← Язык

Язык · id 6920

درة الغواص في أوهام الخواص

الحريري

Полный текст (284 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

[١٤٦] وَيَقُولُونَ لمن يقتبس من الصُّحُف: صحفيّ، مقايسة على قَوْلهم فِي النّسَب إِلَى الْأَنْصَار: أَنْصَارِي، وَإِلَى الْأَعْرَاب أَعْرَابِي، وَالصَّوَاب عِنْد النَّحْوِيين الْبَصرِيين أَن يُوقع النّسَب إِلَى وَاحِدَة الصُّحُف وَهِي صحيفَة، فَيُقَال: صحفيّ، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى حنيفَة: حنفيّ، لأَنهم لَا يرَوْنَ النّسَب إِلَّا إِلَى وَاحِد الجموع، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى الْفَرَائِض: فرضيّ، وَإِلَى المقاريض: مقراضيّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل الْجمع إسما علما للمنسوب إِلَيْهِ، فيوقع النّسَب حِينَئِذٍ إِلَى صيغته، كَقَوْلِهِم فِي النّسَب إِلَى قَبيلَة هوَازن: هوازني، وَإِلَى حَيّ كلاب: كلابي، وَإِلَى مَدِينَة الأنبار: أنباري، وَإِلَى بَلْدَة الْمَدَائِن مدائني . فَأَما قَوْلهم فِي النّسَب إِلَى الْأَنْصَار أَنْصَارِي فَإِنَّهُ شَذَّ عَن أَصله والشاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ، وَلَا يعْتد بِهِ. وَأما قَوْلهم فِي النّسَب إِلَى الْأَعْرَاب: أَعْرَابِي فَإِنَّهُم فعلوا ذَلِك لإِزَالَة اللّبْس وَنفي الشُّبْهَة، إِذْ لَو قَالُوا فِيهِ: عَرَبِيّ لاشتبه بالمنسوب إِلَى الْعَرَب، وَبَين المنسوبين فرق ظَاهر لِأَن الْعَرَبِيّ هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى الْعَرَب، وَإِن تكلم بلغَة الْعَجم، والأعرابي هُوَ النَّازِل بالبادية، وَإِن كَانَ عجمي النّسَب. [١٤٧] وَيَقُولُونَ فِي النّسَب أَيْضا إِلَى رامهرمز رامهرمزي، فينسبون إِلَى مَجْمُوع

стр. 177

الاسمين المركبين، وَوجه الْكَلَام أَن ينْسب إِلَى الصَّدْر مِنْهُمَا، فَيُقَال: رامي، لِأَن الِاسْم الثَّانِي من الاسمين المركبين ينزل منزلَة تَاء التَّأْنِيث الَّتِي تقع طارفة، وتلتحق بعد تَمام الْكَلَام، فَوَجَبَ لذَلِك أَن تسْقط فِي النّسَب كَمَا تسْقط تَاء التَّأْنِيث فِيهِ، وعَلى هَذِه الْقَضِيَّة قيل فِي النّسَب إِلَى آذربيجان: آذري، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي بكر ﵁، قَالَ: لتأملن النّوم على الصُّوف الآذري كَمَا يألم أحدكُم النّوم على حسك السعدان. وَقد رَوَاهُ بَعضهم الأذربي، وَالصَّحِيح الأول. وَأَجَازَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي أَن ينْسب إِلَى الاسمين جَمِيعًا، وَاحْتج فِيهِ بقول الشَّاعِر: (تَزَوَّجتهَا رامية هرمزية ... بِفضل الَّذِي أعْطى الْأَمِير من الْوَرق) وَلم يطابقه على هَذَا القَوْل غَيره بل منع سَائِر النَّحْوِيين مِنْهُ لِئَلَّا تَجْتَمِع علامتا النّسَب فِي الِاسْم الْمَنْسُوب، وحملوا الْبَيْت الَّذِي احْتج بِهِ على الشذوذ. وَاعْتِرَاض الشاذ لَا ينْقض مباني الْأُصُول، نعم وَعِنْدهم أَنه مَتى وَقع لبس فِي النّسَب إِلَى الِاسْم الْمركب لم ينْسب إِلَيْهِ، ولهذه الْعلَّة منعُوا من النّسَب إِلَى أحد عشر ونظائره إِذْ لَا يجوز النّسَب إِلَى مَجْمُوع الاسمين فَيُقَال: أحد عشريّ، كَمَا تَقول الْعَامَّة فِي النّسَب إِلَى الثَّوْب الَّذِي طوله أحد عشر شبْرًا، وَلَا يجوز أَن ينْسب إِلَى أَوله لاشتباهه

стр. 178

بِالنّسَبِ إِلَى أحد، وَلَا إِلَى الثَّانِي لاشتباهه بِالنّسَبِ إِلَى عشر، فَامْتنعَ النّسَب إِلَيْهِ من كل وَجه. وَنَظِير هَذَا الْوَهم مِنْهُم، انهم ينسبون إِلَى مَجْمُوع الاسمين المضافين فَيَقُولُونَ فِي النّسَب إِلَى تَاج الْملك ونظائره: التاجملكي، وَقِيَاس كَلَام الْعَرَب أَن ينْسب إِلَى الأول مِنْهُمَا، فَيُقَال: التاجي كَمَا قَالُوا فِي النّسَب إِلَى تيم اللات: تيمي وَإِلَى سعد الْعَشِيرَة: سعدي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعْتَرض لبس فِي الْمَنْسُوب فينسب إِلَى الثَّانِي، كَمَا قَالُوا فِي النّسَب إِلَى عبد منَاف: منافي، وَلم يَقُولُوا عَبدِي لِئَلَّا يلتبس بالمنسوب إِلَى عبد الْقَيْس، وَقَالُوا فِي النّسَب إِلَى أبي بكر: بكري، لأَنهم لَو قَالُوا: أَبَوي لاستبهم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، وَقد سلكوا فِي هَذَا النَّوْع أسلوبا آخر، فَرَكبُوا من حُرُوف الاسمين اسْما على وزن جَعْفَر، ونسبوا إِلَيْهِ، وَأكْثر مَا استعملوا ذَلِك فِيمَا أَوله عبد، فَقَالُوا فِي النّسَب إِلَى عبد شمس: عبشمي، وَإِلَى عبد الدَّار عبدري وَإِلَى عبد الْقَيْس: عبقسي، وكل ذَلِك مِمَّا يقصر على السماع، وَلم يقْصد بِهِ إِلَّا الرياضة فِي تصريف الْكَلَام. [١٤٨] وَيَقُولُونَ لما يغسل بِهِ الرَّأْس: غسلة بِفَتْح الْغَيْن، فيخطئون فِيهِ لِأَن الغسلة بِالْفَتْح كِنَايَة عَن الْمرة الْوَاحِدَة من الْغسْل، فَأَما الغسول فَهُوَ الغسلة بِكَسْر الْغَيْن، وَعَلِيهِ قَول عَلْقَمَة ابْن عَبدة: (كَأَن غسلة خطميّ بمشفرها ... فِي الخد مِنْهَا وَفِي اللحيين تلغيم) وَأما الْغسْل فمصدر غسلت وَالِاسْم مِنْهُ الْغسْل بِضَم الْغَيْن، وَأما

стр. 179

الغسلين فَهُوَ مَا يسيل من صديد أهل النَّار. وَذكر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: كل مَا فِي الْقُرْآن قد عَلمته إِلَّا أَرْبَعَة أحرف: لَا أَدْرِي مَا الأواه، والحنان - مُخَفّفَة - والغسلين، والرقيم، وَقد فَسرهَا غَيره، فَقَالَ: الحنان الرَّحْمَة، وَمِنْه قَوْلهم: حنانيك، أَي رَحْمَة مِنْك بعد رَحْمَة، وَقَالُوا: الأواه الْكثير التأوه من الذُّنُوب. وَقيل أَنه المتضرع فِي الدُّعَاء، وَقيل فِيهِ: أَنه الْمُؤمن الموقن، وَفسّر الغسلين على مَا بَيناهُ. وَقيل فِي الرقيم أَنه الْقرْيَة الَّتِي خرج مِنْهَا أهل الْكَهْف، وَقيل: بل هُوَ اسْم الْكَلْب، وَقيل: بل هُوَ الْوَادي الَّذِي فِيهِ أهل الْكَهْف. وَذكر الْفراء أَنه لوح من رصاص، كتب فِيهِ أَسمَاؤُهُم وأنسابهم. [١٤٩] وَيَقُولُونَ: دَابَّة لَا تردف، وَوجه القَوْل: لَا ترادف، أَي لَا تقبل المرادفة، لِأَن مبْنى المفاعلة على الِاشْتِرَاك فِي الْفِعْل، فَهُوَ بِهَذَا الْكَلَام أليق وبالمعنى المُرَاد أعلق، وَالْعرب تَقول: ترادفت الْأَشْيَاء، إِذا تَتَابَعَت، وَأهل الْمعرفَة بالقوافي يسمون الشّعْر الَّذِي تتوالى الْحَرَكَة فِي قافيته المترادف . وَيُقَال: ردفت زيدا، أَي ركبت خَلفه،

