← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6938

الأذكياء

ابن الجوزي

Полный текст (241 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(وَمن ظن مِمَّن يلاقي الحروب ... بِأَن لَا يصاب فقد ظن عَجزا) عَن عبيد الله مُحَمَّد ن عمرَان المرزباني قَالَ كَانَ طفيلي العرائس الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الطفيليون يُوصي ابْنه عبد الحميد بن طفيل فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَيَقُول لَهُ إِذا دخلت عرساً فَلَا تلْتَفت تلفت الْمُرِيب وتخير الْمجَالِس فَإِن كَانَ الْعرس كثير الزحام فَأمر وانهِ وَلَا تنظر فِي عُيُون أهل الْمَرْأَة وَلَا فِي عُيُون أهل الرجل ليظن هَؤُلَاءِ أَنَّك من هَؤُلَاءِ فَإِن كَانَ البواب غليظاً وقاحاً فابدأ بِهِ ومره وانه من غير أَن تعنف بِهِ وَعَلَيْك بِكَلَام بَين النَّصِيحَة والأدلال ثمَّ انشد وَقَالَ (لَا تجزعن من الْغَرِيب ... وَلَا من الرجل الْبعيد) (وادخل كَأَنَّك طابخ ... بيديك مغرفة الْحَدِيد) (متدلياً فَوق الطَّعَام ... تدلي الباز الصيود) (لتلف مَا فَوق الموائد ... كلهَا لف الفهود) (واطرح حياءك إِنَّمَا ... وَجه الطفيلي من حَدِيد) (لَا تلْتَفت نَحْو الْبُقُول ... وَلَا إِلَى غرف الثَّرِيد) (حَتَّى إِذا جَاءَ الطَّعَام ... ضربت فِيهِ كالشديد) (وَعَلَيْك بالفالوذجات ... فَإِنَّهَا عين القصيد) (هَذَا إِذا حررتهم ... ودعوتهم هَل من مزِيد) (والعرس لَا يَخْلُو من ... اللوزينج الرطب الفنيد) (فَإِذا أتيت بِهِ محوت ... محَاسِن الْجَام الْجَدِيد) قَالَ ثمَّ أغمى عَلَيْهِ عِنْد ذكر اللوزينج سَاعَة فَلَمَّا أَفَاق رفع رَأسه قَالَ (وتنقلن على الموائد ... فعل شَيْطَان مُرِيد)

стр. 177

(وَإِذا انْتَقَلت عبثت ... بالكعك المجفف والقديد) (يارب أَنْت رزقتني ... هَذَا على رغم الحسود) (وَاعْلَم أَنَّك إِن قبلت ... نعمت يَا عبد الحميد) قَالَ عَليّ بن المحسن بن عَليّ القَاضِي عَن أَبِيه قَالَ صحب طفيلي رجلا فِي سفر فَقَالَ لَهُ الرجل امضِ فاشتر لنا لَحْمًا قَالَ لَا وَالله مَا أقدر فَمضى هُوَ اشْترى ثمَّ قَالَ لَهُ قُم فاطبخ قَالَ لَا أحسن فطبخ الرجل ثمَّ قَالَ لَهُ قُم فاثرد قَالَ أَنا وَالله كسلان فثرد الرجل ثمَّ قَالَ لَهُ قُم واغرف قَالَ أخْشَى أَن يَنْقَلِب على ثِيَابِي فغرف الرجل ثمَّ قَالَ لَهُ قُم الْآن فَكل قَالَ الطفيلي قد وَللَّه استحييت من كَثْرَة خلافي لَك وَتقدم فَأكل قَالَ الجاحظ قلت لأبي سعد الطفيلي كم أَرْبَعَة فِي أَرْبَعَة قَالَ رغيفين وَقطعَة لحم وَقَالَ الْمبرد قيل لطفيلي كم اثْنَيْنِ فِي اثْنَيْنِ فَقَالَ أَرْبَعَة أرغفة وَقَالَ مرّة أُخْرَى انتظرته مِقْدَار مَا يَأْكُل الْإِنْسَان رغيفاً وَقَالَ أَبُو هفان قيل لطفيلي كم أَرْبَعَة فِي أَرْبَعَة قَالَ سِتَّة عشر رغيفاً قَالَ وتطفل رجل مرّة على رجل فَقَالَ لَهُ صَاحب الْمنزل من أَنْت قَالَ أَنا الَّذِي لم أحوجك إِلَى رَسُول اجْتمع جمَاعَة على عصيدة فَأخذ بَعضهم لقْمَة وَأَلْقَاهَا فِي السّمن وَقَالَ فكبكبوا فِيهَا هم والغاوون وجر السّمن إِلَيْهِ وَقَالَ الآخر إِذا ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقاً وَهِي تَفُور وجر السّمن إِلَيْهِ وَقَالَ الآخر وبئر معطلة وَقصر مشيد وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر أخرقتها لتغرق أَهلهَا لقد جِئْت شَيْئا أمرا وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر إِنَّا نسوق المَاء إِلَى الأَرْض الجرز وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر فيهمَا عينان تجريان وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر فيهمَا عينان نضاختان وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر فَالتقى المَاء على أَمر قدر وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ

стр. 178

الآخر فسقناه إِلَى بلد ميت وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ آخر وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء أقلعي وخلط السّمن بِمَا بَقِي من العصيدة فَأَخذه كُله جَاءَ طفيلي إِلَى بَيت رجل مَعَ جمَاعَة فَقَالَ لَهُ الرجل من أَنْت فَقَالَ إِذا كنت لَا تدعونا وَنحن لَا نأتي صَار فِي هَذَا نوع جفَاء عرس طفيلي فَأَتَاهُ طفيليان فِي أول النَّاس فأدخلهما وَجَاء إِلَى غرفَة لَهُ يرتقي إِلَيْهَا بسلم فَوضع السّلم وَقَالَ اصعدا لتبعدا من الْأَذَى وأخصكما بفائق الطَّعَام فصعدا فَلَمَّا حصلا فِي الغرفة نحى السّلم وَوضع الْمَائِدَة وَأطْعم أصدقاءه وجيرانه وهما مطلعان عَلَيْهِ فَلَمَّا فرغ الْقَوْم وضع السّلم وَقَالَ انزلا فَدفع فِي إقفائهما وَقَالَ انصرفا راشدين لَا أصفر الله ممشاً كَمَا قد قضيتما حق أَخِيكُمَا دخل طفيلي على قوم فَبَيْنَمَا هُوَ يَأْكُل سمع صَوت السَّدَنَة فَأمْسك يَده عَن الطَّعَام فَقيل لَهُ لم لَا تَأْكُل قَالَ حَتَّى يسكن هَذِه الأراجيف الَّتِي أسمعها وَقيل لطفيلي مرّة مَا بالك أصفر اللَّوْن فَقَالَ من الفترة الَّتِي بَين العصارتين أَخَاف أَن يكون الطَّعَام قد فني وَقَالَ طفيلي إياك وَالْكَلَام على الطَّعَام إِلَّا أَن تَقول نعم فَإِنَّهَا مُضْغَة أوصى طفيلي غُلَامه فَقَالَ إِذا ضَاقَ بك الْموضع فَقل للَّذي إِلَى جَانِبك لعلى ضيقت عَلَيْك فَإِنَّهُ سيوسع لَك الْمَكَان كموضع رجل آخر وَقَالَ بنان حفظت الْقُرْآن كُله ثمَّ أنسيته إِلَّا حرفين اتنا غداءنا وَقَالَ بنان التَّمَكُّن على الْمَائِدَة خير لَك من زِيَادَة أَرْبَعَة ألوان وعطش رجل إِلَى جنب بنان فِي دَعْوَة فَقَالَ بنان ارْفَعْ نَفسك إِلَى فَوق وتنفس ثَلَاثًا فَإِنَّهُ ينزل مَا أَكلته من الطَّعَام

стр. 179

الْبَاب الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِي ذكر طرف من فطن المتلصلصين أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أخبرنَا عبد الله الْحميدِي قَالَ أخبرنَا أَبُو غَالب مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل بن بَشرَان قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن دِينَار قَالَ أَنبأَنَا أَبُو طَالب عبيد الله ابْن أَحْمد الْأَنْبَارِي قَالَ حَدثنَا يَمُوت بن المزرع عَن الْمبرد قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن الْمعدل الْبَصْرِيّ قَالَ كنت جَالِسا عِنْد عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَاجشون فَجَاءَهُ بعض جُلَسَائِهِ فَقَالَ أعجوبة قَالَ مَا هِيَ قَالَ خرجت إِلَى حائطي بِالْغَابَةِ فَلَمَّا أَن أصحرت وبعدت عَن الْبيُوت بيُوت الْمَدِينَة تعرض لي رجل فَقَالَ اخلع ثِيَابك فَقلت وَمَا يدعوني إِلَى خلع ثِيَابِي قَالَ أَنا أولى بهَا مِنْك قلت وَمن أَيْن قَالَ لِأَنِّي أَخُوك وَأَنا عُرْيَان وَأَنت مكس قلت فالمواساة قَالَ كلا قد لبستها بُرْهَة وَأَنا أُرِيد أَن ألبسها كَمَا لبستها قلت فتعريني وتبدي عورتي قَالَ لَا بَأْس بذلك قد روينَا عَن مَالك أَنه قَالَ لَا بَأْس للرجل أَن يغْتَسل عُريَانا قلت فيلقاني النَّاس فيرون عورتي قَالَ لَو كَانَ النَّاس يرونك فِي هَذِه الطَّرِيق مَا عرضت لَك فِيهَا فَقلت أَرَاك ظريفاً فَدَعْنِي حَتَّى أمض إِلَى حائطي وانزع هَذِه الثِّيَاب فأوجه بهَا إِلَيْك قَالَ كلا أردْت أَن توجه إِلَى أَرْبَعَة من عبيدك فيحملوني إِلَى السُّلْطَان فيحبسني ويمزق جلدي ويطرح فِي رجْلي الْقَيْد قلت كلا أَحْلف لَك إِيمَانًا أَنِّي أوفي لَك بِمَا وعدتك وَلَا أسوءك قَالَ كلا إِنَّا روينَا عَن مَالك أَنه قَالَ لَا تلتزم الْأَيْمَان الَّتِي يحلف بهَا اللُّصُوص قلت فأحلف أَنِّي لَا أحتال فِي أيماني هَذِه قَالَ هَذِه يَمِين مركبة على اللُّصُوص قلت فدع المناظرة بَيْننَا فوَاللَّه لأوجهن إِلَيْك هَذِه الثِّيَاب طيبَة بهَا نَفسِي فَأَطْرَقَ ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ تَدْرِي فيمَ فَكرت قلت لَا قَالَ تصفحت أَمر اللُّصُوص من عهد رَسُول الله ﷺ إِلَى وقتنا

