← Язык

Язык · id 6920

درة الغواص في أوهام الخواص

الحريري

Полный текст (284 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَأَوَّلْتهَا الْفِعْل كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا﴾ ، وَكَذَلِكَ حرف لم فَإِذا زيدت عَلَيْهَا مَا - وَهِي أَيْضا حرف - صَارَت لمّا اسْما فِي بعض المواطن بِمَعْنى حِين ووليها الْفِعْل الْمَاضِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَت رسلنَا لوطا﴾ وَهَكَذَا قل وَطَالَ لَا يجوز أَن يليهما الْفِعْل، فَإِن وصلا بِمَا وليهما الْفِعْل، كَقَوْلِك: طالما زرتك وقلما هجرتك. [٥٤] وَيَقُولُونَ: ثفل فِي عينه بثاء مُعْجمَة بِثَلَاث، فيصحفون فِيهِ لِأَن الْمَنْقُول عَن الْعَرَب تفل باعجام اثْنَتَيْنِ من فَوق . وَحكى الْفراء عَن الْكسَائي أَن الْعَرَب تَقول: تفل فِي عَيْني وَنَفث، فالتفل مَا صَحبه شَيْء من الرِّيق، والنفث النفخ بِلَا ريق، وَمِنْه قَوْله ﷺ : ان روح الْقُدس نفث فِي روعي، ان نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستكمل رزقها، فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب. وَنَظِير هَذَا التَّصْحِيف قَوْلهم فِي الفرصاد: توث، بالثاء الْمُعْجَمَة بِثَلَاث، كَمَا قَالَ النَّهْشَلِي: (لروضة من رياض الْحزن أَو طرق ... من الْقرْيَة خزن غير محروث)

стр. 72

(أحلى وأشهى لعَيْنِي إِن مَرَرْت بِهِ ... من كرخ بغداذ ذِي الرُّمَّان والتوت) وَالصَّحِيح أَنَّهَا بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق. وَعند بعض أهل اللُّغَة أَن الفرصاد اسْم للثمرة والتوث اسْم للشجرة. ونقيض هذَيْن التصحيفين قَوْلهم لثفل مَا يعصر تجير باعجام اثْنَتَيْنِ من فَوق وَهُوَ بالثاء الْمُعْجَمَة بِثَلَاث. وَقَوْلهمْ أَيْضا للوعل المسن: تيتل بتائين تكتنفان الْيَاء كلتاهما مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق، وَهُوَ فِي كَلَام الْعَرَب الثيتل باعجام الأولى مِنْهُمَا بِثَلَاث، فَأَما قَول الشَّاعِر الْأَشْجَعِيّ: (وعدت فَكَانَ الْخلف مِنْك سجية ... مواعيد عرقوب أَخَاهُ بيترب) فَأكْثر الروَاة يَرْوُونَهُ بِيَثْرِب، ويعنون بِهِ الْمَدِينَة، وَأنكر ابْن الْكَلْبِيّ ذَلِك، وحقق ان الرِّوَايَة بيترب بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق، وَهُوَ مَوضِع يقرب من الْيَمَامَة ويتاخم منَازِل العمالقة. وَاحْتج فِي ذَلِك بِأَن عرقوبا كَانَ من العمالقة الَّذين لم ينزلُوا الْمَدِينَة. [٥٥] وَيَقُولُونَ: أزمعت على الْمسير وَوجه الْكَلَام: أزمعت الْمسير كَمَا قَالَ عنترة: (إِن كنت أزمعت الْمسير فَإِنَّمَا ... رمت ركابكم بلَيْل مظلم) وَفِي معنى أزمعت لَفْظَة أَجمعت إِلَّا أَنه يجوز فِي أَجمعت خَاصَّة تعديتها بِنَفسِهَا وبلفظة على، فَيُقَال: أَجمعت الْأَمر وأجمعت عَلَيْهِ. وَفِي الْقُرْآن: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ وَيسْأل عَن وَجه انتصاب لَفْظَة

стр. 73

﴿وشركاءكم﴾ إِذْ الْعَطف مُمْتَنع هَاهُنَا، لِأَنَّهُ لَا يُقَال: أَجمعت شركائي، وَأجِيب عَنهُ بجوابين. أَحدهمَا: أَنه انتصب انتصاب الْمَفْعُول مَعَه، فَتكون الْوَاو بِمَعْنى مَعَ لَا أَنَّهَا وَاو الْعَطف، وَيكون تَقْدِير الْكَلَام: اجْتَمعُوا مَعَ شركائكم على تَدْبِير أَمركُم. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَنه انتصب على إِضْمَار فعل حذف لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ وَتَقْدِيره لَو ظهر: وَادعوا شركاءكم، فَتكون الْوَاو على هَذَا القوله قد عطفت فعلا مضمرا على فعل مظهر كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) وَالرمْح لَا يتقلد بِهِ، وَإِنَّمَا تَقْدِيره: وحاملا رمحا. ويضاهي لَفْظَة أَجمعت فِي تعديتها بِنَفسِهَا تَارَة وبحرف الْجَرّ أُخْرَى لَفْظَة عزمت، فَيُقَال عزمت على الْأَمر وعزمته، كَمَا قَالَ : ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ . [٥٦] وَيَقُولُونَ: أحدرت السَّفِينَة وَقد آن إحدارها، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال:

стр. 74

حدرتها، وَقد آن حدرها، وَهِي فِي غَد محدورة. وَكَذَا يَقُولُونَ: أعلفت الدَّابَّة وَالصَّوَاب علفت قَالَ الشَّاعِر: (إِذا كنت فِي قوم عدا لست مِنْهُم ... فَكل مَا علفت من خَبِيث وَطيب) [٥٧] وَيَقُولُونَ فِي جمع فَم أفمام وَهُوَ من أوضح الأوهام، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: أَفْوَاه، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ ، وَذَلِكَ أَن الأَصْل فِي فَم فوه على وزن سَوط، فحذفت الْهَاء تَخْفِيفًا لشبهها بحروف اللين فَبَقيَ الِاسْم على حرفين: الثَّانِي مِنْهُمَا حرف لين، فَلم يرَوا إِيقَاع الاعراب عَلَيْهِ لِئَلَّا تثقل اللَّفْظَة وَلم يرَوا حذفه لِئَلَّا يجحفوا بِهِ، فأبدلوا من الْوَاو ميما، فَقَالُوا: فَم لِأَن مخرجهما من الشّفة . وَالدَّلِيل على أَن الأَصْل فِي فَم الْوَاو قَوْلهم: تفوهت بِكَذَا، وَرجل أفوه، وَلم يَقُولُوا تفممت وَلَا رجل أفم وَأكْثر مَا يسْتَعْمل بِالْمِيم عِنْد الْأَفْرَاد، فَأَما قَول العجاج: (خالط من سلمى خياشيم وفا )

стр. 75

فَقيل: أَنه أَرَادَ وفاها، فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَقيل: عني وفما. وَقَوْلهمْ فِي تصغيره فويه، لِأَن التصغير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا كَمَا يُقَال فِي تَصْغِير حر حريح لِأَن أَصله حرح، وَيُقَال فِي تَصْغِير السِّت من الْعدَد: سديسة، لِأَن أَصْلهَا سدس لاشتقاقه من التسديس كَمَا أَن اشتقاق خَمْسَة من التخميس وألحقت الْهَاء بهَا عِنْد التصغير، لِأَنَّهَا من الْمُؤَنَّث الثلاثي. ثمَّ إِن الْعَرَب قصرت اسْتِعْمَال فَم عِنْد إِفْرَاده، واختارت رده إِلَى أَصله عِنْد إِضَافَته، فَقَالُوا عِنْد الْإِضَافَة: نطق فوه، وَقبل فَاه، وَأدْخل إصبعه فِي فِيهِ، كَمَا قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه: (هَذَا جناي وخياره فِيهِ ... إِذْ كل جَان يَده إِلَى فِيهِ) إِلَّا أَنه قد سمع عَنْهُم الْإِضَافَة إِلَى الْمِيم كَقَوْل الراجز: (يصبح عطشان وَفِي الْبَحْر فَمه ) وَأما قَول الفرزدق: (هما نفثا فِي فِي من فمويهما ... على النابح العاوي أَشد رجام) فَإِنَّهُ جمع للضَّرُورَة بَين الْعِوَض والمعوض عَنهُ كَمَا فعل الراجز فِي قَوْله: (إِن إِذا مَا حدث ألما ... أَقُول يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّ)

стр. 76

فَجمع بَين يَاء النداء وَالْمِيم الْمُشَدّدَة الَّتِي هِيَ عِنْد الْخَلِيل بدل من يَاء المناداة. [٥٨] وَيَقُولُونَ فِي تَصْغِير عقرب عقيربة، فيوهمون فِيهِ وهم من لم يسْتَقرّ كَلَام الْعَرَب، وَلَا عشا إِلَى جذوة الْأَدَب لِأَن الْعَرَب تصغرها على عقيرب، كَمَا تصغر زَيْنَب على زيينب، وَذَلِكَ أَن الْهَاء إِنَّمَا ألحقت فِي تَصْغِير الثلاثي، نَحْو قدر وقديرة وشمس وشميسة، فَأَما الرباعي فَإِنَّهُ لما ثقل بِكَثْرَة حُرُوفه نزل الْحَرْف الْأَخير مِنْهُ منزلَة هَاء التَّأْنِيث، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ منع سعاد من الصّرْف كَمَا منع مَا فِيهِ الْهَاء، فَلَمَّا حل الْحَرْف الْأَخير من الرباعي الْمُؤَنَّث مَحل الْهَاء من الثلاثي لم يجز أَن تدخل عَلَيْهِ الْهَاء، كَمَا لَا تدخل على هَاء التَّأْنِيث هَاء أُخْرَى . وَمن أوهامهم أَيْضا فِي التصغير قَوْلهم فِي تَصْغِير ذِي الْمَوْضُوعَة للْإِشَارَة إِلَى الْمُؤَنَّث: ذيا، فيخطئون فِيهِ، لِأَن الْعَرَب جعلت تَصْغِير ذيا لذا الْمَوْضُوعَة للْإِشَارَة إِلَى

