← Язык

Язык · id 6920

درة الغواص في أوهام الخواص

الحريري

Полный текст (284 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كَلَامهم بِمَعْنى اثْنَيْنِ، فَأَما إِذا بعثت ثَالِثا، فَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: عززت الرسولين بثالث، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ وَالْمعْنَى فِي عززته قويته. وَمن كَلَام الْعَرَب: أعززت الرجل، أَي جعلته عَزِيزًا، وعززته، أَي جعلته قَوِيا، فَإِن واترت الرُّسُل فَالْأَحْسَن أَن تَقول: قفيت بالرسل، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قفينا على آثَارهم برسلنا وقفينا بِعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ . [١٨٤] وَيَقُولُونَ للبلدة الَّتِي استحدثها المعتصم بِاللَّه سامرا، فيوهمون فِيهِ كَمَا وهم البحتري فِيهَا إِذْ قَالَ فِي صلب بابك: (أخليت مِنْهُ البذ وَهِي قراره ... ونصبته علما بسامراء) وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا: سر من رأى على مَا نطق بهَا فِي الأَصْل، لِأَن الْمُسَمّى بِالْجُمْلَةِ يَحْكِي على صيغته الْأَصْلِيَّة، كَمَا يُقَال: جَاءَ تأبط شرا وَهَذَا ذرى حبا، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تنكحونها ... بني شَاب قرناها تصر وتحلب) يَعْنِي بنى الَّتِي تسمى شَاب قرناها، وَلِهَذَا نَظَائِر فِي كَلَام الْعَرَب وأشعارهم ومحاوراتهم وأمثالهم. وحكاية الْمُسَمّى بِالْجُمْلَةِ من مقاييس أصولهم وأوضاعهم، فَلهَذَا وَجب أَن ينْطق باسم الْبَلدة الْمشَار إِلَيْهَا على صيغتها الْأَصْلِيَّة من غير تَحْرِيف فِيهَا، وَلَا تَغْيِير لَهَا وَذَلِكَ

стр. 212

أَن المعتصم بِاللَّه حِين شرع فِي إنشائها ثقل ذَلِك على الْعَسْكَر، فَلَمَّا انْتقل بهم إِلَيْهَا سر كل مِنْهُم برؤيتها، فَقيل فِيهَا: سر من رأى، ولزمها هَذَا الِاسْم وَعَلِيهِ قَول دعبل فِي ذمها: (بَغْدَاد دَار الْمُلُوك كَانَت ... حَتَّى دهاها الَّذِي دهاها) (مَا سر من را بسر من رابل ... هِيَ بؤس لمن راها) وَعَلِيهِ أَيْضا قَول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر فِي صفة الشعري: أَقُول لما هاج قلبِي الذكرى واعترضت وسط السَّمَاء الشعري) (كَأَنَّهَا ياقوتة فِي مدرى ... مَا أطول اللَّيْل بسر من را) فَنَطَقَ الشاعران باسمها على وَضعه، وسابق صيغته وَإِن كَانَا قد حذفا همزَة: رأى لإِقَامَة الْوَزْن وَتَصْحِيح النّظم. [١٨٥] وَيَقُولُونَ لما يجمد من فرط الْبرد: قريض بالصَّاد، فيوهمون فِيهِ كَمَا وهم بعض الْمُحدثين فِيمَا كتب إِلَى صديق لَهُ يَدعُوهُ: (عندنَا قبح مصوص ... وَلنَا جدي قريص) (وَمن الْحَلْوَاء لونان ... عقيد وخبيص) (ونبيذ لَو خرطناه ... أَتَت مِنْهُ فصوص)

стр. 213

وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: قريس بِالسِّين لاشتقاقه من القرس، وَهُوَ الْبرد، وَمِنْه الحَدِيث: قرسوا المَاء فِي الشنان أَي بردوه، وَيدل عَلَيْهِ قَول أبي زبيد: (وَقد تصليت حر حربهم ... كَمَا تصلى المقرور من قرس) وَقد يُقَال بِإِسْكَان الرَّاء وَالشَّاهِد عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر: (مطاعين فِي الهيجا مطاعيم فِي القوى ... إِذا اصفر آفَاق السَّمَاء من القرس) يَعْنِي بالقوى الْمَكَان القفر. وَقد رَوَاهُ بَعضهم مطاعيم فِي الْقرى وَالرِّوَايَة الأولى أفخم فِي الْمَعْنى وأبلغ فِي الْمَدْح، وَأما القارص بالصَّاد فَهُوَ الَّذِي يلذع اللِّسَان، وَيُقَال مِنْهُ: لبن قارص، ونبيذ قارص.

стр. 214

[١٨٦] وَيَقُولُونَ: قَتله الْحبّ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: اقتتله، كَمَا قَالَ ذُو الرمة: (إِذا مَا امْرُؤ حاولن أَن يقتتلنه ... بِلَا احنة بَين النُّفُوس وَلَا ذحل) (تبسمن عَن نور الأقاحي فِي الثرى ... وفترن من ابصار مضروجة كحل) وعنى بِهِ عين البرقع. وَيُقَال أَيْضا: اقتتل فلَان، إِذا قتلته عين النِّسَاء وَالْجِنّ. [١٨٧] وَيَقُولُونَ: مَا كَانَ ذَلِك يعرضك لهَذَا الْأَمر، بِضَم الْيَاء وَكسر الرَّاء وتشديدها . وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مَا يعرضك لهَذَا الْأَمر بِفَتْح الْيَاء وَضم الرَّاء، أَي مَا ينصب عرضك، وَعرض الشَّيْء جَانِبه، وَمِنْه قَوْلهم: اضْرِب بِهِ عرض الْحَائِط، أَي جَانِبه، أَي أحد نواحيه، وَأما الْخَبَر: كل الْجُبْن

стр. 215

عرضا، أَي مِمَّن يعْتَرض، وَلَا تفحص عَنهُ هَل جبنه مُسلم أَو مُشْرك. [١٨٨] وَيَقُولُونَ: مَا كَانَ ذَلِك فِي حسابي، أَي فِي ظَنِّي، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: مَا كَانَ ذَلِك فِي حسباني، لِأَن الْمصدر من حسبت بِمَعْنى ظَنَنْت محسبة وحسبان بِكَسْر الْحَاء، فَأَما الْحساب فَهُوَ اسْم للشَّيْء المحسوب . وَاسم الْمصدر من حسبت الشَّيْء بِمَعْنى عددته الحسبان، بِضَم الْحَاء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: و ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ وَقد جَاءَ الحسبان بِمَعْنى الْعَذَاب، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَيُرْسل عَلَيْهَا حسبانا من السَّمَاء﴾ وَأَصله السِّهَام الصغار، الْوَاحِدَة حسبانة. [١٨٩] وَيَقُولُونَ: تنوق فِي الشَّيْء . والأفصح أَن يُقَال: تأنق، كَمَا روى للمنصور ﵀:

стр. 216

(تأنقت فِي الْإِحْسَان لم آل جاهدا ... إِلَى ابْن ليلى فصيره ذما) (فوَاللَّه مَا آسى على فَوت شكره ... وَلَكِن فَوت الرَّأْي أحدث لي هما) واشتقاق هَذِه اللَّفْظَة من الأنق، وَهُوَ الْإِعْجَاب بالشَّيْء. وَمن: أمثالهم: لَيْسَ الْمُتَعَلّق كالمتأنق، أَي لَيْسَ القانع بالعلقة، وَهِي الْبلْغَة، كَالَّذي يطْلب النقاوة والغاية. وَيضْرب أَيْضا للجاهل الَّذِي يدعى الحذق خرقاء ذَات نيقة [١٩٠] وَيَقُولُونَ للمخاطب: هم فعلت وهم خرجت، فيزيدون هم فِي افْتِتَاح الْكَلَام، وَهُوَ من أشنع الأغلاط والأوهام . وَحكى أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن الْمعدل قَالَ: سَمِعت الْأَخْفَش يَقُول لتلامذته: جنبوني أَن تَقولُوا: بس، وَأَن تَقولُوا هم، وَأَن تَقولُوا: لَيْسَ لفُلَان بخت. وَالْمَنْقُول من لُغَات الْعَرَب أَن بعض أهل الْيمن يزِيدُونَ أم فِي كَلَامهم فَيَقُولُونَ: أم نَحن نضرب الْهَام، أم نَحن نطعم الطَّعَام، أَي نَحن نضرب ونطعم، وَأخذُوا فِي زِيَادَة أم مَأْخَذ زِيَادَة معكوسها، وَهُوَ مَا فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فبمَا رَحْمَة من الله﴾ ، و ﴿عَمَّا قَلِيل﴾ . وَقد روى عَن حمير أَنهم يجْعَلُونَ آلَة التَّعْرِيف أم، فَيَقُولُونَ طَابَ أمضرب، يُرِيدُونَ طَابَ الضَّرْب، وَجَاء فِي الْآثَار فِيمَا رَوَاهُ النمر بن تولب أَنه ﷺ نطق بِهَذِهِ اللُّغَة فِي قَوْله: لَيْسَ

