← Адаб

Адаб · id 6911

عيار الشعر

أبو الحسن ابن طباطبا

Полный текст (215 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) (وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وسلَّم) الحمدُ لله ربّ الْعَالمين، وصلواته على سيِّدنا مُحَمَّد وآلهِ الطَّاهرين. قَالَ أَبُو الحَسَن مُحَمد بن أَحْمد بن طَبَاطَبَا العَلَوِيُّ - رَحْمَةُ الله عَلَيْهِ -: وفَّقَك اللهُ للصَّواب وأعانَكَ عَلَيْهِ، وجَنَّبَكَ الخَطَأ وباعَدَك مِنْهُ وأدامَ أَنْسَ الآدابِ باصطفائِك لَهَا، وحياةَ الحكمةِ باقتنائك إيَّاها. فهمتُ - حاطك الله - مَا سَأَلت أنْ أصِفَهُ لَك من عِلْم الشّعْر، والسَّبَب الَّذِي يُتَوصَّلُ بِهِ إِلَى نَظْمِهِ، وتَقْريب ذَلِك على فَهْمِكَ، والتَّأنِّي لِتَيْسيرِ مَا عَسُرَ مِنْهُ عَلَيْك. وَأَنا مُبِّينٌ مَا سَأَلْتَ عَنهُ، وفاتحٌ مَا اسْتَغْلَقَ عليكَ مِنْهُ إِن شَاءَ اللهُ تعَالى: (مَفْهُومُ الشِّعْر) الشِّعْرُ - أَسْعَدَكَ اللهُ - كلامٌ منظومٌ بَان عَن المنثور الَّذِي يَسْتعملُهُ النَّاس فِي مخاطباتهم بهَا خُصَّ بِهِ من النَّظم الَّذِي إنْ عُدِل بِهِ عَن جِهَتهِ مَجَّتْهُ الأسْمَاعُ وفَسَدَ على الذَّوْق. ونَظْمُهُ معلومٌ محدودٌ؛ فَمَنْ صَحَّ طَبْعُهُ وذَوْقُهُ لم يَحْتَجْ إِلَى الاستعانَةِ على نَظْمِ

стр. 2

الشِّعر بالعَرُوض الَّتِي هِيَ مِيزَانه، وَمن اضطَرَب عَلَيْهِ الذَّوقُ لم يَسْتَغْنِ عَن تَصْحيحهِ وتَقْويمهِ بمَعْرفِة العَروضِ والحِذْقِ بهَا حَتَّى تَصِير معرفَتُهُ المُسْتفادةُ كالطَّبع الَّذِي لَا تَكَلُّفَ مَعَه. (أدَوَاتُ الشِّعْر) وللشِّعر أدواتٌ يجبُ إعدادُهَا قَبْلَ مَرَامِهِ وتكَلُّف نَظْمِه، فَمَنْ نَقَصَتْ عَلَيْهِ أداةٌ من أدواتهِ لم يَكْمُلْ لَهُ مَا يَتَكَلُّفهُ مِنْهُ، وبَانَ الخَلَلُ فِيمَا يَنْظمهُ، ولحِقَتْهُ العُيوبُ من كلِّ جِهَةٍ. فَمِنْهَا: التَّوَسُّعُ فِي عِلْم اللُّغة، والبراعةُ فِي فَهْم الإِعرَاب، والروايةُ لفُنُونِ الآدابِ، والمعرفةُ بأيَّام النَّاس وأنْسَابِهم ومَنَاقِبهم وَمَثَالبِهِمْ، والوقوفُ على مَذَاهب العَرَب الشّعْر، والتَّصَرُّفُ فِي مَعَانِيه فِي كلِّ فَنِّ قاَلَتْه العَرَبُ فِيهِ وسلوكُ مناهجها فِي صِفَاتِهَا ومُخَاطَبَاتِهَا وحِكَايَاتِهَا وأمْثَالِهَا، والسَّننِ المستعملة مِنْهَا، وتَعْريضِها وتَصْريحِها، وإطنابِهَا وتَقصيرِهَا، وإطالتِهَا، وإيجازهَا، ولُطِفْهَا وخَلَابتِها، وعُذُوبِة ألفاظِها، وجِزالَةِ مَعَانيها، وحُسْن مَبَاديها، وحَلاوةِ مَقَاطِعها، وإيفَاءُ كل مَعْنىً حَظَّهُ من العبَارة، وإلبَاسُهُ مَا يُشَاكِلُهُ من الأَلْفاظ حَتَّى يَبْرُزَ فِي أَحْسَنِ زِيِّ وأَبْهَى صُورَة، واجتنابُ

стр. 3

مَا يَشيِنُهُ من سَفْسَافِ الْكَلَام وسَخيفِ اللّفْظِ، والمَعَاني المُسْتَبْردَةِ، والتَّشْبيهاتِ الكاذبة والإِشاراتِ المَجْهولة، والأوْصاف البَعيدةِ، والعبارات الغَثَّة، حَتَّى لَا يكونَ مُلَفَّقاً مَرْقُوعاً، بل يكونُ كالسَّبيكة المُفْرَغَةِ، والوَشْي المُنَمْنَم، والعِقْد المُنَظَمِ، والرِّيَاضِ الزاهرة، فتسابِقُ معانيهِ ألفاظَهُ فَيَلْتَذٌّ الفَهْمُ بِحُسْنِ مَعَانِيه كالتِذَاذِ السَّمْعِ بمونِق لَفْظِه، وتكونُ قَوَافيهِ كالقَوَالبِ لمعانيه، وتكونُ قَوَاعِدَ للْبِنَاء يَتَرَكَّبُ عَلَيْهَا ويَعْلو فوْقَها، ويكونُ مَا قبلهَا مَسبُوقاً إِلَيْهَا وَلَا تكون مَسْبُوقَةً إِلَيْهِ فَتَقْلَق فِي مَوَاضِعها، وَلَا تُوافِق مَا يَتَّصِلُ بهَا، وَتَكون الألفاظُ مُنْقَادَةً لما تُرَادُ لَهُ، غَيْرَ مُسْتَكرَهَةٍ وَلَا مُتْعَبَةٍ، مُخْتَصَرةَ الطُرق، لَطِيفةَ المَوَالِج، سَهْلَةَ المَخَارج. وَجَماعُ هَذِه الأدوات كمالُ العَقْلِ الَّذِي بِهِ تَتَميزُ الأضدادُ، ولزومُ العَدْل، وإيثارُ الحَسنِ، واجتنابُ القَبيحِ، ووَضْعُ الأشْياءِ مَوَاضِعَهَا. (بِنَاءُ القَصِيدَة) فإذاَ أرَادَ الشَّاعِرُ بناءَ قَصيدةٍ مخَضَ المَعْنى الَّذِي يُريد بِنَاءَ الشِّعر عَلَيْهِ فِي فِكْرِهِ نَثْراً، وأعَدَّ لَهُ مَا يُلْبسُهُ إيَّاهُ من الْأَلْفَاظ الَّتِي

стр. 4

تُطَابِقُهُ، والقوافي الَّتِي توافِقُهُ، والوَزْنِ الَّذِي سَلَسَ لَهُ القَوْلُ عَلَيْهِ، فَإِذا اتَّفَقَ لَهُ بيتٌ يُشَاكِلُ المَعْنَى الَّذِي يرومُهُ أثْبَتَهُ وأعْمَلَ فِكْرَهُ فِي شُغْل القوافي بِمَا تَقْتَضِيهِ من الْمعَانِي على غير تَنْسِقٍ للشِّعر وتَرْتيبٍ لفُنونِ القَوْلِ فِيهِ بل يُعَلِّقُ كلَّ بيتٍ يَتَّفِقُ لَهُ نَظْمُهُ على تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ مَا قبلَهُ، فَإِذا كَمُلَتْ لَهُ المَعَاني، وكَثُرت الأبياتُ، وَفّقَ بَينهَا بأبياتٍ تكونُ نظاماً لَهَا، وسِلْكاً جَامعا لما تشَتَّتِ مِنْهَا. ثمَّ يتأمَّلُ مَا قد أدَّاه إِلَيْهِ طَبْعُهُ، ونَتَجَتْهُ فِكْرَتُهُ فَيَسْتَقْصِي انتقادَهُ، ويَرُمُّ مَا وَهَى منهُ، وَيُبْدِلُ بكُلِّ لَفْظَةٍ مُسْتكرهَةٍ لَفْظَةً سَهْلةً نَقِيَّةً. وإِن اتَّفَقَتْ لَهُ قافيةٌ قد شَغَلَهَا فِي مَعْنىً من الْمعَانِي واتَّفَقَ لَهُ مَعْنًى آخر مُضَادٌ للمعنى الأوَّل، وكانَت تَلك القَافيةٌ أوْقَعَ فِي المَعْنى الثَّاني مِنْهَا فِي المَعْنى الأوَّل نَقَلها إِلَى المَعْنى الْمُخْتَار، الَّذِي هُوَ أحسَنُ، وأبْطَلَ ذَلِك البَيْت، أَو نَقَضَ بعضَهُ وطَلَبَ لمعنَاهُ قافيةً تُشَاكِلُهُ ويَكون كالنَّسَّاج الحاذِق الَّذِي يُفَوِّفُ وَشْيَهُ بأحسَنِ التَّفْويِف ويُسَدِّيه ويُنيُرهُ، وَلَا يُهَلْهِلُ شَيْئا منهُ فَيَشِينهُ. وكالنَّقَّاش الرَّقيقِ الَّذِي يَضَعُ الأصْبَاغَ فِي أَحْسَنِ تَقَاسِيمِ نَقْشِهِ، ويُشْبِعُ كلّ صِبْغٍ مِنْهَا حَتَّى يتضاعَفَ حُسْنُهُ فِي العَيَانِ، وكناظِمِ الجَوْهر الَّذِي يُؤَلّفُ بَين النَّفيس مِنْهَا والثَّمين الرَّائق، وَلَا يشين عُقودَ بأنْ يُفَاوتَ بَين جواهِرِهَا فِي نَظْمها وتَنْسيقها، وَكَذَلِكَ الشَّاعرُ إِذا أسَّسَ شِعْرَهُ على أَن يَأْتِي فِيهِ الْكَلَام البَدَويِّ الفَصِيح لم يَخْلطْ بِهِ الحَضَرِيَّ المُوَلَّدَ، وَإِذا أتَى بلَفْظَةٍ غريبةٍ أتْبَعَهَا أخَواتِها.

