهُ أنْ يقولَ: واجْزِ الكَرَامة من تَرىَ أنْ لَو بَذَلْتَ لَهُ يَوْماً كَرامَةً لجَزَاكَها. وكقَوْلهِ أيْضاً: (وأعْمَلْتُ المَطِيَّةَ فِي التَّصَابي ... رَمِيضَ الخُفّ دامِيَةَ الأطلِّ) (أقولُ لَهَا: لهَانَ عليَّ فِيمَا ... أَحِبُّ فَمَا اشتكاؤكِ أنْ تكَلِّي) يُريدُ: أقولُ لَهَا: لهانَ عليَّ فِيمَا أحِبُّ أنْ تَكَلَّي فَمَا اشْتِكاؤك؟ وكقَوْلِ النَّابِغَة:

стр. 65

(يُصَاحِبْنَهُمْ حَتَّى يُغِرنَ مُغَارَهُمْ ... مِن الضَّارِيَات بالدِّمَاءِ الدَّوارِب) يُريدُ: من الضَّارِياتِ الدَّوارِب بالدِّماء. وإنمَا يَقْبُحُ مثلُ هَذَا إذَا التَبْسَ بِمَا قبلَهُ، لأنَّ الدِّماءَ جَمْعٌ، والدَّوارِب جمعٌ، وَلَو كانَ: من الضَّارِيَات بالدمِ الدَّوارِب لم يَلْتَبِسْ، وإنْ كانَتْ هَذهِ الكلمةُ حاجِزَةً بينَ الْكَلِمَتَيْنِ؛ أَعْني: بَين الضَّارياتِ والدَّوارِب، اللَّتَيْنِ يجِبُ أَنْ تُقْرَنَا مَعاً. وكقَوْلِ النَّابِغَةِ أَيْضَاً: (يُثْرن الثَّرَى حَتَّى يُبَاشِرْنَ بَرْدَهُ ... إذَا الشَّمْسُ مُجَّتْ رِيقَهَا بالكَلَاكِلِ يُريدُ: يُثْرَنَ الثَّرى حَتَّى يُبَاشِرْن بَرْدَه بالكَلَاكِلِ إِذا الشَّمْسُ مَجَّتْ رِيقَهَا. وكقَوْلِ الشَّمَّاخ:

стр. 66

(تخامصُ عَن بَرْدِ الوشَاحِ إِذَا مَشَتْ ... تَخَامُصَ حَافي الخَيْل - فِي الأَمْعَز - الوجِي) يُرِيدُ: تخامُصَ حَافي الخَيْلِ الوَجِيِّ فِي الأمْعَز. وكقَوْلِ النَّابِغَة الجَعْدي: (وشَمُولِ قَهْوةٍ باكَرْتُهَا ... فِي التَّباشير - من الصُّبحِ - الأوَلْ) يُريدُ: فِي التَّبَاشير الأوَل من الصبُّح. وكقَوْلِ ذِي الرُّمَّة: (كأنّ أَصْوَاتَ من إيغَالِهِنَّ بِنَا ... أوَاخِر المَيْسِ أصْواتُ الفرارِيج) يُريدُ: كأنّ أصواتَ أواخرِ المَيْسِ أصواتُ الفَراريج من إيغَالِهِنَّ بِنَا. وكقَوْلِهِ أَيْضا: (نَضَا البْردَ عَنْهُ وهَو من ذُو جُنونهِ ... أجَارِيَّ تَسْهاكٍ وَصوْتَ صُلاصِلِ

