Полный текст (241 стр.). Показаны 211–241 · переход к 216.
стр. 211
مُتَعَلقَة بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة تَقول إلهي وسيدي هَا أَنا أمتك الغريبة وسائلتك الفقيرة حَيْثُ لَا يخفي عَلَيْك بُكَائِي وَلَا يسْتَتر عَنْك سوء حَالي قد هتكت الْحَاجة حجابي وكشفت الْفَاقَة نقابي فَكشفت وَجها رَقِيقا عِنْد الذل وذليلاً عِنْد المسئلة طَال وَعزَّتك مَا حجبه عَنهُ مَاء الْغِنَا وصانه مَاء الْحيَاء قد جمدت عني كف المرزوقين وَضَاقَتْ بن صدود المخلوقين فَمن حرمني لم ألمه وَمن وصلني وكلته إِلَى مكافأتك ورحمتك وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ قَالَ فدنوت مِنْهَا فبررتها ثمَّ قلت لَهَا من أَنْت وَمِمَّنْ أَنْت فَقَالَت إِلَيْك عني من قل مَاله وَذهب رِجَاله كَيفَ يكون حَاله ثمَّ أنشأت تَقول
(بعض بَنَات الرِّجَال أبرزها ... الدَّهْر لما قد ترى وأخرجها)
(أبرزها من جليل نعمتها ... فابتزها ملكهَا وأحوجها)
(وطالما كَانَت الْعُيُون إِذا ... مَا خرجت تستشف هودجها)
(إِن كَانَ قد ساءها وأحزنها ... فطالما سرها وأبهجها)
(الْحَمد لله رب معسرة ... قد ضمن الله أَن يفرجها)
قَالَ فَسَأَلت عَنْهَا فَأخْبرت أَنَّهَا من ولد الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ بلغنَا أَن كثير عزة لَقِي جميلاً فَقَالَ لَهُ مَتى عَهْدك ببثينة قَالَ مَالِي بهَا عهد مُنْذُ عَام أول وَهِي تغسل ثوبا بوادي الدوم فَقَالَ لَهُ كثير تحب أَن أعهدها لَك اللَّيْلَة قَالَ نعم فَأقبل رَاجعا إِلَى بثينة فَقَالَ لَهُ أَبوهَا يَا فلَان مَا ردك أما كنت عندنَا قبيل قَالَ بلَى وَلَكِن حضرتني أَبْيَات قلتهَا فِي عزة قَالَ وَمَا هِيَ قلت
(فَقلت لَهَا يَا عز أرسل صَاحِبي ... على بَاب دَاري وَالرَّسُول مُوكل)
(أما تذكرين الْعَهْد يَوْم لقيتكم ... بِأَسْفَل وَادي الدوم وَالثَّوْب يغسل)
فَقَالَت بثينة اخْسَأْ فَقَالَ أَبوهَا مَا هاجك يَا بثينة قَالَت كلب لَا يزَال
стр. 212
يأتينا من وَرَاء الْجَبَل بِاللَّيْلِ وأنصاف النَّهَار قَالَ فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ قد وعدتك من وَرَاء هَذَا الْجَبَل بِاللَّيْلِ وأنصاف النَّهَار فالقها إِذا شِئْت قَالَ مؤلف الْكتاب قلت وَمن هَذَا الْفَنّ حُكيَ أَن أَعْرَابِيًا بعث غُلَاما لَهُ إِلَى امْرَأَة يواعدها موضعا يَأْتِيهَا فِيهِ فَذهب الْغُلَام وأبلغها الرسَالَة فَكرِهت الْمَرْأَة أَن تقر للغلام بِمَا بَينهمَا فَقَالَت وَالله لَئِن أخذتك لأعركن أُذُنك عركة تبْكي مِنْهَا وتستند إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة ويغشى عَلَيْك إِلَى وَقت الْعَتَمَة فَلم يعرف الْغُلَام معنى هَذَا الْكَلَام وَانْصَرف إِلَى صَاحبه وَحكى لَهُ فَعلم أَنَّهَا واعدته تَحت الشَّجَرَة وَقت الْعَتَمَة قَالَ الصولي سَمِعت الْمبرد يَقُول كُنَّا عِنْد الْمَازِني فَجَاءَتْهُ أعرابية كَانَت تغشاه ويهب لَهَا فَقَالَت أنعم الله صَاحبك أَبَا عُثْمَان هَل بالرمال أوشال فَقَالَ لَهَا يَجِيء الله بهَا فَقَالَت
(تعلمن أَنِّي وَالَّذِي حج الْقَوْم ... لَوْلَا خيال طَارق عِنْد النّوم)
(والشوق من ذكراك مَا جِئْت الْيَوْم ... )
فَقَالَ الْمَازِني قاتلها الله مَا أفطنها جَاءَتْنِي مستمنحة فَلَمَّا رَأَتْ أَن لَا شَيْء جعلت الْمَجِيء زِيَارَة تمن علينا بهَا
قَالَ إِسْمَاعِيل بن حمادة بن أبي حنيفَة مَا ورد عَليّ مثل امْرَأَة تقدّمت فَقَالَت أَيهَا القَاضِي ابْن عمي زَوجنِي من هَذَا وَلم أعلم فَلَمَّا علمت رددت فَقلت لَهَا وَمَتى رددت قَالَت وَقت مَا علمت قلت وَمَتى علمت قَالَت وَقت مَا رددت فَمَا رَأَيْت مثلهَا قَالَ حَدثنَا عَليّ ابْن الْقَاسِم القَاضِي قَالَ سَمِعت أبي يَقُول كَانَ مُوسَى بن إِسْحَاق لَا يرى مُتَبَسِّمًا قطّ فَقَالَت لَهُ امْرَأَة أَيهَا القَاضِي لَا يحل أَن تحكم بَين اثْنَيْنِ وَأَنت غَضْبَان قَالَ وَلم قَالَت لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يقْضِي القَاضِي بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان فَتَبَسَّمَ
стр. 213
عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك يَوْمًا وَالشعرَاء عِنْده قد قلت نصف بَيت فأجيزوه
قَالَ
يروح إِذا راحوا ويغدوا إِذا غدوا فَلم يصنعوا شَيْئا فَدخل إِلَى جَارِيَة لَهُ فَأَخْبرهَا فَقَالَت كَيفَ قلت فأنشدها فَقَالَت وَعَما قَلِيل لَا يروح وَلَا يَغْدُو
قَالَ الْأَصْمَعِي كنت عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد إِذْ دخل رجل وَمَعَهُ جَارِيَة للْبيع فتأملها الرشيد ثمَّ قَالَ خُذ جاريتك فلولا كلف فِي وَجههَا وخنس فِي أنفها لاشتريتها فَانْطَلق بهَا فَلَمَّا بلغت السّتْر قَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ارددني إِلَيْك أنْشدك بَيْتَيْنِ حضراني فَردهَا فأنشأت تَقول
(مَا سلم الظبي على حسنه ... كلا وَلَا الْبَدْر الَّذِي يُوصف)
(الظبي فِيهِ خنس بَين ... والبدر فِيهِ كلف يعرف)
فَأَعْجَبتهُ بلاغتها فاشتراها وَقرب منزلهَا وَكَانَت أحظى جواريه عِنْده
قَالَ الجاحظ رَأَيْت بالعسكر امْرَأَة طَوِيلَة الْقَامَة جدا وَنحن على طَعَام فَأَرَدْت أَن أمازحها فَقلت انزلي حَتَّى تأكلي مَعنا قَالَت وَأَنت فاصعد حَتَّى ترى الدُّنْيَا قَالَ الجاحظ أَيْضا رَأَيْت امْرَأَة جميلَة فَقلت مَا اسْمك قَالَت مَكَّة فَقلت أَتَأْذَنِينَ لي أَن أقبل الْحجر الْأسود مِنْك قَالَت لَا إِلَّا بالزاد وَالرَّاحِلَة قَالَ مؤلف الْكتاب وَقد رويت لنا هَذِه الْحِكَايَة على وَجه آخر قَالَ الجاحظ رَأَيْت جَارِيَة بسوق النخاسين بِبَغْدَاد يُنَادي عَلَيْهَا وعَلى خدها خَال فدعوت بهَا وَجعلت أقلبها فَقلت لَهَا مَا اسْمك قَالَت مَكَّة فَقلت الله أكبر قرب الْحَج أَتَأْذَنِينَ أقبل الْحجر الْأسود قَالَت لَهُ إِلَيْك عني ألم تسمع قَول الله تَعَالَى ﴿لم تَكُونُوا بالغيه إِلَّا بشق الْأَنْفس﴾
стр. 214
قَالَ الْأَصْمَعِي أُتِي الْمَنْصُور بسارق فَأمر بِقطع يَده فانشأ يَقُول
(يَدي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أُعِيذهَا ... بحقويك من عَار عَلَيْهَا يشينها)
(فَلَا خير فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي نعيمها ... إِذا مَا شمال فارقتها يَمِينهَا)
فَقَالَ يَا غُلَام اقْطَعْ هَذَا حد من حُدُود الله وَحقّ من حُقُوقه لَا سَبِيل إِلَى تعطيله قَالَت أم الْغُلَام واحدي وكادي وكاسبي قَالَ بئس الْوَاحِد واحدك وَبئسَ الكاد كادك وَبئسَ الكاسب كاسبك يَا غُلَام اقْطَعْ فَقَالَت أم السَّارِق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما لَك ذنُوب تستغفر الله مِنْهَا قَالَ بلَى قَالَت هبه لي وَاجعَل هَذَا من ذنوبك الَّتِي تستغفر الله مِنْهَا وَقد رويت لنا هَذِه الْحِكَايَة عَن عبد الْملك بن مَرْوَان فَإِنَّهُ أَتَى بسارق وَثبتت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة فانشد هَذَا الشّعْر وَقَالَت أمه هَذَا الْكَلَام فَقَالَ خلوا سَبيله أنشدنا ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي
(وسائلة عَن ركب حسان كلهم ... ليبلغ حسان بن زيد سؤالها)
قَالَ وَهِي تحب حسان فَكرِهت أَن تخصه فَسَأَلت عَن الركب جَمِيعًا حَتَّى صَارَت إِلَيْهِ قَالَ هَارُون بن عبد الْملك بن الْمَأْمُون لما عرضت الخيزران على الْمهْدي قَالَ لَهَا وَالله يَا جَارِيَة إِنَّك لعلى غَايَة المتمني وَلَكِنَّك خمشة السَّاقَيْن فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك أحْوج مَا يكون إِلَيْهِمَا لَا تراهما فَقَالَ اشتروها فحظيت عِنْده فأولدها مُوسَى وَهَارُون وَحكى أَبُو بكر الصولي أَن الْمهْدي اشْترى جَارِيَة فَاشْتَدَّ شغفه بهَا وَكَانَت بِهِ أشغف وَكَانَت تتجافاه كثير فَدس إِلَيْهَا من عرف مَا فِي نَفسهَا فَقَالَت أَخَاف أَن يملني ويدعني فأموت فَأَنا أمنع نَفسِي بعض لذتها مِنْهُ لأعيش فَقَالَ الْمهْدي
