Полный текст (284 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْمَرْأَة بِالنّظرِ إِلَيْهَا إِذا غفلت، وَيُقَال: ذرته الرّيح تَذْرُوهُ وتذريه.
[٢٨] وَيَقُولُونَ: شوشت الْأَمر وَهُوَ مشوش .
وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: هوشته وَهُوَ مهوش، لِأَنَّهُ من الهوش، وَهُوَ اخْتِلَاط الشَّيْء، وَمِنْه الحَدِيث: إيَّاكُمْ وهوشات الْأَسْوَاق، وَجَاء فِي خبر آخر: من أصَاب مَالا من مهاوش أذهبه الله فِي نهابر، يَعْنِي بالمهاوش التخاليط وبالنهابر المهالك.
وَقد روى: من أصَاب مَالا من نهاوش وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ.
[٢٩] وَيَقُولُونَ فِي ضمن أدعيتهم لمن يُخَاطب أَو يُكَاتب: بلغك الله الْمَأْثُور، ويعنون بِهِ مَا يؤثره الْمَدْعُو لَهُ، فيوهمون فِيهِ إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي معنى الْمُؤثر وَلَا اشتقاق لَفْظَة مِنْهُ لِأَن الْمَأْثُور هُوَ مَا يأثره اللِّسَان لَا مَا يؤثره الْإِنْسَان، لاشتقاق لَفظه من أثرت الحَدِيث، أَي رويته، لَا من آثرت الشَّيْء، أَي اخترته، وعَلى معنى الرِّوَايَة فسر
стр. 37
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر يُؤثر﴾ ، أَي يرويهِ وَاحِد بعد وَاحِد وينقله مخبر إِلَى مخبر.
وَقد يشْتَمل الْخَبَر على المفروح بِهِ والمحزون مِنْهُ، فَلَا يدل معنى الْمَأْثُور على إخلاص الدُّعَاء لمن دَعَا لَهُ بِهِ لتجويز أَن تُؤثر المذمات والمساءات عَنهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل صفة للدُّعَاء المحبوب، فَيُقَال: أولاك الله اللطف الْمَأْثُور وَمَا أشبه ذَلِك، فَتَصِير حِينَئِذٍ الدعْوَة دعوتين، والمدعو لَهُ بصدد حسنتين.
[٣٠] وَمن أوهامهم أَيْضا فِي تَغْيِير صِيغَة المفاعيل وَهُوَ من مفاضح اللّحن الشنيع قَوْلهم: قلب متعوب، وَعمل مفسود، وَرجل مبغوض، وَوجه القَوْل أَن يُقَال: قلب مُتْعب، وَعمل مُفسد، وَرجل مبغض، لِأَن أصُول أفعالها ربَاعِية، ومفعول الرباعي يبْنى على مفعل فَكَمَا يُقَال: أكْرم فَهُوَ مكرم وأضرم فَهُوَ مضرم، كَذَلِك يُقَال: أتعب فَهُوَ مُتْعب، وأفسد فَهُوَ مُفسد، وَأبْغض فَهُوَ مبغض، وَأخرج فَهُوَ مخرج .
стр. 38
[٣١] وَيَقُولُونَ: انضاف الشَّيْء إِلَيْهِ وانفسد الْأَمر عَلَيْهِ، وكلا اللَّفْظَيْنِ معرة لكَاتبه والمتلفظ بِهِ إِذْ لَا مساغ لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب وَلَا فِي مقاييس التصريف .
وَوجه القَوْل أَن يُقَال: أضيف الشَّيْء إِلَيْهِ وَفَسَد الْأَمر عَلَيْهِ وَالْعلَّة فِي امْتنَاع انفعل مِنْهُمَا أَن مبْنى فعل المطاوعة المصوغ على انفعل أَن يَأْتِي مُطَاوع الثلاثية المتعدية كَقَوْلِك: سكبته: فانسكب وجذبته فانجذب، وقدته فانقاد، وسقته فانساق، ونظائر ذَلِك، وضاف وَفَسَد، إِذا عديا بِهَمْزَة النَّقْل فَقيل: أضَاف وأفسد صَارا رباعيين فَلهَذَا امْتنع بِنَاء انفعل مِنْهُمَا.
فَإِن قيل: نقل عَن الْعَرَب أَلْفَاظ من أَفعَال المطاوعة بنوها من انفعل فَقَالُوا: انزعج، وَانْطَلق، وانقحم، وانحجر، وأصولها أزعج وَأطلق وأقحم وأحجر فَالْجَوَاب عَنهُ أَن هَذِه شذت عَن الْقيَاس المطرد، وَالْأَصْل المنعقد كَمَا شذّ قَوْلهم: انسرب
стр. 39
الشَّيْء الْمَبْنِيّ من سرب، وَهُوَ لَازم والشواذ تقصر على السماع، وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاع.
[٣٢] وَيَقُولُونَ للْمَأْمُور بِالْبرِّ والشم: بر والدك بِكَسْر الْبَاء، وشم يدك بِضَم الشين .
وَالصَّوَاب أَن يفتحا جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا مفتوحان فِي قَوْلك: يبر ويشم، وَعقد هَذَا الْبَاب أَن حَرَكَة أول فعل الْأَمر من جنس حَرَكَة ثَانِي الْفِعْل الْمُضَارع إِذا كَانَ متحركاً فتفتح الْبَاء فِي قَوْلك: بر أَبَاك لانفتاحها فِي قَوْلك يبر، وتضم الْمِيم فِي قَوْلك: مد الْحَبل لانضمامه فِي قَوْلك: يمد، وتكسر الْخَاء فِي قَوْلك خف فِي الْعَمَل لانكسارها فِي قَوْلك: يخف.
وَإِنَّمَا اعْتبر بحركة ثَانِيه دون أَوله لِأَن أَوله زَائِد وَالزَّائِد لَا اعْتِبَار بِهِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يسكن ثَانِي الْفِعْل الْمُضَارع كالضاد من يضْرب، وَالسِّين من يسْتَخْرج، فتجتلب همزَة الْوَصْل لفعل الْأَمر المصوغ مِنْهُ، ليمكن افْتِتَاح النُّطْق بِهِ، كَقَوْلِك: اضْرِب، استخرج، وَهَذَا الحكم مطرد فِي جَمِيع أَمْثِلَة الْأَمر المصوغة من الْأَفْعَال المضارعة وَإِنَّمَا صِيغ مِثَال الْأَمر من الْفِعْل الْمُضَارع دون الْمَاضِي لتماثلهما فِي الدّلَالَة على الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، وَأما جنس حَرَكَة آخر الْفِعْل المضعف فِي الْأَمر والجزم كبيت جرير:
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا)
стр. 40
فقد جوز كسر الضَّاد من غض لالتقاء الساكنين وَفتحهَا لخفة الفتحة، وَضمّهَا على اتِّبَاع الضمة قبلهَا وَهُوَ أضعفها.
[٣٣] وَيَقُولُونَ: فلَان أشر من فلَان، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: هُوَ شَرّ من فلَان بِغَيْر ألف، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم﴾ ، وَعَلِيهِ قَول الراجز:
(إِن بنيّ لَيْسَ فيهم برّ
وأمهم مثلهم أَو شرّ
إِذا رأوها نبحتني هرواً)
وَفِي الْبَيْت الْأَخير شَاهد على أَن المسموع: نبحته الْكلاب، لَا كَمَا تَقول الْعَامَّة: نبحت عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُقَال: فلَان خير من فلَان بِحَذْف الْهمزَة، لِأَن هَاتين اللفظتين كثر استعمالهما فِي الْكَلَام، فحذفت همزتاهما للتَّخْفِيف، وَلم يلفظوا بهما إِلَّا فِي فعل التَّعَجُّب خَاصَّة، كَمَا صححوا فِيهِ المعتل فَقَالُوا: مَا أخير زيدا وَمَا اشر عمرا، كَمَا قَالُوا: مَا أَقُول زيدا وَكَذَلِكَ أَثْبَتَت الْهمزَة فِي لفظ الْأَمر فَقَالُوا: أخير بزيد، وأشرر بِعَمْرو، كَمَا قَالُوا: أَقُول بِهِ، وَالْعلَّة فِي إِثْبَاتهَا فِي فعلي التَّعَجُّب وَالْأَمر أَن اسْتِعْمَال هَاتين اللفظتين اسْما أَكثر من استعمالهما فعلا، فحذفت فِي مَوضِع الْكَثْرَة، وَبقيت على أَصْلهَا فِي مَوضِع الْقلَّة، فَأَما قِرَاءَة أبي قلَابَة: ﴿سيعلمون غَدا من الْكذَّاب الأشر﴾ ،
стр. 41
فقد لحن فِيهَا وَلم يطابقه أحد عَلَيْهَا.
[٣٤] وَيَقُولُونَ: هبت الارياح، مقايسة على قَوْلهم: ريَاح وَهُوَ خطأ بَين وَوهم مستهجن، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: هبت الْأَرْوَاح، كَمَا قَالَ ذُو الرمة:
(إِذا هبت الارواح من نَحْو جَانب ... بِهِ أهل ميّ هاج قلبِي هبوبها)
(هوى تذرف العينان مِنْهُ وَإِنَّمَا ... هوى كل نفس حَيْثُ كَانَ حبيبها)
وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن أصل ريح روح لاشتقاقها من الرّوح، وَإِنَّمَا أبدلت الْوَاو يَاء فِي ريح للكسرة الَّتِي قبلهَا، فَإِذا جمعت على أَرْوَاح فقد سكن مَا قبل الْوَاو، وزالت الْعلَّة الَّتِي توجب قَلبهَا يَاء فَلهَذَا وَجب أَن تُعَاد إِلَى أَصْلهَا، كَمَا أُعِيدَت لهَذَا السَّبَب فِي التصغير فَقيل: رويحة.