стр. 77

الْمُذكر وَلم تصغر ذِي الْمَوْضُوعَة للْإِشَارَة إِلَى الْمُؤَنَّث على لَفظهَا، لِئَلَّا تَلْتَبِس بتصغير ذَا بل عدلت فِي تَصْغِير الِاسْم الْمَوْضُوع للْإِشَارَة إِلَى الْمُؤَنَّث عَن ذِي إِلَى تا، فصغرته على تيا، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: (أتشفيك تيا أم تركت بدائكا ... وَكَانَت قتولا للرِّجَال كذلكا) [٥٩] وَيَقُولُونَ رجل دنيائي، بِهَمْزَة قبل يَاء النّسَب، فيلحنون فِيهِ، لِأَن المسموع عَن الْعَرَب فِي النّسَب إِلَى دنيا دنيي ودنيوي، وَفِيهِمْ من شبه ألفها بِأَلف بَيْضَاء لِكَوْنِهِمَا علامتي التَّأْنِيث، فَقَالُوا فِيهَا: دنياوي، كَمَا قيل فِي بَيْضَاء: بيضاوي، فَأَما إِلْحَاق الْهمزَة بهَا فَلَا وَجه لَهُ، لِأَنَّهُ اسْم مَقْصُور غير مَصْرُوف والهمزة إِنَّمَا تلْحق بالممدود

стр. 78

المنصرف، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى سَمَاء وحرباء: سمائي وحربائي، على أَنه قد جوز فيهمَا سماوي وجرباوي. وَمن أوهامهم فِي لَفْظَة دنيا أَيْضا تنوينهم إِيَّاهَا فَيَقُولُونَ: هَذِه دنيا متعبة، وَهُوَ من شائن الْوَهم ومقابح اللّحن، لِأَن دنيا وَمَا هُوَ على وَزنهَا، مِمَّا لَا ينْصَرف فِي معرفَة وَلَا نكرَة لَا يدْخلهُ التَّنْوِين بِحَال، وَإِنَّمَا لم ينْصَرف مَا أنث بِالْألف فِي معرفَة وَلَا نكرَة، وَانْصَرف مَا أنث بِالْهَاءِ فِي النكرَة، وكلتاهما عَلامَة للتأنيث لِأَن التَّأْنِيث بِالْألف أقوى من التَّأْنِيث بِالْهَاءِ، بِدَلِيل أَن الْكَلِمَة المؤنثة بِالْألف نَحْو حُبْلَى وسكرى وحمراء وخضراء صيغت فِي بدئها، وَأول وَضعهَا على التَّأْنِيث، فقوى تخصصها بالأنوثة ونابت هَذِه الْعلَّة مناب علتين، فمنعت الصّرْف بالواحدة، والتأنيث بِالْهَاءِ ملتحق بِالْكَلِمَةِ بعد اسْتِعْمَالهَا فِي الْمُذكر نَحْو قَوْلك: عائش وَعَائِشَة وخديج وَخَدِيجَة فَلهَذَا حط من دَرَجَة مَا أنث بِالْألف وَصرف فِي النكرَة. [٦٠] وَيَقُولُونَ: مَا آلَيْت جهداً فِي حَاجَتك، فيخطئون فِيهِ، لِأَن معنى مَا آلَيْت، مَا حَلَفت، وَتَصْحِيح الْكَلَام فِيهِ أَن يُقَال: مَا ألوت، أَي مَا قصرت لِأَن الْعَرَب تَقول: أَلا الرجل يألو، إِذا قصر وفتر . وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ: إِذا قيل لَك: مَا ألوت فِي حَاجَتك. فَقل، بلَى أَشد الألو. وَقد أجَاز بَعضهم أَن يُقَال: مَا أليت فِي حَاجَتك بتَشْديد اللَّام، وَاسْتشْهدَ عَلَيْهِ بقول زُهَيْر بن جناب: (وَإِن كنائني لمكرمات ... وَمَا ألى بني وَلَا أساءوا)

стр. 79

وَلَفْظَة ألوت لَا تسْتَعْمل فِي الْوَاجِب الْبَتَّةَ مثل لَفْظَة أحد وقط وصافر وديار وكمثل لَا جرم وَلَا بُد ونظائره، وَكَذَلِكَ لَفْظَة الرَّجَاء الَّذِي بِمَعْنى الْخَوْف، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا﴾ ، أَي لَا تخافون وكما قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: (إِذا لسعته النَّحْل لم يرج لسعها ... وحالفها فِي بَيت نوب عوامل) يَعْنِي لم يخف لسعها، وَأَرَادَ بالنوب الَّتِي قد شابهت بسوادها النّوبَة. وَقيل بل أَرَادَ بِهِ جمع نَائِب. وَمِمَّا لَا يسْتَعْمل أَيْضا إِلَّا فِي الْجحْد قَوْلهم: مَا زَالَ وَمَا برح وَمَا فتئ وَمَا انْفَكَّ، وَمَا دَامَ، بِمَعْنى مَا برح فِي أَكثر الْأَحْوَال وَعَلِيهِ قَول الْأَعْشَى: (أيا أبتا لَا ترم عندنَا ... فانا بِخَير إِذا لم ترم) وَبِهَذَا الْبَيْت استعطف أَبُو عُثْمَان الْمَازِني الواثق بِاللَّه حِين أشخصه من الْبَصْرَة إِلَى حَضرته حَتَّى اهتز لاحسان صلته، وَعجل تسريحه إِلَى ابْنَته. وَخَبره يشْهد بفضيلة الْأَدَب ومزيته، ويرغب الرَّاغِب عَنهُ فِي اقتباسه ودراسته. ومساقة الْخَبَر مَا رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد، قَالَ: قصد بعض أهل الذِّمَّة أَبَا عُثْمَان الْمَازِني ليقْرَأ عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ، وبذل لَهُ مائَة دِينَار عَن تدريسه إِيَّاه، فَامْتنعَ أَبُو عُثْمَان من قبُول بذله وأصر على رده، قَالَ: فَقلت لَهُ: جعلت فدَاك أترد هَذِه النَّفَقَة مَعَ فاقتك وَشدَّة

стр. 80

اضاقتك فَقَالَ: إِن هَذَا الْكتاب يشْتَمل على ثَلَاثمِائَة وَكَذَا آيَة من كتاب الله ، وَلست أرى إِن أمكن مِنْهَا ذِمِّيا، غَيره على كتاب الله تَعَالَى وحمية لَهُ، قَالَ: فاتفق أَن غنت جَارِيَة بِحَضْرَة الواثق بقول العرجي: (أظلوم إِن مصابكم رجلا ... أهْدى السَّلَام إِلَيْكُم ظلم) فَاخْتلف من بالحضرة فِي إِعْرَاب رجل فَمنهمْ من نَصبه، وَجعله اسْم إِن، وَمِنْهُم من رَفعه على أَنه خَبَرهَا، وَالْجَارِيَة مصرة على أَن شيخها أَبَا عُثْمَان الْمَازِني لقنها إِيَّاه بِالنّصب، فَأمر الواثق بِاللَّه باشخاصه. قَالَ أَبُو عُثْمَان: فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ قَالَ: مِمَّن الرجل قلت: من بني مَازِن، قَالَ: أَي الموازن أمازن تَمِيم أم مَازِن قيس، أم مَازِن ربيعَة قلت: من مَازِن ربيعَة، فكلمني بِكَلَام قومِي، وَقَالَ لي: با اسْمك لأَنهم يقلبون الْمِيم بَاء وَالْبَاء ميما إِذا كَانَت فِي أول الْأَسْمَاء، قَالَ: فَكرِهت أَن أُجِيبهُ على لُغَة قومِي لِئَلَّا أواجهه بالمكر، فَقلت: بكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَفطن لما قصدته وأعجب بِهِ، ثمَّ قَالَ مَا تَقول فِي قَول الشَّاعِر: (أظلوم إِن مصابكم رجلا ) أترفع رجلا أم تنصبه فَقلت: بل الْوَجْه النصب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: وَلم ذَلِك فَقلت: إِن مصابكم مصدر بِمَعْنى أَصَابَتْكُم، فَأخذ اليزيدي فِي معارضتي، فَقلت: هُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: إِن ضربك زيدا ظلم، فرجلاً مفعول مصابكم، ومنصوب بِهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْكَلَام مُعَلّق إِلَى أَن تَقول: ظلم، فَيتم الْكَلَام. فَاسْتَحْسَنَهُ الواثق وَقَالَ: هَل لَك من ولد قلت: نعم، بنية يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: مَا قَالَت لَك عِنْد مسيرك قلت: أنشدت قَول الْأَعْشَى: (أيا أبتا لَا ترم عندنَا ... فانا بِخَير إِذا لم ترم) (أرانا إِذا أضمرتك الْبِلَاد ... نجفى وتقطع منا الرَّحِم) قَالَ: فَمَا قلت لَهَا قلت: قَول جرير:

стр. 81

(ثقي بِاللَّه لَيْسَ لَهُ شريك ... وَمن عِنْد الْخَلِيفَة بالنجاح) قَالَ: أَنْت عليّ النجاح إِن شَاءَ الله، ثمَّ أَمر لي بِأَلف دِينَار، وردني مكرما. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فَلَمَّا عَاد إِلَى الْبَصْرَة قَالَ لي: كَيفَ رَأَيْت يَا أَبَا الْعَبَّاس رددنا لله مائَة فعوضنا ألفا [٦١] وَيَقُولُونَ: الضبعة العرجاء، وَهُوَ غلط، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: الضبع العرجاء لِأَن الضبع اسْم يخْتَص بأنثى الضباع، وَالذكر مِنْهَا ضبعان، وَمن أصُول الْعَرَبيَّة أَن كل اسْم يخْتَص بِجِنْس الْمُؤَنَّث مثل حجر واتان وضبع وعناق، لَا تدخل عَلَيْهِ هَاء التَّأْنِيث بِحَال، وعَلى هَذَا جَمِيع مَا يستقرى من كَلَام الْعَرَب، وَحكى ثَعْلَب قَالَ: أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي فِي أَمَالِيهِ: (تَفَرَّقت غنمي يَوْمًا فَقلت لَهَا ... يارب سلط عَلَيْهَا الذِّئْب والضبعا) فَسَأَلته حِين أنشدنيه: أدعا لَهَا أم عَلَيْهَا فَقَالَ: إِن أَرَادَ أَن يسلطها عَلَيْهَا فِي وَقت وَاحِد فقد دَعَا لَهَا، لِأَن الذِّئْب يمْنَع الضبع والضبع تدفع الذِّئْب فتنجو هِيَ، وَإِن أَرَادَ أَن يُسَلط عَلَيْهَا الذِّئْب فِي وَقت والضبع فِي وَقت آخر فقد دَعَا عَلَيْهَا. وَفِي مسَائِل الضبع مَسْأَلَة لَطِيفَة قل من اطلع على خبئها وانكشف لَهُ قناع سرها وَهِي أَن من أصُول الْعَرَبيَّة الَّتِي يطرد حكمهَا، وَلَا ينْحل نظمها أَنه مَتى اجْتمع الْمُذكر والمؤنث غلب حكم الْمُذكر على الْمُؤَنَّث لِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل، والمؤنث فرع عَلَيْهِ إِلَّا فِي موضِعين: أَحدهمَا أَنَّك مَتى أردْت تَثْنِيَة الذّكر وَالْأُنْثَى من الضباع، قلت: ضبعان، فأجريت التَّثْنِيَة على لفظ الْمُؤَنَّث الَّذِي هُوَ ضبع لَا على لفظ الْمُذكر الَّذِي هُوَ ضبعان

стр. 82

وَإِنَّمَا فعل ذَلِك فِرَارًا مِمَّا كَانَ يجْتَمع من الزَّوَائِد لَو ثنى على لفظ الْمُذكر. والموضع الثَّانِي أَنهم فِي بَاب التَّارِيخ أَرخُوا بالليالي الَّتِي هِيَ مُؤَنّثَة دون الْأَيَّام الَّتِي هِيَ مذكرة وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك مُرَاعَاة للأسبق، والأِسبق من الشَّهْر ليلته. وَمن كَلَامهم: سرنا عشرا من بَين يَوْم وَلَيْلَة. [٦٢] وَيَقُولُونَ لأوّل يَوْم من الشَّهْر مستهل الشَّهْر، فيغلطون فِيهِ على مَا ذكره أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي تَذكرته، وَاحْتج فِيهِ على ذَلِك بِأَن الْهلَال إِنَّمَا يرى بِاللَّيْلِ، فَلَا يصلح إِلَّا مَا يكْتب فِيهَا، وَمنع أَن يؤرخ مَا يكْتب فِيهَا بليلة خلت، لِأَن اللَّيْلَة مَا انْقَضتْ بعد، كَمَا منع أَن يؤرخ مَا يكْتب فِي صبيحتها بمستهل الشَّهْر، لِأَن الاستهلال قد انْقَضى . وَنَصّ على أَن يؤرخ بِأول الشَّهْر أَو بغرته أَو بليلة خلت مِنْهُ. وَمن أوهامهم فِي التَّارِيخ أَنهم يؤرخون بِعشْرين لَيْلَة خلت وبخمس وَعشْرين خلون، وَالِاخْتِيَار أَن يُقَال: من أول الشَّهْر إِلَى منتصفه: خلت وخلون، وَأَن يسْتَعْمل فِي النّصْف الثَّانِي بقيت وبقين على أَن الْعَرَب تخْتَار أَن تجْعَل النُّون للقليل وَالتَّاء للكثير، فَيَقُولُونَ: لأَرْبَع خلون ولإحدى عشرَة خلت. نعم، لَهُم اخْتِيَار آخر أَيْضا، وَهُوَ أَن يَجْعَل ضمير الْجمع الْكثير الْهَاء وَالْألف، وَضمير الْجمع الْقَلِيل الْهَاء وَالنُّون الْمُشَدّدَة، كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدَّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم﴾ ، فَجعل ضمير الْأَشْهر الْحرم بِالْهَاءِ وَالنُّون لقلتهن وَضمير شهور السّنة الْهَاء وَالْألف لكثرتها. وَكَذَلِكَ اخْتَارُوا أَيْضا أَن ألْحقُوا بِصفة الْجمع الْكثير الْهَاء، فَقَالُوا: أَعْطيته دَرَاهِم كَثِيرَة وأقمت أَيَّامًا مَعْدُودَة، وألحقوا بِصفة الْجمع الْقَلِيل الْألف وَالتَّاء، فَقَالُوا: أَقمت أَيَّامًا معدودات، وَكسوته أثوابا رفعيات، وأعطيته دَرَاهِم يسيرات وعَلى هَذَا جَاءَ فِي

стр. 83

سُورَة الْبَقَرَة: ﴿وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ وَفِي سُورَة آل عمرَان: ﴿إِلَّا أَيَّامًا معدودات﴾ كَأَنَّهُمْ قَالُوا أَولا بطول الْمدَّة الَّتِي تمسهم فِيهَا النَّار، ثمَّ تراجعوا عَنهُ فقصروا تِلْكَ الْمدَّة. [٦٣] وَيَقُولُونَ: خرمش الْكتاب، بِالْمِيم، أَي أفْسدهُ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: خربش بِالْبَاء، وَجَاء فِي بعض الحَدِيث: وَكَانَ كتاب فلَان مخربشا .

стр. 84

[٦٤] وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْته من أمس وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مُنْذُ أمس، لِأَن من تخْتَص بِالْمَكَانِ ومذ ومنذ يختصان بِالزَّمَانِ، وَأما قَوْله : ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ فَإِن من هَاهُنَا بِمَعْنى فِي الدَّالَّة على الظَّرْفِيَّة، بِدَلِيل أَن النداء للصَّلَاة الْمشَار إِلَيْهَا يُوقع فِي وسط يَوْم الْجُمُعَة، وَلَو كَانَت من هَا هُنَا هِيَ الَّتِي تخْتَص بابتداء الْغَايَة لَكَانَ مُقْتَضى الْكَلَام أَن يُوقع النداء فِي أول يَوْم الْجُمُعَة . وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم﴾ فَهُوَ على إِضْمَار مصدر حذف لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَتَقْدِيره: من تأسيس أول يَوْم، وَأما قَوْلهم: مَا رَأَيْته مذ خلق ومذ كَانَ، فَفِي الْكَلَام حذف، تَقْدِيره مذ يَوْم خلق ومذ يَوْم كَانَ. وعَلى هَذَا قَول زُهَيْر: (لمن الديار بقنة الْحجر ... أقوين من حجج وَمن دهر) فَقَالَ: من حجج وَمن دهر. وَقيل أَن من فِي هَذَا الْبَيْت زَائِدَة على مَا يرَاهُ الْأَخْفَش من زيادتها فِي الْكَلَام الْوَاجِب، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أقوين حجَجًا ودهرا. [٦٥] وَيَقُولُونَ: تَتَابَعَت النوائب على فلَان، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: تتايعت، بِالْيَاءِ الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من تَحت لِأَن التَّتَابُع يكون فِي الصّلاح وَالْخَيْر، والتتايع يخْتَص

стр. 85

بالمنكر وَالشَّر، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر: مَا يحملكم على أَن تتايعوا فِي الْكَذِب كَمَا تتايع الْفراش فِي النَّار. وكما روى أَنه لما كثر شرب الْخمر فِي عهد عمر ﵁ جمع الصَّحَابَة ﵃، وَقَالَ: إِنِّي أرى النَّاس قد تتايعوا فِي شرب الْخمر واستهانوا بحدها، فَمَاذَا ترَوْنَ فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇: أرى أَن أحده ثَمَانِينَ، لِأَنِّي أرَاهُ إِذا شرب سكر، وَإِذا سكر هذى، وَإِذا هذى افترى، فأحده حد المفتري. فاستصوب عمر رَأْيه، واخذ بِهِ. وَقد جَاءَ فِي لُغَة الْعَرَب أَلْفَاظ خصت بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الشَّرّ دون الْخَيْر، كلفظة تهافت، الَّتِي لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الْمَكْرُوه والحزن، وكلفظة أشفى الَّتِي لَا تقال إِلَّا لمن أشرف على الهلكة، وكالأرق الَّذِي لَا يكون إِلَّا فِي الْمَكْرُوه لِأَن السهر يكون فِي الْمَكْرُوه والمحبوب، وكقولهم فِي مدح الْمَيِّت: التأبين، وَلكُل مَا يثور للضَّرَر: هاج. ولأخبار السوء: صَارُوا أَحَادِيث، وللمذموم مِمَّن تخلف: خلف، وللمتساويين فِي الشَّرّ: سواس وسواسية، كَمَا جَاءَ فِي الْمثل: سواسية كأسنان الْحمار، وكما قَالَ الشَّاعِر: (سود سواسية كَأَن أنوفهم ... بعر ينظمه الصَّبِي بملعب) (لَا يخطبون إِلَى الْكِرَام بناتهم ... وتشيب أيمهم وَلما تخْطب)