(ظَفرت بِالْقَلْبِ مني ... غادة مثل الْهلَال)
стр. 215
(كلما صَحَّ لَهَا ودي جَاءَت باعتلال ... )
(لَا تحب الهجر مني ... والتنائي عَن وصالي)
(بل لمأمنها على ... حبي لَهَا خوف الملال)
قَالَ أَبُو نواس استقبلتني امْرَأَة فأسفرت عَن وَجههَا فَكَانَت على غَايَة الْحسن فَقَالَت مَا اسْمك قلت وَجهك فَقَالَت أَنْت الْحسن إِذن
حَدثنَا رجل من تغلب قَالَ كَانَ فِينَا رجل لَهُ ابْنة شَابة وَكَانَ لَهُ ابْن أَخ يهواها وتهواه فمكثا كَذَلِك دهراً ثمَّ إِن الْجَارِيَة خطبهَا بعض الْأَشْرَاف فأرغب فِي الْمهْر فأنعم أَبُو الْجَارِيَة وَاجْتمعَ الْقَوْم للخطبة فَقَالَت الْجَارِيَة لأمها يَا أُمَّاهُ مَا يمْنَع أَن يزوجني من ابْن عمي قَالَت أَمر كَانَ مقضياً قَالَت وَالله مَا أحسن رباه صَغِيرا ثمَّ تَدعُوهُ كَبِيرا ثمَّ قَالَت لَهَا يَا أُمَّاهُ إِنِّي وَالله حَامِل فَاكْتُمِي إِن شِئْت أَو نوحي فَأرْسلت الْأُم إِلَى الْأَب فَأَخْبَرته الْخَبَر فَقَالَ اكْتُمِي هَذَا الْأَمر ثمَّ خرج إِلَى الْقَوْم فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ إِنِّي كنت أجبتكم وَأَنه قد حدث أَمر رَجَوْت أَن يكون فِيهِ الْأجر وَأَنا أشهدكم أَنِّي قد زوجت ابْنَتي فُلَانَة من ابْن أخي فلَان فَلَمَّا انْقَضى ذَلِك قَالَ الشَّيْخ أدخلوها عَلَيْهِ فَقَالَت الْجَارِيَة هِيَ بالرحمن كَافِرَة إِن دخل عَلَيْهَا من سنة أَو تبين حملهَا قَالَ فَمَا دخل عَلَيْهَا إِلَّا بعد حول فَعلم أَبوهَا أَنَّهَا احتالت عَلَيْهِ
قَالَ الصولي قَالَ الْعُتْبِي رَأَيْت امْرَأَة أعجبتني صورتهَا فَقلت أَلَك بعل قَالَت لَا قلت أفترغبين فِي التَّزْوِيج قَالَت نعم وَلَكِن لي خصْلَة أَظُنك لَا ترضاها قلت وَمَا هِيَ قَالَت بَيَاض برأسي قَالَ فثنيت عنان فرسي وسرت قَلِيلا فنادتني أَقْسَمت عَلَيْك لتقفن ثمَّ أَتَت مَوضِع خالٍ فَكشفت عَن شعر كَأَنَّهُ العناقيد السوناي فَقلت وَالله مَا بلغت الْعشْرين ولكنني عرفتك أَنا نكره مِنْك مَا تكره منا قَالَ فخجلت وسرت وَأَنا أَقُول
стр. 216
(فَجعلت أطلب وَصلهَا بتملق ... والشيب يغمزها بِأَن لَا تفعلي)
حَدثنَا الْعُتْبِي قَالَ قَالَ رجل من ولد عَليّ ﵇ لامْرَأَة أَمرك بِيَدِك ثمَّ نَدم فَقَالَت أما وَالله لقد كَانَ بِيَدِك عشْرين سنة فأحسنت حفظه وَصَحبه فَلَنْ أضيعه إِذا كَانَ بيَدي سَاعَة من نَهَار وَقد رَددته إِلَيْك فأعجب بذلك من قَوْلهَا وأمسكها قَالَ أَرَادَ شُعَيْب أَن يتَزَوَّج امْرَأَة فَقَالَ لَهَا إِنِّي سيء الْخلق فَقَالَت أَسْوَأ مِنْك خلقا من أحوجك أَن تكون سَيِّئًا قَالَ أَنْت امْرَأَتي قَالَ سَمِعت الْفضل بن إِبْرَاهِيم يَقُول مر شَاعِر بنسوة فأعجبه شانهن فَجعل يَقُول
(إِن النِّسَاء شياطين خُلِقْنَ لنا ... نَعُوذ بِاللَّه من شَرّ الشَّيَاطِين)
قَالَ فأجابته وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَجعلت تَقول
(إِن النِّسَاء رياحين خُلِقْنَ لكم ... وكلكم يَشْتَهِي شم الرياحين)
قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي كَانَ لرجل من الْأَعْرَاب ابْنة وَكَانَ لَهُ غُلَام فَرَاوَدَهَا عَن نَفسهَا فوعدته اللَّيْل وأعدت لَهُ شفرة وحدتها فَلَمَّا جاءها لِلْمِيعَادِ فجبته فَخرج يعوي فَسَمعهُ مَوْلَاهُ فَقَالَ من فعل بك قَالَ ابْنَتك فَدخل عَلَيْهَا فَقَالَ مَا صنعت بِهَذَا الْغُلَام فَقَالَت يَا أَبَت إِن العَبْد من نوكه يشرب من سقاء لم يوكه وَمن ورد غير مَائه صدر بِمثل دائه فَقَالَ لَهَا لَا شللاً
قَالَ الشَّرْقِي بن فطامي كَانَ شن من دهاة الْعَرَب فَقَالَ وَالله لأطوفن حَتَّى أجد امْرَأَة مثلي فأتزوجها فَسَار حَتَّى لَقِي رجلا يُرِيد قَرْيَة يريدها شن فصحبه فَلَمَّا انْطَلقَا قَالَ لَهُ شن أتحملني أم أحملك فَقَالَ الرجل يَا جَاهِل كَيفَ يحمل الرَّاكِب الرَّاكِب فسارا حَتَّى رَأيا زرعا قد استحصد
стр. 217
فَقَالَ شن أَتَرَى هَذَا الزَّرْع قد أكل أم لَا فَقَالَ يَا جَاهِل أما ترَاهُ قَائِما فمرا بِجنَازَة فَقَالَ أَتَرَى صَاحبهَا حَيا أَو مَيتا فَقَالَ مَا رَأَيْت أَجْهَل مِنْك أَترَاهُم حملُوا إِلَى الْقُبُور حَيا ثمَّ سَار بِهِ الرجل إِلَى منزله وَكَانَت لَهُ ابْنة تسمى طبقَة فَقص عَلَيْهَا الْقِصَّة فَقَالَت أما قَوْله أتحملني أم أحملك فَأَرَادَ تُحَدِّثنِي أم أحَدثك حَتَّى نقطع طريقنا وَأما قَوْله أَتَرَى هَذَا الزَّرْع قد أكل أم لَا فَأَرَادَ بَاعه أَهله فَأَكَلُوا ثمنه أم لَا وَأما قَوْله فِي الْمَيِّت فَإِنَّهُ أَرَادَ اترك عقبا يحيا بِهِ ذكره أم لَا فَخرج الرجل فحادثه ثمَّ أخبرهُ بقول ابْنَته فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ فَزَوجهُ إِيَّاهَا فحملها إِلَى أَهله فَلَمَّا عرفُوا عقلهَا ودهاءها قَالُوا وَافق شن طبقَة
قَالَ حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد بن داسته أَن رجلا اعْترض جَارِيَة فِي الطَّرِيق فَقَالَ لَهَا أبيدك صَنْعَة قَالَت لَا وَلَكِن برجلي تَعْنِي أَنَّهَا رقاصة قَالَ المحسن وحَدثني أَنه سمع امْرَأَة تخاصمت مَعَ زَوجهَا فَقَالَت لَهُ طَلقنِي فَقَالَ لَهَا أَنْت حُبْلَى حَتَّى إِذا ولدت طَلقتك قَالَت مَا عَلَيْك مِنْهُ قَالَ فإيش تعملين بِهِ قَالَت اقعده على بَاب الْجنَّة فقاعي فَقلت لعجوز كَانَت تتوسط بَينهمَا إيش معنى هَذَا قَالَت تُرِيدُ أَن تشرب مَاء السداب وتتحمل سداباً عَلَيْهِ أدوية لتسقط فَيلْحق الصَّبِي بِالْجنَّةِ فَيكون كالفقاعي
قَالَ أَبُو بكر ابْن الْأَزْهَر حَدثنِي بعض إخْوَانِي أَن رجلا كَانَ بالأهواز وَكَانَ لَهُ ثروة ونعمة وَأهل فَسَار إِلَى الْبَصْرَة مرّة فَتزَوج بهَا فَكَانَ يَأْتِي تِلْكَ الْمَرْأَة فِي السّنة مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَكَانَ للبصرية عَم يكاتبه فَوَقع كتاب مِنْهُ فِي يَد الأهوازية فَعمِلت الْحَال فَكتبت إِلَيْهِ من حمية الْبَصْرِيّ بِأَن امْرَأَتك قد مَاتَت فَالْحق فقرأه ثمَّ أَخذ فِي إصْلَاح أمره ليخرج فَقَالَت الأهوازية إِنِّي أَرَاك مَشْغُول الْقلب وأظن أَن لَك بِالْبَصْرَةِ امْرَأَة فَقَالَ معَاذ الله فَقَالَت لَا أقنع بِقَوْلِك دون يَمِينك فتحلف بِطَلَاق
стр. 218
كل امْرَأَة لَك غَائِبَة أَو حَاضِرَة فَحلف لَهَا ظنا أَن تِلْكَ قد مَاتَت فَقَالَت لَهُ لَا حَاجَة لَك فِي الْخُرُوج فَإِن تِلْكَ بَانَتْ وَهِي فِي الْحَيَاة
قَالَ عَليّ بن الجهم اشْتريت جَارِيَة فَقلت لَهَا مَا أحسبك إِلَّا بكرا فَقَالَت يَا سَيِّدي كثرت الْفتُوح فِي زمَان الواثق وَقلت لَهَا لَيْلَة كم بَيْننَا وَبَين الصُّبْح قَالَت عنَاق مشتاق وَنظرت إِلَى الشَّمْس كاسفة فَقَالَت احتشمت محاسني فانتقبت وَقلت لَهَا لَيْلَة نجْعَل مَجْلِسنَا اللَّيْلَة فِي الْقَمَر فَقَالَت مَا أُولَئِكَ بِالْجمعِ بَين الضرائر وَكَانَت تكره الْحلِيّ وَتقول تستر المحاسن كَمَا تغطي القبائح عرض على المتَوَكل جَارِيَة فَقَالَ لَهَا أبكراً أَنْت أم إيش فَقَالَت أم إيش يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَضَحِك وابتاعها
وضع المعتضد رَأسه فِي حجر بعض جواريه فَجعلت تَحت رَأسه مخدة ونهضت فَلَمَّا انتبه قَالَ لم فعلت ذَاك وأكبره فَقَالَت كَذَا علمنَا أَن لَا يقْعد قَاعد بِحَضْرَة من ينَام وَلَا ينَام بِحَضْرَة قَاعد فَاسْتحْسن المعتضد ذَلِك مِنْهَا واستعقلها بلغنَا عَن غَرِيب وَكَانَ يُقَال إِنَّهَا ابْنة جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي وَكَانَت مغنية ذكية شاعرة اشْتَرَاهَا المعتصم بِمِائَة ألف وأعتقها فَكتبت إِلَى بعض النَّاس أردْت وَلَوْلَا ولعلي فَكتبت تَحت أردْت لَيْت وَتَحْت لَوْلَا مَاذَا وَتَحْت لعَلي أَرْجُو فمضت إِلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحسن بن هِلَال الصابي حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْحَارِثِيّ قَالَ كَانَ عندنَا بواسط رجل مُوسر يُقَال لَهُ أَبُو مُحَمَّد وَكَانَت عِنْده مغنية تغني خليلي هيا نصطبح بسواد فَقَالَ لَهَا بِاللَّه غَنِي لي خليلي هيا نصطبح بسهاد فَقَالَت لَهُ إِذا عزمت فوحدك