وَنَظِير قَوْلهم: ريح وأرواح قَوْلهم فِي جمع ثوب وحوض: ثِيَاب وحياض، فَإِذا جمعوها على أَفعَال قَالُوا: أَثوَاب وأحواض.
стр. 42
فَإِن قيل: فَلم جمع عيد على أعياد وَأَصله الْوَاو بِدلَالَة اشتقاقه من عَاد يعود فَالْجَوَاب عَنهُ أَن يُقَال: أَنهم فعلوا ذَلِك لِئَلَّا يلتبس جمع عيد بِجمع عود، كَمَا قَالُوا: هُوَ أليط بقلبي مِنْك، وَأَصله من الْوَاو ليفرقوا بَينه وَبَين قَوْلهم: هُوَ ألوط من فلَان.
وكما قَالُوا أَيْضا: هُوَ نشيان للْخَبَر ليفرقوا بَينه وَبَين نشوان من السكر.
وَمِمَّا يعضد أَن جمع ريح على أَرْوَاح مَا رُوِيَ أَن مَيْسُونُ بنت بَحْدَل لما اتَّصَلت بِمُعَاوِيَة، ونقلها من البدو إِلَى الشأم كَانَت تكْثر الحنين إِلَى أناسها والتذكر لمسقط رَأسهَا، فاستمع إِلَيْهَا ذَات يَوْم وَهِي تنشد:
(لبيت تخفق الْأَرْوَاح فِيهِ ... أحب إليّ من قصر منيف)
(وَلبس عباءة وتقر عَيْني ... أحب إليّ من لبس الشفوف)
(وَأكل كسيرة فِي كسر بَيْتِي ... أحب إِلَيّ من أكل الرَّغِيف)
(وأصوات الرِّيَاح بِكُل فج ... أحب إليّ من نقر الدفوف)
(وكلب ينبح الطراق دوني ... أحب إليّ من قطّ أُلُوف)
(وَبكر يتبع الأظعان صَعب ... أحب إليّ من بغل زفوف)
(وخرق من بني عمي نجيف ... أحب إِلَيّ من علج عليف)
فَلَمَّا سمع مُعَاوِيَة الأبيات قَالَ لَهَا: مَا رضيت ابْنة بَحْدَل حَتَّى جَعَلتني علجا عليفا.
[٣٥] وَيَقُولُونَ: باقلاء مدود، وَطَعَام مسوس، وَخبر مكرج، ومتاع مقارب، وَرجل موسوس .
فيفتحون مَا قبل الْحَرْف الْأَخير من كل كلمة، وَالصَّوَاب كَسره،
стр. 43
فَيُقَال: طَعَام مسوس وَرجل موسوس ونظائرهما.
وَيُقَال فِي فعل من المدود: قد داد وأداد ودود وديد.
وَمن هَذَا النَّوْع قَوْلهم للبسرة إِذا بدا الأرطاب فِي أَسْفَلهَا: مذنبة بِفَتْح النُّون، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا مذنبة بِكَسْر النُّون.
ويحكى أَن الرشيد ﵀ لما جمع بَين أبي الْحسن الْكسَائي وَأبي مُحَمَّد اليزيدي ليتناظرا عِنْده، علم اليزيدي أَنه يقصر عَنهُ فِي النَّحْو فَابْتَدَرَهُ وَقَالَ: كَيفَ تَقول: تَمْرَة مذنّبة أَو مذنبّة فَلم يأبه الْكسَائي لقَوْله: بل ظن أَنه قَالَ: بسرة، فَقَالَ: أَقُول مذنبة، فَقَالَ لَهُ: إِذا كَانَ مَاذَا قَالَ: إِذا بدا الأرطاب من أَسْفَلهَا.
فَضرب اليزيدي بقلنسوته الأَرْض، وَقَالَ: أَنا أَبُو مُحَمَّد اليزيدي وَقد أَخْطَأت يَا شيخ، التمرة لَا تذنب وَإِنَّمَا البسرة تذنب، فَغَضب عَلَيْهِ الرشيد، وَقَالَ: أتكتني بمجلسي وتسفه على الشَّيْخ وَالله إِن
стр. 44
خطأ الْكسَائي وَحسن أدبه أحب إِلَيّ من صوابك مَعَ قبح أدبك، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ، فَأمر بِإِخْرَاجِهِ.
قَالَ الْمُؤلف: وَلَيْسَ سَهْو الْكسَائي فِيمَا أزلقه فِيهِ اليزيدي مِمَّا يقْدَح فِي فَضله، أَو يُنبئ عَن قُصُور علمه، إِذْ لَا خَفَاء باشتمال علمه، على أَن البسرة إِذا ارطبت من قبل ذنبها قيل لَهَا: مذنبة، فَإِذا بلغ الارطاب نصفهَا قيل لَهَا مجزعة، فَإِذا بلغ تلثيها الإرطاب قيل لَهَا: حلقانة ومحلقنة، وَإِذا أرطبت جَمِيعهَا قيل لَهَا: معوة.
[٣٦] وَيَقُولُونَ: فعل الْغَيْر ذَلِك، فَيدْخلُونَ على غير آلَة التَّعْرِيف، والمحققون من النَّحْوِيين يمْنَعُونَ من إِدْخَال الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، لِأَن الْمَقْصُود فِي إِدْخَال آلَة التَّعْرِيف على الِاسْم النكرَة أَن تخصصه بشخص بِعَيْنِه، فَإِذا قيل: الْغَيْر، اشْتَمَلت هَذِه اللَّفْظَة على مَا لَا يُحْصى كَثْرَة، وَلم يتعرف بِآلَة التَّعْرِيف، كَمَا أَنه لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، فَلم يكن لإدخال الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ فَائِدَة، وَلِهَذَا السَّبَب لم تدخل الْألف وَاللَّام على الْمَشَاهِير من المعارف مثل دجلة وعرفة وذكاء ومحوة لوضوح اشتهارها والاكتفاء عَن تَعْرِيفهَا بعرفان ذواتها .
стр. 45
وَنَظِير هَذَا الْوَهم قَوْلهم: حضرت الكافة، فيوهمون فِيهِ أَيْضا على مَا حَكَاهُ ثَعْلَب فِيمَا فسره من مَعَاني الْقُرْآن، كَمَا وهم القَاضِي أَبُو بكر بن قريعة حِين استثبت عَن شَيْء حَكَاهُ، فَقَالَ: هَذَا ترويه الكافة عَن الكافة والحافة عَن الحافة، والصافة عَن الصافة، وَالصَّوَاب فِيهِ أَن يُقَال: حضر النَّاس كَافَّة، كَمَا قَالَ : ﴿ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة﴾ لِأَن الْعَرَب لم تلْحق لَام التَّعْرِيف بكافة كَمَا لم تلحقها بِلَفْظَة مَعًا وَلَا بِلَفْظَة طرا.
وَمن حكم لَفْظَة كَافَّة أَن تَأتي متعقبة، فَأَما تصديرها فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ فَقيل: أَنه مِمَّا قدم لَفظه وَآخر مَعْنَاهُ وَأَن تَقْدِير الْكَلَام: وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا جَامعا بالإنذار، والبشارة للنَّاس كَافَّة، كَمَا حمل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وغرابيب سود﴾ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، لِأَن الْعَرَب تقدم فِي هَذَا النَّوْع لفظ الْأَشْهر على الأغرب، كَقَوْلِهِم: أَبيض يقق، وأصفر فَاقِع، وأسود حالك.
وَقيل أَن كَافَّة فِي الْآيَة بِمَعْنى كَاف، وإلحاق الْهَاء بِهِ للْمُبَالَغَة كالهاء فِي عَلامَة ونسابة.
وَمن أوهامهم مِمَّا يدْخلُونَ عَلَيْهِ لَام التَّعْرِيف وَالْوَجْه تنكيره قَوْلهم: فعل ذَلِك من
стр. 46
الرَّأْس لِأَن الْعَرَب تَقول: فعله من راس، من غير أَن تلْحق بِهِ الْألف وَاللَّام.
[٣٧] وَيَقُولُونَ: هَذِه كبرى وَتلك صغرى، فيستعملونهما نكرتين، وهما من قبيل مَا لم تنكره الْعَرَب بِحَال، وَلَا نطقت بِهِ إِلَّا مُعَرفا حَيْثُمَا وَقعا فِي الْكَلَام، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فيهمَا: هَذِه الْكُبْرَى وَتلك الصُّغْرَى، أَو هَذِه كبرى اللآليء وَتلك صغرى الْجَوَارِي كَمَا ورد فِي الْأَثر: إِذا اجْتمعت الحرمتان طرحت الصُّغْرَى للكبرى أَي إِذا اجْتمع أَمْرَانِ فِي أَحدهمَا مصلحَة تخص وَفِي الآخر مصلحَة تعم، قدم الَّذِي تعم مصْلحَته على الَّذِي تخص منفعَته .
وَذكر شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم بن الْفضل النَّحْوِيّ ﵀ أَن فعلى بِضَم الْفَاء تَنْقَسِم إِلَى خَمْسَة أَقسَام:
أَحدهَا: أَن تَأتي اسْما علما نَحْو حزوي.