стр. 180

هَذَا فَلم أجد لصاً أَخذ تسئمة وأكره أَن أبتدع فِي الْإِسْلَام بِدعَة يكون على وزرها ووزر من عمل بهَا بعدِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة اخلع ثِيَابك قَالَ فخلعتها ودفعتها إِلَيْهِ فَأَخذهَا وَانْصَرف أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا عَليّ بن الْحسن التنوخي عَن أَبِيه أَن أَبَا الْقَاسِم عبيد الله بن مُحَمَّد الْخفاف حَدثهُ أَنه شَاهد لصاً قد أَخذ وَأشْهد عَلَيْهِ أَنه كَانَ يفتش الأقفال فِي الدّور اللطاف الَّتِي لجيراننا فَإِذا دخل حفر فِي الدَّار حُفْرَة لَطِيفَة كَأَنَّهَا بِئْر النَّرْد وَطرح فِيهَا جوزات كَانَ إنْسَانا يلاعبه واخرج منديلاً فِيهِ نَحْو مِائَتي جوزة فَتَركه لي جَانبهَا ثمَّ حَار فكور كل مَا فِي الدَّار مِمَّا يُطيق حمله فَإِن لم يفْطن بِهِ أحد خرج من الدَّار وَحمل ذَلِك كُله وَإِن جَاءَ صَاحب الدَّار ترك عَلَيْهِ قماشه وَطلب المفالتة وَالْخُرُوج وَإِن كَانَ صَاحب الدَّار جلدا فواثبه وَمَانعه وهم بِأَخْذِهِ وَصَاح اللُّصُوص وَاجْتمعَ الْجِيرَان أقبل عَلَيْهِ وَقَالَ مَا أبردك أَنا أقامرك بالجوز مِنْك شهور قد أفقرتني وَأخذت مني كل مَا أملكهُ وأهلكتني لأفضحك بَين جيرانك لما قامرتك الْآن تصيح فَمَا يشك أحد فِي قَوْله وَأَنت تَدعِي عَليّ باللصوصية بلعب بَارِد بيني وَبَيْنك دَار الْقمَار الَّتِي تعارفنا فِيهَا قد صنعت هَذَا حَتَّى أخرج وأدع عَلَيْك قماشك وَكلما قَالَ الرجل هَذَا لص قَالَ الْجِيرَان إِنَّمَا يُرِيد أَن لَا يفضح نَفسه بالقمار فقد ادّعى عَلَيْهِ اللصوصية وَلَا يَشكونَ فِي أَنه صَادِق وان صَاحب الدَّار مقامر فيلعنوه ويحولون بَينه وَبَين اللص حَتَّى ينْصَرف وَيَأْخُذ الْجَوْز وَيفتح الْبَاب وينصرف ويفتضح الرجل بَين جِيرَانه أَنبأَنَا مُحَمَّد قَالَ أَنبأَنَا عَليّ بن المحسن قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر الْمُتَكَلّم ويلقب جُنَيْد قَالَ حَدثنِي رجل من الدقاقين قَالَ أورد عَليّ رجل غَرِيب سفتجة ٣ باجل

стр. 181

فَكَانَ يتَرَدَّد عليّ أَن حلت السفتجة ثمَّ قَالَ لي ادعها عنْدك آخذها مُتَفَرِّقَة فَكَانَ يَجِيء كل يَوْم فَيَأْخُذ بِقدر نَفَقَته إِلَى أَن نفذت فَصَارَت بَيْننَا معرفَة وَألف الْجُلُوس عِنْدِي وَكَانَ يراني أخرج من صندوق لي فأعطيته مِنْهُ فَقَالَ لي يَوْمًا أَن قفل الرجل صَاحبه فِي سَفَره وأمينه فِي حَضَره وخليفته على حفظ مَاله وَالَّذِي يَنْفِي الظنة عَن أَهله وَعِيَاله وَإِن لم يكن وثيقاً تطرقت الْحِيَل إِلَيْهِ وارى قفلك هَذَا وثيقاً فَقل لي مِمَّن ابتعته لابتاع مثله لنَفْسي فَقلت من فلَان الإقفالي قَالَ فَمَا شَعرت يَوْمًا وَقد جِئْت إِلَى دكاني فطلبت صندوقي لأخرج مِنْهُ شَيْئا من الدَّرَاهِم فَحمل إليّ ففتحه وَإِذا لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الدَّرَاهِم وَقلت لغلامي وَكَانَ غير مُتَّهم عِنْدِي هَل انْكَسَرَ من الدراب شَيْء قَالَ لَا قلت ففتش هَل ترى فِي الدّكان نقباً ففتش فَقَالَ لَا فَقلت فَمن السّقف حِيلَة قَالَ لَا قلت فَاعْلَم أَن دراهمي قد ذهبت فقلق الْغُلَام فسكته وأقمت من نومي لَا أَدْرِي أَي شَيْء أعمل وَتَأَخر الرجل عني فاتهمته وتذكرت مَسْأَلته لي عَن القفل فَقلت للغلام أَخْبرنِي كَيفَ تفتح دكاني وتقفله قَالَ احْمِلْ الدراب من الْمَسْجِد دفعتين ثَلَاثَة فأقفلها ثمَّ هَكَذَا أفتحها قلت فعلى من تخلي الدّكان إِذا حملت الدراب قَالَ خَالِيا قلت من هَهُنَا دهيت فَذَهَبت إِلَى الصَّانِع الَّذِي ابتعت مِنْهُ القفل فَقلت لَهُ جَاءَك إِنْسَان مُنْذُ أَيَّام اشْترى مِنْك مثل هَذَا القفل قَالَ نعم وَرجل من صفته كَيْت وَكَيْت فَأَعْطَانِي صفة صَاحِبي فَعلمت أَنه احتال على الْغُلَام وَقت الْمسَاء لما انصرفت أَنا وَبَقِي الْغُلَام يحمل الدراب فَدخل هُوَ إِلَى الدّكان فَاخْتَبَأَ فِيهِ وَمَعَهُ مِفْتَاح القفل الَّذِي اشْتَرَاهُ يَقع على قفلي وَأَنه أَخذ الدَّرَاهِم وَجلسَ طول اللَّيْل خلف الدراب فَلَمَّا جَاءَ الْغُلَام فَفتح داربين وَحملهَا ليرفعها خرج وَإنَّهُ مَا فعل ذَلِك إِلَّا وَقد خرج من بَغْدَاد قَالَ فَخرجت وَمَعِي قفلي ومفتاحه فَقلت ابتدئ بِطَلَب الرجل بواسط فَلَمَّا صعدت من السميرية طلبت خَانا أنزلهُ فَصَعدت فَإِذا بقفل مثل قفلي سَوَاء على بَيت فَقلت لقيم الخان

стр. 182

هَذَا الْبَيْت من ينزله قَالَ رجل قدم من الْبَصْرَة أمس قلت مَا صفته فوصف صفة صَاحِبي فَلم أَشك أَنه هُوَ وان الدَّرَاهِم فِي بَيته فاكتريت بَيْتا إِلَى جَانِبه ورصدت حَتَّى انْصَرف قيم الخان ففتحت القفل وَدخلت فَوجدت كيسي بعيد فَأَخَذته وَخرجت وأقفلت الْبَاب وَنزلت فِي الْوَقْت وانحدرت إِلَى الْبَصْرَة وَمَا أَقمت بواسط إِلَّا ساعتين من النَّهَار وَرجعت إِلَى منزلي بِمَالي بِعَيْنِه أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أخبرنَا عَليّ بن الْحسن عَن أَبِيه قَالَ حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد الصروي قَالَ حَدثنِي ابْن الدَّنَانِير النمار قَالَ حَدثنِي غُلَام لي قَالَ كنت ناقداً بالأبلة لرجل تَاجر فاقتضيت لَهُ من الْبَصْرَة نَحْو خَمْسمِائَة دِينَار وورقاً ولففتهما فِي فوطة وأمسيت عَن الْمسير إِلَى الأبلة فَمَا زلت أطلب ملاحاً فَلَا أجد أَن رَأَيْت ملاحاً مجتازاً فِي خيطية خَفِيفَة فارغة فَسَأَلته أَن يحملني فَخفف عَليّ الْأُجْرَة وَقَالَ أَنا أرجع إِلَى منزلي بالأبلة فَانْزِل فَنزلت وَجعلت الفوطة بَين يَدي وصرنا فَإِذا رجل ضَرِير على الشط يقْرَأ أحسن قِرَاءَة تكون فَلَمَّا رَآهُ الملاح كبر فصاح هُوَ بالملاح احملني فقد جنني اللَّيْل وأخاف على نَفسِي فشتمه الملاح فَقلت لَهُ احمله فَدخل إِلَى الشط فَحَمله فَرجع إِلَى قِرَاءَته فخلب عَقْلِي بطيبها فَلَمَّا قربنا من الأبلة قطع الْقِرَاءَة وَقَامَ ليخرج فِي بعض المشارع بالأبلة فَلم أر الفوطة فاضطربت وَصحت واستغاث الملاح وَقَالَ السَّاعَة تنْقَلب الخيطية وخاطبني خطاب من لَا يعلم حَالي فَقلت يَا هَذَا أَكَانَت بَين يَدي فوطة فِيهَا خَمْسمِائَة دِينَار فَلَمَّا سمع الملاح ذَلِك لطم وَبكى وتعرى من ثِيَابه وَقَالَ لم أَدخل الشط وَلَا لي مَوضِع أخبأ فِيهِ شَيْئا فتتهمني بِسَرِقَة ولي أَطْفَال وَأَنا ضَعِيف فَالله الله فِي أَمْرِي وَفعل الضَّرِير مثل ذَلِك وفتشت السميرية فَلم أجد فِيهَا شَيْئا فرحمتهما وَقلت هَذِه محنة لَا أَدْرِي كَيفَ التَّخَلُّص مِنْهَا وَخَرجْنَا فَعمِلت على الْهَرَب

стр. 183

وَأخذ كل وَاحِد منا طَرِيقا وَبت فِي بَيت وَلم امْضِ إِلَى صَاحِبي فَلَمَّا أَصبَحت عملت على الرُّجُوع إِلَى الْبَصْرَة لأستخفي بهَا أَيَّامًا ثمَّ أخرج إِلَى بلد شاسع فانحدرت وَخرجت فِي مشرعة بِالْبَصْرَةِ وَأَنا أَمْشِي وأتعثر وأبكي قلقاً على فِرَاق أَهلِي وَوَلَدي وَذَهَاب معيشتي وجاهي فاعترضني رجل فَقَالَ مَا لَك فَأَخْبَرته فَقَالَ أَنا أرد عَلَيْك مَالك فَقلت يَا هَذَا أَنا فِي شغل عَن طنزك بِي قَالَ مَا أَقُول إِلَّا حَقًا أمض إِلَى السجْن ببني نمير واشتر مَعَك خبْزًا كثيرا وشواء جيدا وحلواً وسل السجان أَن يوصلك إِلَى رجل مَحْبُوس هُنَاكَ يُقَال لَهُ أَبُو بكر النقاش قل لَهُ أَنا زَائِره فَإنَّك لَا تمنع فَإِن منعت فَهَب للسجان شَيْئا يَسِيرا يدْخلك إِلَيْهِ فَإِذا رَأَيْته فَسلم عَلَيْهِ وَلَا تخاطبه حَتَّى تجْعَل بَين يَدَيْهِ مَا مَعَك فَإِذا أكل وَغسل يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْأَلك عَن حَاجَتك فَأخْبرهُ خبرك فَإِنَّهُ سيدلك على من أَخذ مَالك ويرتجعه لَك فَفعلت ذَلِك ووصلت إِلَى الرجل فَإِذا سيخ مكبل بالحديد فَسلمت وطرحت مَا معي بَين يَدَيْهِ فَدَعَا رُفَقَاء لَهُ فَأَكَلُوا فَلَمَّا غسل يَدَيْهِ قَالَ مَا أَنْت وَمَا حَاجَتك فشرحت لَهُ قصتي فَقَالَ امْضِ السَّاعَة إِلَى بني هِلَال فَادْخُلْ الدَّرْب الْفُلَانِيّ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى آخِره فَإنَّك تشاهد بَابا شعثاً فافتحه وادخله بِلَا اسْتِئْذَان فتجد دهليزاً طَويلا يُؤَدِّي إِلَى بَابَيْنِ فَادْخُلْ الْأَيْمن مِنْهُمَا فسيدخلك إِلَى دَار فِيهَا بَيت فِيهِ أوتاد وبواري وكل وتد إِزَار ومئزر فانزع ثِيَابك وألقها على الوتد واتزر بالمئزر واتشح بالإزار واجلس فسيجيء قوم يَفْعَلُونَ كَمَا فعلت ثمَّ يُؤْتونَ بِطَعَام فَكل مَعَهم وتعمد موافقتهم فِي سَائِر أفعالهم فَإِذا أَتَى بالنبيذ فَاشْرَبْ وَخذ قدحاً كَبِيرا واملأه وقم قَائِما وَقل هَذَا ساري لخالي أبي بكر النقاش فسيفرحون وَيَقُولُونَ أهوَ خَالك فَقل نعم فسيقومون وَيَشْرَبُونَ لي فَإِذا جَلَسُوا فَقل لَهُم خَالِي يقْرَأ عَلَيْكُم السَّلَام وَيَقُول يَا فتيَان بحياتي ردوا على ابْن أُخْتِي المئزر الَّذِي أخذتموه بالْأَمْس فِي السَّفِينَة بنهر الأبلة فَإِنَّهُم يردونه عَلَيْك فَخرجت من عِنْده