стр. 67

يُريدُ: وَهُوَ من جُنونِه ذُو أجَارِيَّ. وكَقْولِ عَمْرو بن قَمِيئَةَ: (لمَّا رأتْ سَاتِيدَ مَا اسْتَعْبَرَتْ ... لله ذَر - اليوْمَ - من لامَهَا) يُرِيدُ: لله درُّ من لامَهَا اليَوْم. وكَقوْلِ أبي حَيَّةَ النُّمَيْريِّ: (كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بكفِّ يَوْمًا ... يَهُودىِّ يُقَارِبُ أَو يُزِيلُ) يُرِيدُ: كَمَا خُطّ الكتابُ يَوْمًا بكَفِّ يهوديٍّ يقارِبُ أَو يُزيل. وكقَوْل امرأةٍ من قَيْسٍ:

стр. 68

(هُمَا أخَوَا فِي الحَرْبِ مَنْ لَا أخَالَهُ ... إذَا خَافَ يَوْمًا نَبْوةً ودَعاهُمَا) تُرِيدُ: هُمَا أخَوا من لَا أخَالَهُ فِي الحَرْب. وكقَوْلِ الفَرَزْدَق: (ومَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاّ مُمَلَّكاً ... أبُو أمَّةِ حَيُّ أبوهُ يُقَارِبُهْ) فهذَا من الكَلامِ الغَثَّ المُسْتكَرَهِ الغَلِق، وكذَلك مَا تَقَدَّمَهُ، فَلَا تَجْعَلَنَّ هَذَا حُجَّةً، ولْتَجُتَنِبْ مَا أشْبَههُ. وَالَّذِي يُحُتَمل فِيهِ بَعْضُ هَذا إِذا وَرَدَ فِي الشَعْرِ هُوَ مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ الشَّاعرُ عِنْد اقِتِصَاصِ خَبَرٍ أَو حِكَايةِ كَلامٍ إنْ أَزِيلَ عَن جِهَتَهِ لم يَجُزْ، وَلم يَكُنْ صِدْقاً، وَلَا يكون للشاعر مَعَهُ اختيارُ لأنَّ الكلامَ يملكُهُ حيِنَئذٍ فيحتَاجُ إِلَى اتَّباعِهِ والانِقيادِ لَهُ. فأمَّا مَا يُمَكّنُ الشَّاعرُ فِيهِ من تَصْريف القَولِ وتَهذِيبِ الألْفَاظِ واختصارِها وتَسْهيلِ مَخَارِجها فَلَا عذْرَ لَهُ عِنْد الإتْيَانِ بمثلِ مَا وصَفْنَاهُ من هذَه الأبياتِ المُتَقَدَّمَة. وعَلى الشَّاعرِ إِذا اضْطُرَّ إِلَى اقْتِصَاصِ خَبَرٍ فِي شِعْرٍ دَبَّرهُ تَدْبيراً يَسْلُسُ

стр. 69

لَهُ مَعَهُ القَوْلُ وَيَطَّردُ فِيهِ المَعْنى، فَيَبْني شِعْرَهُ على وَزنٍ يَحْتَمِلُ أَن يُحْشَى بِمَا يحتاجُ إِلَى اقتصاصه بزيادةٍ من الكَلامِ يُخلطُ بِهِ أَو نَقْصٍ يَحْذَفُ مِنْهُ، وتكونُ الزَّيادةُ والنُّقْصانُ يَسِيرينِ غير مُخدجَيْنِ لما يُسْتَعانُ فِيهِ بهما، وَتَكون الألفاظُ المَزِيدةُ غَيرَ خَارجةٍ من جِنْسِ مَا يَقْتَضِيهِ بل تكونُ مؤَيدةً لَهُ وزائدةً فِي رَوْنقهِ وَحُسْنِهِ كَقَوْل الأعْشَى فِيمَا اقتَصَّهُ من خَبرِ السَّموأل فقَال: (كُنْ كالسَّموألِ إِذْ طَافَ الهُمَام بهِ ... فِي جَحْفَلٍ كَزُهَاء الَّليلِ جَرَّارِ) (بالأبْلِق الفَرْدِ من تَيماءَ مَنْزِلُهُ ... حِصْنُ حَصِينُ وجارُ غَيْرُ غَدَّارِ) (إذْ سَامَهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ، فَقَالَ لَهُ: ... اعْرُضْ عَليَّ كَذاَ أَسْمعهُمَا، حَارِ)