стр. 217

من أم برام صِيَام فِي أم سفر يُرِيد لَيْسَ من الْبر الصّيام فِي السّفر. وَحكى الْأَصْمَعِي أَن مُعَاوِيَة قَالَ ذَات يَوْم لجلسائه: من أفْصح النَّاس فَقَامَ رجل من السماط، فَقَالَ: قوم تباعدوا عَن عنعنة تَمِيم، وتلتلة بهراء، وكشكشة ربيعَة، وكسكسة بكر، لَيْسَ فيهم غمغمة قضاعة وَلَا طمطمانية حمير، فَقَالَ: من أُولَئِكَ قَالَ: قَوْمك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَأَرَادَ بعنعنة تَمِيم أَن تميما يبدلن من الْهمزَة عينا كَمَا قَالَ ذُو الرمة: (أعن ترسمت من خرقاء منزلَة ... مَاء الصبابة من عَيْنَيْك مسجوم) يُرِيد: أإن ترسمت. وَأما تلتلة بهراء فيكسرون حُرُوف المضارعة فَيَقُولُونَ: أَنْت تعلم. وحَدثني أحد شيوخي ﵀ أَن ليلى الأخيلية كَانَت مِمَّن يتَكَلَّم بِهَذِهِ اللُّغَة، وَأَنَّهَا اسْتَأْذَنت ذَات يَوْم على عبد الْملك بن مَرْوَان، وبحضرته الشّعبِيّ، فَقَالَ لَهُ: أتأذن لي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَن أضْحك مِنْهَا قَالَ: افْعَل، فَلَمَّا اسْتَقر بهَا الْمجْلس قَالَ لَهَا الشّعبِيّ: يَا ليلى، مَا بَال قَوْمك لَا يكتنون، فَقَالَت لَهُ: وَيحك أما نكتني فَقَالَ: لَا وَالله وَلَو فعلت لاغتسلت، فخجلت عِنْد ذَلِك واستغرق عبد الْملك فِي الضحك. وَأما كشكشة ربيعَة فَإِنَّهُم يبدلون عِنْد الْوُقُوف كَاف المخاطبة شينا، فَيَقُولُونَ

стр. 218

للْمَرْأَة: وَيحك مالش فيقرون الْكَاف الَّتِي يدرجونها على هيئتها، ويبدلون الْكَاف الَّتِي يقفون عَلَيْهَا شينا. قَالَ راجزهم: (تضحك مني أَن رأتني أحترش لَو حرشت لكشفت عَن حرش عَن وَاسع يغرق فِيهِ القنفرش) وَفِيهِمْ من يجْرِي الْوَصْل مجْرى الْوَقْف، فيبدلون الْكَاف فِيهِ أَيْضا شينا، وَعَلِيهِ أنْشد بَيت الْمَجْنُون: (فعيناش عَيناهَا وجيدش جيدها ... وَلَكِن عظم السَّاق منش دَقِيق) أما كسكسة بكر فَإِنَّهُم يزيدن على كَاف الْمُؤَنَّث فِي الْوَقْف سينا، ليبينوا حَرَكَة الْكَاف فَيَقُولُونَ: مَرَرْت بكس. وَأما غمغمة قضاعة فصوت لَا يفهم تقطيع حُرُوفه. وَأما طمطمانية حمير، فقد مضى تَفْسِيرهَا فِيمَا تقدم. [١٩١] وَيَقُولُونَ: قرضته بالمقراض، وقصصته بالمقص، فيوهمون فِيهِ، كَمَا

стр. 219

وهم بعض الْمُحدثين حِين قَالَ فِي صفة مزبون بالقيادة، وَإِن كَانَ قد أبدع فِي الإجادة: (الق ابْن إِسْحَاق تلاقي فَتى ... لَيْسَ كمن عَنهُ بمعتاض) (إِذا حبيب صد عَن إلفه ... تيها وأعيا كل رواض) (ألف فِيمَا بَين شخصيهما ... كَأَنَّهُ مِسْمَار مقراض) وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مقراضان، ومقصان، وجلمان، لِأَنَّهُمَا اثْنَان. وَنَظِير هَذَا الْوَهم قَوْلهم للاثنين: زوج وَهُوَ خطأ، لِأَن الزَّوْج فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْفَرد المزاوج لصَاحبه، فَأَما الِاثْنَان المصطحبان فَيُقَال لَهما: زوجان، كَمَا قَالُوا: عِنْدِي زوجان من النِّعَال، أَي نَعْلَانِ، وزوجان من الْخفاف، أَي خفان، وَكَذَلِكَ يُقَال للذّكر وَالْأُنْثَى من الطير زوجان، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنه خلق الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ .

стр. 220

وَمِمَّا يشْهد بِأَن الزَّوْج يَقع على الْفَرد المزاوج لصَاحبه قَوْله تَعَالَى: ﴿ثَمَانِيَة أَزوَاج من الضَّأْن اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ﴾ ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْآيَة الَّتِي تَلِيهَا: ﴿وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ وَمن الْبَقر اثْنَيْنِ قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فَدلَّ التَّفْصِيل على أَن معنى الزَّوْج الْإِفْرَاد. [١٩٢] وَيَقُولُونَ فِي تَصْغِير شَيْء وَعين: شوى وعوينة، فيقلبون الْيَاء فيهمَا واوا، والأفصح أَن يُقَال: شبيء وعيينة بِإِثْبَات الْيَاء وَضم أَولهمَا . وَقد جوز كسر أَولهمَا فِي التصغير من أجل الْيَاء، ليتشاكل الْحَرْف وَالْحَرَكَة. وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْلهم فِي تَصْغِير ضَيْعَة: ضويعة، وَفِي تَصْغِير بَيت: بوبت، وَالِاخْتِيَار فيهمَا ضييعة وبييت، كَمَا أنشدت للخليل بن أَحْمد: (إِن لم يكن لَك جدى ... أَغْنَاك خل وزيت) (أَو لم يكن ذَا وَلَا ذَا ... فكسرة وبييت) [١٩٣] وَيَقُولُونَ: أشرف فلَان على الاياس من طلبه، فيوهمون فِيهِ، كَمَا وهم أَبُو سعيد السكرِي، وَكَانَ من أجلّ النَّحْوِيين وأعلام الْعلمَاء الْمَذْكُورين، فَقَالَ: إِن إياسا سمي بِالْمَصْدَرِ من أيس، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: أشرف على الْيَأْس، لِأَن أصل الْفِعْل مِنْهُ يئس على وزن فعل، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قد يئسوا من الْآخِرَة كَمَا يئس الْكفَّار من أَصْحَاب الْقُبُور﴾ فَأَما قَوْلهم: أيس، بِتَقْدِيم الْهمزَة، فَإِنَّهُ مقلوب من يئس . وَاسْتدلَّ شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم على صِحَة ذَلِك بِأَن لَفْظَة يئس تَسَاوِي لَفْظَة الْيَأْس الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي نظم الصِّيغَة ونسق الْحُرُوف، لتَكون الْيَاء مبدوءا بهَا فيهمَا، والهمزة مثنى بهَا بِخِلَاف تنزلهما فِي لَفْظَة أيس، لِأَن الْهمزَة فِي أيس مبدوء بهَا وَالْيَاء مثنى بهَا، فلهذه

стр. 221

الْعلَّة حكم على لَفْظَة أيس بِأَنَّهَا مَقْلُوبَة من يئس، والمقلوب لَا يتَصَرَّف تصرف الأَصْل وَلَا يكون لَهُ مصدر، وَأما إِيَاس فَهُوَ عِنْد الْمُحَقِّقين مصدر أسته، أَي أَعْطيته، وَالِاسْم مِنْهُ الْأَوْس الَّذِي اشْتقت مِنْهُ الْمُوَاسَاة، فكأنهم سموا اياسا بِمَعْنى تسميتهم عَطاء. قَالَ شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم الْفضل بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ ﵀: فَأَما قَوْلهم: جذب وجبذ، فَلَيْسَتْ هَاتَانِ اللفظتان عِنْد الْمُحَقِّقين من النَّحْوِيين من قبيل المقلوب، كَمَا ذكر أهل اللُّغَة، بل هما لُغَتَانِ، وكل وَاحِدَة مِنْهُمَا أصل فِي نَفسهَا، وَلها اشتق لكل مِنْهُمَا مصدر من لَفظه، فَقيل فِي مصدر: جبذ جبذ، كَمَا قيل فِي مصدر جذب: جذب. وَمِمَّا يوهمون فِيهِ أَيْضا من شجون هَذِه اللَّفْظَة قَوْلهم للقانط: هُوَ موئس من الشَّيْء، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: يائس، أَو آيس، وَالْأَصْل فِيهِ يائس، وَمِنْه قَول مقرون بن عمر الشَّيْبَانِيّ: (فَمَا أَنا من ريب الْمنون بجبأ ... وَمَا أَنا من سيب الإلة بيائس)

стр. 222

فَأَما الموئس فَهُوَ الَّذِي عرض لليأس، وألجىء إِلَيْهِ. [١٩٤] وَيَقُولُونَ للقناة الجوفاء الَّتِي يرْمى عَنْهَا بالبندق: زربطانة، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا: سبطانة، لاشتقاق اسْمهَا من السبوطة وَهُوَ الطول والامتداد، وَمِنْه سمي الساباط لامتداده بَين الدَّاريْنِ . [١٩٥] وَيَقُولُونَ: جرح الرجل فِي ثديه، فيوهمون فِيهِ وَالصَّوَاب أَن يُقَال: جرح فِي ثندوءته، لِأَن الثدي يخْتَص بِالْمَرْأَةِ، والثدوءة تخْتَص بِالرجلِ، وفيهَا لُغَتَانِ: ثندوءة بِضَم الثَّاء وَفتح الْهمزَة وثندوة بِفَتْح الثَّاء وَترك الْهَمْز، وَتجمع الثندوة على الثنادي. وَقد قيل فِيهَا: أَنَّهَا طرف الثدي، فَأَما تَسْمِيَة الْمَقْتُول من الْخَوَارِج بالنهروان: ذَا الثدية فَلَيْسَتْ الْإِشَارَة فِيهِ إِلَى أَن لَهُ ثديا، فأضيف إِلَيْهِ وَلَا التصغير وَاقع على الثدي أَيْضا، لِأَن الثدي مُذَكّر، والمذكر لَا تلْحقهُ الْهَاء إِذا صغر، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ أَن يَده كَانَت لنَقص خلقهَا