وَقَالَ أَبُو حنيفَة خدعتني امْرَأَة أشارت إِلَى كيس مطروح فِي الطَّرِيق فتوهمت أَنه لَهَا فَحَملته إِلَيْهَا فَقَالَت احتفظ بِهِ حَتَّى يَجِيء صَاحبه
لما قتل كسْرَى وزيره بزرجمهر أَرَادَ أَن يتَزَوَّج ابْنَته فَقَالَت للثقات
стр. 219
لَو كَانَ ملككم حازماً لما دخل بَين شعاره ودثار مأثوره قَالَ رجل لجارية أَرَادَ شراءها لَا يريبك هَذَا الشيب الَّذِي ترينه فَإِن عِنْدِي قُرَّة عين فَقَالَت الْجَارِيَة أَيَسُرُّك إِن عنْدك عجوزاً مغتلمة قَالَ ابْن الْمُبَارك بن أَحْمد خرج رجل على سَبِيل الفرجة فَقعدَ على الجسر فَأَقْبَلت امْرَأَة من جَانب الرصافة متوجهة إِلَى الْجَانِب الغربي فَاسْتَقْبلهَا شَاب فَقَالَ لَهَا رحم الله عَليّ بن الجهم فَقَالَت الْمَرْأَة فِي الْحَال رحم الله أَبَا الْعَلَاء المعري وَمَا وَقفا وَمَرا مشرقة ومغرباً فتبعت الْمَرْأَة وَقلت لَهَا إِن لم تقولي مَا قلتما وَإِلَّا فضحتك وتعلقت بك فَقَالَت قَالَ لي الشَّاب رحم الله عَليّ ابْن الجهم أَرَادَ بِهِ قَوْله
(عُيُون المها بَين الرصافة والجسر ... جلبن الْهوى من حَيْثُ أَدْرِي وَلَا أَدْرِي)
وَأَرَدْت أَنا بترحمي على المعري قَوْله
(فيا دارها بالحزن مزارها ... قريب وَلَكِن دون ذَلِك أهوال)
قَالَ ابْن الزبير لامْرَأَة من الْخَوَارِج أَخْرِجِي المَال من تَحت استك قَالَ فالتفتت إِلَى من بحضرتها وَقَالَت أنْشدكُمْ الله أَهَذا من كَلَام الْخُلَفَاء قَالُوا لَا قَالَت لِابْنِ الزبير كَيفَ ترى هَذَا الْخلْع الْخَفي قَالَ المتنبي قَالَ لي رجل من الهاشميين كتبت إِلَى امْرَأَتي وَأَنا فِي السّفر كتابا تمثلت فِيهِ بِبَيْت لَك
(بِمَ التعلل لَا أهل وَلَا وَطن ... وَلَا نديم وَلَا كأس وَلَا سكن)
فَكتبت إليّ وَالله مَا أَنْت كَمَا ذكرته فِي هَذَا الْبَيْت بل أَنْت كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(سهرت بعد رحيلي ووحشة لكم ... ثمَّ اسْتمرّ مريري وارعوى الوسن)
стр. 220
ونقلت من خطّ الشَّيْخ أبي الْوَفَاء بن عقيل قَالَ كَانَ بعض قُضَاة الحنيفة من مذْهبه أَنه إِذا ارتاب بالشهود فرقهم فَشهد عِنْده رجل وَامْرَأَتَانِ فِيمَا يشْهد فِيهِ النِّسَاء فَأَرَادَ أَن يفرق بَين الْمَرْأَتَيْنِ على عَادَته فَقَالَت إِحْدَاهمَا أَخْطَأت لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ فَإِذا فرقت زَالَ الْمَعْنى الَّذِي قَصده الشَّرْع فَأمْسك ذكر أَن رجلا دَعَا الْمبرد بِالْبَصْرَةِ مَعَ جمَاعَة فغنت جَارِيَة من وَرَاء الستار وأنشأت تَقول
(وَقَالُوا لَهَا هَذَا حَبِيبك معرضًا ... فَقَالَت إِلَّا إعراضه أيسر الْخطب)
(فَمَا هِيَ إِلَّا نظرة بتبسم ... فتصطك رِجْلَاهُ وَيسْقط للْجنب)
فطرب كل من حضر إِلَّا الْمبرد فَقَالَ لَهُ صَاحب الْمجْلس كنت أَحَق النَّاس بالطرب فَقَالَت الْجَارِيَة دَعه يَا مولَايَ فَإِنَّهُ سمعني أَقُول هَذَا حَبِيبك معرضًا فظنني لحنت وَلم يعلم أَن ابْن مَسْعُود قَرَأَ وَهَذَا بعلي شَيخا قَالَ فطرب الْمبرد إِلَى أَن شقّ ثَوْبه
قَالَ بَعضهم حضرت رفيقتين وَكَانَت إِحْدَاهمَا تعبث بِكُل من تقدر عَلَيْهِ وَالْأُخْرَى ساكتة فَقلت للساكتة رفيقتك هَذِه مَا تَسْتَقِر مَعَ وَاحِد فَقَالَت نعم وَهِي تَقول بِالسنةِ وَالْجَمَاعَة وَأَنا أَقُول بِإِثْبَات الْقدر غضب الْمَأْمُون يَوْمًا على عبد الله بن طَاهِر فَأَرَادَ طَاهِر أَن يَقْصِدهُ فورد عَلَيْهِ كتاب من صديق لَهُ مَقْصُور على السَّلَام وَفِي حَاشِيَته يَا مُوسَى فَجعل يتأمله وَلَا يعلم معنى ذَلِك فَقَالَت لَهُ جَارِيَة وَكَانَت فطنة أَرَادَ يَا مُوسَى ﴿إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ فتيقظ عَن قصد الْمَأْمُون
عرض على رجل جاريتان بكر وثيب فَمَال إِلَى الْبكر فَقَالَت
стр. 221
الثّيّب لم رغبت فِيهَا وَمَا بيني وَبَينهَا إِلَّا يَوْم فَقَالَت الْبكر ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ فأعجبتاه فاشتراهما
قَالَ خَاصَمت امْرَأَة زَوجهَا فِي تضييقه عَلَيْهَا وعَلى نَفسه فَقَالَت وَالله مَا يُقيم الفأر فِي بَيْتك إِلَّا لحب الوطن وَإِلَّا فَهُوَ يسترزق من بيُوت الْجِيرَان قَالَ الجاحظ قلت لجارية بِبَغْدَاد أبكر أَنْت نَعُوذ بِاللَّه من الكساد يَعْنِي الثيوبة جَاءَت دلَالَة إِلَى قوم فَقَالَت عقدي زوج يكْتب بالحديد وَيخْتم بالزجاج فرضوا بِهِ وزوجوه فَإِذا هُوَ حجام قَالَت دلَالَة لرجل عِنْدِي امْرَأَة كَأَنَّهَا طَاقَة نرجس فَتَزَوجهَا فَإِذا هِيَ عَجُوز قبيحة فَقَالَ كذبت عليّ وغششتيني فَقَالَت لَا وَالله مَا فعلت وَإِنَّمَا شبهتها بطاقة نرجس لِأَن شعرهَا أَبيض ووجهها أصفر وساقها أَخْضَر أَعْطَتْ امْرَأَة جاريتها درهما وَقَالَت اشْترِي هريسة فَرَجَعت فَقَالَت يَا سيدتي سقط الدِّرْهَم مني فَضَاعَ فَقَالَت يَا فاعلة تكلميني بفمك كُله وتقولين ذهب الدِّرْهَم فَأَمْسَكت الْجَارِيَة نصف فمها بِيَدِهَا وَقَالَت بِالنِّصْفِ الآخر وانكسرت يَا سيدتي الزبدية كَانَ رجل يقف تَحت روشن امْرَأَة وَهِي تكره وُقُوفه قَالَت فجَاء فِي بعض الْأَيَّام وَعَلِيهِ قَمِيص ديبقي قد غسله عِنْد المطري وسقاه نشا وَتَحْته قَمِيص رومي قَالَت وَكَانَ للنَّاس أترج سوسي فِي الأترجة ثَلَاثُونَ رطلا فأخرجت بطيخة وأشارت إِلَيْهِ تعال خُذ هَذِه فجَاء فَوقف تَحت الروشن فَقَالَت أمسك حجرك صلباً حَتَّى لَا يَقع فتنكسر فَلَزِمَ حجره فأخرجت البطيخة كَأَنَّهَا ترمي بهَا وَأخذت أترجة فرصت بهَا فِي حجره فَلم يردهَا شَيْء سوى الأَرْض فَجَمعه وهرب مستحياً وَمَا عَاد بعْدهَا بَكت عَجُوز على ميت فَقيل لَهَا بِمَاذَا اسْتحق هَذَا مِنْك فَقَالَت جاورنا وَمَا فِينَا إِلَّا من تحل لَهُ الصَّدَقَة وَمَات وَمَا منا إِلَّا من تجب عَلَيْهِ الزَّكَاة كَانَت جَارِيَة لبَعض الأكابر وَكَانَت عفيفة إِلَّا أَنَّهَا كَانَت تفحش فِي مجونها فَقَالَ لَهَا مَوْلَاهَا اقصري من هَذَا الْفُحْش بِمحضر من
стр. 222
الرِّجَال فَقَالَت أفحش مِنْهُ عِنْدهم أخذك دراهمهم بسببي وَقَالَ لَهَا بعض الْحَاضِرين وَكَانَ شَيخا
(يَا أحسن النَّاس وَجها ... مني عَليّ بقبلة)
فأجابت مسرعة
(يَا أسمج النَّاس وَجها ... وأسخن النَّاس مقله)
(إِذا سمحت لما رمته ... فَإِنِّي بذله)
(وَكَيف يُوجد بَين الْجمار ... والخشف وَصله)
(فَلَا تطف بالغواني ... فَمَا يردنك خمله)
(وكل شيخ تصابى ... على الصبايا فأبله)
قَالَ رجل لجارية أَرَادَ شراءها فَسَأَلَهَا عَن ثمنهَا فَقَالَت يَا جَارِيَة كم دفعُوا فِيك فَقَالَت ﴿وَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ﴾ قَالَ حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الْكَاتِب قَالَ حَدثنِي بعض الْأَشْرَاف بِالْكُوفَةِ أَنه كَانَ بهَا رجل حسني يعرف بالأدرع شَدِيد الْقلب جدا قَالَ وَكَانَ فِي خرائب الْكُوفَة شَيْء يظْهر للمجتازين فِيهِ نَار يطول تَارَة وَيقصر أُخْرَى يَقُولُونَ هِيَ غولة يفزع مِنْهُ النَّاس فَخرج الأدرع لَيْلَة رَاكِبًا فِي بعض شَأْنه قَالَ لي الأدرع فَاعْترضَ لي السوَاد وَالنَّار فطال الشَّخْص فِي وَجْهي فأنكرته ثمَّ رجعت إِلَى نَفسِي فَقلت أما شَيْطَان وغولة فهوس وَلَيْسَ إِلَّا إنْسَانا فَذكرت الله تَعَالَى وَصليت على نبيه ﷺ وجمعت عنان الْفرس وقرعته بالمقرعة وطرحته على الشَّخْص فازداد طوله وَعظم الضَّوْء فِيهِ فنفر الْفرس فقرعته فَطرح نَفسه عَلَيْهِ فقصر الشَّخْص حَتَّى عَاد على قدر قامة فَلَمَّا كَاد الْفرس يخالطه ولى هَارِبا فحركت خَلفه فَانْتهى إِلَى خربة فَدَخلَهَا فَدخلت خَلفه فَإِذا هُوَ قد نزل سرداباً فِيهَا فَنزلت عَن
стр. 223