стр. 86

وَقد اخْتلف فِي سواسية، فَقيل: هُوَ جمع سَوَاء، وَقيل: بل وضعت مَوضِع سَوَاء. وَمِمَّا يَنْتَظِم فِي هَذَا السلك استعمالهم لَفْظَة أزننته بِمَعْنى اتهمته بالمفاضح دون المحاسن، واستعمالهم الهنات والهنوات فِي الْكِنَايَة عَن الْمُنْكَرَات، كَقَوْل الشَّاعِر: (فَنعم الحيّ كلب غير أَنا ... وجدنَا فِي جوارهم هَنَات) وكقول الآخر: (يزِيد هَنَات من هنين فتلتوي ... علينا وَتَأْتِي من هنين هَنَات) قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: وأنشدني وَالِدي ﵀، قَالَ: أَنْشدني أَبُو الْحسن بن زنجي اللّغَوِيّ، قَالَ: أَنْشدني أَبُو عبد الله النمري لنَفسِهِ يرثي أَبَا عبد الله الْأَزْدِيّ، وَكَانَت بَينهمَا ملاحاة فِي عهد الْحَيَاة: (مضى الأزديّ والنمريّ يمْضِي ... وَبَعض الْكل مقرون بِبَعْض) (أخي والمجتنى ثَمَرَات ودي ... وَإِن لم يجزني قرضي وفرضي)

стр. 87

(وَكَانَت بَيْننَا أبدا هَنَات ... توفرث عرضه فِيهَا وعرضي) (وَمَا هَانَتْ رجال الأزد عِنْدِي ... وَإِن لم تدن أَرضهم من أرضي) وَحكي أَن أَبَا الْحسن بن وهب، كتب إِلَى أَخ لَهُ يداعبه: (ظبيك هَذَا حسن وَجهه ... وَمَا سوى ذَاك جَمِيعًا يعاب) (فَافْهَم كَلَامي يَا أَبَا عَامر ... مَا يشبه العنوان مَا فِي الْكتاب) فَأَجَابَهُ: (وراقه مَا راقك من حسنه ... مَنَافِع مخبرها مستطاب) (من طيب مسموع إِذا مَا شدا ... يحلو بِهِ الْعَيْش ويصفوا الشَّرَاب) (وَعشرَة محمودة حفها ... مساعدات وهنات عَذَاب) قَالَ الشَّيْخ السعيد ﵀: وَلَيْسَ وَصفه الهنات بالعذوبة يُخرجهَا عَن وصفهَا بالذم كَمَا أوهم بَعضهم، بل كَمَا تسمى الْخمر اللَّذَّة مَعَ كَونهَا إِحْدَى الْكَبَائِر وَأم الْخَبَائِث. وَمِمَّا لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الشَّرّ قَوْلهم: ندد بِهِ وَسمع بِهِ، وَقَوْلهمْ: قيض لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَمثله: ﴿وباؤوا بغضب من الله﴾ أَي رجعُوا. وَذكر أهل التَّفْسِير أَنه لم يَأْتِ فِي الْقُرْآن لفظ الأمطار وَلَا لفظ الرّيح إِلَّا فِي الشَّرّ، كَمَا لم يَأْتِ لفظ الرِّيَاح إِلَّا فِي الْخَيْر، قَالَ سُبْحَانَهُ فِي الأمطار: ﴿وأمطرنا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل﴾ ، وَقَالَ عز اسْمه فِي الرِّيَاح وَفِي عَاد: ﴿إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم﴾

стр. 88

) وَقَالَ فِي الرِّيَاح: ﴿وَمن آيَاته أَن يُرْسل الرِّيَاح مُبَشِّرَات﴾ وَهَذَا هُوَ معنى دُعَائِهِ ﵇ عِنْد عصوف الرِّيَاح: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رياحا وَلَا تجعلها ريحًا. أَخْبرنِي أَبُو الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْمعدل قِرَاءَة عَلَيْهِ، قَالَ: حَدثنَا القَاضِي الشريف أَبُو عمر الْقَاسِم بن جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد ابْن يحيى - وَهُوَ السُّوسِي - قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَاصِم، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عَليّ الرَّحبِي قَالَ: حَدثنَا عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵀ قَالَ: هَاجَتْ ريح أشْفق مِنْهَا رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ اسْتَقْبلهَا، وَجَثَا على رُكْبَتَيْهِ وَمد يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رياحا وَلَا تجعلها ريحًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَة وَلَا تجعلها عذَابا. وَذكر ابْن عمر ﵁ أَن الرِّيَاح الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن: ثَمَان. أَربع رَحْمَة، وَأَرْبع عَذَاب، فَأَما الَّتِي للرحمة فالمبشرات والمرسلات والذاريات والناشرات، وَأما الَّتِي للعذاب فالصرصر والعقيم، وهما فِي الْبر، والعاصف والقاصف وهما فِي الْبَحْر. [٦٦] وَيَقُولُونَ فِي ضمن أقسامهم: وَحقّ الْملح، إِشَارَة إِلَى مَا يؤتدم بِهِ فيحرفون المكنى عَنهُ لِأَن الْإِشَارَة إِلَى الْملح فِيمَا تقسم بِهِ الْعَرَب، هُوَ إِلَى الرَّضَاع لَا غير، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول وَفد هوَازن للنَّبِي ﷺ : لَو كُنَّا ملحنا لِلْحَارِثِ أَو للنعمان لحفظ ذَلِك فِينَا، أَي لَو أرضعنا لَهُ . وَعَلِيهِ قَول أبي الطمحان فِي قوم أضافهم، فَلَمَّا أجنهم اللَّيْل استاقوا نعمه:

стр. 89

(وَإِنِّي لأرجو ملحها فِي بطونكم ... وَمَا بسطت من جلد أَشْعَث أغبرا) والقطعة مجرورة، وأولها: (أَلا حنت المرقال واشتاق رَبهَا ... تذكر أرماما وَاذْكُر معشري) يُرِيد أَنِّي لأرجو أَن تؤاخذوا بغدركم فِي مُقَابل مَا شربتم من لَبنهَا الَّذِي أسمنكم وَحسن بدنكم. وَأما قَوْلهم: ملحه على رُكْبَتَيْهِ، فَقيل: المُرَاد بِهِ أَنه مِمَّن يضيع حق الرَّضَاع كَمَا يضيع الْملح من يَضَعهُ على ركبته. وَقيل: الْمَعْنى بِهِ السَّيئ الْخلق الَّذِي تطيشه أقل كلمة، كَمَا أَن الْملح الْمَوْضُوع فَوق الرّكْبَة بتبدد بِأَدْنَى حَرَكَة وَأما قَول مِسْكين الدَّارمِيّ: (لَا تلمها إِنَّهَا من نسْوَة ... ملحها مَوْضُوعَة فَوق الركب) فَقيل: عَنى بِهِ أَنَّهَا من قوم هم فِي الْغدر وَسُوء الْعَهْد كمن ملحه فَوق ركبته. وَقيل أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّهَا سَوْدَاء زنجية كَقَوْلِهِم: ملح الزنْجِي على ركبته، وَالْملح مُؤَنّثَة فِي أَكثر الْكَلَام فَلهَذَا قَالَ: ملحها مَوْضُوعَة وَقد نطق فِي بعض اللُّغَات بتذكيره. [٦٧] وَيَقُولُونَ: هُوَ ذَا يفعل وَهُوَ ذَا يصنع وَهُوَ خطأ فَاحش ولحن شنيع، وَالصَّوَاب فِيهِ أَن يُقَال فِيهِ: هَا هُوَ ذَا يفعل وَكَأن أصل القَوْل: هُوَ هَذَا يفعل، فتفرع حرف التَّنْبِيه الَّذِي هُوَ هَا من اسْم الْإِشَارَة الَّذِي هُوَ ذَا، وَصدر فِي الْكَلَام وأقحم بَينهمَا الضَّمِير وَيُسمى هَذَا التَّقْرِيب، إِلَّا أَنه إِذا قيل: هَا هُوَ ذَا، كتب حرف التَّنْبِيه

стр. 90

بِإِثْبَات الْألف لِئَلَّا يبْقى على حرف وَاحِد، وَالْعرب تكْثر الْإِشَارَة والتنبيه فِيمَا تقصد بِهِ التفخيم. وَفِيمَا رَوَاهُ النحويون أَن غُلَاما مر بصفية بنت عبد الْمطلب فَقَالَ لَهَا: أَيْن الزبير قَالَت: مَا تُرِيدُ مِنْهُ قَالَ: أُرِيد أَن أباطشه، فَقَالَت لَهُ: هَا هُوَ ذَاك، فَصَارَ إِلَيْهِ فباطشه فغلبه الزبير، فَرجع الْغُلَام مغلولا، فَلَمَّا مر بصفية، قَالَت لَهُ: (كَيفَ وجدت زبرا أأقطا أم تَمرا أم قرشيا صقرا) أَرَادَت: أوجدته طَعَاما تَأْكُله أم صقرا يَأْكُلك [٦٨] وَيَقُولُونَ: رجل متعوس، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: تاعس، وَقد تعس، كَمَا يُقَال: عاثر، وَقد عثر . والتعس الدُّعَاء على العاثر بألا ينتعش من صرعته، وَعَلِيهِ فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿فتعسا لَهُم﴾ . وَالْعرب تَقول فِي الدُّعَاء على العاثر: تعسا لَهُ وَفِي الدُّعَاء لَهُ: لعا لَهُ، كَمَا قَالَ الاعشى: (بِذَات لوث عفرناة إِذا عثرت ... فالتعس أدنى لَهَا من أَن أَقُول لعا)