стр. 223

تشبه بالقطعة من ثدي الْمَرْأَة، فأنثت عِنْد التصغير، إسوة بالمؤنث المصغر. ويعضد هَذَا القَوْل أَنه قد سمى فِي بعض الرِّوَايَات ذَا اليدية تَنْبِيها على الْمَعْنى المنبوذ بِهِ. وَذكر بَعضهم أَن التصغير وَقع على لحْمَة كَانَت ملتصقة بالثندوة تشبه الحلمة، فجَاء التَّأْنِيث من قبل اللحمة، لَا من قبل الثدي، وَالدَّلِيل على تذكير الثدي قَول الشَّاعِر: (وَصدر مشرق النَّحْر ... كَأَن ثدييه حقان) ويروي: ثدياه بِالرَّفْع على تَقْدِير إِضْمَار الْهَاء، أَي كَأَنَّهُ. وَقد قيل: إِن كَانَ جَاءَت بِمَعْنى لَكِن فَلهَذَا رفع، وَرَوَاهُ الْمبرد: كَأَن ثدييه، فَقيل لَهُ: بِأَيّ شَيْء نصبته فَقَالَ: أَرَادَ كَأَن، فأعملها مَعَ التَّخْفِيف. وَمن أوهامهم أَيْضا فِي الثدي جمعهم إِيَّاه على ثدايا، وَالصَّوَاب جمعه على ثدي،

стр. 224

وَكَانَ الأَصْل فِيهِ ثدوي على وزن فعول، فقلبت الْوَاو يَاء لسكونها قبل الْيَاء، ثمَّ أدغمت إِحْدَى اليائين فِي الْأُخْرَى. وَمن جلة أوهامهم أَنهم إِذا ألْحقُوا لَام التَّعْرِيف بالأسماء الَّتِي أَولهَا ألف وصل نَحْو ابْن وَابْنَة واثنين سكنوا لَام التَّعْرِيف، وَقَطعُوا ألف الْوَصْل احتجاجا بقول قيس بن الخطيم: (إِذا جَاوز الْإِثْنَيْنِ سر فَإِنَّهُ ... بنث وتكثير الوشاة قمين) وَالصَّوَاب فِي ذَلِك أَن تسْقط همزَة الْوَصْل وتكسر لَام التَّعْرِيف، وَالْعلَّة فِيهِ انه لما دخل لَام التَّعْرِيف على هَذِه الْأَسْمَاء صَارَت همزَة الْوَصْل حَشْوًا، والتقى فِي الْكَلِمَة ساكنان: لَام التَّعْرِيف والحرف السَّاكِن الَّذِي بعد همزَة الْوَصْل، فَلهَذَا وَجب كسر لَام التَّعْرِيف فَأَما الْبَيْت المستشهد بِهِ فَمَحْمُول على ضَرُورَة الشّعْر، على أَن أَبَا الْعَبَّاس الْمبرد ذكر أَن الرِّوَايَة فِيهِ إِذا جَاوز الخلين، وَإِن كَانَ الْأَشْهر الراوية الأولى، حَتَّى أَن بَعضهم أَشَارَ إِلَى أَنه عَنى بالاثنين الشفتين. وَكَذَلِكَ الحكم فِيمَا يلْحق بأسماء المصادر الَّتِي أَولهَا همزَة الْوَصْل من لَام التَّعْرِيف فِي إِسْقَاط الْهمزَة وَكسر لَام التَّعْرِيف كَقَوْلِك: الاقتدار والانطلاق والاحمرار، لِلْعِلَّةِ الَّتِي تقدم ذكرهَا، وأمثلة هَذَا الْقَبِيل من المصادر تِسْعَة: ثَلَاثَة خماسية، وَهِي افتعل نَحْو اقتدر، وانفعل نَحْو انْطلق، وافعلّ نَحْو احمرّ، وَسِتَّة سداسية، وَهِي استفعل نَحْو استخرج، وافعنلل نَحْو اقعنسس، وافعوعل نَحْو اخشوشن، وافعوّل نَحْو اجلوذ، وافعال نَحْو احمارّ، وافعلل نَحْو اقشعر. [١٩٦] وَيَقُولُونَ: نجزت القصيدة بِفَتْح الْجِيم، إِشَارَة إِلَى انْقِضَائِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن معنى نجز بِالْفَتْح حضر، وَمِنْه قَوْلهم: بِعته ناجزا

стр. 225

بناجز، أَي حَاضرا بحاضر، ونقدا بِنَقْد، فَأَما إِذا كَانَ بِمَعْنى الفناء والانقضاء فالفعل مِنْهُ نجز بِكَسْر الْجِيم، ذكر ذَلِك أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ فِي كتاب الغريبين، وَالشَّاهِد عَلَيْهِ قَول النَّابِغَة: (فَكَانَ ربيعا لِلْيَتَامَى وعصمة ... فَملك أبي قَابُوس أضحى وَقد نجز) [١٩٧] وَيَقُولُونَ فِي جمع جوالق: جوالقات، فيخطئون فِيهِ لِأَن الْقيَاس المطرد أَلا تجمع أَسمَاء الْجِنْس الْمُذكر بِالْألف وَالتَّاء، وَإِنَّمَا أشذت الْعَرَب عَن هَذَا الْقيَاس أَسمَاء جمعتها بِالْألف وَالتَّاء تعويضا لأكثرها عَن تكسيره، وَهِي حمام وساباط وسرداق وإيوان وَهَارُون وخيال وَجَوَاب وسجل ومكتوب ومقام ومصام واوان - وَهُوَ حَدِيدَة تكون مَعَ الرائض - وبوان بِكَسْر الْبَاء وَضمّهَا - وَهُوَ عَمُود فِي الخباء - وَقَالُوا فِي جمع شعْبَان ورمضان وشوال وَالْمحرم: شعبانات ورمضانات وشوالات ومحرمات، وَجَمِيع ذَلِك مِمَّا شَذَّ عَن الْأُصُول، وَلَا يسْتَعْمل فِيهِ غير المحصور الْمَنْقُول . وَلِهَذَا عيب على أبي الطّيب جمعه بوقا على بوقات فِي قَوْله:

стр. 226

(فَإِن يَك بعض النَّاس سَيْفا لدولة ... فَفِي النَّاس بوقات لَهَا وطبول) فَأَما جمعهم سَرَاوِيل على سراويلات وطريقا على طرقات فَهُوَ من قبيل جمع الْمُؤَنَّث لتأنيثها فِي بعض اللُّغَات، فَأَما جوالق فَذكر سِيبَوَيْهٍ أَنه لم يسمع عَنْهُم فِي جمعه إِلَّا جواليق، وَأَجَازَ غَيره أَن يجمع على جوالق بِفَتْح الْجِيم، كَمَا قَالُوا فِي غرانق، وَهُوَ الشَّاب الْحسن الشَّبَاب: غرانق بِالْفَتْح، وَفِي حلاحل وَهُوَ السَّيِّد الوقور: حلاحل بِالْفَتْح، وَفِي عراعر وَهُوَ رَئِيس الْقَوْم: عراعر. فَإِن قيل: كَيفَ جمع المصغر بِالْألف وَالتَّاء نَحْو ثويبات وبويبات ودريهمات، فَالْجَوَاب عَنهُ أَن المصغر بِمَنْزِلَة الْمَوْصُوف إِذْ لَا فرق بَين قَوْلك: بويب وَبَاب صَغِير، وصفات الْمُذكر الَّذِي لَا يعقل تجمع بِالْألف وَالتَّاء نَحْو السيوف المرهفات وَالْجِبَال الشامخات وَالْأسود الضاريات. وَمن حكم هَذَا النَّوْع من الْمُذكر الْمَجْمُوع بِالْألف وَالتَّاء أَن يذكر فِي بَاب الْعدَد بِلَا هَاء، كالمؤنث، فَيُقَال: كتبت ثَلَاث سجلات، وبنيت ثَلَاث حمامات، لِأَن الِاعْتِبَار فِي بَاب الْعدَد بِاللَّفْظِ دون الْمَعْنى.

