← Язык

Язык · id 6920

درة الغواص في أوهام الخواص

الحريري

Полный текст (284 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

درة الغواص فِي أَوْهَام الْخَواص

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ الشَّيْخ الْأَجَل الأوحد الرئيس أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم ابْن عَليّ الحريري رَحمَه الله تَعَالَى: أما بعد حمد الله الَّذِي عَم عباده بوظائف العوارف، وَخص من شَاءَ مِنْهُم بلطائف المعارف، وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد العاقب، وعَلى آله وَأَصْحَابه أولي المناقب فَإِنِّي رَأَيْت كثيرا مِمَّن تسنموا أسنمة الرتب، وتوسموا بسمة الْأَدَب، قد ضاهوا الْعَامَّة فِي بعض مَا يفرط من كَلَامهم، وترعف بِهِ مراعف أقلامهم، مِمَّا إِذا عثر عَلَيْهِ، وَأثر عَن المعزو إِلَيْهِ، خفض قدر الْعلية، ووصم ذَا الْحِلْية. فدعاني الْأنف لنباهة أخطارهم، والكلف بإطابة أخبارهم، إِلَى أَن أدرأ عَنْهُم الشّبَه، وَأبين مَا الْتبس عَلَيْهِم واشتبه، لألتحق بِمن زكى أكل غرسه، وَأحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ. فألفت هَذَا الْكتاب تبصرةً لمن تبصر، وَتَذْكِرَة لمن أَرَادَ أَن يذكر، وسميته: درة الغواص فِي أَوْهَام الْخَواص، وَهَا أَنا قد أودعته من النخب كل لباب، وَمن النكت مَا لَا يُوجد منتظماً فِي كتاب، هَذَا إِلَى مَا لمعته بِهِ من النَّوَادِر اللائقة بمواضعها، والحكايات الْوَاقِعَة فِي مواقعها، فَإِن حلى بِعَين النَّاظر فِيهِ والدارس، وأحله القادح لَدَى القابس، وَإِلَّا فعلى الله تَعَالَى أجر الْمُجْتَهد، وَهُوَ حسبي وَعَلِيهِ أعْتَمد. [١] فَمن أوهامهم الفاضحة، وأغلاطهم الْوَاضِحَة أَنهم يَقُولُونَ: قدم سَائِر الْحَاج، وَاسْتوْفى سَائِر الْخراج، فيستعملون سائراً بِمَعْنى الْجَمِيع، وَهُوَ فِي كَلَام الْعَرَب

стр. 3

بِمَعْنى الْبَاقِي، وَمِنْه قيل لما يبْقى فِي الْإِنَاء: سُؤْر، وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لغيلان حِين أسلم وَعِنْده عشر نسوةٍ: اختر أَرْبعا مِنْهُنَّ، وَفَارق سائرهن، أَي من بَقِي بعد الْأَرْبَع اللَّاتِي تختارهن. وَلما وَقع سَائِر فِي هَذَا الموطن بِمَعْنى الْبَاقِي الْأَكْثَر، منع بَعضهم من اسْتِعْمَاله بِمَعْنى الْبَاقِي الْأَقَل. وَالصَّحِيح أَنه يسْتَعْمل فِي كل باقٍ، قل أَو كثر لإِجْمَاع أهل اللُّغَة على أَن معنى الحَدِيث: إِذا شربتم فأسئروا، أَي أَبقوا فِي الْإِنَاء بَقِيَّة مَاء، لَا أَن المُرَاد بِهِ أَن يشرب الْأَقَل ويبقي الْأَكْثَر. وَإِنَّمَا ندب إِلَى التأدب بذلك لَان الاكثار من الْمطعم وَالْمشْرَب منبأةٌ عَن النهم ملأمة عِنْد الْعَرَب، وَمِنْه مَا جَاءَ فِي حَدِيث أم زرع عَن الَّتِي ذمت زَوجهَا، فَقَالَت: إِن أكل لف، وَإِن شرب اشتف، أَي يتناهى فِي الشربه إِلَى أَن يستأصل الشفافة، وَهِي مَا يبْقى من الشَّرَاب فِي الْإِنَاء. وَمِمَّا يدل على أَن سائراً بِمَعْنى باقٍ مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ: (ترى الثور فِيهَا مدْخل الظل رَأسه ... وسائره بادٍ إِلَى الشَّمْس أجمع) وَيشْهد بذلك أَيْضا قَول الشنفرى: (لَا تقبروني إِن قَبْرِي محرمٌ ... عَلَيْكُم وَلَكِن أَبْشِرِي أم عَامر)

стр. 4

(إِذا احتملت رَأْسِي وَفِي الرَّأْس أكثري ... وغودر عِنْد الْمُلْتَقى ثمَّ سائري) فعنى كل شَاعِر بِلَفْظ سَائِر مَا بَقِي من جثمانه بعد إبانة رَأسه. وَقد اشْتَمَلت هَذِه الأبيات على مَا يَقْتَضِي الْكَشْف عَنهُ لِئَلَّا يحتضن هَذَا الْكتاب مَا يلتبس شَيْء مِنْهُ. أما قَول الشَّاعِر الأول: ترى الثور فِيهَا مدْخل الظل، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ مدْخل رَأسه الظل، فَقلب الْكَلَام كَمَا يُقَال: أدخلت الْخَاتم فِي إصبعي. وَحَقِيقَته إِدْخَال الإصبع فِي الْخَاتم، وقلب الْكَلَام من سنَن الْعَرَب المأثورة وتصاريف لغاتها الْمَشْهُورَة، وَمِنْه فِي الْقُرْآن: ﴿مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي الْقُوَّة﴾ لِأَن تَقْدِيره: مَا أَن الْعصبَة تنوء بمفاتحه، أَي تنهض بهَا على تثاقل. وَأما قَول الشنفرى: وَلَكِن أَبْشِرِي أم عَامر، فقد اخْتلف فِي تَفْسِيره، فَقيل أَنه الْتفت عَن خطاب قومه إِلَى خطاب الضبع، فبشرها بالتحكم فِيهِ إِذا قتل وَلم يقبر، وَأم عَامر كنية الضبع، والالتفات فِي المخاطبة نوع من أَنْوَاع البلاغة وأسلوب من أساليب الفصاحة، وَقد نطق الْقُرْآن بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا واستغفري لذنبك﴾ . فحول الْخطاب عَن يُوسُف ﵇ إِلَى امْرَأَة الْعَزِيز. وَقيل: بل الْخطاب كُله

стр. 5

لِقَوْمِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تقبروني إِذا قتلت وَلَكِن اتركوني للَّتِي يُقَال لَهَا: ابشري أم عَامر فَجعل هَذِه الْجُمْلَة لقباً لَهَا، وأوردها على وَجه الْحِكَايَة كَمَا قيل لِثَابِت بن جَابر الفهمي: تأبط شرا، بِأَخْذِهِ سَيْفا تَحت إبطه. وَإِنَّمَا لقب الضبع بذلك، لِأَن من عَادَة من يروم اصطيادها من وجارها، أَن يَقُول لَهَا حِين يتحفر عَنْهَا: ابشري أم عامرٍ، خامري أم عامرٍ، وَهِي تبتعد مِنْهُ وتروغ عَنهُ، وَهُوَ لَا يزَال يُكَرر ذَلِك عَلَيْهَا ويؤنسها بِهِ إِلَى أَن تبرز إِلَيْهِ وتسلم نَفسهَا لَهُ، وَلأَجل إنخداعها بِهَذَا القَوْل نسبت إِلَى الْحمق وَضرب بهَا الْمثل فِيهِ. وَأما قَوْله: وَفِي الرَّأْس أكثري، فَإِنَّهُ عَنى بِهِ أَن فِيهِ أَرْبعا من الْحَواس الْخمس الَّتِي بهَا كملت فَضِيلَة الْإِنْسَان، وامتاز عَن سَائِر الْحَيَوَان، وَإِنَّمَا اخْتَار هَذَا الشَّاعِر تسليط الضبع على أكله وَألا يقبر بعد قَتله، ليَكُون هَذَا الْفِعْل أوجع لقلوب قومه، وأدعى لَهُم إِلَى السؤور بدمه، وَقد فسر بِغَيْر ذَلِك إِلَّا أَنا لم نضع هَذَا الْكتاب لهَذَا الْفَنّ فنستقصي فِيمَا نشرح مِنْهُ، وَإِنَّمَا شذرناه بِمَا نظمناه من غير سمطه فِيهِ. [٢] وَيَقُولُونَ للمتتابع: متواتر فيوهمون فِيهِ لِأَن الْعَرَب تَقول: جَاءَت الْخَيل متتابعة، إِذا جَاءَ بَعْضهَا فِي إِثْر بعض بِلَا فصلٍ، وَجَاءَت متواترة، إِذا تلاحقت وَبَينهَا فصل، وَمِنْه قَوْلهم: فعلته متواترا، أَي حَالا بعد حَال، وشيئا بعد شَيْء . وَجَاء فِي الْأَثر أَن الصَّحَابَة لما اخْتلفُوا فِي الموؤودة قَالَ لَهُم عَليّ كرم الله وَجهه: أَنَّهَا لَا تكون موؤودة حَتَّى تَأتي عَلَيْهَا التارات السَّبع، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: صدقت أَطَالَ الله بَقَاءَك وَكَانَ أول من نطق بِهَذَا الدُّعَاء، وَأَرَادَ عَليّ ﵁ بالتارات السَّبع طَبَقَات الْخلق السَّبع المبينة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما ًفكسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا﴾

стр. 6

) . فعنى وِلَادَته حَيا، فَأَشَارَ عَليّ ﵁ إِلَى أَنه إِذا اسْتهلّ بعد الْولادَة ثمَّ دفن فقد وئد، وَقصد بذلك أَن يدْفع قَول من توهم أَن الْحَامِل إِذا أسقطت جَنِينهَا بالتداوي فقد وأدته. وَمِمَّا يُؤَيّد مَا ذكرنَا من معنى التَّوَاتُر قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترا﴾ ، وَمَعْلُوم مَا بَين كل رسولين من الفترة وتراخي الْمدَّة. وروى عبد خير، قَالَ: قلت لعَلي ﵁: أَن عَليّ أَيَّامًا من شهر رَمَضَان، أفيجوز أَن أقضيها مُتَفَرِّقَة قَالَ: اقضها إِن شِئْت متتابعة، وَإِن شِئْت تترى. قَالَ: فَقلت: أَن بَعضهم قَالَ: لَا تُجزئ عَنْك إِلَّا متتابعة، فَقَالَ: بلَى تُجزئ تترى، لِأَنَّهُ قَالَ : ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ وَلَو أرادها متتابعة لبين التَّتَابُع كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين﴾ . وَعند أهل الْعَرَبيَّة أَن أصل تترى وَترى، فقلبت الْوَاو تَاء، كَمَا قلبت فِي تخمة وتهمة وتجاه، لكَون أُصُولهَا من الوخامة وَالوهم وَالْوَجْه.