فرسي وشددته وَنزلت وسيفي مُجَرّد فحين حصلت فِي السرداب أحسست بحركة الشَّخْص يُرِيد الْفِرَار مني فطرحت نَفسِي عَلَيْهِ فَوَقَعت يَدي على بدن إِنْسَان فقبضت عَلَيْهِ فَأَخْرَجته فَإِذا هِيَ جَارِيَة سَوْدَاء فَقلت أَي شَيْء أَنْت وَإِلَّا قتلتك السَّاعَة قَالَت قبل كل شَيْء أَنْت إنسي أم جني فَمَا رَأَيْت أقوى قلباً مِنْك قطّ فَقلت أَي شَيْء أَنْت قَالَت أمة لآل فلَان قوم بِالْكُوفَةِ أبقت مِنْهُم سِنِين فتغربت فِي هَذِه الخربة فولد لي الْفِكر أَن أحتال بِهَذِهِ الْحِيلَة وأوهم النَّاس أَنِّي غولة حَتَّى لَا يقرب الْموضع أحد وأتعرض لَيْلًا للأحداث وَرُبمَا رمى أحدهم منديلاً أَو إزاراً فَآخذهُ فأبيعه نَهَارا وأقتات بِهِ أَيَّامًا قلت فَمَا هَذَا الشَّخْص الَّذِي يطول وَيقصر وَالنَّار الَّتِي تظهر قَالَت كسَاء معي طَوِيل أسود فَأَخْرَجته من السرداب وقضبان مهندية أَدخل بَعْضهَا فِي بعض فِي الكساء وارفعه فَيطول فَإِذا أردْت تَقْصِيره رفعت من الأنابيب وَاحِدَة وَاحِدَة فيقصر وَالنَّار فَتِيلَة شمع معي فِي يَدي لَا أخرج إِلَّا رَأسهَا مِقْدَار مَا يضيء الكساء وأرتني الشمعة والكساء والأنابيب ثمَّ قَالَت قد جَازَت هَذِه الْحِيلَة نيفاً وَعشْرين سنة واعترضت فرسَان الْكُوفَة وشجعانها وكل أحد فَمَا أقدم أحد عَليّ غَيْرك وَلَا رَأَيْت أَشد قلباً مِنْك فحملها الأدرع إِلَى الْكُوفَة فَردهَا إِلَى مواليها فَكَانَت تحدث بِهَذَا الحَدِيث وَلم ير بعد ذَلِك أثر غولة فَعلم أَن الحَدِيث حق
قَالَ أَبُو حَامِد الْخُرَاسَانِي القَاضِي بنى ابْن عبد السَّلَام الْهَاشِمِي بِالْبَصْرَةِ دَارا كَبِيرَة وَلم يتم لَهُ تربيعها إِلَّا بسكن لطيف كَانَ لعجوز فِي جواره امْتنعت من بَيْعه فبذل لَهَا أَضْعَاف ثمنه فأقامت على الِامْتِنَاع فَشَكا إليّ ذَلِك فَقلت هَذَا أيسر الْأَمر أَنا أوجب عَلَيْهَا بيعَة فاضطرها إِلَى أَن تسألك وزن الثّمن ثمَّ استدعيتها فَقلت يَا هَذِه إِن قيمَة دَارك دون مَا دفع لَك وَقد ضاعفها أضعافاً فَإِن لم تقبليه حجزت عَلَيْك لِأَن هَذَا تَضْييع مِنْك فَقَالَت جعلت فدَاك فَهَلا كَانَ هَذَا الْحجر مِنْك على من يزن فِيمَا
стр. 224
يُسَاوِي درهما عشرَة وَتركت منزلي فَمَا أخْتَار بَيْعه فَانْقَطَعت فِي يَدهَا قَالَ نزل رجل من أهل الْحجاز مللاً فَسَأَلَ أَي مَاء هَذَا فَقيل لَهُ ملل وَإِذا بَين يَدَيْهِ صبية سَوْدَاء تلفظ الْعَجم تُرِيدُ النوي فَقَالَ قَاتل الله الَّذِي يَقُول
(أخذت على مَاء الشعيرة والهوى ... على ملل يَا لهف قلبِي على ملل)
أَي بِأبي إِنَّه وَالله كَانَ لَهُ بهَا شجن لم يكن لَك قَالَ الْمبرد كَانَ يسَار الكواعب عبد الإناس من بني الْحَرْث بن سعد بن قُضاعة وَكَانَ رَاعيا فِي أبلهم فَبعث بِبَعْض نِسَائِهِم وَكَانَ أسود فخدعته امْرَأَة مِنْهُم وأرته إِنَّهَا قد قبلته وواعدته ليَوْم فَعلم بِهِ بعض أَصْحَابه من الرُّعَاة فَنَهَاهُ عَنْهَا وَقَالَ لَهُ يَا يسَار كل من لحم الْجوَار واشرب من لبن العشار ودع عَنْك بَنَات الْأَحْرَار فَقَالَ لَهُ يسَار إِنِّي إِذا جِئْتهَا زحكت أَرَادَ ضحِكت ولاعبتني فَأَتَاهَا فِي الْيَوْم الَّذِي واعدته فِيهِ فَقَالَت مَكَانك حَتَّى أطيبك فعمدت إِلَيْهِ فجدعت أَنفه وَأذنه فَرجع إِلَى صَاحبه الَّذِي كَانَ نَهَاهُ فَأنكرهُ فَقَالَ من أَنْت وَيلك قَالَ يسَار قَالَ فيسار كَانَ لَا أنف لَهُ وَلَا أذنين قَالَ أفما ترى وَيحك وبيض الْعَينَيْنِ فَذَهَبت مثلا وَسمي يسَار الكواعب مِمَّن ذكره جرير حِين تزوج الفرزدق إِحْدَى بني نسَاء شَيبَان وَزَاد فِي مهرهَا فَعَيَّرَهُ جرير بذلك فَقَالَ
(وَإِنِّي لأخشى إِن خطبت اليهمو ... عَلَيْك الَّذِي لَاقَى يسَار الكواعب)
قَالَ ابْن قُتَيْبَة جَاءَتْنِي جَارِيَة بهدية فَقلت لَهَا قد علم مَوْلَاك إِنِّي لَا أقبل الْهَدِيَّة قَالَت وَلم قلت أخْشَى أَن يستمد مني علما لأجل هديته فَقَالَت مَا استمد النَّاس من رَسُول الله ﷺ أَكثر وَقد كَانَ يقبل الْهَدِيَّة فَقَبلتهَا فَكَانَت الْجَارِيَة أفقه مني
стр. 225
قَالَ وبلغنا أَن رجلا ابتلى بمحبة امْرَأَة فَأتى أَبَا حنيفَة فَأخْبرهُ أَن مَاله قَلِيل وَأَنَّهُمْ إِن علمُوا بذلك لم يزوجوه فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة أتبيعني أحليلك بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم قَالَ لَا قَالَ فَأخْبر الْقَوْم إِنِّي أعرفك فَمضى فَخَطَبَهَا فَقَالُوا من يعرفك فَقَالَ أَبُو حنيفَة فسألوا أَبَا حنيفَة عَنهُ فَقَالَ مَا أعرفهُ إِلَّا أَنه حضر عِنْدِي يَوْمًا فسووم فِي سلْعَة لَهُ بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم فَلم يبع فَقَالُوا هَذَا يدل على أَنه ذُو مَال فَزَوجُوهُ فَلَمَّا تيقنت الْمَرْأَة حَاله قَالَت لَا يضيق صدرك وَهَذَا مَالِي بحكمك ثمَّ مَضَت إِلَى أبي حنيفَة فِي حليها وحللها فَقَالَت فَتْوَى فَدخلت فأسفرت عَن وَجههَا فَقَالَ تستري فَقَالَت مَا يُمكن قد وَقعت فِي أَمر لَا يخلصني مِنْهُ أَلا أَنْت أَنا بنت هَذَا الْبَقَّال الَّذِي على رَأس الدَّرْب وَقد بلغت عمرا واحتجت إِلَى الزَّوْج وَهُوَ لَا يزوجني وَيَقُول لمن يخطبني ابْنَتي عوراء قرعاء شلاء ثمَّ حسرت عَن وَجههَا ورأسها ويديها وَيَقُول بِنْتي زمنة وكشفت عَن سَاقيهَا وَأُرِيد أَن تدبرني فَقَالَ ترْضينَ أَن تَكُونِي لي زَوْجَة فَقبلت قَدَمَيْهِ وَقَالَت من لي بغلامك فَقَالَ امْضِي فِي دعة الله فَخرجت فأحضر الْبَقَّال وَدفع إِلَيْهِ خمسين دِينَارا وَقَالَ زَوجنِي ابْنَتك فَكتب كتابا بِمِائَة دِينَار فَقَالَ الْبَقَّال يَا سَيِّدي اسْتُرْ مَا ستر الله أَنا لي بنت أزَوجك قَالَ دع هَذَا عَنْك رضيت بابنتك القرعاء الشلاء الزمنة فَزَوجهُ على الْمِائَة وَالْخمسين وَمضى فَحدث زَوجته فَقَالَت وَالله لَا كَانَ إِلَّا يكون هَذَا إِلَّا على يَد أبي حنيفَة فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّة تِلْكَ اللَّيْلَة أَجْلِسهَا أَبوهَا فِي صن وَحملهَا بَينه وَبَين غُلَامه فَلَمَّا رَآهَا أَبُو حنيفَة قَالَ مَا هَذَا فَقَالَ الْبَقَّال اشْهَدْ على طَلَاق أمهَا إِن كَانَت لي بنت غَيرهَا فَقَالَ أَبُو حنيفَة هِيَ طَالِق ثَلَاثًا أعد على الْكتاب وَأَنت فِي حل من الْخمسين وَبَقِي أَبُو حنيفَة متفكر أشهراً ثمَّ جَاءَت تِلْكَ الْمَرْأَة إِلَيْهِ فَقَالَ مَا حملك على مَا فعلت فَقَالَت وَأَنت مَا حملك على أَن غررتنا بِرَجُل فَقير
قَالَ أَبُو الْحسن البيبي مُؤذن المسترشد بِاللَّه قَالَ حَدثنِي بعض
стр. 226
التُّجَّار الْمُسَافِرين قَالَ كُنَّا نَجْتَمِع من بِلَاد شَتَّى فِي جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ نتحدث فَبَيْنَمَا نَحن جُلُوس يَوْمًا نتحدث وَإِذا بِامْرَأَة بقربنا فِي أصل سَارِيَة فَقَالَ لَهَا رجل من التُّجَّار من البغداديين مَا شَأْنك فَقَالَت أَنا امْرَأَة وحيدة غَابَ عني زَوجي مُنْذُ عشر سِنِين وَلم أسمع لَهُ خَبرا فقصدت القَاضِي ليزوجني فَامْتنعَ وَمَا ترك لي زَوجي نَفَقَة وَأُرِيد رجلا غَرِيبا يشْهد لي هُوَ وَأَصْحَابه أَن زَوجي مَاتَ أَو طَلقنِي لأتزوج أَو يَقُول أَنا زَوجهَا ويطلقني عِنْد القَاضِي لأصبر مُدَّة الْعدة وأتزوج فَقَالَ لَهَا الرجل تُعْطِينِي دِينَارا حَتَّى أصير مَعَك إِلَى القَاضِي وأذكر لَهُ إِنِّي زَوجك وأطلقك فَبَكَتْ وَقَالَت وَالله مَا أملك غير هَذِه وأخرجت أَربع رباعيات فَأَخذهَا مِنْهَا وَمضى مَعهَا إِلَى القَاضِي وَأَبْطَأ علينا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد لقيناه فَقُلْنَا مَا أبطأك فَقَالَ دَعونِي فَإِنِّي حصلت فِي أَمر ذكره فضيحة قُلْنَا أخبرنَا قَالَ حضرت مَعهَا إِلَى القَاضِي فادعت عَليّ الزَّوْجِيَّة والغيبة عشر سِنِين وَسَأَلت أَن أخلي سَبِيلهَا فصدقتها على ذَلِك فَقَالَ لَهَا القَاضِي أتبرئينه قَالَت لَا وَالله لي عَلَيْهِ صدَاق وَنَفَقَة عشر سِنِين وَأَنا أَحَق بذلك فَقَالَ لي القَاضِي أديها حَقّهَا وَلَك الْخِيَار فِي طَلاقهَا أَو إِِمْسَاكهَا فورد على مَا بليني وَلم أتجاسر أَن أحكي صُورَتي مَعهَا فَلَا أصدق فَتقدم القَاضِي بتسليمي إِلَى صَاحب الشرطة فاستقر الْأَمر على عشرَة دَنَانِير أَخَذتهَا مني وغرمت للوكلاء وَأَعْوَان القَاضِي الْأَرْبَع رباعيات الَّتِي أعطتني وَمثلهَا من عِنْدِي فضحكنا مِنْهُ فَخَجِلَ وَخرج من مصر فَلم يعرف لَهُ خبر