стр. 227

وَأَجَازَ بَعضهم أَن تلْحق الْهَاء فِي عدده اعْتِبَارا بِمَعْنى واحده لَا بِلَفْظ جمعه، فَيُقَال: ثَلَاثَة سجلات وَخَمْسَة حمامات، لِأَن وَاحِدهَا سجل وحمام، وَكِلَاهُمَا مُذَكّر، كَمَا يُقَال: ثَلَاثَة طلحات وَخَمْسَة حمزات، فَأَما حكم بطات وحمامات، فَعِنْدَ أَكْثَرهم أَن الِاعْتِبَار فِيهَا بِاللَّفْظِ، فَيُقَال: عِنْدِي ثَلَاث بطات ذُكُور، لِأَن لَفْظَة البطة مُؤَنّثَة وَإِن وَقعت على مُذَكّر، فَلهَذَا وَجب أَن يجرد الْعدَد فِيهَا من الْهَاء وَكَذَلِكَ لما كَانَ الْغَالِب على الْمَجْمُوع بِالْألف وَالتَّاء أَن يكون مؤنث الَّذِي تجرد عدده من الْهَاء لحق بِهِ مَا جمع عَلَيْهِمَا من جنس الْمُذكر، ليطرد الحكم فِيهِ، وَيسلم أَصله المنعقد من نقض يَعْتَرِيه. وَذكر بَعضهم أَنه يُرَاعِي الأسبق من الْمُفَسّرين فَإِن قَالَ: عِنْدِي ثَلَاث بطات ذُكُور، جرد الْعدَد من الْهَاء لتقدم الْمُفَسّر الْمُؤَنَّث، وان قَالَ: عِنْدِي ثَلَاثَة ذُكُور من البط أَثْبَتَت الْهَاء لتقدم الْمُفَسّر الْمُذكر. [١٩٨] وَمن أوهامهم، الزارية على افهامهم العاكسة معنى كَلَامهم أَنهم لَا يفرقون بَين معنى نعم وَمعنى بلَى، فيقيمون إِحْدَاهمَا مقَام الْأُخْرَى، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن نعم تقع فِي جَوَاب الاستخبار الْمُجَرّد من النَّفْي، فَترد الْكَلَام الَّذِي بعد حرف الِاسْتِفْهَام: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ ، لِأَن تَقْدِيره: وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا، وَأما بلَى فتستعمل فِي جَوَاب الاستخبار عَن النَّفْي، وَمَعْنَاهَا إِثْبَات الْمَنْفِيّ، ورد الْكَلَام من الْجحْد إِلَى التَّحْقِيق فَهِيَ بِمَنْزِلَة بل، حَتَّى قَالَ بَعضهم: أَن أَصْلهَا

стр. 228

بل، وَإِنَّمَا زيدت عَلَيْهَا الْألف ليحسن السُّكُوت عَلَيْهَا. وَحكمهَا أَنَّهَا مَتى جَاءَت بعد أَلا وَأما وألم وأليس، رفعت حكم النَّفْي وأحالت الْكَلَام إِلَى الْإِثْبَات، وَلَو وَقع مَكَانهَا نعم لحققت النَّفْي وصدقت الْجحْد، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ : لَو أَنهم قَالُوا: نعم لكفروا، وَهُوَ صَحِيح لِأَن حكم نعم أَن ترفع الِاسْتِفْهَام، فَلَو أَنهم قَالُوا: نعم لَكَانَ تَقْدِير قَوْلهم: لست رَبنَا، وَهُوَ كفر، وَإِنَّمَا دلّ على إِيمَانهم بلَى الَّتِي يدل مَعْنَاهَا على رفع النَّفْي، فكأنهم قَالُوا: أَنْت رَبنَا، لِأَن أَنْت بِمَنْزِلَة التَّاء الَّتِي فِي لست. ويحكى أَن أَبَا بكر بن الْأَنْبَارِي حضر مَعَ جمَاعَة من الْعُدُول ليشهدوا على إِقْرَار رجل، فَقَالَ أحدهم للْمَشْهُود عَلَيْهِ: أَلا نشْهد عَلَيْك فَقَالَ: نعم، فَشَهِدت الْجَمَاعَة عَلَيْهِ، وَامْتنع أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي، وَقَالَ: أَن الرجل منع أَن يشْهد عَلَيْهِ بقوله: نعم، لِأَن تَقْدِير جَوَابه بِمُوجب مَا بَيناهُ: لَا تشهدوا عليّ. وَفِي لَفْظَة نعم لُغَتَانِ: كسر الْعين وَفتحهَا، وَقد قرئَ بهما، وَجمع بَعضهم بَين اللغتين فِي بَيت فَقَالَ: (دَعَاني عبد الله نَفسِي فداؤه ... فيالك من دَاع دَعَاني نعم نعم) [١٩٩] وَمن ذَلِك أَنهم لَا يفرقون بَين قَوْلهم: زيد يأتينا صباح مسَاء على الْإِضَافَة، ويأتينا صباح مسَاء على التَّرْكِيب، وَبَينهمَا فرق يخْتَلف الْمَعْنى فِيهِ، وَهُوَ أَن

стр. 229

المُرَاد بِهِ مَعَ الْإِضَافَة أَنه يَأْتِي فِي الصَّباح وَحده، إِذْ تَقْدِير الْكَلَام يأتينا فِي صباح مسَاء. وَالْمرَاد بِهِ عِنْد تركيب الاسمين وبنيتهما على الْفَتْح أَنه يَأْتِي فِي الصَّباح والمساء وَكَانَ الأَصْل هُوَ يأتينا صباحا وَمَسَاء فحذفت الْوَاو العاطفة، وَركب الاسمان وبنيا على الْفَتْح، لِأَنَّهُ أخف الحركات، كَمَا فعل فِي الْعدَد الْمركب من أحد عشر إِلَى تِسْعَة عشر [٢٠٠] وَمن ذَلِك أَنهم لَا يفرقون بَين الترجي وَالتَّمَنِّي، وَالْفرق بَينهمَا وَاضح، وَهُوَ أَن التَّمَنِّي يَقع على مَا يجوز أَن يكون، وَيجوز أَلا يكون، كَقَوْلِهِم: لَيْت الشَّبَاب

стр. 230

يعود، والترجي يخْتَص بِمَا يجوز وُقُوعه، وَلِهَذَا لَا يُقَال: لَعَلَّ الشَّبَاب يعود، وَلأَجل افتراقهما فِي هَذَا الْمَعْنى فرق البصريون من النَّحْوِيين بَينهمَا فِي بَاب الْجَواب بِالْفَاءِ، وأجازوا أَن تقع الْفَاء جَوَابا لِلتَّمَنِّي فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما﴾ ، وَمنعُوا أَن تقع الْفَاء جَوَابا للترجي، وضعفوا قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ بِنصب أطلع ورجحوا قِرَاءَة من قَرَأَ بِالرَّفْع. [٢٠١] وَمن ذَلِك أَنهم لَا يفرقون بَين العرّ والعرّ، بِفَتْح الْعين وَضمّهَا، وَبَينهمَا فرق فِي اللُّغَة، وَهُوَ أَن العر بِالْفَتْح الجرب، وبالضم قُرُوح تخرج فِي مشافر الْإِبِل وقوائمها، وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة إِذا رأتها بِبَعِير كوت مشافر الصِّحَاح، ويرون أَنهم إِذا فعلوا ذَلِك ذهبت القروح من إبلهم على مَا أبدعوه من أضاليل سُنَنهمْ وأحكامهم، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ النَّابِغَة فِي قَوْله: (وحملتني ذَنْب امْرِئ وَتركته ... كذى العرّ يكوي غَيره وَهُوَ راتع) وَمن رَوَاهُ كذى العر بِالْفَتْح، فقد وهم فِيهِ لِأَن الجرب لَا تكوى الصِّحَاح مِنْهُ. [٢٠٢] وَمن ذَلِك أَنهم لَا يفرقون بَين قَوْلهم: بكم ثَوْبك مصبوغا وبكم ثَوْبك مصبوغ، وَبَينهمَا فرق يخْتَلف الْمَعْنى فِيهِ، وَهُوَ أَنَّك إِذا نصبت مصبوغا كَانَ انتصابه على الْحَال وَالسُّؤَال وَاقع عَن ثمن الثَّوْب وَهُوَ مصبوغ، وَإِن رفعت مصبوغا رفعته على أَنه خبر

стр. 231

الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ ثَوْبك وَكَانَ السُّؤَال وَاقعا عَن أُجْرَة الصَّبْغ لَا عَن ثمن الثَّوْب. [٢٠٣] وَكَذَلِكَ لَا يفرقون أَيْضا بَين قَوْلهم: لَا رجل فِي الدَّار، وَلَا رجل عنْدك . وَالْفرق بَينهمَا أَنَّك إِذا قلت: لَا رجل فِي الدَّار بِالْفَتْح، فقد عممت جنس الرِّجَال بِالنَّفْيِ، وَكَانَ كلامك جَوَاب من قَالَ لَك: هَل من رجل فِي الدَّار وَإِذا قلت: لَا رجل فِي الدَّار بِالرَّفْع، فَالْمُرَاد بِالنَّفْيِ الْخُصُوص، وَكَأَنَّهُ جَوَاب من قَالَ: هَل رجل فِي الدَّار وَلِهَذَا يجوز أَن يُقَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: لَا رجل فِي الدَّار، بل رجلَانِ، لِأَن معنى الْكَلَام تَخْصِيص نفي الْوَاحِد، وَلَا يجوز أَن يُقَال: لَا رجل فِي الدَّار بِالْفَتْح بل رجلَانِ، لتناقض الْكَلَام فِيهِ لِأَن أول الْكَلَام يَقْتَضِي عُمُوم هَذَا النَّفْي فَكيف يعقب بالإثبات [٢٠٤] وَكَذَلِكَ لَا يفرقون بَين قَوْلهم: خلف الله عَلَيْك واخلف الله عَلَيْك، وَالْفرق بَينهمَا أَن لَفْظَة خلف الله عَلَيْك، تقال لمن هلك لَهُ من لَا يستعيضه، وَيكون