стр. 91

يَعْنِي أَنَّهَا تسْتَحقّ أَن يدعى عَلَيْهَا لالها. وَاخْتَارَ الْفراء أَن يُقَال للْغَائِب: تعس بِكَسْر الْعين، وللمخاطب تعست بِفَتْح الْعين، فَأَما فِي التَّعْدِيَة فَيُقَال: أتعسه الله، وَعَلِيهِ قَول مجمع بن هِلَال: (تَقول وَقد أفردتها عَن خليلها ... تعست كَمَا أتعستني يَا مجمع) وعَلى ذكر التعس فَإِنِّي رويت فِي أَخْبَار أبي أَحْمد العسكري عَن أبي عَليّ الْأَعرَابِي قَالَ: حَدثنِي بعض الأدباء، قَالَ: وقف علينا إعرابي فِي طَرِيق الْحَج، وَقد عَن لنا سرب ظباء، فَقَالَ: بكم تشترون وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَقُلْنَا: بأَرْبعَة دَرَاهِم قَالَ: فتركنا وسعى نحوهن، فَمَا كذب أَن جَاءَ وعَلى عَاتِقه ظَبْيَة وَهُوَ يَقُول: (وَهِي على الْبعد تلوي خدها تقيس شدي وأقيس شدها كَيفَ ترى عَدو غُلَام ردهَا) فَقلت: (أرَاهُ قد أتعبها وكدها وأتعس الله لَدَيْهِ جدها أَنْت أَشد النَّاس عدوا بعْدهَا)

стр. 92

قَالَ: فَتَركهَا وَانْصَرف، فَقلت لَهُ خُذ حَقك، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله أتمدحني وآخذ مِنْك [٦٩] وَيَقُولُونَ مَا شَعرت بالْخبر، بِضَم الْعين، فيحيلون الْمَعْنى فِيهِ، لِأَن معنى مَا شَعرت بِضَم الْعين، مَا صرت شَاعِرًا، فَأَما الْفِعْل الَّذِي بِمَعْنى علمت، فَهُوَ شَعرت بِفَتْح الْعين . وَمِنْه قَوْلهم: لَيْت شعري، أَي لَيْت علمي. وَعند الْفراء أَن لَفْظَة شعري مصدر مثل علمي، وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف ترك إِظْهَاره لِكَثْرَة اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة، وَتَقْدِير الْكَلَام: لَيْت علمي، بلغه خبر فلَان. وَقَالَ ثَعْلَب: بل الْمصدر، من شَعرت هُوَ شَعْرَة مثل فطنة، فحذفت الْهَاء مِنْهُ للإضافة، كَمَا حذفت فِي قَوْلهم للزَّوْج الأول: هُوَ أَبُو عذرا وَالْأَصْل أَبُو عذرتها، وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله وإقام الصَّلَاة﴾ لِأَن الأَصْل إِقَامَة، فحذفت مِنْهُ الْهَاء للإضافة. [٧٠] وَيَقُولُونَ فِي الْمَنْسُوب إِلَى الْفَاكِهَة والباقلاء والسمسم: فاكهاني وباقلاني وسمسماني فيخطئون فِيهِ لِأَن الْعَرَب لم يلْحقُوا الْألف وَالنُّون فِي النّسَب إِلَّا بأسماء محصورة زيدتا فِيهَا للْمُبَالَغَة كَقَوْلِهِم للعظيم الرَّقَبَة: رقباني وللكثيف اللِّحْيَة لحياني وللوافر

стр. 93

الجمة جماني وللمنسوب إِلَى الرّوح روحاني وَإِلَى من يرب الْعلم رباني، وَإِلَى بَائِع الصيدل والصيدن - وهما فِي الأَصْل حِجَارَة الْفضة، ثمَّ جعلا اسْمَيْنِ للعقاقير: صيدلاني وصيدناني، وَوجه الْكَلَام فِي الأول أَن يُقَال فِي الْمَنْسُوب إِلَى السمسم: سمسمي، كَمَا يُقَال فِي الْمَنْسُوب إِلَى ترمذ: ترمذي، وَأَن يُقَال فِي الْمَنْسُوب إِلَى الْفَاكِهَة: فاكهي، كَمَا ينْسب إِلَى السامرة سامري، فَأَما الْمَنْسُوب إِلَى الباقلى، فَمن قصره قَالَ فِي النّسَب إِلَيْهِ: باقلي لِأَن الْمَقْصُور إِذا تجَاوز الرباعي حذفت أَلفه فِي النّسَب، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى حبارى حباريّ وَإِلَى قبعثرى قبعثريّ. وَمن مد الباقلاء أجَاز فِي النّسَب إِلَيْهِ باقلاوي وباقلائي، كَمَا ينْسب إِلَى حرباء وعلباء حرباوي وحربائي وعلباوي وعلبائي. وَأما قَوْلهم فِي النّسَب إِلَى صنعاء وبهراء ودستوا: صنعاني وبهراني ودستواني فَهُوَ من شواذ النّسَب، والشاذ لَا يعاج إِلَيْهِ وَلَا تحمل نَظَائِره عَلَيْهِ. [٧١] وَيَقُولُونَ لِلذَّهَبِ . خلاص بِفَتْح الْخَاء. وَالِاخْتِيَار فِيهِ أَن يُقَال خلاص بِالْكَسْرِ، واشتقاقه من أخلصته النَّار بالسبك. وَكنت سَمِعت فِي روق الشبيبة ولدونة الحداثة القشيبة أديبا من أهل بست معجبا يَقُول أبي الْفَتْح البستي: إِذا اقْترن الْوَلَاء بالإخلاص، صَار

стр. 94

كالذهب الْخَلَاص. فارتجلت على البديهة وَقلت: من طلب جَانب الْخَلَاص، جَانب طلب الْخَلَاص، فثناه عَن استنانه، وَأغْرقَ فِي استحسانه. [٧٢] وَيَقُولُونَ: سارر فلَان فلَانا وقاصصه وحاججه وشاققه فيبرزون التَّضْعِيف كَمَا يظهرونه فِي مصَادر هَذِه الْأَفْعَال أَيْضا، فَيَقُولُونَ المساررة والمقاصصة والمحاججة والمشاققة . ويغلطون فِي جَمِيع ذَلِك، لِأَن الْعَرَب اسْتعْملت الْإِدْغَام فِي هَذِه الْأَفْعَال ونظائرها، طلبا لاستخفاف اللَّفْظ، واستثقالا للنطق بالحرفين المتماثلين، وَرَأَتْ أَن إبراز الْإِدْغَام بِمَنْزِلَة اللَّفْظ المكرر، والْحَدِيث الْمعَاد. ثمَّ لم تفرق بَين ماضي هَذِه الْأَفْعَال ومستقبلها وتصاريف مصادرها، فَقَالُوا: ساره يسَاره، مسارة، وحاجه يحاجه مُحَاجَّة. وَقَالُوا فِي نوع آخر مِنْهُ: تصام عَن الْأَمر، أَي أرى أَنه أَصمّ، وتضام الْقَوْم، أَي انضموا، وتراص المصلون، أَي تلاصقوا، وعَلى هَذَا حكم قبيل هَذَا الْكَلَام، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿وحاجه قومه﴾ ، وَورد فِيهِ: ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ فاشتملت هَذِه الْآيَة على الْإِدْغَام فِي الْفِعْلَيْنِ: الْمَاضِي والمستقبل. وَهَذَا الحكم مطرد فِي كل مَا جَاءَ من الْأَفْعَال المضاعفة على وزن فعل وأفعل وفاعل وافتعل وتفاعل واستفعل، نَحْو مد الْحَبل وأمد وماد وامتد وتماد واستمد، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتَّصل بِهِ ضمير الْمَرْفُوع، أَو يُؤمر فِيهِ جمَاعَة الْمُؤَنَّث، فَيلْزم حِينَئِذٍ فك الْإِدْغَام فِي هذَيْن الموطنين، لسكون آخر الحرفين المتماثلين، كَقَوْلِك: رددت ورددنا ونظائره، وكقولك فِي الْأَمر لجَماعَة الْمُؤَنَّث: ارددن وامددن، وَقد جوز الْإِدْغَام والإظهار فِي الْأَمر للْوَاحِد، كَقَوْلِك: رد، واردد، وَقاص وقاصص، واقتص واقتصص، وَكَذَلِكَ جوز الْأَمْرَانِ فِي المجزوم كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمَائِدَة: ﴿من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

стр. 95

) ، وَفِي سُورَة أُخْرَى: ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر﴾ ، وكما قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمن يشاق الله﴾ وَفِي موطن آخر: ﴿وَمن يُشَاقق الله﴾ ، فَأَما فِيمَا عدا هَذِه المواطن الْمَذْكُورَة فَلَا يجوز إبراز التَّضْعِيف إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر، كَمَا قَالَ الراجز فِي الِاسْم: (إِن بني للئام زهده ... مَالِي فِي صُدُورهمْ من مودده) فأظهر التَّضْعِيف فِي مَوَدَّة لإِقَامَة الْوَزْن وَتَصْحِيح الْبَيْت وَمثله قَول قعنب بن أم صَاحب فِي الْأَفْعَال: (مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... إِنِّي أَجود لأقوام وَإِن ضننوا)