وَالثَّانِي: أَن تَأتي مصدرا نَحْو رَجْعِيّ.
وَالثَّالِث أَن تَأتي اسْم جنس مثل بهمى، وَهُوَ نبت.
وَالرَّابِع: أَن تَأتي تَأْنِيث أفعل نَحْو الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى.
стр. 47
وَالْخَامِس: أَن تَأتي صفة مَحْضَة لَيست بتأنيث أفعل نَحْو حُبْلَى، وَمن هَذَا الْقسم قَوْله تَعَالَى: ﴿قسْمَة ضيزى﴾ لِأَن الأَصْل فِيهَا ضِوزى، وَإِذا كَانَت لتأنيث أفعل تعاقب عَلَيْهَا لَام التَّعْرِيف وَالْإِضَافَة وَلم يجز أَن تعرى من أَحدهمَا، وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك: الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى، وطولى القصائد وصغرى الأراجيز، قَالَ: وَلم يشذ من ذَلِك إِلَّا دنيا وَأُخْرَى، فَإِنَّهُمَا لِكَثْرَة مجالهما فِي الْكَلَام ومدارهما فِيهِ، استعملتا نكرتين، كَمَا قَالَت خرقَة بنت النُّعْمَان:
(فأف لدُنْيَا لَا يَدُوم نعيمها ... تنقل تارات بِنَا وَتصرف)
وَأما طُوبَى فِي قَوْلهم: طُوبَى لَك وجلي فِي قَول النَّهْشَلِي:
(وَإِن دَعَوْت إِلَى جلى ومكرمة ... يَوْمًا سراة كرام النَّاس فادعينا)
فانهما مصدران كالرجعى.
وفعلى المصدرية لَا يلْزم تَعْرِيفهَا، وَأما طُوبَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿طُوبَى لَهُم وَحسن مآب﴾ فَقيل: إنَّهُمَا من أَسمَاء الْجنَّة، وَقيل: بل هِيَ شَجَرَة
стр. 48
تظل الْجنان كلهَا.
وَقيل: بل هِيَ مصدر مُشْتَقّ من الطّيب.
وعَلى اخْتِلَاف هَذَا التَّفْسِير لَا تحْتَاج إِلَى التَّعْرِيف.
وَقد عيب على أبي نواس قَوْله:
(كَأَن كبرى وصغرى من فواقعها ... حَصْبَاء در على أَرض من الذَّهَب)
وَمن تَأَول لَهُ فِيهِ قَالَ: جعل من فِي الْبَيْت زَائِدَة، على مَا أجَازه أَبُو الْحسن الْأَخْفَش من زيادتها فِي الْكَلَام الْوَاجِب وَأول عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿من جبال فِيهَا من برد﴾ وَقَالَ: تَقْدِيره فِيهَا برد.
وَقد اتّفق بِحَضْرَة الْمَأْمُون تَحْقِيق هَذَا التَّشْبِيه الْمُودع بَيت أبي نواس على وَجه الْمجَاز وَذَاكَ أَنه حِين بنى على بوران بنت الْحسن بن سهل، فرش لَهُ حَصِير منسوج بِالذَّهَب، ثمَّ نثر على قَدَمَيْهِ لآلئ كَثِيرَة، فَلَمَّا رأى تساقط اللالئ الْمُخْتَلفَة على الْحَصِير النسيج، قَالَ: قَاتل الله أَبَا نواس كَأَنَّهُ شَاهد هَذِه الْحَال حَتَّى شبه بهاحباب كأسه، وَأنْشد الْبَيْت المستطرد بِهِ.
ويضاهي هَذِه الْحِكَايَة فِي طرفَة اتفاقها وملحة مساقها مَا حكى أَن عبد الْملك بن مَرْوَان حِين أزمع النهود إِلَى محاربة مُصعب بن الزبير ناشدته عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة أَلا يخرج بِنَفسِهِ، وَأَن يَسْتَنِيب غَيره فِي حربه، وَلم تزل تلج عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ يمْتَنع من الْإِجَابَة، فَلَمَّا يئست مِنْهُ أخذت فِي بكائهاحتى أعول حشمها لاعوالها، فَقَالَ عبد الْملك: قَاتل الله ابْن أبي جُمُعَة - يَعْنِي كثيرا - كَأَنَّهُ رأى موقفنا هَذَا حِين قَالَ:
(إِذا مَا أَرَادَ الْغَزْو لم يثن عزمه ... حصان عَلَيْهَا نظم در يزينها)
(نهته فَلَمَّا لم تَرَ النهى عاقه ... بَكت فَبكى مِمَّا شَجَّاهَا قطينها)
ثمَّ عزم عَلَيْهَا أَن تقصر، وَخرج.
[٣٨] وَيَقُولُونَ لمن أَخذ يَمِينا فِي سَعْيه: قد تيامن وَلمن أَخذ شمالا: قد
стр. 49
تشاءم، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فيهمَا: يامن وشاءم، وَأَن يُقَال للمسترشد: يامن يَا هَذَا وشائم، أَي خُذ يَمِينا وَشمَالًا، فَأَما معنى تيامن وتشاءم فَأن يَأْخُذ نَحْو الْيمن والشأم، فَإِذا أتاهما قيل: أَيمن وأشأم، كَمَا يُقَال: انجد واتهم، إِذا أَتَى نجداً وتهامة، وَقد يُقَال فِي معنى آخر: تيمن الرجل إِذا توسد يَمِينه.
ويكنى بِهِ أَيْضا عَمَّن مَاتَ لِأَنَّهُ إِذا مَاتَ اضجع على يَمِينه، وَمِنْه مَا أنْشدهُ ثَعْلَب فِي مَعَانِيه:
(إِذا الْمَرْء علبى ثمَّ أصبح جلده ... كرحض غسيل فالتيمن أروح)
وَمعنى علبى تشنجت علباؤه.
وَهِي الْعصبَة فِي الْعُنُق، وَأَرَادَ هَذَا الشَّاعِر أَنه إِذا انْتهى فِي الْهَرم إِلَى هَذَا الْحَد فالموت أروح لَهُ.
[٣٩] وَيَقُولُونَ: هُوَ مشؤم، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مشؤوم بِالْهَمْز، وَقد شئم إِذا صَار مشؤوما، وشأم أَصْحَابه إِذا مسهم شُؤْم من قبله، كَمَا يُقَال فِي نقيضه يمن، إِذا صَار ميموناً، ويمن أَصْحَابه إِذا أَصَابَهُم يمنه .
واشتقاق الشؤم من الشأمة وَهِي الشمَال، وَذَاكَ أَن الْعَرَب تنْسب الْخَيْر إِلَى الْيَمين وَالشَّر إِلَى الشمَال، وَلِهَذَا تخْتَار أَن تُعْطى بِيَمِينِهَا وتمنع بشمالها، وَعَلِيهِ فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم كُنْتُم تأتوننا عَن الْيَمين﴾ ، أَي تصدوننا
стр. 50
عَن فعل الْخَيْر وتحولون بَيْننَا وَبَينه.
وَمن كَلَام الْعَرَب فلَان عِنْدِي بِالْيَمِينِ، أَي بالمنزلة الْحَسَنَة، وَفُلَان عِنْدِي بالشمال أَي بالمنزلة الدنية.
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الشَّاعِر بقوله:
(أبيني أَفِي يمنى يَديك جَعَلتني ... فَأَفْرَح أم صيرتني فِي شمالك)
وَقيل: أَرَادَ بِهِ: أجعلتني مقدما عنْدك أم مُؤَخرا، لآن عَادَة الْعَرَب فِي الْعدَد أَن تبدأ بِالْيَمِينِ، فَإِذا أكملت عدَّة الْخَمْسَة وثنت عَلَيْهَا الْخمس من الْيَمين نقلت الْعدَد إِلَى الشمَال.
وَمِمَّا يكنى عَنهُ بالشمال قَوْلهم للمنهزم: نظر عَن شِمَاله، وَمِنْه قَول الحطيئة:
(وفتيان صدق من عديّ عَلَيْهِم ... صَفَائِح بصرى علقت بالعواتق)
(إِذا فزعوا لم ينْظرُوا عَن شمالهم ... وَلم يمسكوا فَوق الْقُلُوب الخوافق)
(وَقَامُوا إِلَى الجرد الْجِيَاد فألجموا ... وشدوا على أوساطهم بالمناطق)
وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة، فَقيل: كنى بالفريقين عَن أهل السَّعَادَة وَأهل الشقاوة، وَقيل: بل المُرَاد بأصحاب الميمنة المسلوك بهم يمنة إِلَى الْجنَّة، وبأصحاب المشأمة المسلوك بهم شأمة إِلَى النَّار.
وَقيل: أَن أَصْحَاب
стр. 51
الميمنة هم الميامين على أنفسهم، وَأَصْحَاب المشأمة هم المشائيم عَلَيْهَا.
والمشائيم جمع مشؤوم، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرة ... وَلَا ناعب إِلَّا ببين غرابها)
وللنحويين كَلَام فِي جر ناعب، وخلاصته أَن الشَّاعِر توهم دُخُول الْبَاء فِي مصلحين، ثمَّ عطف عَلَيْهِ، كَمَا أَخذ زُهَيْر بِمثل ذَلِك فِي قَوْله:
(بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابق شَيْئا إِذا كَانَ جائياً)
فجرّ لَفْظَة سَابق لتوهمه دُخُول الْبَاء فِي مدرك الْمَعْطُوف عَلَيْهِ.