стр. 5

وَكَذَلِكَ إذَا سَهَّلَ أَلفاظَهُ لم يَخْلط بهَا الألفَاظَ الوَحْشِيَّةَ النافرةَ الصَّعْبَةَ القياد، ويقفُ على مَرَاتِب القَوْلِ والوَصِفْ فِي فَنِّ بَعْد فَنٍّ، ويتَعَمَّدُ الصَّدقَ، والوفقَ فِي تَشْبيهاته وحِكَايَاتِه، ويُحْضِرُ لبَّهُ عندَ كلَّ مُخاطبةٍ وَوَصْفٍ، فَيُخَاطبُ الملوكَ بِمَا يَسْتَحِقُونَهُ من جَليلِ المُخَاطباتِ ويَتَوقَّى حَطّهَا عَن مَرَاتبها وأَنْ يَخْلطَهَا بالعَامَّةِ، كَمَا يَتَوقَّى أَن يرفَعَ العَامَّةَ إِلَى دَرَجَات المُلُوك. وَيُعدُّ لكُلَّ مَعْنى مَا يَلِيق بِهِ ولكُلِّ طَبَقَةٍ مَا يُشَاكِلُهَا حتَّى تكون الاستفادةُ من عقلهِ فِي وَضْعِه الكَلامَ مواضِعَهُ أكْثَرَ من الاستفَادةِ من قَوْلِه فِي تَحْسِين نَسْجِهِ، وإِبدَاعِ نَظْمهِ. ويَسْلكُ مِنْهَاجَ أصْحَاب الرَّسائل فِي بَلاغَاتهم وتَصَرُّفهم فِي مُكَاتَباتهم، فإنَّ للشِّعْرِ فُصُولاً كفُصُول الرَّسَائل، فيحتَاجُ الشَّاعِرُ إِلَى أنْ يَصِلَ كلامَهُ - على تَصرُّفِهِ فِي فُنُونِه - صِلَةً لَطِيفَة فيتخلَّصُ من الغَزَل إِلَى المَدِيح، وَمن المَدِيح إِلَى الشَّكْوَى، وَمن الشَّكْوَى إِلَى الاستماحَة، وَمن وَصِفْ الدِّيَار والْآثَار إِلَى وَصْف الفَيَافي والنُّوق، وَمن وَصْفِ الرُّعُود والبُروِق إِلَى وَصْفِ الرِّياض والرُّوَّاد، وَمن وَصْف الظِّلْمَان والأعْيار إِلَى وَصْفِ الخَيْلِ والأسْلحِة، وَمن وَصْف المفاوز والفَيافي إِلَى وَصْف الطَّردِ والصَّيْدِ، وَمن وَصْف اللَّيل والنُّجوم إِلَى وَصْف المَوَارد والميَاه والهَوَاجر والآل والحَرَابي وَالْجَنَادِب، وَمن الافْتِخَار إِلَى اقْتِصَاصِ مَآثِر الأسْلاِف، وَمن الاسْتِكانَةِ والخُضُوعِ إِلَى والاسِتْعَتاب والاعْتِذَار، وَمن الإِباء والاعتيَاص إِلَى الإجابَةِ والتَّسَمُّحِ بألْطَفِ تَخَلُّصٍ وأحْسَن حكايةٍ بِلَا انفصالٍ للمَعْنَى الثَّاني عَمَّا قبلَهُ بل يكونُ مُتَّصِلاً بِهِ ومُمْتَزِجاً معهُ، فَإِذا استَقْصَى المَعْنى وأحَاطَ بالمراد الَّذِي إِلَيْهِ يَسُوق القَوْلَ بأيْسَرِ وَصْفٍ وأخَفُ لَفْظٍ لم يَحْتَجْ إِلَى تطويلهِ وتكريرِهِ.

стр. 6

(تَفَاضُل الأشْعَار) والشِّعرُ على تَحْصيل جِنْسِهِ، ومَعْرفةِ اسمهِ - مُتَشابهُ الجُمْلة مُتَفَاوتُ التَّفْصِيل، مختلّف كاختلاف النَّاس فِي صُوَرهم وأصْوَاتهم وعُقَولهم وحُظُوظهم وشَمَائِلهم وأخْلاقِهم، فهم مُتَفاضِلُون فِي هَذِه المَعَاني، وَكَذَلِكَ الأشْعَارُ هِيَ متفاضِلَةٌ فِي الحُسْنِ على تَسَاويهَا فِي الجِنْسِ. ومواقِعُها من اخْتِيَار النَّاس إِيَّاهَا كَمواقِع الصُّور الحَسَنة عِنْدهم واختيارِهْم لما يَسْتحسِنونه مِنْهَا، ولِكُلِّ اختيارٌ يُؤثُرهُ، وهَوَىً يَتْبعُهُ وبِغْيَةٌ لَا يَسْتبِدلُ بهَا وَلَا يُؤْثِرُ عَلَيْهَا. وَقد جَمَعْنَا مَا اخْتَرْنَاهُ من أشْعَار الشُّعَراء فِي كتاب سَمَّيناهُ " تَهْذيب الطَّبْع " لَيْرتاضَ مَنْ تَعَاطَى قَوْل الشِّعر بالنَّظَر فِيهِ ويَسْلُكَ المِنْهَاجَ الَّذِي سَلَكَهُ الشُّعَراءُ، ويتناوَلَ المَعَاني اللطيفَةَ كتنَاوُلهم إيَّاهَا فَيَحْتَذِيَ على تِلْكَ الْأَمْثِلَة فِي الفُنُون الَّتِي صَرَّفوا أقوالَهُمْ فِيهَا. واقْتَصَرنا على مَا اخْتَرْنَاهُ - من غَيْر نَفْي لما تَرَكْنَاهُ بل لاسِتحسَانٍ لَهُ خَصَصْنَاه بِهِ دون مَا سواهُ. وَقد شَذَّ عنَّا الكَثِيرُ مِمَّا وَجَبَ اختيارُهُ وإيثارُهُ، وَإِذا استفَدْناهُ ألْحَقْنَاهُ بِمَا اختَرْناه - إِن شاءَ الله تَعَالَى.

стр. 7

(الألفاظُ والمعاني) فمِنَ الأشْعارِ أشْعارٌ مُحْكَمةٌ مُتْقَنةٌ، أنيقَةُ الألفَاظِ، حكيمةُ الْمعَانِي، عَجيبةٌ التأليفِ، إِذا نُقِضَتْ وجُعِلَتْ نَثْراً لم تَبْطُلْ جَوْدةُ مَعَانيها، وَلم تَفْقُدْ جَزَالةَ ألفاظِهَا. وَمِنْهَا أشعارٌ مُمَوَّهةٌ مُزَخْرفَة عَذْبةُ، تَرُوقُ الأسْمَاعَ والأفْهامَ إِذا مَرَّتْ صَفْحاً، فَإِذا، حُصَّلَتْ وانتُقِدَتْ بُهْرِجَتْ مَعَانِيهَا، وزُيَّفَتْ ألفاظُهَا، ومُجَّتْ حَلاوَتُها، وَلم يَصْلُحْ نَقْضُها لبناءٍ يُسْتَأنَفُ مِنْهُ؛ فبعضُها كالقُصُور المُشَيَّدة والأبْنيةِ الوَثِيقةِ الباقيةِ على مَرِّ الدُّهور، وبعضُهَا كالخيام المُوَتَّدة الَّتِي تُزَعزِعُها الرِّياحُ، وتُوهِيها الأمطارُ، ويُسْرِعُ إِلَيْهَا البلَى، ويُخْشَى عَلَيْهَا التَّقَوُّض. وللمعاني ألفاظٌ تُشَاكِلُها فتَحْسُنُ فِيهَا وتَقْبُحُ فِي غَيرهَا، فَهِيَ كالمَعْرضِ لِلْجَارِيَةِ الحَسْنَاءِ الَّتِي تَزْداد حُسْناً فِي بعض الْمعَارض دون بعض. فَكَمْ من مَعْنىً حَسَنٍ قد شِينَ بمعرضهِ الَّذِي أُبْرِزَ فِيهِ. وكَمْ من مَعْرضٍ حَسَنٍ قد ابْتُذِلَ على مَعْنىً قَبِيح ألْبِسَهُ. وكَمْ من صَارم عَضْبٍ قد انتضَاهُ مَنْ وَدَدْتَ لَو أنَّهُ أمْضَاهُ. فَهَزَّه ثمَّ لم يَضْرِبْ بِهِ. وكَمْ من جَوْهرةٍ نَفِيسَةٍ قد شِينَتْ بِقَرينَةٍ لَهَا بَعيدةٍ مِنْهَا، وأفْرِدَتْ عَن أخَواتها المُشَاكلاتِ لَهَا.

