Полный текст (241 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله الَّذِي أحلنا محلّة الْفَهم وحلانا حلية الْعلم وملكنا عقال الْعقل وزيننا بنطق الْمنطق ونعوذ بِهِ من كدر صفاء الْفِكر وعكر ذهن الذِّهْن وَصلى الله على الْمَبْعُوث بجوامع الْكَلم إِلَى أَعقل الْأُمَم وعَلى جَمِيع أَتْبَاعه والسائرين فِي منهاج أَتْبَاعه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا أما بعد فَإِن أجل الْأَشْيَاء موهبة الْعقل فَإِنَّهُ الْآلَة فِي تَحْصِيل معرفَة الْإِلَه وَبِه تضبط الْمصَالح وتلحظ العواقب وتدرك الغوامض وَتجمع الْفَضَائِل وَلما كَانَ الْعُقَلَاء يتفاوتون فِي موهبة الْعقل ويتباينون فِي تَحْصِيل مَا يتقنه من التجارب وَالْعلم أَحْبَبْت أَن اجْمَعْ كتابا فِي أَخْبَار الأذكياء الَّذين قويت فطنتهم وتوقد ذكاؤهم لقُوَّة جوهرية عُقُولهمْ وَفِي ذَلِك ثَلَاثَة أغراض أَحدهَا معرفَة أقدارهم بِذكر أَحْوَالهم وَالثَّانِي تلقيح الْبَاب السامعين إِذا كَانَ فيهم نوع استعداد لنيل تِلْكَ الْمرتبَة وَقد ثَبت أَن رُؤْيَة الْعَاقِل ومخالطته تفِيد ذَا اللب فسماع أخباره تقوم مقَام رُؤْيَته كَمَا قَالَ الرضى
(فَاتَنِي أَن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أعي الديار بسمعي)
وَقد أَنبأَنَا جمَاعَة من أشياخنا قَالُوا أخبرنَا مُضر بن مُحَمَّد قَالَ
стр. 2
سَمِعت يحيى بن أَكْثَم يَقُول سَمِعت الْمَأْمُون يَقُول لإِبْرَاهِيم لَا شَيْء أطيب من النّظر فِي عقول الرِّجَال وَالثَّالِث تَأْدِيب المعجب بِرَأْيهِ إِذا سمع أَخْبَار من تعسر عَلَيْهِ لحاقه وَالله الْمُوفق
بَاب فِي ذكر تراجم أَبْوَاب الْكتاب وَهِي ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ بَابا
الْبَاب الأول فِي ذكر فضل الْعقل الْبَاب الثَّانِي فِي ذكر مَاهِيَّة الْعقل وَمحله الْبَاب الثَّالِث فِي بَيَان معنى الذِّهْن والفهم والذكاء الْبَاب الرَّابِع فِي ذكر العلامات الَّتِي يسْتَدلّ بهَا على ذكاء الذكي الْبَاب الْخَامِس فِي سِيَاق الْمَنْقُول عَن الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين مِمَّا يدل على قُوَّة الفطنة الْبَاب السَّادِس فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْأُمَم السالفة الْبَاب السَّابِع فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن نَبينَا ﷺ الْبَاب الثَّامِن فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن أَصْحَاب نَبينَا ﵊ الْبَاب التَّاسِع فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْخُلَفَاء الْبَاب الْعَاشِر فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الوزراء الْبَاب الْحَادِي عشر فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن السلاطين والأمراء والحجاب والشرطة الْبَاب الثَّانِي عشر فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْقُضَاة الْبَاب الثَّالِث عشر فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك من كبار عُلَمَاء هَذِه الْأمة وفقهائها الْبَاب الرَّابِع عشر فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْعباد والزهاد الْبَاب الْخَامِس عشر فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْعَرَب وعلماء الْعَرَبيَّة الْبَاب السَّادِس عشر فِي ذكر من احتال بذكائه لبلوغ غَرَض الْبَاب السَّابِع عشر فِيمَن احتال فانعكس عَلَيْهِ مَقْصُوده الْبَاب
стр. 3
الثَّامِن عشر فِيمَن وَقع فِي آفَة فتخلص بالحيلة مِنْهَا الْبَاب التَّاسِع عشر فِي ذكر من اسْتعْمل بذكائه المعاريض الْبَاب الْعشْرُونَ فِي ذكر من فلج على خَصمه بِالْجَوَابِ المسكت الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِيمَن غلب من الْعَوام بذكائه كبار الرؤساء الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي أَقْوَال وأفعال صدرت من أوساط النَّاس وعوامهم تدل على قُوَّة الذكاء الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي طرف من أَحْوَال الشُّعَرَاء والمداحين الْبَاب الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِي طرف من حيل الْمُحَاربين الْبَاب السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِي طرف من فطن المتطببين الْبَاب السَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي طرف من فطن المتطفلين الْبَاب الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِي طرف من فطن المتلصصين الْبَاب التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فِي طرف من أَخْبَار فطناء الصّبيان الْبَاب الثَّلَاثُونَ فِي طرف من فطن عقلاء المجانين الْبَاب الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي طرف من أَخْبَار النِّسَاء المتفطنات الْبَاب الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِيمَا ذكر عَن الْحَيَوَان البهيم مِمَّا يشبه ذكاء الْآدَمِيّين الْبَاب الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ فِي ذكر مَا ضَربته الْعَرَب والحكماء مثلا على أَلْسِنَة الْحَيَوَان
الْبَاب الأول فِي ذكر فضل الْعقل
أخبرنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد والقزاز قَالَا أَنبأَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أَنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن رزق قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ قَالَ حَدثنَا الْحَرْث بن أبي أُسَامَة قَالَ حَدثنَا دَاوُد بن الْمُجبر قَالَ حَدثنَا عباد بن كثير عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه دخل على عَائِشَة فَقَالَ يَا أم الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت الرجل يقل قِيَامه وَيكثر رقاده وَآخر يكثر قِيَامه ويقل رقاده أَيهمَا أحب إِلَيْك قَالَت سَأَلت رَسُول الله ﷺ كَمَا سَأَلتنِي عَنهُ فَقَالَ أحسنهما عقلا قلت يَا رَسُول الله أَسأَلك عَن عبادتهما فَقَالَ يَا عَائِشَة إِنَّمَا يسئلان عَن عقولهما فَمن كَانَ أَعقل كَانَ
стр. 4
أفضل فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب قَالَ أخبرنَا أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمسيب قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنَا بفية قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن عَمْرو عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تعجبوا بِإِسْلَام امْرِئ حَتَّى تعرفوا عقدَة عقله أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ أخبرنَا عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْملك بن بشر قَالَ أخبرنَا عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ حَدثنَا القَاضِي أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن أَحْمد بن نصر قَالَ حَدثنَا جَعْفَر الفيريابي قَالَ حَدثنَا أَبُو مَرْوَان هِشَام بن خَالِد الْأَزْرَق قَالَ حَدثنَا الْحسن بن يحيى الْخُشَنِي عَن أبي عبد الله مولى بني أُميَّة عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أول شَيْء خلقه الله الْقَلَم ثمَّ خلق النود وَهِي الدواة ثمَّ قَالَ لَهُ أكتب قَالَ وَمَا أكتب قَالَ اكْتُبْ مَا يكون وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ خلق الْعقل وَقَالَ وَعِزَّتِي لأكملنك فِيمَن أَحْبَبْت ولأنقصنك مِمَّن أبغضت
أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ أخبرنَا ابْن الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن الْحَرْث قَالَ حَدثنَا جدي مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم قَالَ حَدثنَا الْهَيْثَم ابْن عدي قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش عَن عمر وبن مرّة عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما خلق الله الْعقل قَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ ثمَّ قَالَ لَهُ أقبل فَأقبل قَالَ وَعِزَّتِي مَا خلقت خلقا قطّ أحسن مِنْك فبك أعطي وَبِك آخذ وَبِك أعاقب
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن أَحْمد الْحداد قَالَ أَنبأَنَا أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد الله قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ قَالَ حَدثنَا الْحَرْث عَن أبي أُسَامَة قَالَ حَدثنَا دَاوُد بن الْمُجبر قَالَ حَدثنَا عباد كثير عَن إِدْرِيس عَن
стр. 5
وهب بن مُنَبّه قَالَ إِنِّي وجدت فِيمَا انْزِلْ الله على أنبيائه أَن الشَّيْطَان لم يكابد شَيْئا أَشد عَلَيْهِ من مُؤمن عَاقل وَأَنه يكابد مائَة جَاهِل فيستجرهم حَتَّى يركب رقابهم فينقادون لَهُ حَيْثُ شَاءَ ويكابد الْمُؤمن الْعَاقِل فيتصعب عَلَيْهِ حَتَّى لَا ينَال مِنْهُ شَيْئا من حَاجته وَقَالَ وهب لإِزَالَة الْجَبَل صَخْرَة صَخْرَة وحجراً حجرا أيسر على الشَّيْطَان من مكابدة الْمُؤمن الْعَاقِل لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مُؤمنا عَاقِلا ذَا بَصِيرَة فَهُوَ أثقل على الشَّيْطَان من الْجبَال وأصعب من الْحَدِيد وَأَنه ليزاوله بِكُل حِيلَة فَإِذا لم يقدر أَن يستزله قَالَ يَا ويله مَا لَهُ وَلِهَذَا لَا طَاقَة لي بِهَذَا ويرفضه ويتحول إِلَى الْجَاهِل فيستأسره ويتمكن من قياده حَتَّى يُسلمهُ إِلَى الفضائح الَّتِي يتعجلها فِي عَاجل الدُّنْيَا كالجلد وَالرَّجم وَالْحلق وتسخيم الْوُجُوه وَالْقطع والصلب وَإِن الرجلَيْن ليستويان فِي أَعمال الْبر وَيكون بَينهمَا كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب أَو أبعد إِذا كَانَ أَحدهمَا أَعقل من الآخر
أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت عَن بنْدَار قَالَ أخبرنَا أبي قَالَ أخبرنَا أبي على بن دَوْمًا قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْقطَّان قَالَ أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن عِيسَى الْعَطَّار قَالَ أَنبأَنَا إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي قَالَ أخبرنَا إِدْرِيس عَن جده وهب بن مُنَبّه أَن لُقْمَان ﵇ قَالَ لِابْنِهِ يَا بني اعقل عَن الله فَإِن أَعقل النَّاس عَن الله أحْسنهم عملا وَإِن الشَّيْطَان ليفر من الْعَاقِل وَمَا يَسْتَطِيع أَن يكابده يَا بني مَا عبد الله بِشَيْء أفضل من الْعقل
أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا عبيد الله بن مُحَمَّد العيشي قَالَ حَدثنَا وهيب قَالَ أخبرنَا الْجريرِي عَن أبي الْعَلَاء عَن مطرف أَنه قَالَ مَا أُوتِيَ عبد بعد الْإِيمَان أفضل من الْعقل
أخبرنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا أَحْمد قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن عبد
стр. 6
الله قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن الطُّفَيْل قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي السرى قَالَ حَدثنَا دَاوُد عَن خُلَيْد بن دعْلج قَالَ سَمِعت مُعَاوِيَة بن قُرَّة يَقُول إِن الْقَوْم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون وَيصلونَ وَيَصُومُونَ وَمَا يُعْطون يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا على قدر عُقُولهمْ
أخبرنَا أَبُو المعمر الْأنْصَارِيّ قَالَ أخبرنَا صاعد بن سيار قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن سهل الفروجي قَالَ أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَافِظ إجَازَة قَالَ أخبرنَا الْحسن بن أَحْمد الْفَقِيه قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن الْمسيب قَالَ أخبرنَا عبد الله بن حبيق قَالَ حَدثنَا عبد الله بن ضريس عَن أبي زَكَرِيَّا قَالَ إِن الرجل ليتلذذ فِي الْجنَّة بِقدر عقله
الْبَاب الثَّانِي فِي ذكر مَاهِيَّة الْعقل وَمحله