стр. 7

وَيجوز أَن تنون تترى كَمَا تنون أرطى وَألا تنون مثل سكرى، وَقد قرئَ بهما جَمِيعًا. وَحكى أَبُو بكر الصولي قَالَ: كتب أحد الأدباء إِلَى صديق لَهُ، وَقد أَبْطَأَ جَوَابه عَنهُ: كتبت إِلَيْك فَمَا أجبْت، وتابعت فَمَا واترت، وأضبرت فأفردت، وجمعت فَمَا وحدت. فَكتب إِلَيْهِ صديقه: الْجفَاء المستمر على الْأَزْمَان، أحسن من بعض الْخطاب للإخوان. [٣] وَيَقُولُونَ أزف وَقت الصَّلَاة اشارة إِلَى تضايقه ومشارفة تصرمه . فيحرفونه فِي مَوْضِعه، ويعكسون حَقِيقَة الْمَعْنى فِي وَضعه، لِأَن الْعَرَب تَقول: أزف الشَّيْء بِمَعْنى دنا واقترب، لَا بِمَعْنى حضر وَوَقع، يدل على ذَلِك أَن سُبْحَانَهُ سمى السَّاعَة آزفة وَهِي منتظرة لَا حَاضِرَة، وَقَالَ فِيهَا: ﴿أزفت الآزفة﴾ ، أَي دنا ميقاتها وَقرب أوانها، كَمَا صرح جلّ اسْمه بِهَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾ ، وَالْمرَاد بِذكر اقترابها التَّنْبِيه على أَن مَا مضى من أمد الدُّنْيَا أَضْعَاف مَا بَقِي مِنْهُ، ليتعظ أولو الْأَلْبَاب بِهِ. وَمِمَّا يدل أَيْضا على أَن أزف بِمَعْنى اقْترب، قَول النَّابِغَة: أزف الترحل غير أَن رِكَابنَا لما تزل برحالنا وَكَأن قد) فتصريحه بِأَن الركاب مَا زَالَت، يشْهد بِأَن معنى قَوْله: أزف، أَي اقْترب، إِذْ لَو كَانَ قد وَقع لَسَارَتْ الركاب. وَمعنى قَوْله: وَكَأن قد أَي وَكَأن قد سَارَتْ، فَحذف الْفِعْل لدلَالَة مَا بَقِي على مَا ألْقى. وَنبهَ بقد على شدَّة التوقع وتداني الْإِيقَاع لَهُ. وَالْعرب تَقول فِي كل مَا يتَوَقَّع حُلُوله، ويرصد وُقُوعه: كَانَ قد، أَي كَانَ قد وجد كَونه، وأظل وقعه.

стр. 8

[٤] وَيَقُولُونَ: زيد أفضل اخوته فيخطئون فِيهِ، لِأَن أفعل الَّذِي للتفضيل لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مَا هُوَ دَاخل فِيهِ، ومنزل منزلَة الْجُزْء مِنْهُ، وَزيد غير دَاخل فِي جملَة اخوته، أَلا ترى أَنه لَو قَالَ لَك قَائِل: من اخوة زيد لعددتهم دونه، فَلَمَّا خرج عَن أَن يكون دَاخِلا فيهم امْتنع أَن يُقَال: زيد أفضل اخوته كَمَا لَا يُقَال: زيد أفضل النِّسَاء لتميزه من جنسهن وَخُرُوجه عَن أَن يعد فِي جملتهن . وَتَصْحِيح هَذَا الْكَلَام أَن يُقَال: زيد أفضل الاخوة، أَو أفضل بني أَبِيه لِأَنَّهُ حينئذٍ يدْخل فِي الْجُمْلَة الَّتِي أضيف إِلَيْهَا بِدلَالَة أَنه لَو قيل لَك: من الاخوة أَو من بَنو أَبِيه لعددته فيهم وأدخلته مَعَهم. [٥] وَيَقُولُونَ لمن يَأْخُذ الشَّيْء بِقُوَّة وغلظة: قد تغشرم، وَهُوَ متغشرم . وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: تغشمر، وَهُوَ متغشمر، بِتَقْدِيم الْمِيم على الرَّاء، كَمَا قَالَ

стр. 9

الراجز: (أَن لَهَا لسائقا عشنزرا ... إِذا ونين سَاعَة تغشمرا) ويروى: إِن لَهَا لسائقا غشوزرا، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الشَّديد. وَمن كَلَام الْعَرَب: قد تغشمر السَّيْل، إِذا أقبل بِشدَّة وَجرى بحدة. [٦] وَيَقُولُونَ: بعد اللتيا وَالَّتِي فيضمون اللَّام الثَّانِيَة من اللتيا وَهُوَ لحن فَاحش، وَغلط شائن إِذْ الصَّوَاب فِيهَا اللتيا بِفَتْح اللَّام لِأَن الْعَرَب خصت الَّذِي وَالَّتِي عِنْد تصغيرهما وتصغير أَسمَاء الْإِشَارَة بِإِقْرَار فَتْحة أوائلها على صيغتها، وَبِأَن زَادَت ألفا فِي آخرهَا، عوضا عَن ضم أَولهَا، فَقَالُوا فِي تَصْغِير الَّذِي وَالَّتِي: اللذيا واللتيا، وَفِي تَصْغِير ذَاك وَذَلِكَ: ذياك وذيالك، وَعَلِيهِ أنْشد ثَعْلَب: (بذيالك الْوَادي أهيم وَلم أقل ... بذيالك الْوَادي وذياك من زهد) (وَلَكِن إِذا مَا حب شَيْء تولعت ... بِهِ أحرف التصغير من شدَّة الوجد)

стр. 10

أَرَادَ أَن التصغير قد يَقع من فرط الْمحبَّة ولطف الْمنزلَة كَمَا يُقَال: يَا بنيّ وَيَا أخي. وَقَوله: إِذا مَا حب شَيْء يَعْنِي بِهِ أحب لِأَنَّهُ يُقَال: أحب الشَّيْء وحبه بِمَعْنى، كَمَا جَاءَ فِي الْمثل السائر: من حب طب، إِلَّا أَنهم اخْتَارُوا أَن بنوا الْفَاعِل من لَفْظَة احب وبنوا الْمَفْعُول من لَفْظَة حب فَقَالُوا للْفَاعِل: محب وللمفعول مَحْبُوب، ليعادلوا بَين اللفظتين فِي الِاشْتِقَاق مِنْهُمَا والتفريع عَنْهُمَا، على أَنه قد سمع فِي المحبوب محب، وَعَلِيهِ قَول عنترة: (وَلَقَد نزلت فَلَا تظني غَيره ... مني بِمَنْزِلَة الْمُحب المكرم) [٧] وَيَقُولُونَ: فلَان يستأهل الْإِكْرَام وَهُوَ مستأهل للأنعام، وَلم تسمع هَاتَانِ اللفظتان فِي كَلَام الْعَرَب، وَلَا صوبهما أحد من أَعْلَام الْأَدَب، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: فلَان يسْتَحق التكرمة، وَهُوَ أهل للمكرمة، فَأَما قَول الشَّاعِر: (لَا بل كلي يَا ميّ واستاهلي ... إِن الَّذِي أنفقت من ماليه) فَإِنَّهُ عَنى بِلَفْظَة استاهلي، أَي اتخذي الإهالة، وَهِي مَا يؤتدم بِهِ من السّمن

стр. 11

والودك. وَفِي أَمْثَال الْعَرَب: استاهلي اهالتي وأحسني إنالتي، أَي خذي صفو طعمتي، وأحسني الْقيام بخدمتي. [٨] وَيَقُولُونَ إِذا أَصْبحُوا: سهرنا البارحة وسرينا البارحة، وَالِاخْتِيَار فِي كَلَام الْعَرَب على مَا حَكَاهُ ثَعْلَب أَن يُقَال: مذ لدن الصُّبْح، إِلَى أَن تَزُول الشَّمْس: سرينا اللَّيْلَة، وَفِيمَا بعد الزَّوَال إِلَى آخر النَّهَار: سهرنا البارحة، وَيتَفَرَّع على هَذَا أَنهم يَقُولُونَ مذ إنتصاف اللَّيْل إِلَى وَقت الزَّوَال: صبحت بِخَير، وَكَيف أَصبَحت وَيَقُولُونَ إِذا زَالَت الشَّمْس إِلَى أَن ينتصف اللَّيْل: مسيت بِخَير، وَكَيف أمسيت وَجَاء فِي الْأَخْبَار المأثورة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا انْفَتَلَ من صَلَاة الصُّبْح، قَالَ لأَصْحَابه: هَل فِيكُم من رأى رُؤْيا فِي ليلته وَقد ضرب الْمثل فِي المتشابهين فَقيل: مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة، كَمَا قَالَ طرفَة: (كل خَلِيل كنت خاللته ... لَا ترك الله لَهُ واضحه) (كلهم أروغ من ثَعْلَب ... مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة) وَمعنى قَوْله: لَا ترك الله لَهُ وَاضِحَة، أَي لَا أبقى الله لَهُ شَيْئا. وَقيل: بل أَرَادَ بِهِ المَال الظَّاهِر. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل الأوحد أَبُو مُحَمَّد ﵀: وَقد خَالَفت الْعَرَب بَين أَلْفَاظ متفقه الْمعَانِي لاخْتِلَاف الْأَزْمِنَة وَقصرت أَسمَاء الْأَشْيَاء على وَقت دون وَقت، كَمَا سمت شرب الْغَدَاة صَبُوحًا، وَشرب العشية غبوقاً، وَشرب نصف النَّهَار قيلاً، وَشرب أول اللَّيْل فَحْمَة، وَشرب السحر جاشرية. وكما قَالُوا: أَن السراب لَا يكون إِلَّا نصف النَّهَار، والفيء لَا يكون إِلَّا بعد الزَّوَال. والمقيل: الاسْتِرَاحَة وَقت الهاجرة، والسمر حَدِيث اللَّيْل خَاصَّة، والطروق الْإِتْيَان لَيْلًا فِي قَول أَكْثَرهم، والإدلاج بِإِسْكَان الدَّال سير أول اللَّيْل والادلاج بِالتَّشْدِيدِ سير آخِره، والتأويب سير النَّهَار وَحده والسرى، سير اللَّيْل خَاصَّة، والمشرقة والشرقة لَا تكون إِلَّا فِي