стр. 184

فَفعلت مَا أَمر فَردَّتْ الفوطة بِعَينهَا وَمَا حل شدها فَلَمَّا حصلت لي قلت يَا فتيَان هَذَا الَّذِي فعلتموه معي هُوَ قَضَاء لحق خَالِي ولي أَنا حَاجَة تخصني قَالُوا مقضية قلت عرفوني كَيفَ أَخَذْتُم الفوطة فامتنعوا سَاعَة فأقسمت عَلَيْهِم بحياة أبي بكر النقاش فَقَالَ لي وَاحِد مِنْهُم أتعرفني فتأملته جدا فَإِذا هُوَ الضَّرِير الَّذِي كَانَ يقْرَأ وَإِنَّمَا كَانَ متعامياً وَأَوْمَأَ إِلَى آخر فَقَالَ أتعرف هَذَا فتأملته فَإِذا هُوَ الملاح فَقلت كَيفَ فعلتما فَقَالَ الملاح أَنا أدور المشارع فِي أول أَوْقَات الْمسَاء وَقد سبقت بِهَذَا المتعامي فأجلسته حَيْثُ رَأَيْت فَإِذا رَأَيْت من مَعَه شَيْء لَهُ قدر ناديته وأرخصت لَهُ الْأُجْرَة وَحَمَلته فَإِذا بلغت إِلَى الْقَارِي وَصَاح بِهِ شتمته حَتَّى لَا يشك الرَّاكِب فِي بَرَاءَة الساحة فَإِن حمله الركب فَذَاك وَإِلَّا رققته عَلَيْهِ حَتَّى يحملهُ فَإِذا حمله وَجلسَ يقْرَأ ذهل الرجل كَمَا ذهلت فَإِذا بلغنَا الْموضع الْفُلَانِيّ فَإِن فِيهِ رجلا متوقعاً لنا يسيح حَتَّى يلاصق السَّفِينَة وعَلى رَأسه فوصرة فَلَا يفْطن الرَّاكِب بِهِ فيسلب هَذَا المتعامي الشَّيْء بخفية فيليه إِلَى الرجل الَّذِي عَلَيْهِ القوصرة فَيَأْخذهُ ويسيح إِلَى الشط وَإِذا أَرَادَ الرَّاكِب الصعُود وافتقد مَا مَعَه عَملنَا كَمَا رَأَيْت فَلَا يتهمنا ونفترق فَإِذا كَانَ من غَدا اجْتَمَعنَا واقتسمناه فَلَمَّا جِئْت برسالة استأذنا خَالك سلمنَا إِلَيْك الفوطة قَالَ فأخذتها وَرجعت أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أَنبأَنَا الْجَوْهَرِي وَأخْبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ أخبرنَا عبد المحسن بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم التنوخي قَالَ أخبرنَا بن حيوية قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد خلف قَالَ حَدثنِي لص تائب قَالَ دخلت مَدِينَة فَجعلت أطلب شَيْئا أسرقه فَوَقَعت عَيْني على صيرفي مُوسر فَمَا زلت أحتال حَتَّى سرقت كيساً لَهُ وانسللت فَمَا حزت غير بعيد إِذا أَنا بِعَجُوزٍ مَعهَا كلب قد وَقعت فِي صيري تبوسني وتلزمني وَتقول يَا بني فديتك وَالْكَلب يبصبص ويلوذ

стр. 185

بِي ووقف النَّاس ينظرُونَ إِلَيْنَا وَجعلت الْمَرْأَة تَقول بِاللَّه انْظُرُوا إِلَى الْكَلْب قد عرفه فَعجب النَّاس من ذَلِك وتشككت أَنا فِي نَفسِي وَقلت لَعَلَّهَا أرضعتني وَأَنا لَا أعرفهَا وَقَالَت معي إِلَى الْبَيْت أقِم عِنْدِي الْيَوْم فَلم تُفَارِقنِي حَتَّى مضيت مَعهَا إِلَى بَيتهَا وَإِذا عِنْدهَا أَحْدَاث يشربون وَبَين أَيْديهم من جَمِيع الْفَوَاكِه والرياحين فرحبوا بِي وقربوني وأجلسوني مَعَهم وَرَأَيْت لَهُم بزَّة حَسَنَة فَوضعت عَيْني عَلَيْهَا فَجعلت أسقيهم وأرفق بنفسي إِلَى أَن نَامُوا ونام كل من فِي الدَّار فَقُمْت وكورت مَا عِنْدهم وَذَهَبت أخرج فَوَثَبَ عَليّ الْكَلْب وثبة الْأسد وَصَاح وَجعل يتراجع ويفج إِلَى أَن انتبه كل نَائِم فخجلت وَاسْتَحْيَيْت فَلَمَّا كَانَ النَّهَار رفعوا مثل فعلهم أمس وَفعلت أَيْضا أَنا بهم مثل ذَلِك وَجعلت أوقع الْحِيلَة فِي أَمر الْكَلْب إِلَى اللَّيْل فَمَا أمكنني فِيهِ حِيلَة فَلَمَّا نَامُوا رمت الَّذِي رمته فَإِذا الْكَلْب عارضني بِمثل مَا عارضني بِهِ فَجعلت أحتال ثَلَاث لَيَال فَلَمَّا أَيِست طلبت الْخَلَاص مِنْهُم بإذنهم فَقلت أتأذنون لي فَإِنِّي على وفز فَقَالُوا الْأَمر إِلَى الْعَجُوز فاستأذنتها فَقَالَت هَات الَّذِي أَخَذته من الصَّيْرَفِي وامضِ حَيْثُ شِئْت وَلَا تقوم فِي هَذِه الْمَدِينَة فَإِنَّهُ لَا يتهيأ لأحد فِيهَا معي عمل فَأخذت الْكيس وأخرجتني وَوجدت مناي أَن أسلم من يَدهَا وَكَانَ قصراي أَن أطلب مِنْهَا نَفَقَة فَدفعت إليّ وَخرجت معي حَتَّى أخرجتني عَن الْمَدِينَة وَالْكَلب مَعهَا حَتَّى جزت حُدُود الْمَدِينَة ووقفت ومضيت وَالْكَلب يَتبعني حَتَّى بَعدت ثمَّ تراجع ينظر إليّ ويلتفت وَأَنا أنظر إِلَيْهِ حَتَّى غَابَ عني أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ أَنبأَنَا أَبُو غَالب مُحَمَّد بن الْحسن الباقلاوي قَالَ أَنبأَنَا القَاضِي أَبُو الْعَلَاء الوَاسِطِيّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْقَارِي قَالَ حَدثنَا سهل الخلاطي قَالَ بَلغنِي أَن محتالين سرقا حمارا وَمضى

стр. 186

أَحدهمَا ليَبِيعهُ فَلَقِيَهُ رجل مَعَه طبق فِيهِ سمك فَقَالَ لَهُ تبيع هَذَا الْحمار قَالَ نعم قَالَ أمسك هَذَا الطَّبَق حَتَّى أركبه وَانْظُر إِلَيْهِ فَدفع إِلَيْهِ الطَّبَق فِيهِ السّمك فَرَكبهُ وَرجع ثمَّ رَكبه وَدخل زقاقاً ففر بِهِ فَلم يدر أَيْن ذهب قَالَ فَرجع الْمُحْتَال فَلَقِيَهُ رَفِيقه فَقَالَ مَا فعل الْحمار قَالَ بعناه بِمَا اشْتَرَيْنَاهُ وربحنا هَذَا الطَّبَق من السّمك وَقد روينَا أَن رجلا سرق حمارا فَأتى السُّوق ليَبِيعهُ فَسرق مِنْهُ فَعَاد إِلَى منزله فَقَالَت لَهُ امْرَأَته بكم بِعته قَالَ بِرَأْس مَاله أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا عَليّ ابْن المحسن عَن أَبِيه قَالَ حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد الصروي قَالَ حَدثنَا بعض إِخْوَاننَا أَنه كَانَ بِبَغْدَاد رجل يطْلب التلصص فِي حداثته ثمَّ تَابَ فَصَارَ بزازاً قَالَ فَانْصَرف لَيْلَة من دكانه وَقد غلقه فجَاء لص محتال متزي بزِي صَاحب الدّكان فِي كمه شمعة صَغِيرَة ومفاتيح فصاح بالحارس فَأعْطَاهُ الشمعة فِي الظلمَة وَقَالَ أشعلها وجئني بهَا فَإِن لي اللَّيْلَة بدكاني شغلاً فَمضى الحارس يشعل الشمعة وَركب اللص على الأقفال فَفَتحهَا وَدخل الدّكان وَجَاء الحارس بالشمعة فَأَخذهَا من يَده فَجَعلهَا بَين يَدَيْهِ وَفتح سفط الْحساب وَأخرج مَا فِيهِ وَجعل ينظر الدفاتر وَيرى بِيَدِهِ أَنه يحْسب والحارس يتَرَدَّد ويطالعه وَلَا يشك فِي أَنه صَاحب الدّكان إِلَى أَن قَارب السحر فاستدعى اللص الحارس وَكَلمه من بعيد وَقَالَ اطلب لي حمالاً فجَاء بحمال فَحمل عَلَيْهِ أَربع رزم مثمنة وقفل الدّكان وَانْصَرف وَمَعَهُ الْحمال وَأعْطى الحارس دِرْهَمَيْنِ فَلَمَّا أصبح النَّاس جَاءَ صَاحب الدّكان ليفتح دكانه فَقَامَ إِلَيْهِ الحارس يَدْعُو لَهُ وَيَقُول فعل الله بك وصنع كَمَا أَعْطَيْتنِي البارحة الدرهمين فَأنْكر الرجل مَا سَمعه وَفتح دكانه فَوجدَ سيلان الشمعة وحسابه مطروحاً وفقد الْأَرْبَع رزم فاستدعى الحارس وَقَالَ لَهُ من كَانَ حمل الرزم معي من دكاني قَالَ مَا استدعيت مني حمالاً فجئتك بِهِ

стр. 187

قَالَ بلَى وَلَكِن كنت ناعساً وَأُرِيد الْحمال فجئني بِهِ فَمضى الحارس فجَاء بالحمال وأغلق الرجل الدّكان وَأخذ الْحمال مَعَه وَمضى فَقَالَ لَهُ إِلَى أَيْن حملت الرزم معي البارحة فَإِنِّي كنت منقبذاً قَالَ إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة واستدعيت لَك فلَانا الملاح فركبت مَعَه فقصد الرجل المشرعة وَسَأَلَ عَن الملاح فَحَضَرَ وَركب مَعَه وَقَالَ أَيْن رقيت أخي الَّذِي كَانَ مَعَه الْأَرْبَع الرزم قَالَ إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة قَالَ اطرحني إِلَيْهَا فطرحه قَالَ من حملهَا مَعَه قَالَ فلَان الْحمال فَدَعَا بِهِ فَقَالَ لَهُ امشِ بَين يَدي فَمشى فَأعْطَاهُ شَيْئا واستدله بِرِفْق إِلَى الْموضع الَّذِي حمل إِلَيْهِ الرزم فجَاء بِهِ إِلَى بَاب غرفَة فِي مَوضِع بعيد من الشط قريب من الصَّحرَاء فَوجدَ الْبَاب مقفلاً فاستوقف الْحمال وفش القفل وَدخل فَوجدَ الرزم بِحَالِهَا وَإِذا فِي الْبَيْت بركان مُعَلّق على حَبل فلف الرزم فِيهِ ودعا بالحمال فحملها عَلَيْهِ وَقصد المشرعة فحين خرج من الغرفة استقبله اللص فَرَآهُ وَمَا مَعَه فابلس فَاتبعهُ إِلَى الشط فجَاء إِلَى المشرعة ودعا الملاح ليعبر فَطلب الْحمال من يحط عَنهُ فجَاء اللص فحط الكساء كَأَنَّهُ مجتاز مُتَطَوّع فَأدْخل الرزم إِلَى السَّفِينَة مَعَ صَاحبهَا وَجعل البركان على كتفه وَقَالَ لَهُ يَا أخي أستودعك الله قد ارتجعت رزمك فدع كسائي فَضَحِك وَقَالَ انْزِلْ فَلَا خوف عَلَيْك فَنزل مَعَه واستتابه ووهب لَهُ شَيْئا وَصَرفه وَلم يسئ إِلَيْهِ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر عَن أبي الْقَاسِم التنوخي عَن أَبِيه أَن رجلا من بني عقيل مضى ليَسْرِق دَابَّة قَالَ فَدخلت الْحَيّ فَمَا زلت أتعرف مَكَان الدَّابَّة فاحتلت حَتَّى دخلت الْبَيْت فَجَلَسَ الرجل وَامْرَأَته يأكلان فِي الظلمَة فَأَهْوَيْت بيَدي إِلَى الْقَصعَة وَكنت جائعاً فَأنْكر الرجل يَدي وَقبض عَلَيْهَا فقبضت على يَد الْمَرْأَة بيَدي الْأُخْرَى فَقَالَت الْمَرْأَة مَالك ويدي فَظن أَنه قَابض على يَد امْرَأَته فخلى يَدي فخليت يَد الْمَرْأَة وأكلنا ثمَّ أنْكرت