стр. 96

أَرَادَ ضنوا، ففك الْإِدْغَام للضَّرُورَة. وَقد شَذَّ مِنْهُ قَوْلهم: قطط شعره، من القطط ومششت الدَّابَّة من المشش، ولححت عينه، أَي التصقت، والل السقاء، إِذا تَغَيَّرت رِيحه، وضبب الْبَلَد إِذا كثر ضبابه، وصككت الدَّابَّة من الصكك فِي القوائم وكل ذَلِك مِمَّا لَا يعْتد بِهِ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. [٧٣] وَمن أوهامهم فِي التَّضْعِيف قَوْلهم للاثنتين: ارددا، وَهُوَ من مفاحش اللّحن، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال لَهما: ردا كَمَا يُقَال للْجَمِيع: ردوا، وَالْعلَّة فِيهِ أَن الْألف الَّتِي هِيَ ضمير الْمثنى، وَالْوَاو الَّتِي هِيَ ضمير الْجمع تقتضيان لسكونهما تَحْرِيك آخر مَا قبلهمَا، وَمَتى تحرّك آخر الْفِعْل حَرَكَة صَحِيحَة وَجب الْإِدْغَام، وَهَذِه الْعلَّة مُرْتَفعَة فِي قَوْلك

стр. 97

للْوَاحِد: ارْدُدْ، فَلهَذَا امْتنع الْقيَاس عَلَيْهِ. [٧٤] وَيَقُولُونَ: نقل فلَان رَحْله، إِشَارَة إِلَى أثاثه وآلاته وَهُوَ وهم يُنَافِي الصَّوَاب، ويباين الْمَقْصُود بِهِ فِي لُغَة الْأَعْرَاب، إِذْ لَيْسَ فِي أَجنَاس الْآلَات مَا يسمونه رحلا إِلَّا سرج الْبَعِير الَّذِي عناه الشَّاعِر بقوله: (مهما نسيت فَمَا أنسى مقالتها ... يَوْم الرحيل لأتراب لَهَا عرب) (سكن قلبِي بأيديكن أَن لَهُ ... وهجا يفوق ضرام النَّار واللهب) (لَيْت الْفِرَاق نعى روحي إِلَى بدني ... قبل التآلف بَين الرحل والقتب) وَإِنَّمَا رَحل الرجل منزله، بِدَلِيل قَوْله ﷺ : إِذا ابتلت النِّعَال فَالصَّلَاة فِي الرّحال، أَي صلوا فِي مَنَازِلكُمْ عِنْد ابتلال أحذيتكم من الْمَطَر. وَقيل أَن النِّعَال هُنَا جمع نعل وَهُوَ مَا صلب من الأَرْض. وَمن كَلَام الْعَرَب للمعشب: الرّيع، وللخصيب الرحل: هُوَ أَخْضَر النَّعْل. وَمِمَّا أنْشدهُ ابْن السّكيت فِي أَبْيَات مَعَانِيه:

стр. 98

(نلقاهم وهم خضر النِّعَال كَأَن ... قد نشرت كتفيها فيهم الضبع) (لَو صاب وَادِيهمْ رسل فأترعه ... مَا كَانَ للضيف فِي تغميره طمع) أَرَادَ أَنهم لَو أخصبت أَرضهم حَتَّى سَالَ وَادِيهمْ لَبَنًا، لما سقوا الضَّيْف مذقة مِنْهُ، والتغمير أقل الشّرْب، لاشتقاقه من الْغمر وَهُوَ أَصْغَر الأقداح. [٧٥] وَيَقُولُونَ لمن يكثر السُّؤَال من الرِّجَال: سَائل وَمن النِّسَاء سَائِلَة، وَالصَّوَاب أَن يُقَال لَهما سَأَلَ وسألة، كَمَا أنْشد بَعضهم فِي الْخمر: (سألة للفتى مَا لَيْسَ فِي يَده ... ذهابة بعقول الْقَوْم وَالْمَال) (أَقْسَمت بِاللَّه أسقيها وأشربها ... حَتَّى تفرق ترب الأَرْض أوصالي) يَعْنِي: أَقْسَمت بِاللَّه لَا أسقيها، فاضمر لَا كَمَا أضمرت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تالله تفتأ تذكر يُوسُف﴾ أَي لَا تفتأ. وَأكْثر مَا تضمر فِي الْأَقْسَام كَمَا قَالَت الخنساء: (فآليت آسى على هَالك ... واسأل نائحة مَالهَا) أَي لَا آسى وَلَا أسأَل. وَقد تضمر فِي غير الْقسم كَقَوْل الراجز لِابْنِهِ: (أوصيك أَن يحمدك الْأَقَارِب ... وَيرجع الْمِسْكِين وَهُوَ خائب) أَي وَلَا يرجع. وكما أَنهم أضمروا لَا فقد استعملوها زَائِدَة على وَجه الفصاحة وتحسين الْكَلَام، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ ، وَالْمرَاد بِهِ: مَا

стр. 99

مَنعك أَن تسْجد بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى فِي السُّورَة الْأُخْرَى: ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ ، وَمِنْه قَول الراجز: (وَمَا ألوم الْبيض أَلا تسخرا ... إِذا رأين الشمط المنورا) أَي لَا ألوم الْبيض أَن تسخر إِذا رأين الشيب. وَالْأَصْل فِي مباني الأفاعيل مُلَاحظَة حفظ الْمعَانِي الَّتِي تتَمَيَّز باخْتلَاف صِيغ الْأَمْثِلَة فَبنى مِثَال من فعل الشَّيْء مرّة على فَاعل، نَحْو قَاتل وفاتك، وَبنى مِثَال من كرر الْفِعْل على فعال مثل قتال وفتاك، وَبنى مِثَال من بَالغ فِي الْفِعْل، وَكَانَ قَوِيا عَلَيْهِ على فعول، مثل صبور وشكور، وَبنى مِثَال من اعْتَادَ الْفِعْل على مفعال، مثل امْرَأَة مذكار إِذا كَانَ من عَادَتهَا أَن تَلد الذُّكُور، ومئناث إِذا كَانَ من عَادَتهَا أَن تَلد الْإِنَاث، ومعقاب إِذا كَانَ من عَادَتهَا أَن تَلد ذكرا نوبَة ذكرا ونوبة أُنْثَى وَبنى مِثَال من كَانَ آلَة للْفِعْل وعدة لَهُ، على مفعل نَحْو محرب ومرجم. وَحكى ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: دفع رجل رجلا من الْعَرَب فَقَالَ الْمَدْفُوع: لتجدني ذَا منْكب مزحم وركن مدعم وَرَأس مصدم ولسان مرجم وَوَطْء ميثم، أَي مكسر. وَسُئِلَ بعض أهل اللُّغَة عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ ، لم ورد على وزن فعال الَّذِي صِيغ للتكثير وَهُوَ سُبْحَانَهُ منزه عَن الظُّلم الْيَسِير فَأجَاب عَنهُ: أَن أقل الْقَلِيل من الظُّلم لَو ورد مِنْهُ وَقد جلّ سُبْحَانَهُ عَنهُ لَكَانَ كثيرا لاستغنائه عَن فعله وتنزهه عَن قبحه، وَلِهَذَا يُقَال: زلَّة الْعَالم كَبِيرَة، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ المَخْزُومِي الشَّاعِر فِي قَوْله: (ألعيب فِي الْجَاهِل المغمور مغمور ... وعيب ذِي الشّرف الْمَذْكُور مَذْكُور) (كفوفة الظفر تخفي من حقارتها ... وَمثلهَا فِي سَواد الْعين مَشْهُور)

стр. 100

[٧٦] وَيَقُولُونَ: يُوشك أَن يفعل كَذَا بِفَتْح الشين، وَالصَّوَاب فِيهِ كسرهَا، لِأَن الْمَاضِي مِنْهُ أوشك، فَكَانَ مضارعه يُوشك، كَمَا يُقَال: أودع يودع وَأورد يُورد، وَمعنى يُوشك يسْرع، لاشتقاقه من الوشيك وَهُوَ السَّرِيع إِلَى الشَّيْء، وَقد تسْتَعْمل هَذِه اللَّفْظَة باتصال أَن بهَا وحذفها عَنْهَا، فَيُقَال: يُوشك يفعل، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (يُوشك من فر من منيته ... فِي بعض غراته يُوَافِقهَا) وَيُقَال: يُوشك أَن يفعل، كَمَا قَرَأت على ذِي الرتبتين أبي الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْجَوْهَرِي الْكَاتِب ﵀، قَالَ: أَنْشدني القَاضِي أَبُو عبد الله الضَّبِّيّ لعمران بن حطَّان: (أَفِي كل عَام مرضة ثمَّ نهضة ... وتنعى وَلَا تنعى مَتى ذَا إِلَى مَتى) (فيوشك يَوْم أَن يُوَافق لَيْلَة ... يسوقان حتفا رَاح نَحْوك أَو غَدا) ويضاهي لَفْظَة يُوشك، لفظتا عَسى وَكَاد فِي جَوَاز إِيرَاد أَن بعدهمَا وإلغائها مَعَهُمَا إِلَّا أَن الْمَنْطُوق بِهِ فِي الْقُرْآن، وَالْمَنْقُول عَن فصحاء أولي الْبَيَان، إِيقَاع أَن بعد عَسى وإلغاؤها بعد كَاد، وَالْعلَّة فِيهِ أَن كَاد وضعت لمقاربة الْفِعْل، وَلِهَذَا قَالُوا: كَاد النعام