стр. 12

الشتَاء فَإِن عَارض معَارض بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ فَالْجَوَاب عَنهُ أَن المُرَاد بِذكر اللَّيْل الْإِخْبَار بِأَن الْإِسْرَاء وَقع بعد توسطه، كَمَا يُقَال: جَاءَ فلَان البارحة بلَيْل، إِذا جَاءَ بعد أَن مضى قطع مِنْهُ. وَمِمَّا يَنْتَظِم فِي هَذَا السمط قَوْلهم: ظلّ يفعل كَذَا وَكَذَا، إِذا فعله نَهَارا، وَبَات يفعل كَذَا وَكَذَا، إِذا فعله لَيْلًا، وغور الْمُسَافِر، إِذا نزل وَقت القائلة، وعرس الساري، إِذا نزل فِي آخر اللَّيْل للاستراحة، ونفشت السَّائِمَة فِي الزَّرْع، إِذا رعته بِاللَّيْلِ، وتهجد الْمُصَلِّي، إِذا تنفل فِي ظلّ اللَّيْل. وكتسميتهم الشَّمْس فِي وَقت ارتفاعها: الغزالة، وَعند غُرُوبهَا: الجونة حَتَّى امْتَنعُوا أَن يَقُولُوا: طلعت الجونة كَمَا لم يسمع عَنْهُم غربت الغزالة. وأنشدت ليوسف الْجَوْهَرِي الْبَغْدَادِيّ: (وإدا الغزالة فِي السَّمَاء ترفعت ... وبدا النَّهَار لوقته يترجل) (أبدت لقرن الشَّمْس وَجها مثله ... تلقى السَّمَاء بِمثل مَا تسْتَقْبل) [٩] وَمن أوهامهم أَيْضا فِي هَذَا الْفَنّ قَوْلهم: لَا ُأكَلِّمهُ قطّ وَهُوَ من أفحش الْخَطَأ لتعارض مَعَانِيه وتناقض الْكَلَام فِيهِ وَذَاكَ أَن الْعَرَب تسْتَعْمل لَفْظَة قطّ فِيمَا مضى

стр. 13

من الزَّمَان، كَمَا تسْتَعْمل لَفْظَة أبدا فِيمَا يسْتَقْبل مِنْهُ فَيَقُولُونَ: مَا كَلمته قطّ وَلَا ُأكَلِّمهُ أبدا، وَالْمعْنَى فِي قَوْلهم: مَا كَلمته قطّ، أَي فِيمَا انْقَطع من عمري، لِأَنَّهُ من قططت الشَّيْء، إِذا قطعته، وَمِنْه قطّ الْقَلَم، أَي قطع طرفه. وَمِمَّا يُؤثر من شجاعة عَليّ ﵁ أَنه كَانَ إِذا اعتلى قد، وَإِذا اعْترض قطّ، فالقد قطع الشَّيْء طولا، والقط قطعه عرضا، وَلَفْظَة قطّ هَذِه مُشَدّدَة الطَّاء، وَهِي اسْم مَبْنِيّ على الضَّم مثل حَيْثُ ومنذ، وَأما قطّ بتَخْفِيف الطَّاء، فَهُوَ اسْم مَبْنِيّ على السّكُون مثل قد، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى حسب. وقرأت فِي أَخْبَار الْوَزير عَليّ بن عِيسَى أَنه رأى كَاتبا يبري بمجلسه قَلما فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ: مَالك فِي مجلسي إِلَّا القط فَقَط وَقد تدخل نون الْعِمَاد على قطّ وَقد، مَعَ ضمير الْمُتَكَلّم الْمَجْرُور كَمَا قَالَ الراجز فِي قطّ: (امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ) أَي قد بلغ من الامتلاء إِلَى الْحَد الَّذِي لَو كَانَ لَهُ نطق لقَالَ حسبي. وَمِمَّا أنشدته من أَبْيَات الْمعَانِي: (إِذا نَحن نلنا من ثريدة عوكل ... فَقدنَا لَهَا مَا قد بَقِي من طعامها) أَرَادَ هَذَا الشَّاعِر بقوله: فَقدنَا، أَي فحسبنا. ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ: لَهَا مَا قد بَقِي من طعامها، أَي لَا نرزؤها بِهِ لاستغنائنا عَنهُ واكتفائنا بِمَا نلنا مِنْهُ.

стр. 14

[١٠] وَيَقُولُونَ للْمَرِيض: مسح الله مَا بك، بِالسِّين، وَالصَّوَاب فِيهِ مصح كَمَا قَالَ الراجز: (قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا ) وكقول الشَّاعِر وَقد أحسن فِيهِ: (يَا بدر أَنَّك قد كُسِيت مشابهاً ... من وَجه أم مُحَمَّد ابْنة صَالح) (وأراك تمصح فِي المحاق وحسنها ... باقٍ على الْأَيَّام لَيْسَ بِمَا صَحَّ) ويحكى: أَن النَّضر بن شُمَيْل الْمَازِني مرض، فَدخل عَلَيْهِ قوم يعودونه، فَقَالَ لَهُ

стр. 15

رجل مِنْهُم يكنى أَبَا صَالح: مسح الله تَعَالَى مَا بك، فَقَالَ لَهُ: لَا تقل: مسح، بِالسِّين وَلَكِن قل: مصح بالصَّاد، أَي أذهبه الله وفرقه، أما سَمِعت قَول الشَّاعِر: (وَإِذا مَا الْخمر فِيهَا أزبدت ... أفل الازباد فِيهَا ومصح) فَقَالَ لَهُ الرجل: أَن السِّين قد تبدل من الصَّاد كَمَا يُقَال: الصِّرَاط والسراط، وصقر وسقر، فَقَالَ لَهُ النَّضر: فَأَنت إِذا أَبُو سالح وَيُشبه هَذِه النادرة مَا حُكيَ أَيْضا أَن بعض الأدباء جوز بِحَضْرَة الْوَزير أبي الْحسن بن الْفُرَات أَن تُقَام السِّين مقَام الصَّاد فِي كل مَوضِع، فَقَالَ لَهُ الْوَزير: أَتَقْرَأُ: ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم﴾ أم وَمن سلح فَخَجِلَ الرجل وَانْقطع. [١١] وَيَقُولُونَ: قَرَأت الحواميم والطواسين وَوجه الْكَلَام فيهمَا أَن يُقَال: قَرَأت آل حم وَآل طس، كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود ﵀: آل حم ديباج الْقُرْآن . وكما روى عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا وَقعت فِي آل حم وَقعت فِي روضات دمثات أتأنق فِيهِنَّ. وعَلى هَذَا قَول الْكُمَيْت بن زيد فِي الهاشميات: (وجدنَا لكم فِي آل حم آيَة ... تأولها منا تَقِيّ ومعرب) يَعْنِي بِالْآيَةِ قَوْله تَعَالَى فِي حم ١٦ فِي الْقُرْبَى) .

стр. 16

[١٢] وَيَقُولُونَ: أَدخل باللص السجْن فيغلطون فِيهِ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: أَدخل اللص السجْن، أَو دخل بِهِ السجْن، لِأَن الْفِعْل يعدي تَارَة بِهَمْزَة النَّقْل كَقَوْلِك: خرج وأخرجته، وَتارَة بِالْبَاء، كَقَوْلِك: خرج وَخرجت بِهِ فَأَما الْجمع بَينهمَا فممتنع فِي الْكَلَام، كَمَا لَا يجمع بَين حرفي الإستفهام . وَقد اخْتلف النحويون: هَل بَين حرفي التَّعْدِيَة فرق أم لَا فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هما بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد: بل بَينهمَا فرق، وَهُوَ أَنَّك إِذا قلت: أخرجت زيدا كَانَ بِمَعْنى حَملته على الْخُرُوج. فَإِذا قلت: خرجت بِهِ، فَمَعْنَاه أَنَّك خرجت واستصحبته مَعَك. وَالْقَوْل الأول أصح بِدلَالَة قَوْله تَعَالَى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ . فَإِن اعْترض معترض فِي جَوَاز الْجمع بَين حرفي التَّعْدِيَة بِقِرَاءَة من قَرَأَ: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء تنْبت بالدهن﴾

стр. 17

) بِضَم التَّاء، فقد قيل فِيهَا عدَّة أَقْوَال: أَحدهَا أَن أنبت بِمَعْنى نبت، والهمزة فِيهَا أَصْلِيَّة، لَا للنَّقْل، كَمَا قَالَ زُهَيْر: (رَأَيْت ذَوي الْحَاجَات حول بُيُوتنَا ... قطينا لَهُم حَتَّى إِذا أنبت البقل) فعلى هَذَا القَوْل تكون هَذِه الْقِرَاءَة بِمَعْنى من قَرَأَ: ﴿تنْبت بالدهن﴾ بِفَتْح التَّاء، وَالْمعْنَى أَن الدّهن ينبتها. وَقيل فِي الْقِرَاءَة: إِن الباءزائدة كزيادتها فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وكزيادتها فِي قَول الراجز: (نَحن بَنو جعدة أَصْحَاب الفلج ... نضرب بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بالفرج) فَيكون تَقْدِير الْكَلَام على هَذَا التَّأْوِيل: تنْبت الدّهن، أَي تخرج الدّهن. وَقيل: أَن الْبَاء مُتَعَلقَة بمفعول مَحْذُوف تَقْدِيره تنْبت مَا تنبته، وَفِيه دهن، كَمَا تَقول: ركب الْأَمِير بِسَيْفِهِ أَي وسيفه مَعَه، وَخرج زيد بثيابه، أَي وثيابه عَلَيْهِ. وَقيل - وَهُوَ أحسن الْأَقْوَال: إِنَّمَا زيدت الْبَاء لِأَن انباتها الدّهن بعد إنبات الثَّمر الَّذِي يخرج مِنْهُ الدّهن، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْل فِي الْمَعْنى قد تعلق بمفعولين يكونَانِ فِي حَال بعد حَال، وهما الثَّمَرَة والدهن، احْتِيجَ إِلَى تقويته فِي التَّعَدِّي بِالْبَاء. [١٣] وَيَقُولُونَ لما يتَّخذ لتقديم الطَّعَام عَلَيْهِ: مائدة، وَالصَّحِيح أَن يُقَال لَهُ