نقل إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ الْعقل غريزة وَمثله عَن الْحَرْب المحاسبي وروى عَن المحاسبي أَيْضا أَنه قَالَ هُوَ نور وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ قُوَّة يفصل بهَا بَين حقائق المعلومات وَقَالَ قوم هُوَ نوع من الْعُلُوم الضرورية وَهُوَ الْعلم بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ جَوْهَر بسيط وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ جسم شفاف وَسُئِلَ إعرابي عَن الْعقل فَقَالَ لب اغتنمته بتجريب وَاعْلَم أَن التَّحْقِيق فِي هَذَا أَن يُقَال هُنَا الِاسْم أعنى الْعقل ينْطَلق بالاشتراك على أَرْبَعَة معَان أَحدهَا الْوَصْف الَّذِي يُفَارق بِهِ الْإِنْسَان الْبَهَائِم وَهُوَ الَّذِي استعد لقبُول الْعُلُوم النظرية وتدبير الصناعات الْخفية الفكرية وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ من قَالَ غريزة وَكَأَنَّهُ نور يقذف فِي الْقلب يستعد بِهِ لإدراك الْأَشْيَاء وَالثَّانِي مَا وضع فِي الطباع من الْعلم بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَالثَّالِث عُلُوم تستفاد من التجارب تسمى عقلا وَالرَّابِع أَن مُنْتَهى قوته الغريزية إِلَى
стр. 7
أَن نقمع الشَّهْوَة الداعية إِلَى اللَّذَّة العاجلة وَالنَّاس يتفاوتون فِي هَذِه الْأَحْوَال إِلَّا فِي الْقسم الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْعلم الضَّرُورِيّ وَقد شرحنا هَذَا وَذكرنَا فَضَائِل الْعقل فِي كتَابنَا الْمُسَمّى بمنهاج القاصدين وَهَذِه الْإِشَارَة تَكْفِي هَهُنَا فصل وَمَا اشتقاق هَذَا الِاسْم أَعنِي الْعقل فَقَالَ ثَعْلَب أَصله الِامْتِنَاع يُقَال عقلت النَّاقة إِذا منعتها من السّير وعقل بطن الرجل إِذا أحبس فصل وَأما مَحَله فَنقل الْفضل بن زِيَاد عَن أَحْمد أَن مَحَله الدِّمَاغ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَذهب جمَاعَة من أَصْحَابنَا إِلَى أَنه فِي الْقلب كَمَا يرْوى عَن الشَّافِعِي وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ أَي عقل فَعبر بِالْقَلْبِ عَنهُ لِأَنَّهُ مَحَله
الْبَاب الثَّالِث فِي بَيَان معنى الذِّهْن والفهم والذكاء
حد الذِّهْن قُوَّة النَّفس المهيأة المستعدة لِاكْتِسَابِ الآراء وحد الْفَهم جودة التهيء لهَذِهِ الْقُوَّة وحد الذكاء جودة حدس من هَذِه الْقُوَّة تقع فِي زمَان قصير غير ممهل فَيعلم الذكي معنى القَوْل عِنْد سَمَاعه وَقَالَ بَعضهم حد الذكاء سرعَة الْفَهم وحدته والبلادة جموده وَقَالَ الزّجاج الذكاء فِي اللُّغَة تَمام الشَّيْء وَمِنْه الذكاء فِي السن وَهُوَ تَمام السن وَمِنْه الذكاء فِي الْفَهم وَهُوَ أَن يكون فهما تَاما سريع القبولِ وذكيت النَّار إِذا أتممت إشعالها أخبرنَا أَبُو غَالب أَحْمد ابْن الْحسن بن الْبناء وَحدثنَا عَنهُ الْمُبَارك بن عَليّ قَالَ أخبرنَا القَاضِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن سُوَيْد قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر بن الأنياري قَالَ قَوْلهم فلَان ذكي مَعْنَاهُ كَامِل الفطنة تامها من قَول الْعَرَب قد ذكت النَّار تذكو إِذا تمّ وقودها وَيُقَال أذكيتها إِنَّا إِذا أتممت وقودها وَيُقَال مسك ذكي إِذا كَانَ تَامّ الطّيب كَامِل نَفاذ الرِّبْح
стр. 8
قَالَ جميل
(صادت فُؤَادِي بعينيها ومبتسم ... كَأَنَّهُ حِين أبدته لنا برد)
(عذب كَانَ ذكي الْمسك خالطه ... والزنجبيل وَمَاء المزن والشهد)
وَيُقَال قد ذكيت الشَّاة إِذا أتممت ذَبحهَا وَبَلغت الْحَد الْوَاجِب فِيهِ قَالَ الشَّاعِر
(نعم هُوَ ذكاها وَأَنت أضعتها ... والهاك عَنْهَا خرفة وفطيم)
وَالْعرب تَقول جرى المذكيات غلاب أَي جرى المسان مغالبة وَذَلِكَ أَن المذكية من الْخَيل وَهِي الَّتِي تمت قوتها وشبابها تحمل على الخشن من الأَرْض للثقة بقوتها وصلابتها وَأَنَّهَا لَيست كالجذاع وَالصغَار الَّتِي تطلب لَهَا الرخاوة من الأَرْض لِضعْفِهَا وصغرها فَإِنَّهَا لَا تثبت ثبات المذكيات وَبَعْضهمْ يَقُول جرى المذكيات غلاء والغلاء جمع غلوة وَهُوَ مدى الرمقة قَالَ الشَّاعِر فِي الَّذِي الذكاء مَعْنَاهُ تَمام الفطنة
(سهم الْفُؤَاد ذكاؤه مَا مثله ... عِنْد الْعَزِيمَة فِي الْأَنَام ذكاء)
وَقَالَ زُهَيْر فِي الذكاء الَّذِي مَعْنَاهُ تَمام السن
(ويفضلها إِذا اجتهدت عَلَيْهِ ... تَمام السن مِنْهُ والذكاء)
والذكاء فِي هذَيْن الْمَعْنيين مَمْدُود والذكا تَمام اتقاد النَّار مَقْصُور يكْتب بِالْألف
قَالَ الشَّاعِر
(وتضرم فِي الْقلب اضطراماً كَأَنَّهُ ... ذكا النَّار ترفيه الرِّيَاح النوافخ)
وَيُقَال مسك ذكي ومسك ذكية وَالَّذِي يذكر الْمسك يذكر وَالَّذِي يؤنث يَقُول ذهبت إِلَى الرَّائِحَة أنشدنا أَبُو الْعَبَّاس عَن سَلمَة عَن الْفراء
(لقد عاجلتني بالسباب وثوبها ... جَدِيد وَمن أثوابها الْمسك تنفح)
стр. 9
وَقد أَرَادَ بِهِ رَائِحَة الْمسك قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي أَخْبرنِي أبي قَالَ أخبرنَا أَبُو عَفَّان المهزمي قَالَ الْمسك والعنبر يؤنثان ويذكران
الْبَاب الرَّابِع فِي ذكر العلامات الَّتِي يسْتَدلّ بهَا على عقل الْعَاقِل وذكاء الذكي
قَالَ مؤلف الْكتاب هَذِه العلامات تَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهَا من حَيْثُ الصُّورَة وَالثَّانِي من حَيْثُ الْمَعْنى وَالْأَحْوَال وَالْأَفْعَال
ذكر الْقسم الأول قَالَ الْحُكَمَاء الْخلق المعتدل والبنية المتناسبة دَلِيل على قُوَّة الْعقل وجودة الفطنة وَإِذا غلظت الرَّقَبَة دلّت على قُوَّة الدِّمَاغ ووفوره وَمن كَانَت عينه تتحرك بِسُرْعَة وحدة فَهُوَ مكار محتال لص وَأحمد الْعُيُون الشهل وَإِذا لم تكن الشهلاء شَدِيدَة البريق وَلَا يظْهر عَلَيْهَا صفرَة وَلَا حمرَة دلّت على طبع جيد وَإِذا كَانَت الْعين صَغِيرَة غائرة فصاحبها مكار حسود وَمن كَانَ نحيف الْوَجْه فَهُوَ فهم مهتم بالأمور واللطف فِي التحاف الْقصار أظهرُوا المعتدلون فِي الطول صالحو الْحَال
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ أخبرنَا أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد الله الْأَصْفَهَانِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ حَدثنَا الْحُسَيْن بن عَليّ بن نصر قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم قَالَ حَدثنَا الْهَيْثَم بن عدي قَالَ حَدثنَا ابْن عَيَّاش قَالَ حَدثنَا الشّعبِيّ قَالَ حَدثنِي عجلاً قَالَ لي زِيَاد ادخل على رجلا عَاقِلا قلت لَا أعرف من تَعْنِي قَالَ لَا يخفى الْعَاقِل فِي وَجهه وقده فَخرجت فَإِذا أَنا بِرَجُل حسن الْوَجْه مديد الْقَامَة فصيح اللِّسَان قلت ادخل فَدخل فَقَالَ زِيَاد يَا هَذَا إِنِّي قد أردْت مشاورتك فِي أَمر فَمَا عنْدك قَالَ أَنِّي حاقن وَلَا رَأْي لحاقن قَالَ يَا عجلَان أدخلهُ المتوضأ
стр. 10
فَلَمَّا خرج قَالَ إِنِّي جَائِع وَلَا رَأْي لجائع قَالَ يَا عجلَان أئته بِالطَّعَامِ فَأتى بِهِ فَطَعِمَ ثمَّ قَالَ سل عَمَّا بدا لَك فَمَا سَأَلَهُ عَن شئ إِلَّا وجد عِنْده بعض مَا يُرِيد أخبرنَا المحمد أَن ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا أخبرنَا حمد بن أَحْمد قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى قَالَ سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول من وجدت فِيهِ خمس خِصَال رجيت لَهُ السَّعَادَة وَلَو قبل مَوته بساعتين قيل مَا هِيَ قَالَ اسْتِوَاء الْخلق وخفة الرّوح وغزارة الْعقل وصفاء التَّوْحِيد وَطيب المولد
ذكر الْقسم الثَّانِي وَهُوَ الِاسْتِدْلَال على عقل الْعَاقِل بالأفعال والأقوال
قَالَ الْمُؤلف يسْتَدلّ على عقل الْعَاقِل بسكوته وسكونه وخفض بَصَره وحركاته فِي أماكنها اللائقة بهَا ومراقبته للعواقب فَلَا تستفزه شَهْوَة عاجلة عقباها ضَرَر وتراه ينظر فِي الفضاء فَيتَخَيَّر الْأَعْلَى والأحمد عَاقِبَة من مطعم ومشرب وملبس وَقَول وَفعل وَيتْرك مَا يخَاف ضَرَره ويستعد لما يجوز وُقُوعه
أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت بن بنْدَار قَالَ أخبرنَا أبي قَالَ أخبرنَا الْحسن بن الْحُسَيْن دَوْمًا قَالَ أخبرنَا مخلد بن جفعر قَالَ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْقطَّان قَالَ أخبرنَا إِسْمَعِيل بن عِيسَى الْعَطَّار قَالَ أخبرنَا أَبُو حُذَيْفَة إِسْحَق ابْن بشر الْقرشِي قَالَ أخبرنَا جَعْفَر بن الْحَرْث عَن شهر بن حَوْشَب قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء أَلا أنبئكم بعلامة الْعَاقِل يتواضع لمن فَوْقه وَلَا يزدري من دونه يمسك الْفضل من منْطقَة يخالق النَّاس بأخلاقهم ويحتجر الْإِيمَان فِيمَا بَينه وَبَين ربه فَهُوَ يمشي فِي الدُّنْيَا بالتقية والكتمان
стр. 11
قَالَ الْقرشِي وَأَخْبرنِي إِدْرِيس عَن جده وهب بن مُنَبّه أَن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ يَا بني مَا يتم عقل امْرِئ حَتَّى يكون فِيهِ عشر خِصَال الْكبر مِنْهُ مَأْمُون والرشد فِيهِ مأمول يُصِيب من الدُّنْيَا الْقُوت وَفضل مَاله مبذول التَّوَاضُع أحب إِلَيْهِ من الشّرف والذل أحب إِلَيْهِ من الْعِزّ لَا يسام من طلب الْفِقْه طول دهره وَلَا يتبرم من طلب الْحَوَائِج من قبله يستكثر قَلِيل الْمَعْرُوف من غَيره ويستقل كثير الْمَعْرُوف من نَفسه والخصلة الْعَاشِرَة الَّتِي بهَا مجده وَأَعْلَى ذكره أَن يرى جَمِيع أهل الدُّنْيَا خيرا مِنْهُ وَأَنه شرهم وَإِن رأى خيرا مِنْهُ سره ذَلِك وَتمنى أَن يلْحق بِهِ وَأَن رأى شرا مِنْهُ قَالَ لَعَلَّ هَذَا ينجو وَأهْلك أَنا فهنالك حِين اسْتكْمل الْعقل قَالَ الْقرشِي وَأَخْبرنِي عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن مَكْحُول أَن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ غَايَة الشّرف والسؤود حسن الْعقل وَمن حسن عقله غطى ذَلِك جَمِيع ذنُوبه واصلح ذَلِك مساويه ورضى عَنهُ مَوْلَاهُ أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا أَحْمد عَليّ بن ثَابت قَالَ أَخْبرنِي أَبُو الْوَلِيد الْحسن بن مُحَمَّد الدربندي قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْوراق قَالَ حَدثنَا أَبُو أَحْمد عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الله الْمروزِي قَالَ حَدثنَا شهَاب بن الْحسن العكبري قَالَ سَمِعت الْأَصْمَعِي يَقُول سَمِعت إبان بن جرير يَقُول قَالَ الملهب بن أبي صفرَة يُعجبنِي أَن أرى عقل الْكَرِيم زَائِدا على لِسَانه وَلَا يُعجبنِي أَن أرى لِسَانه زَائِدا على عقله
الْبَاب الْخَامِس فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين مِمَّا يدل على قُوَّة الفطنة
مَعْلُوم أَن فطن الْأَنْبِيَاء فَوق الفطن وَلَكنَّا أحببنا أَن لَا نخلى كتَابنَا هَذَا من شَيْء عَنْهُم فَمن الْمَنْقُول عَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵊ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أخبرنَا أَبُو
стр. 12
الْحُسَيْن بن زرقويه قَالَ أخبرنَا عُثْمَان بن أَحْمد الدقاق قَالَ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْقطَّان قَالَ أخبرنَا إِسْمَعِيل بن عِيسَى قَالَ أخبرنَا أَبُو حُذَيْفَة اسحق بن بشر عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما رَأَتْ سارة إِبْرَاهِيم قد شغف بِأم إِسْمَاعِيل غارت غيرَة شَدِيدَة وَحلفت لتقطعن عضوا من أَعْضَاء هَاجر فَبلغ ذَلِك هَاجر فَلبِست درعا وَجَرت ذيلها فَهِيَ أول نسَاء الْعَالمين جرت الذيل وَإِنَّمَا فعلت ذَلِك لتعفى أَثَرهَا فِي الطَّرِيق على سارة فَقَالَ إِبْرَاهِيم هَل لَك فِي خير أَن تعفى عَنْهَا وترضى بِقَضَاء الله قَالَت وَكَيف لي بِمَا قد حَلَفت قَالَ اخفضيها فَتكون سنة النِّسَاء وتبر يَمِينك قَالَت افْعَل فخفضتها فمضت السّنة للنِّسَاء بالخفض مِنْهَا أخبرنَا عبد الأول قَالَ أَنبأَنَا الداوودي قَالَ أخبرنَا ابْن أعين قَالَ حَدثنَا الفريري قَالَ حَدثنَا البُخَارِيّ قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَكثير بن كثير بن الْمطلب بن أبي ودَاعَة يزِيد أَحدهمَا على الآخر عَن سعيد بن جُبَير قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس لما شب إِسْمَاعِيل تزوج امْرَأَة من جرهم فجَاء إِبْرَاهِيم فَلم يجد إِسْمَاعِيل فَسَأَلَ امْرَأَته فَقَالَت خرج يَبْتَغِي لنا ثمَّ سَأَلَهَا عَن عيشهم فَقَالَت نَحن بشر فِي ضيق وَشدَّة وَشَكتْ إِلَيْهِ فَقَالَ فَإِذا جَاءَ زَوجك فاقرئي ﵇ وَقَوْلِي لَهُ يُغير عتبَة بَابه فَلَمَّا جَاءَ فَأَخْبَرته قَالَ ذَاك أبي وَقد أَمرنِي أَن أُفَارِقك الْحق بأهلك