стр. 188

الْمَرْأَة يَدي فقبضت عَلَيْهَا فقبضت على يَد الرجل فَقَالَ لَهَا مَالك ويدي تخليت عَن يَده ثمَّ نَام وَقمت فَأخذت الْفرس وَقد رويت هَذِه الْحِكَايَة على صفة أُخْرَى فأنبأنا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا التنوخي عَن أَبِيه قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْكَاتِب قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن يزمع الْعقيلِيّ أحد قوادهم ووجوههم فِي الْحَيّ وَكَانَ ورد إِلَى معز الدولة فَأكْرمه وَأحسن إِلَيْهِ قَالَ رَأَيْت رجلا من بني عقيل وظهره كُله مشرطات الْحجام إِلَّا أَنَّهَا أكبر فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ إِنِّي كنت هويت ابْنه عَم لي فخطبتها فَقَالُوا لَا نُزَوِّجك إِلَّا أَن تجْعَل فِي الصَدَاق الشبكة فرس سَابِقَة كَانَت لبَعض بني أبي بكر فتزوجتها على ذَلِك وَخرجت فِي أَن أحتال إِن اسل الْفرس من صَاحبه لأتمكن من الدُّخُول بِابْنِهِ عمي فَأتيت الْحَيّ الَّذِي فِيهِ الْفرس وَمَا زلت أداخلهم فَمرَّة أجيء إِلَى الخباء الَّذِي فِيهِ الرجل كَأَنِّي سَائل لي إِن عرفت بَيت الْفرس من الخباء الَّذِي فِيهِ الرجل وأخبئت حَتَّى دخلت من خَلفه وحصلت خلف النضد نحت وَكَانُوا تفشوه ليغزل فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل وافى صَاحب الْبَيْت وَقد زاولت لَهُ الْمَرْأَة عشَاء وجلسا يأكلان وَقد استحكمت الظلمَة وَلَا مِصْبَاح لَهُم وَكنت جائعاً فأخرجت يَدي وأهويت إِلَى الْقَصعَة فَأكلت مَعَهُمَا وأحس الرجل بيَدي فأنكرها فَقبض عَلَيْهَا فقبضت على يَد الْمَرْأَة فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة مَالك ويدي فَظن أَنه قَابض على يَد امْرَأَته فخلى يَدي فخليت يَد الْمَرْأَة وأكلنا ثمَّ أنْكرت الْمَرْأَة يَدي فقبضت عَلَيْهَا فقبضت على يَد الرجل فَقَالَ لَهَا مَالك ويدي فخلت عَن يَدي فخليت عَن يَده وانقضى الطَّعَام واستلقى الرجل نَائِما فَلَمَّا استثقل وَأَنا مراصدهم وَالْفرس مُقَيّدَة فِي جَانب الْبَيْت والمفتاح تَحت رَأس الْمَرْأَة فَوَافى عبد لَهُ أسود فنبذ حَصَاة فانتبهت الْمَرْأَة فَقَامَتْ إِلَيْهِ وَتركت الْمِفْتَاح مَكَانَهُ وَخرجت من الخباء إِلَى ظَاهر الْبَيْت فَإِذا هُوَ قد علاها فَأخذت أَنا الْمِفْتَاح ففتحت القفل وَكَانَ معي لجام شعر فأجزته الْفرس وركبتها وَخرجت عَلَيْهَا من

стр. 189

الخباء فَقَامَتْ الْمَرْأَة من تَحت العَبْد وَدخلت الخباء وصاحت وزعز الْحَيّ فأحسوا بِي وركبوا فِي طلبي وَأَنا آكِد الْفرس وَخَلْفِي خلق مِنْهُم فَأَصْبَحت وَلَيْسَ ورائي إِلَّا فَارس وَاحِد بِرُمْح فلحقني وَقد طلعت الشَّمْس وَأخذ يطعنني فَهَذِهِ آثَار طعناته فِي جَسَدِي لَا فرسه يلْحقهُ بِي حَتَّى يتَمَكَّن من طعنته إيَّايَ وَلَا فرسي ينجيني إِلَى حَيْثُ لَا يمسني الرمْح حَتَّى وافينا إِلَى نهر عَظِيم فَصحت بالفرس فوثبه وَصَاح الْفَارِس بِالَّتِي تَحْتَهُ فقصرت وَلم تثب فَلَمَّا رَأَيْته عَاجِزا عَن العبور وقفت لأريح الْفرس وأستريح فصاح بِي فَأَقْبَلت عَلَيْهِ بوجهي فَقَالَ يَا هَذَا أَنا صَاحب الْفرس الَّتِي تَحْتك وَهَذِه ابْنَتهَا وَإِذ قد ملكتها فَلَا تخدعن فِيهَا فَإِنَّهَا تَسَاوِي عشر ديات وَمَا طلبت عَلَيْهَا شَيْئا قطّ إِلَّا لحقته وَلَا طلبني عَلَيْهَا أحدا إِلَّا فته وَإِنَّمَا سميت الشبكة لِأَنَّهَا لم ترد شَيْئا إِلَّا أَدْرَكته فَكَانَت كالشبكة فِي صيدها فَقلت لَهُ إِذْ نصحتني فوَاللَّه لأنصحنك كَانَ من صُورَتي البارحة كَيْت وَكَيْت فقصصت عَلَيْهِ قصَّة امْرَأَته وَالْعَبْد وحيلتي فِي الْفرس فَأَطْرَقَ ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ مَالك لَا جَزَاك الله من طَارق خير أطلقت زَوْجَتي وَأخذت فرسي وَقتلت عَبدِي أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم التنوخي عَن أَبِيه أَن رجلا نَام فِي مَسْجِد وَتَحْت رَأسه كيس فِيهِ ألف وَخَمْسمِائة دِينَار قَالَ فَمَا شَعرت إِلَّا بِإِنْسَان قد جذبه من تَحت رَأْسِي فانتبهت فَزعًا فَإِذا شَاب قد أَخذ الْكيس وَمر يعدو فَقُمْت لأعدو خَلفه فَإِذا رجْلي مشدودة بخيط قنب فِي وتد مَضْرُوب فِي آخر الْمَسْجِد أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم التنوخي عَن أَبِيه قَالَ حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الله بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ كَانَ بِالْبَصْرَةِ رجل من اللُّصُوص يلص بِاللَّيْلِ فاره جدا مِقْدَام يُقَال لَهُ عَبَّاس بن الْخياطَة قد غلب الْأُمَرَاء وأشجى أهل الْبَلَد فَلم يزَالُوا يحتالون عَلَيْهِ إِلَى أَن وَقع وكبل بِمِائَة رَطْل حَدِيد وَحبس فَلَمَّا كَانَ بعد سنة من حَبسه أَو أَكثر دخل قوم بالأبلة على رجل تَاجر كَانَ عِنْده جَوْهَر بعشرات أُلُوف الدَّنَانِير وَكَانَ

стр. 190

مستيقظاً جلدا فجَاء إِلَى الْبَصْرَة يتظلم وأعانه خلق من التُّجَّار وَقَالَ للأمير أَنْت دست على جوهري وَمَا خصمي سواك فورد عَلَيْهِ أَمر عَظِيم وخلا بالبوابين وتوعدهم فاستنظروه فأنظرهم وطلبوا واجتهدوا فَمَا عرفُوا فَاعل ذَلِك فعنفهم الرجل فاستجابوا مُدَّة أُخْرَى فجَاء أحد البوابين إِلَى الْحَبْس فتخادم لِابْنِ الْخياطَة وَلَزِمَه نَحْو شهر وتذلل لَهُ فِي الْحَبْس فَقَالَ لَهُ قد وَجب حَقك عَليّ فَمَا حَاجَتك قَالَ جَوْهَر فلَان الْمَأْخُوذ بالأبلة لَا بُد أَن يكون عنْدك مِنْهُ خبر فَإِن دماءنا مرتهنة بِهِ وحدثه الحَدِيث فَرفع ذيله وَإِذا سفط الْجَوْهَر تَحْتَهُ فسلمه إِلَيْهِ وَقَالَ قد وهبته لَك فاستعظم ذَلِك وَجَاء بالسفط إِلَى الْأَمِير فَسَأَلَهُ عَن الْقِصَّة فَأخْبرهُ بهَا فَقَالَ عَليّ بعباس فجاؤا بِهِ فَأمر بالإفراج عَنهُ وَإِزَالَة قيوده وإدخاله الْحمام وخلع عَلَيْهِ وَأَجْلسهُ فِي مَجْلِسه مكرماً واستدعى الطَّعَام فواكله وبيته عِنْده فَلَمَّا كَانَ من الْغَد خلا بِهِ وَقَالَ أَنا أعلم أَنَّك لَو ضربت مائَة ألف سَوط مَا أَقرَرت كَيفَ كَانَت صُورَة أَخذ الْجَوْهَر وَقد عاملتك بالجميل ليجب حَقي عَلَيْك من طَرِيق الفتوة وَأُرِيد أَن تصدقني حَدِيث هَذَا الْجَوْهَر قَالَ على أنني وَمن عاونني عَلَيْهِ آمنون وَإنَّك لَا تطالبنا بالذين أَخَذُوهُ قَالَ نعم فاستحلفه فَقَالَ لَهُ إِن جمَاعَة اللُّصُوص جاؤوني الْحَبْس وَذكروا حَال هَذَا الْجَوْهَر وَإِن دَار هَذَا التَّاجِر لَا يجوز أَن يتَطَرَّق عَلَيْهَا نقب وَلَا تسليق وَعَلَيْهَا بَاب حَدِيد وَالرجل متيقظ وَقد راعوه سنة فَمَا أمكنهم وسألوني فساعدتهم فَدفعت إِلَى السجان مائَة دِينَار وَحلفت لَهُ بالشطارة والأيمان الغليظة أَنه إِن أطلقني عدت إِلَيْهِ من غَد وَأَنه إِن لم يفعل ذَلِك اغتلته فَقتلته فِي الْحَبْس فأطلقني فنزعنا الْحَدِيد وَتركته وَخرجت الْمغرب فوصلنا إِلَى الأبلة الْعَتَمَة وَخَرجْنَا إِلَى دَار الرجل فَإِذا هُوَ فِي الْمَسْجِد وبابه مغلق فَقلت لأَحَدهم تصدق من الْبَاب فَتصدق فَلَمَّا جاؤوا ليفتحوا قلت لَهُ أختفي فَفعل ذَلِك مَرَّات وَالْجَارِيَة تخرج فَإِذا لم تَرَ أحدا عَادَتْ إِلَى أَن خرجت من الْبَاب ومشت