стр. 18

خوان إِلَى أَن يحضر عَلَيْهِ الطَّعَام، فيسمى حينئذٍ مائدة، يدل على ذَلِك أَن الحواريين حِين تحدوا عِيسَى ﵇ بِأَن يسْتَنْزل لَهُم طَعَاما من السَّمَاء، قَالُوا: ﴿هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ ، ثمَّ بينوا معنى الْمَائِدَة بقَوْلهمْ: ﴿نُرِيد أَن نَأْكُل مِنْهَا وتطمئن قُلُوبنَا﴾ . وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ: غَدَوْت ذَات يَوْم إِلَى زِيَارَة صديق لي، فلقيني أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، فَقَالَ لي: إِلَى أَيْن يَا أصمعي فَقلت: إِلَى صديق لي، فَقَالَ: إِن كَانَ لفائدة، أَو عَائِدَة، أَو مائدة، وَإِلَّا فَلَا. وَقد اخْتلف فِي تَسْمِيَتهَا بذلك، فَقيل: سميت بِهِ لِأَنَّهَا تميد بِمَا عَلَيْهَا، أَي تتحرك، مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم﴾ ، وَقيل: بل هُوَ من ماد، أَي أعْطى، وَمِنْه قَول رؤبة بن العجاج: (إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الممتاد ) أَي المستعطي، فَكَأَنَّهَا تميد من حواليها مِمَّا أحضر عَلَيْهَا. وَقد أجَاز بَعضهم أَن يُقَال فِيهَا: ميدة، وَاسْتشْهدَ عَلَيْهِ بقول الراجز: (وميدة كَثِيرَة الألوان ... تصنع للجيران والإخوان)

стр. 19

وَفِي كَلَام الْعَرَب أَشْيَاء تخْتَلف أسماؤها باخْتلَاف أوصافها فَمن ذَلِك أَنهم لَا يَقُولُونَ للقدح: كأس إِلَّا إِذا كَانَ فِيهَا شراب، وَلَا للبئر: ركية إِلَّا إِذا كَانَ فِيهَا مَاء، وَلَا للدلو: سجل إِلَّا وفيهَا مَاء وَلَو قل، وَلَا يُقَال لَهَا: ذنُوب إِلَّا إِذا كَانَت ملآى، وَلَا يُقَال أَيْضا للبستان: حديقة، إِلَّا إِذا كَانَ عَلَيْهِ حَائِط، وَلَا للإناء: كوز إِلَّا إِذا كَانَت لَهُ عُرْوَة، وَإِلَّا فَهُوَ كوب، وَلَا للمجلس: نَاد إِلَّا وَفِيه أَهله، وَلَا للسرير: أريكة إِلَّا إِذا كَانَت عَلَيْهِ حجلة، وَلَا للْمَرْأَة: ظَعِينَة إِلَّا مَا دَامَت راكبة فِي الهودج، وَلَا للستر: خدر إِلَّا إِذا اشْتَمَل على امْرَأَة، وَلَا للقدح سهم: إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ نصل وَرِيش، وَلَا للطبق: مهدى إِلَّا مَا دَامَت فِيهِ الْهَدِيَّة، وَلَا للشجاع: كميّ إِلَّا إِذا كَانَ شاكي السِّلَاح، وَلَا للقناة رمح إِلَّا إِذا ركب عَلَيْهَا السنان، وَعَلِيهِ قَول عبد الْقَيْس بن خفاف البرجمي: (وأصبحت أَعدَدْت للنائبات ... عرضا بريا وعضبا صقيلا) (وَوَقع لِسَان كَحَد السنان ... ورمحاً طَوِيل الْقَنَاة عسولا) وَلَو كَانَ الرمْح هُوَ الْقَنَاة لقَالَ: رمحاً طَويلا، لِأَن الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى ذَاته. وَمن هَذَا النمط أَيْضا أَنه لَا يُقَال للصوف: عهن إِلَّا إِذا كَانَ مصبوغاً، وَلَا للسرب: نفق إِلَّا إِذا كَانَ مخروقاً، وَلَا للخيط: سمط إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ نظم، وَلَا للحطب: وقود إِلَّا إِذا اتقدت فِيهِ النَّار، وَلَا للثوب: مطرف إِلَّا إِذا كَانَ فِي طرفه علمَان، وَلَا لماء

стр. 20

الْفَم: رضاب إِلَّا مَا دَامَ فِي الْفَم، وَلَا للْمَرْأَة: عانس وَلَا عاتق إِلَّا مَا دَامَت فِي بَيت أَبَوَيْهَا، وَلذَلِك لَا يُقَال للأنبوبة: قلم إِلَّا إِذا بريت. وأنشدني أحد شُيُوخنَا ﵀ لأبي الْفَتْح كشاجم: (لَا أحب الدواة تحشى يراعاً ... تِلْكَ عِنْدِي من الدويّ مَعِيبَة) (قلم وَاحِد وجودة خطّ ... فَإِذا شِئْت فاستزد أنبوبه) (هَذِه قعدة الشجاع عَلَيْهَا ... سيره دائبا وَتلك جنيبه) [١٤] وَيَقُولُونَ لمن يحمل الدواة: دواتي بِإِثْبَات التَّاء، وَهُوَ من اللّحن الْقَبِيح وَالْخَطَأ الصَّرِيح، وَوجه القَوْل أَن يُقَال فِيهِ: دوويّ، لِأَن تَاء التَّأْنِيث تحذف فِي النّسَب، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى فَاطِمَة: فاطميّ . وَإِلَى مَكَّة: مكي وَإِنَّمَا حدفت لمشابهتها يَاء النسبه من عدَّة وُجُوه: أَحدهَا: أَن كلتيهما تقع طارفة فَتَصِير هِيَ حرف الْإِعْرَاب، وَيجْعَل مَا دخلت عَلَيْهِ حَشْوًا فِي الْكَلِمَة. الثَّانِي: أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا قد جعل ثُبُوتهَا عَلامَة للْوَاحِد، وحذفها عَلامَة للْجمع، فَقَالُوا فِي تَاء التَّأْنِيث: ثَمَرَة وثمر، كَمَا قَالُوا فِي يَاء النّسَب: زنجية وزنج. وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِذا التحقت بِالْجمعِ الَّذِي لَا ينْصَرف أصارته منصرفاً، نَحْو صيارف وصيارفة وَمَدَائِن ومدائني، فَلَمَّا أشبهتا من هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة،

стр. 21

لم يجز أَن يجمع بَينهمَا كَمَا لَا يجمع بَين حرفي معنى فِي كلمة وَاحِدَة. وَلما حذفت التَّاء بَقِي الِاسْم على دوا الموازن للثلاثي الْمَقْصُور فَقيل: دوويّ، كَمَا قَالُوا فِي النّسَب إِلَى فَتى: فتويّ، وَلَا فرق فِي هَذَا الموطن بَين الْألف الَّتِي أَصْلهَا الْوَاو كألف حمى الْمُشْتَقّ من حميت، وحكمهما فِيهِ بِخِلَاف حكمهمَا فِي التَّثْنِيَة الَّتِي ترد فِيهَا الْألف إِلَى أَصْلهَا، كَقَوْلِك فِي تَثْنِيَة قفا: قفوان، وَفِي تَثْنِيَة حمى: حميان. وَالْفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ أَن عَلامَة التَّثْنِيَة خَفِيفَة وَمَا قبلهَا يكون أبدا مَفْتُوحًا وَلَا يجْتَمع فِي الْكَلِمَة الْمُثَنَّاة مَا يثقل، وعلامة النّسَب يَاء مُشَدّدَة تقوم مقَام ياءين وَمَا قبلهَا لَا يكون إِلَّا مكسوراً، فَلَو قلبت الْألف فِي النّسَب يَاء لتوالى فِي الْكَلِمَة من الْكسر والياءات مَا يستثقل التَّلَفُّظ بهَا لأَجله. [١٥] وَيَقُولُونَ: بعثت إِلَيْهِ بِغُلَام، وَأرْسلت إِلَيْهِ هَدِيَّة، فيخطئون فيهمَا، لِأَن الْعَرَب تَقول فِيمَا يتَصَرَّف بِنَفسِهِ: بعثته وأرسلته، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثمَّ أرسلنَا رسلنَا﴾ وَيَقُولُونَ فِيمَا يحمل: بعثت بِهِ وَأرْسلت بِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ إِخْبَارًا عَن بلقيس: ﴿وَأَنِّي مُرْسلَة إِلَيْهِم بهدية﴾ . وَقد عيب على أبي الطّيب قَوْله: (فآجرك الْإِلَه على عليل ... بعثت إِلَى الْمَسِيح بِهِ طَبِيبا) وَمن تَأَول لَهُ فِيهِ قَالَ: أَرَادَ بِهِ أَن العليل لاستحواذ الْعلَّة على جِسْمه وحسه قد

стр. 22

الْتحق بحيز مَا لَا يتَصَرَّف بِنَفسِهِ، فَلهَذَا عدى الْفِعْل إِلَيْهِ بِحرف الْجَرّ، كَمَا يعدى إِلَى مَا لَا حس لَهُ وَلَا عقل. [١٦] وَيَقُولُونَ: المشورة مباركة، فيبنونها على مفعلة وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا مشورة على وزن مثوبة ومعونة، كَمَا قَالَ بشار: (إِذا بلغ الرَّأْي المشورة فَاسْتَعِنْ ... بِرَأْي لَبِيب أَو نصاحة حَازِم) (وَلَا تحسب الشورى عَلَيْك غَضَاضَة ... فَإِن الخوافي رافدات القوادم) وَكَانَ الأَصْل فِي مشورة مشورة على وزن مفعلة مثل مكرمَة، فنقلت حَرَكَة الْوَاو إِلَى مَا قبلهَا وسكنت هِيَ فَقيل مشورة. وَاخْتلف فِي اشتقاق اسْمهَا فَقيل أَنه من قَوْلك: شرت الْعَسَل اشورة إِذا جنيته، فَكَأَن المستشير يجتني الرَّأْي من المشير. وَقيل: بل أَخذ من قَوْلك: شرت الدَّابَّة إِذا أجريتها مقبلة ومدبرة، لتسبر حضرها، وتخبر جوهرها فَكَأَن المستشير يسْتَخْرج الرَّأْي الَّذِي عَن المشير وكلا الاشتقاقينه يتقارب مَعْنَاهُ من الآخر، ويلتحم بِهِ. [١٧] وَيَقُولُونَ فِي التحذير: إياك الْأسد، إياك الْحَسَد وَوجه الْكَلَام إِدْخَال الْوَاو على الْأسد والحسد، كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ : إياك ومصاحبة الْكذَّاب، فَإِنَّهُ يقرب عَلَيْك الْبعيد، وَيبعد عَنْك الْقَرِيب، وكما قَالَ الشَّاعِر: (فإياك وَالْأَمر الَّذِي إِن توسعت ... موارده ضَاقَتْ عَلَيْك المصادر)