قَالَ الْمُؤلف وَهَذَا الحَدِيث يدل على فطنة إِسْمَاعِيل أَيْضا وَمن الْمَنْقُول عَن سُلَيْمَان ﵊ أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ بن الْمَذْهَب قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر بن مَالك قَالَ أخبرنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا يُونُس قَالَ حَدثنَا لَيْث عَن مُحَمَّد بن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ خرجت امْرَأَتَانِ ومعهما صبيان فَعدا الذِّئْب على أَحدهمَا فأخذتا يختصمان فِي الصَّبِي الْبَاقِي فاختصما
стр. 13
إِلَى دَاوُد ﵊ فَقضى بِهِ للكبرى مِنْهُمَا فمرتا على سُلَيْمَان ﵇ فَقَالَ مَا أمركما فقصتا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ ائْتُونِي بالسكين اشق الْغُلَام بَيْنكُمَا فَقَالَت الصُّغْرَى أتشقه قَالَ نعم قَالَت لَا تفعل حظي مِنْهُ لَهَا فَقَالَ هُوَ ابْنك فَقضى بِهِ لَهَا أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد الْحداد قَالَ أَنبأَنَا أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد الله قَالَ حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن سِنَان قَالَ حَدثنَا وهب بن جرير قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ سَمِعت عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر يَقُول بعث سُلَيْمَان ﵇ إِلَى مَا روى من مَرَدَة الْجِنّ فَأتى بِهِ فَلَمَّا كَانَ على بَاب سُلَيْمَان أَخذ عودا فذرعه بذراعه وَرمى بِهِ وَرَاء الْحَائِط فَوَقع بَين يَدي سُلَيْمَان فَقَالَ مَا هَذَا فَأخْبر بِمَا صنع المارد قَالَ أَتَدْرُونَ مَا أَرَادَ قَالُوا لَا قَالَ يَقُول اصْنَع مَا شِئْت فَإنَّك تصير إِلَى مثل هَذَا من الأَرْض
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَان بن أَحْمد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن هرون بن بكار الدِّمَشْقِي قَالَ حَدثنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن مَكْحُول قَالَ أَبُو هُرَيْرَة بَينا سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ يسْعَى فِي موكبه إِذْ مر بِامْرَأَة تصيح بابنها يالدين فَوقف سُلَيْمَان وَقَالَ إِن دين الله ظَاهر فَأرْسل إِلَى الْمَرْأَة فَسَأَلَهَا فَقَالَت أَن زَوجهَا سَافر وَله شريك فَزعم شَرِيكه إِنَّه مَاتَ وَأوصى إِن ولدت غُلَاما أَن أُسَمِّيهِ يالادين فَأرْسل إِلَى الشَّرِيك فاعترف أَنه قَتله فَقتله سُلَيْمَان ﵇
حَدثنَا مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى سُلَيْمَان النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا نَبِي الله إِن لي جيرانا يسرقون أوزي فَنَادَى الصَّلَاة جَامِعَة ثمَّ خطبهم فَقَالَ فِي خطبَته وأحدكم يسرق أوز جَاره ثمَّ يدْخل الْمَسْجِد والريش على رَأسه فَمسح رجل بِرَأْسِهِ فَقَالَ سُلَيْمَان خذوه فَإِنَّهُ صَاحبكُم وَمن الْمَنْقُول
стр. 14
عَن عِيسَى ﵇ أَن إِبْلِيس جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ السِّت تزْعم أَنه لَا يصيبك إِلَّا مَا كتب الله لَك قَالَ بلَى قَالَ فارم بِنَفْسِك من هَذَا الْجَبَل فَإِنَّهُ إِن قدر لَك السَّلامَة تسلم فَقَالَ لَهُ يَا مَلْعُون إِن الله إِن يختبر عباده وَلَيْسَ للْعَبد أَن يختبر ربه
الْبَاب السَّادِس فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْأُمَم السالفة
فَمن الْمَنْقُول عَن لُقْمَان حَدثنَا مَكْحُول أَن لُقْمَان الْحَكِيم كَانَ عبدا نوبيا أسود وَكَانَ قد أعطَاهُ الله تَعَالَى الْحِكْمَة وَكَانَ لرجل من بني إِسْرَائِيل اشْتَرَاهُ بِثَلَاثِينَ مِثْقَالا ونش يعْنى نصف مِثْقَال وَكَانَ يعْمل لَهُ وَكَانَ مَوْلَاهُ يلْعَب بالنرد يقامر عَلَيْهِ وَكَانَ على بَابه نهر جَار فلعب يَوْمًا بالنرد على أَن من قمر صَاحبه شرب المَاء الَّذِي فِي النَّهر كُله أَو افتدي مِنْهُ وَإِن هُوَ قمر صَاحبه فعل بِهِ مثل ذَلِك قَالَ فقمر سيد لُقْمَان فَقَالَ لَهُ القامر أشْرب مَا فِي النَّهر وَإِلَّا فافتد مِنْهُ قَالَ فسلني الْفِدَاء قَالَ عَيْنَيْك أفقؤهما أَو جَمِيع مَا تملك قَالَ أمهلني يومي هَذَا قَالَ لَك ذَلِك قَالَ فأمسى كئيباً حَزينًا إِذْ جَاءَهُ لُقْمَان وَقد حمل حزمة على ظَهره فَسلم على سَيّده ثمَّ وضع مَا مَعَه وَرجع إِلَى سَيّده وَكَانَ سَيّده إِذا رَآهُ عَبث بِهِ وَيسمع مِنْهُ الْكَلِمَة الحكيمة فيعجب مِنْهُ فَلَمَّا جلس إِلَيْهِ قَالَ لسَيِّده مَا لي أَرَاك كئيباً حَزينًا فاعرض عَنهُ فَقَالَ لَهُ الثَّانِيَة مثل ذَلِك فاعرض عَنهُ ثمَّ قَالَ لَهُ الثَّالِثَة مثل ذَلِك فاعرض عَنهُ فَقَالَ لَهُ أَخْبرنِي فَلَعَلَّ لَك عِنْدِي فرجا فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ لَهُ لُقْمَان لَا تغتم فَإِن لَك عِنْدِي فرجا قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إِذا أَتَاك الرجل فَقَالَ لَك اشرب مَا فِي النَّهر فَقل لَهُ اشرب مَا بَين ضفتي النَّهر أَو الْمَدّ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَك اشرب مَا بَين الضفتين فَإِذا قَالَ لَك ذَلِك فَقل لَهُ احْبِسْ عني الْمَدّ حَتَّى اشرب مَا بَين الضفتين فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَن يحبس عَنْك الْمَدّ وَتَكون قد
стр. 15
خرجت مِمَّا ضمنت لَهُ فَعرف سَيّده أَنه قد صدق فطابت نَفسه فَلَمَّا أصبح جَاءَهُ الرجل فَقَالَ لَهُ فولي بشرطي قَالَ لَهُ نعم اشرب مَا بَين الضفتين أَو الْمَدّ قَالَ لَا بل مَا بَين الضفتين قَالَ فاحبس عني الْمَدّ قَالَ كَيفَ أَسْتَطِيع قَالَ فخصمه قَالَ فاعتقه مَوْلَاهُ
حَدثنَا مُحَمَّد بن اسحق قَالَ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ يَا بني إِذا أردْت أَن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذَلِك فَإِن أنصفك عِنْد غَضَبه وَإِلَّا فاحذره وَمن ذَلِك مَا نقل عَن عبد الله بن عَامر الْأَزْدِيّ فِي الاحتيال للسلامة من سيل العرم حَدثنَا الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس لقد كَانَ لسبأ فِي مساكنهم آيَة قَالَ كَانَت لَا تَنْقَطِع عَنْهُم جنتهم شتاء وَلَا صيفاً فَكَفرُوا مَا أنعم الله عَلَيْهِم فَأرْسل عَلَيْهِم سيل العرم فَسلط على الرَّدْم الَّذِي بنوه على غير شربهم جرذاً لَهُ مخاليب وأنياب من حَدِيد فَأول من علم بذلك عبد الله بن عَامر الْأَزْدِيّ فَانْطَلق نَحْو الرَّدْم فَرَأى الجرذ يحْفر بمخاليب من حَدِيد ويقرض بأنياب من حَدِيد فَانْصَرف إِلَى أَهله فَأخْبر امْرَأَته وأراها ذَلِك وَأرْسل إِلَى بنيه فَقَالَ هَل ترَوْنَ مَا رَأينَا قَالُوا نعم قَالَ فَإِن هَذَا الْأَمر لَيْسَ لنا إِلَيْهِ سَبِيل اضمحلت الْحِيَل فِيهِ لِأَن الْأَمر لله وَقد أذن فِي هَلَاكه فَأتى بهرة والجرذ يحْفر وَلَا يكترث بالهرة فَلَمَّا رَأَتْ الْهِرَّة ذَلِك ولت هاربة فَقَالَ عبد الله احْتَالُوا لأنفسكم قَالُوا يَا أَبَت كَيفَ نحتال قَالَ إِنِّي محتال لكم بحيلة قَالَ فَدَعَا أَصْغَر بنيه ثمَّ قَالَ لَهُ إِذا جَلَست الْيَوْم فِي الْمجْلس وَكَانَ النَّاس يَجْتَمعُونَ إِلَيْهِ وينتهون إِلَى رَأْيه فَإِذا اجْتَمعُوا أمرت أصغركم بِأَمْر فليغفل عَنهُ فَإِذا شتمته فليهم إِلَى فليلطمني وَلَا تتغيروا أَنْتُم عَلَيْهِ فَإِذا رأى الجلساء أَنكُمْ لم تتغيروا على أخيكم لم يَجْسُر أحد مِنْهُم أَن يتَغَيَّر عَلَيْهِ فاحلف أَنا عِنْد ذَلِك يَمِينا لَا كَفَّارَة لَهَا إِن لَا أقيم بَين أظهر قوم قَامَ إِلَى أَصْغَر بني فلطمني فَلم يتغيروا عَلَيْهِ لذَلِك قَالُوا نَفْعل فَلَمَّا رَاح النَّاس إِلَيْهِ أَمر ابْنه بِبَعْض أمره فلهى عَنهُ ثمَّ أمره فلهى عَنهُ فشتمه فَقَامَ إِلَيْهِ فلطم وَجهه فعجبوا من جرْأَة ابْنه فنكسوا رؤوسهم وظنوا أَن وَلَده يتغيرون عَلَيْهِ فَلَمَّا لم يتَغَيَّر أحد مِنْهُم قَامَ الشَّيْخ فَحلف
стр. 16
أَن يتَحَوَّل عَنْهُم ويستبدلوا بداره فَلَا يُقيم بَين أظهر قوم لم يتغيروا على ابْنه فَقَامَ الْقَوْم معتذرين وَقَالُوا إِمَّا كُنَّا ظننا أَن ولدك لَا يتغيرون فَذَلِك الَّذِي منعنَا قَالَ قد سبق منى مَا ترَوْنَ وَلَيْسَ إِلَى غير التَّحْوِيل سَبِيل فَعرض ضيَاعه على البيع وَكَانَ النَّاس يتنافسون فِيهَا وَاحْتمل بثقله وَعِيَاله فتحول عَنْهُم فَلم يلبث الْقَوْم إِلَّا قَلِيلا حَتَّى أَتَى الجرذ على الرَّدْم فاستأصله فَلم يفاجئ الْقَوْم لَيْلَة بَعْدَمَا هدأت الْعُيُون إِذا هم بالسيل قد اقبل فَاحْتمل أنعامهم وَأَمْوَالهمْ وَخرب دِيَارهمْ وَقد جَاءَت أَخْبَار عَن القدماء ستراها فِي أَبْوَابهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْبَاب السَّابِع فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن نَبينَا ﷺ كَلِمَات تدل على قُوَّة الفطنة الفطرية
فَأَما مَا حصل لَهُ بتلقي الْوَحْي وتثقيفه فَذَلِك كثير وَلَيْسَ هُوَ مرادنا هَهُنَا إِنَّمَا المُرَاد الْقسم الأول أخبرنَا حَارِثَة بن مضرب عَن عَليّ ﵇ قَالَ لما سَار رَسُول الله ﷺ إِلَى بدر وجدنَا عِنْدهَا رجلَيْنِ رجلا من قُرَيْش وَمولى لعقبة بن أبي معيط فَأَما الْقرشِي فَأَفلَت وَأما مولى عقبَة فأخذناه فَجعلنَا نقُول لَهُ كم الْقَوْم فَيَقُول هم وَالله كثير عَددهمْ شَدِيد باسهم فَجعل الْمُسلمُونَ إِذا قَالَ ذَلِك ضربوه حَتَّى انْتَهوا بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ كم الْقَوْم فَقَالَ هم وَالله كثير عَددهمْ شَدِيد باسهم فجهد النَّبِي ﷺ أَن يُخبرهُ كم هم فَأبى ثمَّ أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَهُ كم ينحرون من الجزر فَقَالَ عشرا لكل يَوْم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْقَوْم ألف كل جزور لمِائَة وتبعها أخبرنَا كَعْب بن مَالك قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ قَلما يُرِيد غزَاة يغزوها الأورى بغَيْرهَا أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أخبرنَا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِن الله يعرض بِالْخمرِ سينزل فِيهَا أمرا فَمن كَانَ عِنْده مِنْهَا شَيْء فليبعه
стр. 17
فلينتفع بِهِ قَالَ فَمَا لبثنا إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَالَ ﷺ إِن الله حرم الْخمر فَمن أَدْرَكته هَذِه الْآيَة وَعِنْده مِنْهَا شَيْء فَلَا يشربه وَلَا يَبِيع فَاسْتقْبل النَّاس بِمَا كَانَ عِنْدهم مِنْهَا طرق الْمَدِينَة فسفكوها انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم
أخبرنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا أحدث أحدكُم فِي الصَّلَاة فليأخذ بِأَنْفِهِ ثمَّ لينصرف حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَن لي جَار يُؤْذِينِي فَقَالَ انْطلق واخرج متاعك إِلَى الطَّرِيق فَانْطَلق فَأخْرج مَتَاعه فَاجْتمع النَّاس عَلَيْهِ فَقَالُوا مَا شَأْنك قَالَ لي جَار يُؤْذِينِي فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ انْطلق واخرج متاعك إِلَى الطَّرِيق فَجعلُوا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ العنه اللَّهُمَّ أخزه فَبَلغهُ فَأَتَاهُ فَقَالَ ارْجع إِلَى مَنْزِلك فوَاللَّه لَا أؤذيك