стр. 191

خطوَات تطلب السَّائِل فتشاغلت بِدفع الصَّدَقَة إِلَيْهِ فَدخلت أَنا إِلَى الدَّار فَإِذا فِي الدهليز بَيت فِيهِ حمَار فدخلته ووقفت تَحت الْحمار وطرحت الجل عَليّ وَعَلِيهِ وَجَاء الرجل فغلق الْأَبْوَاب وفتش ونام على سَرِير عَال والجوهر تَحْتَهُ فَلَمَّا انتصف اللَّيْل قُمْت إِلَى شَاة فِي الدَّار فعركت أذنها فصاحت فَقَالَ وَيلك أَقُول لَك افتقديها قَالَت قد فعلت قَالَ كذبت وَقَامَ بِنَفسِهِ لِيطْرَح لَهَا علفاً فَجَلَست مَكَانَهُ على السرير وَفتحت الخزانة وَأخذت السفط وعدت إِلَى موضعي وَعَاد الرجل فَنَامَ فاجتهدت أَن أجد حِيلَة أَن أنقب إِلَى دَار بعض الْجِيرَان فَأخْرج فَمَا قدرت لِأَن جَمِيع الدَّار مؤزرة بالساج ورمت صعُود السَّطْح فَمَا قدرت لِأَن الممارق مقفلة بِثَلَاثَة أقفال فَعمِلت على ذبح الرجل ثمَّ استقبحت ذَلِك وَقلت هَذَا بَين يَدي إِن لم أجد حِيلَة غَيره فَلَمَّا كَانَ السحر عدت إِلَى موضعي تَحت الْحمار وانتبه الرجل يُرِيد الْخُرُوج فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ افتحي الأقفال من الْبَاب ودعيه متربساً فَفعلت وَقربت من الْحمار فرفس فصاحت فَخرجت أَنا ففتحت المترس وَخرجت أعدو حَتَّى جِئْت إِلَى المشرعة فَنزلت فِي الخيطية وَوَقعت الصَّيْحَة فِي دَار الرجل فطالبني أَصْحَابِي أَن أعطيهم شَيْئا مِنْهُ فَقلت لَا هَذِه قصَّة عَظِيمَة وأخاف أَن يتَنَبَّه عَلَيْهَا وَلَكِن دَعوه عِنْدِي فَإِن مضى على الحَدِيث ثَلَاثَة أشهر وافتكم فصيروا إِلَيّ أُعْطِيكُم النّصْف وَإِن ظهر خفت عَلَيْكُم وعَلى نَفسِي وَجَعَلته حَقنا لدمائكم فرضوا بذلك فَأرْسل الله هَذَا البواب بليه يخدمني فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ وَخفت أَن يقتل هُوَ وَأَصْحَابه وَقد كنت وضعت فِي نَفسِي الصَّبْر على كل عَذَاب فدخلتم عليّ من طَرِيق أُخْرَى لم أستحسن فِي الفتوة مَعهَا إِلَّا الصدْق فَقَالَ لَهُ الْأَمِير جَزَاء هَذَا الْفِعْل إِن أطلقك وَلَكِن تتوب فَتَابَ وَجعله الْأَمِير من بعض أَصْحَابه وأسنى لَهُ الرزق فاستقامت طَرِيقَته قَالَ أَبُو الْحُسَيْن وحَدثني أبي عَن طالوت بن عباد الصَّيْرَفِي قَالَ

стр. 192

كنت لَيْلَة نَائِما بِالْبَصْرَةِ فِي فِرَاشِي وأحراسي يحرسوني وأبوابي مقفلة فَإِذا أَنا بِابْن الْخياطَة ينبهني من فِرَاشِي فانتبهت فَزعًا فَقلت من أَنْت فَقَالَ ابْن الْخياطَة فَتلفت فَقَالَ لَا تجزع قد قمرت السَّاعَة خَمْسمِائَة دِينَار أَقْرضنِي إِيَّاهَا لأردها عَلَيْك فأخرجت خَمْسمِائَة دِينَار فدفعتها إِلَيْهِ فَقَالَ نم وَلَا تتبعني لأخرج من حَيْثُ جِئْت وَإِلَّا قتلتك قَالَ وَأَنا وَالله أسمع صَوت حراسي وَلَا أَدْرِي من حَيْثُ دخل وَلَا من أَيْن خرج وكتمت الحَدِيث خوفًا مِنْهُ وزدت فِي الحرس وَمَضَت لَيَال فَإِذا أَنا بِهِ قد أنبهني على تِلْكَ الصُّورَة فَقلت مرْحَبًا مَا تُرِيدُ قَالَ جِئْت بِتِلْكَ الدَّنَانِير تأخذها مني فَقلت أَنْت فِي حل مِنْهَا فَإِن أردْت شَيْئا آخر فَخذ فَقَالَ لَا أُرِيد من نصح التُّجَّار شاركهم فِي أَمْوَالهم وَلَو كنت أردْت أَخذ مَالك باللصوصية فعلت وَلَكِنَّك رَئِيس بلدك وَلَا أُرِيد أذيتك فَإِن ذَلِك يخرج عَن الفتوة وَلَكِن خُذْهَا فَإِن احتجت إِلَى شَيْء بعد هَذَا أخذت مِنْك فَقلت أَن عودك لَا يفزعني وَلَكِن إِذا أردْت شَيْئا فتعال إِلَيّ نَهَارا أَو رَسُولك فَقَالَ افْعَل فَأخذت الدَّنَانِير مِنْهُ وَانْصَرف وَكَانَ رَسُوله يجيئني بعلامة بعد ذَلِك فَيَأْخُذ مَا يُريدهُ بعد مُدَّة فَمَا انْكَسَرَ لي عِنْده شَيْء إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ حكى أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن الخشاب النَّحْوِيّ أَن رجلا اشْترى من مخاطى قِطْعَة صابون وَمضى إِلَى النَّهر لغسل ثِيَابه فَلَمَّا وصل أخرجهَا فَإِذا هِيَ قِطْعَة آجر فصعب الْأَمر عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا يَبِيع النَّاس آجراً وصابوناً فَمضى إِلَيْهِ ليردها فَلَمَّا وصل قَالَ وَيحك أتبيع النَّاس آجراً وصابوناً قَالَ كَيفَ أبيع أجرا فأخرجها من كمه فَإِذا هِيَ قِطْعَة صابون فاستحى وَرجع إِلَى النَّهر فأخرجها فَإِذا هِيَ آجر فَعَاد إِلَيْهِ ووبخه وأخرجها فَإِذا هِيَ قِطْعَة صابون مرّة أُخْرَى كَذَلِك حَتَّى ضجر فَقَالَ لَهُ المخاطر لَا يضيق صدرك فَإِن لنا ولدا قد أخرجناه نعلمهُ أَن يبط ويحتال وَإنَّك كلما مضيت فعل هَذَا فَإِذا رآك قد عدت لردها

стр. 193

أَعَادَهَا فِي كمك وَأَنت لَا تعلم دخل دَار قوم فَلم يجد مَا يسرق غير دَوَاة مَكْسُورَة فَكتب على الْحَائِط عز عليّ فقركم وغناي دخل لص بَيت رجل فَأخذ مَتَاعه وَخرج فصاح الرجل مَا أنحس هَذِه اللَّيْلَة فَقَالَ اللص على كل أحد حَدثنِي بعض الإخوان أَن رجلا جَاءَ إِلَى بزاز فاستعرض مِنْهُ ثيابًا بثلثمائة دِينَار ثمَّ وَزنهَا لَهُ فَلَمَّا تسلمها قَالَ الرجل لقد غبنتني فَعَاد وَجمع الدَّنَانِير وَتركهَا فِي خرقَة وختمها وَرمى بهَا فِي كم غُلَامه ثمَّ قَالَ مَا أَنا إِلَّا مُتَرَدّد أفتأذن لي أَن أرى الثِّيَاب من اشْتَرَيْتهَا لَهُ فَإِن رَضِي وَإِلَّا رَددتهَا قَالَ نعم فَأدْخل يَده فِي كم غُلَامه فَأخْرج الْخِرْقَة فَرمى بهَا إِلَى الْبَزَّاز وَأخذ الثِّيَاب وَمضى فَفتح الْبَزَّاز الْخِرْقَة فَإِذا بهَا فلوس وَقد جعل فِي كم غُلَامه خرقَة مثلهَا وفيهَا وزن الثلثمائة حَدثنِي أَبُو الْفَتْح الْبَصْرِيّ قَالَ اجْتمع جمَاعَة من اللُّصُوص اجتاز عَلَيْهِم شيخ صيرفي مَعَه كيسه فَقَالَ أحدهم مَا تَقولُونَ فِيمَن يَأْخُذ كيس هَذَا قَالُوا كَيفَ تفعل قَالَ انْظُرُوا ثمَّ تبعه إِلَى منزله فَدخل الشَّيْخ فَرمى كيسه على الصّفة وَقَالَ لِلْجَارِيَةِ أَنا حاقن فالحقيني بِمَاء فِي الغرفة وَصعد فَدخل اللص فَأخذ الْكيس وَجَاء إِلَى أَصْحَابه فَحَدثهُمْ فَقَالُوا مَا عملت شَيْئا تركته يضْرب الْجَارِيَة ويعذبها وماذا مليح قَالَ فَكيف تُرِيدُونَ قَالُوا تخلص الْجَارِيَة من الضَّرْب وَتَأْخُذ الْكيس قَالَ نعم فَمضى فطرق الْبَاب فَإِذا بِهِ يضْرب الْجَارِيَة فَقَالَ من قَالَ غُلَام جَارك فِي الدّكان فَخرج فَقَالَ مَاذَا تَقول فَقَالَ سَيِّدي يسلم عَلَيْك وَيَقُول لَك قد تَغَيَّرت ترمي كيسك فِي الدّكان وتمضي وَلَوْلَا أننا رَأَيْنَاهُ كَانَ قد أَخذ وَأخرج الْكيس وَقَالَ أَلَيْسَ هَذَا هُوَ قَالَ بلَى وَالله صدق ثمَّ أَخذه فَقَالَ لَهُ بل أعطنيه وادخل فَاكْتُبْ فِي رقْعَة قد تسلمت الْكيس حَتَّى أتخلص أَنا وَيرجع إِلَيْك مَالك فَنَاوَلَهُ إِيَّاه وَدخل ليكتب فَأَخذه وَمضى

стр. 194

قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْفضل الضميري كَانَ فِي بلدنا عَجُوز صَالِحَة كَثِيرَة الصّيام وَالصَّلَاة وَكَانَ لَهَا ابْن صيرفي منهمك على الشّرْب واللعب وَكَانَ يتشاغل بدكانه أَكثر نَهَاره ثمَّ يعود إِلَى منزله فيخبأ كيسه عِنْد والدته فَدخل إِلَى الدَّار وَهُوَ لَا يعلم فَاخْتَبَأَ فِيهَا وَسلم كيسه إِلَى أمه وَخرج وَبقيت هِيَ وَحدهَا فِي الدَّار وَكَانَ لَهَا فِي دارها بَيت مؤزر بالساج عَلَيْهِ بَاب من حَدِيد تجْعَل قماشها فِيهِ والكيس فخبأت الْكيس فِيهِ خلف الْبَاب وَجَلَست فأفطرت بَين يَدَيْهِ فَقَالَ اللص السَّاعَة تقفله وتنام وَأنزل وأقلع الْبَاب وآخذ الْكيس فَلَمَّا أفطرت قَامَت تصلي ومدت الصَّلَاة وَمضى نصف اللَّيْل وتحير اللص وَخَافَ أَن يُدْرِكهُ الصُّبْح فَطَافَ فِي الدَّار فَوجدَ إزاراً جَدِيدا وبخور فاتزر بالإزار وأوقد البخور وَأَقْبل ينزل على الدرجَة ويصيح بِصَوْت غليظ ليفزع الْعَجُوز وَكَانَت جلدَة ففطنت أَنه لص فَقَالَت من هَذَا بارتعاد وفزع فَقَالَ أَنا جِبْرِيل رَسُول رب الْعَالمين أَرْسلنِي إِلَى ابْنك هَذَا الْفَاسِق لأعظه وأعامله بِمَا يمنعهُ عَن ارْتِكَاب الْمعاصِي فأظهرت أَنَّهَا قد غشي عَلَيْهَا من الْفَزع وَأَقْبَلت تَقول يَا جِبْرِيل سَأَلتك إِلَّا رفقت بِهِ فَإِنَّهُ واحدي فَقَالَ اللص مَا أرْسلت لقَتله قَالَت فَبِمَ أرْسلت قَالَ لآخذ كيسه وَأَوْلَمَ قلبه بذلك فَإِذا تَابَ رَددته عَلَيْهِ فَقَالَت يَا جِبْرِيل شَأْنك وَمَا أمرت بِهِ فَقَالَ تنحي عَن بَاب الْبَيْت وَفتح هُوَ الْبَاب وَدخل ليَأْخُذ الْكيس والقماش واشتغل فِي تكويره فمشت الْعَجُوز قَلِيلا قَلِيلا وجذبت الْبَاب وَجعلت الْحلقَة فِي الرزة وَجَاءَت بقفل فقفلته فَنظر اللص إِلَى الْمَوْت ورام حِيلَة نقب أَو منقذ فَلم يجد فَقَالَ افتحي لأخرج فقد أتعظ ابْنك فَقَالَت يَا جِبْرِيل أَخَاف أَن أفتح الْبَاب فتذهب عَيْني من مُلَاحظَة نورك فَقَالَ إِنِّي أطفيء نوري حَتَّى لَا يذهب بِعَيْنَيْك فَقَالَت يَا جِبْرِيل مَا يعوزك أَن تخرج من السّقف أَو تخرق الْحَائِط بريشة من جناحك وَلَا تكلفني أَنا لتغوير بَصرِي فأحس اللص أَنَّهَا جلدَة فَأخذ يرفق بهَا وَيُدَارِيهَا ويبذل التَّوْبَة فَقَالَت دع عَنْك هَذَا لَا سَبِيل إِلَى