قَالَ وَنقل من خطّ الشَّيْخ أبي الْوَفَاء بن عقيل قَالَ حُكيَ لي بعض الأصدقاء أَن امْرَأَة جَلَست على بَاب دكان بزار أعزب إِلَى أَن أمست فَلَمَّا أَرَادَ غلق الدّكان تراءت لَهُ فَقَالَ لَهَا مَا هَذَا الْمسَاء فَقَالَت وَالله مَا لي مَكَان أَبيت فِيهِ فَقَالَ لَهَا تمضين معي إِلَى الْبَيْت فَقَالَت نعم فَمضى بهَا إِلَى بَيته وَعرض عَلَيْهَا التَّزْوِيج فأجابت فَتَزَوجهَا وَبقيت عِنْده أَيَّامًا وَإِذا قد جَاءَ
стр. 227
فِي الْيَوْم الرَّابِع رجل وَمَعَهُ نسْوَة فطلبوها فأدخلهم وَأكْرمهمْ وَقَالَ من أَنْتُم مِنْهَا فَقَالُوا أقاربها ابْن عَم وَبَنَات عَم وَقد سررنا بِمَا سمعنَا من الوصلة غير أَنا نَسْأَلك أَن تتركها تَزُورنَا لعرس بعض أقاربنا فَدخل إِلَيْهَا فَقَالَت لَا تجبهمْ إِلَى ذَلِك وأحلف بطلاقي إِنَّك لَا خرجت من دَاري شهر اليمضي زمن الْعرس فَأَنَّهُ أصلح لي وَلَك وَإِلَّا أخذوني وأفسدوا قلبِي عَلَيْك فَإِنِّي كنت غَضبى وَتَزَوَّجت إِلَيْك بِغَيْر مشاورتهم وَلَا أَدْرِي من قد دلهم إِلَيْك فَخرج فَحلف كَمَا ذكرت لَهُ فَخَرجُوا مأيوسين وأغلق الْبَاب وَخرج إِلَى الدّكان وَقد علق قلبه بِالْمَرْأَةِ فَخرجت وَلم تستصحب من الدَّار شَيْئا فجَاء فَلم يجدهَا فَقَالَ قَائِل ترى مَا الَّذِي قصدت قَالَ أَبُو الْوَفَاء لَعَلَّهَا مستحلة بِهِ لأجل زوج طَلقهَا ثَلَاثًا فليتخوف الْإِنْسَان من مثل هَذَا وليطلع بِهِ على غوامض حيل النَّاس
الْبَاب الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِي مَا ذكر عَن الْحَيَوَان البهيم مِمَّا يشبه كَلَام الْآدَمِيّين
أخبرنَا أَبُو سعيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن فِي أحد جناحي الذُّبَاب دَاء وَفِي الآخر شِفَاء وَأَنه ليتقي بِالَّذِي فِيهِ الدَّاء فَإِذا وَقع فِي إِنَاء أحدكُم فليغمسه كُله ثمَّ لينزعه وَعَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَن رجلا كَانَ يَبِيع الْخمر فِي سفينة وَكَانَ يشوبه بِالْمَاءِ وَكَانَ مَعَه فِي السَّفِينَة قرد فَأخذ القرد الْكيس الَّذِي فِيهِ الدَّنَانِير فَصَعدَ ذرْوَة الدقل فَفتح الْكيس فَجعل يلقِي فِي الْبَحْر دِينَارا وَفِي السَّفِينَة دِينَارا حَتَّى لم يبْق فِيهِ شَيْء قَالَ مُحَمَّد بن نَاصِر قدم رجل على بعض السلاطين وَكَانَ مَعَه عَامل إرمينية منصرفاً إِلَى منزله فَمر فِي
стр. 228
طَرِيقه بمقبرة وَإِذا قبر عَلَيْهِ قبَّة مَبْنِيَّة مَكْتُوب عَلَيْهَا هَذَا قبر الْكَلْب فَمن أحب أَن يعلم خَبره فليمضِ إِلَى قَرْيَة كَذَا وَكَذَا فَإِن فِيهَا من يُخبرهُ فَسَأَلَ الرجل عَن الْقرْيَة فدلوه عَلَيْهَا فقصدها وَسَأَلَ أَهلهَا فدلوه على شيخ قد جَاوز الْمِائَة فَسَأَلَهُ فَقَالَ كَانَ فِي هَذِه النَّاحِيَة ملك عَظِيم الشَّأْن وَكَانَ مشتهراً بالنزهة وَالصَّيْد وَالسّفر وَكَانَ لَهُ كلب قد رباه لَا يُفَارِقهُ فَخرج يَوْمًا إِلَى بعض منتزهاته وَقَالَ لبَعض غلمانه قل للطباخ يصلح لنا ثردة لبن فقد اشتهيتها فأصلحوها وَمضى منتزهه فَوجه الطباخ فجَاء بِلَبن وصنع لَهُ ثردة عَظِيمَة وَنسي أَن يغطيها بِشَيْء واشتغل بطبخ أَشْيَاء آخر فَخرج من بعض شقوق الْحِيطَان أَفْعَى فكرع فِي ذَلِك اللَّبن وَمَج فِي الثردة من سمه وَالْكَلب رابض يرى ذَلِك كُله وَلَو كَانَ فِي الأفعى حِيلَة لدفعها وَكَانَ هُنَاكَ جَارِيَة طفلة خرساء زمنة قد رَأَتْ مَا صنع الأفعى ووافى الْملك من الصَّيْد فِي آخر النَّهَار فَقَالَ يَا غلْمَان أول مَا تقدمون إِلَى الثردة فَلَمَّا وضعت بَين يَدَيْهِ أَوْمَأت الخرساء إِلَيْهِ فَلم يفهم مَا تَقول ونبح الْكَلْب وَصَاح فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ ولج فِي الصياح فَلم يعلم مُرَاده فَأخذ وَرمى إِلَيْهِ بِمَا كَانَ يَرْمِي فِي كل يَوْم فَلم يقربهُ ولج فِي الصياح فَقَالَ للغلمان نَحوه عَنَّا فَإِن لَهُ قصَّة وَمد يَده إِلَى اللَّبن فَلَمَّا رَآهُ الْكَلْب يُرِيد أَن يَأْكُل ظفر إِلَى وسط الْمَائِدَة وَأدْخل فَمه الغضارة وكرع من اللَّبن فَسقط مَيتا وتناثر لَحْمه وَبَقِي الْملك مُتَعَجِّبا مِنْهُ وَمن فعله فأومأت الخرساء إِلَيْهِم ففهموا مرادها بِمَا صنع الْكَلْب فَقَالَ الْملك لندمائه وحاشيته أَن من فداني بِنَفسِهِ لحقيق بالمكافأة وَمَا يحملهُ ويدفنه غَيْرِي فدفنه وَبنى عَلَيْهِ قبَّة وَكتب عَلَيْهَا مَا قَرَأت
قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَدَائِنِي كَانَ فِي جوارنا بِبَغْدَاد رجل يلْعَب بالكلاب فاسحر يَوْمًا فِي حَاجَة وَمَعَهُ كلب كَانَ يخْتَص بِهِ من كلابه فَرده فَلم يرجع فَمشى حَتَّى انْتهى إِلَى قوم كَانَ بَينه وَبينهمْ عَدَاوَة فصادفوه
стр. 229
فقبضوا عَلَيْهِ وَالْكَلب يراهم فَخرج الْكَلْب وَقد لحقته جِرَاحَة فجَاء إِلَى بَيت صَاحبه يعوي وافتقدت أم الرجل ابْنهَا فأثبتت أَن الْجراح الَّتِي بالكلب من فعل من قتل ابْنهَا وَأَنه قد تلف فأقامت عَلَيْهِ المأتم فَطُرِدَتْ الْكلاب عَن بَابهَا فَلَزِمَ ذَلِك الْكَلْب طلب الْقَاتِل فاجتاز الْقَاتِل وَهُوَ رابض فَعرفهُ فنهشه وعلق بِهِ فاجتهد المجتازون فِي تخليصه مِنْهُ فَلم يُمكنهُم وَارْتَفَعت ضجة وَجَاء حارس الدَّرْب فَقَالَ إِنَّه لم يعلق هَذَا الْكَلْب بِالرجلِ إِلَّا وَله مَعَه قَضِيَّة وَلَعَلَّه الَّذِي جرحه وَخرجت أم الْقَتِيل فرأت الْكَلْب مُتَعَلقا بِالرجلِ وَسمعت كَلَام الحارس فَذكرت بِأَن هَذَا الرجل مِمَّا كَانَ يعادي ابْنهَا فَوَقع فِي نَفسهَا أَنه قَاتله فتعلقت وَادعت عَلَيْهِ الْقَتْل وارتفعا إِلَى صَاحب الشرطة فحبسه بعد أَن ضرب وَلم يقر وَلزِمَ الْكَلْب بَاب الْحَبْس فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام أطلق الرجل فَلَمَّا خرج علق بِهِ الْكَلْب فَفرق بَينهمَا وَمَا زَالَ يسْعَى خَلفه ويصيح إِلَى أَن دخل بَيته فَدخل خَلفه وَمَعَهُ صَاحب الشرطة من حَيْثُ لَا يعلم فكبس الدَّار فَأقبل الْكَلْب بمخاليبه مَوضِع الْقَتِيل فنبش فَوجدَ الرجل فَضرب الْمُتَّهم فَأقر على نَفسه وعَلى البَاقِينَ فَقتل وصلبوا
وَحدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن شَدَّاد قَالَ رَأَيْت رجلا لَهُ كلب يقربهُ ويغطيه بديباج كَانَ عَلَيْهِ فَسَأَلته عَن السَّبَب فَقَالَ كَانَ لي رَفِيق يعاشرني فخرجنا فِي سفر وَكَانَ فِي وسطي هميان فِيهِ جملَة دَنَانِير وَمَعِي مَتَاع كثير فنزلنا فِي مَوضِع فَعمد إليّ فأوثقني كتافاً وَرمى بِي فِي وادٍ وَأخذ مَا كَانَ معي وَمضى وَقعد هَذَا الْكَلْب معي ثمَّ تركني وَمضى فَمَا كَانَ بأسرع من أَن وافاني وَمَعَهُ رغيف فطرحه بَين يَدي فأكلته وَلم أزل أحبو إِلَى مَوضِع فِيهِ مَاء فَشَرِبت مِنْهُ وَلم يزل الْكَلْب معي بَاقِي لَيْلَتي ثمَّ نمت فَفَقَدته فَمَا كَانَ بأسرع إِن وافاني وَمَعَهُ رغيف فأكلته فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث غَابَ عني فَقلت يمْضِي ويجيئني بالرغيف فجَاء وَمَعَهُ الرَّغِيف فَرمى
стр. 230
بِهِ فَلم أستتم أكله إِلَّا وَابْني يبكي على رَأْسِي وَقَالَ مَا تصنع هَهُنَا وَمَا قصتك وَنزل وَحل كتافي وأخرجني فَقلت لَهُ من أَيْن علمت بمكاني وَمن دلك عليّ فَقَالَ كَانَ الْكَلْب يأتينا فِي كل يَوْم فنطرح لَهُ الرَّغِيف على اسْمه فَلَا يَأْكُلهُ وَقد كَانَ مَعَك فأنكرنا رُجُوعه وَلست مَعَه وَكَانَ يحمل الرَّغِيف بفمه وَلَا يذوقه وَيَغْدُو فأنكرنا أمره فاتبعته حَتَّى وقفت عَلَيْك فَهَذَا خبري وَخبر الْكَلْب قَالَ كَانَ للحرث بن صعصعة ندماء لَا يفارقهم فعبث أحدهم بِزَوْجَتِهِ وأرسلها وَكَانَ للحرث كلب قد رباه فَخرج الْحَرْث فِي بعض منتزهاته وتخلف عَنهُ ذَلِك الرجل وَجَاء إِلَى زَوجته فَأَقَامَ عِنْدهَا فَلَمَّا جَامعهَا وثب الْكَلْب عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا فَلَمَّا رَجَعَ الْحَرْث نظر إِلَيْهِمَا فَعرف الْقِصَّة وَترك من كَانَ يعاشره وَاتخذ كَلْبه نديماً فَتحدث بِهِ الْعَرَب فَأَنْشَأَ يَقُول