حَدثنَا زيد بن أسلم أَن رجلا قَالَ لِحُذَيْفَة يَا حُذَيْفَة نشكو إِلَى الله صحبتكم رَسُول الله أدركتموه وَلم ندركه ورأيتموه وَلم نره فَقَالَ حُذَيْفَة وَنحن نشكو إِلَى الله إيمَانكُمْ بِهِ وَلم تروه وَالله مَا تَدْرِي يَا ابْن أخي لَو أَدْرَكته كَيفَ كنت تكون لقد رَأَيْتنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ لَيْلَة الخَنْدَق فِي لَيْلَة بَارِدَة مظْلمَة مطيرة وَقد نزل أَبُو سُفْيَان وَأَصْحَابه بالعرصة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من رجل يذهب فَيعلم لنا علم الْقَوْم أدخلهُ الله الْجنَّة فَمَا قَامَ منا أحد ثمَّ قَالَ من رجل يذهب فَيعلم لنا علم الْقَوْم جعله الله رَفِيق إِبْرَاهِيم يَوْم الْقِيَامَة فوَاللَّه مَا قَامَ منا أحد فَقَالَ من رجل يذهب فَيعلم لنا علم الْقَوْم جعله الله رفيقي يَوْم الْقِيَامَة فوَاللَّه مَا قَامَ أحد منا فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله ابْعَثْ حُذَيْفَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا حُذَيْفَة فَقلت لبيْك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي فَقَالَ هَل أَنْت ذَاهِب فَقلت وَالله مَا بِي أَن أقتل ولكنني أخْشَى أَن أؤسر فَقَالَ أَنَّك لن تؤسر فَقلت مرني يَا رَسُول الله بِمَا شِئْت فَقَالَ اذْهَبْ حَتَّى تدخل بَين ظهراني الْقَوْم فَاتَ قُريْشًا فَقل يَا معشر قُرَيْش إِنَّمَا يُرِيد النَّاس إِذا كَانَ غَدا أَن يَقُولُوا أَيْن قُرَيْش أَيْن قادة النَّاس أَيْن رُؤُوس النَّاس فيقدمونكم فتصلون الْقِتَال
стр. 18
فَيكون الْقَتْل بكم ثمَّ ائْتِ قيسا فَقل يَا معشر قيس إِنَّمَا يُرِيد النَّاس إِذا كَانَ غَدا أَن يَقُولُوا أَيْن أحلاس الْخَيل أَيْن الفرسان فيقدمونكم فتصلون الْقِتَال فَيكون الْقَتْل بكم فَانْطَلَقت حَتَّى دخلت بَين ظهراني الْقَوْم فَجعلت اصطلي مَعَهم على نيرانهم وَجعلت أبث ذَلِك الحَدِيث الَّذِي أَمرنِي بِهِ حَتَّى إِذا كَانَ وَجَاء السحر قَامَ أَبُو سُفْيَان فَدَعَا اللات والعزي وأشرك ثمَّ قَالَ لينْظر كل رجل من جليسه وَمَعِي رجل مِنْهُم يصطلي على النَّار فَوَثَبت عَلَيْهِ فَأخذت بِيَدِهِ مَخَافَة أَن يأخذني فَقلت من أَنْت فَقَالَ أَنا فلَان بن فلَان فَقلت أولى فَلَمَّا دنا الصُّبْح نادوا أَيْن قُرَيْش أَيْن رُؤُوس النَّاس فَقَالُوا هَات الَّذِي أَتَيْتنَا بِهِ البارحة أَيْن بَنو كنَانَة أَيْن الرُّمَاة فَقَالُوا هَات الَّذِي أَتَيْتنَا بِهِ البارحة فتخاذلوا وَبعث الله عَلَيْهِم تِلْكَ اللَّيْلَة الرّيح فَمَا تركت لَهُم بِنَاء إِلَّا هدمته وَلَا إِنَاء إِلَّا أكفاته حَتَّى لقد رَأَيْت أَبَا سُفْيَان وثب على جمل لَهُ مَعْقُول فَجعل يسحبه وَلَا يَسْتَطِيع أَن يقوم فَجئْت رَسُول الله ﷺ فَجعلت أخبرهُ عَن أبي سُفْيَان فَجعل يضْحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَجعلت انْظُر إِلَى أنيابه
عَن عَاصِم الْأَحول عَن الْحسن أَن رجلا أَتَى رَسُول الله ﷺ بِرَجُل قد قتل حميماً لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أتأخذ الدِّيَة قَالَ لَا قَالَ أفتعفو قَالَ لَا قَالَ اذْهَبْ فاقتله فَلَمَّا جاوزه الرجل قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن قَتله فَهُوَ مثله قَالَ فلحق الرجل رجل فَقَالَ لَهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كَذَا فَتَركه وَهُوَ يجر نسعه فِي عُنُقه قَالَ ابْن قُتَيْبَة لم يرد رَسُول الله ﷺ أَنه مثل فِي المأثم واستيجاب النَّار أَن قَتله وَكَيف يُرِيد هَذَا وَقد أَبَاحَ الله قَتله بِالْقصاصِ وَلَكِن كره رَسُول الله ﷺ أَن يقْتَصّ وَاجِب لَهُ الْعَفو فَعرض تعريضاً أَوْهَمهُ بِهِ أَنه إِن قَتله كَانَ مثله فِي الْإِثْم ليعفو عَنهُ وَكَانَ مُرَاده أَنه يقتل نفسا كَمَا قتل الأول نفسا فَهَذَا قَاتل وَهَذَا قَاتل فقد اسْتَويَا فِي قَاتل وَقَاتل إِلَّا أَن الأول ظَالِم وَالْآخر مقتص قَالَ مؤلف الْكتاب وَفِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ من هَذَا كثير خُصُوصا فِي المعاريض فلنقتصر على هَذِه النبذة
стр. 19
الْبَاب الثَّانِي فِي سِيَاق الْمَنْقُول من ذَلِك عَن أَصْحَاب نَبيا ﵃ أَجْمَعِينَ
فَمن الْمَنْقُول عَن أبي بكر الصّديق رضى الله عَنهُ حَدثنَا ثَابت عَن أنس قَالَ لما هَاجر رَسُول الله ﷺ كَانَ رَسُول الله ﷺ يركب وَأَبُو بكر رديفه وَكَانَ أَبُو بكر يعرف الطَّرِيق لاختلافه إِلَى الشَّام فَكَانَ يمر بالقوم فَيَقُولُونَ من هَذَا بَين يَديك يَا أَبَا بكر فَيَقُول هاد يهديني
حَدثنَا الْحسن قَالَ لما خرج رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر من الْغَار لم يستقبلهما أحد يعرف أَبَا بكر إِلَّا قَالَ لَهُ من هَذَا مَعَك يَا أَبَا بكر فَيَقُول دَلِيل يدلني الطَّرِيق وَصدق وَالله أَبُو بكر
حَدثنَا الْحسن قَالَ لما خرج رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر النَّاس فَقَالَ إِن الله خير عبدا بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ ذَلِك العَبْد مَا عِنْد الله قَالَ فَبكى أَبُو بكر فعجبنا من بكائه أَن خبر رَسُول الله عَن عبد خير فَكَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ الْمُخَير وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا بِهِ وَمن الْمَنْقُول عَن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ حَدثنَا اسْلَمْ عَن أَبِيه قَالَ قدمت على عمر بن الْخطاب حلل من الْيمن فَقَسمهَا بَين النَّاس فَرَأى فِيهَا حلَّة رَدِيئَة فَقَالَ كَيفَ أصنع بِهَذِهِ إِذا أعطيتهَا أحد لم يقبلهَا إِذا رأى هَذَا الْعَيْب فِيهَا قَالَ فَأَخذهَا فطواها فَجَعلهَا تَحت مَجْلِسه واخرج طرفها وَوضع الْحلَل بَين يَدَيْهِ فَجعل يقسم بَين النَّاس قَالَ فَدخل الزبير بن الْعَوام وَهُوَ تِلْكَ الْحَال قَالَ فَجعل ينظر إِلَى تِلْكَ الْحلَّة فَقَالَ لَهُ مَا هَذِه الْحلَّة قَالَ عمر دع هَذِه عَنْك قَالَ مَا هيه مَا هيه مَا شَأْنهَا قَالَ دعها عَنْك قَالَ فأعطينيها قَالَ إِنَّك لَا ترضاها قَالَ بلَى قد رضيتها فَلَمَّا توثق مِنْهُ وَاشْترط عَلَيْهِ أَن يقبلهَا وَلَا
стр. 20
يردهَا رمى بهَا إِلَيْهِ فَلَمَّا أَخذهَا الزبير وَنظر إِلَيْهَا إِذا هِيَ رَدِيئَة فَقَالَ لَا أريدها فَقَالَ عمر أيهات قد فرغت مِنْهَا فأجازها عَلَيْهِ وأبى أَن يقبلهَا مِنْهُ
حَدثنَا بريد بن جرير عَن أَبِيه عَن عمر قَالَ لَهُ وَالنَّاس يتحامون الْعرَاق وقتال الْأَعَاجِم سر بقومك فَمَا قد غلبت عَلَيْهِ فلك ربعه فَلَمَّا جمعت الْغَنَائِم غَنَائِم جلولاً ادّعى جرير أَن لَهُ ربع ذَلِك كُله فَكتب سعد إِلَى عمر بذلك فَكتب عمر صدق جرير قد قلت ذَلِك لَهُ فَإِن شَاءَ أَن يكون قَاتل هُوَ وَقَومه على جعل فَأَعْطوهُ جعله وَإِن يكن إِنَّمَا قَاتل لله ولدينه ولحبيبه فَهُوَ رجل من الْمُسلمين لَهُ مَا لَهُم وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم فَلَمَّا قدم الْكتاب على سعد أخبر جرير بذلك فَقَالَ جرير صدق أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا حَاجَة لي بِهِ بل أَنا رجل من الْمُسلمين
أخبرنَا نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ بَيْنَمَا عمر رضى الله عَنهُ جَالس إِذْ رأى رجلا فَقَالَ قد كنت مرّة ذَا فراسة وَلَيْسَ لي رَأْي إِن لم يكن هَذَا الرجل ينظر وَيَقُول فِي الكهانة شيا أَدْعُوهُ لي فَدَعوهُ فَقَالَ هَل كنت تنظر وَتقول فِي الكهانة شيا قَالَ نعم وَقد روينَا عَن عمر رضى الله عَنهُ أَنه خرج يعس الْمَدِينَة بِاللَّيْلِ فَرَأى نَارا موقدة فِي خباء فَوقف وَقَالَ يَا أهل الضَّوْء وَكره أَن يَقُول يَا أهل النَّار وَهَذَا من غَايَة الذكاء وروينا عَنهُ أَنه قَالَ لرجل عرس هَل كَانَ فَقَالَ لَا أَطَالَ الله بقاك فَقَالَ عمر قد علمْتُم فَلم تتعلموا هلا قلت لَا وَأطَال الله بقاك وَمن الْمَنْقُول عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵇ عَن أبي البخْترِي قَالَ جَاءَ رجل إِلَى عَليّ بن أبي طَالب فأطراه وَكَانَ بغضه فَقَالَ لَهُ أَنِّي لَيْسَ كَمَا تَقول وَإِنَّا فَوق مَا فِي نَفسك حَدثنَا عبد الله بن سَلمَة قَالَ سَمِعت عليا يَقُول بمسكن لَا أغسل رَأْسِي بِغسْل حَتَّى أُتِي الْبَصْرَة وأحرقها وأسوق النَّاس بعصاي إِلَى مصر قَالَ فَأتيت أَبَا مَسْعُود البدري فَأَخْبَرته أَن عليا يُورد الْأُمُور مواردها لَا يحسنون يصدرونها على رجل أصلع إِنَّمَا رَأسه مثل الطست إِنَّمَا حوله زغيبات أَو قَالَ شعيرات أخبرنَا سماك بن حَرْب عَن خنبش
стр. 21
بن الْمُعْتَمِر أَن رجلَيْنِ أَتَيَا امْرَأَة من قُرَيْش فاستودعاها مائَة دِينَار وَقَالا لَا تدفعيها إِلَى وَاحِد منا دون صَاحبه حَتَّى نَجْتَمِع فلبثا حولا فجَاء أَحدهمَا إِلَيْهَا فَقَالَ إِن صَاحِبي قد مَاتَ فادفعي إِلَيّ الدَّنَانِير فَأَبت وَقَالَت إنَّكُمَا قلتما لَا تدفعيها إِلَى وَاحِد منا دون صَاحبه فلست بدافعتها إِلَيْك فثقل عَلَيْهَا بِأَهْلِهَا وجيرانها فَلم يزَالُوا بهَا حَتَّى دفعتها إِلَيْهِ ثمَّ لَبِثت حولا فجَاء الآخر فَقَالَ ادفعي إِلَيّ الدَّنَانِير فَقَالَت إِن صَاحبك جَاءَنِي فَزعم أَنَّك مت فدفعتها إِلَيْهِ فاختصما إِلَى عمر بن الْخطاب فَأَرَادَ أَن يقْضِي عَلَيْهَا فَقَالَت أنْشدك الله أَن تقضي بَيْننَا ارفعنا إِلَى عَليّ فرفعهما إِلَى عَليّ وَعرف أَنَّهُمَا قد مكرا بهَا فَقَالَ أَلَيْسَ قد قلتما لَا تدفعيها إِلَى وَاحِد منا دون صَاحبه قَالَ بلَى قَالَ فَإِن مَالك عندنَا فَاذْهَبْ فجيء بصاحبك حَتَّى ندفعهما إلَيْكُمَا
أخبرنَا مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ أَنه جِيءَ بِرَجُل حلف فَقَالَ امْرَأَته طَالِق ثَلَاثًا إِن لم يَطَأهَا فِي شهر رَمَضَان نَهَارا فَقل تُسَافِر بهَا ثمَّ لتجامعها نَهَارا وَمن الْمَنْقُول عَن الْحسن بن عَليّ ﵉ قَالَ مؤلف الْكتاب قَرَأت بِخَط أبي الْوَفَاء بن عقيل قَالَ لما جِيءَ بِابْن ملجم إِلَى الْحسن قَالَ لَهُ أُرِيد أَن أسارك بِكَلِمَة فَأبى الْحسن وَقَالَ إِنَّه يُرِيد أَن يعَض أُذُنِي فَقَالَ ابْن ملجم وَالله لَو مكنني مِنْهَا لأخذتها من صماخة قَالَ ابْن عقيل انْظُر إِلَى حسن رأى هَذَا السَّيِّد الَّذِي قد نزل بِهِ من الْمُصِيبَة الفادحة مَا يذهل الْخلق وتقصيه إِلَى هَذَا الْحَد وَانْظُر إِلَى ذَلِك اللعين كَيفَ لم يشْغلهُ حَاله عَن اسْتِرْدَاد غشه وَمن الْمَنْقُول عَن الْحُسَيْن ﵇ أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن ريَاح الْموصِلِي قَالَ يروي أَن رجلا ادّعى على الْحُسَيْن بن عَليّ مَالا وَقدمه إِلَى القَاضِي فَقَالَ الْحُسَيْن ليحلف على مَا ادّعى وَيَأْخُذهُ فَقَالَ الرجل وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَقَالَ قل وَالله وَالله وَالله إِن هَذَا الَّذِي تدعيه لَك قبلي فَفعل الرجل وَقَامَ فاختلفت رِجْلَاهُ وَسقط مَيتا فَقيل للحسين فِي ذَلِك فَقَالَ كرهت أَن يمجد الله فيحلم عَنهُ وَمن الْمَنْقُول عَن الْعَبَّاس ﵇ أخبرنَا أَبُو رزين قَالَ سُئِلَ الْعَبَّاس أَنْت أكبر أم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 22
فَقَالَ هُوَ أكبر مني وَأَنا ولدت قبله أخبرنَا عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قيل لرَسُول الله ﷺ حِين فرغ من بدر عَلَيْك العير لَيْسَ دونهَا شَيْء فناداه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَهُوَ أَسِير فِي وثَاقه إِنَّه لَا يصلح لَك قَالَ وَلم قَالَ لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا وَعدك إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَقد أَعْطَاك مَا وَعدك