стр. 8

وكَمْ من زائفٍ وبَهْرجٍ قد نَفَقا على نُقّادهِما، وَمن جَيِّدٍ نافقٍ قد بُهْرِجَ عِنْد البَصير بِنَقْدِهٍ فَنَفَاهُ سَهْواً. وكَمْ من زُبَرٍ للمعاني فِي حَشْو الْأَشْعَار لَا يَحْسُنُ أَن يُطَبِّعها غير العُلَماءِ بهَا والصياقلةِ للسُّيوف المَطْبُوعِة مِنْهَا. وكَمْ من حكمةٍ غَريبةٍ قد ازْدُرِيتْ لرثَاثَةِ كِسْوتها، وَلَو جُلِبَتْ فِي غير لباسها ذَلِك لكَثُر المُشِيرونَ إِلَيْهَا. وكَمْ من سقيمٍ من السَّعَر قد يَئِسَ طَبيبُهُ من برئه عُولج سَقَمُهُ فَعَاوَدَتْهُ سَلامتهُ. (وكَمْ من صَحيحٍ جُنِيَ عَلَيْهِ فأرْدَاهُ حَيْنُهُ ... ) وَلَيْسَ يَخْلُو مَا أوْدَعْناهُ اختيَارَنا المُسَمَّى " تَهذيب الطّبْع " من بناءٍ إِن لم يَصْلُحْ لأنْ تَسْكُنَ الإنْهَامُ فِي ظِلَّهِ لم يَبْطُل أنْ يُنْتَفَعَ بنَقضِهِ فَيُعَدّ لبناءٍ يُحتَاج إِلَيْهِ. (أشْعَارُ المُوَلَّدين) وستَعْثُرُ فِي أشْعار المُوَلَّدين بعجائبَ استفادُوهَا مِمَّن تقدَّمهم، ولَطُفُوا فِي تَنَاوُلِ أصُولها مِنْهُم، وَلَبَّسُوها على من بَعْدهم، وتكَثَّروا بإبداعها فَسَلَّمتْ لَهُم عِنْد إدِّعائها للَطِيفِ سِحْرهم فِيهَا، وزَخْرفَتِهم لمعَانيها.

стр. 9

والمِحْنَةُ على شُعَراءِ زَمَانِنَا فِي أشْعارهم أشَدُّ مِنْهَا على من كانَ قبلَهُمْ؛ لأنَّهم قد سُبِقوا إِلَى كلِّ مَعْنَى بَديعٍ، ولَفْظٍ فَصِيحٍ، وحيلةٍ لَطيفةٍ، وخَلابَةٍ ساحِرةٍ. فَإِن أَتَوْا بِمَا يَقْصُر عَن مَعَاني أُولَئِكَ وَلَا يُرْبي عَلَيْهَا لم يُتَلَقَّ بالقَبُول، وَكَانَ كالمُطَّرَحِ المَمْلُولِ. ومَعَ هَذَا، فإنَّ مَنْ كانَ قَبْلنا فِي الجاهِليَّة الجَهْلاءِ وَفِي صَدْر الإسلامِ من الشُّعَراء كَانُوا يؤسِّسُون أشعَارَهُمْ فِي المَعَاني الَّتِي رَكَّبُوها عَلَى القَصْد للصِّدْق فِيهَا مَدِيحاً وهِجَاءً، وافتخَاراً ووَصفْاً، وتَرْغيباً وتَرْهيباً إلاّ مَا قد احْتُمِل الكَذبُ فِيهِ فِي حُكْم الشِّعْر من الإغراقِ فِي الوَصْف، والإفراط فِي التَّشْبيه. وَكَانَ مجرَى مَا يُورِدونه مِنْهُ مجْرى القَصص الحَقِّ، والمخاطبات بالصِّدْق فَيُحابُون بِمَا يُثَابون، أَو يُثَابون بِمَا يُحَابون. والشُّعَراءُ فِي عَصْرِنا إنَّما يُثَابونَ على مَا يُسْتَحْسَنُ من لَطِيفِ مَا يُورِدُونَهُ من أشْعَارهم، وبديع مَا يُغْربونَهُ من معانيهم، وبَليغِ مَا يَنْظِمونَهُ من ألفاظهم، ومُضْحِكِ مَا يوردونَهُ من نوادرهم، وأنيقِ مَا يَنْسِجُونَهُ من وَشْي قَوْلهم دون حَقَائِق مَا يَشْتمِلُ عَلَيْهِ من المَدْحِ والهَجاءِ وسَائرِ الفُنُون الَّتِي يُصَرِّفون القَوْلَ فِيهَا. فَإِذا كَانَ المديح ناقِصاً عَن الصِّفة الَّتِي ذكرنَاها كانَ سَببا لحرمَانِ قائلهِ والمُتَوسِّل بِهِ. وإِذا كَانَ الهجاءُ كَذَلِك أَيْضا كانَ سبَبَاً لاستهانة المَهْجُوِّ بِهِ، وأمْنِهِ من سَيْرهِ، وَرِوَايَة النَّاس لَهُ، وإذاعَتِهم إيَّاهُ، وتَفَكٌّ هِهِمْ، بنوادره؛ لَا سِيَّما وأشْعَارُهُمْ مُتَكَلّفَةٌ غيرُ صَادِرةٍ عَن طَبْعٍ صَحِيح

стр. 10

كأشْعَارِ العَرَب الَّتِي سَبِيلُهم فِي مَنْظُومِهَا سَبيلُهم فِي مَنْثور كَلَامِهم الَّذِي لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِم فِيهِ. فَيَنبغي للشاعر فِي عَصْرنا أَن لَا يُظْهِرَ شِعْرَهُ إلَاّ بعد ثِقَتِهِ بجَوْدَتهِ وحُسْنِه وسَلامتهِ من العُيوب الَّتِي نُبِّهَ عَلَيْهَا وأُمِرَ بالتَّحرُّز مِنْهَا، ونُهِيَ عَن استعمَال نَظَائرها. وَلَا يَضَعُ فِي نَفْسِهِ أنّ الشِّعْرَ موضِعُ اضطرارٍ وأنَّهُ يَسْلُك سَبِيلَ من كَانَ قبلَهُ، ويحتجُّ بالأبيات الَّتِي عِيبَتْ على قَائِلهَا، فَلَيْسَ يُقْتَدى بالمُسِيء، وإنَّما الِاقْتِدَاء بالمُحْسِن، وكُلُّ واثقٍ فِيهِ حَجِلٌ إلاّ الْقَلِيل. وَلَا يُغِير على مَعَاني الشُّعراءِ فيودِعُها شِعرَهُ، ويخرِجُها فِي أوْزانٍ مخالفةٍ لأوَزانِ الأشْعار الَّتِي يَتَناولُ مِنْهَا مَا يَتَنَاولُ، ويَتوهَّمُ أنَّ تَغْييرهُ للألَفَاظ والأوزَانِ مِمَّا يَسْتُر سَرقَتَهُ أَو يُوجِبُ لَهُ فَضِيلةً، بل يُديم النَّظَرَ فِي الْأَشْعَار الَّتِي قد اخترنَاهَا لتَلصَق مَعَانِيهَا بفَهْمِهِ، وتَرْسَخَ أصُولها فِي قَلْبهِ، وتَصِيرَ موادَّ لطَبْعهِ، ويَذُوبَ لِسَانُهُ بألفَاظِها فَإِذا جاشَ فِكرهُ بالشِّعر أدَّى إِلَيْهِ نتائجَ مَا استفاده مِمَّا نَظَر فِيهِ من تِلْكَ الأشْعار فكانَتْ تِلْكَ النَّتيجةُ كسبيكَةٍ مُفْرَغَةٍ من جَميعِ الأصْنَافِ الَّتِي تُخْرِجُها المَعَادن، وكما قد اغترَفَ من وادٍ قَدْ مَدَّتْهُ سيول جَارِيَة من شعَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وكَطِيبٍ تَركَّبَ عَن أخلاطٍ من الطِّيب كثيرةٍ فَيَستْغرِبُ عِيانُهُ، ويَغْمُضُ مُسْتَبطَنُهُ ويذهبُ فِي ذَلِك إِلَى مَا يُحْكَى عَن خَالد بن عبد الله القَسْريِّ فَإِنَّهُ قَالَ: حَفَّظَني أبي