стр. 180

ورادفته، أَي أركبته ورائي، وَإِنَّمَا سمي الردف ردفا لمجاورته الردف، وَهُوَ الْعَجز، وَيُقَال أَيْضا: جمل مرداف، أَي عَلَيْهِ رَدِيف، وَقُرِئَ فِي التَّنْزِيل: ﴿بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ بِكَسْر الدَّال وَفتحهَا، فَمن كسرهَا أَرَادَ بِهِ متتالين فِي الْعدَد، وَمن فتحهَا أَرَادَ انهم أردفوا بغيرهم من المدد. [١٥٠] وَيَقُولُونَ: مطرد ومبرد ومبضع ومنجل، كَمَا يَقُولُونَ: مقرعة، ومقنعة، ومنطقة، ومطرقة، فيفتحون الْمِيم من جَمِيع هَذِه الْأَسْمَاء وَهُوَ من أقبح الأوهام وأشنغ معايب الْكَلَام، لِأَن كل مَا جَاءَ على وزن مفعل ومفعلة من الْآلَات المستعملة المتداولة فَهُوَ بِكَسْر الْمِيم كالأسماء الْمَذْكُورَة ونظائرها، وَعَلِيهِ قَول الفرزدق فِي مرثية سائس: (ليبك أَبَا الخنساء بغل وَبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها)

стр. 181

(ومجرفة مطروحة ومحسة ... ومقرعة صفراء بَال سيورها) وَإِنَّمَا كسر الْمِيم من محسة لِأَن الأَصْل فِيهَا محسسة، فادغم أحد الحرفين المتماثلين فِي الآخر وشدده، والمشدد يقوم مقَام حرفين كَمَا فعل فِي نظائرها، مثل محفة ومخدة ومظلة ومسلة. من وهمهم أَيْضا فِي هَذَا النَّوْع قَوْلهم لما يروح بِهِ: مروحة بِفَتْح الْمِيم، وَالصَّوَاب كسرهَا. وَأَخْبرنِي أَبُو الْقَاسِم الْحُسَيْن بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بالباقلاوي قِرَاءَة عَلَيْهِ، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَمْرو الهزاني عَن عَمه أبي روق عَن الرياشي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: بلغنَا أَن عمر ﵁ كَانَ ينشد فِي طَرِيق مَكَّة: (كَأَن راكبها غُصْن بمروحة ... إِذا تدلت بِهِ أَو شَارِب ثمل) ثمَّ قَالَ لنا أَبُو عَمْرو: المروحة بِفَتْح الْمِيم: الْموضع الْكثير الرّيح، والمروحة بِالْكَسْرِ مَا يتروح بِهِ. وَهَذَا الَّذِي أَصله أهل اللُّغَة من كسر الْمِيم فِي أَوَائِل أَسمَاء الْآلَات المتناقلة المصوغة على مفعل ومفعلة، هُوَ عِنْدهم كالقضية الملتزمة وَالسّنة المحكمة، إِلَّا انهم أشذوا أحرفا يسيرَة مِنْهُ، ففتحوا الْمِيم من منقبة البيطار، وضموها فِي مدهن ومسعط ومنخل ومنصل ومكحل ومدق، وَقيل فِيهِ مدق بِالْكَسْرِ على الأَصْل،

стр. 182

ونطقوا فِي مسقاة ومرقاة ومطهرة بِالْكَسْرِ، قِيَاسا على الأَصْل، وبالفتح لكَونهَا مِمَّا لَا يتناقل بِالْيَدِ. [١٥١]- وَيَقُولُونَ: اعْمَلْ بِحَسب ذَلِك بِإِسْكَان السِّين، وَالصَّوَاب فتحهَا لتطابق معنى الْكَلَام، لِأَن الْحسب بِفَتْح السِّين هُوَ الشَّيْء المحسوب المماثل معنى الْمثل وَالْقدر، وَهُوَ الْمَقْصُود فِي هَذَا الْكَلَام، فَأَما الْحسب . بِإِسْكَان السِّين، فَهُوَ الْكِفَايَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿عَطاء حسابا﴾ أَي كَافِيا، وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِهِ هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا المُرَاد: اعْمَلْ على قدر ذَلِك. ويناسب هَاتين اللفظتين فِي اخْتِلَاف معنييهما باخْتلَاف هَيْئَة أوسطهما قَوْلهم: الْغبن والغبن، والميل والميل، وَالْوسط وَالْوسط، وَالْقَبْض وَالْقَبْض وَالْخلف وَالْخلف، وَبَين كل لفظتين من هَذِه الْأَلْفَاظ المتجانسة فرق يمتاز مَعْنَاهَا فِيهِ بِحَسب إسكان وَسطهَا وفتحه، فالغبن بِإِسْكَان الْبَاء يكون فِي المَال، وبالفتحة يَقع فِي الْعقل والرأي، والميل بِإِسْكَان الْيَاء من الْقلب وَاللِّسَان وَبِفَتْحِهَا يَقع فِيمَا يُدْرِكهُ العيان، وَالْوسط بِالسُّكُونِ ظرف مَكَان يحل مَحل لَفْظَة بَين، وَبِه يعْتَبر، وَالْوسط بِفَتْح السِّين: اسْم يتعاقب عَلَيْهِ الْإِعْرَاب، وَلِهَذَا مثل النحويون، فَقَالُوا: يُقَال: وسط رَأسه دهن. ووسط رَأسه صلب، وَالْقَبْض بِإِسْكَان الْبَاء مصدر قبض وَبِفَتْحِهَا اسْم الشَّيْء الْمَقْبُوض، وَأما الْخلف وَالْخلف

стр. 183

فَعِنْدَ أَكثر أهل اللُّغَة أَن الْخلف بِإِسْكَان اللَّام يكون من الطالحين، وَبِفَتْحِهَا من الصَّالِحين. وأنشدت لأبي الْقَاسِم الْآمِدِيّ فِي مرثية غرَّة خلف عرة: (خلفت خلفا وَلم تدع خلفا ... لَيْت بهم كَانَ لَا بك التّلف) وَقيل فيهمَا: أَنَّهُمَا يتداخلان فِي الْمَعْنى، ويشتركان فِي صفة الْمَدْح والذم، فَيُقَال: خلف صدق وَخلف سوء، وَخلف صدق وَخلف سوء، وَالشَّاهِد عَلَيْهِ قَول الْمُغيرَة ابْن حبناء التَّمِيمِي: (فَنعم الْخلف كَانَ أَبوك فِينَا ... وَبئسَ الْخلف خلف أَبِيك فِينَا) وَقَالَ بَعضهم: إِن الْخلف بِفَتْح اللَّام من يخلف فِي أثر من مضى، وَالْخلف بِإِسْكَان اللَّام اسْم لكل قرن مستخلف، وَعَلِيهِ فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة﴾ وَعَلِيهِ يؤول قَول لبيد: (وَبقيت فِي خلف كَجلْد الأجرب ) يَعْنِي بِهِ الْقرن الَّذِي عاصره آخر عمره. وَحكى أَبُو بكر بن دُرَيْد، قَالَ: سَمِعت الرياشي يفصل بَين قَوْلهم: أَصَابَهُ سهم غرب بِفَتْح الرَّاء، وَغرب بِإِسْكَان الرَّاء، وَقَالَ: الْمَعْنى فِي الفتحة انه لم يدر من رَمَاه، وَفِي الإسكان أَنه رمى غَيره فَأَصَابَهُ، وَلم يُمَيّز بَين معنى اللفظتين سواهُ.

стр. 184

[١٥٢]- وَيَقُولُونَ: قد كثرت عيلة فلَان، إِشَارَة إِلَى عِيَاله، فيخطئون فِيهِ، لِأَن الْعيلَة هِيَ الْفقر، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله﴾ وتصريف الْفِعْل مِنْهَا عَال يعيل فَهُوَ عائل، وَالْجمع عَالَة، وَجَاء فِي التَّنْزِيل: ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ وَفِي الحَدِيث: لِأَن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس . فَأَما الَّذين يعالون فهم عِيَال، واحدهم عيل، كَمَا أَن وَاحِد جِيَاد جيد، وَقد جمع عِيَال على عيائل، كَمَا قيل: ركاب وركائب. وَيُقَال لمن كثر عِيَاله: أعال فَهُوَ معيل، وَقد عالهم يعولهم، وَمِنْه الْخَبَر: ابدأ بِنَفْسِك ثمَّ بِمن تعول. وَفِي كَلَام بعض الْعَرَب: وَالله لقد علت حَتَّى علت، أَي منت عيالي حَتَّى افْتَقَرت. وَقد يُقَال: عَال يعول إِذا جَار، وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا﴾ فَمَعْنَاه: أَلا تَجُورُوا، وَمِنْه قَول بعض الْعَرَب لحَاكم حكم عَلَيْهِ بِمَا لم يُوَافقهُ: وَالله لقد علت عليّ فِي الحكم. وَمن ذهب فِي تَفْسِير الْآيَة إِلَى أَن معنى تعولُوا يكثر من تعولون، فقد وهم فِيهِ. وَأما قَوْله ﷺ : وَإِن من القَوْل ... ... .