стр. 23

وَالْعلَّة فِي وجوب إِثْبَات الْوَاو فِي هَذَا الْكَلَام أَن لَفْظَة إياك مَنْصُوبَة بإضمار فعل تَقْدِيره: اتَّقِ أَو باعد، واستغني عَن إِظْهَار هَذَا الْفِعْل لما تضمن هَذَا الْكَلَام من معنى التحذير وَهَذَا الْفِعْل إِنَّمَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، فَإِذا كَانَ قد استوفى عمله ونطق بعده باسم آخر لزم إِدْخَال حرف الْعَطف عَلَيْهِ، كَمَا لَو قلت: اتَّقِ الشَّرّ والأسد، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون الْمَفْعُول الثَّانِي حرف جر، كَقَوْلِك: إياك من الْأسد، أَي باعد نَفسك من الْأسد. فَإِن قيل: فَكيف يجوز أَن يُقَال: إياك والأسد، فَيَأْتِي بِالْوَاو الَّتِي مَعْنَاهَا الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ، وَأَنت إِنَّمَا أَمرته أَن يباعد نَفسه، وَلم تَأمره أَن يباعد الْأسد فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه إِذا باعد نَفسه من الْأسد كَانَ بِمَنْزِلَة تبعيده الْأسد. وَقد جوز إِلْغَاء الْوَاو عِنْد تَكْرِير لَفْظَة إياك، كَمَا اسْتغنى عَن إِظْهَار الْفِعْل مَعَ تَكْرِير الِاسْم فِي مثل قَوْلك: الطَّرِيق الطَّرِيق وأشباهه، وَعَلِيهِ قَول الشَّاعِر: (فإياك إياك المراء فَإِنَّهُ ... إِلَى الشَّرّ دُعَاء وللشر جالب) فَإِن قلت: إياك أَن تقرب الْأسد. فالأجود أَن تلْحق بِهِ الْوَاو، لِأَن أَن مَعَ الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمصدر، فَأشبه قَوْلك: إياك ومقاربة الْأسد. وَيجوز إِلْغَاء الْوَاو فِيهِ على أَن تكون أَن وَمَا بعْدهَا من الْفِعْل للتَّعْلِيل وتبيين سَبَب التحذير، فكأنك قلت: أحذرك لأجل أَن تقرب الْأسد، وَعَلِيهِ قَول الشَّاعِر: (فبح بالسرائر فِي أَهلهَا ... وَإِيَّاك فِي غَيرهم أَن تبوحا) وَمِمَّا ينخرط فِي سلك هَذَا الْفَنّ أَنهم رُبمَا أجابوا المستخبر عَن الشَّيْء بِلَا النافية ثمَّ عقبوها بِالدُّعَاءِ لَهُ، فيستحيل الْكَلَام إِلَى الدُّعَاء عَلَيْهِ، كَمَا روى أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ رأى رجلا بِيَدِهِ ثوب، فَقَالَ لَهُ: أتبيع هَذَا الثَّوْب فَقَالَ: لَا عافاك الله، فَقَالَ: لقد علمْتُم لَو تتعلمون هلا قلت: لَا وعافاك الله

стр. 24

قَالَ الْمُؤلف: والمستحسن فِي مثل هَذَا قَول يحيى بن أَكْثَم لِلْمَأْمُونِ وَقد سَأَلَهُ عَن أَمر، فَقَالَ: لَا وأيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَحكي أَن الصاحب أَبَا الْقَاسِم بن عباد حِين سمع هَذِه الْحِكَايَة قَالَ: وَالله لهَذِهِ الْوَاو أحسن من واوات الأصداغ فِي خدود المرد الملاح. وَمن خَصَائِص لُغَة الْعَرَب إِلْحَاق الْوَاو فِي الثَّامِن من الْعدَد، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر﴾ ، وكما قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿سيقولون ثَلَاثَة رابعهم كلبهم وَيَقُولُونَ خَمْسَة سادسهم كلبهم رجماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ . وَمن ذَلِك أَنه جلّ اسْمه لما ذكر أَبْوَاب جَهَنَّم ذكرهَا بِغَيْر وَاو، لِأَنَّهَا سَبْعَة، فَقَالَ: ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها فتحت أَبْوَابهَا﴾ ، وَلما ذكر أَبْوَاب الْجنَّة ألحق بهَا الْوَاو لكَونهَا ثَمَانِيَة، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ ، وَتسَمى هَذِه الْوَاو وَاو الثَّمَانِية. وَمِمَّا يَنْتَظِم أَيْضا فِي إقحام الْوَاو مَا حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج، قَالَ: سَأَلت أَبَا الْعَبَّاس الْمبرد عَن الْعلَّة فِي ظُهُور الْوَاو فِي قَوْلنَا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. فَقَالَ: إِنِّي قد سَأَلت أَبَا عُثْمَان الْمَازِني عَمَّا سَأَلتنِي عَنهُ، فَقَالَ: الْمَعْنى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك سبحتك. [١٨] وَيَقُولُونَ ذهبت إِلَى عِنْده، فيخطئون فِيهِ، لَان عِنْد لَا يدْخل عَلَيْهِ من أدوات الْجَرّ إِلَّا من وَحدهَا، وَلَا يَقع فِي تصاريف الْكَلَام مجروراً إِلَّا بهَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ وَإِنَّمَا خصت من بذلك لِأَنَّهَا أم حُرُوف الْجَرّ ،

стр. 25

ولأم كل بَاب اخْتِصَاص تمتاز بِهِ وتنفرد بمزيته، كَمَا خصت أَن الْمَكْسُورَة بِدُخُول اللَّام فِي خَبَرهَا وخصت كَانَ بِجَوَاز إِيقَاع الْفِعْل الْمَاضِي خَبرا عَنْهَا، وخصت بَاء الْقسم باستعمالها مَعَ ظُهُور فعل الْقسم، وبدخولها على الِاسْم الْمُضمر، فَأَما قَول الشَّاعِر: (كل عِنْد لَك عِنْدِي ... لَا يُسَاوِي نصف عِنْد) فَإِنَّهُ من ضرورات الشّعْر، كَمَا أجْرى بَعضهم لَيْت وسوف - وهما حرفان - مجْرى الْأَسْمَاء المتمكنة فأعربهما فِي قَوْله: (لَيْت شعري وَأَيْنَ منى لَيْت ... ان ليتا وان سوفا عناء) وَقد تسْتَعْمل عِنْد بعدة معَان، فَتكون بِمَعْنى الحضرة كَقَوْلِك: عِنْدِي زيد،

стр. 26

وَبِمَعْنى الملكة كَقَوْلِك: عِنْدِي مَال، وَبِمَعْنى الحكم كَقَوْلِك: زيد عِنْدِي أفضل من عَمْرو، أَي فِي حكمي، وَبِمَعْنى الْفضل وَالْإِحْسَان كَمَا قَالَ إِخْبَارًا عَن خطاب شُعَيْب لمُوسَى ﵉: ﴿فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك﴾ أَي من فضلك وإحسانك. [١٩] وَيَقُولُونَ لمن تغير وَجهه من الْغَضَب: قد تمغر وَجهه بالغين الْمُعْجَمَة، وَالصَّوَاب فِيهِ تمعر بِالْعينِ المغفلة . ذكر ذَلِك ثَعْلَب، وَاسْتشْهدَ عَلَيْهِ بِمَا روى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن الله أَمر جِبْرِيل ﵇ بِأَن يقلب بعض الْمَدَائِن فَقَالَ: يَا رب إِن فِيهَا عَبدك الصَّالح، فَقَالَ: يَا جِبْرِيل، ابدأ بِهِ فَإِنَّهُ لم يتمعر لي وَجهه قطّ، أَي لم يغْضب لأجلي، فَرَوَاهُ بِالْعينِ الْمُهْملَة، ثمَّ قيد الرِّوَايَة بِأَن غلط من رَوَاهُ بالغين الْمُعْجَمَة، وَنسبَة إِلَى التَّصْحِيف فِي الْكَلِمَة. [٢٠] وَيَقُولُونَ من هَذَا النَّوْع أَيْضا: قد اصفر وَجهه من الْمَرَض، واحمر خَدّه من الخجل . وَعند الْمُحَقِّقين أَنه إِنَّمَا يُقَال: اصفر واحمر ونظائرهما فِي اللَّوْن الْخَالِص، الَّذِي قد تمكن وَاسْتقر وَثَبت وَاسْتمرّ، فَأَما إِذا كَانَ اللَّوْن عارضا لسَبَب يَزُول وَمعنى يحول، فَيُقَال فِيهِ: اصفار واحمار، ليفرق بَين اللَّوْن الثَّابِت واللون الْعَارِض، وعَلى هَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: فَجعل يحمار مرّة ويصفار أُخْرَى. [٢١] وَيَقُولُونَ: اجْتمع فلَان مَعَ فلَان، فيوهمون فِيهِ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: اجْتمع فلَان وَفُلَان لِأَن لَفْظَة اجْتمع على وزن افتعل، وَهَذَا النَّوْع من وُجُوه افتعل مثل اخْتصم واقتتل، وَمَا كَانَ أَيْضا على وزن تفَاعل مثل تخاصم وتجادل يَقْتَضِي وُقُوع