стр. 11

أَلْفَ خُطبَةٍ ثمَّ قَالَ لي: تناسَهَا، فتناسيْتُهَا، فَلم أُرِدْ بَعْدُ شَيْئا من الْكَلَام إلاّ سَهُلَ عليَّ، فَكَانَ حِفْظُهُ لتِلْك الخُطَب رياضَةً لفَهْمِهِ، وتَهْذيباً لطَبْعِهِ وتلقيماً لذهنِهِ، ومادَّةً لفصاحَتهِ، وسبَبَاً لبلاغَتهِ ولَسَنهِ وخَطَابتهِ. (الأوْصَاف والتَّشْبيهات والحِكَمُ عِنْد الْعَرَب) واعْلَمْ أنَّ العَرَب أودَعَتْ أشعَارَهَا من الأوصَافِ والتَّشْبيهاتِ والحِكَمِ مَا أحاطَتْ بِهِ مَعْرفتها، وَأدْرَكَهُ عِيانُها، ومَرَّتْ بِهِ تَجَارِبُها، وهم أهْلُ وَبَرٍ، صُحُونهم البَوَادي وسُقوفهم السَّماءُ فليسَتْ تَعْدُو أَوْصَافُهُم مَا رَأَوْهُ منهُمَا وَفِيهِمَا، وَفِي كلِّ واحدةٍ مِنْهُمَا فِي فُصُول الزَّمان على اختلافِهَا من شِتَاءٍ، ورَبيعٍ، وصَيْفٍ، وخَرِيفٍ، من ماءٍ، وهَوَاءٍ، ونارٍ، وجَبَلٍ، ونَبَاتٍ، وحَيَوانٍ، وجَمَادٍ، ونَاطقٍ، وصَامِتٍ، ومُتَحرِّكٍ، وسَاكنٍ، وكلَّ مُتَوَلِّدٍ من وَقْتِ نُشُوئه، وَفِي حَالِ نُمُوِّه إِلَى حَال النِّهاية، فَضَمَّنَتْ أشعَارَها من التَّشْبيهاتِ مَا أدركَهُ من ذَلِك عِيَانُهَا وحِسُّها إِلَى مَا فِي طَبَائعها وأنْفُسِها من مَحْمود الأخْلاق ومَذْمومها فِي رَخَائها وشِدِّتها، ورِضَاها وغَضَبها، وفَرَحِها وغَمِّها، وأمِنْها وخَوفِها، وصِحِّتها وسَقمِهَا، والحالات المُتَصرِّفَة فِي خَلْقِها وخُلقِها من حَال الطُّفولة إِلَى حَالِ الهَرَم، وَفِي حَالِ الْحَيَاة إِلَى

стр. 12

حَالِ المَوت، فَشَبَّهَتِ الشَّيءَ بمثلهِ تَشْبيهاً صَادِقاً على مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ فِي مَعَانِيهَا الَّتِي أرادَتْها. فإذَا تأَمَّلْتَ أَشْعارَهَا، وفَتَّشْتَ جَمِيع تَشْبِيهاتها وَجَدْتَها على ضُروبٍ مُخْتَلفةٍ تَتَدرُّجُ أَنواعُهَا فبعضُها أَحسَنُ من بَعْض، وبَعْضُها ألْطَفُ من بَعْض. فأحْسَنُ التَّشبيهات مَا إِذا عُكِسَ لم يَنْتَقِضْ بل يكونُ كلُّ مُشبَهٍ بصاحبهِ مثلَ صَاحِبهِ، وَيكون صاحِبُه مثلَهُ مُشَبَّهاً بِهِ صُورةً ومَعْنَىً. ورُبَّمَا أَشْبَهَ الشَّيءُ الشَّيءَ صُورةً وخَالَفَهُ مَعْنَى، ورُبَّمَا أَشبَهَهُ مَعْنَى وخَالَفَهُ صُورةً، ورُبَّما قارَبَهُ وداناه، أَو شامَهُ وأَشْبَهَهُ مَجَازاً لَا حقِيقةً. فإِذا اتَّفَقَ لَك فِي أَشْعَار العَرَب الَّتِي يُحْتَّجُ بهَا تَشْبيهٌ لَا تَتَلَقَّاه بقَبُولٍ، أَو حكايةٌ تَسْتَغْربُهَا فابْحَثْ عَنهُ ونَقِّر عَن معنَاه فإنَّك لَا تَعْدم أنْ تَجِدَ تَحْتهُ خَبِيئةً إِذا أَثَرْتَهَا عَرَفْتَ فَضْلَ القَومِ بهَا، وعلِمْتَ أنَّهم أَرَقُّ طبعا مِنْ أنْ يَلْفظوا بكلامٍ لَا مَعْنى تحتهُ. ورُبَّما خَفِيَ عَليْكَ مَذْهَبُهم فِي سَنَنٍ يَسْتَعملُونَهَا بَينهم فِي حَالاتٍ يصفُونَهَا فِي أَشْعارهم فَلَا يُمكِنُك استنباطُ مَا تحتَ حكايَاتِهمْ، وَلَا يُفْهَم مثلُهَا إلَاّ سَمَاعا، فَإِذا وقَفَتَ على مَا أرَادُوهُ لَطُفَ مَوْقِعُ مَا تَسْمَعُهُ من ذَلِك عِنْد فَهْمَكَ. والكَلامُ الَّذِي لَا مَعْنى لَهُ كالجَسَد الَّذِي لَا رُوحَ فِيهِ كَمَا قَالَ

стр. 13

[٥ / أ] بعضُ الحُكماءِ: للْكَلَام جَسَدٌ ورُوحٌ؛ فجسَدُهُ النُّطْقُ وَرُوحُه مَعْنَاه! فأمَّا مَا وَصَفَتْهُ العَرَبُ وشَبَّهَتْ بعضَهُ ببعضٍ مِمَّا أدْرَكَهُ عِيانُهَا فكثيرٌ؛ لَا يُحْصَرُ عَدَدُهُ وأنواعه كَثْرَةً، وسنذكَرُ بعضَ ذَلِك ونُبَيِّنُ بعض حَالاتِه وطَبَقاتهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وأمَّا مَا وَجَدَتْهُ فِي أخلاقِهَا، وتَمَدَّحَتْ بِهِ ومدَحَتْ بِهِ سواهَا، وذَمَّتْ من كَانَ على ضِدَّ حَالِها فِيهِ فخِلالٌ مَشْهورةٌ كَثِيرَة: مِنْهَا فِي الخَلْق: الجَمَالُ والبَسْطةُ. وَمِنْهَا فِي الخُلُق: السَّخَاءُ، والشجَاعَةُ، والحِلْمُ، والحَزْمُ، والعَزْمُ، والوفَاءُ، والعَفَافُ، والبِرُّ، والعَقْلُ، والأمانةُ، والقَنَاعَةُ، والغَيْرةُ، والصَدقُ، والصَّبْرُ، والوَرَعُ، والشُّكرُ، والمداراةُ، والعَفْوُ، والعَدْلُ، والإحسَانُ، وصِلَةُ الرَّحِمِ، وكَتْمُ السَّر، والمواناةُ، وأصالَةُ الرأيَ، والأنَفَةُ، والدَّهاءُ، وعُلُوُّ الهِمَّة، والتواضُعُ، والبَيَانُ، والبِشْرُ، والجَلَدُ، والتَّجارِبُ، والنَّقْضُ والإِبرامُ. وَمَا يتفَرَّعُ من هَذِه الخِلالِ الَّتِي ذكَرْنَاهَا من قِرَى الأضْيَافِ، وإعْطَاءِ العُفَاة، وحَمْلِ المَغَارم، وقَمْعِ الأعْداءِ وكَظْمِ الغَيْظ، وفَهِم الأُمورِ، ورِعَايةِ العَهْدِ، والفِكْرَةِ فِي العوَاقبِ، والجدِّ والتَّشْمير، وقَمْعِ الشَّهوات، والإيثَار على النَّفْس، وحِفْظ الوَدَائعِ،

стр. 14

والمُجَازاةِ، وَوَضْعِ الأشْيَاءِ موَاضعهَا، والذَّبِّ عَن الحَرِيم، واجتلاب المحَبَّةِ والتَّنزهِ عَن الكَذِبِ، واطْراحِ الحِرْصِ، وادِّخارِ المَحَامِد والأجرِ، والاحتراز من العَدُوِّ، وسيادةِ العَشِيرة، واجتنَاب الحَسَدِ، والنكَايَةِ فِي الأَعداءِ، وبُلوغِ الغَايَات، والاستِكْثارِ من الصِّدْق، وَالْقِيَام بالحُجَّةِ، وكبْتِ الحُسَّادِ، والإسْلَافِ فِي الخَيرِ، واستدامَةِ النِّعمة، وإصْلَاحَ كلِّ فاسدٍ، واعتقادِ المِنَنِ، واستعْبَادِ الأحْرارِ بهَا، وإينَاسِ النَّافِرِ، والإقْدامِ على بَصِيرةٍ، وحِفْظِ الجَار. وأضْدَادُ هَذِه الخِلالِ: البُخْلُ، والجُبْنُ، والطَّيْشُ، والجَهْلُ، والغَدْرُ، والاغْتِرَارُ، والفَشَلُ، والفُجورُ، والعُقُوقُ، الخِيَانةُ، والحِرْصُ، والمهانَةُ، والكِذبُ، والهَلَعُ، وسُوءُ الخُلُقِ، ولؤمُ الظَّفَرِ، والجَوْرُ، والإِسَاءةُ، وقَطِيعةُ الرَّحم، والنَّميمَةُ، والخلافُ، والدَّناءةُ، والغَفْلَةُ، والحَسَدُ، والبَغْيُ، والكِبْرُ، والعُبوسُ، والإضَاعَةُ، والْقُبْحُ، والدَّمَامَةُ، والقَمَاءةُ، والاستحلالُ، والخَوَرُ، والعَجْزُ، والعِيُّ. ولتلك الْخِصَال المَحْمودةِ حَالاتٌ تُؤَكَّدهَا وتُضَاعِفُ حُسْنَها، وتَزيدُ فِي جَلالَةِ المُتَمسِّكِ بهَا، كَمَا أنَّ لأضْدَادِهَا أَيْضا حالاتٌ تَزيدُ فِي الحَطِّ مِمَّن وُسِمَ بشَيء مِنْهَا، ونُسِبَ إِلَى استِشْعَار مَذْمُومِهَا، والتَّمَسُّك بفاضِحِهَا؛ كالجُود فِي حَال العُسْر؛ موقِعُهُ فوِقَ مَوْقِعِه فِي حَال الجِدَةِ، وَفِي حَال الصَّحْوِ أحْمَدُ مِنْهُ فِي حَال السُّكر، كَمَا أنَّ