стр. 232

الْمَعْنى: كَانَ الله لَك خَليفَة مِنْهُ، وَلَفْظَة أخلف الله عَلَيْك تسْتَعْمل فِيمَا يُرْجَى اعتياضه، ويؤمل استخلافه. [٢٠٥] وَكَذَلِكَ لَا يفرقون بَين معنى مخوف ومخيف، وَالْفرق بَينهمَا أَنَّك إِذا قلت: الشَّيْء مخوف كَانَ إِخْبَارًا عَمَّا حصل الْخَوْف مِنْهُ، كَقَوْلِك: الْأسد مخوف وَالطَّرِيق مخوف، وَإِذا قلت: مخيف كَانَ إِخْبَارًا عَمَّا يتَوَلَّد الْخَوْف مِنْهُ، كَقَوْلِك: مرض مخيف، أَي يتَوَلَّد الْخَوْف لمن يُشَاهِدهُ . [٢٠٦] وَمن هَذَا النمط أَيْضا انهم لَا يفرقون بَين أَو وَأم فِي الِاسْتِفْهَام، فينزلون إِحْدَاهمَا منزلَة الْأُخْرَى، فيوهمون فِيهِ، لِأَن الِاسْتِفْهَام بِأَو يكون عَن أحد شَيْئَيْنِ، فَينزل قَوْلهم: أَزِيد عنْدك أَو عَمْرو منزلَة قَوْلهم: أأحد هذَيْن الرجلَيْن عنْدك فَهَذَا أوجب أَن تجيب عَنهُ بنعم أَو بِلَا، كَمَا لَو قيل لَك: أاحدهما عنْدك والاستفهام بِأم وضع لطلب التَّعْيِين على أحد الشَّيْئَيْنِ، فتعادل أم مَعَ الْهمزَة لَفْظَة أَي، وَلذَلِك وَجب أَن يُجَاب بِأحد الاسمين، كَمَا لَو قيل: أَيهمَا عنْدك قَالَ شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم الْفضل بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ: فَكَانَ تَرْتِيب الِاسْتِفْهَام أَن يستفهم الْإِنْسَان فِي مبدأ كَلَامه بِأَو، ثمَّ يعقب بِأم، لِأَن تَقْدِير قَوْلك: أَزِيد عنْدك أم عَمْرو أَي قد علمت أَن أَحدهمَا عنْدك، فَبين لي أَيهمَا هُوَ [٢٠٧] وَمِمَّا يمتزج بِهَذَا الْفَصْل أَيْضا أَنهم لَا يفرقون بَين قَوْلهم: مَا أَدْرِي أأذن أم أَقَامَ، وَأذن أَو أَقَامَ وَالْفرق بَينهمَا أَنَّك إِذا نطقت بِأم فِي هَذَا الْكَلَام كنت شاكا فِيمَا

стр. 233

أَتَى بِهِ من الْأَذَان أَو الْإِقَامَة، وَإِذا أتيت بِأَو فقد حققت أَنه أَتَى بالأمرين، إِلَّا انه لسرعة مَا قرب بَينهمَا صَار بِمَنْزِلَة من لم يُؤذن وَلم يقم، وَيكون مَجِيء أَو هَاهُنَا للتقريب. [٢٠٨] وَمن هَذَا الْقَبِيل أَيْضا أَنهم لَا يفرقون بَين الْحَث والحض، وَقد فرق بَينهمَا الْخَلِيل بن أَحْمد، فَقَالَ: الْحَث يكون فِي السّير والسوق وَفِي كل شَيْء، والحض يكون فِيمَا عدا السّير والسوق، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحض على طَعَام الْمِسْكِين﴾ . [٢٠٩] وَكَذَلِكَ لَا يفرقون بَين النعم والأنعام وَقد فرقت بَينهمَا الْعَرَب. فَجعلت النعم اسْما لِلْإِبِلِ خَاصَّة وللماشية الَّتِي فِيهَا الْإِبِل وَقد تذكر وتؤنث، وَجعلت الْأَنْعَام اسْما لأنواع الْمَوَاشِي من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، حَتَّى أَن بَعضهم أَدخل فِيهَا الظباء وحمر الْوَحْش، تعلقا بقوله تَعَالَى: ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ . [٢١٠] وَمن ذَلِك توهمهم أَن معنى بَات فلَان، أَي نَام . وَلَيْسَ كَذَلِك بل معنى

стр. 234

بَات أظلهُ الْمبيت، وأجنه اللَّيْل، سَوَاء نَام أم لم ينم، يدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياما﴾ ، وَيشْهد بِهِ أَيْضا قَول ابْن رميض. (باتوا نياما وَابْن هِنْد لم ينم بَات يقاسيها غُلَام كالزلم لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنم) فَأخْبر عَنهُ أَنه بَات متصديا لحفظها مِمَّن هم بخرابتها أَي سرقتها لِأَن الخرابة اسْم يخْتَص بِسَرِقَة الْإِبِل، والخارب المتلصص عَلَيْهَا خَاصَّة. [٢٢١] وَمن ذَلِك توهمهم أَن الْقَيْنَة الْمُغنيَة خَاصَّة، وَهِي فِي كَلَام الْعَرَب الْأمة، مغنية كَانَت أَو غير مغنية، وعَلى ذَلِك قَول زُهَيْر: (رد القيان جمال الحيّ فاحتملوا ... إِلَى الظهيرة أَمر بَينهم لبك)

стр. 235

وَالْأَصْل فِي اشتقاق الْقَيْنَة من قنت الشَّيْء أقينه قينا إِذا لممته، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (ولي كبد مقروحة قد بدا بهَا ... صدوع الْهوى لَو كَانَ قين يقينها) وَمن هَذَا سمي الصواع والحداد قينا وَسميت الماشطة أَيْضا قينة. [٢١٢] وَمن ذَلِك توهمهم أَن الرَّاحِلَة اسْم يخْتَص بالناقة النجيبة، وَلَيْسَ كَذَلِك بل الرَّاحِلَة تقع على الْجمل والناقة، وَالْهَاء فِيهَا هَاء الْمُبَالغَة، كَالَّتِي فِي داهية وراوية، وَإِنَّمَا سميت رَاحِلَة لِأَنَّهَا ترحل، أَي يشد عَلَيْهَا الرحل فَهِيَ فاعلة بِمَعْنى مفعولة، كَمَا

стр. 236

جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿فِي عيشة راضية﴾ بِمَعْنى مرضية. وَقد ورد فَاعل بِمَعْنى معفول فِي عدَّة مَوَاضِع من الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم﴾ أَي لَا مَعْصُوم. وَكَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿من مَاء دافق﴾ أَي مدفوق، وَكَقَوْلِه عز اسْمه ﴿أَنا جعلنَا حرما آمنا﴾ أَي مَأْمُونا فِيهِ. وَجَاء أَيْضا مفعول بِمَعْنى فَاعل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿حِجَابا مَسْتُورا﴾ ، أَي ساترا ﴿كَانَ وعده مأتيا﴾ أَي آتِيَا. وَقد يكنى عَن الْفِعْل بالراحلة لكَونهَا مَطِيَّة الْقدَم وإليها أَشَارَ الشَّاعِر الملغز بقوله: (رواحلنا سِتّ وَنحن ثَلَاثَة ... نجنبهن المَاء فِي كل مورد) [٢١٣] وَمن هَذَا النمط أَيْضا توهمهم أَن البهيم نعت يخْتَص بالأسود، لاستماعهم: ليل بهيم، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل البهيم اللَّوْن الْخَالِص الَّذِي لَا يخالطه لون آخر، وَلَا يمتزج بِهِ شية غير شيته، وَلذَلِك لم يَقُولُوا لِليْل المقمر: ليل بهيم، لاختلاط ضوء الْقَمَر بِهِ، فعلى مُقْتَضى هَذَا الْكَلَام يجوز أَن يُقَال: أَبيض بهيم وأشقر بهيم . وَجَاء فِي الْآثَار: يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة بهما، أَي على صفة وَاحِدَة من صِحَة الأجساد والسلامة من الْآفَات، ليتم لَهُم بذلك خُلُود الْأَبَد والبقاء السرمد.

стр. 237

[٢١٤] وَمِنْه أَيْضا توهمهم أَن السوقة اسْم لأهل السُّوق، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل السوقة الرّعية، سموا بذلك، لِأَن الْملك يسوقهم إِلَى إِرَادَته، وَيَسْتَوِي لفظ الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة فِيهِ، فَيُقَال: رجل سوقة وَقوم سوقة، كَمَا قَالَت الحرقة بنت النُّعْمَان: (فَبينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة نتنصف) فَأَما أهل السُّوق فهم السوقيون واحدهم سوقيّ، والسوق فِي كَلَام الْعَرَب تذكر وتؤنث. [٢١٥] وَمن أوهامهم أَن هوى لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الهبوط، وَلَيْسَ كَذَلِك بل مَعْنَاهُ الْإِسْرَاع الَّذِي قد يكون فِي الصعُود والهبوط، وَفِي حَدِيث الْبراق: فَانْطَلق يهوي بِهِ أَي يسْرع . وَذكر أهل اللُّغَة أَن مصدر الصعُود الْهوى بِضَم الْهَاء ومصدر الهبوط الْهوى بِفَتْحِهَا، فَأَما قَوْله تَعَالَى: ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين﴾ فَقيل فِيهِ: ذهبت بِهِ، وَقيل:

стр. 238

استمالته بالإضلال واختلبته بالإغواء. قَالَ الشَّيْخ الرئيس أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن عَليّ ﵀: وَقد عثرت لجَماعَة من الكبراء على أَوْهَام فِي الهجاء عدلوا فِي بَعْضهَا عَن رسومه المقررة، وَلم يفرقُوا فِي بَعْضهَا بَين مواقع اللَّفْظَة المستطردة، فَرَأَيْت أَن أكشف عَن عوارها وأنبه على التعراي من عارها، لتتنوع فَوَائِد هَذَا الْكتاب، وتتجلى بِهِ أَكثر الشّبَه عَن الْكتاب. [٢١٦] فَمن ذَلِك أَنهم يَكْتُبُونَ بِسم الله، بِحَذْف الْألف أَيْنَمَا وَقع، وحيثما اعْترض، فيوهمون فِيهِ، لِأَن الْألف إِنَّمَا حذفت مِنْهُ إِذا كتب فِي فواتح السُّور وأوائل الْكتب لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله فِي كل مَا يبْدَأ بِهِ ويشرع فِيهِ، وَتَقْدِير الْكَلَام فِي الْبَسْمَلَة المصدرة: أبدأ باسم الله وأفتتح باسم الله، فَترك إِظْهَار هَذَا الْفِعْل إِنَّمَا لدلَالَة الْحَال الْحَاضِرَة عَلَيْهِ، فَإِن أبرز وَجب إِثْبَات الْألف كَمَا أَثْبَتَت فِي قَوْلك: إقرأ باسم رَبك، فسبح باسم رَبك . وَقد رَأَيْت أحد الْأَعْيَان المتشبعين بِدَعْوَى الْبَيَان كتب فِي صدر كِتَابه: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أستفتح، وَبِه أستنحج، فَحذف الْألف من باسم الله مَعَ إِظْهَار الْفِعْل، وَقد وهم فِي حذفه، وَأَبَان عَن قُصُور الاستبصار وَضَعفه، وَإِنَّمَا كَانَ يسوغ لَهُ حذف الْألف لَو أَنه عطف بِالْوَاو على الْبَسْمَلَة الْمُجَرَّدَة، كَمَا يكْتب قوم بعد الْبَسْمَلَة: وَبِه أستعين، فَيكون تَقْدِير الْكَلَام: أفْتَتح باسم الله وَبِه أستعين، نعم وَقد منع أَكثر الْعلمَاء بأوضاع الهجاء حذف هَذِه الْألف إِلَّا عِنْد الْإِضَافَة إِلَى اسْم الله تَعَالَى خَاصَّة، فَإِن أضيف إِلَى غَيره من أَسْمَائِهِ الْحسنى، نَحْو الرَّحْمَن والقهار وَجب إِثْبَات الْألف فِي كتبك باسم الرَّحْمَن وباسم القهار، وَعلل فِي ذَلِك بقلة مدَار هَاتين اللفظتين ونظائرهما فِي الْكَلَام، وَعند افْتِتَاح الْأَعْمَال.

стр. 239

[٢١٧] وَمن ذَلِك أَنهم يحذفون الْألف من ابْن فِي كل مَوضِع يَقع بعد اسْم أَو كنية أَو لقب، وَلَيْسَ ذَلِك مطردا على مَا توهموه، وَلَا يُوجب حذف الْألف مَا تخيلوه، لِأَنَّهُ إِنَّمَا تحذف الْألف من ابْن إِذا وَقع صفة بَين علمين من أَعْلَام الْأَسْمَاء أَو الكنى أَو الألقاب ليؤذن بتنزله مَعَ الِاسْم قبله بِمَنْزِلَة الِاسْم الْوَاحِد لشدَّة اتِّصَال الصّفة بالموصوف، وحلوله مَحل الْجُزْء مِنْهُ ولهذه الْعلَّة حذف التَّنْوِين من الِاسْم قبله، فَقيل عَليّ بن مُحَمَّد، كَمَا يحذف من الْأَسْمَاء المركبة فِي رامهرمز وبعلبك، فَمَا عدا هَذَا الموطن وَجب إِثْبَات الْألف فِيهِ، وَذَلِكَ فِي خَمْسَة مَوَاطِن . أَحدهمَا إِذا أضيف ابْن إِلَى مُضْمر كَقَوْلِك: هَذَا زيد ابْنك. وَالثَّانِي إِذا أضيف إِلَى غير أَبِيه كَقَوْلِك: المعتضد بِاللَّه ابْن أخي الْمُعْتَمد على الله. وَالثَّالِث إِذا نسب إِلَى الْأَب الْأَعْلَى، كَقَوْلِك أَبُو الْحسن ابْن الْمُهْتَدي بِاللَّه. وَالرَّابِع إِذا عدل بِهِ عَن الصّفة إِلَى الْخَبَر، كَقَوْلِك: إِن كَعْبًا ابْن لؤَي. وَالْخَامِس إِذا عدل بِهِ عَن الصّفة أَيْضا إِلَى الِاسْتِفْهَام، كَقَوْلِك: هَل تَمِيم ابْن مرّة وَذَلِكَ أَن ابْنا فِي الْخَبَر والاستفهام بِمَنْزِلَة الْمُنْفَصِل عَن الِاسْم الأول، إِذْ تَقْدِير الْكَلَام أَن كَعْبًا هُوَ ابْن لؤَي وَهل تَمِيم هُوَ ابْن مرّة فأثبتت الْألف فِيهِ كَمَا أَثْبَتَت فِي حَالَة الِاسْتِئْنَاف بِهِ. وَكَذَلِكَ يَكْتُبُونَ الرَّحْمَن بِحَذْف الْألف فِي كل موطن، وأنما تحذف الْألف مِنْهُ عِنْد دُخُول لَام التَّعْرِيف عَلَيْهِ فَإِن تعرى مِنْهَا، كَقَوْلِك: يَا رحمان الدُّنْيَا وَرَحِيم الْآخِرَة أَثْبَتَت الْألف فِيهِ.

стр. 240

ويماثل ذَلِك اختيارهم أَن يكْتب الْحَارِث بِحَذْف الْألف مَعَ لَام التَّعْرِيف وبإثباتها عِنْد التنكير لِئَلَّا يشْتَبه بحرث. وَمن قبيل مَا تثبت الْألف فِيهِ فِي موطن، وتحذف فِي موطن: صَالح وَمَالك وخَالِد، فَتثبت الْألف فِيهَا، إِذا وَقعت صِفَات كَقَوْلِك: زيد صَالح، وَهَذَا مَالك الدَّار، وَالْمُؤمن خَالِد فِي الْجنَّة. وتحذف الْألف مِنْهَا إِذا جعلت أَسمَاء مَحْضَة. وَمن شذور هَذَا السمط أَيْضا أَنهم يَكْتُبُونَ هاذاك وهاتاك بِحَذْف الْألف، مقايسة على حذفهَا فِي هَذَا وَهَذِه، ويوهمون فِيهِ، لِأَن هَا الَّتِي للتّنْبِيه لما وصلت بذا جعلا كالشيء الْوَاحِد، فحذفت الْألف من هَا لهَذِهِ الْعلَّة، فَإِذا اتَّصَلت بِالْكَلِمَةِ كَاف الْخطاب اسْتغنى بهَا عَن حرف التَّنْبِيه، فَوَجَبَ لذَلِك فَصله عَن اسْم الْإِشَارَة واثبات الْألف فِيهِ. فَأَما ثَلَاث، فَإِن أفرد كَقَوْلِك: بِعْت من النوق ثَلَاثًا كتب بِالْألف لاتقاء اللّبْس فِيهِ بِثلث، وَإِن أضيف أَو وصف كَقَوْلِك: حلبت ثلث نُوق، وَمَا فعلت النوق الثُّلُث، كتب بِحَذْف الْألف لارْتِفَاع اللّبْس فِيهِ، وَكَذَلِكَ تكْتب ثلثة وثلثين بِحَذْف الْألف لِأَن عَلامَة الْجمع الملتحقة بآخرهما منعت من إِيقَاع اللّبْس فيهمَا. وَمِمَّا يوهمون فِيهِ كتبهمْ الْحَيَاة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة بِالْوَاو فِي كل موطن، وَلَيْسَ ذَلِك على عُمُومه لوُجُوب إِثْبَات الْألف فِيهَا عِنْد الْإِضَافَة وَمَعَ التَّثْنِيَة، كَقَوْلِك: حياتك وزكاتك وصلاتك وصلاتان وزكاتان، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِأَن الْإِضَافَة والتثنية فرعان على الْمُفْرد، وَقد يجوز فِي الأَصْل مَا لَا يجوز فِي الْفَرْع. [٢١٨] وَمن ذَلِك أَنهم يَكْتُبُونَ كلما مَوْصُولَة فِي كل موطن، وَالصَّوَاب أَن تكْتب مَوْصُولَة إِذا كَانَت بِمَعْنى كل وَقت، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله﴾ . وَإِن وَقعت مَا المقترنة بهَا موقع الَّذِي كتبت مفصولة، نَحْو كل مَا

стр. 241

عنْدك حسن، لِأَن تَقْدِيره: كل الَّذِي عنْدك حسن، وَكَذَلِكَ حكم إِن وَأَيْنَ وأيّ، إِذا اتَّصَلت بِهن مَا الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الَّذِي كتبن مفصولة، كَقَوْلِك: إِن مَا عنْدك حسن، وَأَيْنَ مَا كنت تعدني وأيّ مَا عنْدك أفضل لِأَن تَقْدِير الْكَلَام: إِن الَّذِي عنْدك حسن، وَأَيْنَ الَّذِي كنت تعدني وأيّ الَّذِي عنْدك أفضل وَإِن وَقعت مَا موقع الصِّلَة، أَو كَافَّة لأنّ عَن الْعَمَل كتبت مَوْصُولَة، كَمَا كتبت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت﴾ ﴿إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد﴾ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت﴾ ، لِأَن تَقْدِير الْكَلَام أَن الله إِلَه وَاحِد، وأيّ الْأَجَليْنِ قضيت، وَأَيْنَ تَكُونُوا. وَأما حَيْثُمَا فالاختيار أَن تكْتب مَوْصُولَة، لِأَن مَا لَا تقع بعْدهَا موقع الِاسْم، وَكَذَلِكَ طالما وقلما لِأَن مَا فيهمَا صلَة، بِدَلِيل شبههما بربما فِي أَن الْفِعْل لم يكن يَلِي إِحْدَاهمَا إِلَّا بعد اتصالهما بِمَا، وَقد جوز فِي نعما وبئسما أَن تكتبا مفصولتين وموصولتين إِلَّا أَن الِاخْتِيَار فِي نعما الْوَصْل، لالتقاءه الحرفين المتماثلين فِيهَا بِخِلَاف بئس مَا.