стр. 185

عيالا، فَمَعْنَاه إِن من الحَدِيث مَا يستثقل السَّامع أَن يعرض عَلَيْهِ ويستشق الانصات إِلَيْهِ. [١٥٣] وَيَقُولُونَ: فلَان فِي رفهة، والمسموع عَن الْعَرَب فِي رفاهة ورفاهية، كَمَا قَالُوا: طماعة وطماعية، وَكَرَاهَة وكراهية . وَقد قيل فِيهَا: رفهنية، كَمَا قَالُوا: بلهنية، واشتقاق لفظ الرَّفَاهِيَة من الرفه، وَهُوَ أَن تورد الْإِبِل كلما شَاءَت كل يَوْم، فكأنهم قصدُوا بهَا التَّوَسُّع، فَأَما الرفة فَهِيَ أصل لَفْظَة الرفه الَّتِي هِيَ دقاق التِّبْن فِي لُغَة من قَالَهَا بتَخْفِيف الْفَاء، فَهِيَ تجْرِي مجْرى شفة الَّتِي أَصْلهَا شفهة، وَقد حذفت إِحْدَى الهائين مِنْهَا، بِدَلِيل تصغيرها على شفيهة. وَيُقَال فِي الْمثل: فلَان أغْنى من التفة عَن الرفة،

стр. 186

وَالْمرَاد بالتفة عنَاق الأَرْض لِأَنَّهَا تقتات اللَّحْم وتستغني عَن دقاق التِّبْن. وَقد شدد بَعضهم الْفَاء من التفه وَجعل أَصْلهَا التففه، ثمَّ أدغم إِحْدَى الفائين فِي الْأُخْرَى كَمَا يفعل ذَلِك فِي الحرفين المتماثلين الواقعين فِي الْأَسْمَاء المضعفة. [١٥٤] وَيَقُولُونَ لرضيع الْإِنْسَان: قد ارتضع بلبنه، وَصَوَابه ارتضع بلبانه، لِأَن اللَّبن هُوَ المشروب واللبان هُوَ مصدر لِابْنِهِ، أَي شَاركهُ فِي شرب اللَّبن، وَهَذَا هُوَ معنى كَلَامهم الَّذِي نَحوا إِلَيْهِ، ولفظوا بِهِ، واليه أَشَارَ الْأَعْشَى فِي قَوْله فِي صفة النَّار: (تشب لمقرورين يصطليانها ... وَبَات على النَّار الندى والمحلق) (رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... باسحم داج عوض لَا نتفرق) يَعْنِي أَن المحلق الممدوح والندى ارتضعا ثدي أم، تحَالفا على أَنَّهُمَا لَا يتفرقان أبدا، لِأَن عوض من أَسمَاء الدَّهْر وَهُوَ مِمَّا يبْنى على الضَّم وَالْفَتْح، وعنى بالأسحم الداجي ظلمَة الرَّحِم الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق فِي ظلمات ثَلَاث﴾ . وَقيل: بل عَنى بِهِ اللَّيْل، وعَلى كلا هذَيْن التفسيرين فَمَعْنَى تقاسما فيهمَا، أَي تحَالفا، وَقد قيل: أَن المُرَاد بِلَفْظَة تقاسما اقْتَسمَا، وَأَن المُرَاد بالأسحم الداجي الدَّم، وَقيل: بل المُرَاد بالأسحم اللَّبن لاعتراض السمرَة فِيهِ، وبالداجي الدَّائِم. وَحكى ابْن نصر الْكَاتِب فِي كتاب الْمُفَاوضَة، قَالَ: دخل عَليّ أبي الْعَبَّاس بن ماسرجس رجل نَصْرَانِيّ، وَمَعَهُ فَتى من أهل مِلَّته حسن الْوَجْه، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس: من

стр. 187

هَذَا الْفَتى قَالَ: بعض إخْوَانِي، فَأَنْشد أَبُو الْعَبَّاس: (دعتني أخاها أم عَمْرو وَلم أكن ... أخاها وَلم أرضع لَهَا بلبان) (دعتني أخاها بَعْدَمَا كَانَ بَيْننَا ... من الْأَمر مَا لَا يصنع الإخوان) [١٥٥] وَيَقُولُونَ: لدغته الْعَقْرَب، وَالِاخْتِيَار أَن يُقَال لكل مَا يضْرب بمؤخره كالزنبور وَالْعَقْرَب: لسع، وَلما يقبض بِأَسْنَانِهِ كَالْكَلْبِ وَالسِّبَاع: نهش، وَلما يضْرب بِفِيهِ كالحية: لدغ، وَمِنْه قَول بعض الرجاز: (إِن الْعَجُوز حِين شَاب صدغها ... كالحية الصماء طَال لدغها)

стр. 188

[١٥٦] وَيَقُولُونَ: الْحَمد لله الَّذِي كَانَ كَذَا وَكَذَا . فيحذفون الضَّمِير الْعَائِد إِلَى اسْم الله تَعَالَى الَّذِي بِهِ يتم الْكَلَام، وتنعقد الْجُمْلَة، وتنتظم الْفَائِدَة، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: الْحَمد لله، إِذْ كَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْهُ، أَو يُقَال: الْحَمد لله الَّذِي كَانَ كَذَا وَكَذَا بِلُطْفِهِ أَو بعونه أَو من فَضله، وَمَا أشبه ذَلِك، مِمَّا يتم الْكَلَام المبتور، ويربط الصِّلَة بالموصول. وَفِي نَوَادِر النَّحْوِيين أَن رجلا قرع الْبَاب على رجل نحوي فَقَالَ لَهُ: من أَنْت قَالَ: الَّذِي اشتريتم الْآجر، فَقَالَ لَهُ: أَمنه قَالَ لَا: قَالَ: أَله قَالَ: لَا، قَالَ: اذْهَبْ، فمالك فِي صلَة الَّذِي شَيْء. وَقد شبه الصاحب أَبُو الْقَاسِم بن عباد الرَّقِيب والمحبوب بِالَّذِي وصلته، فَقَالَ وأبدع:

стр. 189

(ومهفهف ذِي وجنة كالجنبذ ... وسهام لحظ كالسهام النقذ) (قد نلْت مِنْهُ مُرَاد قلبِي فِي الْهوى ... وملكته لَو لم يكن صلَة الَّذِي) [١٥٧] وَيَقُولُونَ: فلَان شحاث بالثاء الْمُعْجَمَة بِثَلَاث من فَوق، وَالصَّوَاب فِيهِ شحاذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، لاشتقاق هَذَا الِاسْم من قَوْلك: شحذت السَّيْف، إِذا بالغت فِي إحداده، فَكَأَن الشحاذ الْملح فِي الْمَسْأَلَة والمبالغ فِي طلب الصَّدَقَة . [١٥٨] وَيَقُولُونَ لما يخرج من الكرش: الفرث، فيوهمون فِيهِ، لِأَنَّهُ يُسمى فرثا مَا دَامَ فِي الكرش، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿من بَين فرث وَدم﴾ فَإِذا لفظ مِنْهَا سمي السرجين. وَمن أَمْثَال الْعَرَب فِيمَن يحفظ الحقير ويضيع الْجَلِيل: يحفظ الفرث، وَيفْسد الْحَرْث. [١٥٩] وَيَقُولُونَ: جُبَّة خلقَة، فيوهمون فِيهِ لِأَن الْعَرَب ساوت فِيهِ بَين نعت الْمُذكر والمؤنث فَقَالَت: ملحفة خلق، كَمَا قَالَت: ثوب خلق، وَبَين بَعضهم الْعلَّة فِيهِ، فَقَالَ: كَانَ أصل الْكَلَام: أَعْطِنِي خلق جبتك، فَلَمَّا أفرد من الْإِضَافَة بَقِي على مَا كَانَ

стр. 190

عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُقَال: جبتان خلقان، وَلَا يُقَال: خلقتان وَأنْشد ثَعْلَب شَاهدا عَلَيْهِ لأبي الْعَالِيَة: (كفى حزنا إِنِّي تطاللت كي أرى ... ذرى قلتي دمخ فَمَا تريان) يُقَال: تطاول، إِذا مد قامته، وتطالل إِذا مد عُنُقه، مَأْخُوذ من الطلل وَهُوَ الشَّخْص (كَأَنَّهُمَا والآل يجْرِي عَلَيْهِمَا ... من الْبعد عينا برقع خلقان) [١٦٠] وَيَقُولُونَ ثَلَاثَة شهور وَسَبْعَة بحور، وَالِاخْتِيَار أَن يُقَال: ثَلَاثَة أشهر وَسَبْعَة أبحر، ليتناسب نظم الْكَلَام، ويتطابق الْعدَد والمعدود، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر﴾ وَفِيه أَيْضا: ﴿وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر﴾ ، وَالْعلَّة فِي هَذَا الِاخْتِيَار أَن الْعدَد من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وضع للقلة، فَكَانَت إِضَافَته إِلَى مِثَال الْجمع الْقَلِيل المشاكل لَهُ أليق بِهِ، وأشبه بالملاءمة لَهُ .