стр. 15

البُخْلَ من الوَاجد القَادرِ أشْنَعُ مِنْهُ من المُضْطَرِّ العَاجِز، والعَفْوُ فِي حَال القُدرةِ أجَلُّ مَوْقِعاً مِنْهُ حَالِ العِجْز، والشَّجاعَةُ فِي حَال مُبارَزَة الأقْران أحْمَدُ مِنْهَا فِي حَال الإحراجِ وَوُقوعِ الضَّرورة، والعِفَّةُ فِي حَال اعتراضِ الشَّهَوات والتَّمكُّن من الهَوَى أفْضَلُ مِنْهَا فِي حَال فُقْدانِ اللَّذاتِ واليَأسِ من نَيْلها، والقَنَاعَةُ فِي حَال تَبَرُّح الدُّنْيَا ومطامِعِها أحْسَنُ مِنْهَا فِي حَال اليَأسِ وانقطاعِ الرَّجَاء مِنْهَا. وعَلى هَذَا التَّمثيلِ، جَميعُ الخِصَال الَّتِي ذَكَرْناهَا، فاستَعْمَلَتِ العربُ هَذِه الخِلَال وأضْدادَها، ووَصَفَتْ بهَا فِي حَالَيْ المَدْحِ والهِجَاءِ مَعَ وَصْفِ مَا يُسْتَعدُّ بِهِ لَهَا ويُتَهَيَّأَ لاستعَمالهِ فِيهَا، وشَعَّبَتْ مِنْهَا فُنُوناً من القَوْل، وضروباً من الأمْثال، وصُنُوفاً من التَّشْبيهات ستجِدُها على تَفَنُّنِهَا واختلاِف وُجوهِهَا فِي الاختِيَار الَّذِي جَمَعْنَاهُ، فَتَسْلُك فِي ذَلِك مِنْهاجَهُمْ وتحتذي عَليّ مثالهم إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. ٨ - (عِيَارُ الشِّعْر) وعِيَارُ الشّعْر أَن يُورَدَ على الفَهْم الثَّاقب فَمَا قَبِلَهُ واصطفَاهُ فَهُوَ وَافٍ، وَمَا مَجَهُ ونَفَاهُ فَهُوَ ناقِصٌ. والعِلَّةُ فِي قَبُولِ الفَهْم النَّاقِدِ للشعر الحَسَن الَّذِي يَرِد عَلَيْهِ، ونَفْيهِ للقبيح مِنْهُ، واهتزازهِ لما يَقْبَلهُ، وتَكَرُهِهِ لما يَنْفيهِ، أنَّ كلَّ

стр. 16

حاسَّةٍ من حَوَاسِّ البَدَنِ إنَّما تَقْبَلُ مَا يَتَّصِلُ بهَا مِمَّا طُبِعَتْ لَهُ إِذا كانَ وُرُودُهُ عَلَيْهَا وُروداً لطيفاً باعتدالٍ لَا جَوْرَ فِيهِ وبموافَقَةٍ لَا مُضَادَّةَ مَعَها. (فالعينُ تألَفُ المَرْأى الحَسَن، ... وتَقْذَى بالمَرْأَى القَبيح الكَريه) (وَالأَنْفُ يَقْبَلُ المَشَمَّ الطَّيِّبَ، ... ويتأَذَّى بالمُنْتِنِ الخَبِيث) (والفَمُ يَلْتَذُّ بالمذاقِ الحُلْو، ... ويَمُجُّ البَشِعَ المُرَّ) والأذنُ تتشوَّف للصَّوتِ الخَفيض السَّاكن، وتَتَأذَّى بالجَهير الهَائل. واليَدُ تَنْعَمُ بالمَلْمَس اللَّين النَّاعم، وتتأذَّى بالخَشِن المُؤْذي. والفَهْمُ يأنَسُ من الكَلامِ بالعَدْلِ الصَّواب الحَقِّ، والجَائزِ المعْروفِ المألُوفِ، ويَتَشَوَّفُ إِلَيْهِ، ويتَجَّلى لَهُ، ويستوحش من الكَلامَ الجَائر الخَطأِ الباطِل، والمُحَالِ المجَهْول الْمُنكر، وينَفرُ منهُ، ويصدأ لَهُ. فَإِذا كانَ الكَلامُ الوَاردُ على الفَهْم مَنظوماً مُصَفَّى من كَدَر

стр. 17

العِيِّ، مُقَوَّماً من أَوَدِ الخَطَأ واللَّحنِ، سَالماً من جَوْر التَّأليف، مَوْزوناً بِميزَانِ الصَّواب لفظا ومَعْنَىً وتَرْكيباً اتَّسَعَتْ طُرُقه، ولَطُفَتْ مَوَالجهُ فَقَبِلَهُ الفَهْمُ، وارتَاحَ لَهُ، وأَنِسَ بِهِ. وَإِذا وَرَدَ عَلَيْهِ على ضدِّ هَذِه الصِّفَة وكانَ باطِلاً مُحَالاً مَجْهولاً انسَدَّتْ طُرقُه، ونَفَاهُ واسْتَوْحَشَ عِنْد حِسِّه بِهِ، وصَدَئ لَهُ، وتَأَذَّى بِهِ كَتَأذِّي سَائِر الحَواسِّ بِمَا يخالِفُها على مَا شرحناه. وعلَّهُ كُلَّ حَسَنٍ مَقْبولٍ الاعْتِدالُ، كَمَا أنَّ عِلَّةَ كلِّ قبيحٍ مَنْفِيِّ الاضْطِرابُ. والنَّفْسُ تَسْكُنُ إِلَى كلِّ مَا وافقَ هَواهَا وتَقْلَق مِمَّا يُخَالِفُهُ، وَلها أَحْوَالٌ تتَصرَّفُ بِها، فَإِذا وَرَدَ عَلَيْهَا فِي حَالةٍ من حَالاتِها مَا يوافقُها اهتَزَّتْ لَهُ وَحَدثَتْ لَهَا أَرْيَحِيَّةٌ وطَرَبٌ، وَإِذا وَرَدَ عَلَيْهَا مَا يُخَالِفُها قَلِقَتْ، واستَوْحَشَتْ. وللشِّعر المَوْزون إِيقاعٌ يَطْربُ الفَهْمُ لصَوابِه وَمَا يَردُ عَلَيْهِ من حُسْنِ تَركيبهِ واعتدالِ أَجزائهِ، فَإِذا اجتَمَع للفَهْمِ مَعَ صِحَّةِ وَزْن الشِّعر صِحَّةُ وَزْنِ المَعْنَى وعُذوبةُ اللَّفظ فَصَفَا مَسْموعُهُ ومعقُولُهُ من الكَدَرِ تَمَّ قبولُهُ لَهُ، واشتمالُهُ عَلَيْهِ، وإنْ نَقَصَ جزءٌ من أجزائِهِ الَّتِي يكمُلُ بهَا - وَهِي اعتدالُ الوَزْنِ، وصوابُ المَعْنى، وحُسْنُ الألْفَاظ - كَانَ إِنْكَار الفَهْم إيَّاهُ على قدْر نُقْصان أَجزائِه. ومثالُ ذَلِك الغِنَاءُ المُطْربُ الَّذِي يتضاعَفُ لَهُ طَربُ مُسْتَمِعِه

стр. 18

المُتَفَهِّم لمعناهُ ولَفْظهِ مَعَ طيب ألحانِهِ. فأمَّا المُقْتَصِرُ على طيبِ اللَّحْنِ مِنْهُ دون مَا سواهُ فَنَاقِصُ الطَّرَب. وَهَذِه حالُ الفَهْمِ فِيمَا يَردُ عليهِ من الشِّعر المَوْزون مَفْهوماً أَو مَجْهُولا. وللأشعارِ الحَسَنَةِ على اختِلَافِها مَواقِعُ لطيفَةٌ عِنْد الفَهْم لَا تُحدُّ كَيْفِيَّتُها كمواقعِ الطُّعُوم المُركَّبَّةِ الخَفِيَّةِ التَّركيبِ اللَّذيذةِ المَذَاقِ، وكالأرَاييحِ الفَائحةِ المُخْتَلفِة الطِّيبِ والنَّسيمِ، وكالنُّقوشِ المُلَوَّنَةِ التَقَاسيم والأصْبَاغ، وكالإيقاعِ المُطْرِبِ المُخْتَلِفِ التَّأْلِيف، وكالمَلَامِس اللَّذيذةِ الشَّهية الحَسِّ، فَهِيَ تلائمهُ إِذا ورَدَتْ عَلَيْهِ؛ أعْني: الأشعَارَ الحَسَنةَ للفَهْم، فيلتَذُّها، ويَقْبَلُها، ويرتشفُهَا كارِتشَافِ الصَّديان للبَاردِ الزُّلَالَ، لأنَّ الْحِكْمَة غذاءُ الرُّوحِ؛ فأنْجَعُ الأغذية ألْطَفُهَا. وَقد قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- " إنَّ من الشِّعر حِكْمَةً " وَقَالَ ﵇: " مَا خَرَجَ من القَلب وَقَعَ فِي القَلْب، وَمَا خَرَجَ من اللِّسَان لم يتَعَدَّ الآذَان ". فَإِذا صَدَق وُرُودَ القَوْل نَثْراً ونَظْماً أبْهَج صدرَهُ.