(فللكلب خير من خَلِيل يخونني ... وينكح عرسي بعد وَقت رحيلي)
(سأجعل كَلْبِي مَا حييت منادمي ... وأمنحه ودي وصفو خليلي)
وَقَالَ ابْن عُبَيْدَة خرج رجل من الْبَصْرَة فَاتبعهُ كلب فَوَثَبَ بِالرجلِ قوم فجرحوه ورموه فِي بِئْر وحثوا عَلَيْهِ التُّرَاب فَلَمَّا انصرفوا أُتِي الْكَلْب رَأس الْبِئْر فبحث حَتَّى ظهر رَأس الرجل وَفِيه نفس يتَرَدَّد فَمر قوم فأخرجوه حَيا
قَالَ ابْن خلف وحَدثني بعض أصدقائي قَالَ دخلت بستاناً وَمَعِي كلبان لي قد ربيتهما فَنمت فَإِذا هما ينبحان فانتبهت فَلم أر شَيْئا أنكرهُ فعاودوا النبح فضربتهما ونمت فَإِذا بهما يحركاني بأيديهما وأرجلهما كَمَا يوقظ النَّائِم فَوَثَبت فَإِذا أسود سالح قد قرب مني وَثَبت فَقتلته فَكَانَا سَبَب سلامتي
стр. 231
قَالَت الْحُكَمَاء وَمن فطنة الْكَلْب أَنه إِذا عاين الظباء قريبَة كَانَت أَو بعيدَة عرف المعتلّ وَغير المعتل وَالذكر من الْأُنْثَى فَلم يقْصد الصَّيْد فِيهَا إِلَّا الذّكر وَإِن علم أَنه أَشد عدوا وَأبْعد وثبة ويدع الْأُنْثَى على نُقْصَان عدوها وَسبب ذَلِك أَنه قد علم أَن الذّكر إِذا عدا شوطاً أَو شوطين حقن ببوله وَهَكَذَا كل حَيَوَان إِذا اشْتَدَّ فزعه فَإِنَّهُ يُدْرِكهُ الحقن وَإِذا حقن الذّكر لم يسْتَطع الْبَوْل من شدَّة الْعَدو فيثقل حِينَئِذٍ عدوه وَيقصر مدى خطاه فيلحقه الْكَلْب وَإِمَّا الْأُنْثَى فَإِنَّهَا تحذف بولها لسعة السَّبِيل وسهولة الْمخْرج فَتَصِير بذلك أدوم وَمن فهم الْكَلْب أَنه إِذا خرج الجليد والثلج وَقد تراكم على الأَرْض وَالْكلاب لَا تَدْرِي حِينَئِذٍ أَيْن كناس الظبى وَأَيْنَ جُحر الأرنب فيفر الْكَلْب وَينظر إِلَى أَن يقف على تِلْكَ الجحرة وظنين مَعْرفَته أَن أنفاس الْحَيَوَانَات وبخار أجوافها يذيب مَا لَاقَى من فَم الْجُحر من الثَّلج الجامد حَتَّى يرق وَذَلِكَ خَفِي غامض لَا يَقع عَلَيْهِ إِلَّا الْكَلْب وَأَن الْكَلْب إِذا ظفر بشخص لم ينجه مِنْهُ إِلَّا أَن يقْعد بَين يَدَيْهِ ذليلا فَحِينَئِذٍ لَا ينبحه لِأَنَّهُ يرَاهُ تَحت قدرته فيسمه بميسم ذل
حَدثنَا أَبُو بكر بن الحضنة عَن مؤدبه أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الدَّلْو وَكَانَ رجلا صَالحا يسكن نهر طابق أَنه كَانَ لَيْلَة من اللَّيَالِي قَاعِدا ينْسَخ قَالَ وَكنت ضيق الْيَد فَخرجت فَأْرَة كَبِيرَة فَجعلت تعدو فِي الْبَيْت ثمَّ خرجت أُخْرَى وَجعلا يلعبان بَين يَدي طاسة فكفيتها على إِحْدَاهمَا فَجَاءَت الْأُخْرَى فَجعلت تَدور حول الطاسة وَأَنا سَاكِت فَدخلت السرب فَخرجت وَفِي فِيهَا دِينَار صَحِيح وَتركته بَين يَدي فاشتغلت بالنسخ وَقَعَدت سَاعَة تنْتَظر ثمَّ رجعت فَجَاءَت بِدِينَار آخر وَقَعَدت سَاعَة إِلَى أَن جَاءَت بأَرْبعَة أَو خَمْسَة وَقَعَدت زَمَانا أطول من كل نوبَة وَرجعت فأخرجت جلدَة كَانَت فِيهَا الدَّنَانِير وتركتها فَوق الدَّنَانِير فَعرفت أَنه مَا بَقِي شَيْء فَرفعت الطاسة ففرتا فدخلتا الْبَيْت وَأخذت أَنا الدَّنَانِير قَالَ مُحَمَّد بن عجلَان مولوي
стр. 232
بن زِيَاد قَالَ دخل زِيَاد مَجْلِسه ذَات يَوْم فَإِذا هُوَ بهر فِي زَاوِيَة الْبَيْت فَذَهَبت أزجره فَقَالَ دَعه فَأرى مَا لَهُ ثمَّ صلى الظّهْر ثمَّ عَاد إِلَى مَجْلِسه ثمَّ صلى الْعَصْر فَعَاد إِلَى مَجْلِسه كل ذَلِك يُلَاحظ الهر فَلَمَّا كَانَ قبل غرُوب الشَّمْس خرج جرذ فَوَثَبَ عَلَيْهِ الهر فَأَخذه فَقَالَ زِيَاد من كَانَت لَهُ حَاجَة فليواظب عَلَيْهَا مواظبة الهر فَإِنَّهُ يظفر بِهِ
قَالَ الْقَاسِم بن أبي طَالب التنوخي كنت مَاضِيا إِلَى الأنبار فِي رفْقَة بازيانية للسُّلْطَان فأطلقوا بازاً على دراج فطار فلحق الدراج فَانْتهى الدراج إِلَى غيضة فَدَخلَهَا فَألْقى نَفسه بَين شوك كَانَ فِيهَا وَأخذ من ذَلِك الشوك أصلين كبيرين فِي رجلَيْهِ ونام على قَفاهُ وَرفع رجلَيْهِ فاستتر بذلك من الْبَازِي فَلَمَّا قرب مِنْهُ الْبَازِي طَار فصاده الْبَازِي فَقَالُوا مَا رَأينَا دَرَّاجًا قطّ احذر من هَذَا قَالَ المُصَنّف وَالْعرب تَقول احذر من غراب وَاحْذَرْ من عقعق وَاحْذَرْ من ذِئْب ويزعمون أَن الذِّئْب يبلغ من حذره أَنه يزاوج بَين عَيْنَيْهِ إِذا نَام فَيفتح إِحْدَاهمَا لتَكون حارسه قَالَ حميد بن هِلَال فِي الذِّئْب
(ينَام بِإِحْدَى مقلتيه وَيَتَّقِي ... بِأُخْرَى الأعادي فَهُوَ يقظان هاجع)
قَالَ العسكري هَذَا محَال لِأَن النّوم يَأْخُذهُ جملَة الْحَيّ قَالَ مؤلف الْكتاب أَرَادوا بذلك أَن يغمض عينا عِنْد بداية النّوم وَيفتح عينا إِلَى أَن يغلب عَلَيْهِ النّوم فَيكون الْكَلَام صَحِيحا وَيَقُولُونَ احذر من ظليم وَهُوَ ذكر النعام
رُوِيَ عَن ابْن الْأَعرَابِي عَن هِشَام ابْن سَالم قَالَ أكلت حَيَّة بَيْضَة مكاء فَجعل المكاء يشرشر على رَأسهَا وَيَدْنُو مِنْهَا حَتَّى إِذا فتحت فاها تريده وهمت بِهِ ألْقى فِي فِيهَا حسكة فَأخذت بحلقها حَتَّى مَاتَت وروينا
стр. 233
أَن الهدهد قَالَ لِسُلَيْمَان ﵇ أُرِيد أَن تكون فِي ضيافتي قَالَ سُلَيْمَان أَنا وحدي قَالَ لَا بل الْعَسْكَر كُله فِي جَزِيرَة كَذَا فِي يَوْم كَذَا فَمضى سُلَيْمَان إِلَى هُنَاكَ فَصَعدَ الهدهد إِلَى الجو فصاد جَرَادَة وخنقها وَرمى بهَا فِي الْبَحْر وَقَالَ يَا نَبِي الله إِن كَانَ اللَّحْم قَلِيلا فالمرق كثير فَكُلُوا من فَاتَهُ اللَّحْم ناله المرق فَضَحِك سُلَيْمَان وَجُنُوده من ذَلِك حولا كَامِلا
قلت من أَحْوَال الْحَيَوَان البهيم وأفعاله الدَّالَّة على الفطنة أَن العصافير لَا تقيم إِلَّا فِي دَار مسكونة فَإِن هجرها النَّاس لم تقم وَأما الْهِرَّة فَإِنَّهَا تألف الدَّار وَإِن رَحل أَهلهَا وَالْكَلب يرحل مَعَ أهل الدَّار وَلَا يلْتَفت إِلَى الدَّار وَمَتى طرقت العصافير آفَة استغاثت فأغاثها كل عُصْفُور يسمع حَتَّى أَنه قد يَقع فرخها فيستغيث فَلَا يلقى عُصْفُور يسمع إِلَّا جَاءَ فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم فيحدثون لَهُ بذلك قُوَّة وحركة حَتَّى يطير مَعَهم قَالَ بعض الصيادين رُبمَا رَأَيْت العصفور على حَائِط فأومي بيَدي إِلَى الأَرْض كأنني أتناول شَيْئا فَلَا يَتَحَرَّك فَإِن مسست بيَدي حَصَاة طَار قبل أَن تتمكن مِنْهَا يَدي
الْحمام إِذا علم الذّكر أَن الْأُنْثَى قد حملت اشْتغل هُوَ وَهِي بِعَمَل العش وأشخصا لَهَا حروفاً تحفظ الْبيض ثمَّ سخناها ونفيا عَنْهَا طباعها وأحدثا لَهَا طبيعة أُخْرَى مستخرجة من رَائِحَة أبدانها ثمَّ يقلبان الْبيض فِي الْأَيَّام فتأخذ الْبَيْضَة نصِيبهَا من الحضن وساعات الحضن أَكْثَرهَا على الْأُنْثَى كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تكفل الْحَضَانَة فَإِذا صَار الْبيض فراخاً كَانَ أَكثر الزق على الذّكر وَمَتى انصدع الْبيض علما أَن حواصل الْفِرَاخ لَا تتسع للغذاء فينفخان الرّيح فِي حلوقهما لتنتفخ الحوصلة وتتسع ثمَّ يعلمَانِ أَنه لَا يصلح أَن يزق الطَّعَام فيزقان اللعاب الْمُخْتَلط بقواهما وقوى الطَّعَام
стр. 234
كاللبا ثمَّ يعلمَانِ أَن الحوصلة تحْتَاج إِلَى دبغ وتقوية فيأكلان من سورج الْحِيطَان وَهُوَ شئ بَين الْملح الْخَالِص وَبَين التُّرَاب المالح فيزقانه فَإِذا علما أَنه قد اشْتَدَّ زقاه الْحبّ فَإِذا علما أَنه قد أطلق أَن يلقط منعاه بعض الْمَنْع ليحتاج إِلَى اللقط فيعوده فَإِذا علما أَنه قد قوي على ذَلِك ضرباه إِذا سَأَلَهُمَا الْكِفَايَة ومنعاه ثمَّ يبتدئان لغيره فيبتدئ الذّكر بِالدُّعَاءِ وتبتدئ الْأُنْثَى بالتأني والاستدعاء ثمَّ ترفق وتتشكل ثمَّ تمْتَنع فتحبب ثمَّ يتعاشقان ويتطاوعان وَيحدث لَهما من الْغَزل والتقبيل والرشف