стр. 27

الْفِعْل من أَكثر من وَاحِد، فَمَتَى أسْند الْفِعْل مِنْهُ إِلَى أحد الفاعلين لزم أَن يعْطف عَلَيْهِ الآخر بِالْوَاو لَا غير وَإِنَّمَا اخْتصّت الْوَاو بِالدُّخُولِ فِي هَذَا الموطن لِأَن صِيغَة هَذَا الْفِعْل تَقْتَضِي وُقُوع الْفِعْل من اثْنَيْنِ فَصَاعِدا، وَمعنى الْوَاو يدل على الِاشْتِرَاك فِي الْفِعْل أَيْضا، فَلَمَّا تجانسا من هَذَا الْوَجْه، وتناسب مَعْنَاهُمَا فِيهِ، اسْتعْملت الْوَاو خَاصَّة فِي هَذَا الْموضع، وَلم يجز اسْتِعْمَال لَفْظَة مَعَ فِيهِ، لِأَن مَعْنَاهَا المصاحبة وخاصيتها أَن تقع فِي المواطن الَّتِي يجوز أَن يَقع الْفِعْل فِيهَا من وَاحِد، وَالْمرَاد بذكرها الْإِبَانَة عَن المصاحبة الَّتِي لَو لم تذكر لما عرفت، وَقد مثل النحويون فِي الْفرق بَينهَا وَبَين الْوَاو، فَقَالُوا: إِذا قَالَ الْقَائِل: جَاءَ زيد وَعَمْرو كَانَ إِخْبَارًا عَن اشتراكهما فِي الْمَجِيء على احْتِمَال أَن يَكُونَا جَاءَا فِي وَقت وَاحِد، أَو سبق أَحدهمَا. فَإِن قَالَ: جَاءَ زيد مَعَ عَمْرو كَانَ إِخْبَارًا عَن مجيئهما متصاحبين، وَبَطل تَجْوِيز الِاحْتِمَالَيْنِ الآخرين، فَذكر لَفْظَة مَعَ هَاهُنَا أَفَادَ إِعْلَام المصاحبة، وَقد اسْتعْملت حَيْثُ يجوز أَن يَقع الْفِعْل فِيهِ من وَاحِد. فَأَما فِي الموطن الَّذِي يَقْتَضِي أَن يكون الْفِعْل فِيهِ لأكْثر من وَاحِد، فَذكرهَا فِيهِ خلف من القَوْل، وَضرب من اللَّغْو وَلذَلِك لم يجز أَن يُقَال: اجْتمع زيد مَعَ عَمْرو، كَمَا لم يجز أَن يُقَال: اصطحب زيد وَعَمْرو مَعًا للاستغناء عَن لَفْظَة مَعَ بِمَا دلّت عَلَيْهِ صِيغَة الْفِعْل. وَنَظِيره امتناعهم أَن يَقُولُوا: اخْتصم الرّجلَانِ كِلَاهُمَا للاستغناء بِلَفْظَة اخْتصم الَّتِي تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك فِي الْخُصُومَة عَن التوكيد لِأَن وضع كلا وكلتا، أَن تؤكد الْمثنى فِي الْموضع الَّذِي يجوز فِيهِ انْفِرَاد أَحدهمَا بِالْفِعْلِ ليتَحَقَّق معنى الْمُشَاركَة، وَذَلِكَ فِي مثل قَوْلك: جَاءَ الرّجلَانِ كِلَاهُمَا لجَوَاز أَن يُقَال: جَاءَ الرجل، فَأَما فِيمَا لَا يكون فِيهِ الْفِعْل لوَاحِد فتوكيد الْمثنى بهما لَغْو. وَمثل ذَلِك أَنهم لَا يؤكدون بِلَفْظَة كل إِلَّا مَا يُمكن فِيهِ التَّبْعِيض، فَلهَذَا أَجَازُوا أَن يُقَال: ذهب المَال كُله لكَون المَال مِمَّا يَتَبَعَّض، وَمنعُوا أَن يُقَال: ذهب زيد كُله لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يتَجَزَّأ، وَفِي مَعَ لُغَتَانِ أفصحهما فتح الْعين مِنْهَا، وَقد نطق بإسكانها، كَمَا قَالَ جرير: (فريشي مِنْكُم وهواي مَعكُمْ ... وَإِن كَانَت زيارتكم لماماً)

стр. 28

[٢٢] وَيَقُولُونَ: لقيتهما اثنيهما مقايسة على قَوْلهم: لقيتهم ثَلَاثَتهمْ، فيوهمون فِي الْكَلَام والمقايسة وهمين، ويختل عَلَيْهِم الْفرق بَين الْكَلَامَيْنِ، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب تَقول فِي الِاثْنَيْنِ: لقيتهما من غير أَن تفسر الضَّمِير، فَإِن أَرَادَت أَن تخبر عَن أفرادهما باللقاء قَالَت: لقيتهما وَحدهمَا . وَتقول فِي الْجَمِيع: لقيتهم ثَلَاثَتهمْ ورأيتهم خمستهم وَمَا أشبه ذَلِك، فتفسر الضَّمِير. وَالْفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ أَن الضَّمِير فِي قَوْلك: لقيتهما ضمير مثنى، والمثنى لَا تخْتَلف عدته، وَلَا تَلْتَبِس حَقِيقَته، فاستغنى عَن تَفْسِير يُبينهُ، وَالضَّمِير فِي قَوْلك: لقيتهم ضمير جمع وَالْجمع مُبْهَم غير مَحْصُور الْعدة لاشْتِمَاله على الثَّلَاثَة، وعَلى مَالا يُحْصى كَثْرَة، فَلَو لم يفسره الْمخبر عَنهُ بِمَا يبين عدته، ويزيل الْإِبْهَام عَنهُ لما عرف السَّامع حَقِيقَته، وَلَا علم كميته. وَحكى أَبُو عَليّ الْفَارِسِي أَن مَرْوَان بن سعيد المهلبي سَأَلَ أَبَا الْحسن الْأَخْفَش عَن قَوْله : ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك﴾ : مَا الْفَائِدَة فِي هَذَا الْخَبَر فَقَالَ: أَفَادَ الْعدَد الْمُجَرّد من الصّفة، وَأَرَادَ مَرْوَان بسؤاله أَن الْألف فِي كَانَتَا تفِيد الاثنتين، فلأي معنى فسر ضمير الْمثنى بالاثنتين، وَنحن نعلم أَنه لَا يجوز أَن يُقَال: فَإِن كَانَتَا ثَلَاثًا، وَلَا أَن يُقَال: فَإِن كَانَتَا خمْسا وَأَرَادَ الْأَخْفَش بقوله أَن الْخَبَر أَفَادَ الْعدَد الْمُجَرّد من الصّفة، أَي قد كَانَ يجوز أَن يُقَال: فَإِن كَانَتَا صغيرتين فَلَهُمَا كَذَا، أَو كبيرتين فَلَهُمَا كَذَا، أَو صالحتين فَلَهُمَا كَذَا، أَو طالحتين فَلَهُمَا كَذَا. فَلَمَّا قَالَ: ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ ، أَفَادَ الْخَبَر أَن فرض الثُّلثَيْنِ للأختين تعلق بِمُجَرَّد كَونهمَا اثْنَتَيْنِ على أَيَّة

стр. 29

صفة كَانَتَا عَلَيْهَا من كبر أَو صغر أَو صَلَاح أَو طلاح أَو غنى أَو فقر، فقد تحصل من الْخَبَر فَائِدَة لم تحصل من ضمير الْمثنى. ولعمري لقد أبدع مَرْوَان فِي استنباط سُؤَاله، وَأحسن أَبُو الْحسن فِي كشف أشكاله. [٢٣] وَيَقُولُونَ: لَعَلَّه نَدم وَلَعَلَّه قدم، فيلفظون بِمَا يشْتَمل على المناقضة وينبيء عَن الْمُعَارضَة، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: لَعَلَّه يفعل أَو لَعَلَّه لَا يفعل لِأَن معنى لَعَلَّ التوقع لمرجو أَو لمخوف، والتوقع إِنَّمَا يكون لما يَتَجَدَّد ويتولد لَا لما انْقَضى وتصرم . فَإِذا قلت: خرج، فقد أخْبرت عَمَّا قضي الْأَمر فِيهِ، واستحال معنى التوقع لَهُ، فَلهَذَا لم يجز دُخُول لَعَلَّ عَلَيْهِ. [٢٤] وَيَقُولُونَ فِي التَّعَجُّب من الألوان والعاهات: مَا ابيض هَذَا الثَّوْب وَمَا اعور هَذَا الْفرس كَمَا يَقُولُونَ فِي التَّرْجِيح بَين اللونين والعورين: زيد أَبيض من عَمْرو، وَهَذَا أَعور من ذَاك، وكل ذَلِك لحن مجمع عَلَيْهِ، وَغلط مَقْطُوع بِهِ، لِأَن الْعَرَب لم تبن فعل التَّعَجُّب إِلَّا من الْفِعْل الثلاثي الَّذِي خصته بذلك لخفته، وَالْغَالِب على أَفعَال الألوان والعيوب الَّتِي يُدْرِكهَا العيان أَن تتجاوز الثلاثي، نَحْو أَبيض وأسود وأعور وأحول وَلِهَذَا لم يجز أَن يبْنى مِنْهَا فعل التَّعَجُّب، فَمن أَرَادَ أَن يتعجب من شَيْء مِنْهَا بنى فعل

стр. 30

التَّعَجُّب من فعل ثلاثي يُطَابق مَقْصُوده من الْمَدْح أَو الذَّم، ثمَّ أَتَى بِمَا يُرِيد أَن يتعجب مِنْهُ كَقَوْلِهِم: مَا أحسن بَيَاض هَذَا الثَّوْب وَمَا أقبح عور هَذَا الْفرس وَحكم أفعل الَّذِي للتفضيل يساوق حكم فعل التَّعَجُّب فِيمَا يجوز فِيهِ وَيمْتَنع مِنْهُ، فَكَمَا لَا يُقَال: مَا أَبيض هَذَا الثَّوْب وَلَا مَا أَعور هَذَا الْفرس لَا يجوز أَن يُقَال: هَذِه أَبيض من تِلْكَ، وَلَا هَذَا أَعور من ذَاك. وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾ ، فَهُوَ هَاهُنَا من عمى الْقلب الَّذِي تتولد الضَّلَالَة مِنْهُ، لَا من عمى الْبَصَر الَّذِي يحجب المرئيات عَنهُ، وَقد صدع بتبيان هَذَا الْعَمى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ . وَقد عيب على أبي الطّيب قَوْله فِي صفة الشيب: (أبعد بَعدت بَيَاضًا لَا بَيَاض لَهُ ... لأَنْت أسود فِي عَيْني من الظُّلم)