стр. 195

الْخُرُوج إِلَّا بِالنَّهَارِ وَقَامَت فصلت وَهُوَ يسْأَلهَا حَتَّى طلعت الشَّمْس وَجَاء ابْنهَا وَعرف خَبَرهَا وحدثته الحَدِيث فأحضر صَاحب الشرطة وَفتح الْبَاب وَقبض على اللص الْبَاب التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فِي ذكر طرف من أَخْبَار فطن الصّبيان أَنبأَنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب النَّحْوِيّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو جَعْفَر بن الْمسلمَة قَالَ أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد الطوسي قَالَ أخبرنَا الزبير بن بكار قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن الضَّحَّاك أَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ لرأس الجالوت أَو لِابْنِ رَأس الجالوت مَا عنْدكُمْ من الفراسة فِي الصّبيان قَالَ مَا عندنَا فيهم شَيْء لأَنهم يخلقون خلقا بعد خلق أغيرانا نرمقهم فَإِن سمعنَا مِنْهُم من يَقُول فِي لعبه من يكون معي رَأَيْنَاهُ ذَا همة وحنو صدق فِيهِ وَإِن سمعناه يَقُول مَعَ من أكون كرهناها مِنْهُ فَكَانَ أول مَا علم من ابْن الزبير أَنه كَانَ ذَات يَوْم يلْعَب مَعَ الصّبيان وَهُوَ صبي فَمر رجل فصاح عَلَيْهِم فَفرُّوا وَمَشى ابْن الزبير الْقَهْقَرِي وَقَالَ يَا صبيان اجعلوني أميركم وشدوا بِنَا عَلَيْهِ وَمر بِهِ عمر بن الْخطاب وَهُوَ صبي يلْعَب مَعَ الصّبيان فَفرُّوا ووقف فَقَالَ لَهُ مَالك لم تَفِر مَعَ أَصْحَابك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم أجرم فَأَخَاف وَلم تكن الطَّرِيق ضيقَة فأوسع لَك أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز قَالَ أَنبأَنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أخبرنَا ابْن حيوية قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن مَعْرُوف قَالَ أَنبأَنَا الْحُسَيْن بن الْفَهم قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ أَنبأَنَا حجاج بن نصر قَالَ حَدثنَا قُرَّة بن خَالِد عَن هَارُون بن زياب قَالَ حَدثنَا سِنَان بن مسلمة

стр. 196

وَكَانَ أَمِيرا على الْبَحْرين قَالَ كُنَّا أغيلمة بِالْمَدِينَةِ فِي أصُول النّخل نلتقط البلح الَّذِي يسمونه الْخلال فَخرج إِلَيْنَا عمر بن الْخطاب فَتفرق الغلمان وَثَبت مَكَاني فَلَمَّا غشيني قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هَذَا مَا أَلْقَت الرّيح قَالَ أَرِنِي أنظر فَإِنَّهُ لَا يخفي عَليّ قَالَ فَنظر فِي حجري فَقَالَ صدقت فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ترى هَؤُلَاءِ الغلمان وَالله لَئِن انْطَلَقت لأغاروا عَليّ فانتزعوا مَا فِي يَدي قَالَ فَمشى معي حَتَّى بَلغنِي مأمني قَالَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد التِّرْمِذِيّ كنت أؤدب الْمَأْمُون وَهُوَ فِي حجر سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ فَأَتَيْته يَوْمًا وَهُوَ دَاخل فوجهت إِلَيْهِ بعض خُدَّامه يُعلمهُ بمكاني فَأَبْطَأَ عليّ ثمَّ وجهت آخر فَأَبْطَأَ فَقلت لسَعِيد أَن هَذَا الْفَتى رُبمَا تشاغل بالبطالة وَتَأَخر قَالَ أجل وَمَعَ هَذَا إِنَّه إِذا فارقك تعزم على خدمه ولقوا مِنْهُ أَذَى شَدِيدا فقومه بالأدب فَلَمَّا خرج أمرت بِحمْلِهِ فضربته سبع دُرَر قَالَ فَإِنَّهُ ليدلك عَيْنَيْهِ من الْبكاء إِذْ قيل جَعْفَر بن يحيى قد أقبل فَأخذ منديلاً فَمسح عَيْنَيْهِ من الْبكاء وَجمع ثِيَابه وَقَامَ إِلَى فرشه فَقعدَ عَلَيْهِ متربعاً ثمَّ قَالَ ليدْخل فَقُمْت عَن الْمجْلس وَخفت أَن يشكوني إِلَيْهِ فَألْقى مِنْهُ مَا أكره قَالَ فَأقبل بِوَجْهِهِ وحدثه حَتَّى أضحكه وَضحك إِلَيْهِ فَلَمَّا هم بالحركة دَعَا بدابته ودعا غلمانه فسعوا بَين يَدَيْهِ ثمَّ سَأَلَ عني فَجئْت فَقَالَ خُذ على بَقِيَّة حزني فَقلت أَيهَا الْأَمِير أَطَالَ الله بَقَاءَك لقد خفت أَن تشكوني إِلَى جَعْفَر بن يحيى وَلَو فعلت ذَلِك لتنكر لي فَقَالَ تراني يَا أَبَا مُحَمَّد كنت أطلع الرشيد على هَذَا فَكيف بِجَعْفَر بن يحيى حَتَّى أطلعه أنني أحتاج إِلَى أدب إِذن يغْفر الله لَك بعد الظَّن ووجيب قَلْبك خُذ فِي أَمرك فقد خطر ببالك مَا لَا ترَاهُ أبدا لَو عدت فِي كل يَوْم مائَة مرّة قَالَ الْحسن الْقزْوِينِي سَمِعت أَبَا بكر النَّحْوِيّ يَقُول من ألطف رقْعَة كتبت فِي الِاعْتِذَار رقْعَة كتبهَا الراضي إِلَى أَخِيه أبي إِسْحَاق المتقي وَقد كَانَ جرى بَينهمَا كَلَام بِحَضْرَة الْمُؤَدب وَكَانَ الْأَخ

стр. 197

قد تعدى على الراضي فَكتب إِلَيْهِ الراضي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَنا معترف لَك بالعبودية فرضا وَأَنت معترف إليّ بالأخوة فضلا وَالْعَبْد يُذنب وَالْمولى يعْفُو وَقد قَالَ الشَّاعِر (يَا ذَا الَّذِي يغْضب من غير شَيْء ... أَعتب فعتباك حبيب إِلَيّ) (أَنْت على أَنَّك لي ظَالِم ... أعز خلق الله طراً عَليّ) قَالَ فَجَاءَهُ أَبُو إِسْحَاق فأكب عَلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهِ الراضي فتعانقا واصطلحا وَالله أعلم حَدثنَا عبيد الله بن الْمَأْمُون قَالَ غضب الْمَأْمُون على أُمِّي أم مُوسَى فقصدني لذَلِك حَتَّى كَاد يتلفني فَقلت لَهُ يَوْمًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كنت غَضْبَان على ابْنة عمك فعاقبها بغيري فَإِنِّي مِنْك قبلهَا وَلَك دونهَا قَالَ صدقت وَالله يَا عبيد الله إِنَّك مني قبلهَا ولي دونهَا وَالْحَمْد لله الَّذِي أظهر لي هَذَا مِنْك وَبَين لي هَذَا الْفضل فِيك لَا ترى وَالله بعد يَوْمك هَذَا مني سوأ وَلَا ترى إِلَّا مَا تحب فَكَانَ ذَلِك سَبَب رِضَاهُ عَن أُمِّي قَالَ الْأَصْمَعِي بَينا أَنا فِي بعض الْبَوَادِي إِذا أَنا بصبي أَو قَالَ صبية مَعَه قربَة قد غلبته فِيهَا مَاء وَهُوَ يُنَادي يَا أَبَت أدْرك فاها غلبني فوهاً لَا طَاقَة لي بفيها قَالَ فوَاللَّه لقد جمع الْعَرَبيَّة فِي ثَلَاث قَالَ الصولي قَالَ الجاحظ قَالَ ثُمَامَة دخلت إِلَى صديق لي أعوده وَتركت حماري على الْبَاب وَلم يكن معي غُلَام ثمَّ خرجت وَإِذا فَوْقه صبي فَقلت أتركب حماري بِغَيْر إذني قَالَ خفت أَن يذهب فحفظته لَك قلت لَو ذهب كَانَ أحب إليّ من بَقَائِهِ قَالَ فَإِن كَانَ هَذَا رَأْيك فِي الْحمار فاعمل على أَنه قد ذهب وهبه لي واربح شكري فَلم أر مَا أَقُول قَالَ رجل من أهل الشَّام قدمت الْمَدِينَة فقصدت منزل إِبْرَاهِيم بن هرمة فَإِذا بنية لَهُ صَغِيرَة

стр. 198

تلعب بالطين فَقلت لَهَا مَا فعل أَبوك قَالَت وَفد إِلَى بعض الأجواد فَمَا لنا بِهِ علم مُنْذُ مُدَّة فَقلت انحري لنا نَاقَة فَأَنا أضيافك قَالَت وَالله مَا عندنَا قلت فشاة قَالَت وَالله مَا عندنَا قلت فدجاجة قَالَت وَالله مَا عندنَا قلت فبيضة قَالَت وَالله مَا عندنَا قلت فَبَاطِل مَا قَالَ أَبوك (كم نَاقَة قد وجأت منحرها ... بمستهل الشؤبوب أَو جمل) قَالَت فَذَاك الْفِعْل من أبي هُوَ الَّذِي أصارنا إِلَى أَن لَيْسَ عندنَا شَيْء قَالَ بشر بن الْحَرْث أتيت بَاب الْمعَافى بن عمرَان فدققت الْبَاب فَقيل لي من قلت بشر الحافي قَالَت لي بنية من دَاخل الدَّار لَو اشْتريت نعلا بدانقين ذهب عَنْك اسْم الحافي وبلغنا أَن المعتصم ركب إِلَى خاقَان يعودهُ وَالْفَتْح صبي يَوْمئِذٍ فَقَالَ لَهُ المعتصم أَيّمَا أحسن دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو دَار أَبِيك قَالَ إِذا كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي دَار أبي أحسن فَأرَاهُ فصا فِي يَده فَقَالَ هَل رَأَيْت يَا فتح أحسن من هَذَا الفص فَقَالَ نعم الْيَد الَّتِي هُوَ فِيهَا قَالَ أَبُو عَليّ الْبَصِير توفّي أبي وَأَنا صَغِير فمنعت ميراثي فَقدمت منازعاً إِلَى القَاضِي فَقَالَ لي بلغت قلت نعم قَالَ وَمن يعلم بِذَاكَ قلت من انعظ عَلَيْهِ فَتَبَسَّمَ وَأمر بفك حجري بلغنَا أَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة تقدم وَهُوَ صبي إِلَى قَاضِي دمشق وَمَعَهُ شيخ فَقَالَ أصلح الله القَاضِي هَذَا الشَّيْخ ظَلَمَنِي واعتدى عَليّ وَأخذ مَالِي فَقَالَ القَاضِي أرْفق بِهِ وَلَا تسْتَقْبل الشَّيْخ بِمثل هَذَا الْكَلَام فَقَالَ إِيَاس أصلح الله القَاضِي أَن الْحق أكبر مني وَمِنْه ومنك قَالَ اسْكُتْ قَالَ إِن سكت فَمن يقوم بحجتي قَالَ تكلم بِخَير فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ فَرفع صَاحب الْخَبَر هَذَا الْخَبَر فعزل القَاضِي وَولى إِيَاس مَكَانَهُ نظر الْمَأْمُون إِلَى ابْن صَغِير لَهُ فِي يَده دفتر فَقَالَ مَا هَذَا بِيَدِك