стр. 191

وأمثلة الْجمع الْقَلِيل أَرْبَعَة: أَفعَال، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام﴾ ، وأفعل: كَمَا ورد فِي التَّنْزِيل أَيْضا ﴿سَبْعَة أبحر﴾ ، وأفعلة: كَقَوْلِك: تِسْعَة أحمرة وفعلة، كَقَوْلِك: عشرَة غلمة. وَهَذَا الِاخْتِيَار فِي إِضَافَة الْعدَد إِلَى جمع الْقلَّة مطرد فِي هَذَا الْبَاب، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون الْمَعْدُود مِمَّا لم يبن لَهُ جمع قلَّة، فيضاف إِلَى مَا صِيغ لَهُ من الْجمع على تَقْدِير إِضْمَار من البعضية فِيهِ، كَقَوْلِك: عِنْدِي ثَلَاثَة دَرَاهِم، وَصليت فِي عشرَة مَسَاجِد، أَي ثَلَاثَة من دَرَاهِم وَعشرَة من مَسَاجِد. ولسائل أَن يعْتَرض بقوله تَعَالَى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ فَيَقُول: كَيفَ أضَاف الثَّلَاثَة إِلَى قُرُوء، وَهِي جمع الْكَثْرَة، وَلم يضفها إِلَى الاقراء الَّتِي هِيَ جمع الْقلَّة. وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الْمَعْنى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ أَي ليتربص كل وَاحِدَة من المطلقات ثَلَاثَة اقراء، فَلَمَّا أسْند إِلَى جماعتهن ثَلَاثَة، وَالْوَاجِب على كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ ثَلَاثَة، أَتَى بِلَفْظَة قُرُوء، لتدل على الْكَثْرَة والمرادة وَالْمعْنَى الملموح. [١٦١] وَيَقُولُونَ للعليل: هُوَ مَعْلُول، فيخطئون فِيهِ لِأَن الْمَعْلُول هُوَ الَّذِي سقى

стр. 192

الْعِلَل، وهوالشرب الثَّانِي، وَالْفِعْل مِنْهُ عللته، فَأَما الْمَفْعُول من الْعلَّة فَهُوَ معل، وَقد أعله الله تَعَالَى. وَنَظِيره قَوْلهم: أَعْطِنِي على المقلول كَذَا وَكَذَا، يعنون بالمقلول القل أَو الْقلَّة، وَلَا وَجه لهَذَا الْكَلَام الْبَتَّةَ، لِأَن المقلول فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي ضربت قلته، وَهِي أَعْلَاهُ، كَمَا يكنى فِي المعاريض عَمَّن ضربت ركبته بالمركوب، وَعَمن قطع سرره بالمسرور، وَعَمن قطع ذكره بالمذكور. وَمن الأحاجي بِأَبْيَات الْمعَانِي: (نسرهم إِن هم أَقبلُوا ... وَإِن أدبروا فهم من نسب) أَي نطعنهم إِذا أَقبلُوا فِي السُّرَّة وَإِذا أدبروا فِي السبة، وَهِي الأست. وَمن هَذَا النَّوْع قَول الشَّاعِر: (ذكرت أَبَا عَمْرو فَمَاتَ مَكَانَهُ ... فيا عجبا هَل يهْلك الْمَرْء من ذكر) (وزرت عليا بعده فرأيته ... فَفَارَقَ دُنْيَاهُ وَمَات على صَبر) عَنى بذكرت قطعت ذكره، وَبِقَوْلِهِ: رَأَيْته قطعت رئته. [١٦٢] وَيَقُولُونَ فِي مثله: مَالِي فِيهِ منفوع وَلَا مَنْفَعَة، فيغلطون فِيهِ، لِأَن المنفوع

стр. 193

من أوصل إِلَيْهِ النَّفْع، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مَا لي فِيهِ نفع وَلَا مَنْفَعَة، فَإِن توهم متوهم أَنه مِمَّا جَاءَ على الْمصدر، فقد وهم فِيهِ، لِأَنَّهُ لم يجِئ من المصادر على وزن مفعول إِلَّا أَسمَاء قَليلَة، وَهِي الميسور والمعسور، بِمَعْنى الْيُسْر والعسر. وَقَوْلهمْ: مَا لَهُ مَعْقُول وَلَا مجلود، أَي لَيْسَ لَهُ عقل وَلَا جلد، وَقَوْلهمْ: حلف محلوفا، وَقد ألحق بِهِ قوم الْمفْتُون، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿بأيكم الْمفْتُون﴾ أَي الْفُتُون، وَقيل: بل هُوَ مفعول، وَالْبَاء زَائِدَة وَتَقْدِيره: أَيّكُم الْمفْتُون. [١٦٣] وَيَقُولُونَ للْمَرِيض: بِهِ سل، وَوجه القَوْل أَن يُقَال: بِهِ سلال، بِضَم السِّين، لِأَن مُعظم الأدواء جَاءَ على فعال، نَحْو الزُّكَام والصداع والفواق والسعال . [١٦٤] وَيَقُولُونَ: حلا الشَّيْء فِي صَدْرِي وبعيني فيخطئون فِيهِ لِأَن الْعَرَب تَقول: حلا فِي فمي، وحلي فِي عَيْني، وَلَيْسَ الثَّانِي من نوع الأول بل هُوَ من الْحلِيّ الملبوس، فَكَانَ الْمَعْنى: حسن فِي عَيْني كحسن الْحلِيّ الملبوس، فَهُوَ من ذَوَات الْيَاء، وَالْأول من ذَوَات الْوَاو إِلَّا أَن الْمصدر مِنْهُمَا جَمِيعًا الْحَلَاوَة، وَالِاسْم مِنْهُمَا حُلْو. وَلَا يجوز أَن يُقَال: حَال، لِأَن الحالي، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحلِيّ، وَهُوَ ضد العاطل.

стр. 194

[١٦٥] وَيَقُولُونَ فِي جمع مرْآة: مرايا، فيوهمون فِيهِ كَمَا وهم بعض الْمُحدثين حِين قَالَ: (قلت لما سترت لحيته ... بعض البلايا) (فتن زَالَت وَلَكِن ... بقيت مِنْهَا بقايا) (فَهَب اللِّحْيَة غطت ... مِنْهُ خدا كالمرايا) (من لعينيه الَّتِي تقسم ... فِي الْخلق المنايا) وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا: مراء على وزن مراع، فَأَما مرايا فَهِيَ جمع نَاقَة مري وَهِي الَّتِي تدر إِذا مري ضرْعهَا، وَقد جمعت على أَصْلهَا الَّذِي هُوَ مرية، وَإِنَّمَا حذفت الْهَاء مِنْهَا عِنْد إفرادها لكَونهَا صفة، لَا يشاركها الْمُذكر فِيهَا. [١٦٦] وَيَقُولُونَ لفم المزادة: عزلة، وَهِي فِي كَلَام الْعَرَب عزلاء، وَجَمعهَا عزالى، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

стр. 195

(سَقَاهَا من الوسمي كل مجلجل ... سكوب العزالى صَادِق الْبَرْق والرعد) فَأَما قَول الْأَعرَابِي فِي خبر الاسْتِسْقَاء: (دفاق العزائل جم البعاق ... أغاث بِهِ الله عليا مُضر) فَإِنَّهُ جَاءَ على الْقلب كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿على شفا جرف هار﴾ ، أَي هائر، فاخر الْقلب. [١٦٧] وَيَقُولُونَ: جَاءَ الْقَوْم بأجمعهم، لتوهمهم أَنه أجمع، الَّذِي يُؤَكد بِهِ فِي مثل قَوْلهم: هُوَ لَك أجمع، وَالِاخْتِيَار أَن يُقَال: جَاءَ الْقَوْم بأجمعهم بِضَم الْمِيم لِأَنَّهُ مَجْمُوع جمع، فَكَانَ على أفعل، كَمَا يُقَال: فرخ وأفرخ وَعبد وأعبد . وَيدل على ذَلِك أَيْضا إِضَافَته إِلَى الضَّمِير وَإِدْخَال حرف الْجَار عَلَيْهِ، وَأجْمع الْمَوْضُوع للتوكيد لَا يُضَاف وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْجَار بِحَال. وَنَظِير أجمع قَوْلهم فِي الْمثل الْمَضْرُوب لمن كَانَ فِي خصب ثمَّ صَار إِلَى أمرع مِنْهُ: وَقع الرّبيع على أَربع، يَعْنِي بِأَرْبَع جمع ربيع. [١٦٨] وَيَقُولُونَ لمن انْقَطَعت حجَّته: مقطع، بِفَتْح الطَّاء، وَالصَّوَاب أَن يُقَال