стр. 70

(فَقَالَ: غَدْرُ وثُكْلُ أنتَ بَينهمَا ... فَاخْتَرْ، وَمَا فيهِما حَظُّ لمُخْتَارِ) (فَشَكَّ غَيْرَ طَوِيل ثمَّ قَال لَهُ: ... اقُتَلْ أسِيركَ إنَّي مانِعُ جَارِي) (إنَّ لَهُ خَلَفاً إنْ كنتَ قاتِلَهُ ... وإنْ قَتَلْتَ: كَرِيماً غير عُوَّار) (مَالاً كَثيراً وعِرْضاً غير ذِي دَنَسٍ ... وإخوَةً مِثْلهُ لَيسُوا بأشرارِ) (جَرَوْا على أدبٍ مِنَّي فَلَا نَزَقُ ... وَلَا إِذا شَمَّرَتْ حَرْبٌ بأغْمَارِ) (وسَوْفَ يُخْلفُهُ إِن كنتَ قاتلهُ ... رَبٌ كَرِيمٌ وبيضٌ ذَات أطهارِ) (لَا سِرُّهُنَّ لدَيَّ ضَائِعُ مَذِقُ ... وكاتِمَاتٌ إِذا استُودِعْنَ أَسْراري) (فَقَالَ تَقْدِمَةً إْذْ قَامَ يَقْتُلُهُ ... أشْرِفْ سَمَوْأل فانْظُرْ للدَّم الجَاري) (أأقْتلُ ابْنَكَ صَبْراً أَو تَجِيء بَها ... طَوْعاً، فأنْكَرَ هَذَا أيَّ إنكاري) (فشَكَّ أوداجَهُ، والصَّدرُ فِي مَضَضِ ... عَلَيهِ مُنْطَوِياً كاللَّذع بالنَّار)

стр. 71

(واخْتَارَ أدْرَاعَهُ أَنْ لَا يُسَبَّ بِهَا ... وَلَمْ يَكُنْ عَهْدُهُ فِيهَا بِخَتَّارِ) (وقَال: لَا أشْتَري مَالاً بمَكْرُمَةً ... فاخْتَار مَكْرُمَةَ الدُّنْيَا على العَارِ) (والصَّبْرُ مِنْهُ - قَدِيماً - شيمةٌ خُلُقٌ ... وزَنْدُهُ فِي الوَفَاءِ الثَّاقِبُ الوَارِي) فانظُرْ إِلَى اسْتِوَاء هَذَا الْكَلَام، وسهولةِ مخَرجهِ، وتَمامِ مَعَانِيه، وصِدْقِ الحكايةِ فِيهِ، ووقُوعِ كلِّ كلمةٍ مَوْقِعَها الَّذِي أُرِيدَتْ لَهُ؛ من غير حَشْوٍ مُجْتَلبٍ، وَلَا خَلَلٍ شَائنٍ، وتأمَّلْ لُطْفُ الأَعْشَى فِيمَا حَكَاهُ واختصَرهُ فِي قَوْلِه: (أأقْتلُ ابْنَكَ صَبْراً أَو تَجِيء بَها ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .) فأضْمَرَ ضَمْرَ الهَاءِ فِي قَوْله: (واخْتَارَ أدْرَاعَهُ أَنْ لَا يُسَبَّ بِهَا ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .) فَتَلافَى ذَلِك الخَلَلَ بِهَذَا الشَّرح، فاستَغْنَى سَامِعُ هَذِه الأبْيَاتِ