стр. 242

وَأما إِذا التحقت مَا بِلَفْظَة: فِي فَإِن كَانَت للاستفهام حذفت ألفها، وَكتب: فيمَ رغبت وفيم جِئْت. وَإِن كَانَت بِمَعْنى الَّذِي وصلت وَأثبت ألفها، فتكتب: رغبت فِيمَا رغبت. وتكتب عَمَّا مَوْصُولَة كَمَا كتبت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَمَّا قَلِيل﴾ إِلَّا أَن تكون استفهامية كمجيئها فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَم يتساءلون﴾ فتكتب بِحَذْف الْألف. وتكتب كَيْمَا مَوْصُولَة، وكي لَا مفصولة لِأَن مَا الْمُتَّصِلَة بهَا لم تغير معنى الْكَلَام وَلَا الملتحقة بهَا غيرت مَعْنَاهَا. وَأما من إِذا اتَّصَلت بِلَفْظَة كل أَو بِلَفْظَة مَعَ لم تكْتب إِلَّا مفصولة، وَإِنَّمَا كتبت مَوْصُولَة فِي عَمَّن وَمِمَّنْ لأجل إدغام النُّون فِي الْمِيم، كَمَا أدغمت فِي عَمَّا، وَفِي أَن الشّرطِيَّة إِذا وصلت بِمَا فَصَارَت أما. وَمن ذَلِك أَنهم إِذا ألْحقُوا لَا بِأَن حذفوا النُّون فِي كل موطن، وَلَيْسَ ذَلِك على عُمُومه، بل الصَّوَاب أَن يعْتَبر موقع أَن، فان وَقعت بعد أَفعَال الرَّجَاء وَالْخَوْف والإرادة كتبت بإدغام النُّون، نَحْو رَجَوْت أَلا تهجر، وَخفت أَلا تفعل، وَأَرَدْت أَلا تخرج، وَإِنَّمَا أدغمت النُّون فِي هَذَا الموطن لاخْتِصَاص أَن المخففة فِي الأَصْل بِهِ ووقوعها عاملة فِيهِ، فاستوجبت إدغام النُّون بذلك، كَمَا تُدْغَم النُّون فِي أَن الشّرطِيَّة عِنْد دُخُول لَا عَلَيْهَا، وَثُبُوت حكم عَملهَا على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل دُخُولهَا. فتكتب: أَلا تفعل كَذَا يكن كَذَا. وَإِن وَقعت أَن بعد أَفعَال الْعلم وَالْيَقِين أظهرت النُّون لِأَن أَصْلهَا فِي هَذَا الموطن أَن الْمُشَدّدَة

стр. 243

وَقد خففت، وَذَلِكَ فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفلا يرَوْنَ أَلا يرجع إِلَيْهِم قولا﴾ وَكَذَلِكَ إِن وَقع بعد لَا اسْم، نَحْو: علمت أَن لَا خوف عَلَيْهِ، لِأَن التَّقْدِير فِي الموطنين أَنه لَا يرجع إِلَيْهِم قولا، وانه لَا خوف عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ وُقُوعهَا بعد أَفعَال الظَّن والمخيلة جَازَ إِثْبَات النُّون وإدغامها لاحتمالها فِي هَذَا الموطن أَن تكون هِيَ الْخَفِيفَة فِي الأَصْل والمخففة من الثَّقِيلَة، وَلِهَذَا قرئَ: ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ بِالرَّفْع وَالنّصب، فَمن نصب بهَا أدغم النُّون فِي الْكِتَابَة، وَمن رفع أظهرها. وَكَذَلِكَ لَا يفرقون فِي الْكِتَابَة بَين موطني لَا الدَّاخِلَة على هَل وبل، وَقد فرق بَينهمَا الْعلمَاء بأصول الهجاء، فَقَالُوا: تكْتب هلا مَوْصُولَة وبل لَا مفصولة، وعللوا ذَلِك بِأَن لَا لم تغير معنى بل لما دخلت عَلَيْهَا، وغيرت معنى هَل، فنقلتها من أدوات الِاسْتِفْهَام إِلَى حيّز التحضيض، فَلذَلِك ركبت مَعهَا، وجعلتا بِمَنْزِلَة الْكَلِمَة الْوَاحِدَة. [٢١٩] وَمن أوهامهم فِي الهجاء أَنهم لَا يفرقون بَين مَا يجب أَن يكْتب بواو وَاحِدَة وَمَا يكْتب بواوين، وَلَا يميزون بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ . وَالِاخْتِيَار عِنْد أَرْبَاب هَذَا الْعلم أَن يكْتب دَاوُد وَطَاوُس وناوس بواو وَاحِدَة للتَّخْفِيف، وَكَذَلِكَ يكْتب مسؤول ومشؤوم ومسؤوم بواو وَاحِدَة للاستخفاف أَيْضا، وَأَن يكْتب ذَوُو بواوين لِئَلَّا يشْتَبه بِكِتَابَة

стр. 244

وَاحِدَة، وَهُوَ ذُو، وَأَن يكْتب بواوين مدعوون معزوون ونظائرهما مِمَّا لحقته وَاو الْجمع وَقبل الْوَاو الأولى مِنْهُ ضمة، فَأَما سؤول ويؤوس وشؤون ورؤوس وموؤودة، فَالْأَحْسَن أَن يكتبن بواوين، وَمِنْهُم من كتبهَا بواو وَاحِدَة. وَأما قبيل الْأَفْعَال فتكتب جاؤا وباؤا وشاؤا ونظائرها بواو وَاحِدَة، وَجوز أَن يكْتب ﴿يلوون ألسنتهم﴾ و ﴿هَل يستوون﴾ بواوين وواو وَاحِدَة، فان اجْتمع فِي الْكَلِمَة واوان وانفتحت الْوَاو الأولى مِنْهَا نَحْو احتووا واستووا واكتووا ولووا رؤوسهم فأووا إِلَى الْكَهْف كتبت بواوين لِأَن بَين الواوين ألفا محذوفة، إِذْ أصل الْكَلِمَة قبل التحاق ضمير الْجمع بهَا احتوى واستوى واكتوى، فَكتبت بواوين لتدل الْوَاو الثَّانِيَة على الْألف المحذوفة. وَنَظِير ذَلِك أَنه يكْتب فوعل من وارى وشاور وعاود وطاوع بواوين، نَحْو ووري وشوور وعوود وطووع، ليعلم بذلك أَن إِحْدَى الواوين أَصْلِيَّة وَالْأُخْرَى المنقلبة عَن ألف فَاعل، وَكَذَلِكَ يجب إبرازها فِي اللَّفْظ بِأَن يلبث على الأولى مِنْهَا لبثة مَا، ثمَّ يلفظ بِالثَّانِيَةِ، وعَلى هَذَا ينشد بَيت جرير: (بَان الخليط وَلَو طووعت مَا بانا ... وَقَطعُوا من جبال الْوَصْل أقرانا) وَمن أنْشدهُ وَلَو طوعت بِالْإِدْغَامِ كَانَ لاحنا كَمَا أَن من كتبهَا بواو وَاحِدَة فقد اخطأ خطأ فَاحِشا شائنا.

стр. 245

[٢٢٠] وَمن أوهامهم فِي الهجاء أَنهم يخبطون خبط العشواء فِيمَا يكْتب من الْأَسْمَاء الْمَقْصُورَة بِالْألف وَفِيمَا يكْتب بِالْيَاءِ . وَالْحكم فِيهِ أَن تعْتَبر الْألف الَّتِي فِي الِاسْم الْمَقْصُور الثلاثي، فَإِن كَانَت منقلبة عَن وَاو كتب ذَلِك الِاسْم بِالْألف، وَإِن كَانَت من ذَوَات الْيَاء كتب بِالْيَاءِ، وَهَذَا الحكم أصل لَا ينكسر قِيَاسه، وَلَا يهي أساسه، وَالْمُعْتَبر فِيهِ بالتثنية وَالْجمع وبتصرف الْفِعْل الْمَأْخُوذ مِنْهُ، فعلى هَذَا يكْتب الْعَصَا والقفا بِالْألف لِقَوْلِك فِي الْفِعْل مِنْهُمَا: عصوت وقفوت، وَفِي تثنيتهما عصوان وقفوان، وَيكْتب الْحمى والحصى بِالْيَاءِ لِقَوْلِك فيهمَا: حميت وحصيت، ولقولك فِي تَثْنِيَة حمى: حميان، وَفِي جمع حَصى: حَصَيَات، وَإِن زَاد الْمَقْصُور على الثلاثي كتب بِالْيَاءِ على كل حَال، نَحْو ملهى ومرمى ومبنى وَمعلى ومعافى ومنادى ومثنى إِلَّا أَن يكون قبل آخِره يَاء، فَيكْتب بِالْألف لِئَلَّا يجمع بَين يائين وَذَلِكَ نَحْو الْعليا وَالدُّنْيَا والمحيا والرؤيا، وَلم يشذ مِنْهُ إِلَّا يحيى إِذا كَانَ اسْما فَإِنَّهُ يكْتب بِالْيَاءِ ليفرق بَينه ويبن يحيا الْوَاقِع فعلا. وَإِنَّمَا كتب جَمِيع الْأَسْمَاء الْمَقْصُورَة إِذا تجاوزت الثلاثي بِالْيَاءِ، وَلم يفرق فِيهَا بَين مَا أَصله الْوَاو نَحْو ملهى، وَمَا أَصله الْيَاء نَحْو مرمى لِأَن جمعيهما يثنى بِالْيَاءِ وَلم يشذ مِنْهُ إِلَّا