стр. 199

فَقَالَ بعض مَا تسجل بِهِ الفطنة وينبه من الْغَفْلَة وَيُؤْنس من الوحشة فَقَالَ الْمَأْمُون الْحَمد لله الَّذِي رَزَقَنِي من وَلَدي من ينظر بِعَين عقله أَكثر مَا ينظر بِعَين جِسْمه وسنه قَالَ الفرزدق لغلام حدث أَيَسُرُّك إِنِّي أَبوك قَالَ لَا وَلَكِن أُمِّي ليصيب أبي من أطايبك قعد صبي مَعَ قوم يَأْكُلُون فَبكى قَالُوا مَالك تبْكي قَالَ الطَّعَام حَار قَالُوا فَدَعْهُ حَتَّى يبرد قَالَ أَنْتُم لَا تَدعُونَهُ قَالَ الْأَصْمَعِي قلت لغلام حدث السن من أَوْلَاد الْعَرَب أَيَسُرُّك أَن يكون لَك مائَة ألف دِرْهَم وَإنَّك أَحمَق فَقَالَ لَا وَالله قلت وَلم قَالَ أَخَاف أَن يجني على حمقي جِنَايَة تذْهب مَالِي وَيبقى على حمقي بلغنَا أَن صَبيا لَقِي رجلا عَاقِلا فَقَالَ لَهُ إِلَى أَيْن تمْضِي فَقَالَ إِلَى المطبق قَالَ أوسع خطوتك ادخل على الرشيد صبي لَهُ أَربع سِنِين فَقَالَ لَهُ مَا تحب أَن أهب لَك قَالَ حسن رَأْيك الْبَاب الثَّلَاثُونَ فِي ذكر طرف من فطن عقلاء المجانين حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل قَالَ كَانَ عندنَا رجل من جُهَيْنَة يكنى أَبَا نصر قد ذهب عقله فَقلت لَهُ يَوْمًا مَا السخاء قَالَ جهد مقل قلت فَمَا الْخلّ قَالَ أُفٍّ وحول وَجهه فَقلت أجبني قَالَ قد أَجَبْتُك قَالَ الشبلي رَأَيْت يَوْم الْجُمُعَة معتوهاً عِنْد جَامع الرصافة قَائِما عُرْيَان وَهُوَ يَقُول أَنا مَجْنُون الله أَنا مَجْنُون الله فَقلت لَهُ لم لَا تدخل الْجَامِع وتتوارى وَتصلي فَأَنْشَأَ يَقُول (يَقُولُونَ زرنا واقضِ وَاجِب حَقنا ... وَقد أسقطت حَالي حُقُوقهم عني) (إِذا هم رَأَوْا حَالي وَلم يأنفوا لَهَا ... وَلم يأنفوا مِنْهَا أنفت لَهُم مني)

стр. 200

قَالَ ابْن القصاب الصُّوفِي دخلت المارستان فَرَأَيْت فِيهِ فَتى مصاباً فولعت بِهِ وزدت فِي الولع فَأَتْبَعته فصاح وَقَالَ انْظُرُوا إِلَى شُعُور مطرزة وأجساد معطرة قد جعلُوا الولع بضَاعَة والسخف صناعَة فَقلت لَهُ من السخي قَالَ الَّذِي رزق أمثالكم وَأَنْتُم لَا تساوون قوت يَوْم قلت لَهُ من أقل النَّاس شكر فَقَالَ من عوفي من بلية ثمَّ رَآهَا فِي غَيره فَترك الشُّكْر فَانْكَسَرت بذلك وَقلت لَهُ مَا الظّرْف قَالَ خلاف مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بَلغنِي عَن بعض أَصْحَاب الْمبرد أَنه قَالَ انْصَرف من مجْلِس الْمبرد يَوْمًا فجزت بخربة فَإِذا بشيخ قد خرج مِنْهَا وَمَعَهُ حجر فهم أَن يرميني بِهِ فتترست بالمحبرة والدفتر فَقَالَ مرْحَبًا بالشيخ فَقلت وَبِك قَالَ من أَيْن أَقبلت قلت من مجْلِس الْمبرد قَالَ الْبَارِد ثمَّ قَالَ مَا الَّذِي أنْشدكُمْ فَكَانَ من عَادَته أَن يخْتم مَجْلِسه بِبَيْت أَو بَيْتَيْنِ من الشّعْر فَقلت لَهُ أنشدنا (أعَار الْغَيْث نائله ... إِذا مَا مَاؤُهُ تفذا) (وَإِن أَسد شكار جبنا ... أعَار فُؤَاده الأسدا) فَقَالَ أَخطَأ قَائِل هَذَا الشّعْر قلت كَيفَ قَالَ أَلا تعلم أَنه إِذا أعَار الْغَيْث نائله بَقِي بِلَا نائل وَإِذا عَار الْأسد فُؤَاده بَقِي بِلَا فؤاد قلت فَكيف كَانَ يَقُول فانشد (علم الْغَيْث الندى فَإِذا ... مَا وعَاء علم الْبَأْس الْأسد) (فَإِذا الْغَيْث مقرّ بالندى ... وَإِذا اللَّيْث مقرّ بِالْجلدِ) قَالَ فكتبتها وانصرفت ثمَّ مَرَرْت يَوْمًا آخر بذلك الْمَكَان فَإِذا بِهِ قد خرج وَبِيَدِهِ حجر فكاد يرميني فتترست مِنْهُ فَضَحِك وَقَالَ مرْحَبًا بالشيخ

стр. 201

فَقلت وَبِك قَالَ من مجْلِس الْمبرد قلت نعم قَالَ مَا الَّذِي أنْشدكُمْ قلت أنشدنا (إِن السماحة والمروءة والندى ... قبر يمر على الطَّرِيق الْوَاضِح) (فَإِذا مَرَرْت بقبره فاعقر بِهِ ... كوم الْجِيَاد وكل طرف سابح) فَقَالَ أَخطَأ قَائِل هَذَا الشّعْر فَقلت كَيفَ قَالَ وَيحك لَو نحرت بخت خُرَاسَان لما أبر فِي حَقه قلت كَيفَ كَانَ يَقُول فَأَنْشد (احملاني إِن لم يكن لَكمَا عقر ... إِلَى جنب قَبره فاعقراني) (وانضحا من دمي عَلَيْهِ فقد كَانَ ... دمي من نداه لَو تعلمان) قَالَ فَلَمَّا عدت إِلَى الْمبرد قصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ أتعرفه قلت لَا قَالَ ذَلِك خَالِد الْكَاتِب تَأْخُذهُ السَّوْدَاء أَيَّام الباذنجان قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن الرَّازِيّ مر بهْلُول بِقوم فِي أصل شَجَرَة وَكَانُوا عشرَة فَقَالَ بَعضهم لبَعض تَعَالَوْا حَتَّى نسخر ببهلول مَا قَالُوا فَجَاءَهُمْ فَقَالُوا يَا بهْلُول تصعد لنا رَأس هَذِه الشَّجَرَة وَتَأْخُذ عشرَة دَرَاهِم قَالَ نعم فَأَعْطوهُ عشرَة دَرَاهِم فصيرها فِي كمه ثمَّ الْتفت فَقَالَ هاتوا سلما فَقَالُوا لم يكن هَذَا فِي الشَّرْط فَقَالَ كَانَ فِي شرطي دون شرطكم ولد لبَعض أُمَرَاء الْكُوفَة بنت فساءه ذَلِك وَامْتنع عَن الطَّعَام فَدخل عَلَيْهِ بهْلُول فَقَالَ مَا هَذَا الْحزن أجزعت بِخلق سوي وهبه رب الْعَالمين أَيَسُرُّك أَن مَكَانهَا أَبنَاء مثلي فسرى عَنهُ وفر يَوْمًا بهْلُول من الصّبيان فالتجأ إِلَى دَار فَوجدَ بَابهَا مَفْتُوحًا فَدَخلَهَا وَصَاحب الدَّار قَائِم لَهُ ضفيرتان فصاح مَا أدْخلك دَاري فَقَالَ ﴿يَا ذَا القرنين أَن ياجوج وماجوج مفسدون فِي الأَرْض﴾

стр. 202

وَحمل عَلَيْهِ الصّبيان يَوْمًا فَدخل دَارا فَدَعَا الرجل بِالطَّعَامِ فَجعل الصّبيان يصيحون على الْبَاب وَهُوَ يَأْكُل وَيَقُول ﴿فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب﴾ وَسُئِلَ بهْلُول عَن رجل مَاتَ وَخلف أَبنَاء وبنتاً وَزَوْجَة وَلم يتْرك من المَال شَيْئا فَقَالَ للِابْن الْيَتِيم وللبنت الثكل وللزوجة خراب الْبَيْت وَمَا بَقِي فللعصبة قَالَ وَدخل بهْلُول وعليان على مُوسَى بن الْمهْدي فَقَالَ لعليان إيش معنى عليان فَقَالَ عليان وإيش معنى مُوسَى فَقَالَ خُذُوا بِرَجُل ابْن الفاعلة فَالْتَفت عليان إِلَى بهْلُول وَقَالَ خُذ إِلَيْك كُنَّا اثْنَيْنِ صرنا ثَلَاثَة كَانَ فِي بني أَسد مَجْنُون فَمر بِقوم من بني تيم الله فبعثوا بِهِ وعذبوه فَقَالَ يَا بني تيم الله مَا أعلم فِي الدُّنْيَا قوما خيرا مِنْكُم قَالُوا وَكَيف قَالَ بَنو أَسد لَيْسَ فيهم مَجْنُون غَيْرِي وَقد قيدوني وسلسلوني وكلكم مجانين لَيْسَ فِيكُم مُقَيّد وَمر مَجْنُون بمعتزلي يناظر فَقَالَ لَهُ الْمَجْنُون أَنْت الْقَائِل أَنَّك مُخَيّر بَين فعلين إِن شِئْت فعلت أَحدهمَا دون الآخر قَالَ نعم قَالَ فاخرء وَلَا تبل فَعجب النَّاس من قَوْله قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن عجيف مربي مَجْنُون فَقلت يَا مَجْنُون قَالَ وَأَنت عَاقل قلت نعم قَالَ كلا يَا مَجْنُون وَلَكِن جنوني مَكْشُوف وجنونك مَسْتُور قلت فسر لي قلت قَالَ أَنا أخرق الثِّيَاب وارجم وَأَنت تعمر دَار لَا بَقَاء لَهَا وتطيل أملك وَمَا حياتك بِيَدِك وتعصي وليك وتطيع عَدوك قَالَ النظام قلت لمَجْنُون اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أرجع فَقَالَ أما ترجع فَلَا أضمن لَك وَلَكِنِّي أَجْلِس إِلَى اللَّيْل ادّعى رجل النُّبُوَّة وَزعم أَنه نوح فصلب فَمر بِهِ مَجْنُون فَقَالَ يَا نوح لم تحصل من سفينتك إِلَّا على الدقل بعث هِلَال بن أبي بردة إِلَى أبي عَلْقَمَة الْمَجْنُون فَلَمَّا أَتَى بِهِ قَالَ تَدْرِي لم أحضرتك قَالَ لَا قَالَ لأضحك مِنْك قَالَ لقد ضحك أحد الْحكمَيْنِ من صَاحبه يعرض بجده أبي مُوسَى