والتنين إِذا هَلَكت زَوجته لم يتَزَوَّج وَكَذَلِكَ هِيَ وَالْعَنْكَبُوت تنسج بِمَا هُوَ يسكنهَا شبكة للذباب فَإِذا تعرقلت فِيهَا صادها ويروى أَن اللَّيْث وَهُوَ صنف من العناكب يلطا بِالْأَرْضِ وَيجمع نَفسه وَيرى الذُّبَاب أَنه لاه عَنهُ ثمَّ يثب وثوب الفهد فيصيدها والثعلب إِذا أعوزه الْقُوت تماوت وَنفخ بَطْنه فيحسبه الطير مَيتا فَإِذا وَقع عَلَيْهِ وثب عَلَيْهَا والخفاش ضَعِيف الْبَصَر فَلَا يطير إِلَّا عِنْد الْغُرُوب لِأَنَّهُ وَقت لَا ضوء فِيهِ يغلب بَصَره وَلَا ظلمَة والنملة والذرة تدخر فِي الصَّيف للشتاء ثمَّ تخَاف على المدخر من الْحُبُوب العفن فتخرجه فتنشره ليضربه الْهَوَاء وَرُبمَا اخْتَارَتْ ذَلِك فِي ليَالِي الْقَمَر لِأَنَّهَا فِيهِ أبْصر فَإِن كَانَ مَكَانهَا ندياً وخافت أَن تنْبت نقرت وسط الْحبَّة كَأَنَّهَا تعلم أَنَّهَا تنْبت من ذَلِك الْمَكَان وفلقتها نِصْفَيْنِ فَإِن كَانَ كزبرة فلقتها أَربع لِأَن أَنْصَاف الكزبرة تنْبت من بَين جَمِيع الْحُبُوب فَهِيَ من الشم مَا لَيْسَ لشَيْء وَرُبمَا أكل الْإِنْسَان الْجَرَاد أَو مَا أشبهه فَتسقط من يَده الْوَاحِدَة أَو بَعْضهَا وَلَيْسَ بِقُرْبِهِ ذرة فَلَا تلبث تقبل ذرة أَو نملة قاصدة إِلَى تِلْكَ الجرادة فتحاول نقلهَا إِلَى موضعهَا فتعجز فتكر رَاجِعَة إِلَى بَيتهَا فَلَا تلبث أَن تقبل وَخَلفهَا كالخيط الْأسود فتتعاون فتحملها فَانْظُر إِلَى صدق الشم لما لَا يشمه الْإِنْسَان ثمَّ إِلَى نقد الهمة إِلَى الجرأة فِي محاولة نقل شَيْء وَزنهَا خَمْسمِائَة مرّة أَو أَكثر وَأَقل أَن تلقى أُخْرَى
стр. 235
إِلَّا وقفت مَعهَا وحدثتها وَيدل على كَلَامهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ﴾ وَمن الْحَيَّات مَا يغمس ذَنبه فِي الرمل وينتصب قَائِما نصف النَّهَار فِي شدَّة الْحر فَيَجِيء الطَّائِر فَيكْرَه الْوُقُوع على الرمل لحره فَيَقَع على رَأس الْحَيَّة على أَنَّهَا عود فتقبض عَلَيْهِ وَزعم قوم أَن الْحَيَّة فِي بِلَادهمْ تَأتي الْبَقَرَة فتنطوي على فَخذهَا وتلتقم الثدي فَلَا تَسْتَطِيع الْبَقَرَة أَن تتزمزم فتمتص اللَّبن وَمن فهم اليربوع لَا يتَّخذ حجره إِلَّا فِي كدوة وَهُوَ الْموضع الصلب ليرتفع عَن السَّيْل فَيسلم من مجاري الْمِيَاه ومدق الْحَافِر فيحفر فِي الصلابة ويعمق ثمَّ يتَّخذ فِي زَوَايَا بَيته القاصعاء والنافقاء والرامقاء والرهطاء بيُوت قد اتخذها ورق أَبْوَابهَا فَإِذا أحس شرا دفع بَعْضهَا وَخرج وَلما علم من نَفسه أَنه كثير النسْيَان لم يحْفر بَيته إِلَى عِنْد أكمة أَو صَخْرَة أَو شَجَرَة ليَكُون إِذا تبَاعد عَن حجره لطلب طعمه أَو خوف حسن اهتداؤه إِلَيْهِ والظبي لَا يدْخل كناسه إِلَّا وَهُوَ مستدير يسْتَقْبل بِعَيْنيهِ مَا يخَاف على نَفسه وخشفه والضبة تبيض سِتِّينَ بَيْضَة ثمَّ تسد عَلَيْهِنَّ بَاب حجرها ثمَّ تدعهن أَرْبَعِينَ صباحاً ثمَّ تحفر عَنْهُن وَقد انْشَقَّ الْبيض والنسر كثير الشره فَإِذا امْتَلَأَ من الْجِيَف لم يسْتَطع الطيران فيثب وثبات ويدور حول مسقطه مَرَّات ثمَّ يرفع نَفسه طبقَة طبقَة فِي الْهَوَاء حَتَّى يدْخل الرّيح تَحْتَهُ فيرفعه والسنور يرى الْفَأْرَة فِي السّقف فيحرك يَده كالمشير لَهَا بِالْعودِ فتعود ثمَّ يُشِير إِلَيْهَا بِالرُّجُوعِ فترجع وَإِنَّمَا يطْلب أَن تنزلق فَلَا يزَال يفعل ذَلِك حَتَّى تسْقط والأسد رُبمَا حبس العنز بِيَمِينِهِ وَطعن بمخلب يسَاره فِي لبته وَقد أقفاه على مؤخرة فيتلقى دَمه شاخباً فِي فِيهِ كَأَنَّهُ ينصب من فوارة حَتَّى إِذا شربه واستفرغه شقّ بَطْنه
والبق يخرج لطلب الرزق فَيعرف أَن الَّذِي يعيشه الدَّم فَإِذا أبْصر الجاموس علم أَن خلف جلده غذاءه فَسقط عَلَيْهِ وَطعن بخرطومه وَهُوَ واثق بنفوذ سلاحه وَالْعِقَاب لَا تكَاد تعاني الصَّيْد بل تقف على مَوضِع عالٍ فَإِذا اصطاد بعض الطير شَيْئا انْقَضتْ عَلَيْهِ فَإِذا أبصره لم يكن
стр. 236
لَهُ همة إِلَّا الْهَرَب وَترك صَيْده فِي يَدهَا وَكَذَلِكَ الْحَيَّة لَا تحفر موضعا تسكنه وَلَا تهتم بذلك بل تَأتي إِلَى الْمَكَان الَّذِي حفره غَيرهَا فتسكنه فينفر عَن ذَلِك الْمَكَان والأيل يذهب قرنه فِي كل عَام فَإِذا علم أَنه قد هلك سلاحه لم يظْهر من مَخَافَة السَّبع فَإِذا قَامَ فِي مَوْضِعه سمن فَيعلم أَن حركته تبطيء فيزيد فِي استخفائه فَإِذا ظهر قرنه تعرض للشمس وَالرِّيح وَأكْثر الْحَرَكَة والذهاب ليذْهب شحمه ولحمه فَإِذا استقام قرنه عَاد إِلَى عَادَته الأولى وَهُوَ يَأْكُل الْحَيَّات فيعتريه عَطش شَدِيد فيدور حول المَاء وَلَا يحجزه عَن ذَلِك إِلَّا علمه بِأَن المَاء ينفذ السمُوم فيسرع هَلَاكه وبيوت الزنابير مَبْنِيَّة من زبد المدود والقنفذ وَابْن عرس إِذا ناهشا الأفعى والحيات الْكِبَار تعالجا بِأَكْل الصعتر الْبري وَالْعِقَاب إِذا اشتكت كَبِدهَا من رَفعهَا الأرنب والثعلب فِي الْهَوَاء وحطها لذَلِك مرَارًا فَإِنَّهَا لَا تَأْكُل إِلَّا من الأكباد حَتَّى يبرأ وجعها وَإِذا وضعت الْفَأْرَة وَالْعَقْرَب فِي إِنَاء زجاج قرصت الْفَأْرَة طرف إبرة الْعَقْرَب فَسلمت من شَرها ثمَّ قتلتها كَيفَ شَاءَت وَإِذا وضعت الدب الْأُنْثَى وَلَدهَا كَانَ حِينَئِذٍ كقدرة لحم غير مَفْهُوم الْجَوَارِح فخافت عَلَيْهِ الذَّر فَرَفَعته فِي الْهَوَاء أَيَّامًا وتحوله من مَوضِع إِلَى مَوضِع إِلَى أَن يشْتَد والسمك إِذا حصلت فِي الشبكة وَلم تستطع الْخُرُوج علمت أَنه لَا ينجيها إِلَّا الْوُثُوب فتتأخر قدر رمح ثمَّ تقبل واثبة نَحْو عشرَة أَذْرع فتخرق الشبكة والفهد إِذا سمن علم أَنه مَطْلُوب وَأَن حركته قد ثقلت فَهُوَ يخفي نَفسه بِجهْدِهِ حَتَّى يَنْقَضِي الزَّمَان الَّذِي يسمن فِيهِ الفهود
стр. 237
الْبَاب الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ فِي ذكر مَا ضَربته الْعَرَب والحكماء مثلا على أَلْسِنَة الْحَيَوَان البهيم مِمَّا يدل على الذكاء
تَقول الْعَرَب احذر من غراب وَيَقُولُونَ قَالَ الْغُرَاب لِابْنِهِ إِذا رميت فتلوص أَي تلوى قَالَ يَا أَبَت إِنِّي أتلوص قبل أَن أرمي قَالَ الشّعبِيّ مرض الْأسد فعاده السبَاع مَا خلا الثَّعْلَب فَقَالَ الذِّئْب أَيهَا الْملك مَرضت فعادك السبَاع إِلَّا الثَّعْلَب قَالَ فَإِذا حضر فَأَعْلمنِي فَبلغ ذَلِك الثَّعْلَب فجَاء فَقَالَ لَهُ الْأسد يَا أَبَا الْحصين مَرضت فعادني السبَاع كلهم وَلم تعدني أَنْت قَالَ بَلغنِي مرض الْملك فَكنت فِي طلب الدَّوَاء لَهُ قَالَ فَأَي شَيْء أصبت قَالَ قَالُوا لي خرزة فِي سَاق الذِّئْب يَنْبَغِي أَن تخرج فَضرب الْأسد بمخاليبه سَاق الذِّئْب فانسل الثَّعْلَب وَخرج فَقعدَ على الطَّرِيق فَمر بِهِ الذِّئْب وَالدَّم يسيل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الثَّعْلَب يَا صَاحب الْخُف الْأَحْمَر إِذا قعدت بعد هَذَا عِنْد سُلْطَان فَانْظُر مَا يخرج من رَأسك
قَالَ الشّعبِيّ أخْبرت أَن رجلا صَاد قنبرة فَلَمَّا صَارَت فِي يَده قَالَت مَا تُرِيدُ أَن تصنع بِي قَالَ أذبحك وآكلك قَالَت مَا أشفي من مرض وَلَا أشْبع من جوع وَلَكِن أعلمك ثَلَاث خِصَال خير لَك من أكلي إِمَّا وَاحِدَة أعلمك وَأَنا فِي يدك وَالثَّانيَِة على الشَّجَرَة وَالثَّالِثَة على الْجَبَل فَقَالَ هَات الْوَاحِدَة قَالَت لَا تلهفن على مَا فاتك قَالَ فَلَمَّا صَارَت على الشَّجَرَة قَالَ لَهَا هَات الثَّانِيَة قَالَت لَهُ لَا تصدق بِمَا لَا يكون أَن يكون فَلَمَّا صَارَت على الْجَبَل قَالَت لَهُ يَا شقي لَو ذبحتني أخرجت من حوصلتي ذرتين فِي كل وَاحِدَة عشرُون مِثْقَالا قَالَ فعض على شَفَتَيْه وتلهف ثمَّ قَالَ لَهَا هَات
стр. 238
الثَّالِثَة قَالَت أَنْت قد نسيت اثْنَيْنِ فَكيف أحَدثك بالثالثة ألم أقل لَك لَا تلهفن على مَا فاتك وَلَا تصدق بِمَا لَا يكون أَن يكون أَنا وريشي ولحمي لَا أكون عشْرين مِثْقَالا قَالَ وطارت فَذَهَبت