стр. 101

يطير، لوُجُود جُزْء من الطيران فِيهِ، وَإِن وضعت لتدل على تراخي الْفِعْل ووقوعه فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، فَإِذا وَقعت بعد كَاد نافت مَعْنَاهَا الدَّال على اقتراب الْفِعْل، وَحصل فِي الْكَلَام ضرب من التَّنَاقُض، وَلَيْسَ كَذَلِك عَسى، لِأَنَّهَا وضعت للتوقع الَّذِي يدل وضع أَن على مثله، فوقوع أَن بعْدهَا يُفِيد تَأْكِيد الْمَعْنى، ويزيده فضل تَحْقِيق وَقُوَّة، وَقد نطقت الْعَرَب بعدة أَمْثَال فِي كَاد ألغيت أَن فِي جَمِيعهَا، فَقَالُوا: كَاد الْعَرُوس يكون ملكا، وَكَاد المنتعل يكون رَاكِبًا، وَكَاد الْحَرِيص يكون عبدا، كَاد النعام يكون طيرا، وَكَاد الْفقر يكون كفرا، وَكَاد الْبَيَان يكون سحرًا، وَكَاد الْبَخِيل يكون كَلْبا، كَاد السيء الْخلق يكون سبعا. وَفِيمَا يرْوى من خزعبلات الْعَرَب أَن امْرَأَة من الْجِنّ قصدت لمحاجاة الْعَرَب، فَكَانَت تقف على كل محجة، وتحاجي كل من تَلقاهُ فَلَا يثبت لمحاجاتها أحد، إِلَى أَن تعرض لَهَا أحد فتيَان الْعَرَب فَقَالَ لَهَا: حاجتتك، فَقَالَت: قل، فَقَالَ لَهَا: كَاد، قَالَت: كَاد الْعَرُوس يكون ملكا، فَقَالَ لَهَا: كَاد، قَالَت: كَاد المنتعل يكون رَاكِبًا، فَقَالَ لَهَا: كَاد، قَالَت: كَاد النعام يكون طيرا، ثمَّ أمسك. فَقَالَت لَهُ: حاجيتك، قَالَ لَهَا قولي: قَالَت: عجبت، قَالَت: عجبت للسبخة كَيفَ لَا يجِف ثراها وَلَا ينْبت مرعاها، فَقَالَت: عجبت، قَالَ: عجبت للحصى كَيفَ لَا يكبر صغاره، وَلَا يهرم كباره، قَالَت: عجبت: قَالَ: عجبت

стр. 102

لحفرة بَين فخذيك كَيفَ لَا يدْرك قعرها، وَلَا يمل حفرهَا، قَالَ: فخجلت من جَوَابه، وتولت عَنهُ وَلم تعد إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ. [٧٧] وَيَقُولُونَ لهَذَا النَّوْع من الخضراوات المأكولة: ثلجم، وَبَعْضهمْ يَقُول: شلجم بالشين الْمُعْجَمَة، وَكِلَاهُمَا خطأ على مَا حَكَاهُ أَبُو عمر الزَّاهِد عَن ثَعْلَب، وَنَصّ على أَن الصَّوَاب فِيهِ أَن يُقَال: سلجم بِالسِّين المغفلة، وَاسْتشْهدَ عَلَيْهِ بقول الراجز: (تَسْأَلنِي برامتين سلجما أَنَّك لَو سَأَلت شَيْئا أمما جَاءَ بِهِ الكري أَو تجشما) يَعْنِي أَنَّك لَو سَأَلت شَيْئا مَوْجُودا بالبادية لأتينك بِهِ، وَلَكِنَّك طلبت مَا يعوز وجدانه فِيهَا، والأمم من حُرُوف الأضداد، فيستعمل تَارَة بِمَعْنى عَظِيم، وَأُخْرَى بِمَعْنى يسير، وَبِمَعْنى الْقَصْد بَين الحقير والعظيم، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (يَا لهف نَفسِي على الشَّبَاب وَلم ... أفقد بِهِ إِذْ فقدته أمما) [٧٨] وَيَقُولُونَ: جَلَست فِي فَيْء الشَّجَرَة، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: فِي ظلّ الشَّجَرَة، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثر مِمَّا أخبرنَا بِهِ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عَليّ السيرافي الْحَافِظ

стр. 103

فِيمَا قرأته عَلَيْهِ، قَالَ: حَدثنَا القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن بشر، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف البيع قَالَ: حَدثنَا سعيد ابْن عَامر الضبعِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : أَن فِي الْجنَّة لشَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام، لَا يقطعهَا، اقرأوا إِن شِئْتُم: ﴿وظل مَمْدُود﴾ . وَالْعلَّة فِيمَا ذَكرْنَاهُ أَن الْفَيْء يُسمى بذلك لِأَنَّهُ فَاء عِنْد زَوَال الشَّمْس من جَانب إِلَى جَانب، أَي رَجَعَ، وَمعنى الظل، السّتْر وَمِنْه اشتقاق المظلة، لِأَنَّهَا تستر من الشَّمْس، وَبِه أَيْضا سمى سَواد اللَّيْل ظلا، لِأَنَّهُ يستر كل شَيْء، فَكَانَ اسْم الظل يَقع على مَا يستر من الشَّمْس، وعَلى مَالا تطلع عَلَيْهِ، وذرى الشَّجَرَة يَنْتَظِم هذَيْن الوصفين فانتظمه اسْم الظل واشتمل نطاقه عَلَيْهِ فَأَما قَوْله ﷺ : وَالسُّلْطَان ظلّ الله فِي أرضه فَالْمُرَاد بِهِ ستره السابغ على عباده، والمسندل على بِلَاده، وَمن سنة الْعَرَب أَن تضيف كل عَظِيم إِلَيْهِ جلت قدرته وعظمته، كَقَوْلِهِم للكعبة: بَيت الله، وللحاج: وَفد الله، فَأَما قَول الراجز: (كَأَنَّمَا وَجهك ظلّ من حجر ) وَقيل: المُرَاد بِهِ سَواد الْوَجْه، وَقبل: بل كني بِهِ عَن الوقاحة، وَقد فصل بَعضهم أَنْوَاع الاستظلال، فَقَالَ: يُقَال: استظل من الْحر، واستذرى من الْبرد، واستكن من الْمَطَر.

стр. 104

[٧٩]- وَيَقُولُونَ: مَا فعلت الثَّلَاثَة الأثواب فيعرفون الاسمين ويضيفون الأول مِنْهُمَا إِلَى الثَّانِي، وَالِاخْتِيَار أَن يعرف الْأَخير من كل عدد مُضَاف، فَيُقَال: مَا فعلت ثَلَاثَة الأثواب وفيم انصرفت ثَلَاثمِائَة الدِّرْهَم، وَعَلِيهِ قَول ذِي الرمة: (وَهل يرجع التَّسْلِيم أَو يكْشف الْعَمى ... ثَلَاث الأثافي والرسوم البلاقع) قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀: وَقد بَين شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم ﵀ الْعلَّة فِي وجوب تَعْرِيف الثَّانِي، فَقَالَ: لما لم يكن بُد من دُخُول آلَة التَّعْرِيف فِي هَذَا الْعدَد أَو أَنهم لَو عرفوها جَمِيعًا فَقَالُوا: الثَّلَاثَة الأثواب لتعرف الِاسْم الأول بلام التَّعْرِيف وبالإضافة الْحَقِيقِيَّة، وَلَا يجوز أَن يتعرف الِاسْم من وَجْهَيْن، وَلَو أَنهم عرفُوا الِاسْم الأول وَحده لتناقض الْكَلَام، لِأَن إِدْخَال الْألف وَاللَّام على الِاسْم الأول يعرفهُ، وإضافته إِلَى النكرَة تنكره، فَلم يبْق إِلَّا أَن يعرف الثَّانِي ليتعرف هُوَ بلام التَّعْرِيف، ويتعرف الأول بإضافته إِلَيْهِ، فَيحصل لكل وَاحِد مِنْهُمَا التَّعْرِيف من طَرِيق غير طَرِيق صَاحبه. فَإِن اعْترض معترض وَقَالَ: كَيفَ عرف الِاسْم الأول فِي الْعدَد الْمركب، كَقَوْلِهِم:

стр. 105

مَا فعل الْأَحَد عشر ثوبا فَالْجَوَاب عَنهُ أَن الاسمين إِذا ركبا تنزلا منزلَة الِاسْم الْوَاحِد، وَالِاسْم الْوَاحِد تلْحق لَام التَّعْرِيف بأوله، فَكَمَا يُقَال: مَا فعلت التِّسْعَة يُقَال مَا فعلت التِّسْعَة عشر وَقد ذهب بعض الْكتاب إِلَى تَعْرِيف الاسمين المركبين والمعدود والمميز، فَقَالُوا: الْأَحَد عشر الثَّوْب، وَهُوَ مِمَّا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يعرج عَلَيْهِ، لِأَن الْمُمَيز لَا يكون مُعَرفا بِالْألف وَاللَّام، وَلَا نقل إِلَيْنَا فِي شجون الْكَلَام. [٨٠] وَيَقُولُونَ فِي الثِّيَاب المنسوبة إِلَى ملك الرّوم ثِيَاب ملكية بِكَسْر اللَّام، وَالصَّوَاب فِيهِ ملكية بِفَتْح اللَّام، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى النمر نمريّ، وَالْعلَّة فِيهِ أَنهم لَو أفردوا الكسرة فِي ثَانِي هَذِه الْكَلِمَة لغلبت عَلَيْهَا الكسرات والياءات، وَلم يسلم من ذَلِك إِلَّا الْحَرْف الأول والتلفظ بِمَا هَذِه صيغته يستثقل، فَلذَلِك عدل إِلَى إِبْدَال الكسرة فَتْحة لتخف الْكَلِمَة، وَيحسن النُّطْق بهَا، وَإِنَّمَا لم يفعل ذَلِك فِي الْمَنْسُوب إِلَى الرباعي، نَحْو مالكي وعامري، لِأَن الكسرات لم تغلب عَلَيْهِ من فصل الْألف بَين أَوله وثالثه . [٨١] وَيَقُولُونَ: انساغ لي الشَّرَاب، فَهُوَ منساغ، وَالِاخْتِيَار فِيهِ سَاغَ، فَهُوَ سَائِغ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (فساغ لي الشَّرَاب وَكنت قبلا ... أكاد أغص بِالْمَاءِ الْحَمِيم) وَفِي الْقُرْآن: ﴿لَبَنًا خَالِصا سائغا للشاربين﴾ ، وَقد جَاءَ فِي تَفْسِيره أَنه لم يغص بِهِ