[٤٠] وَيَقُولُونَ: اتَّخذت سرداباً بِعشر درج، فيفتحون السِّين من سرداب، وَهِي مَكْسُورَة فِي كَلَام الْعَرَب، كَمَا يُقَال: شِمْرَاخ وسربال وقنطار وشملال، وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا جَاءَ على فعلال بِكَسْر الْفَاء .
ثمَّ أَن الْعَرَب فرقت بَين مَا يرتقى فِيهِ وَمَا يحدر
стр. 52
مِنْهُ، فَسَمت مَا يرتقي فِيهِ إِلَى الْعُلُوّ درجاً وَمَا يتحدر فِيهِ إِلَى السّفل دركا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ وَجَاء فِي الْآثَار: أَن الْجنَّة دَرَجَات وَالنَّار دركات.
[٤١] وَيَقُولُونَ فِي الاستخبار: كم عبيدا لَك مقايسة على مَا يُقَال فِي الْخَبَر: كم عبيد لَك فيوهمون فِيهِ، إِذْ الصَّوَاب أَن يوحد المستخبر عَنهُ بكم، فَيُقَال: كم عبدا لَك، لِأَن كم لما وضعت للعدد الْمُبْهم أَعْطَيْت حكم نَوْعي الْعدَد، فجر الِاسْم الْوَاقِع بعْدهَا فِي الْخَبَر تَشْبِيها بِالْعدَدِ الْمَجْرُور فِي الْإِضَافَة، وَنصب فِي الِاسْتِفْهَام تَشْبِيها بِالْعدَدِ المصنوب على التَّمْيِيز، فلهذه الْعلَّة جَازَ أَن يَقع بعد كم الخبرية الْوَاحِد وَالْجمع، كَمَا يُقَال: ثَلَاثَة عبيد وَألف عبد، وَلزِمَ فِي الاستفهامية أَن يَقع بعْدهَا الْوَاحِد كَمَا يَقع بعد أحد عشر إِلَى تِسْعَة وَتِسْعين، وَامْتنع أَن يَقع بعْدهَا الْجمع لِأَن الْعدَد بعْدهَا مَنْصُوب على التَّمْيِيز والمميز بعد الْمَقَادِير لَا يكون جمعا .
[٤٢] وَيَقُولُونَ فِي جمع أَرض أراض فيخطئون فِيهِ لِأَن الأَرْض ثلاثية والثلاثي لَا يجمع على أفَاعِل، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِي جمعهَا: أرضون بِفَتْح الرَّاء، وَذَلِكَ أَن الْهَاء
стр. 53
مقدرَة فِي أَرض فَكَانَ أَصْلهَا أرضة، وَإِن لم ينْطق بهَا، وَلأَجل تَقْدِير هَذِه الْهَاء جمعت بِالْوَاو وَالنُّون على وَجه التعويض لَهَا عَمَّا حذف مِنْهَا، كَمَا قيل فِي جمع عضة: عضون، وَفِي جمع عزة: عزون، وَفتحت الرَّاء فِي الْجمع لتؤذن الفتحة بِأَن أصل جمعهَا أرضات، كَمَا يُقَال: نَخْلَة ونخلات. وَقيل: بل فتحت ليدخلها ضرب منع التَّغْيِير كَمَا كسرت السِّين فِي جمع سنة، فَقيل: سنُون.
وَهَذَا الْجمع الَّذِي بِالْوَاو وَالنُّون وضع فِي الأَصْل لمن يعقل من الذُّكُور، إِلَّا أَنه قد جمع عَلَيْهِ عدَّة من الْأَسْمَاء الْمَحْذُوف مِنْهَا على وَجه جبرها والتعويض لَهَا، فَقَالُوا: سنة وسنون وَعشرَة وَعِشْرُونَ وثبة وثبون وكرة وكرون وعضة وعضون، وَفِي الْقُرْآن: ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ .
وَقد اخْتلف فِي الْمَحْذُوف، فَقيل أَنه الْهَاء لاشتقاقه من العضيهة وَهُوَ الْبُهْتَان، وَقيل: بل الْوَاو لاشتقاقه من التعضية الَّتِي هِيَ بِمَعْنى التجزئة، أَي عضوا الْقُرْآن أَعْضَاء فآمنوا مِنْهُ بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض، ونسبوا بعضه إِلَى سحر وَبَعضه إِلَى شعر.
стр. 54
[٤٣] وَيَقُولُونَ: قد حدث أَمر، فيضمون الدَّال من حدث مقايسة على ضمهَا فِي قَوْلهم: أَخذه مَا حدث وَمَا قدم، فيحرفون بنية الْكَلِمَة المقولة ويخطئون فِي المقايسة المعقولة، لِأَن أصل بنية هَذِه الْكَلِمَة حدث على وزن فعل، فتح الْعين، كَمَا أَنْشدني بعض أدباء خُرَاسَان لأبي الْفَتْح البستي:
(جزعت من أَمر فظيع قد حدث
أَبُو تَمِيم وَهُوَ شيخ لَا حدث
قد حبس الأصلع فِي بَيت الْحَدث)
وَإِنَّمَا ضمت الدَّال من حدث حِين قرن بقدم لأجل الْمُجَاورَة والمحافظة على الموازنة، فَإِذا أفردت لَفْظَة حدث زَالَ السَّبَب الَّذِي أوجب ضم دالها فِي الازدواج، وَوَجَب أَن ترد إِلَى أصل حركتها وأولية صيغتها.
وَقد نطقت الْعَرَب بعدة أَلْفَاظ غيرت مبانيها لأجل الازدواج وأعادتها إِلَى أُصُولهَا عِنْد الِانْفِرَاد فَقَالُوا: الغدايا والعشايا إِذا قرنوا بَينهمَا، فَإِن أفردوا الغدايا ردوهَا إِلَى أَصْلهَا فَقَالُوا: الغدوات.
وَقَالُوا: هنأني الشَّيْء ومرأني، فَإِن أفردوا مرأني قَالُوا: أمرأني.
وَقَالُوا: فعلت بِهِ مَا سَاءَهُ وناءه، فَإِن أفردوا قَالُوا: أناءه، وَقَالُوا أَيْضا: هُوَ رِجْس نجس، فَإِن أفردوا لَفْظَة نجس ردوهَا إِلَى أَصْلهَا فَقَالُوا: نجس، كَمَا قَالَ : ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ .
وَكَذَلِكَ قَالُوا للشجاع الَّذِي لَا يزايل مَكَانَهُ: اهيس الْيَسْ، وَالْأَصْل فِي الاهيس الاهوس لاشتقاقه من
стр. 55
هاس يهوس، إِذا دق فعدلوا بِهِ إِلَى الْيَاء ليُوَافق لَفْظَة الْيَسْ.
وَقد نقل عَن النَّبِي ﷺ أَلْفَاظ رَاعى فِيهَا حكم الموازنة وتعديل الْمُقَارنَة، فَروِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ للنِّسَاء المتبرزات فِي الْعِيد: ارْجِعْنَ مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات.
وَقَالَ فِي عوذته لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن كرم الله وجههما: أُعِيذكُمَا بِكَلِمَات الله التَّامَّة من كل شَيْطَان وهامه وَمن كل عين لامه، وَالْأَصْل فِي مَأْزُورَات، موزورات لاشتقاقها من الْوزر، كَمَا أَن الأَصْل فِي لَامة ملمة لِأَنَّهَا فَاعل من ألمت إِلَّا أَنه ﷺ قصد أَن يعادل بِلَفْظ مَأْزُورَات لفظ مَأْجُورَات، وَأَن يوازن بِلَفْظ لَامة لفظتي تَامَّة وهَامة.
وَمثله قَوْله ﵇: من حفنا أَو رفنا فليقتصد أَي من خدمنا أَو أطعمنَا، وَكَانَ الأَصْل اتحفنا فأتبع حفنا رفنا.
ويروى فِي قضايا عَليّ ﵇ أَنه قضى فِي القارصة والقامصة والواقصة بِالدِّيَةِ اثلاثا وَتَفْسِيره أَن ثَلَاث جوَار ركبت إِحْدَاهُنَّ الْأُخْرَى، فقرصت الثَّالِثَة المركوبة فقمصت، فَسَقَطت الراكبة ووقصت، فقضي للَّتِي وقصت، أَي اندق عُنُقهَا بِثُلثي الدِّيَة على صاحبتيها، وَأسْقط الثُّلُث باشتراك فعلهَا فِيمَا أفْضى إِلَى وقصها، والواقصة هَاهُنَا، بِمَعْنى الموقوصة، وَأنْشد الْفراء فِي هَذَا النَّوْع:
(هتاك أخبية ولاج أبوبة ... يخلط بالجد مِنْهُ الْبر واللينا)
فَجمع الْبَاب على أبوبة ليزاوج لَفْظَة أخبية.
[٤٤] وَيَقُولُونَ: هم عشرُون نَفرا وَثَلَاثُونَ نَفرا، فيوهمون فِيهِ لِأَن النَّفر إِنَّمَا
стр. 56
يَقع على الثَّلَاثَة من الرِّجَال إِلَى الْعشْرَة، فَيُقَال: هم ثَلَاثَة نفر، وَهَؤُلَاء عشرَة نفر، وَلم يسمع عَن الْعَرَب اسْتِعْمَال النَّفر فِيمَا جَاوز الْعشْرَة بِحَال.