حَدثنَا عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه قَالَ نصب رجل من بني إِسْرَائِيل فخاً من نَاحيَة الطَّرِيق فجَاء عُصْفُور فَسقط ثمَّ انْطلق إِلَى الفخ فَقَالَ للفخ مَالِي أَرَاك متباعداً عَن الطَّرِيق قَالَ اعتزل شرور النَّاس قَالَ فَمَالِي أَرَاك ناحل الْجِسْم قَالَ أنحلتني الْعِبَادَة قَالَ فَمَا هَذَا الْحَبل على عطفيك قَالَ المسوح وَالشعر لبس الرهبان والزهاد قَالَ فَمَا هَذِه الْعَصَا فِي يدك قَالَ أتوكأ عَلَيْهَا قَالَ فَمَا هَذِه الْحبَّة فِي فِيك قَالَ رصدتها لِابْنِ السَّبِيل أَو مُحْتَاج قَالَ فَأَنا ابْن سَبِيل ومحتاج قَالَ فدونك قَالَ فَوضع العصفور رَأسه فِي الفخ فَأخذ بعنقه فَقَالَ العصفور سيق سيق ثمَّ قَالَ لَا غرني بعْدك قَارِئ مرائي مرّة أُخْرَى
قَالَ مُجَاهِد هَذَا مثل ضربه الله لقِرَاءَة مرائين فِي آخر الزَّمَان قَالَ مَالك بن دِينَار مثل قراء هَذَا الزَّمَان كَمثل رجل نصب فخاً وَنصب فِيهِ برة فجَاء عُصْفُور فَقَالَ مَا غيبك فِي التُّرَاب قَالَ التَّوَاضُع قَالَ لأي شَيْء انْحَلَّت قَالَ من طول الْعِبَادَة قَالَ فَمَا هَذِه الْبرة المنصوبة فِيك قَالَ أعددتها للصائمين فَقَالَ نعم الْخَبَر أَنْت فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْمغرب دنا العصفور ليأخذها فخنقه الفخ فَقَالَ العصفور الْعِبَادَة تخنق كخنقك فَلَا خير حِينَئِذٍ فِي الْعِبَادَة بعد الْيَوْم
قَالَ حَدثنَا الْمعَافي ابْن زَكَرِيَّا قَالَ زَعَمُوا أَن أسداً وذئباً وثعلباً اصطحبوا فَخَرجُوا يتصيدون فصادوا حمارا وظبياً وأرنباً فَقَالَ الْأسد للذئب أقسم بَيْننَا صيدنا قَالَ الْأَمر أبين من ذَلِك الْحمار لَك والأرنب لأبي
стр. 239
لَهُ فَأخذ فِي التحيل فلاح لَهُ ضوء فَنقبَ فَخرج بِهِ إِلَى قَضَاء فتخلص وخلصهما
قَالَ كَانَ أَبُو أَيُّوب المرزباني وَهُوَ وَزِير الْمَنْصُور إِذا دَعَاهُ يصفر ويرعد فَإِذا خرج من عِنْده عَاد لَونه فَقَالُوا لَهُ إِنَّا نرَاك مَعَ كَثْرَة دخولك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وأنسه بك تَتَغَيَّر إِذا دخلت عَلَيْهِ فَقَالَ مثلي ومثلكم فِي هَذَا مثل بازي وديك تناظرا فَقَالَ الْبَازِي للديك مَا أعرف أقل وَفَاء مِنْك قَالَ وَكَيف قَالَ تُؤْخَذ بَيْضَة فيحضنك أهلك وَتخرج على أَيْديهم فيطعمونك بأكفهم حَتَّى إِذا كَبرت صَار لَا يدنو مِنْك أحد إِلَّا طرت هَهُنَا وَصحت هَهُنَا فَإِن عَلَوْت حَائِطا كنت فِي سِنِين طرت مِنْهَا وتركتها وصرت إِلَى غَيرهَا وَأَنا أوخذ من الْجبَال وَقد كبر سني فأطعم الشَّيْء الْيَسِير وأوثق يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ ثمَّ أطلق على الصَّيْد فأطير وحدي فَآخذهُ وأجيء بِهِ لصاحبي فَقَالَ لَهُ الديك ذهبت عَنْك الْحجَّة أما أَنَّك لَو رَأَيْت بازين فِي سفود مَا عدت إِلَيْهِم أبدا وَأَنا كل وَقت أرى السَّفَافِيد مَمْلُوءَة ديوكاً وأبيت مَعَهم فَأَنا أوفى مِنْك وَلَكِن لَو عَرَفْتُمْ من الْمَنْصُور مَا أعرف لكنتم أَسْوَأ حَالا مني عِنْد طلبه إيَّاكُمْ
قَالُوا وَرَأَتْ الضبع ظَبْيَة على حمَار فَقَالَت أردفيني فأردفتها فَقَالَت مَا أفره حِمَارك ثمَّ سَارَتْ يَسِيرا فَقَالَت مَا أفره حِمَارك فَقَالَت الظبية انزلي قبل أَن تقولي مَا أفره حماري
قَالُوا وصادت الضبع ثعلباً فَقَالَ الثَّعْلَب مني على أم عَامر فَقَالَت خيرتك خَصْلَتَيْنِ إِمَّا أَن آكلك وَإِمَّا أَن أوكلك فَقَالَ الثَّعْلَب أما تذكرين أم عَامر الَّتِي نكحت فِي دارها فَقَالَت الضبع مَتى ذَا فانفتح فوها فَأَفلَت الثَّعْلَب
стр. 240
مُعَاوِيَة والظبي لي قَالَ فخبطه الْأسد فاندر رَأسه ثمَّ أقبل على الثَّعْلَب وَقَالَ قَاتله الله مَا أجهله بِالْقِسْمَةِ ثمَّ قَالَ هَات أَنْت قَالَ الثَّعْلَب يَا أَبَا الْحَارِث الْأَمر أوضح من ذَلِك الْحمار لغدائك والظبي لعشائك وتخلل بالأرنب فِي بَين ذَلِك قَالَ الْأسد وَيحك مَا أقضاك من علمك هَذِه الْقَضِيَّة قَالَ رَأس الذِّئْب النَّادِر بَين عَيْني وَذكر الْحُكَمَاء فِي أمثالهم قَالُوا قيل للذئب مَا بالك تعدو أسْرع من الْكَلْب فَقَالَ لِأَنِّي أعدو لنَفْسي وَالْكَلب يعدو لصَاحبه وَذكر أَبُو هِلَال العسكري قَالَ قَالَت الْعَرَب وجدت الضبع تَمْرَة فاختلسها الذِّئْب فلطمته لطمة فتحاكما إِلَى الضَّب فَقَالَت يَا أَبَا الخسيل قَالَ سميعاً دَعَوْت قَالَت جئْنَاك نحتكم إِلَيْك قَالَ فِي بَيته يُؤْتى الحكم قَالَت إِنِّي التقطت تَمْرَة قَالَ حلواً جنيت قَالَت إِن الثَّعْلَب أَخذهَا قَالَ حَظّ نَفسه بغى قَالَت لطمته قَالَ أشفيت والبادئ أظلم قَالَت فلطمني قَالَ حر انتصر لنَفسِهِ قَالَت اقضِ بَيْننَا قَالَ قضيت
قَالُوا حدث الْمُخَاطب حديثين فَإِن لم يفهم فَأَرْبَعَة قَالَ العسكري الْمَعْنى أَن لم يفهم حديثين كَانَ مِمَّن لَا يفهم أَرْبَعَة أقرب قَالَ وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِنَّمَا هُوَ فأربع أَي أمسك وَذَلِكَ غلط قَالُوا وصادت حدأة سَمَكَة فهمت ببلعها فَقَالَت لَا تفعلي فَإنَّك إِن أكلتيني لم أشبعك وَلَكِن استحلفيني بِمَا شِئْت إِنَّنِي آتِيك كل يَوْم بِسَمَكَةٍ ففتحت فاها لتحلفها فانسابت مِنْهَا فَقَالَت ارجعي فَقَالَت مَا رَأَيْت فِي مجيئي إِلَيْك خيرا فأعود
قَالُوا وَكَانَ رجل فِي صحراء فَعرض لَهُ الْأسد فهرب مِنْهُ فَوَقع فِي بِئْر فَوَقع الْأسد خَلفه فَإِذا فِي الْبِئْر دب فَقَالَ لَهُ الْأسد مُنْذُ كم أَنْت هَهُنَا قَالَ مُنْذُ أَيَّام وَقد قتلني الْجُوع أَنا وَأَنت نَأْكُل هَذَا وَقد شبعنا فَقَالَ الدب فَإِذا عاودنا الْجُوع فَمَا نصْنَع وَإِنَّمَا الرَّأْي أَن نحلف لَهُ أننا لَا نأذيه ليحتال لخلاصنا وخلاصه فَإِنَّهُ أقدر على الْحِيلَة منا فَحَلفا
стр. 241
قَالُوا وَأَوْلَمَ طَائِر وَلِيمَة فَأرْسل يَدْعُو بعض إخوانه فغلط بعض رسله فجَاء إِلَى الثَّعْلَب فَقَالَ أَخُوك يَدْعُوك فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة فَلَمَّا رَجَعَ أخبر الطَّائِر فاضطربت الطُّيُور وَقَالُوا أهلكتنا وعرضتنا للحتف فَقَالَت القنبرة أَنا أصرفه عَنْكُم بحيلة فمضت فَقَالَت أَخُوك يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك الْوَلِيمَة يَوْم الِاثْنَيْنِ فَأَيْنَ تحب أَن يكون مجلسك مَعَ الْكلاب السلوقية أَو مَعَ الْكلاب الكردية فتجرعها الثَّعْلَب وَقَالَ أبلغي أخي السَّلَام وَقَوْلِي لَهُ أَبُو سرُور يُقْرِئك السَّلَام وَلَكِن قد تقدم لي نذر مُنْذُ دهر بِصَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس قَالَ أَبُو عُمَيْر الصُّورِي مر تَيْس بزق ففر مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الزق تنفر مني مثلك كنت ومثلي تكون قَالَ أَبُو سليم الْخطابِيّ من أمثلتهم قَوْلهم لَا أُرِيد ثوابك اكْفِنِي عذابك وَمثله قَول الشَّاعِر
(كفاني الله شرك يَا خليلي ... فإمَّا الْخَيْر مِنْك فقد كفاني)
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان نظيرة قَوْلهم يدك عني وَأَنا فِي عَافِيَة وأصل هَذَا فِي مَا يتَكَلَّم بِهِ النَّاس على أَلْسِنَة الْبَهَائِم أَن فَأْرَة سَقَطت من السّقف فظفرت الْهِرَّة بحملها تَقول بِسم الله عَلَيْك فَقَالَت الْفَأْرَة يدك عني وَأَنا فِي عَافِيَة قَالَ المُصَنّف ﵀ سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن الْوَاعِظ يَحْكِي أَن عِيسَى بن مَرْيَم ﵊ مر على حَوَّاء يطارد حَيَّة ليأخذها فَقَالَت الْحَيَّة يَا روح الله قل لَهُ لَئِن لم يلْتَفت عني لأضربنه ضربا أقطعه قطعا فَمر عِيسَى ﵇ ثمَّ عَاد وَإِذا الْحَيَّة فِي سلته فَقَالَ لَهَا عِيسَى أَلَسْت الْقَائِل كَذَا وَكَذَا فَكيف صرت مَعَه فَقَالَت يَا روح الله إِنَّه حلف لي فلئن غدرني فسم غدره أضرّ عَلَيْهِ من سمي وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
تمّ الْكتاب بعون الْملك الْوَهَّاب