أخبرنَا مُجَاهِد قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ فِي أَصْحَابه إِذْ وجد ريحًا فَقَالَ ليقمْ صَاحب هَذِه الرّيح فَليَتَوَضَّأ فاستحيا الرجل ثمَّ قَالَ ليقمْ صَاحب هَذِه الرّيح فَليَتَوَضَّأ فَإِن الله لَا يستحي من الْحق فَقَالَ الْعَبَّاس إِلَّا نقوم يَا رَسُول الله فَليَتَوَضَّأ فَإِن الله لَا يستحي من الْحق فَقَالَ الْعَبَّاس إِلَّا نقوم مُرْسلا وَوَصله عَنهُ مُحَمَّد بن مُصعب القرساني فَقَالَ عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس وَقد جرى مثل هَذِه الْقَضِيَّة عِنْد عمر رضى الله عَنهُ عَن الشّعبِيّ أَن عمر كَانَ فِي بَيت وَمَعَهُ جرير بن عبد الله فَوجدَ عمر ريحًا فَقَالَ عزمت على صَاحب هَذِه الرّيح أَن قَامَ فَتَوَضَّأ فَقَالَ جرير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو يتَوَضَّأ الْقَوْم جَمِيعًا فَقَالَ عمر رَحِمك الله نعم السَّيِّد كنت فِي الْجَاهِلِيَّة وَنعم السَّيِّد أَنْت فِي الْإِسْلَام
وَمن الْمَنْقُول عَن عبد الله بن جَعْفَر أخبرنَا أَبُو مليك قَالَ قَالَ ابْن الزبير لِابْنِ جَعْفَر أَتَذكر إِذْ تلقينا رَسُول الله ﷺ أَنا وَأَنت وَابْن عَبَّاس فَقَالَ نعم فحملنا وتركك أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقد روى لنا هَذَا بِالْعَكْسِ عَن عبد الله ابْن أبي مليكَة قَالَ قَالَ عبد الله بن جَعْفَر لِابْنِ الزبير أَتَذكر إِذْ تلقينا رَسُول الله ﷺ أَنا وَأَنت وَابْن عَبَّاس قَالَ نعم فحملنا وتركك انْفَرد بِإِخْرَاج هَذَا مُسلم قَالَ مؤلف الْكتاب وَالظَّاهِر أَنه انْقَلب على الرَّاوِي وعَلى هَذَا تكون الْغِبْطَة لِابْنِ الزبير وَمن الْمَنْقُول عَن عبد الله بن رَوَاحَة حَدثنَا عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس أَن عبد الله بن رَوَاحَة كَانَ مُضْطَجعا إِلَى جنب امْرَأَة فَخرج إِلَى الْحُجْرَة فواقع جَارِيَة لَهُ فاستنبهت الْمَرْأَة فَلم تره فَخرجت فَإِذا هُوَ على بطن الْجَارِيَة فَرَجَعت فَأخذت شفرة فلقيها وَمَعَهَا الشَّفْرَة فَقَالَ لَهَا مَهيم فَقَالَت مَهيم أما أَنِّي لَو وَجَدْتُك حَيْثُ كنت لوجأتك بهَا قَالَ وَأَيْنَ قَالَت على بطن الْجَارِيَة قَالَ مَا كنت قَالَت بلَى قَالَ فَإِن رَسُول الله ﷺ نهى
стр. 23
أَن يقْرَأ أَحَدنَا الْقُرْآن وَهُوَ جنب فَقَالَت اقْرَأ فَقَالَ
(أَتَانَا رَسُول الله يَتْلُو كِتَابه ... كَمَا لَاحَ منشور من الصُّبْح سَاطِع)
(أرانا الْهدى بعد الْعَمى فَقُلُوبنَا ... بِهِ مُوقِنَات أَن مَا قَالَ وَاقع)
(بِبَيْت يُجَافِي جنبه على فرَاشه ... إِذا استثقلت بالكافرين الْمضَاجِع)
قَالَت آمَنت بِاللَّه وكذبت بَصرِي قَالَ فَغَدَوْت إِلَى النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرته فَضَحِك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَمن الْمَنْقُول عَن مُحَمَّد بن مسلمة عَن عَمْرو بن دِينَار سمع جَابِرا يَقُول قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لكعب بن الْأَشْرَف فَإِنَّهُ قد أَذَى الله وَرَسُوله فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن مسلمة أَتُحِبُّ أَن أَقتلهُ يَا رَسُول الله قَالَ نعم قَالَ إِنَّا لَهُ يَا رَسُول الله فائذن لي أَن أَقُول قَالَ قل فَأَتَاهُ مُحَمَّد بن مسلمة فَقَالَ إِن هَذَا الرجل قد أَخذنَا بِالصَّدَقَةِ وَقد عنانا وَقد مللنا مِنْهُ قَالَ الْخَبيث لما سَمعهَا وَالله لتملنه أَو لتملن مِنْهُ وَقد علمت أَن أَمركُم سيصير إِلَى هَذَا قَالَ أَنا لَا نستطيع أَن نسلمه حَتَّى نَنْظُر مَا يفعل وَأَنا نكره بعد أَن تَبِعْنَاهُ حَتَّى نَنْظُر إِلَى أَي شَيْء يصير أمره وَقد جِئْت لتسلفني تَمرا قَالَ نعم على أَن ترهنوني نِسَائِكُم قَالَ مُحَمَّد أنرهنك نِسَاءَنَا وَأَنت أجمل الْعَرَب قَالَ فأولادكم قَالَ فيعير النَّاس أَوْلَادنَا بِأَنا رهناهم بوسق أَو وسقين وَرُبمَا قَالَ فيسب ابْن أَحَدنَا فَيُقَال برهن وسق أَو وسقين قَالَ فَأَي شَيْء ترهنوني قَالَ نرهنك اللامة يَعْنِي السِّلَاح قَالَ نعم فواعده أَن يَأْتِيهِ فَرجع مُحَمَّد إِلَى أَصْحَابه فاقبل وَأَقْبل مَعَه أَبُو نائلة وَهُوَ أَخُو كَعْب من الرضَاعَة وَجَاء مَعَه برجلَيْن آخَرين فَقَالَ أَنِّي مستمكن من رمته فَإِذا أدخلت يَدي فِي رَأسه فدونكم الرجل فجاؤوه لَيْلًا فَأمر أَصْحَابه فَقَامُوا فِي ظلّ النّخل وَأَتَاهُ مُحَمَّد فناداه فَقَالَت امْرَأَته أَيْن يخرج هَذِه السَّاعَة قَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن مسلمة وَأخي أَبُو نائلة فَنزل إِلَيْهِ ملتحفاً فِي ثوب وَاحِد وينفح مِنْهُ ريح الطّيب فَقَالَ مُحَمَّد مَا أحسن جسدك وَأطيب رِيحك قَالَ إِن عِنْدِي ابْنة فلَان وَهِي أعطر الْعَرَب قَالَ أفتأذن لي أَن أشمه قَالَ نعم قَالَ فَأدْخل مُحَمَّد يَده فِي رَأسه فشمه ثمَّ قَالَ أتأذن لي أَن أشمه أَصْحَابِي قَالَ نعم فَأدْخلهَا فِي رَأسه ثمَّ شَبكَ يَده فِي
стр. 24
رَأسه قبضا ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه دونكم عَدو الله فَخَرجُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ ثمَّ أَتَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ رجلا من أَصْحَابه إِلَى رجل من الْيَهُود ليَقْتُلهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي لن أَسْتَطِيع ذَلِك إِلَّا أَن تَأذن لي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الْحَرْب خدعة فَاصْنَعْ مَا تُرِيدُ قَالَ مؤلف الْكتاب قلت وَقد روينَا عَن الضَّحَّاك فِي اغتيالهم أَبَا رَافع الْيَهُودِيّ مَا يُقَارب هَذِه الْقِصَّة فَلم نر التَّطْوِيل بذكرها
وَمن الْمَنْقُول عَن سويبط بن سعد بن حَرْمَلَة وَقد شهد بَدْرًا عَن وهب بن عبد الله بن زَمعَة قَالَ أخبرتنا أم سَلمَة قَالَت خرج أَبُو بكر فِي تِجَارَة إِلَى بصرى قبل موت رَسُول الله ﷺ بعام وَمَعَهُ نعيمان وسويبط بن حَرْمَلَة وَكَانَا قد شَهدا بَدْرًا وَكَانَ نعيمان على الزَّاد وَكَانَ سويبط رجلا مزاحا فَقَالَ النعيمان أَطْعمنِي قَالَ حَتَّى يَجِيء أَبُو بكر قَالَ أما لأغيظنك قَالَ فَمروا بِقوم فَقَالَ لَهُم سويبط أتشترون مني عبدا لي قَالُوا نعم قَالَ إِنَّه عبد لَهُ كَلَام وَهُوَ قَائِل لكم أَنِّي حر فَإِن كُنْتُم إِذا قَالَ لكم هَذِه الْمقَالة تَرَكْتُمُوهُ فَلَا تفسدوا على عَبدِي قَالُوا لَا بل نشتريه مِنْك قَالَ فاشتروه بِعشر قَلَائِص قَالَ ثمَّ أَتَوْهُ فوضعوا فِي عُنُقه عِمَامَة أَو حبلاً فَقَالَ نعيمان إِن هَذَا يستهزئ بكم إِنِّي حر وَلست بِعَبْد فَقَالُوا أخبرنَا بخبرك فَانْطَلقُوا بِهِ فجَاء أَبُو بكر فَأخْبرهُ بذلك فَاتبع الْقَوْم فَرد عَلَيْهِ القلائص وَأخذ نعيمان فَلَمَّا قدمُوا على النَّبِي ﷺ وَأَخْبرُوهُ فَضَحِك النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه مِنْهُ حولا
وَمن الْمَنْقُول عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أخبرنَا الْمَدَائِنِي عَن ربيعَة ابْن ناجد قَالَ قيل لمعاوية بن أبي سُفْيَان مَا بلغ من عقلك قَالَ مَا وثقت بِأحد قطّ وَقَالَ ثَعْلَب نظر مُعَاوِيَة يَوْم صفّين إِلَى إِحْدَى جنبتي عسكره وَقد مَالَتْ فلمحها فاستوت ثمَّ نظر إِلَى الجنبة الْأُخْرَى وَقد مَالَتْ فلمحها فاستوت فَقَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه أَهَذا كنت دَبرته من زمن عُثْمَان فَقَالَ هَذَا وَالله كنت دَبرته مُنْذُ زمن عمر رضى الله عَنْهُم قَالَ مؤلف الْكتاب وبلغنا أَن رجلا جَاءَ إِلَى حَاجِب
стр. 25
مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ قل لَهُ على الْبَاب أَخُوك لأَبِيك وأمك ثمَّ قَالَ لَهُ مَا أعرف هَذَا ثمَّ قَالَ أئذن لَهُ فَدخل فَقَالَ لَهُ أَي الْأُخوة أَنْت فَقَالَ ابْن آدم وحواء فَقَالَ يَا غُلَام أعْطه درهما فَقَالَ تُعْطى أَخَاك لأَبِيك وأمك درهما فَقَالَ لَو أَعْطَيْت كل أَخ لي من آدم وحواء مَا بلغ إِلَيْك هَذَا وَمن الْمَنْقُول عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان حَدثنَا كَعْب الْقرظِيّ قَالَ قَالَ فَتى منا لِحُذَيْفَة رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم قَالَ وَالله لَو أدركناه مَا تَرَكْنَاهُ يمشي على الأَرْض قَالَ حُذَيْفَة دَعَاني رَسُول الله ﷺ وَنحن بالخندق قَالَ اذْهَبْ فاجلس فِي الْقَوْم فَانْظُر مَاذَا يَفْعَلُونَ فَذَهَبت فَدخلت فِي الْقَوْم وَالرِّيح تفعل فِي جنود الله مَا تفعل لَا تقر لَهُم قدرا وَلَا نَارا وَلَا مَاء فَقَامَ أَبُو سُفْيَان ابْن حَرْب فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش لينْظر كل امْرِئ من يُجَالس فَقَالَ حُذَيْفَة فَأخذت بيد الرجل الَّذِي إِلَى جَنْبي فَقلت لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا فلَان بن فلَان وَمن الْمَنْقُول عَن الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْخَلِيل قَالَ أخبرنَا عَليّ قَالَ كَانَ للْمُغِيرَة رمح فَكُنَّا إِذا خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غزَاة خرج بِهِ مَعَه فيركزه فيمر النَّاس عَلَيْهِ فيحملونه فَقلت لَئِن أتيت على النَّبِي ﷺ لأخبرنه فَقَالَ إِنَّك إِن فعلت لم ترفع ضَالَّة
حَدثنَا زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ اسْتعْمل الْمُغيرَة بن شُعْبَة على الْبَحْرين فكرهوه وأبغضوه قَالَ فعزل عَنْهُم قَالَ فخافوا أَن يرد عَلَيْهِم فَقَالَ دهقانهم إِن فَعلْتُمْ مَا أَمركُم لم يرد علينا قَالُوا أمرنَا بِأَمْرك قَالَ تجمعون مائَة ألف دِرْهَم حَتَّى أذهب بهَا إِلَى عمر وَأَقُول إِن الْمُغيرَة أخْتَار هَذَا فَدفعهُ إِلَيّ قَالَ فَجمعُوا لَهُ مائَة ألف دِرْهَم قَالَ فَأتى عمر فَقَالَ إِن الْمُغيرَة اخْتَار هَذَا وَدفعه إِلَيّ قَالَ فَدَعَا عمر الْمُغيرَة فَقَالَ مَا يَقُول هَذَا قَالَ كذب أصلحك الله إِنَّمَا كَانَت مِائَتي ألف قَالَ فَمَا حملك على ذَلِك قَالَ الْعِيَال وَالْحَاجة قَالَ فَقَالَ عمر للعلج مَا تَقول قَالَ لَا وَالله لأصدقنك أصلحك الله وَالله مَا دفع إِلَيّ قَلِيلا وَلَا كثيرا قَالَ فَقَالَ عمر للْمُغِيرَة مَا أردْت إِلَى هَذَا العلج قَالَ الْخَبيث كذب عَليّ فَأَحْبَبْت أَن أخزيه
حَدثنَا مُسلم ابْن صبيح الْكُوفِي قَالَ سَمِعت أبي يَقُول خطب الْمُغيرَة بن شُعْبَة وفتى من الْعَرَب امْرَأَة وَكَانَ الْفَتى طريراً جميلا فَأرْسلت إِلَيْهِمَا الْمَرْأَة
стр. 26
فَقَالَت إنَّكُمَا قد خطبتماني وَلست أُجِيب أحد مِنْكُمَا دون أَن أرَاهُ وأسمع كَلَامه فأحضرا إِن شئتما فحضرا فأجلستهما بِحَيْثُ تراهما وَتسمع كَلَامهمَا فَلَمَّا رَآهُ الْمُغيرَة وَنظر إِلَى جماله وشبابه وهيئته يئس مِنْهَا وَعلم أَنَّهَا لن تؤثره عَلَيْهِ فَأقبل على الْفَتى فَقَالَ لَهُ لقد أُوتيت جمالا وحسنا وبياناً فَهَل عنْدك سوى ذَلِك قَالَ نعم فعدد محاسنه ثمَّ سكت فَقَالَ لَهُ الْمُغيرَة كَيفَ حِسَابك قَالَ مَا يسْقط على مِنْهُ شَيْء وَإِنِّي لاستدرك مِنْهُ أدق من الخردلة فَقَالَ لَهُ الْمُغيرَة لكنني أَضَع البدرة فِي زَاوِيَة الْبَيْت فينفقها أَهلِي على مَا يُرِيدُونَ فَمَا أعلم بنفادها حَتَّى يَسْأَلُونِي غَيرهَا فَقَالَت الْمَرْأَة وَالله لهَذَا الشَّيْخ الَّذِي لَا يحاسبني أحب إِلَيّ من هَذَا الَّذِي يحصي عَليّ مثل صَغِير الْخَرْدَل فَتزوّجت الْمُغيرَة