стр. 196

بِكَسْرِهَا، لِأَن الْعَرَب تَقول للمحجوج: أقطع الرجل فَهُوَ مقطع وَأما المقطع بِفَتْح الطَّاء فَيَقَع على الْعنين وعَلى من أقطع قطيعة، وعَلى المحروم دون نظرائه، وَيُقَال: رجل مَقْطُوع بِهِ، إِذا قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق، ومنقطع بِهِ، إِذا عجز عَن السّفر. وَحكى الْمَدَائِنِي قَالَ: دخلت على صديق لي، وَعِنْده رجل، فَقلت: من هَذَا فَقَالَ مُنْقَطع إليّ وَأَنا مُنْقَطع بِهِ. وَنَظِير تحريفهم فِي المقطع قَوْلهم: جَاءُوا كالجراد المشعل بِفَتْح الْعين. وَالْعرب تَقول: جَاءُوا كالجراد المشعل، بكسره الْعين، وَمعنى المشعل الْمُنْتَشِر، وَمِنْه قَوْلهم: كَتِيبَة مشعلة أَي مُتَفَرِّقَة. وَإِلَى هَذَا ذهب جرير بقوله فِيمَا يهجو بِهِ الأخطل: (أفبالصليب وَمَاء رِجْس تبتغي ... شهباء ذَات مناكب جمهورا) (عَايَنت مشعلة الرعال كَأَنَّهَا ... طير يحاول فِي شمام وكورا)

стр. 197

[١٦٩] وَيَقُولُونَ: كلمت فلَانا فاختلط، أَي اخْتَلَّ رَأْيه وثار غَضَبه، فيحرفون فِيهِ، لِأَن القَوْل فاحتلط بِالْحَاء المغفلة لاشتقاقه من الاحتلاط، وَهُوَ الْغَضَب، وَمِنْه الْمثل الْمَضْرُوب: إِن أول العي الاحتلاط، وأسوأ القَوْل الإفراط . [١٧٠] وَيَقُولُونَ فِي الْكِنَايَة عَن العربيّ والعجميّ: الْأسود والأبيض، وَالْعرب تَقول فيهمَا: الْأسود والأحمر، تَعْنِي الْعَرَب والعجم لِأَن الْغَالِب على ألوان الْعَرَب الأدمة والسمرة، وَالْغَالِب على ألوان الْعَجم الْبيَاض والحمرة، وَالْعرب تسمي الْبَيْضَاء حَمْرَاء كَمَا تسمي السَّوْدَاء خضراء. وَفِي الْأَخْبَار المأثورة أَنه ﷺ كَانَ يُسَمِّي عَائِشَة ﵂ الْحُمَيْرَاء. وَأما قَوْلهم: الْحسن أَحْمَر، فَمَعْنَاه أَنه لَا يكْتَسب مَا فِيهِ الْجمال إِلَّا بتحمل مشقة يحمار مِنْهَا الْوَجْه كَمَا قَالُوا للسّنة المجدبة: حَمْرَاء، وكنوا عَن الْأَمر المستصعب بِالْمَوْتِ الْأَحْمَر، وَأما قَول الشَّاعِر: (هجان عَلَيْهَا حمرَة فِي بياضها ... تروق بِهِ العينان وَالْحسن أَحْمَر)

стр. 198

فَإِنَّهُ عَنى بِهِ أَن الْحسن فِي حمرَة اللَّوْن مَعَ الْبيَاض دون غَيره من الألوان. [١٧١] وَيَقُولُونَ للمعرس: قد بنى بأَهْله، وَوجه الْكَلَام بنى على أَهله، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يدْخل على عرسه بنى عَلَيْهَا قبَّة، فَقيل لكل من عرس: بَان، وَعَلِيهِ فسر أَكْثَرهم قَول الشَّاعِر: (أَلا يَا من لذا الْبَرْق الْيَمَانِيّ ... يلوح كَأَنَّهُ مِصْبَاح بَان) وَقَالُوا: أَنه شبه لمعان الْبَرْق بمصباح الْبَانِي على أَهله، لِأَنَّهُ لَا يطفأ تِلْكَ اللَّيْلَة، على أَن بَعضهم قَالَ: عَنى بالبان الضَّرْب من الشّجر، فَشبه سنا برقه بضياء الْمِصْبَاح المتقد بدهنه. ويجانس هَذَا الْوَهم قَوْلهم للجالس بِفنَاء بَابه: جلس على بَابه، وَالصَّوَاب فِيهِ أَن

стр. 199

يُقَال: جلس بِبَابِهِ، لِئَلَّا يتَوَهَّم السَّامع أَن المُرَاد بِهِ: استعلى على الْبَاب وَجلسَ فَوْقه. قَالَ الشَّيْخ الرئيس أَبُو مُحَمَّد ﵀: وَقد أذكرني مَا أوردته نادرة تلِيق بِهَذَا الموطن، حَكَاهَا لي الشريف أَبُو الْحسن النسابة الْمَعْرُوف بالصوفي ﵀، قَالَ: اجتاز البستي بِابْن البواب وَهُوَ جَالس على عتبَة بَابه، فَقَالَ: أَظن الْأُسْتَاذ يقْصد حفظ النّسَب، بِالْجُلُوسِ على العتب. وَمِمَّا يوهمون فِيهِ أَيْضا: قَوْلهم: خرج عَلَيْهِ خراج وَوجه القَوْل أَن يُقَال: خرج بِهِ. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: رميت بِالْقَوْسِ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: رميت عَن الْقوس أَو على الْقوس، كَمَا قَالَ الراجز: (ارمي عَلَيْهَا وَهِي فرع أجمع ... وَهِي ثَلَاث أَذْرع وإصبع) فَإِن قيل: هلا أجزتم أَن تكون الْبَاء فِي هَذَا الموطن قَائِمَة مقَام عَن أَو على، كَمَا جَاءَت بِمَعْنى عَن فِي قَوْله : ﴿سَأَلَ سَائل بِعَذَاب وَاقع﴾ وَبِمَعْنى على فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا﴾ . فَالْجَوَاب عَنهُ أَن إِقَامَة بعض حُرُوف الْجَرّ مقَام بعض إِنَّمَا جوز فِي المواطن الَّتِي يَنْتَفِي فِيهَا اللّبْس وَلَا يَسْتَحِيل الْمَعْنى الَّذِي صِيغ لَهُ اللَّفْظ. وَلَو قيل هَاهُنَا: رمى بِالْقَوْسِ لدل ظَاهر الْكَلَام على انه نبذها من يَده، وَهُوَ ضد المُرَاد بِلَفْظِهِ: فَلهَذَا لم يجز التأول للباء فِيهِ. [١٧٢] وَيَقُولُونَ حَتَّى، فيميلونها مقايسة على إمالة مَتى، فيخطئون فِيهِ لِأَن

стр. 200

مَتى إسم وَحَتَّى حرف، وَحكم الْحُرُوف أَلا تمال، كَمَا لم يميلوا إِلَّا وَأما وَلَكِن وعَلى ونظائرها، وَلم يشذ من هَذَا الأَصْل إِلَّا ثَلَاثَة أحرف أميلت لعلل فِيهَا، وَهِي: يَا، وبلى وَلَا، فِي قَوْلهم: افْعَل هَذَا أما لَا، وَالْعلَّة فِي يَا أَنَّهَا نابت عَن الْفِعْل الَّذِي هُوَ أنادي، وَفِي بلَى أَنَّهَا قَامَت بِنَفسِهَا واستقامت بذاتها، وَفِي أما لَا أَن هَذِه الْكَلِمَة على الْحَقِيقَة ثَلَاثَة أحرف وَهِي أَن وَمَا وَلَا، جعلت كالشيء الْوَاحِد، وَصَارَت الْألف فِي آخرهَا شَبيهَة بِأَلف حبارى، فأميلت كإمالتها. وَمعنى قَوْلهم: افْعَل هَذَا اما لَا، أَي: أَن لَا تفعل كَذَا فافعل كَذَا. وَمن وهمهم أَيْضا فِي الإمالة أَنهم يَقُولُونَ: هَذِه بِكَسْر الْهَاء الأولى، والأفصح أَن تفخم الْهَاء وَلَا تمال. وَحكي أَن أعرابية سَمِعت بنياً لَهَا يَقُول: هَذِه النَّاقة، فزجرته، وَقَالَت لَهُ: أَتَقول هَذِه أَلا قلت: هَذِه [١٧٣] وَيَقُولُونَ: قَتله شَرّ قتلة، بِفَتْح الْقَاف، وَالصَّوَاب كسرهَا، لِأَن المُرَاد بِهِ الْإِخْبَار عَن هَيْئَة القتلة الَّتِي صِيغ مثالها على فعلة، بِكَسْر الْفَاء، كَقَوْلِك: ركب ركبة