стр. 19

وَقَالَ بعضُ الفَلاسِفَة: " إنَّ للنَّفْس كلماتٍ روحانيةً من جِنْسِ ذَاتهَا ". وجَعَل ذَلِك بُرْهَاناً عَلَى نَفْعِ الرُّقى ونجعِهَا فِيمَا تُسْتَعْمَلُ لَهُ. فَإِذا ورَدَ عَلَيْك الشِّعْرُ اللّطِيفُ المعْنَى، الحُلْوُ اللَّفظِ، التَّامُ البَيَان، المعَتدلُ الوَزْنِ مَازَجَ الرُّوحَ ولاءَمَ الفَهْمَ، وَكَانَ أنْفَذَ من نَفْثِ السِّحر، وأخْفَى دبيباً من الرُّقى، وأَشَدَّ إطْرَاباً من الغِنَاء، فَسَلَّ السَّخائمِ، وحَلَّل العُقَد، وسَخَّى الشَّحيحَ، وشَجَّعَ الجَبَانَ، وكانَ كالخَمْرِ فِي لُطْفِ دَبيبه وإلهائِهِ، وهَزِّهِ، وإثارَتهِ. وَقد قَالَ النَّبِيُّ -[ ﷺ ]-: " إنّ من البَيَان لسِحْراً ". ولِحُسْنِ الشّعر وقُبولِ الفَهْم إياهُ عِلّةٌ أخْرَى؛ وَهِي موافَقَتُه للْحَال الَّتِي يُعَدُّ معناهُ لَهَا كالمَدْحِ فِي حَالِ المُفَاخَرة وحُضور من يُكْبَتُ بإنشادِهِ من الأعْداءِ وَمن يُسَرُّ بِهِ من الأوْلياءِ. وكالهجاءِ فِي حَال مُبَاراة المُهَاجَى والحَطَّ مِنْهُ حَيْثُ يَنْكى فِيهِ استماعه لَهُ. وكالمَراثيِ فِي حَال جَزَعِ المُصَاب وتَذَكُّرِ مَنَاقبِ المفَقْود عِنْد تأْبينهِ والتَّعْزيةِ عَنهُ.

стр. 20

وكالاعتذارِ والتَّنصُّلِ من الذَّنب عِنْد سَلِّ سَخِيمَةِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ المُعْتَذَرِ إِلَيْهِ. وكالتَّحريضِ على القِتَال عِنْد التِقَاء الأقْرَان وطَلَبِ المُغَالبة. وكالغَزَل والنَّسِيب عِنْد شَكْوَى العَاشق واهِتيَاجِ شوقهِ وحَنينِه إِلَى مَنْ يَهْواهُ. فَإِذا وَافَقَتْ هَذِه المَعَاني هَذِه الحَالات تَضَاعَفَ حُسْنُ مَوْقِعها عِنْد مُسْتَمعها، وَلَا سِيَّما إِذا أُيِّدَتْ بِمَا يَجْلبُ القُلوبَ من الصِّدق عَن ذَات النَّفس بِكَشْفِ المَعَاني المُخْتَلِجَةِ فِيهَا، والتَّصْريحِ بِمَا كَانَ يُكْتَمُ مِنْهَا، والاعترافِ بالحَقِّ فِي جَميعها. والشِّعْرُ هُوَ مَا إنْ عَريَ من مَعْنَىً بَديعٍ لم يَعْر من حُسْنِ الدِّيبَاجَةِ، وَمَا خَالَفَ هَذَا فليسَ بِشِعْرٍ. وَمن أحْسَن المَعَاني والحِكَاياتِ فِي الشِّعر وأشَدِّها اسِتفزازاً لمن يَسْتَمِعُهَا الابتداءُ بِذكْرِ مَا يَعْلَمُ السَّامِعُ لَهُ إِلَى أيِّ مَعْنَى يُسَاق القَوْلُ فِيهِ قَبْلَ استتمامِهِ وَقبل تَوَسُّط العِبَارَةِ عَنهُ. والتَّعريضُ الخَفِيُّ الَّذِي يكون بخفائِه أبْلَغَ فِي مَعْنَاهُ من التَّصْريح الظَّاهر الَّذِي لَا سِتْرَ دونَهُ، فَموْقِعُ هَذَين عِنْد الفَهْم كَمَوقعِ البُشْرَى عِنْد صَاحِبِها، لِثَقَةِ الفَهْم بحلاوة مَا يَردُ عَلَيْهِ من مَعْنَاهُمَا.

стр. 21

(ضُروبُ التَّشْبِيهَات) والتَّشْبِيهَاتُ على ضُروبٍ مُخْتلَفَةٍ، فَمِنْهَا: تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صُورةً وهيئةً. وَمِنْهَا تَشْبِيهُهُ بِهِ مَعْنَى. ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ حَرَكَة وبطأً وسُرعَةً. ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ لوناً. ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ صَوتا وَرُبمَا امتزجَتْ هَذِه الْمعَانِي بعضُها ببعضٍ، فَإِذا اتَّفَقَ فِي الشَّيءِ المُشَبَّهِ بالشَّيءِ مَعْنيان أَو ثلاثةُ مَعَانٍ من هَذِه الأوْصَاف قَويَ التَّشْبيهُ وتأكدَ الصَّدْقُ فِيهِ، وحَسُنَ الشِّعرُ بِهِ للشَّواهِد الكَثيرةِ المؤيِّدَةِ لَهُ. فَأَما تَشْبِيهُ الشيءِ بالشِّيءِ صُورَة وهيئةً فكَقَوْل امْرِئ القَيْس.

стр. 22

(كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لدَىَ وَكْرِهَا العُنَّابُ والحشَفُ البَالي) كقولهِ. (كَأنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا ... وأرْحُلِنَا الجزعُ الَّذِي لم يُثَقَّبِ) وكقول عَدِيِّ بن الرِّقَاع. (تُزْجي أغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ ... قَلَمٌ أصَابَ مِنَ الدَّواةِ مِدَادَهَا) وأَمَّا تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ لَوْناً وَصُورَة فكقول امْرِئ القَيْس يَصِفُ الدِّرعَ. (وَمَشْدودَةُ السَّبكِ مَوضُونةٌ ... تَضَاءَلُ فِي الطَّيِّ كالمِبْرَدِ) (تَفيضُ على المَرْءِ أرْدَانُهَا ... كَفَيْضِ الأتيِّ على الجَدْجَدِ)

стр. 23

وكقَولِ النَّابغة: (تَجْلُو بقَادِمَتَيْ حَمَامِة أيكَةٍ ... بَرَداً أُسِفَّ لِثَاتُهُ بالإثْمِدِ) (كالأُقْحُوانِ غَدَاةَ غِبِّ سَمَائهِ ... جَفَّتْ أعَاليهِ وأسْفْلُهُ نَدِي) وكقول حُميد بن ثَوْر. (على أنَّ سَحْقاً من رَمَادٍ كأنَّهُ ... حَصَى إثْمِدٍ بينَ الصَّلاءِ سَحِيقُ) وأمَّا تَشْبْيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صُورَة، ولَوْناً، وحَرَكةً، وهَيْئةً، فكَقْولِ ذِي الُّرمة. (مَا بَالُ عَيْنِكَ منهَا الماءُ يَنْسَكِبُ ... كأنَّهُ من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ) (وفراءَ غَرْفِيَّةٍ أثْأى خوارزُهَا ... مُشَلْشِلُ ضَيَّعَتْهُ بَينهَا الكُتَبُ)

стр. 24

وكقَوْلِ الشَّمَّاخ. (لِلَيْلَى بالعُنَيزةِ ضَوْءُ نَارٍ ... تَلُوحُ كأنَّهَا الشَّعرَى العَبُورُ) (إِذا مَا قلتُ أَخْمَدَها زَهَاهَا ... سَوادُ اللَّيِل والرَّيحُ الدَّبورُ) وكقَول ابْن [أخي] الشَّمَّاخ؛ وَهُوَ جَبَّارُ بن جَزْء. (والشَّمْسُ كالمرآةِ فِي كفَّ الأَشَلّْ) وكَقَوْلِ امْرِىء القَيْس. (جَمَعْتُ رُدَيْنِيّاً كأنَّ سِنَانَهُ ... سَنَا لَهَبٍ لم يَتَّصِلْ بدُخَانِ)