стр. 31

وَمن تَأَول لَهُ فِيهِ جعل أسود هَاهُنَا من قبيل الْوَصْف الْمَحْض الَّذِي تأنيثه سَوْدَاء، وَأخرجه عَن حيّز أفعل الَّذِي للتفضيل وَالتَّرْجِيح بَين الْأَشْيَاء، وَيكون على هَذَا التَّأْوِيل قد تمّ الْكَلَام وكملت الْحجَّة فِي قَوْله: لأَنْت أسود فِي عَيْني وَتَكون من الَّتِي فِي قَوْله: من الظُّلم لتبيين جنس السوَاد لَا أَنَّهَا صلَة أسود، وَمعنى قَوْله: بَيَاضًا لَا بَيَاض لَهُ، أَي مَا لَهُ نور وَلَا عَلَيْهِ طلاوة. وَذكر شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم الْفضل بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ ﵀، أَنَّك إِذا قلت: مَا أسود زيدا، وَمَا أسمر عمرا وَمَا أصفر هَذَا الطَّائِر، وَمَا أَبيض هَذِه الْحَمَامَة، وَمَا أَحْمَر هَذَا الْفرس فَسدتْ كل مَسْأَلَة مِنْهَا من وَجه، وَصحت من وَجه، فتفسد جَمِيعهَا إِذا أردْت بهَا التَّعَجُّب من الألوان، وَتَصِح كلهَا إِذا أردْت بهَا التَّعَجُّب من سؤدد زيد وَمن سمر عَمْرو، وَمن صفير الطَّائِر، وَمن كَثْرَة بيض الْحَمَامَة، وَمن حمر الْفرس، وَهُوَ أَن ينتن فوه من البشم. [٢٥] وَيَقُولُونَ: امْتَلَأت بَطْنه، فيؤنثون الْبَطن، وَهُوَ مُذَكّر فِي كَلَام الْعَرَب، بِدَلِيل قَول الشَّاعِر: (فَإنَّك إِن أَعْطَيْت بَطْنك سؤله ... وفرجك، نالا مُنْتَهى الذَّم أجمعا) وَأما قَول الشَّاعِر: (فَإِن كلابا هَذِه عشر أبطن ... وَأَنت بري من قبائلها الْعشْر) فَإِنَّهُ عني بالبطن الْقَبِيلَة فأنثه على معنى تأنيثها، كَمَا ورد فِي الْقُرْآن: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ ، فأنث الْمثل وَهُوَ مُذَكّر لما كَانَ بِمَعْنى الْحَسَنَة. وَنَظِير

стр. 32

تأنيثهم الْبَطن وَهُوَ مُذَكّر تأنيثهم الْألف أَيْضا فِي الْعدَد. فَيَقُولُونَ: قبضت ألفا تَامَّة، وَالصَّوَاب أَن يذكر فَيُقَال: ألف تَامّ، كَمَا قَالَت الْعَرَب فِي مَعْنَاهُ: ألف صتم وَألف أَقرع، وَالدَّلِيل على تذكير الْألف قَوْله تَعَالَى: ﴿يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف﴾ وَالْهَاء فِي بَاب الْعدَد تلْحق بالمذكر وتحذف من الْمُؤَنَّث، وَأما قَوْلهم: هَذِه ألف دِرْهَم، فَلَا يشْهد ذَلِك بتأنيث الْألف لِأَن الْإِشَارَة وَقعت على الدَّرَاهِم وَهِي مُؤَنّثَة، فَكَانَ تَقْدِير الْكَلَام: هَذِه الدَّرَاهِم ألف. [٢٦] وَيَقُولُونَ: فعلته لإحازة الْأجر، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: لحيازة الْأجر، بِدَلِيل أَن الْفِعْل الْمُشْتَقّ مِنْهُ حَاز، وَلَو كَانَت الْهمزَة أصلا فِي الْمصدر لالتحقت بِالْفِعْلِ الْمُشْتَقّ مِنْهُ، كَمَا تلتحق بأراد الْمُشْتَقّ من الْإِرَادَة، بأصاب المتفرع من الْإِصَابَة . فَلَمَّا قيل فِي الْفِعْل: حَاز، علم أَن مصدره الْحِيَازَة مثل خاط الثَّوْب خياطَة وصاغ الْخَاتم صياغة وحاد عَن الْحَرْب حيادة. وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ: سَأَلت بعض الْأَعْرَاب عَن نَاقَته فَأَنْشد: (كَانَت تقيد حنت تنزل منزلا ... فاليوم صَار لَهَا الكلال قيودا) (لن تَسْتَطِيع عَن الْقَضَاء حيادة ... وَعَن الْمنية أَن تصيب محيدا) (الْقَوْم كالعيدان يفضل بَعضهم ... بَعْضًا كَذَاك يفوق عود عودا)

стр. 33

فَأَما قَوْلهم فِي الْمثل: أَسَاءَ سمعا فأساء جابة، فالجابة هَاهُنَا هِيَ الِاسْم، والمصدر الْإِجَابَة، وَهَذَا الْمثل يضْرب لمن يُخطئ سمعا فيسيء الْإِجَابَة، وَأَصله أَنه كَانَ لسهيل بن عَمْرو ابْن مضعوف، فَرَآهُ إِنْسَان مارا فَقَالَ لَهُ: أَيْن أمك يُرِيد أَيْن قصدك فَظن أَنه يسْأَله عَن أمه، فَقَالَ: ذهبت تطحن، فَقَالَ: أَسَاءَ سمعا فأساء جابة. وَنَظِير الجابة فِي كَلَامهم الطَّاقَة وَالطَّاعَة والغارة، ومصادر أفعالها الإطاقة والإطاعة والإغارة. [٢٧] وَيَقُولُونَ للخبيث الدخلة: ذاعر، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، فيحرفون الْمَعْنى فِيهِ، لِأَن الذاعر هُوَ المفزع لاشتقاقه من الذعر، فَأَما الْخَبيث الدخلة فَهُوَ الداعر، بِالدَّال الْمُهْملَة لاشتقاقه من الدعارة وَهِي الْخبث، وَمِنْه قَول زميل بن أبير لخارجة بن ضرار: (أخارج هلا إِذْ سفهت عشيرة ... كَفَفْت لِسَان السوء أَن يتدعرا) أَي هلا حِين سفهت عشيرتك كَفَفْت ألسنتهم عَن التفوه بالسفه والتلفظ بخبائث القذع. وَيُقَال للعود الْكثير الدُّخان: عود داعر ودعر، وَهُوَ يرجع للمعنى الأول، وَمِنْه مَا أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي فِي أَبْيَات الْمعَانِي: (وَلكُل غرَّة معشر من قومه ... دعر يهجن سَعْيه ويعيب) (لَوْلَا سواهُ لجررت أوصاله ... عرج الضباع وَصد عَنهُ الذيب) وَفسّر قَوْله: لَوْلَا سواهُ أَي إِنَّمَا يكرم لغيره الَّذِي لولاه لقتل حَتَّى يصير طعمة للضباع الَّتِي هِيَ أَضْعَف السبَاع، وَنبهَ بقوله: وَصد عَنهُ الذيب على أَن الذِّئْب يعاف

стр. 34

فريسة غَيره، وَلَا يَأْكُل إِلَّا مَا يفترسه بِنَفسِهِ. وَنَظِير هَذَا التحريف تحريفهم قَول الشَّاعِر: (حسدوا الْفَتى إِذْ لم ينالوا سَعْيه ... فالقوم أَعدَاء لَهُ وخصوم) (كضرائر الْحَسْنَاء قُلْنَ لوجهها ... حسدا وبغيا إِنَّه لدميم) فينشدونه بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة لتوهمهم أَن اشتقاقه من الذَّم، وَهُوَ بِالدَّال المبهمة لاشتقاقه من الدمامة، وَهِي الْقبْح. وَإِلَى هَذَا نحا الشَّاعِر إِذْ بقباحة الْوَجْه يتعايب الضرائر. ونقيض هَذَا التَّصْحِيف أَنهم يلفظون بِالدَّال المغفلة فِي الزمرد والجرذ والنواجذ، والجرذ، وَهُوَ دَاء يعْتَرض فِي قَوَائِم الدَّابَّة، وَهَذِه الْكَلِمَات الْأَرْبَع هن بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة لَا المبهمة. وَقد ألحق بهَا أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة اسْم سذوم الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي جور الحكم. وَمن الْكِنَايَات المستحسنة، والمعاريض المستملحة مَا حُكيَ أَن عجوزاً وقفت على قيس بن سعد فَقَالَت: أَشْكُو إِلَيْك قلَّة الجرذان، فَقَالَ: مَا أحسن هَذِه الْكِنَايَة وَالله لأكثرنّ جرذان بَيْتك، وَأمر لَهَا بأحمال من تمر ودقيق واقط، وزبيب. وَقد نطقت الْعَرَب فِي عدَّة أَلْفَاظ بِالدَّال والذال، فَقَالُوا لمدينة السَّلَام: بغذاذ وبغداد، وللرجل المجرب: منجد ومنجذ وللدواهي: القناذع والقنادع، وللضئيل الحقير الشَّخْص: مذل ومدل، وللعنكبوت: الخذرنق والخدرنق، وللقنفذ: ابْن انقذ وَابْن انقد،