стр. 201

أنيقة، وَقعد قعدة ركينة، وَمِنْه الْمثل الْمَضْرُوب فِي الحاذق: (أَن الْعوَان لَا تعلم الْخمْرَة) من الاختمار. وَمن شَوَاهِد حِكْمَة الْعَرَب فِي تصريف كَلَامهَا أَنَّهَا جعلت فعلة بِفَتْح الْفَاء كِنَايَة عَن الْمرة الْوَاحِدَة، وبكسرها كِنَايَة عَن الْهَيْئَة، وَبِضَمِّهَا كِنَايَة عَن الْقدر لتدل كل صِيغَة على معنى تخْتَص بِهِ، وتمتنع من الْمُشَاركَة فِيهِ. وَقُرِئَ: ﴿إِلَّا من اغترف غرفَة بِيَدِهِ﴾ ، بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا، فَمن قَرَأَهَا بالفتحة أَرَادَ بهَا الْمرة الْوَاحِدَة فَيكون قد حذف الْمَفْعُول بِهِ الَّذِي تَقْدِيره: إِلَّا من اغترف مَاء مرّة وَاحِدَة، وَمن قَرَأَهَا بِالضَّمِّ أَرَادَ بهَا مِقْدَار ملْء الرَّاحَة من المَاء. [١٧٤] وَيَقُولُونَ: هَذَا وَاحِد اثْنَان ثَلَاثَة أَرْبَعَة . فيعربون أَسمَاء الْأَعْدَاد الْمُرْسلَة، وَالصَّوَاب أَن تبنى على السّكُون فِي حَالَة الْعدَد، فَيُقَال: وَاحِد بِسُكُون الدَّال، وَكَذَلِكَ اثْنَان ثَلَاثَة أَرْبَعَة، وَكَذَلِكَ حكم نَظَائِره اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تُوصَف أَو يعْطف بَعْضهَا على بعض،

стр. 202

فتعرب حِينَئِذٍ بِالْوَصْفِ كَقَوْلِك: تِسْعَة أَكثر من ثَمَانِيَة، وَثَلَاثَة نصف السِّتَّة، والعطف كَقَوْلِك: وَاحِد وَاثْنَانِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة، لِأَنَّهَا بِالصّفةِ وبالعطف صَارَت متمكنة، فاستحقت الْإِعْرَاب، وعَلى هَذَا الحكم تجْرِي أَسمَاء حُرُوف الهجاء، فتبنى على السّكُون إِذا تليت مقطعَة وَلم يخبر عَنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كهيعص﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿عسق﴾ ، وتعرب إِذا عطف بَعْضهَا على بعض، كَمَا حكى الْأَصْمَعِي قَالَ: أَنْشدني عِيسَى بن عمر بَيْتا هجا بِهِ النَّحْوِيين قَالَ: (إِذا اجْتَمعُوا على ألف وباء ... وتاء، هاج بَينهم قتال) فَإِن عورض ذَلِك بِفَتْح الْمِيم من قَوْله تَعَالَى فِي مفتتح سُورَة آل عمرَان ﴿آلم الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ ، فَالْجَوَاب عَنهُ أَن أصل الْمِيم السّكُون، وَإِنَّمَا فتحت لالتقاء الساكنين وهما الْمِيم وَاللَّام من اسْم الله تَعَالَى. وَكَانَ الْقيَاس أَن تكسر على مَا يُوجِبهُ

стр. 203

التقاء الساكنين، إِلَّا أَنهم كَرهُوا الْكسر لِئَلَّا يجْتَمع فِي الْكَلِمَة كسرتان بَينهمَا يَاء هِيَ أصل الكسرة، فتثقل الْكَلِمَة. فَلذَلِك عدل إِلَى الفتحة الَّتِي هِيَ أخف كَمَا بنى لهَذِهِ الْعلَّة كَيفَ، وَأَيْنَ، على الْفَتْح. [١٧٥] وَيَقُولُونَ: مَا أحسن لبس الْفرس إِشَارَة إِلَى تجفافها، فيضمون اللَّام من لبس، وَالصَّوَاب كسرهَا، كَمَا يُقَال لكسوة الْبَيْت: لبس، ولغشاء الهودج: لبس، وَمِنْه قَول حميد بن ثَوْر . (فَلَمَّا كشفن اللّبْس عَنهُ مسحنه ... بأطراف طِفْل زَان غيلا موشما) [١٧٦] وَيَقُولُونَ: مائَة ونيف، بِإِسْكَان الْيَاء، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: نَيف بتشديدها، وَهُوَ مُشْتَقّ من قَوْلهم: أناف ينيف على الشَّيْء إِذا أشرف عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ لما زَاد على الْمِائَة صَار بِمَثَابَة المشرف عَلَيْهَا، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (حللت برابية، رَأسهَا ... على كل رابية نَيف) وَقد اخْتلف فِي مِقْدَار النيف، فَذكر أَبُو زيد أَنه مَا بَين الْعقْدَيْنِ وَقَالَ غَيره: هُوَ من الْوَاحِد إِلَى الثَّلَاثَة. فَأَما الْبضْع فَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِيمَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر. وَقيل: بل هُوَ دون

стр. 204

نصف العقد، وَقد أثر القَوْل الأول إِلَى النَّبِي ﷺ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين كَانُوا يحبونَ أَن تظهر الرّوم على فَارس، لأَنهم أهل كتاب، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يميلون إِلَى أهل فَارس لأَنهم أهل أوثان، فَلَمَّا بشر الله تَعَالَى الْمُسلمين بِأَن الرّوم سيغلبون فِي بضع سِنِين، سر الْمُسلمُونَ بذلك حَتَّى أَن أَبَا بكر ﵁ بَادر إِلَى مُشْركي قُرَيْش، فَأخْبرهُم بِمَا نزل عَلَيْهِم فِيهِ، فَقَالَ لَهُ أبيّ بن خلف: خاطرني على ذَلِك، فخاطره على خمس قَلَائِص، وَقدر لَهُم مُدَّة ثَلَاث سِنِين، ثمَّ أَتَى النَّبِي ﷺ وَسَأَلَهُ: كم الْبضْع فَقَالَ: مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، فَأخْبرهُ بِمَا خاطر فِيهِ أبيّ بن خلف، فَقَالَ: مَا حملك على تقريب الْمدَّة قَالَ: الثِّقَة بِاللَّه وَرَسُوله، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : عد إِلَيْهِم فزدهم فِي الْخطر وازدد فِي الْأَجَل، فَزَادَهُم قلوصين، وازداد مِنْهُم فِي الْأَجَل سنتَيْن، فأظفر الله تَعَالَى الرّوم بِفَارِس قبل انْقِضَاء الْأَجَل الثَّانِي تَصْدِيقًا لتقدير أبي بكر ﵁. [١٧٧] وَيَقُولُونَ لمن يصغر عَن فعل شَيْء: هُوَ يصبو عَنهُ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: هُوَ يصبى عَنهُ، لِأَن الْعَرَب تَقول: صبا من اللَّهْو يصبو صبوا والفعلة مِنْهُ صبوة، وصبى من فعل الصبى يصبى صبى بِكَسْر الصَّاد وَالْقصر، وصباء بِفَتْحِهَا وَالْمدّ، والفعلة مِنْهُ صبية، وَمِنْه قَول الراجز: (أَصبَحت لَا يحمل بَعْضِي بَعْضًا ... كَأَنَّمَا كَانَ صبائي قرضا)

стр. 205

فالفعل الأول من الْوَاو وَالثَّانِي من الْيَاء. وَمثله قَوْلهم للمعرض عَنْك: هُوَ يلهو عَن شغلي، وَوجه الْكَلَام يلهي لِأَن الْعَرَب تَقول: لَهَا يلهو من اللَّهْو، ولهى عَن الشَّيْء يلهى إِذا شغل عَنهُ، وَمِنْه الحَدِيث: إِذا اسْتَأْثر الله بِشَيْء فالهَ عَنهُ وَجَاء فِي الْأَثر أَيْضا: إِذا وجدت البلل بعد الْوضُوء فالهَ عَنهُ، أَي أعرض عَنهُ. [١٧٨] وَيَقُولُونَ: فعلته مجراك، فيحيلونه فِي بنيته ويحرفونه عَن صيغته، لِأَن كَلَام الْعَرَب: فعلته من جرّاك، وَفِي الحَدِيث: أَن امْرَأَة دخلت النَّار من جرّا هرة، ربطتها فَلم تطعمها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض . وَمعنى قَوْلهم: فعلته من جرّاك أَي من جريرتك، كَمَا أَن معنى قَوْلهم: من أَجلك، أَي من كسبك وجنايتك، وَعَلِيهِ فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل﴾ ، وَالْعرب تَقول: فعلته من أَجلك وإجلك، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا، وفعلته من أَجلك وجرّاك وجرائك بِالْقصرِ وَالْمدّ، وَأنْشد اللحياني شَاهدا على هَاتين اللغتين فِيهِ: (أَمن جرّا بني أَسد غضبتم ... وَلَو شِئْتُم لَكَانَ لكم جوَار) (وَمن جرائنا صرتم عبيدا ... لقوم بَعْدَمَا وطئ الخبار)