وَمن كَلَامهم فِي الدُّعَاء الَّذِي لَا يُرَاد وُقُوعه بِمن قصد بِهِ:
(لَا عدّ من نفره
)
كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فَهُوَ لَا تنمى رميته ... مَا لَهُ لَا عدّ من نفره)
فَظَاهر كَلَامه أَنه دَعَا عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ الَّذِي بِهِ يخرج عَن أَن يعد من قومه، ومخرج هَذَا القَوْل مخرج الْمَدْح لَهُ والإعجاب بِمَا بدا مِنْهُ لِأَنَّهُ وَصفه بسداد الرماية وإصماء الرَّمية، وَهُوَ معنى قَوْله: لَا تنمي رميته لأَنهم قَالُوا فِي الصَّيْد: رَمَاه فأصماه، إِذا قَتله مَكَانَهُ، ورماه فأنماه، إِذا غَابَ عَن عَيْنَيْهِ ثمَّ وجده مَيتا.
وَفِي الحَدِيث: إِن رجلا أَتَاهُ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أرمي الصَّيْد فأصمى وأنمى، فَقَالَ لَهُ: مَا أصميت فَكل، وَمَا أنميت فَلَا تَأْكُل، وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَن أكل مَا أنماه لجَوَاز أَن يكون مَاتَ من غير مرماه.
وَنَظِير قَوْلهم: لَا عد من نفره قَوْلهم للشاعر المفلق:
стр. 57
قَاتله الله وللفارس المحرب: لَا أَب لَهُ وعَلى هَذَا فسر أَكْثَرهم قَوْله ﷺ لمن استشاره فِي النِّكَاح: عَلَيْك بِذَات الدَّين تربت يداك، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الْقَائِل بقوله:
(أسب إِذا أَجدت القَوْل ظلما ... كَذَاك يُقَال للرجل الْمجِيد)
يَعْنِي أَنه يُقَال لَهُ عِنْد إجادته واستحسان براعته: قَاتله الله، فَمَا أشعره وَلَا أَب لَهُ فَمَا أمهره وَعند أَكثر أهل اللُّغَة أَن الرَّهْط بِمَعْنى النَّفر فِي أَنه لَا يتَجَاوَز الْعشْرَة كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط﴾ إِلَّا أَن الرَّهْط يرجعُونَ إِلَى أَب وَاحِد بِخِلَاف النَّفر، وَإِنَّمَا أضيف الْعدَد إِلَى النَّفر والرهط، لِأَنَّهُمَا اسمان للْجَمَاعَة فَكَأَن تَقْدِير قَوْله تَعَالَى: ﴿تِسْعَة رَهْط﴾ أَي تِسْعَة رجال، وَلَو كَانَ بِمَعْنى الْوَاحِد لما جَازَت الْإِضَافَة إِلَيْهِ، كَمَا لَا يُقَال: تِسْعَة رجل.
وَذكر ابْن فَارس فِي كِتَابه الْمُجْمل أَن الرَّهْط يُقَال إِلَى الْأَرْبَعين كالعصبة.
[٤٥] وَيَقُولُونَ فِي جمع حَاجَة: حوائج، فيوهمون فِيهِ كَمَا وهم بعض
стр. 58
الْمُحدثين فِي قَوْله:
(إِذا مَا دخلت الدَّار يَوْمًا وَرفعت ... ستورك لي فَانْظُر بِمَا أَنا خَارج)
(فسيان بَيت العنكبوت وجوسق ... رفيع إِذا لم تقض فِيهِ الْحَوَائِج)
وَالصَّوَاب أَن يجمع فِي أقل الْعدَد على حاجات، كَقَوْل الشَّاعِر:
وَقد تخرج الْحَاجَات يَا أم مَالك
كرائم من رب بِهن ضنين)
وَأَن يجمع فِي أَكثر الْعدَد على حَاج، مثل هَامة وهام، وَعَلِيهِ قَول الرَّاعِي:
(ومرسل وَرَسُول غير مُتَّهم ... وحاجة غير مزجاة من الْحَاج)
وأنشدت لأبي الْحُسَيْن بن فَارس اللّغَوِيّ:
(وَقَالُوا كَيفَ أَنْت فَقلت خير ... تقضي حَاجَة وتفوت حَاج)
(إِذا ازدحمت هموم الصَّدْر قُلْنَا: ... عَسى يَوْمًا يكون لَهَا انفراج)
(نديمي هرتي، وسرور قلبِي ... دفاتر لي، ومعشوقي السراج)
[٤٦] وَيَقُولُونَ لما يكثر ثمنه: مثمن، فيوهمون فِيهِ لِأَن الْمُثمن على قِيَاس كَلَام الْعَرَب هُوَ الَّذِي صَار لَهُ ثمن وَلَو قل كَمَا يُقَال غُصْن مُورق، إِذا بدا فِيهِ الْوَرق، وَشَجر مثمر إِذا أخرج الثَّمَرَة، وَالْمرَاد بِهِ غير هَذَا الْمَعْنى وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال فِيهِ: ثمين، كَمَا يُقَال: رجل لحيم، إِذا كثر لَحْمه، وكبش شحيم، إِذا كثر شحمه .
وَفِي كَلَام بعض
стр. 59
البلغاء، قدر الْأمين ثمين.
وَقد فرق أهل اللُّغَة بَين الْقيمَة وَالثمن، فَقَالُوا: الْقيمَة مَا يُوَافق مِقْدَار الشَّيْء ويعادله، وَالثمن مَا يَقع بِهِ التَّرَاضِي مِمَّا يكون وفقا لَهُ أَو أَزِيد عَلَيْهِ، أَو أنقص مِنْهُ، فَأَما قَول الشَّاعِر:
(وألقيت سهمي وَسطهمْ حِين أوخشوا ... فَمَا صَار لي فِي الْقسم إِلَّا ثمينها)
فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الثّمن، كَمَا يُقَال فِي النّصْف نصيف، وَفِي الْعشْر عشير.
[٤٧] وَيَقُولُونَ: هُوَ قَرَابَتي، وَالصَّوَاب: أَن يُقَال: ذُو قَرَابَتي كَمَا قَالَ
стр. 60
الشَّاعِر:
(يبكي الْغَرِيب عَلَيْهِ لَيْسَ يعرفهُ ... وَذُو قرَابَته فِي الْحَيّ مسرور)
وَأورد أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي هَذَا الْبَيْت فِي مساق حِكَايَة هِيَ من طرف الْأَعَاجِيب وَعبر التجاريب فروى بِإِسْنَادِهِ إِلَى هِشَام بن الْكَلْبِيّ قَالَ: عَاشَ عبيد بن شرية الجرهمي ثَلَاثمِائَة سنة، وَأدْركَ الْإِسْلَام فَأسلم، وَدخل على مُعَاوِيَة بِالشَّام وَهُوَ خَليفَة، فَقَالَ لَهُ: حَدثنِي بِأَعْجَب مَا رَأَيْت، فَقَالَ: مَرَرْت ذَات يَوْم بِقوم يدفنون مَيتا لَهُم، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَيْهِم، اغرورقت عَيْنَايَ بالدموع، فتمثلت بقول الشَّاعِر:
(يَا قلب إِنَّك من أَسمَاء مغرور ... فاذكر وَهل ينفعنك الْيَوْم تذكير)
(قد بحت بالحب مَا تخفيه من أحد ... حَتَّى جرت لَك إطلاقا محاضير)
(فلست تَدْرِي وَمَا تَدْرِي، أعاجلها ... أدنى لرشدك أم مَا فِيهِ تَأْخِير)
(فاستقدر الله خيرا وارضين بِهِ ... فَبَيْنَمَا الْعسر إِذْ دارت مياسير)
(وبينما الْمَرْء فِي الْأَحْيَاء مغتبط ... إِذْ صَار فِي الرمس تعفوه الأعاصير)
(يبكي الْغَرِيب عَلَيْهِ لَيْسَ يعرفهُ ... وَذُو قرَابَته فِي الْحَيّ مسرور)
قَالَ: فَقَالَ لي رجل: أتعرف من يَقُول هَذَا الشّعْر قلت: لَا، قَالَ: إِن قَائِله هَذَا
стр. 61
الَّذِي دفناه السَّاعَة وَأَنت الْغَرِيب الَّذِي يبكي عَلَيْهِ وَلست تعرفه وَهَذَا الَّذِي خرج من قَبره هُوَ أمس النَّاس رحما بِهِ، وأسرهم بِمَوْتِهِ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لقد رَأَيْت عجبا، فَمن الْمَيِّت قَالَ: عثير بن لبيد العذري، وَقيل: عُثْمَان بن لبيد العذري، وَفِي كتاب المعمرين أَن الْمَيِّت حُرَيْث بن جبلة.