стр. 35

وللحمى: أم ملذم، وَأم ملدم، فَمن أعجمها فاشتقاقه من لذم بِهِ إِذا اعتلق بِهِ، وَمن لم يعجمها فاشتقاقه من اللدم وَهُوَ ضرب الْوَجْه حَتَّى يحمار. وَلما يجذف بِهِ الملاح: المجداف والمجذاف، ولضرب من مَشى الْخَيل: الهيذبي والهيدبي، ولأيام الْحر الْمَعْرُوفَة بوقدات سُهَيْل: المعتذلات والمعتدلات. وَذكر الْمفضل بن سَلمَة الضَّبِّيّ فِي كتاب الطّيب أَن من أَسمَاء الزَّعْفَرَان الجاذي والجادي، وَقَالُوا من الْأَفْعَال: ذففت على الجريح ودففت، أَي أجهزت عَلَيْهِ وخرذلت اللَّحْم وخردلته، أَي قطعته وفرقته، واقذحرّ الرجل واقدحرّ، إِذا غضب وتهيأ للشر، وامذقر الْقَوْم وامدقروا، إِذا تفَرقُوا، واذرعفت الْإِبِل وادرعفت، إِذا ندت، وجذف الطَّائِر وجدف، إِذا أسْرع تَحْرِيك جناحيه فِي طيرانه، وَمَا ذقت عذوفاً وَلَا عدوفاً، أَي مَا ذقت شَيْئا. وَقد قيل فيهمَا: عذافاً وعدافاً، وَقد استدف الشَّيْء واستذف بِمَعْنى اطرد واستتب، إِلَّا أَن عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى الهمذاني نَص فِي أَلْفَاظه على أَنه بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة لاشتقاقه من الذفيف، وَهُوَ السَّرِيع الْحَرَكَة. وَحكى أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن بشر الْآمِدِيّ مُصَنف كتاب الموازنة بَين الطائيين، قَالَ: سَأَلت أَبَا بكر بن دُرَيْد عَن الكاغد، فَقَالَ: يُقَال بِالدَّال والذال والظاء الْمُعْجَمَة، وطابق ثَعْلَب عَلَيْهِ. وَيُقَال أَيْضا: جذ الْحَبل وجده، أَي قطعه، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿عَطاء غير مجذوذ﴾ . وَيُقَال: شَيْء جَدِيد وجذيذ، أَي مَقْطُوع. وَمن أَبْيَات الْمعَانِي: (أبي حبي سليمى أَن يبيدا ... وَأمسى حبلها خلقا جَدِيدا) أَي مَقْطُوعًا. وَمِمَّا يلتحم بِهَذَا الْفَصْل قَول الراجز: (كَيفَ تراني أذريّ وأدريّ ) فَالْأول بذال مُعْجمَة، لِأَنَّهُ افتعل من ذريت تُرَاب الْمَعْدن، وَالثَّانِي بدال مُبْهمَة، لِأَنَّهُ افتعل من دراه، أَي ختله، فَيَقُولُونَ: كَيفَ تراني أذري التُّرَاب، واختل مَعَ ذَلِك هَذِه

стр. 36

الْمَرْأَة بِالنّظرِ إِلَيْهَا إِذا غفلت، وَيُقَال: ذرته الرّيح تَذْرُوهُ وتذريه. [٢٨] وَيَقُولُونَ: شوشت الْأَمر وَهُوَ مشوش . وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: هوشته وَهُوَ مهوش، لِأَنَّهُ من الهوش، وَهُوَ اخْتِلَاط الشَّيْء، وَمِنْه الحَدِيث: إيَّاكُمْ وهوشات الْأَسْوَاق، وَجَاء فِي خبر آخر: من أصَاب مَالا من مهاوش أذهبه الله فِي نهابر، يَعْنِي بالمهاوش التخاليط وبالنهابر المهالك. وَقد روى: من أصَاب مَالا من نهاوش وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ. [٢٩] وَيَقُولُونَ فِي ضمن أدعيتهم لمن يُخَاطب أَو يُكَاتب: بلغك الله الْمَأْثُور، ويعنون بِهِ مَا يؤثره الْمَدْعُو لَهُ، فيوهمون فِيهِ إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي معنى الْمُؤثر وَلَا اشتقاق لَفْظَة مِنْهُ لِأَن الْمَأْثُور هُوَ مَا يأثره اللِّسَان لَا مَا يؤثره الْإِنْسَان، لاشتقاق لَفظه من أثرت الحَدِيث، أَي رويته، لَا من آثرت الشَّيْء، أَي اخترته، وعَلى معنى الرِّوَايَة فسر

стр. 37

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر يُؤثر﴾ ، أَي يرويهِ وَاحِد بعد وَاحِد وينقله مخبر إِلَى مخبر. وَقد يشْتَمل الْخَبَر على المفروح بِهِ والمحزون مِنْهُ، فَلَا يدل معنى الْمَأْثُور على إخلاص الدُّعَاء لمن دَعَا لَهُ بِهِ لتجويز أَن تُؤثر المذمات والمساءات عَنهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل صفة للدُّعَاء المحبوب، فَيُقَال: أولاك الله اللطف الْمَأْثُور وَمَا أشبه ذَلِك، فَتَصِير حِينَئِذٍ الدعْوَة دعوتين، والمدعو لَهُ بصدد حسنتين. [٣٠] وَمن أوهامهم أَيْضا فِي تَغْيِير صِيغَة المفاعيل وَهُوَ من مفاضح اللّحن الشنيع قَوْلهم: قلب متعوب، وَعمل مفسود، وَرجل مبغوض، وَوجه القَوْل أَن يُقَال: قلب مُتْعب، وَعمل مُفسد، وَرجل مبغض، لِأَن أصُول أفعالها ربَاعِية، ومفعول الرباعي يبْنى على مفعل فَكَمَا يُقَال: أكْرم فَهُوَ مكرم وأضرم فَهُوَ مضرم، كَذَلِك يُقَال: أتعب فَهُوَ مُتْعب، وأفسد فَهُوَ مُفسد، وَأبْغض فَهُوَ مبغض، وَأخرج فَهُوَ مخرج .

стр. 38

[٣١] وَيَقُولُونَ: انضاف الشَّيْء إِلَيْهِ وانفسد الْأَمر عَلَيْهِ، وكلا اللَّفْظَيْنِ معرة لكَاتبه والمتلفظ بِهِ إِذْ لَا مساغ لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب وَلَا فِي مقاييس التصريف . وَوجه القَوْل أَن يُقَال: أضيف الشَّيْء إِلَيْهِ وَفَسَد الْأَمر عَلَيْهِ وَالْعلَّة فِي امْتنَاع انفعل مِنْهُمَا أَن مبْنى فعل المطاوعة المصوغ على انفعل أَن يَأْتِي مُطَاوع الثلاثية المتعدية كَقَوْلِك: سكبته: فانسكب وجذبته فانجذب، وقدته فانقاد، وسقته فانساق، ونظائر ذَلِك، وضاف وَفَسَد، إِذا عديا بِهَمْزَة النَّقْل فَقيل: أضَاف وأفسد صَارا رباعيين فَلهَذَا امْتنع بِنَاء انفعل مِنْهُمَا. فَإِن قيل: نقل عَن الْعَرَب أَلْفَاظ من أَفعَال المطاوعة بنوها من انفعل فَقَالُوا: انزعج، وَانْطَلق، وانقحم، وانحجر، وأصولها أزعج وَأطلق وأقحم وأحجر فَالْجَوَاب عَنهُ أَن هَذِه شذت عَن الْقيَاس المطرد، وَالْأَصْل المنعقد كَمَا شذّ قَوْلهم: انسرب

стр. 39

الشَّيْء الْمَبْنِيّ من سرب، وَهُوَ لَازم والشواذ تقصر على السماع، وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاع. [٣٢] وَيَقُولُونَ للْمَأْمُور بِالْبرِّ والشم: بر والدك بِكَسْر الْبَاء، وشم يدك بِضَم الشين . وَالصَّوَاب أَن يفتحا جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا مفتوحان فِي قَوْلك: يبر ويشم، وَعقد هَذَا الْبَاب أَن حَرَكَة أول فعل الْأَمر من جنس حَرَكَة ثَانِي الْفِعْل الْمُضَارع إِذا كَانَ متحركاً فتفتح الْبَاء فِي قَوْلك: بر أَبَاك لانفتاحها فِي قَوْلك يبر، وتضم الْمِيم فِي قَوْلك: مد الْحَبل لانضمامه فِي قَوْلك: يمد، وتكسر الْخَاء فِي قَوْلك خف فِي الْعَمَل لانكسارها فِي قَوْلك: يخف. وَإِنَّمَا اعْتبر بحركة ثَانِيه دون أَوله لِأَن أَوله زَائِد وَالزَّائِد لَا اعْتِبَار بِهِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يسكن ثَانِي الْفِعْل الْمُضَارع كالضاد من يضْرب، وَالسِّين من يسْتَخْرج، فتجتلب همزَة الْوَصْل لفعل الْأَمر المصوغ مِنْهُ، ليمكن افْتِتَاح النُّطْق بِهِ، كَقَوْلِك: اضْرِب، استخرج، وَهَذَا الحكم مطرد فِي جَمِيع أَمْثِلَة الْأَمر المصوغة من الْأَفْعَال المضارعة وَإِنَّمَا صِيغ مِثَال الْأَمر من الْفِعْل الْمُضَارع دون الْمَاضِي لتماثلهما فِي الدّلَالَة على الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، وَأما جنس حَرَكَة آخر الْفِعْل المضعف فِي الْأَمر والجزم كبيت جرير: (فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا)

стр. 40

فقد جوز كسر الضَّاد من غض لالتقاء الساكنين وَفتحهَا لخفة الفتحة، وَضمّهَا على اتِّبَاع الضمة قبلهَا وَهُوَ أضعفها. [٣٣] وَيَقُولُونَ: فلَان أشر من فلَان، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: هُوَ شَرّ من فلَان بِغَيْر ألف، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم﴾ ، وَعَلِيهِ قَول الراجز: (إِن بنيّ لَيْسَ فيهم برّ وأمهم مثلهم أَو شرّ إِذا رأوها نبحتني هرواً) وَفِي الْبَيْت الْأَخير شَاهد على أَن المسموع: نبحته الْكلاب، لَا كَمَا تَقول الْعَامَّة: نبحت عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُقَال: فلَان خير من فلَان بِحَذْف الْهمزَة، لِأَن هَاتين اللفظتين كثر استعمالهما فِي الْكَلَام، فحذفت همزتاهما للتَّخْفِيف، وَلم يلفظوا بهما إِلَّا فِي فعل التَّعَجُّب خَاصَّة، كَمَا صححوا فِيهِ المعتل فَقَالُوا: مَا أخير زيدا وَمَا اشر عمرا، كَمَا قَالُوا: مَا أَقُول زيدا وَكَذَلِكَ أَثْبَتَت الْهمزَة فِي لفظ الْأَمر فَقَالُوا: أخير بزيد، وأشرر بِعَمْرو، كَمَا قَالُوا: أَقُول بِهِ، وَالْعلَّة فِي إِثْبَاتهَا فِي فعلي التَّعَجُّب وَالْأَمر أَن اسْتِعْمَال هَاتين اللفظتين اسْما أَكثر من استعمالهما فعلا، فحذفت فِي مَوضِع الْكَثْرَة، وَبقيت على أَصْلهَا فِي مَوضِع الْقلَّة، فَأَما قِرَاءَة أبي قلَابَة: ﴿سيعلمون غَدا من الْكذَّاب الأشر﴾ ،
следующие страницы →