стр. 25

وكقَوْلِ لَيْلَى الأخْيَلِيَّة. (قومٌ ربَاطُ الخَيْلِ وَسْطَ بيوتِهِم ... وأسِنَّةُ زَرَقُ يُخَلْنَ نُجُومَا) وَأما تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ حَرَكةً، وهَيئْةً، فكقَوْلِ عَنْترة. (وتَرَى الذَّبابَ بهَا يُغَنَّي وَحْدَهُ ... هَزِجاً كفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنَّمِ) (غَرِداً يَحُكُّ ذِراعَهُ بِذِرَاعِهِ ... قَدْحَ المُكِبَّ على الزَّنادِ الأجْذَمِ) وكقَوْل الأعْشَى. (غَرَّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقولُ عوارِضُهَا ... تَمْشِي الهُوَيْنَى كَمَا يَمْشِي الوَجِي الوَحِلُ)

стр. 26

(كأنَّ مِشُيَتَها من بَيْتِ جَارَتِهَا ... مَرُّ السَّحَابَةِ لَا رَيْثُ وَلَا عَجَلُ) وكقَوْلِ حُمَيد بن ثَوُر. أرِقْتُ لِبَرقٍ أخِرَ اللّيْلِ يَلْمَعُ ... سَرَى دَائِباً فِيهِ يَهُبُّ ويَهُجَعُ) (دَنَا اللَّيلُ واسْتَنَّ اسُتِنَاناً رفيقُهُ ... كَمَا اسْتَنَّ فِي الغَابِ الحَرِيقُ المُشَيَّعُ) وكقَوْلِهِ. (خَفَا كاقْتِذاءِ الطَّيرِ واللَّيلُ مُدْبِرُ ... بُجْثمانهِ، والصُّبحُ قد كانَ يَسْطَعُ ... ) وكقَولِ ابْن هَرْمَة. تَرَى ظِلَّهَا عِنْد الرَّواحِ كأنَّهُ ... إِلَى دَفَّها رألُ يَخُبُّ جَنِيبُ)

стр. 27

وكقَوْلِ الآخَر. (يُضْحي بهَا الحِرْبَاءُ وَهُوَ كأنَّهُ ... خَصْمُ مُعِدُّ للخُصُومةِ مُوفِقُ) وكقَوْلِ الآخر: (كأنَّ أنوفَ الطيَّرِ فِي عَرَصَاتِهَا ... خَرَاطِيمُ أقلامٍ تَخُطُّ وتُعْجِمُ) وأمَّا تشبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ؛ معنى لَا صُورَة فكتشبيه الجوادِ الكَثيرِ العَطَاءِ بالبَحْر والحَيَا. وتَشْبيهِ الشُجَاعِ بالأسَدِ. وتَشْبيهِ الجَميلِ البَاهِر الحَسَن الرَّواء بالشَّمس والقَمَر. وتَشْبيهِ المَهِيبِ، الماضِي فِي الأمُور بالسَّيف. وتَشْبيهِ العَالي الهِمَّةِ بالنَّجم. وتَشْبيهِ الْحَلِيم الَّركين بالجَبَل. وتَشْبيهِ الحَيِيَّ بالبكر. وتَشْبيهِ الَعزيز، الصَّعب المرام، بالمُتَوقَّل فِي الْجبَال، والسَّامي فِي العُلُوَّ. وتَشْبيهِ الفَائت بالحُلْم، وبأمسِ الذَّاهب. وتَشْبيهِ أضْدادِ هَذِه المَعَاني بأشْكالها عَلَى هَذَا القِيَاس؛ كاللئيم بالكَلْب والجبان بالصفرد، والطائش بالفراش، والذليل بالنَّقد وبالوتد، والقاسي بالحديد والصَّخر.

стр. 28

وَقد فَازَ قومُ بخلال شُهروا بهَا من الخَيْر والشَّر، وصَارُوا أعلاماً فِيهَا، فَرُبما شُبَّه بهم فيكُونُونَ فِي الْمعَانِي الَّتِي احْتَووا عَلَيْهَا، وذُكِرُوا بشُهْرتها نُجُوماً يُقْتَدى بهم، وأعْلاماً يُشَار إِلَيْهِم؛ كالسَّموأل فِي الْوَفَاء، وحَاتمِ فِي السَّخاءِ والأحْنَفِ فِي الحِلْم، وسَحْبانَ فِي البَلاغة، وقُسًّ فِي الخَطَابة، ولقمانَ فِي الْحِكْمَة، فَهُم فِي التَّشْبِيه يُجْرَونَ مُجْرَى مَا قَدَّمنا ذِكْرَهُ من البَحْر والحَيَا، وَالشَّمْس وَالْقَمَر، وَالسيف، وَيكون التَّشْبِيه بهم مَدْحاً كالتشبيه بهَا. وَكَذَلِكَ أضْدَادُ هَؤُلَاءِ؛ قومُ يُذَمُّون فِيهَا شُهروا بِهِ يُشَبَّهُ بهم فِي حَال الذَّم كَمَا يُشَبَّه بهؤلاء فِي حَال المَدْح كبَاقِلٍ فِي العِي، وَهَبَنَّقَةَ فِي الحُمُق، والكُسَعِيَّ فِي الندامة، والمَنْزوف ضَرطاً فِي الْجُبْن. فالشَّاعِرُ الحاذِقُ يَمْزِجُ بَين هَذِه المَعَاني فِي التَّشْبِيهاتِ لِتَكُثُرَ شواهِدُهَا، ويتأكَّدَ حُسْنُها، ويَتَوَقَّى الِاخْتِصَار على ذكر الْمعَانِي الَّتِي يُغِيرُ عَلَيْهَا دونَ الإبدَاعِ فيهَا، والتَّلْطيِفِ لَهَا لئلَاّ يكونَ كالشَّيءِ المُعَادِ المَمْلُول. فَمَا كانَ من التَّشُبيه صَادقاً قلتَ فِي وَصْفِهِ: كأنَّه، أَو قلتَ: كَكَذَا.

стр. 29

وَمَا قاربَ الصَّدق قلتَ فِيهِ: تَراهُ أوُ تَخَالُه أوْ يَكَادُ. فَمن التَّشبيه الصَّادق قَولُ امرِيء القَيْس. (نَظَرْتُ إِلَيْهَا والنُّجومُ كأنَّها ... مَصَابيحُ رُهْبانٍ تُشَبُّ لقُفَّالِ) فَشَبَّهَ النجومَ بمصابِيِحِ رُهْبَانٍ لفرطِ ضِيَائها وتَعهُّدِ الرُّهْبَان لمصَابيحِهْم وقيامهِمْ عَلَيْهَا لتُزْهِرَ إِلَى الصُّبْح، فكذَلكَ النُّجومُ زَاهرةُ طُولَ الَّليلِ، وتَتَضاءَلُ للصَّبَاح كتَضَاؤلِ المَصَابيحِ لَهُ. وَقَالَ: ... تُشَبُّ لقُفَّالِ لأنَّ أحْيَاءَ العَرَب بالبَادِيِة إذَا قَفَلَتْ إِلَى مَوَضِعها الَّتِي تأوي إِلَيْهَا من مَصيفٍ إِلَى مَشْتىً، وَمن مَشْتىً إِلَى مَرْبع أَوقِدَتْ لَهَا نِيرانُ على قَدْر كَثرةِ مَنَازِلها وقِلَّتها ليهْتدُوا بهَا، فَشَبَّهَ النُّجومَ ومواقِعها من السَّماء بتَفَرِق تلكِ النِّيران واجتماعِهَا فِي مكانٍ بَعْدَ مكانٍ على حَسَب مَنَازِلَ القُفَّالِ من أحْيَاءِ العَرَبِ، ويُهْتَدَى بالنُّجوم كَمَا تَهْتدي القُفَّالِ بالنِّيران المُوقَدَةِ لَهُم.