стр. 206

[١٧٩] وَيَقُولُونَ للرجل المضيع لأَمره، المتعرض لاستدراكه بعد فَوته: الصَّيف ضيعت اللَّبن، وبفتح التَّاء، وَالصَّوَاب أَن يُخَاطب بِكَسْرِهَا، وَإِن كَانَ مذكرا، لِأَنَّهُ مثل والأمثال تحكى على أصل صيغتها وأولية وَضعهَا، وَهَذَا الْمثل وضع فِي الِابْتِدَاء بِكَسْر التَّاء لمخاطبة الْمُؤَنَّث بِهِ، وَأَصله أَن عمرا ابْن عَمْرو بن عدس كَانَ تزوج ابْنة عَم أَبِيه دختنوس بنت لَقِيط بن زُرَارَة بَعْدَمَا أسنّ، وَكَانَ أَكثر قومه مَالا، ففركته وَلم تزل تسأله الطَّلَاق حَتَّى طَلقهَا، فَتَزَوجهَا عُمَيْر بن معبد ابْن زُرَارَة، وَكَانَ شَابًّا مملقا، فمرت بهَا ذَات يَوْم إبل عَمْرو، وَكَانَت فِي ضرّ، فَقَالَت لخادمتها: قولي لَهُ: ليسقنا من اللَّبن، فَلَمَّا أبلغته قَالَ لَهَا: الصَّيف ضيعت اللَّبن، فَلَمَّا أدَّت جَوَابه إِلَيْهَا ضربت بِيَدِهَا على كتف زَوجهَا وَقَالَت: هَذَا ومذقه خير، وَإِنَّمَا خص الصَّيف بِالذكر لِأَنَّهَا كَانَت سَأَلته الطَّلَاق فِيهِ، فَكَأَنَّهَا يَوْمئِذٍ ضيعت اللَّبن . وينخرط فِي هَذَا السلك مَا أنشدته فِي أَبْيَات الْمعَانِي. (قَالَت لَهُ وَهُوَ بعيش ضنك ... لَا تكثري لومي وخلي عَنْك) وَمَعْنَاهُ أَن هَذَا الرجل الْمُخَاطب كَانَ يبذر فِي مَاله، فَإِذا عذلته زَوجته على إسرافه قَالَ لَهَا: لَا تكثري لومي وخلي عَنْك، فَلَمَّا نفذ مَاله، وَسَاءَتْ حَاله، قَالَت لَهُ: أما تذكر قَوْلك عِنْد نصحي لَك: لَا تكثري لومي وخلي عَنْك وقصدت أَن تندمه على إِضَاعَة مَاله، وَتبين لَهُ فيالة رَأْيه. وَمن أوهامهم فِي هَذَا الْفَنّ أَنهم ينشدون بَيت ذِي الرمة: (سَمِعت: النَّاس ينتجعون غيثا ... فَقلت لصيدح: انتجعي بِلَالًا)

стр. 207

فَيَنْصبُونَ لَفْظَة النَّاس على الْمَفْعُول وَلَا يجوز ذَلِك لِأَن النصب يَجْعَل الانتجاع مِمَّا يسمع، وَمَا هُوَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَن ينشد بِالرَّفْع على وَجه الْحِكَايَة، لِأَن ذَا الرمة سمع قوما يَقُولُونَ: النَّاس ينتجعون غيثا، فَحكى مَا سمع على وَجه اللَّفْظ الْمَنْطُوق بِهِ. وَفسّر بَعضهم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلام على إِبْرَاهِيم﴾ انه على الْحِكَايَة، وان المُرَاد بِهِ أَن يُقَال لَهُ فِي الآخرين: سَلام على إِبْرَاهِيم، وَتشهد الْآيَة باتقاق كَافَّة أهل الْملَل على الْإِيمَان بنبوته وَالتَّسْلِيم عَلَيْهِ عِنْد مَوته. وَذكر أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جنى قَالَ: أَنْشدني شَيخنَا أَبُو عليّ الْفَارِسِي قَول الشَّاعِر: (تنادوا بالرحيل غَدا ... وَفِي ترحالهم نَفسِي) فَأجَاز فِي الرحيل ثَلَاثَة أوجه: الْجَرّ بِالْبَاء وَالرَّفْع وَالنّصب على الْحِكَايَة، فحكاية الرّفْع كَأَنَّهُمْ قَالُوا: الرحيل غَدا، وحكاية النصب على تَقْدِير قَوْلهم: اجعلوا الرحيل غَدا. [١٨٠] وَيَقُولُونَ طرده السُّلْطَان . وَوجه الْكَلَام اطرده، لِأَن معنى طرده أبعده بِيَدِهِ أَو بِآلَة فِي كَفه، كَمَا يُقَال: طردت الذُّبَاب عَن الشَّرَاب، وَمَا الْمَقْصُود هَذَا الْمَعْنى، بل المُرَاد بِهِ أَن السُّلْطَان أَمر بِإِخْرَاجِهِ عَن الْبَلَد، وَالْعرب تَقول فِي مثله: اطرده، كَمَا تَقول: أطْرد فلَان ابله، أَي أَمر بطردها، والطرد بتسكين الرَّاء: الْمصدر، وبالفتح: مطاردة الصَّيْد، والطريدة: هِيَ الصَّيْد. [١٨١] وَيَقُولُونَ لما ينْبت من الزَّرْع بالمطر: بخس . فيلفظون بِمَا تلفظ بِهِ

стр. 208

الْعَجم وَلَا تعرفه الْعَرَب، وَوجه القَوْل أَن يُقَال فِيهِ: طَعَام عذيّ كَمَا يَقُولُونَ: أَرض عذاة وعذية، إِذا كَانَت لينَة تكتفي بِمَاء الْمَطَر. [١٨٢] وَيَقُولُونَ هاون وراوق، فيوهمون فيهمَا إِذْ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب فَاعل وَالْعين مِنْهُ وَاو، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فيهمَا: هاوون وراووق، لينتظما فِيمَا جَاءَ على فاعول مثل قَارون وفاروق وماعون، وَعَلِيهِ قَول زيد بن عدي العباديّ: (ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا ابريق) (فدمته على عقار كعين الديك ... صفى سلافها الراووق) ولهذه الْقطعَة حِكَايَة تنشر مآثر الأجواد، وترغب المتأدب فِي الازدياد، وَهِي مَا حَكَاهُ حَمَّاد الراوية قَالَ: كنت مُنْقَطِعًا إِلَى يزِيد بن عبد الْملك، وَكَانَ أَخُوهُ هِشَام يجفوني

стр. 209

لذَلِك فِي أَيَّامه، فَلَمَّا مَاتَ يزِيد، وأفضت الْخلَافَة إِلَى هِشَام خفته، فَمَكثت فِي بَيْتِي سنة لَا أخرج إِلَّا لمن أَثِق بِهِ من إخْوَانِي سرا، فَلَمَّا لم أسمع أحدا يذكرنِي فِي السّنة أمنت، وَخرجت فَصليت الْجُمُعَة فِي الرصافة، فَإِذا شرطيان قد وَقفا عليّ، فَقَالَا: يَا حَمَّاد اجب الْأَمِير يُوسُف بن عمر، فَقلت فِي نَفسِي: من هَذَا كنت أَخَاف، فَقلت: هَل لَكمَا أَن تدعاني حَتَّى آتِي أَهلِي فأودعهم وداع من لَا يرجع إِلَيْهِم أبدا، ثمَّ أصير مَعَكُمَا إِلَيْهِ فَقَالَا: مَا إِلَى ذَلِك من سَبِيل. فاستسلمت فِي أَيْدِيهِمَا وصرت إِلَى يُوسُف بن عمر، وَهُوَ فِي الإيوان الْأَحْمَر، فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عليّ السَّلَام وَرمى إليّ كتابا فِيهِ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. من عبد الله هَاشم أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يُوسُف بن عمر، أما بعد، فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا فَابْعَثْ إِلَى حَمَّاد الراوية من يَأْتِيك بِهِ من غير تروع وَلَا تتعتع، وادفع إِلَيْهِ خَمْسمِائَة دِينَار وجملا مهريا يسير عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة إِلَى دمشق، فَأخذت الدَّنَانِير وَنظرت، فَإِذا جمل مرحول، فَجعلت رجْلي فِي الغرز وسرت اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة، حَتَّى وافيت دمشق، وَنزلت على بَاب هِشَام، فاستأذنت فَأذن لي، فَدخلت عَلَيْهِ فِي دَار قورآء، مفروشة بالرخام، وَبَين كل رخامتين قضيب من ذهب، وَهِشَام جَالس على طنفسة حَمْرَاء، وَعَلِيهِ ثِيَاب حمر من الْخَزّ، وَقد تضمخ بالمسك والعنبر، فَسلمت، فَرد عَليّ السَّلَام، واستدناني، فدنوت إِلَيْهِ حَتَّى قبلت رجله، فَإِذا جاريتان لم أر مثلهمَا قطّ، وَفِي أُذُنِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حلقتان، فيهمَا لؤلؤتان تتوقدان، فَقَالَ لي: كَيفَ أَنْت يَا حَمَّاد وَكَيف حالك قلت: بِخَير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: أَتَدْرِي فيمَ بعثت إِلَيْك قلت: لَا، قَالَ: بعثت إِلَيْك لبيت خطر ببالي لم أدر من قَائِله، قلت وَمَا هُوَ فَقَالَ: (ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق) فَقلت: يَقُوله عدي بن زيد فِي قصيدة لَهُ، قَالَ: أنشدنيها، فَأَنْشَدته: (بكر العاذلون فِي وضح الصُّبْح ... يَقُولُونَ لي أما تستفيق) (ويلومون فِيك يَا ابْنة عبد الله ... وَالْقلب عنْدكُمْ موهوق) (لست أَدْرِي إِذْ أَكْثرُوا العذل فِيهَا ... أعدو يلومني أم صديق)