وَمن الْمَنْقُول عَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ لما فتح عَمْرو بن الْعَاصِ قيسارية سَار حَتَّى نزل على غَزَّة فَبعث إِلَيْهِ علجها أَن أرسل إِلَى رجلا من أَصْحَابك ُأكَلِّمهُ ففكر عَمْرو فَقَالَ مَا لهَذَا العلج أحد غَيْرِي فَقَامَ حَتَّى دخل على العلج فَكَلمهُ فَسمع كلَاما لم يسمع مثله قطّ فَقَالَ لَهُ العلج حَدثنِي هَل من أَصْحَابك أحد مثلك قَالَ لَا تسْأَل عَن هواني عِنْدهم إِذْ بعثوني إِلَيْك وعرضوني لما عرضوني فَلَا يَدْرُونَ مَا تصنع بِي قَالَ فَأمر لَهُ بجائزة وَكِسْوَة وَبعث إِلَى البواب إِذا مر بك فَاضْرب عُنُقه وَخذ مَا مَعَه فَمر بِرَجُل من النَّصَارَى من غَسَّان فَعرفهُ فَقَالَ يَا عَمْرو قد أَحْسَنت الدُّخُول فَأحْسن الْخُرُوج فَرجع فَقَالَ لَهُ الْملك مَا ردك إِلَيْنَا قَالَ نظرت فِيمَا أَعْطَيْتنِي فَلم أجد ذَلِك ليسع بني عمي فَأَرَدْت أَن آتِيك بِعشْرَة مِنْهُم تعطيهم هَذِه الْعَطِيَّة فَيكون مَعْرُوفك عِنْد عشرَة خيرا من أَن يكون عِنْد وَاحِد قَالَ صدقت أعجل بهم وَبعث إِلَى البواب خل سَبيله فَخرج عَمْرو وَهُوَ يلْتَفت حَتَّى إِذا أَمن قَالَ لَا عدت لمثلهَا أبدا فَلَمَّا صَالحه عَمْرو وَدخل عَلَيْهِ العلج فَقَالَ لَهُ أَنْت هُوَ قَالَ على مَا كَانَ من غدرك
وَمن الْمَنْقُول عَن خُزَيْمَة بن ثَابت عَن الزُّهْرِيّ
стр. 27
قَالَ أخبرنَا عمَارَة بن خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ أَن عَمه حَدثهُ أَن النَّبِي ﷺ ابْتَاعَ فرسا من أَعْرَابِي فاستتبعه النَّبِي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه فأسرع النَّبِي ﷺ الْمَشْي وَأَبْطَأ الْأَعرَابِي فَطَفِقَ رجال يعترضون الْأَعرَابِي فيساومون الْفرس لَا يَشْعُرُونَ أَن النَّبِي ﷺ ابتاعه حَتَّى زَاد بَعضهم للإعرابي فِي السّوم على ثمن الْفرس الَّذِي ابتاعه بِهِ النَّبِي ﷺ فَنَادَى الْأَعرَابِي النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن كنت مبتاعاً هَذَا الْفرس فابتعه وَإِلَّا بِعته فَقَامَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَلَيْسَ قد ابتعته مِنْك قَالَ لَا فَطَفِقَ النَّاس يلوذون بِالنَّبِيِّ ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان فَطَفِقَ الإعرابي يَقُول هَلُمَّ شَهِيدا يشْهد أَنِّي قد بَايَعْتُك فَمن جَاءَ من الْمُسلمين قَالَ للإعرابي وَيلك إِن النَّبِي ﷺ لَا يَقُول إِلَّا حَقًا حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَة فاستمع لمراجعة النَّبِي ﷺ ومراجعة الإعرابي فَطَفِقَ الإعرابي يَقُول هَلُمَّ شَهِيدا يشْهد أَنِّي قد بَايَعْتُك فَقَالَ خُزَيْمَة أَنا اشْهَدْ أَنَّك قد بايعته فَأقبل النَّبِي ﷺ على خُزَيْمَة فَقَالَ بِمَ تشهد فَقَالَ بتصديقك يَا رَسُول الله فَجعل النَّبِي ﷺ شَهَادَة خُزَيْمَة بِشَهَادَة رجلَيْنِ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لخزيمة لم تشهد وَلم تكن مَعنا قَالَ يَا رَسُول الله أَنا أصدقك بِخَبَر السَّمَاء أَفلا أصدقك بِمَا تَقول
وَمن الْمَنْقُول عَن الْحجَّاج بن علاط عَن معمر عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ حَدثنَا أنس بن مَالك ﵃ قَالَ لما افْتتح رَسُول الله ﷺ خَيْبَر قَالَ الْحجَّاج بن علاط يَا رَسُول الله إِن لي بِمَكَّة مَالا وَإِن لي بهَا أَهلا وَإِنِّي أُرِيد أَن آتيهم فَأَنا فِي حل إِن أَنا نلْت مِنْك أَو قلت شَيْئا فَأذن لَهُ رَسُول الله ﷺ أَن يَقُول مَا شَاءَ فَأتى امْرَأَته حِين قدم فَقَالَ اجمعي لي مَا كَانَ عنْدك فَإِنِّي أُرِيد أَن أَشْتَرِي من غَنَائِم مُحَمَّد وَأَصْحَابه فَإِنَّهُم قد استبيحوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالهم وَفَشَا ذَلِك بِمَكَّة فانقمع الْمُسلمُونَ وَأظْهر الْمُشْركُونَ سُرُورًا وفرحاً قَالَ وَبلغ الْخَبَر الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فعقر وَجعل لَا يَسْتَطِيع أَن يقوم قَالَ معمر وَأَخْبرنِي عُثْمَان الْجَزرِي عَن مقسم قَالَ فَأخذ أبنا لَهُ كَانَ يشبه برَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ قُم واستلقي فَوَضعه على صَدره وَجعل يَقُول حبي قثم ذِي الْأنف
стр. 28
الأشم ثمَّ أرسل غُلَاما لَهُ إِلَى الْحجَّاج بن علاط فَقَالَ لَهُ وَيلك مَاذَا جِئْت بِهِ وماذا تَقول مَا وعد الله خير مِمَّا جِئْت بِهِ قَالَ فَقَالَ الْحجَّاج بن علاط اقْرَأ على أبي الْفضل السَّلَام وَقل لَهُ ليخل لي فِي بعض بيوته لأتيه فَإِن الْخَبَر على مَا يسره قَالَ فجَاء غُلَامه فَلَمَّا بلغ الْبَاب قَالَ اُبْشُرْ يَا أَبَا الْفضل قَالَ فَوَثَبَ الْعَبَّاس فَرحا حَتَّى قبل بَين عَيْنَيْهِ فَأخْبرهُ مَا قَالَ الْحجَّاج فاعتقه قَالَ ثمَّ جَاءَ الْحجَّاج فَأخْبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ قد افْتتح خَيْبَر وغنم أَمْوَالهم وَجَرت سِهَام الله فِي أَمْوَالهم وَاصْطفى صَفِيَّة بنت حييّ واتخذها لنَفسِهِ وَخَيرهَا أَن يعتقها وَتَكون زَوْجَة أَو تلْحق بِأَهْلِهَا فَاخْتَارَتْ أَن يعتقها وَتَكون زَوْجَة وَلَكِنِّي جِئْت لما لي كَانَ هَهُنَا أردْت أَن أجمعه فَاذْهَبْ بِهِ فاستأذنت رَسُول الله ﷺ فَأذن لي أَن أَقُول مَا شِئْت فأخف عني ثَلَاثًا ثمَّ أذكر مَا بدا لَك قَالَ فَجمعت امْرَأَته مَا كَانَ عِنْدهَا من حلي ومتاع فَدَفَعته إِلَيْهِ ثمَّ انشمر بِهِ فَلَمَّا كَانَ بعد ثَلَاث أَتَى الْعَبَّاس امْرَأَة الْحجَّاج فَقَالَ مَا فعل زَوجك فَأَخْبَرته أَن قد ذهب يَوْم كَذَا وَكَذَا وَقَالَت لَا يحزنك الله يَا أَبَا الْفضل لقد شقّ علينا الَّذِي بلغك قَالَ أجل لَا يحزنني الله وَلم يكن بِحَمْد الله إِلَّا مَا أحببنا فتح الله خَيْبَر على رَسُوله وَجَرت سِهَام الله فِي أَمْوَالهم وَاصْطفى رَسُول الله ﷺ صَفِيَّة لنَفسِهِ فَإِن كَانَ لَك حَاجَة فِي زَوجك فالحقي بِهِ قَالَت أَظُنك وَالله صَادِقا قَالَ فَإِنِّي وَالله صَادِق وَالْأَمر على مَا أَخْبَرتك قَالَ ثمَّ ذهب حَتَّى أَتَى مجَالِس قُرَيْش وهم يَقُولُونَ إِذا مر بهم لَا يصيبك إِلَّا خير يَا أَبَا الْفضل قَالَ لم يُصِبْنِي إِلَّا خير بِحَمْد الله لقد أَخْبرنِي الْحجَّاج بن علاط أَن خَيْبَر فتحهَا الله على رَسُوله وَجَرت سِهَام الله فيهم وَاصْطفى رَسُول الله ﷺ صَفِيَّة لنَفسِهِ وَقد سَأَلَني أَن أُخْفِي عَنهُ ثَلَاثًا وَإِنَّمَا جَاءَ ليَأْخُذ مَاله وَمَا كَانَ لَهُ من شَيْء هَهُنَا ثمَّ يذهب فَرد الله الكآبة الَّتِي كَانَت بِالْمُسْلِمين على الْمُشْركين وَخرج المسلون مِمَّن كَانَ دخل بَيته مكتئباً حَتَّى دخل أَبُو الْفضل الْعَبَّاس فَأخْبرهُم الْخَبَر فسر الْمُسلمُونَ ورد الله تَعَالَى مَا كَانَ من كآبة أَو غيظ أَو حزن على الْمُشْركين
وَمن الْمَنْقُول عَن نعيم بن مَسْعُود قَالَ أخبرنَا
стр. 29
ابْن إِسْحَاق قَالَ بَيْنَمَا النَّاس على خوفهم يَوْم الْأَحْزَاب أَتَى نعيم بن مَسْعُود رَسُول الله ﷺ فَحَدثني رجل عَن عبد الله بن كَعْب بن مَالك قَالَ جَاءَ نعيم بن مَسْعُود إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي قد أسلمت وَلم يعلم بِي أحد من قومِي مرني أَمرك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا أَنْت منا رجل وَاحِد فَحدث عَنَّا مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّمَا الْحَرْب خدعة فَانْطَلق نعيم حَتَّى أَتَى بني قُرَيْظَة فَقَالَ لَهُم يَا معشر قُرَيْظَة وَكَانَ لَهُم نديماً فِي الْجَاهِلِيَّة إِنِّي لكم نديم وصديق قد عَرَفْتُمْ ذَلِك قَالُوا صدقت قَالَ تعلمُونَ وَالله مَا أَنْتُم وقريش وغَطَفَان من مُحَمَّد بِمَنْزِلَة وَاحِدَة إِن الْبَلَد لبلدكم بِهِ أَمْوَالكُم ونساءكم وأبناءكم وَإِن قُريْشًا وغَطَفَان بِلَادهمْ غَيرهَا وَإِنَّمَا جاؤوا حَتَّى نزلُوا مَعكُمْ فَإِن رَأَوْا فرْصَة انتهزوها وَإِن رَأَوْا غير ذَلِك رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وخلوا بَيْنكُم وَبَين الرجل فَلَا طَاقَة لكم بِهِ فَإِن هم فعلوا ذَلِك فَلَا تقاتلوا مَعَهم حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُم رهنا من أَشْرَافهم تستوثقون بِهِ وَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى تناجزوا مُحَمَّد فَقَالُوا لقد أَشرت بِرَأْي ونصح ثمَّ ذهب إِلَى قُرَيْش فَأتى أَبَا سُفْيَان وأشراف قُرَيْش فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم قد عَرَفْتُمْ ودي إيَّاكُمْ وفراقي مُحَمَّد أَو دينه وَإِنِّي قد جِئتُكُمْ بنصيحة فاكتموا عَليّ فَقَالُوا نَفْعل مَا أَنْت عندنَا بمتهم فَقَالَ تعلمُونَ أَن بني قُرَيْظَة من يهود قد ندموا على مَا صَنَعُوا فِيمَا بَينهم وَبَين مُحَمَّد فبعثوا إِلَيْهِ إِلَّا يرضيك أَن نَأْخُذ لَك من الْقَوْم رهنا من أَشْرَافهم فندفعهم إِلَيْك فَنَضْرِب أَعْنَاقهم ثمَّ نَكُون مَعَك حَتَّى نخرجهم من بلادك فَقَالَ بلَى فَإِن بعثوا إِلَيْكُم يسألونكم نَفرا من رجالكم فَلَا تعطوهم رجلا وَاحِدًا فاحذروا ثمَّ جَاءَ غطفان فَقَالَ يَا معشر غطفان قد علمْتُم أَنِّي رجل مِنْكُم قَالُوا صدقت فَقَالَ لَهُم كَمَا قَالَ لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش فَلَمَّا أَصْبحُوا بعث إِلَيْهِم أَبُو سُفْيَان عِكْرِمَة بن أبي جهل فِي نفر من قُرَيْش أَن أَبَا سُفْيَان يَقُول لكم يَا معشر يهود إِن الكراع والخف قد هلكا إِنَّا لسنا بدار مقَام فاخرجوا إِلَى مُحَمَّد حَتَّى نناجزه فبعثوا إِلَيْهِ أَن الْيَوْم
стр. 30
السبت وَهُوَ يَوْم لَا نعمل فِيهِ شَيْئا ولسنا مَعَ ذَلِك بالذين نُقَاتِل مَعكُمْ حَتَّى تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لَا تذْهبُوا وتدعونا حَتَّى نُنَاجِز مُحَمَّدًا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان قد وَللَّه حذرنا نعيم فَبعث إِلَيْهِم أَبُو سُفْيَان أَنا لَا نعطيكم رجلا وَاحِدًا فَإِن شِئْتُم أَن تخْرجُوا فتقاتلوا وَإِن شِئْتُم فاقعدوا فَقَالَت يهود هَذَا وَللَّه الَّذِي قَالَ لنا نعيم وَالله مَا أَرَادَ الْقَوْم إِلَّا أَن يقاتلوا مُحَمَّدًا فَإِن أَصَابُوا فرْصَة انتهزوها وَإِلَّا مضوا إِلَى بِلَادهمْ وخلوا بَيْننَا وَبَين الرجل فبعثوا إِلَيْهِم إِنَّا وَالله لَا نُقَاتِل مَعكُمْ حَتَّى تعطونا رهنا فَأَبَوا فَبعث الله تَعَالَى الرّيح على أبي سُفْيَان وَأَصْحَابه وغَطَفَان فخذلهم الله
وَمن الْمَنْقُول عَن الْأَشْعَث بن قيس عَن الْهَيْثَم بن عدي قَالَ أخبرنَا ابْن عَبَّاس قَالَ خطب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب على الْحسن ابْنة أم عمرَان بنت سعيد بن قيس الْهَمدَانِي فَقَالَ فوقى أَمِير ذُو إمرة يعْنى أمهَا فَقَالَ قُم فوامرها فَخرج من عِنْده ولقيه الْأَشْعَث بن قيس بِالْبَابِ فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ مَا تُرِيدُ إِلَى الْحسن يفخر عَلَيْهَا وَلَا ينصفها ويسيء إِلَيْهَا فَيَقُول ابْن رَسُول الله وَابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِن هَل لَك فِي ابْن عَمها فَهِيَ لَهُ وَهُوَ لَهَا قَالَ وَمن ذَلِك قَالَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث قَالَ قد زَوجته وَدخل الْأَشْعَث على أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خطبت على الْحسن ابْنة سعيد قَالَ نعم قَالَ فَهَل لَك فِي أشرف مِنْهَا بَيْتا وَأكْرم مِنْهَا حسباً وَأتم مِنْهَا جمالاً وَأكْثر مَالا قَالَ وَمن هِيَ قَالَ جعدة بنت الْأَشْعَث بن قيس قَالَ قد قاولنا رجلا قَالَ لَيْسَ إِلَى ذَلِك الَّذِي قاولته سَبِيل قَالَ إِنَّه قد فارقني ليوامر أمهَا فَقَالَ قد زَوجهَا من مُحَمَّد بن الْأَشْعَث قَالَ مَتى قَالَ السَّاعَة بِالْبَابِ قَالَ فزوج الْحسن جعدة فَلَمَّا لَقِي سعيد الاشعث قَالَ يَا أَعور خدعتني قَالَ أَنْت أَعور خَبِيث حَيْثُ تستشيرني فِي ابْن رَسُول الله ﷺ أَلَسْت أَحمَق ثمَّ جَاءَ الْأَشْعَث إِلَى الْحسن فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد أَلا تزور أهلك فَلَمَّا أَرَادَ ذَلِك قَالَ لَا تمشي وَالله إِلَّا على اردية قومِي فَقدمت لَهُ كِنْدَة سماطين
стр. 31