стр. 246

قَوْلهم للمتوعد: جَاءَ ينفض مذرويه، فثنوا مذرى وَهُوَ طرف الالية بِالْوَاو، لأجل أَنه حِين لم يلفظ بمفرده ميز عَن نَوعه. وَحكم مَا يكْتب من الْأَفْعَال المعتلة بِالْألف وَالْيَاء مثل حكم الْأَسْمَاء الْمَقْصُورَة، ومعتبره أَنه إِذا كَانَ الْفِعْل ثلاثيا رَددته إِلَى نَفسك، فَإِن وَقعت الْيَاء قبل تَاء الْمُتَكَلّم كتب بِالْيَاءِ نَحْو قضى وَحمى بِدَلِيل قَوْلك: قضيت وحميت، وَإِن وَقعت الْوَاو قبل تَاء الْمُتَكَلّم كتبت بِالْألف نَحْو رجا وَعدا، لِقَوْلِك: رَجَوْت وعدوت، ولهذه الْعلَّة كتب جَمِيع مَا زَاد من الْأَفْعَال المعتلة على الثلاثي بِالْيَاءِ، نَحْو أوفى وَاشْترى واستقصى، لِقَوْلِك فِيهَا: أوفيت واشتريت واستقصيت، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون قبل آخِره يَاء فَيكْتب بِالْألف، لِئَلَّا يوالى بَين يائين، وَذَلِكَ فِي مثل: هُوَ يعيا بِالْأَمر، وَقد استحيا الرجل. فَأَما كلا وكلتا فَعِنْدَ النَّحْوِيين أَن كلا تكْتب بِالْألف إِلَّا إِذا أضيفت إِلَى مُضْمر فِي حالتي النصب والجر كَقَوْلِك: رَأَيْت الرجلَيْن كليهمَا، ومررت بِالرجلَيْنِ كليهمَا، وَأَن كلتا

стр. 247

تكْتب بِالْيَاءِ إِلَّا أَن تُضَاف إِلَى مُضْمر فِي حَالَة الرّفْع، كَقَوْلِك: جَاءَت الهندان كلتاهما، وَإِنَّمَا فرق بَين كلا وكلتا، لِأَن كلتا ربَاعِية، وَأَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة سَاوَى بَينهمَا، وأجرى كِتَابَة كلتا مجْرى كِتَابَة كلا على مَا بَين من قبل. [٢٢١] وَمِمَّا يجب أَن يكْتب موصولين ثلثمِائة وسِتمِائَة، وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن ثلثمِائة حذفت ألفها فَجعل الْوَصْل فِيهَا عوضا من الْحَذف، وَأَن سِتّمائَة كَانَ أَصْلهَا سدسا فقلبت السِّين تَاء، وَجعل الْوَصْل عوضا من الْإِدْغَام . [٢٢٢] وَمِمَّا عدلوا فِيهِ عَن رسوم الْكِتَابَة وَسنَن الْإِصَابَة أنني وجدت كتابا أنشيء عَن ديوَان الْخلَافَة القادرية إِلَى أحد الْأُمَرَاء البويهية، وَقد كتب المنشئ فِي أَوله وَآخره: سَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته بتنكير السَّلَام فِي الطَّرفَيْنِ والتسوية بَينهمَا فِي الموطنين، وَالِاخْتِيَار عِنْد جلة الْكتاب المبرزين وأعلام الْكِتَابَة المميزين أَن يكْتب فِي صدر الْكتاب مُنْكرا، وَفِي آخِره مُعَرفا لِأَن الِاسْم النكرَة إِذا أُعِيد ذكره وَجب تَعْرِيفه كَمَا فِي الْقُرْآن: ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ ولهذه الْعلَّة اخْتَار بعض الْفُقَهَاء أَن يُتْلَى فِي تحيات الصَّلَاة السَّلَام الأول مُنْكرا وَالثَّانِي مُعَرفا. قَالَ الشَّيْخ الرئيس الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن عَليّ ﵁: فَهَذِهِ الأوهام فِي الهجاء أثبتها عَن العيان والتقطتها من كتب جمَاعَة من الْأَعْيَان، وَلَعَلَّ خواطرهم هفت

стр. 248

بهَا نِسْيَانا، وأقلامهم خطرفت بهَا طغيانا، على أَنِّي لم أقصد بِمَا ألفته من هَذَا الْكتاب، وَفتحت بِهِ من مغالق الصَّوَاب، أَن أندد بهفوات الأوهام، وعثرات الأقلام، وأنى يعْتَمد ذَلِك لَبِيب، وَهل يتبع المعايب إِلَّا معيب (وَمن ظن مِمَّن يلاقي الحروب ... بِأَن لن يصاب فقد ظن عَجزا) وَأَنا أَرْجُو أَن يَقع هَذَا الْكتاب إِلَى من يستر المعيبة، ويدرأ بِالْحَسَنَة السَّيئَة، وَإِن أكفى إفراط من ينْطق عَن الْهوى، ويجهل أَن لكل امْرِئ مَا نوى. وَمن الله تَعَالَى أستلهم التَّوْفِيق للمقال، الْمُتَعَلّق بالإصابة للفعال، المجتلب حسن الإثابة، إِنَّه بكرمه ولي الْإِجَابَة. تمّ الْكتاب بِحَمْد الله تَعَالَى ويليه مُلْحق مُفْرَدَات أَوْهَام الْخَواص

стр. 249

بَاب الْألف [١] أرب: من قَبِيح أوهامهم أَنهم يجمعُونَ الإرب، وَهُوَ الْعُضْو، على إرب فَيَقُولُونَ: قطعته إربا إربا (بِفَتْح الرَّاء) ، أَي أَجزَاء، فيقعون فِي الْوَهم وَالصَّوَاب أَن يُقَال: قطعته إربا إربا (بتسكين الرَّاء) ، أَي عضوا عضوا، لِأَن الإرب يجمع على آرَاب وَلَيْسَ على إرب. ... وَمن أوهامهم أَنهم يطلقون على مَكَان عرض الْأَشْيَاء، معرض (بِفَتْح الرَّاء) ، وعَلى مَكَان اللِّقَاء، موعد (بِفَتْح الْعين) ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: معرض وموعد (بخفض الرَّاء وَالْعين) ، وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن اسْم الزَّمَان وَالْمَكَان يُؤْتى بهما من الْفِعْل الثلاثي على وزن مفعل، إِذا كَانَ الْفِعْل صَحِيحا مكسور الْعين فِي الْمُضَارع، نَحْو: عرض يعرض معرض، أَو إِن كَانَ الْفِعْل مِثَالا واويا، نَحْو: وعد يعد موعد. [٢] أم س: وَيَقُولُونَ: رَأَيْته أمسا، تَشْبِيها بقَوْلهمْ: رَأَيْته البارحة، فيوهمون لِأَن لَفْظَة أمس الَّتِي تَعْنِي

стр. 250

الْيَوْم الَّذِي قبل يَوْمك مُبَاشرَة لَا تبنى على الْفَتْح بِحَال إِن كَانَت بِهَذَا الْمَعْنى. وللعرب فِيهَا ثَلَاث لُغَات: أولاها: الْبناء على الْكسر مُطلقًا، وَهُوَ لُغَة أهل الْحجاز، فَيَقُولُونَ: مضى أمس بِمَا فِيهِ وزرته أمس، وَعَجِبت من أمس: أَي بِالرَّفْع وَالنّصب والجر على التوالي. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (منع الْبَقَاء تقلب الشَّمْس ... وطلوعها من حَيْثُ لَا تمسي) (الْيَوْم أعلم مَا يَجِيء بِهِ ... وَمضى بِفعل قَضَائِهِ أمس) وَالثَّانيَِة: إعرابه إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف فِي حَالَة الرّفْع فَقَط، وبناؤه على الْكسر فِي حالتي النصب والجر وَهِي لُغَة جُمْهُور بني تَمِيم، فَيَقُولُونَ: ذهب أمس (بِغَيْر تَنْوِين) ، وقابلته أمس، وَعَجِبت من أمس، فيكسرونه فيهمَا. وَالثَّالِثَة: إعرابه إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف مُطلقًا، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (لقد رَأَيْت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالي خمْسا) (يأكلن مَا فِي رحلهن همسا ... لَا ترك الله لَهُنَّ ضرسا) أما إِذا أُرِيد بأمس يَوْم من الْأَيَّام الْمَاضِيَة، أَو إِذا دَخلته أل التَّعْرِيف، أَو إِذا جمع، أَو إِذا أضيف أعرب بِإِجْمَاع، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناها حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ . فالكسرة فِي أمس كسرة إِعْرَاب لدُخُول أل التَّعْرِيف عَلَيْهَا مَعَ وجود
следующие страницы →