стр. 210

(ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق) (فدمته على عقار كعين الديك ... صفى سلافها الراووق) (مزة قبل مزجها فَإِذا مَا ... مزجت، لذ طعمها من يَذُوق) (وطفا فَوْقهَا فقاقيع كالياقوت ... حمر يزينها التصفيق) (ثمَّ كَانَ المزاج مَاء سَحَاب ... لَا صرى آجن وَلَا مطروق) قَالَ: فطرب، ثمَّ قَالَ: أَحْسَنت وَالله يَا حَمَّاد، يَا جَارِيَة اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بِثلث عَقْلِي، فَقَالَ: أعده، فاستخفه الطَّرب، حَتَّى نزل عَن فرشه، ثمَّ قَالَ لِلْجَارِيَةِ الْأُخْرَى، اسقيه، فسقتني، فَذهب ثلث آخر من عَقْلِي، فَقلت إِن سقيت الثَّالِثَة افتضحت، ثمَّ قَالَ لي: سل حَاجَتك، فَقلت: كائنة مَا كَانَت قَالَ: نعم، قلت: إِحْدَى الجاريتين، قَالَ: هما جَمِيعًا لَك بِمَا عَلَيْهِمَا وَمَا لَهما، ثمَّ قَالَ للأولى: اسقيه فسقتني شربة سَقَطت مِنْهَا، فَلم أَعقل حَتَّى أَصبَحت، والجاريتان عِنْد رَأْسِي، وَإِذا عشرَة من الخدم مَعَ كل وَاحِدَة بدرة، فَقَالَ أحدهم: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول: خُذ هَذِه فَانْتَفع بهَا فِي سفرك، فأخذتها والجاريتين وعاودت أَهلِي. [١٨٣] وَيَقُولُونَ شفعت الرسولين بثالث، فيوهمون فِيهِ، لِأَن الْعَرَب تَقول: شفعت الرَّسُول بآخر، أَي جعلتهما اثْنَيْنِ، ليطابق هَذَا القَوْل معنى الشفع الَّذِي هُوَ فِي

стр. 211

كَلَامهم بِمَعْنى اثْنَيْنِ، فَأَما إِذا بعثت ثَالِثا، فَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: عززت الرسولين بثالث، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ وَالْمعْنَى فِي عززته قويته. وَمن كَلَام الْعَرَب: أعززت الرجل، أَي جعلته عَزِيزًا، وعززته، أَي جعلته قَوِيا، فَإِن واترت الرُّسُل فَالْأَحْسَن أَن تَقول: قفيت بالرسل، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قفينا على آثَارهم برسلنا وقفينا بِعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ . [١٨٤] وَيَقُولُونَ للبلدة الَّتِي استحدثها المعتصم بِاللَّه سامرا، فيوهمون فِيهِ كَمَا وهم البحتري فِيهَا إِذْ قَالَ فِي صلب بابك: (أخليت مِنْهُ البذ وَهِي قراره ... ونصبته علما بسامراء) وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا: سر من رأى على مَا نطق بهَا فِي الأَصْل، لِأَن الْمُسَمّى بِالْجُمْلَةِ يَحْكِي على صيغته الْأَصْلِيَّة، كَمَا يُقَال: جَاءَ تأبط شرا وَهَذَا ذرى حبا، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تنكحونها ... بني شَاب قرناها تصر وتحلب) يَعْنِي بنى الَّتِي تسمى شَاب قرناها، وَلِهَذَا نَظَائِر فِي كَلَام الْعَرَب وأشعارهم ومحاوراتهم وأمثالهم. وحكاية الْمُسَمّى بِالْجُمْلَةِ من مقاييس أصولهم وأوضاعهم، فَلهَذَا وَجب أَن ينْطق باسم الْبَلدة الْمشَار إِلَيْهَا على صيغتها الْأَصْلِيَّة من غير تَحْرِيف فِيهَا، وَلَا تَغْيِير لَهَا وَذَلِكَ

стр. 212

أَن المعتصم بِاللَّه حِين شرع فِي إنشائها ثقل ذَلِك على الْعَسْكَر، فَلَمَّا انْتقل بهم إِلَيْهَا سر كل مِنْهُم برؤيتها، فَقيل فِيهَا: سر من رأى، ولزمها هَذَا الِاسْم وَعَلِيهِ قَول دعبل فِي ذمها: (بَغْدَاد دَار الْمُلُوك كَانَت ... حَتَّى دهاها الَّذِي دهاها) (مَا سر من را بسر من رابل ... هِيَ بؤس لمن راها) وَعَلِيهِ أَيْضا قَول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر فِي صفة الشعري: أَقُول لما هاج قلبِي الذكرى واعترضت وسط السَّمَاء الشعري) (كَأَنَّهَا ياقوتة فِي مدرى ... مَا أطول اللَّيْل بسر من را) فَنَطَقَ الشاعران باسمها على وَضعه، وسابق صيغته وَإِن كَانَا قد حذفا همزَة: رأى لإِقَامَة الْوَزْن وَتَصْحِيح النّظم. [١٨٥] وَيَقُولُونَ لما يجمد من فرط الْبرد: قريض بالصَّاد، فيوهمون فِيهِ كَمَا وهم بعض الْمُحدثين فِيمَا كتب إِلَى صديق لَهُ يَدعُوهُ: (عندنَا قبح مصوص ... وَلنَا جدي قريص) (وَمن الْحَلْوَاء لونان ... عقيد وخبيص) (ونبيذ لَو خرطناه ... أَتَت مِنْهُ فصوص)

стр. 213

وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: قريس بِالسِّين لاشتقاقه من القرس، وَهُوَ الْبرد، وَمِنْه الحَدِيث: قرسوا المَاء فِي الشنان أَي بردوه، وَيدل عَلَيْهِ قَول أبي زبيد: (وَقد تصليت حر حربهم ... كَمَا تصلى المقرور من قرس) وَقد يُقَال بِإِسْكَان الرَّاء وَالشَّاهِد عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر: (مطاعين فِي الهيجا مطاعيم فِي القوى ... إِذا اصفر آفَاق السَّمَاء من القرس) يَعْنِي بالقوى الْمَكَان القفر. وَقد رَوَاهُ بَعضهم مطاعيم فِي الْقرى وَالرِّوَايَة الأولى أفخم فِي الْمَعْنى وأبلغ فِي الْمَدْح، وَأما القارص بالصَّاد فَهُوَ الَّذِي يلذع اللِّسَان، وَيُقَال مِنْهُ: لبن قارص، ونبيذ قارص.

стр. 214

[١٨٦] وَيَقُولُونَ: قَتله الْحبّ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: اقتتله، كَمَا قَالَ ذُو الرمة: (إِذا مَا امْرُؤ حاولن أَن يقتتلنه ... بِلَا احنة بَين النُّفُوس وَلَا ذحل) (تبسمن عَن نور الأقاحي فِي الثرى ... وفترن من ابصار مضروجة كحل) وعنى بِهِ عين البرقع. وَيُقَال أَيْضا: اقتتل فلَان، إِذا قتلته عين النِّسَاء وَالْجِنّ. [١٨٧] وَيَقُولُونَ: مَا كَانَ ذَلِك يعرضك لهَذَا الْأَمر، بِضَم الْيَاء وَكسر الرَّاء وتشديدها . وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مَا يعرضك لهَذَا الْأَمر بِفَتْح الْيَاء وَضم الرَّاء، أَي مَا ينصب عرضك، وَعرض الشَّيْء جَانِبه، وَمِنْه قَوْلهم: اضْرِب بِهِ عرض الْحَائِط، أَي جَانِبه، أَي أحد نواحيه، وَأما الْخَبَر: كل الْجُبْن

стр. 215

عرضا، أَي مِمَّن يعْتَرض، وَلَا تفحص عَنهُ هَل جبنه مُسلم أَو مُشْرك. [١٨٨] وَيَقُولُونَ: مَا كَانَ ذَلِك فِي حسابي، أَي فِي ظَنِّي، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: مَا كَانَ ذَلِك فِي حسباني، لِأَن الْمصدر من حسبت بِمَعْنى ظَنَنْت محسبة وحسبان بِكَسْر الْحَاء، فَأَما الْحساب فَهُوَ اسْم للشَّيْء المحسوب . وَاسم الْمصدر من حسبت الشَّيْء بِمَعْنى عددته الحسبان، بِضَم الْحَاء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: و ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ وَقد جَاءَ الحسبان بِمَعْنى الْعَذَاب، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَيُرْسل عَلَيْهَا حسبانا من السَّمَاء﴾ وَأَصله السِّهَام الصغار، الْوَاحِدَة حسبانة. [١٨٩] وَيَقُولُونَ: تنوق فِي الشَّيْء . والأفصح أَن يُقَال: تأنق، كَمَا روى للمنصور ﵀:
следующие страницы →