وَجعلت لَهُ أرديتها بسطا من بَابه إِلَى بَاب الْأَشْعَث وَمن الْمَنْقُول عَن وَحشِي بن حَرْب عَن عبد الله بن الْفضل عَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن عمر والضمري قَالَ خرجت مَعَ عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار فَقَالَ لي هَل لَك فِي وَحشِي فَجِئْنَا حَتَّى وقفنا عَلَيْهِ فسلمنا فَرد السَّلَام وَعبيد الله معتجر بعمامته مَا يرى وَحشِي إِلَّا عَيْنَيْهِ وَرجلَيْهِ فَقَالَ عبد الله يَا وَحشِي أتعرفني فَنظر إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَا وَالله إِلَّا أَنِّي أعلم أَن عدي بن الْخِيَار تزوج امْرَأَة فَولدت لَهُ غُلَاما فاسترضعه فَحملت ذَلِك الْغُلَام مَعَ أمه فناولتها إِيَّاه فَكَأَنِّي نظرت إِلَى قَدَمَيْهِ
الْبَاب التَّاسِع فِي سياحة الْمَنْقُول من ذَلِك عَن الْخُلَفَاء ﵃
قَالَ مؤلف الْكتاب قد ذكرنَا طرفا عَن أبي بكر الصّديق وَعمر وَعلي وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَمُعَاوِيَة وَابْن الزبير وَنحن نذْكر طرفا مِمَّا نقل إِلَيْنَا عَمَّن بعدهمْ من الْخُلَفَاء وَالله الْمُوفق فَمن الْمَنْقُول عَن عبد الْملك بن مَرْوَان أخبرنَا ابْن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ وَجه عبد الْملك بن مَرْوَان عَامر الشّعبِيّ إِلَى ملك الرّوم فِي بعض الْأَمر لَهُ فَاسْتَكْثر الشّعبِيّ فَقَالَ لَهُ من أهل بَيت الْملك أنتَ قَالَ لَا فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوع إِلَى عبد الْملك حمله رقْعَة لَطِيفَة وَقَالَ إِذا رجعت إِلَى صَاحبك فأبلغته جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته من ناحيتنا فادفع إِلَيْهِ هَذِه الرقعة فَلَمَّا صَار الشّعبِيّ إِلَى عبد الْملك ذكر مَا أحتاج إِلَى ذكره ونهض من عِنْده فَلَمَّا خرج ذكر الرقعة فَرجع فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه حَملَنِي إِلَيْك رقْعَة نسيتهَا حَتَّى خرجت وَكَانَت فِي آخر مَا حَملَنِي فَدَفعهَا إِلَيْهِ ونهض فقرأها عبد الْملك قَالَ فَأمر برده فَقَالَ أعلمت مَا فِي هَذِه الرقعة قَالَ فِيهَا عجبت من الْعَرَب كَيفَ ملكت غير هَذَا أفتدري لم كتب إِلَيّ بِمثل هَذَا فَقَالَ لَا فَقَالَ حسدني عَلَيْك فَأَرَادَ أَن
стр. 32
يغريني بقتلك فَقَالَ الشّعبِيّ لَو كَانَ رآك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا استكثرني فَبلغ ذَلِك ملك الرّوم ففكر فِي عبد الْملك فَقَالَ لله أَبوهُ وَالله مَا أردْت إِلَّا ذَلِك وَمن الْمَنْقُول عَن هِشَام بن عبد الْملك قَالَ هِشَام لمؤدب وَلَده إِذا سَمِعت مِنْهُ الْكَلِمَة العوراء فِي الْمجْلس بَين جمَاعَة فَلَا تؤنبه لتخجله وَعَسَى أَن ينصر خطاه فَيكون نصر للخطأ أقبح من ابْتِدَائه بِهِ وَلَكِن احفظها عَلَيْهِ فَإِذا خلا فَرده عَنْهَا وَمن الْمَنْقُول عَن السفاح أخبرنَا سعيد الْبَاهِلِيّ عَن أَبِيه قَالَ حَدثنِي من حضر مجْلِس السفاح وَهُوَ أحسد مَا كَانَ لبني هَاشم والشيعة ووجوه النَّاس فَدخل عبد الله بن حُسَيْن بن حسن وَمَعَهُ مصحف فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعطنا حَقنا الَّذِي جعله الله لنا فِي هَذَا الْمُصحف فأشفق النَّاس أَن يَجْعَل السفاح بِشَيْء إِلَيْهِ وَلَا يُرِيدُونَ ذَلِك فِي شيخ بنى هَاشم أَو يعيا لجوابه فَيكون ذَلِك نقصا عَلَيْهِ وعارا فَأقبل إِلَيْهِ غير مغضب وَلَا منزعج فَقَالَ أَن جدك عليا كَانَ خيرا مني وَأَعْدل ولي هَذَا الْأَمر فَأعْطى جديك الْحسن وَالْحُسَيْن وَكَانَا خيرا مِنْك شيا وَكَانَ الْوَاجِب أَن أُعْطِيك مثله فَإِن كنت فعلت فقد أنصفتك وَإِن كنت زدتك فَمَا هَذَا جزائي مِنْك فَمَا رد عبد الله إِلَيْهِ جَوَابا وَانْصَرف وَالنَّاس يعْجبُونَ من جَوَابه لَهُ
وروى ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ أول خطْبَة خطبهَا السفاح فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا العباسية فَلَمَّا صَار إِلَى مَوضِع الشَّهَادَة من الْخطْبَة قَالَ رجل من آل أبي طَالب فِي عُنُقه مصحف فَقَالَ أذكرك الله الَّذِي ذكرته إِلَّا أنصفتني من خصمي وحكمت بيني وَبَينه بِمَا فِي هَذَا الْمُصحف فَقَالَ لَهُ وَمن ظلمك قَالَ أَبُو بكر الَّذِي منع فَاطِمَة فدكا قَالَ وَهل كَانَ بعده أحد قَالَ نعم من قَالَ عمر قَالَ على ظلمكم قَالَ نعم قَالَ وَهل كَانَ بعده أحد قَالَ نعم قَالَ من قَالَ عُثْمَان قَالَ وَأقَام على ظلمكم قَالَ نعم قَالَ وَهل كَانَ بعده أحد قَالَ نعم قَالَ عَليّ قَالَ وَأقَام على ظلمكم قَالَ فأسكت الرجل
стр. 33
وَجعل يلْتَفت إِلَى وَرَائه يطْلب مخلصاً فَقَالَ لَهُ وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَوْلَا أَنه أول مقَام قمته ثمَّ لم أكن تقدّمت إِلَيْك فِي هَذَا قبل لأخذت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك أقعد وَأَقْبل على الْخطْبَة وَمن الْمَنْقُول عَن الْمَنْصُور قَالَ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد قَالَ دخل ابْن هرمة على أبي جَعْفَر فانشده فَقَالَ سل حَاجَتك قَالَ تكْتب إِلَى عاملك بِالْمَدِينَةِ مَتى وجدني سَكرَان لَا يحدني قَالَ هَذَا حد وَلَا سَبِيل إِلَى إِبْطَاله قَالَ مَالِي حَاجَة غير ذَلِك قَالَ أكتب إِلَى عاملنا بِالْمَدِينَةِ من أَتَاك بِابْن هرمة وَهُوَ سَكرَان فاجلده ثَمَانِينَ واجلد الَّذِي جَاءَ بِهِ مائَة قَالَ فَكَانَ الشرطة يَمرونَ بِهِ وَهُوَ سَكرَان فَيَقُولُونَ من يَشْتَرِي ثَمَانِينَ بِمِائَة فيمرون ويتركونه وبلغنا عَن الْمَنْصُور أَنه جلس فِي إِحْدَى قباب مدينته فَرَأى رجلا ملهوفاً مهموماً يجول فِي الطرقات فَأرْسل من أَتَاهُ بِهِ فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ الرجل أَنه خرج فِي تِجَارَة فَأفَاد مَالا وَأَنه رَجَعَ بِالْمَالِ إِلَى منزله فَدفعهُ إِلَى أَهله فَذكرت امْرَأَته أَن المَال سرق من بَيتهَا وَلم تَرَ نقباً وَلَا تسليقاً فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور مُنْذُ كم تَزَوَّجتهَا قَالَ مُنْذُ سنة قَالَ أفبكروا تَزَوَّجتهَا قَالَ لَا قَالَ فلهَا ولد من سواك قَالَ لَا قَالَ فشبابة هِيَ أم مُسِنَّة قَالَ بل حَدِيثَة فَدَعَا لَهُ الْمَنْصُور بقارورة طيب كَانَ يَتَّخِذهُ لَهُ حاد الرَّائِحَة غَرِيب النَّوْع فَدَفعهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ تطيب من هَذَا الطّيب فَإِنَّهُ يذهب همك فَلَمَّا خرج الرجل من عِنْد الْمَنْصُور قَالَ الْمَنْصُور لأربعة من ثقاته ليقعد على كل بَاب من أَبْوَاب الْمَدِينَة وَاحِد مِنْكُم فَمن مر بكم فشممتم مِنْهُ رَائِحَة هَذَا الطّيب وأشمهم مِنْهُ فَليَأْتِنِي بِهِ وَخرج الرجل بالطيب فَدفعهُ إِلَى امْرَأَته وَقَالَ لَهَا وهبه لي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا شمته بعثت إِلَى رجل كَانَت تحبه وَقد كَانَت دفعت المَال إِلَيْهِ فَقَالَت لَهُ تطيب من هَذَا الطّيب فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وهبه لزوجي فتطيب مِنْهُ الرجل وَمر مجتازاً بِبَعْض أَبْوَاب الْمَدِينَة فشم الْمُوكل بِالْبَابِ رَائِحَة الطّيب مِنْهُ فَأَخذه فَأتى بِهِ الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور من أَيْن اسْتَفَدْت هَذَا الطّيب فَإِن رَائِحَته غَرِيبَة معجبة قَالَ اشْتَرَيْته قَالَ أخبرنَا مِمَّن اشْتَرَيْته فتلجلج الرجل وخلط
стр. 34
كَلَامه فَدَعَا الْمَنْصُور صَاحب شرطته فَقَالَ لَهُ خُذ هَذَا الرجل إِلَيْك فَإِن أحضر كَذَا وَكَذَا من الدَّنَانِير فخله يذهب حَيْثُ شَاءَ وَأَن امْتنع فَاضْرِبْهُ ألف سَوط من غير مُؤَامَرَة فَلَمَّا خرج من عِنْده دَعَا صَاحب شرطته فَقَالَ هول عَلَيْهِ وجرده وَلَا تقدمن بضربه حَتَّى تؤامرني فَخرج صَاحب شرطته فَلَمَّا جرده وسجنه أذعن برد الدَّنَانِير وأحضرها بهيئتها فَاعْلَم الْمَنْصُور بذلك فَدَعَا صَاحب الدَّنَانِير فَقَالَ لَهُ رَأَيْتُك إِن رددت عَلَيْك الدَّنَانِير بهيئتها أتحكمني فِي امْرَأَتك قَالَ نعم قَالَ فَهَذِهِ دنانيرك وَقد طلقت الْمَرْأَة عَلَيْك وَخَبره خَبَرهَا عَن يَعْقُوب بن جَعْفَر أَنه قَالَ وَمِمَّا يعرف ويؤثر من ذكاء الْمَنْصُور أَنه دخل مَدِينَة فَقَالَ للربيع اطلب لي رجلا يعرفنِي دور النَّاس فَإِنِّي أحب أَن أعرف ذَلِك فجَاء بِرَجُل يعرفهُ إِلَّا أَنه لَا يبدؤه حَتَّى يسْأَله الْمَنْصُور فَلَمَّا فَارقه أَمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم فطالب بهَا الرجل الرّبيع فَقَالَ مَا قَالَ لي شَيْئا وَأَنا أهب لَك ألفا من عِنْدِي وسيركب فأذكره فَركب مَعَه فَجعل يعرفهُ الدّور وَلَا يرى موضعا للْكَلَام فَلَمَّا أَرَادَ الْمَنْصُور أَن يُفَارِقهُ قَالَ لَهُ الرجل شعر
(واراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْ ... مدق اللِّسَان يَقُول مَا لَا يفعل)
ثمَّ إِنَّه أَرَادَ الْإِمْضَاء فَضَحِك وَقَالَ يَا ربيع أعْطه الْألف دِرْهَم الَّذِي وعدته وألفاً آخر وَعَن مبارك الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا عبيد الله يَقُول خلا أَبُو جَعْفَر يَوْمًا مَعَ يزِيد بن أبي أسيد فَقَالَ يَا يزِيد مَا ترى فِي قتل أبي مُسلم فَقَالَ أرى أَن تقتله وتقرب إِلَى الله بَدَنَة فوَاللَّه لَا يصفو ملكك وَلَا تهنأ بعيش مَا بَقِي فنفر مني بقرة ظَنَنْت أَنه سَيَأْتِي على ثمَّ قَالَ قطع الله لسَانك واشمت بك عَدوك أتشير عَليّ بقتل انصر النَّاس لنا وأثقلهم على عدونا أما وَالله لَوْلَا حفظي لما سلف مِنْك وَأَن أعدهَا هفوة من هفواتك لضَرَبْت عُنُقك قُم لَا أَقَامَ الله رجليك قَالَ فَقُمْت وَقد أظلم بَصرِي وتمنيت أَن تسيخ الأَرْض بِي فَلَمَّا كَانَ بعد قَتله قَالَ لي يَا يزِيد أَتَذكر
стр. 35
يَوْم شاورتك قلت نعم قَالَ فوَاللَّه لقد كَانَ ذَلِك رَأيا وَمَا لَا أَشك فِيهِ وَلَكِن خشيت أَن يظْهر مِنْك فتفسد مكيدتي وَمن الْمَنْقُول عَن الْمهْدي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن خَلاد عَن عَليّ بن صَالح قَالَ كنت عِنْد الْمهْدي وَدخل عَلَيْهِ شريك بن عبد الله القَاضِي فَأَرَادَ أَن يبخره فَقَالَ الْخَادِم بِالْعودِ الَّذِي يلهى بِهِ فَوَضعه فِي حجر شريك فَقَالَ شريك مَا هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَذَا أَخذه صَاحب العسس البارحة فَأَحْبَبْت أَن يكون كَسره على يَد القَاضِي فَقَالَ جَزَاك الله خيرا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَكَسرهُ ثمَّ أفاضوا فِي حَدِيث حَتَّى نسى الْأَمر ثمَّ قَالَ الْمهْدي لِشَرِيك مَا تَقول فِي رجل أَمر وَكيلا لَهُ أَن يَأْتِي بِشَيْء بِعَيْنِه فَأتى بِغَيْرِهِ فَتلف ذَلِك الشَّيْء فَقَالَ يضمن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ للخادم أضمن مَا تلف بقضيته
وَمن الْمَنْقُول عَن مُحَمَّد بن الْفضل قَالَ أخبرنَا بعض أهل الْأَدَب عَن حسن الوصيف قَالَ قعد الْمهْدي قعُودا عَاما للنَّاس فَدخل رجل وَفِي يَده نعل ملفوفة فِي منديل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه نعل رَسُول الله ﷺ قد أَهْدَيْتهَا لَك فَقَالَ هَاتِهَا فَدَفعهَا إِلَيْهِ فَقبل بَاطِنهَا ووضعها على عَيْنَيْهِ وَأمر للرجل بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَلَمَّا أَخذهَا وَانْصَرف قَالَ لجلسائه أَتَرَوْنَ أَنِّي لم أعلم أَن رَسُول الله ﷺ لم يرهَا فضلا عَن أَن يكون لبسهَا وَلَو كذبناه قَالَ للنَّاس أتيت أَمِير الْمُؤمنِينَ بنعل رَسُول الله ﷺ فَردهَا على وَكَانَ من يصدقهُ أَكثر مِمَّن يدْفع خَبره إِذْ كَانَ من شَأْن الْعَامَّة ميلها إِلَى أشكالها والنصرة للضعيف على القوى وَإِن كَانَ ظَالِما اشترينا لِسَانه وَقَبلنَا هديته وصدقنا قَوْله ورأينا الَّذِي فعلنَا انجح وارجح وَمن الْمَنْقُول عَن الْمَأْمُون ﵀ قَالَ الْمبرد حَدثنِي عمَارَة بن عقيل قَالَ ابْن أبي حَفْصَة الشَّاعِر أعلمت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يعْنى الْمَأْمُون لَا يبصر الشّعْر فَقلت من ذَا يكون أَفرس مِنْهُ وَإِنَّا لننشد أول الْبَيْت فَيَسْبق آخِره من غير أَن يكون سَمعه قَالَ فَإِنِّي أنشدته بَيْتا أَجدت فِيهِ فَلم أره