стр. 72

عَن اسْتِمَاع القِصَّةِ فِيهَا لاشْتِمَالها على الخَبَرِ كُلِّهِ بأوجزَ كلامٍ، وأبلغ حكايةٍ، وأحْسَنِ تأْلِيفٍ وألْطَفِ إيمَاءٍ. (الأبيات الَّتِي أغْرَقَ قائِلُوها فِي مَعَانيها) فأمَّا الأبْيَاتُ الَّتِي أَغْرَقَ قائِلوهَا فِي مَعَانيها فكَقَوْل النَّابِغَة الجَعْديِّ: (بَلغْنَا السَّمَاءَ نَجْدَةً وَتكَرُّماً ... وإنَّا لنَرجُو فَوْقَ ذلكَ مَظهراً) وكقَوْلِ الطِّرمَّاح: (لَو كَانَ يَخْفَى على الرَّحمنِ خافيةٌ ... من خلِقهِ خَفِيَتْ عَنهُ بَنو أسدِ) (قَوْمٌ أَقَامَ بدَارِ الذُّلِّ أَوَّلُهُمْ ... كَمَا أَقَامَتْ عَلَيْهِ جَذْوَةُ الوَتَدِ)

стр. 73

وكقَوْلِهِ: (وَلَو أنَّ برغوثاً يُزَقّقُ مَسْكُهُ ... إِذا نَهِلَتْ مِنْهُ تَمِيمٌ وعَلَّتِ) (وَلَو أنّ بُرْغُوثاً على ظهر نَمْلَةٍ ... يكُرُّ على صَفّيْ تَميمٍ لَوَلّتِ) (وَلَو جَمَعَتْ عُلْيَا تميمٍ جُمُوعَها ... على ذرَّةٍ مَعْقولةٍ لاستَقَلَّتِ) (وَلَو أنَّ بنْتَ العَنْكبوت بَنَتْ لَهُم ... مظَلَّتَهَا يومَ النَّدى لاستظَلَّتِ) وكَقوْلِ زُهَيْر: (لَوْ كانَ يَقْعُدْ فَوْقَ الشَّمسِ من كَرَمٍ ... قَوْمٌ بأوَّلِهم أَو مَجْدَهِمْ قَعَدُوا)

стр. 74

وكقَوْلِ أبي الطَّمحان القَيْني (أضاءَتْ لَهُم أحْسَابُهُمْ ووجُوهُهم ... دُجَى اللَّيلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ) وكقولِ امريء الْقَيْس: (مِنْ القَاصِراتِ الطَّرْفِ لَو دَبَّ مُحْوِلٌ ... من الذَّرِّ فَوق الإتْبِ مِنْهَا لأَثَّرا) وكَقْول قيْس بن الخَطيم: (طَعَنْتُ ابنَ عبد القَيْسِ طَعْنَةَ ثَائرٍ ... لَهَا نَفَذٌ لَوْلا الشُّعَاعُ أضَاءهَا) (مَلَكْتُ بهَا كَفِّي فأنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يُرَى قَائِمٌ من دُونِهَا مَا وراءهَا)

стр. 75

وكَقْولِ الآخر: (ضَرَبْتُهُ فِي المُلْتَقَى ضَرْبَةً ... فَزَالَ عَنْ مَنْكِبهِ الكاهِلُ) (فَصَارَ مَا بينهُمَا رَهْوَةً ... يَمْشِي بهَا الرَّامِحُ والنَّابِلُ) وكقَوْلِ أبي وَجْزَةَ السَّعِدي: (ألَا عَلِّلَاني والمُعَلّلُ أرْوَحُ ... وَينْطِقُ مَا شَاءَ اللِّسانُ المُسَرَّحُ) (بإجَّانَةٍ لَو أَنه خَرَّ بَازِلٌ ... من البُخْتِ فيهَا ظَلَّ للشِّقِ يَسْبَحُ) وكَقَوْلِ النَّابِغَة: (فإنَّك كَاللّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْركي ... وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْك واسِعُ) (خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتينةٍ ... تُمَدُّ بهَا أيْدٍ إليكَ نَوَازِعُ)
следующие страницы →