[٤٨] وَيَقُولُونَ فِي جمع رحى وَقفا: أرحية وأقفية، وَالصَّوَاب فيهمَا أرحاء وأقفاء كَمَا روى الْأَصْمَعِي أَن أَعْرَابِيًا ذمّ قوما، فَقَالَ: أُولَئِكَ قوم سلخت أقفاؤهم بالهجو، ودبغت جُلُودهمْ باللؤم، وَأنْشد ابْن حبيب:
(دعتني النِّسَاء الهاملات عيونها ... وَمَالِي من بعد النِّسَاء بَقَاء)
(على حَالَة لَا يعرف الْكَلْب أَهله ... لَهُنَّ أَنِين تَارَة وعواء)
(فَقلت لَهُم خلوا سَبِيل نسائنا ... فَقَالُوا: وَإِنِّي للذليل نسَاء)
(فَقلت: أَبينَا مَا تَقولُونَ إننا ... بَنو الْحَرْب فِينَا للإباء إباء)
(إِذا الجحفات السمركن وقاءكم ... فَلَيْسَ لنا إِلَّا الصُّدُور وقاء)
(فَوَلوا بأقفاء الْإِمَاء كَأَنَّهُمْ ... لَدَى الروع معزى مَا لَهُنَّ رعاء)
وَإِنَّمَا جمع رحى وَقفا على أرحاء وأقفاء لِأَنَّهُمَا ثلاثيان والثلاثية على اخْتِلَاف صيغها تجمع على أَفعَال لَا على أفعلة، وَإِنَّمَا فعال على اخْتِلَاف فائه يجمع على أفعلة نَحْو قبَاء وأقبية وغراب وأغربة وَكسَاء وأكسية، وعَلى مقاد هَذَا الأَصْل يجمع ندى على أندية فَأَما قَول ابْن محكان:
стр. 62
(فِي لَيْلَة من جُمَادَى ذَات أندية ... لَا يبصر الْكَلْب من ظلمائها الطنبا)
فقد حمله بَعضهم على الشذوذ وَبَعْضهمْ على وَجه ضَرُورَة الشّعْر.
وَقَالَ آخَرُونَ: بل هُوَ جمع الْجمع فَكَأَنَّهُ جمع ندى على نِدَاء مثل جمل وجمال ثمَّ جمع نِدَاء على أندية، مثل رشاء وأرشية.
وَجوز أَبُو عَليّ الْفَارِسِي أَن يكون جمع ندى على أند كَمَا يجمع فعل على أفعل، نَحْو زمن وأزمن ثمَّ ألحقهُ عَلامَة التَّأْنِيث الَّتِي تلْحق الْجمع فِي مثل قَوْلك: ذكورة وجمالة، فَصَارَ حِينَئِذٍ أندية.
وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يرى أَنه جمع نديّ وَهُوَ الْمجْلس، لَا جمع ندى، وَاحْتج فِي ذَلِك بِأَن من عَادَة الْعَرَب عِنْد اخْتِلَاف الأنواء وإمحال السّنة الشَّهْبَاء أَن يبرز أماثل كل قَبيلَة إِلَى ناديهم، فيواسوا بفضلات الزَّاد، ويصرفوا مَا يقمر فِي الميسر إِلَى محاويج الحيّ، وَهَذَا هُوَ نفع الميسر المقرون بنفع الْخمر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾
[٤٩] وَيَقُولُونَ فِي جمع أُوقِيَّة: أَوَاقٍ على وزن أَفعَال، فيغلطون فِيهِ لِأَن ذَلِك
стр. 63
جمع أوق وَهُوَ الثّقل، فَأَما أُوقِيَّة فتجمع على أواقيّ بتَشْديد الْيَاء، كَمَا تجمع امنية على أمانيّ.
وَقد خفف بَعضهم فِيهَا التَّشْدِيد، فَقَالَ: أَوَاقٍ كَمَا قيل فِي تَخْفيف صحارى: صحار.
[٥٠] وَيَقُولُونَ لما يصان: هُوَ مصان، وَالصَّوَاب فِيهِ مصون، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(بلَاء لَيْسَ يُشبههُ بلَاء ... عَدَاوَة غير ذِي حسب وَدين)
(يبيحك مِنْهُ عرضا لم يصنه ... ويرتع مِنْك فِي عرض مصون)
وَالْأَصْل فِي مصون مصوون على وزن مفعول، فنقلت حَرَكَة الْوَاو إِلَى مَا قبلهَا، فاجتمعت واوان ساكنتان، فحذفت إِحْدَاهمَا.
وَعند سِيبَوَيْهٍ أَن المحذوفة هِيَ الْوَاو الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ وَاو الْمَفْعُول الزَّائِدَة، وَأَن الْبَاقِيَة هِيَ الْوَاو الْأَصْلِيَّة المجتلبة من الصون.
وَعند أبي الْحسن الْأَخْفَش أَن المحذوفة هِيَ الأولى وَأَن الْبَاقِيَة هِيَ وَاو الْمَفْعُول الَّتِي تدل على الْمَعْنى.
فَإِن قيل: لأي معنى فعلوا ذَلِك فَالْجَوَاب أَنهم قصدُوا إعلال الْمَفْعُول كَمَا أعل الفعلان وَالْفَاعِل وَذَلِكَ أَن الأَصْل فِي صان صون بِفَتْح الْعين، فقلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، كَمَا فعل فِي قَالَ الَّذِي أَصله قَول، وَالدَّلِيل على أَن الأَصْل فِيهِ فعل بِفَتْح الْعين أَنَّك تَقول: صنت الثَّوْب، فتعديه إِلَى الْمَفْعُول يدل على أَنه فعلت لِأَن فعلت بِضَم الْعين لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول بِحَال، إِذْ لَا يُقَال: كرمت زيدا.
ثمَّ إِنَّهُم قَالُوا فِي مضارعه يصون وَالْأَصْل فِيهِ يصون، على وزن يحزن، فنقلوا حَرَكَة الْوَاو إِلَى مَا قبلهَا.
ثمَّ إِنَّهُم
стр. 64
أعلوا الْفَاعِل مِنْهُ، فَقَالَ: صائن، وَالْأَصْل فِيهِ صاون فَلَمَّا أعلوا الْفِعْلَيْنِ وَالْفَاعِل أعلوا الْمَفْعُول بِهِ أَيْضا، ليلحق فِي الاعتلال بحيزه.
وَمن هَذَا الْبَاب قَوْلهم: رجل مأووف الْعقل فيلفظون بِهِ على الأَصْل، وَوجه القَوْل أَن يُقَال: مئوف الْعقل على وزن مخوف، وَكَذَلِكَ يُقَال: زرع مئوف، وَكِلَاهُمَا مَأْخُوذ من الآفة، ونقلت الْكَلِمَة فِي مخوف على مَا بَيناهُ فِي مصون.
وشذ من هَذَا الْبَاب قَوْلهم: مسك مدووف وثوب مصوون، فلفظوا بهما على الأَصْل، وَهُوَ مِمَّا لَا يعبأ بِهِ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ.
وَمن شجون هَذَا النَّوْع قَوْلهم: فرس مقاد وَشعر مقَال وَخَاتم مصاغ وَبَيت مَزَار، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا: مقود ومقول ومصوغ ومزور، كَمَا حُكيَ أَن الْخَلِيل بن أَحْمد عَاد تلميذا لَهُ، فَقَالَ لَهُ تِلْمِيذه: إِن زرتنا فبفضلك وَإِن زرناك فلفضلك، فلك الْفضل زَائِرًا ومزوراً، وَمثله قَول جميل:
(زوروا بثينة والحبيب مزور ... إِن الزِّيَارَة للحبيب يسير)
فَأَرَادَ بالزيارة المزار، فَلهَذَا ذكر الْخَبَر على الْمَعْنى، كَمَا ذكر آخر الْحَوَادِث حِين أَرَادَ بهَا الْحدثَان فَقَالَ:
(فَإِن تسأليني عَن لمتي ... فَإِن الْحَوَادِث أودى بهَا)
وَمن هَذَا النمط قَوْلهم: مبيوع ومعيوب، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فيهمَا: مَبِيع ومعيب على الْحَذف، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن فِي نظائرهما: ﴿وَقصر مشيد﴾ ، ﴿وَكَانَت الْجبَال كثيبا مهيلا﴾ فَقَالَ: مشيد ومهيل على الْحَذف، وَالْأَصْل فيهمَا مشيود ومهيول.
وَعند
стр. 65
سِيبَوَيْهٍ أَن الْمَحْذُوف هُوَ الْوَاو، ثمَّ كسر مَا قبل الْيَاء للتجانس، وَقد شَذَّ من ذَلِك قَوْلهم: رجل مَدين ومديون ومعين ومعيون، أَي أَصَابَته الْعين، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(نبئت قَوْمك يزعمونك سيدا ... وأخال أَنَّك سيد معيون)
وَجَمِيع ذَلِك مِمَّا يهجن اسْتِعْمَاله إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر الَّتِي يجوز فِيهَا مَا حظر لإِقَامَة الْوَزْن.
[٥١] وَيَقُولُونَ: المَال بَين زيد وَبَين عَمْرو، بتكرير لَفْظَة بَين فيوهمون فِيهِ .
وَالصَّوَاب أَن يُقَال: بَين زيد وَعَمْرو كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿من بَين فرث وَدم﴾ وَالْعلَّة فِيهِ أَن لَفْظَة بَين تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، فَلَا تدخل إِلَّا على مثنى أَو مَجْمُوع، كَقَوْلِك: المَال بَينهمَا وَالدَّار بَين الاخوة، فَأَما قَوْله تَعَالَى: ﴿مذبذبين بَين ذَلِك﴾ ، فَإِن لَفْظَة ذَلِك تُؤَدّى عَن شَيْئَيْنِ، وتنوب مناب لفظتين، وَإِن كَانَت مُفْردَة، أَلا ترى أَنَّك تَقول: ظَنَنْت ذَلِك، فتقيم لَفْظَة ذَلِك مقَام مفعولي ظَنَنْت، وَكَأن تَقْدِير الْكَلَام فِي الْآيَة: مذبذبين بَين الْفَرِيقَيْنِ، وَقد كشف سُبْحَانَهُ هَذَا التَّأْوِيل بقوله: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ .
وَنَظِيره لَفْظَة أحد فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا نفرق بَين أحد من رسله﴾ ، وَذَلِكَ أَن لَفْظَة أحد تستغرق الْجِنْس الْوَاقِع على الْمثنى وَالْجمع وَلَيْسَت بِمَعْنى وَاحِد بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء﴾ ، وَكَذَلِكَ إِذا قلت: مَا
стр. 66
جَاءَنِي أحد، فقد اشْتَمَل هَذَا النَّفْي على استغراق الْجِنْس من الْمُذكر والمؤنث والمثنى وَالْمَجْمُوع.
فَإِن اعْترض معترض بقول امْرِئ الْقَيْس: بَين الدُّخُول فحومل، فَالْجَوَاب أَن الدُّخُول اسْم وَاقع على عدَّة أمكنة، فَلهَذَا جَازَ أَن يعقب بِالْفَاءِ، كَمَا يُقَال: المَال بَين الاخوة فزيد، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿يزجى سحابا ثمَّ يؤلف بَينه﴾ وَإِنَّمَا ذكر السَّحَاب وَهُوَ جمع، لِأَنَّهُ من قبيل الْجمع بَينه وَبَين واحده الْهَاء، وَهَذَا النَّوْع من الْجمع مثل الشّجر والسحاب وَالنَّخْل والنبات بجوز تذكيره وتأنيثه، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَة الْقَمَر: ﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل منقعر﴾ ، وَقَالَ ﵎ فِي سُورَة الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ .
قَالَ الْمُؤلف ﵀: وأظن أَن الَّذِي أوهمهم تَكْرِير لَفْظَة بَين مَعَ الظَّاهِر مَا رَأَوْهُ من وجوب تكريرها مَعَ الْمُضمر فِي مثل قَوْله : ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾ وَقد وهموا فِي الْمُمَاثلَة بَين الموطنين وخفي عَلَيْهِم الْفرق الْوَاضِح بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ أَن الْمَعْطُوف فِي الْآيَة قد عطف على الْمُضمر الْمَجْرُور الَّذِي من شَرط جَوَاز الْعَطف عَلَيْهِ عِنْد النَّحْوِيين من أهل الْبَصْرَة، تَكْرِير الْجَار فِيهِ كَقَوْلِك: مَرَرْت بِهِ وبزيد وَلِهَذَا لحنوا حَمْزَة فِي قِرَاءَته: ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام﴾ حَتَّى قَالَ أَبُو الْعَبَّاس
стр. 67
الْمبرد: لَو أَنِّي صليت خلف إِمَام فَقَرَأَ بهَا لَقطعت صَلَاتي.
وَمن تَأَول فِيهَا لِحَمْزَة جعل الْوَاو الدَّاخِلَة على لَفْظَة الْأَرْحَام وَاو الْقسم لَا وَاو الْعَطف وَإِنَّمَا لم يجز البصريون تَجْرِيد الْعَطف على الْمُضمر الْمَجْرُور لِأَنَّهُ لشدَّة اتِّصَاله بِمَا جَرّه يتنزل منزلَة أحد حُرُوفه أَو التَّنْوِين مِنْهُ، فَلهَذَا لم يجز الْعَطف عَلَيْهِ كَمَا لَا يجوز الْعَطف على التَّنْوِين، وَلَا على أحد حُرُوف الْكَلِمَة.
فَإِن قيل: كَيفَ جَازَ الْعَطف على المضمرين الْمَرْفُوع والمنصوب بِغَيْر تَكْرِير، وَامْتنع الْعَطف فِي الْمُضمر الْمَجْرُور إِلَّا بالتكرير فَالْجَوَاب عَنهُ انه لما جَازَ أَن يعْطف ذَانك الضميران على الِاسْم الظَّاهِر فِي مثل قَوْلك: قَامَ زيد وَهُوَ، وزرت عمرا وَإِيَّاك جَازَ أَن يعْطف الظَّاهِر عَلَيْهِمَا فَيُقَال: قَامَ هُوَ وَزيد، وزرتك وعمرا وَلما لم يجز أَن يعْطف الْمُضمر الْمَجْرُور على الظَّاهِر إِلَّا بتكرير الْجَار فِي مثل قَوْلك: مَرَرْت بزيد وَبِك، لم يجز أَن يعْطف الظَّاهِر على الْمُضمر إِلَّا بتكريره أَيْضا، نَحْو: مَرَرْت بك وبزيد.
وَهَذَا من لطائف علم الْعَرَبيَّة ومحاسن الفروق النحوية.
[٥٢] وَيَقُولُونَ للمتوسط الصّفة: هُوَ بَين البينين، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: هُوَ بَين بَين، كَمَا قَالَ عبيد بن الأبرص:
(إِنَّا إِذا عض الثقاف ... بِرَأْس صعدتنا لوينا)
(نحمي حقيقتنا وَبَعض ... الْقَوْم يسْقط بَين بَينا)
стр. 68
أَي بَين العالي والمنخفض وَقد كَانَ الأَصْل فِي هَذَا الْكَلَام أَن يُضَاف بَين فَلَمَّا قطع عَن الْإِضَافَة وَضم أحد الاسمين إِلَى الآخر وحذفت وَاو الْعَطف المعترضة بَينهمَا بنيا كَمَا بنى الْعدَد الْمركب نَحْو أحد عشر ونظائره، واختيرت لَهُ عِنْد بنائِهِ الفتحة، لِأَنَّهَا أخف الحركات وَلَيْسَت هَذِه الفتحة الَّتِي فِي قَوْلك: بَين بَين من جنس الفتحة الَّتِي فِي لَفظه بَين عِنْد الْإِضَافَة لِأَن هَذِه فَتْحة إِعْرَاب بِدلَالَة اعتقاب الْجَرّ عَلَيْهَا فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿من بَين فرث وَدم﴾
وَمن خَصَائِص بَين الظَّرْفِيَّة أَن الضَّم لَا يدْخل عَلَيْهَا بِحَال، وَأما من قَرَأَ: ﴿لقد تقطع بَيْنكُم﴾ بِالرَّفْع فَإِنَّهُ عَنى بالبين الْوَصْل، كَمَا عَنى الشَّاعِر بِهِ الْبعد فِي قَوْله:
стр. 69
(لقد فرق الواشين بيني وَبَينهَا ... فقرت بِذَاكَ الْوَصْل عَيْني وعينها)
لِأَن لَفْظَة بَين من الأضداد.
[٥٣] وَيَقُولُونَ: بَينا زيد قَامَ إِذْ جَاءَ عَمْرو، فيتلقون بَينا بإذ، والمسموع عَن الْعَرَب: بَينا زيد قَامَ جَاءَ عَمْرو، بِلَا إِذْ لِأَن الْمَعْنى فِيهِ: بَين أثْنَاء الزَّمَان جَاءَ عَمْرو، وَعَلِيهِ قَول أبي ذُؤَيْب:
(بَينا تعانقه الكمأة وروغه ... يَوْمًا أتيح لَهُ جريء سلفع)
فَقَالَ: أتيح، وَلم يقل: إِذْ أتيح، وَهَذَا الْبَيْت ينشد بجر تعانقه وَرَفعه، فَمن جَرّه جعل الْألف فِي بَينا ملتحقة لإشباع الفتحة كالألف فِي قَول الشَّاعِر:
(فَأَنت من الغواية حِين تدعى ... وَمن ذمّ الرِّجَال بمنتزاح)
стр. 70
لِأَن الأَصْل فِيهَا بَين، وجر تعانقه على الْإِضَافَة، وَمن رفع رَفعه على الِابْتِدَاء، وَجعل الْألف زِيَادَة ألحقت ببين لتوقع بعْدهَا الْجُمْلَة، كَمَا زيدت مَا فِي بَيْنَمَا لهَذِهِ الْعلَّة.
وَذكر أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة قَالَ: سَأَلت الرياشي عَن هَذِه الْمَسْأَلَة، فَقَالَ: إِذا ولي لَفْظَة بَين الِاسْم الْعلم رفعت فَقلت: بَينا زيد قَامَ جَاءَ عَمْرو، وَإِن وَليهَا الْمصدر فالأجود الْجَرّ كهذه الْمَسْأَلَة.
وَحكى أَبُو الْقَاسِم الْآمِدِيّ فِي أَمَالِيهِ عَن أبي عُثْمَان الْمَازِني قَالَ: حضرت أَنا وَيَعْقُوب بن السّكيت مجْلِس مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، فأفضنا فِي شجون الحَدِيث، إِلَى أَن قلت: كَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: بَينا أَنا جَالس إِذْ جَاءَ عَمْرو، محَال.
فَقَالَ ابْن السّكيت: أَهَذا كَلَام النَّاس قَالَ: فَأخذت فِي مناظرته عَلَيْهِ وإيضاح الْمَعْنى لَهُ، فَقَالَ لي مُحَمَّد ابْن عبد الْملك: دَعْنِي حَتَّى أبين لَهُ مَا اشْتبهَ عَلَيْهِ، ثمَّ الْتفت إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: مَا معنى بَينا فَقَالَ: حِين، قَالَ: أفيجوز أَن يُقَال: حِين جلس زيد إِذْ جَاءَ عَمْرو فَسكت.
فَهَذَا حكم بَينا، وَأما بَيْنَمَا فأصلها أَيْضا بَين، فزيدت عَلَيْهِ مَا لتؤذن بِأَنَّهَا خرجت عَن بَابهَا بِإِضَافَة مَا إِلَيْهَا.