стр. 36
تحرّك لَهُ وَهَذَا الْبَيْت فاسمعه
(أضحى إِمَام الْهدى الْمَأْمُون مشتغلا ... بِالدّينِ وَالنَّاس بالدنيا مشاغيل)
فَقلت لَهُ مَا زِدْته على أَن جعلته عجوزا فِي مِحْرَابهَا فِي يَدهَا مسبحة فَمن يقوم بِأَمْر الدُّنْيَا إِذا كَانَ مَشْغُولًا عَنْهَا وَهُوَ المطوق لَهَا إِلَّا قلت كَمَا قَالَ عمك جرير لعبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد
(فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مضيع نصِيبه ... وَلَا عرض الدُّنْيَا عَن الدّين شاغله)
قَالَ مؤلف الْكتاب وبلغنا أَن حسنا اللؤْلُؤِي كَانَ يحدث الْمَأْمُون والمأمون يَوْمئِذٍ أَمِير فنعس الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ اللؤْلُؤِي نمت أَيهَا الْأَمِير فَاسْتَيْقَظَ الْمَأْمُون وَقَالَ سوقى وَالله يَا غُلَام خُذ بِيَدِهِ قَالَ مؤلف الْكتاب قلت وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يُرِيدُونَ الحَدِيث ليناموا عَلَيْهِ فَكَانَ إيقاظه غَفلَة عَمَّا يُرَاد من الحَدِيث وَسُوء أدب وَمن الْمَنْقُول عَن المعتضد بِاللَّه عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن حمدون قَالَ لي المعتضد بِاللَّه لَيْلَة وَقد قدم لَهُ عشَاء لقمني وَكَانَ الَّذِي قدم لَهُ فراريج ودراريج فلقمته من صدر فروج فَقَالَ لَا لقمني من فَخذه فلقمته لقماً ثمَّ قَالَ هَات من الدراريج فلقمته من أفخاذها فَقَالَ وَيلك هوذا نتنادر عَليّ هَات من صدورها فَقلت يَا مولَايَ ركبت الْقيَاس فَضَحِك فَقلت إِلَى كم أضْحكك وَلَا تضحكني قَالَ فشل المطرح وَخذ مَا تَحْتَهُ قَالَ فشلته فَإِذا دِينَار وَاحِد فَقلت آخذها قَالَ نعم فَقلت بِاللَّه هوذا تتنادر أَنْت السَّاعَة على خَليفَة يُجِيز نديمه بِدِينَار فَقَالَ وَيلك لَا أجد لَك فِي بَيت المَال حَقًا أَكثر من هَذَا وَلَا تسمح نَفسِي أَن أُعْطِيك من مَالِي شيا وَلَكِن هوذا احتال لَك بحيلة تَأْخُذ فِيهَا خَمْسَة آلَاف دِينَار فَقبلت يَده فَقَالَ إِذا كَانَ غَد وَجَاءَنِي الْقَاسِم يَعْنِي ابْن عبيد الله فهوذا إسارك خبر تقع عَيْني عَلَيْهِ سراراً طَويلا الْتفت
стр. 37
فِيهِ إِلَيْك كالمغضب وَانْظُر أَنْت إِلَيْهِ فِي خلال ذَلِك كالمتخالس لي نظر المترائي لَهُ فَإِذا انْقَطع السرَار فَاخْرُج وَلَا تَبْرَح من الدهليز أَو يخرج فَإِذا خرجت خاطبك بخطاب جميل وأخذك إِلَى دَعوته ويسألك عَن حالك فاشك الْفقر والخلة وَقلة حظك مني وَثقل ظهرك بِالدّينِ والعيال وَخذ مَا يعطيك واطلب كل مَا تقع عَيْنك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يمنعك حَتَّى تستوفي الْخَمْسَة آلَاف دِينَار فَإِذا أَخَذتهَا فيسألك عَمَّا جرى بَيْننَا فاصدقه وَإِيَّاك أَن تكذبه وعرفه أَن ذَاك حِيلَة مني عَلَيْهِ حَتَّى وصل إِلَيْك هَذَا وحدثه كُله بِالْحَدِيثِ كُله على شَرحه وَليكن أخبارك إِيَّاه بذلك بعد امْتنَاع شَدِيد وإخلاف مِنْهُ بِالطَّلَاق وَالْعتاق أَن تصدقه وَبعد أَن تخرج من دَاره كل مَا يعطيك إِيَّاه تَجْعَلهُ فِي بَيْتك فَلَمَّا كَانَ الْغَد حضر الْقَاسِم فحين رَآهُ ابْتَدَأَ يسارني وَجَرت الْقِصَّة على مَا وضعني عَلَيْهِ فَخرجت فَإِذا الْقَاسِم فِي الدهليز ينتظرني فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا هَذَا الْجفَاء لَا تجيئني وَلَا تزورني وَلَا تَسْأَلنِي حَاجَة فاعتذرت إِلَيْهِ باتصال الْخدمَة عَليّ فَقَالَ مَا يقنعني إِلَّا أَن تزورني الْيَوْم وتتفرج فَقلت أَنا خَادِم الْوَزير فأخذني إِلَى طيارة وَجعل يسألني عَن حَالي وأخباري وأشكو إِلَيْهِ الْخلَّة وَالْإِضَافَة وَالدّين وَالْبَنَات وجفاء الْخَلِيفَة وإمساك يَده ويتوجع وَيَقُول يَا هَذَا مَالِي لَك وَلنْ نضيق عَلَيْك مَا يَتَّسِع على أَن نجاوزك نعْمَة حصلت لي لَو عَرفتنِي لعاونتك على إِزَالَة هَذَا كُله عَنْك فشكرته وبلغنا دَاره فَصَعدَ وَلم ينظر فِي شَيْء وَقَالَ هَذَا يَوْم احْتَاجَ أَن اخْتصَّ فِيهِ بالسرور بِأبي مُحَمَّد فَلَا يقطعني أحد عَنهُ وَأمر كِتَابه بالتشاغل بِالْأَعْمَالِ وخلا بِي فِي دَار الْخلْوَة وَجعل يحادثني ويبسطني وقدمت الْفَاكِهَة فَجعل يلقمني بِيَدِهِ وَجَاء الطَّعَام فَكَانَ هَذَا سَبيله فَلَمَّا جلس للشُّرْب وَقع لي بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار فأخذتها للْوَقْت وأحضر ثيابًا وطيبا ومركوبا فَأخذت ذَلِك كُله وَكَانَ بَين يَدي صينية فضَّة فِيهَا مغسل فضَّة وخردادي بلور وكوز وقدح بلور فَأمر بِحمْلِهِ إِلَى طيارتي وَأَقْبَلت كلما رَأَيْت شيا حسنا لَهُ قيمَة وافرة طلبته وَحمل إِلَى فرشا نفيسا وَقَالَ
стр. 38
هَذَا للبنات فَلَمَّا تقوض أهل الْمجْلس خلا بِي وَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد أَنْت عَالم بِحُقُوق أبي عَلَيْك ومودتي لَك فَقلت أَنا خَادِم الْوَزير فَقَالَ أُرِيد أَن أَسأَلك عَن شَيْء وتحلف لي أَنَّك تصدقني عَنهُ فَقلت السّمع وَالطَّاعَة فأحلفني بِاللَّه وبالطلاق وَالْعتاق على الصدْق ثمَّ قَالَ لي بِأَيّ شَيْء سارك الْخَلِيفَة الْيَوْم فِي أَمْرِي فصدقته عَن كل مَا جرى حرفا بِحرف فَقَالَ فرجت عني وَلَكِن هَذَا هَكَذَا مَعَ سَلامَة نِيَّته أسهل على فشكرته وانصرفت إِلَى بَيْتِي فَلَمَّا كَانَ من الْغَد باكرت المعتضد بِاللَّه فَقَالَ هَات حَدِيثك فسقته عَلَيْهِ فَقَالَ احفظ الدَّنَانِير وَلَا يَقع لَك أَنِّي أعمل مثلهَا بِسُرْعَة
أَنبأَنَا أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي عَن الْقَاسِم عَليّ بن المحسن عَن أَبِيه قَالَ بَلغنِي أَن المعتضد بِاللَّه كَانَ يَوْمًا جَالِسا فِي بَيت يبْنى لَهُ يُشَاهد الصناع فَرَأى فِي جُمْلَتهمْ غُلَاما أسود مُنكر الْخلقَة شَدِيد المزح يصعد على السلاليم مرقاتين مرقاتين وَيحمل ضعف مَا يحملونه فَأنْكر أمره فَأحْضرهُ وَسَأَلَهُ عَن سَبَب ذَلِك فلجلج فَقَالَ لِابْنِ حمدون وَكَانَ حَاضرا أَي شَيْء يَقع لَك فِي أمره فَقَالَ وَمن هَذَا حَتَّى صرفت فكرك إِلَيْهِ وَلَعَلَّه لَا عِيَال لَهُ فَهُوَ خَالِي الْقلب قَالَ وَيحك قد خمنت فِي أمره تخميناً مَا أَحْسبهُ بَاطِلا إِمَّا أَن يكون مَعَه دَنَانِير قد ظفر بهَا دفْعَة من غير وَجههَا أَو يكون لصا يتستر بِالْعَمَلِ فِي الطين فلاحاه ابْن حمدون فِي ذَلِك فَقَالَ عَليّ بالأسود فأحضر وَقَالَ مقارع فَضَربهُ نَحْو مائَة مقرعة وَقَررهُ وَحلف أَن لم يصدقهُ ضرب عُنُقه وأحضر السَّيْف والنطع فَقَالَ الْأسود لي الْأمان فَقَالَ لَك الْأمان إِلَّا مَا يجب عَلَيْك فِيهِ من حد فَلم يفهم مَا قَالَ لَهُ وَظن أَنه قد أَمنه فَقَالَ أَنا كنت أعمل فِي اتاتين الْآجر سِنِين وَكنت مُنْذُ شهور هُنَاكَ جَالِسا فاجتاز بِي رجل فِي وَسطه هميان فَتَبِعَهُ فجَاء إِلَى بعض الأتاتين فَجَلَسَ وَهُوَ لَا يعلم مَكَاني فَحل الْهِمْيَان
стр. 39
وَأخرج مِنْهُ دِينَارا فتأملته فَإِذا كُله دَنَانِير فثاورته وكتفته وسددت فَاه وَأخذت الْهِمْيَان وَحَمَلته على كَتِفي وطرحته فِي نقرة الأتون وطينته فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك أخرجت عِظَامه فطرحتها فِي دجلة وَالدَّنَانِير معي يُقَوي بهَا قلبِي فَأمر المعتضد من أحضر الدَّنَانِير من منزله وَإِذا على الْهِمْيَان مَكْتُوب لفُلَان بن فلَان فَنُوديَ فِي الْبَلدة باسمه فَجَاءَت امْرَأَة قَالَت هَذَا زَوجي ولي مِنْهُ هَذَا الطِّفْل خرج فِي وَقت كَذَا وَمَعَهُ هميان فِيهِ ألف دِينَار فَغَاب إِلَى الْآن فَسلم الدَّنَانِير إِلَيْهَا وأمرها أَن تَعْتَد وَضرب عنق الْأسود وَأمر أَن تحمل جثته إِلَى الأتون
قَالَ المحسن وَبَلغنِي أَن المعتضد بِاللَّه قَامَ فِي اللَّيْل لحَاجَة فَرَأى بعض الغلمان المردان قد نَهَضَ من ظهر غُلَام أَمْرَد ودب على أربعته حَتَّى اندس بَين الغلمان فجَاء المعتضد فَجعل يضع يَده على فؤاد وَاحِد بعد وَاحِد إِلَى أَن وضع يَده على فؤاد ذَلِك الْفَاعِل فَإِذا بِهِ يخْفق خفقاناً شَدِيدا فركزه بِرجلِهِ فَقعدَ واستدعى آلَات الْعقُوبَة فاقر فَقتله قَالَ المحسن وبلغنا عَن المعتضد بِاللَّه أَن خَادِمًا من خدمه جَاءَ يَوْمًا فَأخْبرهُ أَنه كَانَ قَائِما على شاطئ الدجلة فِي دَار الْخَلِيفَة فَرَأى صياداً وَقد طرح شبكته فَثقلَتْ بِشَيْء فجذبها فأخرجها فَإِذا فِيهَا جراب وَأَنه قدره مَالا فَأَخذه وفتحه فَإِذا فِيهِ آجر وَبَين الْآجر كف مخضوبة بحناء قَالَ فأحضر الجراب والكف وَالْأَجْر فهال المعتضد ذَلِك وَقَالَ قل للصياد يعاود طرح الشبكة فَوق الْموضع وأسفله وَمَا قاربه قَالَ فَفعل فَخرج جراب آخر فِيهِ رجل قَالَ فطلبوا فَلم يخرج شَيْء آخر فَاغْتَمَّ المعتضد فَقَالَ معي فِي الْبَلَد من يقتل إنْسَانا وَيقطع أعضاؤه ويفرقه وَلَا أعرف بِهِ مَا هَذَا ملك قَالَ وَأقَام يَوْمه كُله مَا طعم طَعَاما فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أحضر ثِقَة لَهُ وَأَعْطَاهُ الجراب فَارغًا وَقَالَ لَهُ طف بِهِ على كل من يعْمل الجرب بِبَغْدَاد فَإِن عرفه مِنْهُم رجل فسله على من بَاعه فَإِذا دلك عَلَيْهِ فسل المُشْتَرِي من
стр. 40
اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَلَا تقر على خَبره أحدا قَالَ فَغَاب الرجل وجاءه بعد ثَلَاثَة أَيَّام فَزعم أَنه لم يزل يتطلب فِي الدباغين وَأَصْحَاب الجرب إِلَى أَن عرف صانعه وَسَأَلَ عَنهُ فَذكر أَنه بَاعه على عطار بسوق يحيى وَأَنه مضى إِلَى الْعَطَّار وَعرضه عَلَيْهِ فَقَالَ وَيحك كَيفَ وَقع هَذَا الجراب فِي يدك فَقلت أوتعرفه قَالَ نعم اشْترى منى فلَان الْهَاشِمِي مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام عشرَة جرب لَا أَدْرِي لأي شَيْء أرادها وَهَذَا مِنْهَا فَقلت لَهُ وَمن فلَان الْهَاشِمِي فَقَالَ رجل من ولد على بن ريطه من ولد الْمهْدي يُقَال لَهُ فلَان عَظِيم إِلَّا أَنه شَرّ النَّاس وأظلمهم وأفسدهم لحرم الْمُسلمين وأشدهم تشوقاً إِلَى مكايدهم وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا من يُنْهِي خَبره إِلَى المعتضد خوفًا من شَره ولفرط تمكنه من الدولة وَالْمَال وَلم يزل يحدثني وَأَنا أسمع أَحَادِيث لَهُ قبيحة إِلَى أَن قَالَ فحسبك أَنه كَانَ يعشق مُنْذُ سِنِين فُلَانَة الْمُغنيَة جَارِيَة فُلَانَة الْمُغنيَة وَكَانَت كالدينار المنقوش وكالقمر الطالع فِي غَايَة حسن الْغناء فساوم مولاتها فِيهَا فَلم تقاربه فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ أَيَّام بلغه أَن سيدتها تُرِيدُ بيعهَا على مُشْتَر قد حضر بذل فِيهَا أُلُوف دَنَانِير فَوجه إِلَيْهَا لَا أقل من أَن تنفذيها إِلَى لتودعني فأنفذتها إِلَيْهِ بعد أَن أنفذ إِلَيْهَا حذرها لثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا انْقَضتْ الْأَيَّام الثَّلَاثَة غصبهَا عَلَيْهَا وغيبها عَنْهَا فَمَا يعرف لَهَا خبر وَادّعى أَنَّهَا هربت من دَاره وَقَالَت الْجِيرَان أَنه قَتلهَا وَقَالَ قوم لَا بل هِيَ عِنْده وَقد أَقَامَت سيدتها عَلَيْهَا المأتم وَجَاءَت وصاحت على بَابه وسودت وَجههَا فَلم ينفعها شَيْء فَلَمَّا سمع المعتضد سجد شكرا لله تَعَالَى على انكشاف الْأَمر لَهُ وَبعث فِي الْحَال من كبس على الْهَاشِمِي وأحضر الْمُغنيَة وَأخرج الْيَد وَالرجل إِلَى الْهَاشِمِي فَلَمَّا رآهما انتقع لَونه وأيقن بِالْهَلَاكِ واعترف فَأمر المعتضد بِدفع ثمن الْجَارِيَة إِلَى مولاتها من بَيت المَال وصرفها ثمَّ حبس الْهَاشِمِي فَيُقَال أَنه قَتله وَيُقَال مَاتَ فِي الْحَبْس
قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدون قَالَ كنت قد
следующие страницы →