стр. 106

أحد قطّ، وَمن حكى أَنه سمع فِي بعض اللُّغَات انساغ لي الشَّيْء، أَي جَازَ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يعْتد بِهِ، وَلَا يعْذر من اسْتَعْملهُ فِي أَلْفَاظه وَكتبه. [٨٢] وَيَقُولُونَ للند الْمُتَّخذ من ثَلَاثَة أَنْوَاع من الطّيب: مثلث، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: مثلوث، كَمَا قَالَت الْعَرَب: حَبل مثلوث إِذا أبرم على ثَلَاث قوى، وَكسَاء مثلوث إِذا نسج من صوف ووبر وَشعر، ومزادة مثلوثة إِذا اتَّخذت من ثَلَاثَة جُلُود . وأصل هَذَا الْكَلَام مَأْخُوذ من قَوْلك: ثلثت الْقَوْم فَأَنا ثَالِث، وهم مثلوثون. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀: وقرأت فِي بعض النَّوَادِر أَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وصف لنديم لَهُ طيب ند اتَّخذهُ، ثمَّ أَتَاهُ بِقِطْعَة مِنْهُ، فألقاها على مجمرة، ووضعها تَحْتَهُ، فَخرجت مِنْهُ ريح فِي أثْنَاء تجمره، فَقَالَ: مَا أجد هَذِه الْمُثَلَّثَة طيبَة، فَقَالَ لَهُ: فديتك قد كَانَت طيبَة حِين كَانَت مُثَلّثَة، فَلَمَّا ربعتها خبثت. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀: وَإِنَّمَا قلت مُثَلّثَة لِأَن النادرة تحكى على الأَصْل وَلَا يُغير مَا فِيهَا من اللّحن وَلَا من سخافة اللَّفْظ، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: إِن ملحة النادرة فِي لحنها وحرارتها فِي حلاوة مقطعها.

стр. 107

وَنَظِير وهمهم فِي هَذِه اللَّفْظَة قَوْلهم: صبيي مجدر وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مجدور، لِأَنَّهُ دَاء يُصِيب الْإِنْسَان مرّة فِي عمره من غير أَن يتَكَرَّر عَلَيْهِ، فَلَزِمَ أَن يَبْنِي الْمِثَال مِنْهُ على مفعول، فَيُقَال: مجدور، كَمَا يُقَال: مقتول، وَلَا وَجه لبنائه على مفعل الْمَوْضُوع للتكرير، كَمَا يُقَال لمن: يجرح جرحا على جرح مجرح، وَلما يضْرب نوبَة بعد نوبَة: مضرب، والأفصح أَن يُقَال: جدري بِضَم الْجِيم، واشتقاقه من الْجدر وَهُوَ آثَار الكدم فِي عنق الْحمار. [٨٣] وَيَقُولُونَ: قمئ الرجل ودفئ الْيَوْم، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فيهمَا: قمؤ ودفؤ لينتظما فِي سلك حيزهما من أَفعَال الطبائع الَّتِي تَأتي على فعل بِضَم الْعين مثل:

стр. 108

بدن وسخن وضخم وَعظم، وَمثله وضؤ وَجهه إِذا صَار وضيئا، ووطؤ مركبه إِذا صَار وطيئا، ومرؤ الطَّعَام إِذا صَار مريئا ومرؤ الانسان إِذا صَار ذَا مُرُوءَة، ودنؤ عرض فلَان، أَي صَار دنيئا، وردؤ الطَّعَام، إِذا صَار رديئا. وَمن أوهامهم فِي هَذَا الْبَاب قَوْلهم: تبريت من فلَان، بِمَعْنى بَرِئت مِنْهُ، فيخطئون فِيهِ، لِأَن معنى تبريت تعرضت مثل انبريت، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (وأهلة ود قد تبريت ودهم ... وأبليتهم فِي الْحَمد جهدي ونائلي) أَي تعرضت لودهم، فَأَما مَا هُوَ بِمَعْنى الْبَرَاءَة، فَقَالَ فِيهِ: قد تبرأت كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿تبرأنا إِلَيْك﴾ . وَنَظِير هَذَا قَوْلهم: هديت من غَضَبي أَي سكنت، وَالصَّوَاب، أَن يُقَال: هدأت، لاشتقاقه من الهدوء، فَأَما هديت فمشتقة من الْهِدَايَة وَالْهدى. وَمن أوهامهم أَيْضا فِي هَذَا النَّوْع قَوْلهم: التباطي والتوضي والتبري والتهزي: وَالصَّوَاب أَن يُقَال: التباطؤ والتوضؤ والتبرؤ والتهزؤ. وَعقد هَذَا الْبَاب أَن كل مَا كَانَ على وزن تفعل أَو تفَاعل مِمَّا آخِره مَهْمُوز كَانَ مصدره على التفعل والتفاعل وهمز آخِره وَلِهَذَا قيل: التَّوَضُّؤ والتبرؤ، لِأَن تصريف الْفِعْل مِنْهُمَا تَوَضَّأ وتبرأ. وَقيل: التباطؤ والتمالؤ والتكافؤ والتطأطؤ، لِأَن أصل الْفِعْل مِنْهَا تباطأ وتطأطأ وتمالأ وتكافأ، وَهَذَا الأَصْل مطرد حكمه، وَغير منحل من هَذَا السمط نظمه. [٨٤] وَيَقُولُونَ للْأُنْثَى من ولد الضَّأْن: رخلة، وَهِي فِي اللُّغَة الفصحى رخل بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْخَاء، وَقد قيل فِيهَا: رخل بِكَسْر الرَّاء وَإِسْكَان الْخَاء، وعَلى كلتا اللغتين لَا يجوز إِلْحَاق الْهَاء بهَا، لِأَن الذّكر لَا يشركها فِي هَذَا الِاسْم وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: حمل، فجرت

стр. 109

مجْرى عَجُوز واتان وعنز وناب فِي منع إِلْحَاق الْهَاء بهَا لاختصاصها بالمؤنث، وَقد جمع رخل على رخال بِضَم الرَّاء وَهُوَ مِمَّا جمع على غير قِيَاس كماقالوا فِي الْمُرْضع: ظئر وظؤار، وَفِي ولد الْبَقَرَة الوحشية: فرير وفرار، وللشاة الحديثة الْعَهْد بالنتاج: ربى ورباب، وللعظم الَّذِي عَلَيْهِ بَقِيَّة من اللَّحْم: عرق وعراق وللمولود مَعَ قرينه توأم وتؤام، وَعَلِيهِ قَول الراجز: (قَالَت لَهَا ودمعها تؤام كالدر إِذْ أسلمه النظام على الَّذين ارتحلوا السَّلَام) فَأَرَادَ بقوله: ودمعها تؤام أَي تنزل قطرتين قطرتين. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى: وقرأت على أبي عمر الْحسن بن عَليّ بن غَسَّان، قَالَ: قَرَأت على أبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الزنْجِي اللّغَوِيّ، قَالَ: قَرَأت على أبي عبد الله النمري فِي كِتَابه سَمَّاهُ الاختراع أَن أَبَا زيد حكى أَن الْعَرَب تَقول فِي ملحها: قيل للضأن: مَا أَعدَدْت للشتاء قَالَت: أجز جفالا، وانتج رخالا، واحلب كثبا ثقالا، وَلنْ يرى مثلي مَالا، وَفسّر أَن الجفال الْكثير، والرخال جمع رخل والكثب جمع كثبة. وَهُوَ مَا انصب ومار، وَمِنْه سمي الْكَثِيب من الرمل. [٨٥] وَيَقُولُونَ سررت برؤيا فلَان إِشَارَة إِلَى مرآه، فيوهمون فِيهِ، كَمَا وهم أَبُو الطّيب فِي قَوْله لبدر بن عمار، وَقد سامره ذَات لَيْلَة إِلَى قطع من اللَّيْل: (مضى اللَّيْل وَالْفضل الَّذِي لَك لَا يمْضِي ... ورؤياك أحلى فِي الْعُيُون من الغمض)

стр. 110

وَالصَّحِيح أَن يُقَال: سررت برؤيتك، لِأَن الْعَرَب تجْعَل الرُّؤْيَة لما يرى فِي الْيَقَظَة، والرؤيا لما يرى فِي الْمَنَام، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ إِخْبَارًا عَن يُوسُف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ . ويجانس هَذَا الْوَهم قَوْلهم: أَبْصرت هَذَا الْأَمر قبل حُدُوثه. وَالصَّوَاب فِيهِ أَن يُقَال: بصرت بِهَذَا الْأَمر لِأَن الْعَرَب تَقول: أَبْصرت بِالْعينِ، وبصرت من البصيرة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بصرت بِمَا لم يبصروا بِهِ﴾ وَعَلِيهِ فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿فبصرك الْيَوْم حَدِيد﴾ ، أَي علمك بِمَا أَنْت فِيهِ الْيَوْم نَافِذ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى يشار بقَوْلهمْ: هُوَ بَصِير بِالْعلمِ. [٨٦] وَيَقُولُونَ: قَالَ فلَان كَيْت وَكَيْت، فيوهمون فِيهِ، لِأَن الْعَرَب تَقول: كَانَ من الْأَمر كَيْت وَكَيْت، وَقَالَ فلَان: ذيت وذيت، فيجعلون كَيْت وَكَيْت كِنَايَة عَن
следующие страницы →