وَقد جَاءَت فِي الْكَلَام تَارَة غير مُتَلَقَّاة بإذ مثل بَينا واستعملت تَارَة مُتَلَقَّاة بإذ وَإِذا اللَّذين للمفاجأة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(فَبَيْنَمَا الْعسر إِذْ دارت مياسير
)
وَكَقَوْلِه فِي هَذِه الْقطعَة:
(وبينما الْمَرْء فِي الْأَحْيَاء مغتبط ... إِذْ صَار فِي الرمس تعفوه الأعاصير)
فَتلقى هَذَا الشَّاعِر بَيْنَمَا فِي الْبَيْت الأول بإذ وَفِي الثَّانِي بإذا، وَلَيْسَ ببدع أَن يتَغَيَّر حكم بَين بِضَم مَا إِلَيْهِ لِأَن التَّرْكِيب يزِيل الْأَشْيَاء عَن أُصُولهَا ويحيلها عَن أوضاعها ورسومها أَلا ترى أَن رب لَا تدخل إِلَّا على الِاسْم، فَإِذا اتَّصَلت بهَا مَا، غيرت حكمهَا
стр. 71
وَأَوَّلْتهَا الْفِعْل كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا﴾ ، وَكَذَلِكَ حرف لم فَإِذا زيدت عَلَيْهَا مَا - وَهِي أَيْضا حرف - صَارَت لمّا اسْما فِي بعض المواطن بِمَعْنى حِين ووليها الْفِعْل الْمَاضِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَت رسلنَا لوطا﴾ وَهَكَذَا قل وَطَالَ لَا يجوز أَن يليهما الْفِعْل، فَإِن وصلا بِمَا وليهما الْفِعْل، كَقَوْلِك: طالما زرتك وقلما هجرتك.
[٥٤] وَيَقُولُونَ: ثفل فِي عينه بثاء مُعْجمَة بِثَلَاث، فيصحفون فِيهِ لِأَن الْمَنْقُول عَن الْعَرَب تفل باعجام اثْنَتَيْنِ من فَوق .
وَحكى الْفراء عَن الْكسَائي أَن الْعَرَب تَقول: تفل فِي عَيْني وَنَفث، فالتفل مَا صَحبه شَيْء من الرِّيق، والنفث النفخ بِلَا ريق، وَمِنْه قَوْله ﷺ : ان روح الْقُدس نفث فِي روعي، ان نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستكمل رزقها، فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب.
وَنَظِير هَذَا التَّصْحِيف قَوْلهم فِي الفرصاد: توث، بالثاء الْمُعْجَمَة بِثَلَاث، كَمَا قَالَ النَّهْشَلِي:
(لروضة من رياض الْحزن أَو طرق ... من الْقرْيَة خزن غير محروث)
стр. 72
(أحلى وأشهى لعَيْنِي إِن مَرَرْت بِهِ ... من كرخ بغداذ ذِي الرُّمَّان والتوت)
وَالصَّحِيح أَنَّهَا بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق.
وَعند بعض أهل اللُّغَة أَن الفرصاد اسْم للثمرة والتوث اسْم للشجرة.
ونقيض هذَيْن التصحيفين قَوْلهم لثفل مَا يعصر تجير باعجام اثْنَتَيْنِ من فَوق وَهُوَ بالثاء الْمُعْجَمَة بِثَلَاث.
وَقَوْلهمْ أَيْضا للوعل المسن: تيتل بتائين تكتنفان الْيَاء كلتاهما مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق، وَهُوَ فِي كَلَام الْعَرَب الثيتل باعجام الأولى مِنْهُمَا بِثَلَاث، فَأَما قَول الشَّاعِر الْأَشْجَعِيّ:
(وعدت فَكَانَ الْخلف مِنْك سجية ... مواعيد عرقوب أَخَاهُ بيترب)
فَأكْثر الروَاة يَرْوُونَهُ بِيَثْرِب، ويعنون بِهِ الْمَدِينَة، وَأنكر ابْن الْكَلْبِيّ ذَلِك، وحقق ان الرِّوَايَة بيترب بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق، وَهُوَ مَوضِع يقرب من الْيَمَامَة ويتاخم منَازِل العمالقة.
وَاحْتج فِي ذَلِك بِأَن عرقوبا كَانَ من العمالقة الَّذين لم ينزلُوا الْمَدِينَة.
[٥٥] وَيَقُولُونَ: أزمعت على الْمسير وَوجه الْكَلَام: أزمعت الْمسير كَمَا قَالَ عنترة:
(إِن كنت أزمعت الْمسير فَإِنَّمَا ... رمت ركابكم بلَيْل مظلم)
وَفِي معنى أزمعت لَفْظَة أَجمعت إِلَّا أَنه يجوز فِي أَجمعت خَاصَّة تعديتها بِنَفسِهَا وبلفظة على، فَيُقَال: أَجمعت الْأَمر وأجمعت عَلَيْهِ.
وَفِي الْقُرْآن: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ وَيسْأل عَن وَجه انتصاب لَفْظَة
стр. 73
﴿وشركاءكم﴾ إِذْ الْعَطف مُمْتَنع هَاهُنَا، لِأَنَّهُ لَا يُقَال: أَجمعت شركائي، وَأجِيب عَنهُ بجوابين.
أَحدهمَا: أَنه انتصب انتصاب الْمَفْعُول مَعَه، فَتكون الْوَاو بِمَعْنى مَعَ لَا أَنَّهَا وَاو الْعَطف، وَيكون تَقْدِير الْكَلَام: اجْتَمعُوا مَعَ شركائكم على تَدْبِير أَمركُم.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَنه انتصب على إِضْمَار فعل حذف لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ وَتَقْدِيره لَو ظهر: وَادعوا شركاءكم، فَتكون الْوَاو على هَذَا القوله قد عطفت فعلا مضمرا على فعل مظهر كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)
وَالرمْح لَا يتقلد بِهِ، وَإِنَّمَا تَقْدِيره: وحاملا رمحا.
ويضاهي لَفْظَة أَجمعت فِي تعديتها بِنَفسِهَا تَارَة وبحرف الْجَرّ أُخْرَى لَفْظَة عزمت، فَيُقَال عزمت على الْأَمر وعزمته، كَمَا قَالَ : ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ .
[٥٦] وَيَقُولُونَ: أحدرت السَّفِينَة وَقد آن إحدارها، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال:
стр. 74
حدرتها، وَقد آن حدرها، وَهِي فِي غَد محدورة.
وَكَذَا يَقُولُونَ: أعلفت الدَّابَّة وَالصَّوَاب علفت قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا كنت فِي قوم عدا لست مِنْهُم ... فَكل مَا علفت من خَبِيث وَطيب)
[٥٧] وَيَقُولُونَ فِي جمع فَم أفمام وَهُوَ من أوضح الأوهام، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: أَفْوَاه، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ ، وَذَلِكَ أَن الأَصْل فِي فَم فوه على وزن سَوط، فحذفت الْهَاء تَخْفِيفًا لشبهها بحروف اللين فَبَقيَ الِاسْم على حرفين: الثَّانِي مِنْهُمَا حرف لين، فَلم يرَوا إِيقَاع الاعراب عَلَيْهِ لِئَلَّا تثقل اللَّفْظَة وَلم يرَوا حذفه لِئَلَّا يجحفوا بِهِ، فأبدلوا من الْوَاو ميما، فَقَالُوا: فَم لِأَن مخرجهما من الشّفة .
وَالدَّلِيل على أَن الأَصْل فِي فَم الْوَاو قَوْلهم: تفوهت بِكَذَا، وَرجل أفوه، وَلم يَقُولُوا تفممت وَلَا رجل أفم وَأكْثر مَا يسْتَعْمل بِالْمِيم عِنْد الْأَفْرَاد، فَأَما قَول العجاج:
(خالط من سلمى خياشيم وفا
)
стр. 75
فَقيل: أَنه أَرَادَ وفاها، فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ.
وَقيل: عني وفما.
وَقَوْلهمْ فِي تصغيره فويه، لِأَن التصغير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا كَمَا يُقَال فِي تَصْغِير حر حريح لِأَن أَصله حرح، وَيُقَال فِي تَصْغِير السِّت من الْعدَد: سديسة، لِأَن أَصْلهَا سدس لاشتقاقه من التسديس كَمَا أَن اشتقاق خَمْسَة من التخميس وألحقت الْهَاء بهَا عِنْد التصغير، لِأَنَّهَا من الْمُؤَنَّث الثلاثي.
ثمَّ إِن الْعَرَب قصرت اسْتِعْمَال فَم عِنْد إِفْرَاده، واختارت رده إِلَى أَصله عِنْد إِضَافَته، فَقَالُوا عِنْد الْإِضَافَة: نطق فوه، وَقبل فَاه، وَأدْخل إصبعه فِي فِيهِ، كَمَا قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه:
(هَذَا جناي وخياره فِيهِ ... إِذْ كل جَان يَده إِلَى فِيهِ)
إِلَّا أَنه قد سمع عَنْهُم الْإِضَافَة إِلَى الْمِيم كَقَوْل الراجز:
(يصبح عطشان وَفِي الْبَحْر فَمه
)
وَأما قَول الفرزدق:
(هما نفثا فِي فِي من فمويهما ... على النابح العاوي أَشد رجام)
فَإِنَّهُ جمع للضَّرُورَة بَين الْعِوَض والمعوض عَنهُ كَمَا فعل الراجز فِي قَوْله:
(إِن إِذا مَا حدث ألما ... أَقُول يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّ)
следующие страницы →