стр. 30

وَأما تَشْبيه الشَّيءِ بالشيءِ مَعْنًى لَا صُورَة فكَقَولِ النَّابِغَة. (ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سُورَة ... تَرَى كُلَّ مَلكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ) (فإنَّكَ شَمْسُ والنُّجومُ كَواكِبُ ... إذَا طَلَعَتْ لم يَبْدُ مِنهُنَّ كوكَبُ) وكقَوْلِه أَيْضا: (فإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكي ... وإنْ خِلْتُ أنّ المُنْتَأى عَنْك واسِعُ) خَطَاطيفُ حُجْنٍ فِي حبالٍ مَتِينَةٍ ... تُمَدُّ بهَا أيْدٍ إِلَيْك نَوازِعُ)

стр. 31

وكقولِهِ: (وإنَّكَ غَيْثُ يُنْعِشُ النَّاسَ سَيْبُهُ ... وسَيْفُ أُعِيرَتْهُ المَنِيَّةُ قاطِعُ ... ) وكقولِ الأعْشَى: (كالهُنْدُوانيَّ لَا يُخْزِيكَ مَشْهَدُهُ ... وَسْطَ السُّيوف إِذا مَا تُضْرَبُ البُهَمُ) [وكقَوْلِ المُسَيَّب بن عَلَس] . (لَو كنتَ من شَيءٍ سِوَى بَشَرٍ ... كنت المُنِيرَ لِلْيلَةِ البدرِ) (ولأنْتَ أجوْد بالعَطاءِ من ... الرَّيَّان لما جَادَ بالقَطْرِ) (ولأنتَ أشجَعُ من أسَامةَ إذْ ... رَأبَ الصَّرِيخُ وَلُجَّ فِي الذُعْرِ) (ولأنتَ أحْيَى من مُخَدَّرةٍ ... عَذْرَاءَ تَقْطنُ جَانب الخدْرِ)

стр. 32

(وَلأنْتَ أبْيَنُ حينَ تَنْطِقُ مِنْ ... لُقْمَانَ لَمَّا عَيَّ بالمَكْر) وكقول النَّابِغَةِ الجَعْديَّ: (فَقَدْ بَلِيتُ وأفْنَانِي الزَّمانُ كَمَا ... يُفْني تَقَلُّبُ أقْطَار الرَّحى القُطُبَا) وكقول الآخر: (وكالسَّيفِ إنْ لايَنْتَهُ لَانَ مَتْنُهُ ... وحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خَشِنَانِ) وكقول الرَّاعي: (فَمَا أمُّ عبد اللهِ إلاّ عَطِيَّةُ ... من اللهِ أعْطَاهَا امْرَءًا فَهُوَ شَاكِرُ) (هيَ الشَّمْسُ وَافَاهَا الهِلالُ، بنوهُمَا ... نجومُ بآفاق السَّماءِ نظائرُ) (تُذكَّرها المَعْروفَ وَهِي حَيِيَّةُ ... وذُو اللُّبَّ أَحْيَانًا مَعَ الحِلُم ذاكِرُ) (كَمَا استقبلَتْ غيثاً جنوبُ ضَعِيفة ... ُ فأسْبَلَ رَيَّان الغَمامةِ مَاطِرُ) وَأما تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ حَرَكةً، وبُطْاً، وسُرعةً، فكَقْولِ الرَّاعي.

стр. 33

(كأنّ يَدَيْهَا بَعْدَمَا انضَمَّ بُدْنُها ... وَصَوَّبَ حادٍ بالرَّكابِ يَسُوقُ) (يَدَا مَاتِحٍ عَجْلاتَ رخْوٍ ملاطُهُ ... لَهُ بكرةُ تَحْتَ الرَّشَاءِ فَلُوقُ) وكقولِ امريء القَيْس: (كأنّ الحَصَى من خَلْفهاَ وأمَامَهَا ... إِذا نَجَلَتْهُ رجلُها، حَذْفُ أعسَرا) وكقولِ الآخَر: (كأنَّما الرَّجْلانِ واليَدَانِ) (طالَبتَا وتْرٍ وهَارِبَانِ) كَقَوْل الأخْطَل: (وهُنَّ عندَ اغتِرارِ القَومِ ثَورَتَها ... يَرْهَقْنَ مُجْتَمَعَ الأعنَاقِ والرُّكَبِ) (منهنَّ ثُمَّتُ تَرمي قَذْفُ أرْجُلهَا ... إهذابَ أيدٍ بهَا يفَرِينَ كالعَذَبِ)

стр. 34

(كَلَمْعِ أيْدي مَثاكيلٍ مُسَلَّبَةٍ ... يَنْعَيْنَ فِتْيَانَ ضَرسِ الدَّهرِ والخُطُبِ) وكقَوْلِ حُمَيد بن ثَوْر: (من كلَّ يَعُمُلَه يَظَلُّ زِمَامُهَا ... يَسعَى كَمَا هَرَبَ الشُّجَاعُ المُنْفَرُ) وكقولِ الشَّمَّاخ فِي مثله: (وكلَّهُنَّ يُبَاري ثِنْيَ مُطَّرِدٍ ... كحَيَّةِ الطَّوْدِ وَليَّ غَيْرَ مَطْرودِ) وكقولِ امريء القَيْس: (مِكَرًّ مِفَرًّ مُقْبلٍ مُدْبرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ من عَلِ)

стр. 35

وكقولهِ: (أصَاحِ! تَرَى بَرْقاً أُريكَ وَمِيضُهُ ... كَلَمعِ اليَدَينِ فِي حَبِيًّ مُكَلَّلِ) وأمَّا تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ لَوْناً فكقَوْلِ الأعْشَى: (وسَبِيئةٍ مِمَّا تُعَتَّقُ بَابِلُ ... كَدَمِ الذَّبيحِ سَلبْتُهَا جِرْيَالَهَا) وكقولِ حُميد بن ثَوْر: (والَّليْلُ قد ظَهَرتْ نَحِيزَتُهُ ... والشَّمْسُ فِي صَفْراءَ كالوَرُسِ)

стр. 36

وكقولِ الشَّمَّاخ: (إِذا مَا الَّليْلُ الصُّبْحُ فِيهِ ... أشَقَّ كَمَفْرِقِ الرَّأسِ الدَّهِينِ) وكقولِ عَبيد بن الأبْرَص: (يَا مَنْ لبَرْقٍ أبِيتُ الّليلَ أرْقُبهُ ... فِي عَارِضٍ كَمُضِيء الصُّبْحِ لَمَّاحِ) وكقولِ زُهير: (زَجَرْتُ عَلَيْهَا حُرَّةً أرْحَبِيَّةً ... وَقدْ صَارَ لونُ الليلِ مثلَ الأرَنْدَجِ) وكقولِ امريء القَيْس: (وليلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُ ... عَليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلي)

стр. 37

وكَقَولِ بِشْر: (كأنَّ سَنَا قَوَانِسِهِمْ ضِرَامُ ... مَرَتْهُ الرَّيحُ فِي أعلىَ يَفَاعِ) وكَقَولِ كَعْب بن زُهَير: (ولَيْلَةِ مُشْتْاقٍ كأنَّ نجومَهَا ... تَفَرَّقْنَ مِنْهَا فِي طَيَالِسَةٍ خُضْرِ) وكقولِ ابْن هَرْمة: (ولَيلٍ كسِربَالِ الغُرابِ ادَّرَعُتُهُ ... إِلَيْك كَمَا احْتَثَّ اليمامةَ أجُدَلُ)

стр. 38

وكقولِ ذِي الرُّمَّةِ: (وَقَدْ لاحَ للسَّارِي الَّذِي كَمَّلَ السُّرَى ... عَلَى أَخْرَياتِ اللَّيل فَتقُ مُشَهَّرُ) (كَلَونِ الحِصَانِ الأنْبطِ البَطنِ قائِماً ... تَمَايَلَ عَنْهُ الجُلُّ واللَّوْنُ أشْقَرُ) وَكَقَوْلِه: (إلىَ أنْ يَشُقَّ اللَّيلَ وَرْدُ كأنَّهُ ... وَرَاءَ الدُّجَى هَادٍ أغَرَّ جوَادِ) وَأما تشبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صَوتا فكَقَولِ الشَّمَّاخ: (أُجُدُ كأنّ صَرِيفَها بسَدِيسهَا ... فِي البيدِ جانحةً صَرِيرُ الأخْطَبِ)

стр. 39

وكَقولِ الرَّعي: (كَأَن دَوِيَّ النَّحْلِ تَحتَ ثِيابَها ... حَصَادُ السَّفا لاقَى الرَّياحَ الزَّعَازِعَا) وكقولِ الشَّمَّاخِ: (كأنّ نَهِيتَهُنَّ بِكُلَّ فَجًّ ... إِذا ارتَحَلوُا، تأوُّهُ نائِحَاتِ) وكقولهِ: (إِذا أنْبَضَ الرَّامُوُنَ عَنْها تَرَنَّمتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْهَا الجَنَائزُ) وكقولِ الأعشىَ: (تَسمعُ للحَلْي وَسْواساً إِذا انصَرَفَتْ ... كَمَا استَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِقُ زَجِلُ) وأمَّا الابتدَاءُ بِمَا يُحِسُّ السَّامِعُ بِمَا يَنْقَادُ إليهِ القَولُ فِيهِ قَبلَ اسْتِتْمامِهِ فكقولِ النَّابِغَةِ:

стр. 40

(إِذا مَا غَزَوْا بالجَيشِ حَلَّق فَوقَهْمْ ... عَصَائبُ طَيرٍ تَهْتَدِي بعَصَائِبِ) فَقَدَّم فِي هَذَا البَيْتِ مَعْنَى مَا يُحَلَّقُ الطّيرُ من أجْلِهِ ثمَّ أوضَحَهُ بقَولِهِ: (يُصاَحِبنَهُمْ حَتَّى يُغْرنَ مَغَارَهُمْ ... من الضَّارياتِ بالدماءِ الدَّواربِ) (تَرَاهُنَ خَلْفَ القَومِ زُوراً كأنَهَا ... جُلوسُ الشُّيوخِ فِي مُسُوكِ الأرَانبِ) (جَوَانِحَ قد أيقَنَّ أنَّ قَبيلَهُ ... إِذا مَا التَقَى الجَمَعانِ أولُ غَالِبِ) (لهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةُ قد عَرَفْنَهَا ... إذَا عَرَّضُوا الخَطَّيَّ [فَوْقَ] الكواثِبِ)
следующие страницы →