стр. 203

الْبَاب الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي ذكر طرف من أَخْبَار النِّسَاء والمتفطنات حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت لَو نزلت وَاديا فِيهِ شَجرا كل مِنْهَا وَوجدت شَجرا لم يُؤْكَل مِنْهَا فِي أَيهَا كنت ترتع بعيرك قَالَ فِي الَّتِي لم يرتع مِنْهَا نعني أَن النَّبِي ﷺ لم يتَزَوَّج بكرا غَيرهَا حَدثنَا الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا خرج فِي سفر أَقرع بَين نِسَائِهِ فطارت الْقرعَة على عَائِشَة وَحَفْصَة فخرجتا مَعَه جَمِيعًا فَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا سَار بِاللَّيْلِ سَار مَعَ عَائِشَة يتحدث مَعهَا فَقَالَت حَفْصَة لعَائِشَة إِلَّا تركبين بَعِيري وأركب بعيرك فتنظرين وَانْظُر قَالَت بلَى فركبت عَائِشَة على بعير حَفْصَة وَركبت حَفْصَة على بعير عَائِشَة فجَاء رَسُول الله ﷺ إِلَى جمل عَائِشَة وَعَلِيهِ حَفْصَة فَسلم ثمَّ صَار مَعهَا حَتَّى نزلُوا ففقدت النَّبِي ﷺ فغارت فَلَمَّا نزلت جعلت تدخل رِجْلَيْهَا بَين الاذخر وَتقول يَا رب سلط عليّ عقرباً يلدغني رَسُولك لَا أَسْتَطِيع أَن أَقُول شَيْئا عَن عبد الله بن مُصعب قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب لَا تَزِيدُوا فِي مهر النِّسَاء على أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة وَإِن كَانَت بنت ذِي الغصة يَعْنِي يزِيد بن الْحصين الصَّحَابِيّ الْحَارِثِيّ فَمن زَاد ألقيت الزِّيَادَة فِي بَيت المَال فَقَالَت امْرَأَة من صنف النِّسَاء طَوِيلَة فِي أنفها فطس مَا ذَاك لَك قَالَ وَلم قَالَت لِأَن الله قَالَ ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتاناً وإثماً مُبينًا﴾ قَالَ عمر امْرَأَة أَصَابَت وَرجل أَخطَأ عَن مُحَمَّد بن معِين الْغِفَارِيّ قَالَ أَتَت امْرَأَة عمر بن الْخطاب

стр. 204

رَضِي الله عَنهُ فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن زَوجي يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَأَنا أكره أَن أشكوه وَهُوَ يعْمل بِطَاعَة الله فَقَالَ لَهَا نعم الزَّوْج زَوجك فَجعلت تكَرر عَلَيْهِ القَوْل وَهُوَ يُقرر عَلَيْهَا الْجَواب فَقَالَ لَهُ كَعْب الْأَسدي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه الْمَرْأَة تَشْكُو زَوجهَا فِي مباعدته إِيَّاهَا عَن فرَاشه فَقَالَ لَهُ عمر كَمَا فهمت كَلَامهَا فَاقْض بَينهمَا فَقَالَ كَعْب عليّ بزوجها فَأتى بِهِ فَقَالَ لَهُ أَن امْرَأَتك هَذِه تشكوك قَالَ أَفِي طَعَام أَو شرب قَالَ لَا فَقَالَت الْمَرْأَة (يَا أَيهَا القَاضِي الْحَكِيم أرشده ... إلهي خليلي عَن فِرَاشِي مَسْجده) (زهده فِي مضجعي تعبده ... نَهَاره وليله مَا يرقده) (وَلست فِي أَمر النِّسَاء أَحْمَده ... ) فَقَالَ زَوجهَا (زهدت فِي فراشها وَفِي الحجل ... إِنِّي امْرُؤ أذهلني مَا قد نزل) (فِي سُورَة النَّمْل وَفِي السَّبع الطول ... وَفِي كتاب الله تخويف جلل) فَقَالَ كَعْب (إِن لَهَا حَقًا عَلَيْك يَا رجل ... تصيبها فِي أَربع لمن عقل) (فأعطها ذَاك ودع عَنْك الْعِلَل ... ) ثمَّ قَالَ إِن الله قد أحل لَك من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع فلك ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن تعبد فِيهِنَّ رَبك وَلها يَوْم وَلَيْلَة فَقَالَ عمر وَالله مَا أَدْرِي من أَي أمريك أعجب أَفَمَن فهمك أمرهَا أم من حكمك بَينهمَا اذْهَبْ فقد وليتك قَضَاء الْبَصْرَة عَن عبد الله بن الزبير عَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵃ قَالَت لما توجه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 205

من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَمَعَهُ أَبُو بكر حمل أَبُو بكر مَعَه جَمِيع مَاله خَمْسَة آلَاف أَو سِتَّة آلَاف دِرْهَم فَأَتَانِي جدي أَبُو قُحَافَة وَقد ذهب بَصَره فَقَالَ أرى هَذَا وَالله قد فجعكم بِمَا لَهُ مَعَ نَفسه فَقلت كلا يَا أَبَت قد ترك لنا خيرا كثيرا فعمدت إِلَى أَحْجَار جعلهَا فِي كوَّة الْبَيْت كَانَ أَبُو بكر يحصل مَاله فِيهَا وغطيت على الْأَحْجَار بِثَوْب ثمَّ جِئْت بِهِ فَأخذت بِيَدِهِ ووضعتها على الثَّوْب وَقلت ترك لنا هَذَا فَجعل يجد مس الْحِجَارَة من وَرَاء الثَّوْب فَقَالَ أما إِذا ترك لكم هَذَا فَنعم وَلَا وَالله مَا ترك لنا قَلِيلا وَلَا كثيرا قَالَ الْأَصْمَعِي أَتَت امْرَأَة حَاتِم بن عبد الله ابْن أبي بكرَة فَقَالَت لَهُ أَتَيْتُك من بِلَاد شاسعة ترفعني رَافِعَة وتخفضني خافضة لممات من الْأُمُور حللن بِي فبرين لحمي ووهن عظمي وتركتني والهة كالحريض قد ضَاقَ بِي الْبَلَد العريض هلك الْوَالِد وَغَابَ الْوَافِد وَعدم الطارف والتالد فَسَأَلت فِي حَيَاء الْعَرَب عَن المرجو سَببه الْمَحْمُود نائله الْكَرِيم شمائله فدللت عَلَيْك وَأَنا امْرَأَة من هوَازن فافعل بِي أحد ثَلَاث إِمَّا أَن تقيم أودي وَإِمَّا أَن تحسن صفدي وَإِمَّا أَن تردني إِلَى بلدي فَقَالَ بل أجمعهن إِلَيْك وحباً وكرامة قَالَ الْأَصْمَعِي مَاتَ ابْن لأعرابية فَمَا زَالَت تبْكي حَتَّى خدد الدمع خدها ثمَّ استرجعت فَقَالَت اللَّهُمَّ إِنَّك قد علمت فرط حب الْوَالِدين لولدها فَلذَلِك لم تأمرهما ببره وَعرفت قدر عقوق الْوَلَد لوَالِديهِ فَمن أجل ذَلِك حضضته على طاعتها اللَّهُمَّ إِن وَلَدي كَانَ من الْبَار بِوَالِديهِ على مَا يكون الْوَالِدَان بولدهما فأجزه مني بذلك صَلَاة وَرَحْمَة ولقه سُرُورًا ونضرة فَقَالَ لَهَا أَعْرَابِي نعم مَا دَعَوْت لَهُ لَوْلَا أَنَّك شبته من الْجزع بِمَا لَا يجدي فَقَالَت إِذا وَقعت الضرورات لم يجر عَلَيْهَا حكم

стр. 206

المكتسبات وجزعي على ابْني غير مُمكن فِي الطَّاقَة صرفه وَلَا فِي الْقُدْرَة مَنعه وَالله ولي عُذْري بفضله فقد قَالَ ﴿فَمن اضْطر غير باغٍ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ قَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي دخل عمرَان بن حطَّان يَوْمًا على امْرَأَته وَكَانَ عمرَان قبيحاً ذَمِيمًا قَصِيرا وَقد تزينت وَكَانَت امْرَأَة حسناء فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا ازدادت فِي عينه جمالاً وحسناً فَلم يَتَمَالَك أَن يديم النّظر إِلَيْهَا فَقَالَت مَا شَأْنك قَالَ لقد أَصبَحت وَالله جميلَة فَقَالَت أبشر فَإِنِّي وَإِيَّاك فِي الْجنَّة قَالَ وَمن أَيْن علمت ذَلِك قَالَت لِأَنَّك أَعْطَيْت مثلي فَشَكَرت وابتليت سَلَامَته بمثلك فَصَبَرت والصابر والشاكر فِي الْجنَّة قَالَ المُصَنّف أدام الله سَلَامَته كَانَ عمرَان بن حطَّان أحد الْخَوَارِج وَهُوَ الْقَائِل يمدح عبد الرَّحْمَن بن ملجم على قَتله عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه بمنه وَكَرمه (يَا ضَرْبَة من تَقِيّ مَا أَرَادَ بهَا ... أَلا ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا) (إِنِّي لأذكره يَوْمًا فأحسبه ... أَو فِي الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا) (أكْرم بِقوم بطُون الأَرْض أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا) فبلغت هَذِه الأبيات القَاضِي أَبَا الطّيب الطَّبَرِيّ فَقَالَ مجيباً لَهُ على الْفَوْر (إِنِّي لأبرأ مِمَّا أَنْت قَائِله ... على ابْن ملجم الملعون بهتانا) (إِنِّي لأذكره يَوْمًا فألعنه ... دينا وألعن عمراناً وحطانا) (عَلَيْك ثمَّ عَلَيْهِ الدَّهْر مُتَّصِلا ... لعائن الله أسرار وأعلانا) (فَأنْتم من كلاب النَّار جَاءَ بِهِ ... نَص الشَّرِيعَة تبياناً وبرهانا) أَشَارَ أَبُو الطّيب إِلَى قَول النَّبِي ﷺ الْخَوَارِج كلاب النَّار قَالَ

стр. 207

اسحق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي حَدثنِي أَبُو المشيع قَالَ خرج كثير يلْتَمس عزة وَمَعَهُ شنينة فِيهَا مَاء فَأَخذه الْعَطش فَتَنَاول الشنينة فَإِذا هِيَ عظم مَا فِيهَا شَيْء من المَاء فَرفعت لَهُ نَار فأمها فَإِذا بقربها مظلة بفنائها عَجُوز فَقَالَت لَهُ من أَنْت قَالَ أَنا كثير قَالَت قد كنت أَتَمَنَّى ملاقاتك فَالْحَمْد لله الَّذِي أرانيك قَالَ وَمَا الَّذِي تلتمسينه مني قَالَت أَلَسْت الْقَائِل (إِذا مَا أَتَيْنَا خله كي نزيلها ... أَبينَا وَقُلْنَا الحاجبية أول) (سنوليك عرفا إِن أردْت وصالنا ... وَنحن لتِلْك الحاجبية أوصل) قَالَ بلَى قَالَت أَفلا قلت كَمَا قَالَ سيدك جميل (يَا رب عارضة علينا وَصلهَا ... بالجد تخلطه بقول الهازل) (فأجبتها فِي القَوْل بعد تَأمل ... حبي بثينة عَن وصالك شاغلي) (لَو كَانَ فِي قلبِي كَقدْر قلامة ... فضلا لغيرك مَا أتتك رسائلي) قلت دعِي هَذَا واسقيني قَالَت وَالله لَا أسقيك شَيْئا قلت وَيحك أَن الْعَطش قد أضرّ بِي قَالَت ثكلت بثينة إِن طعمت إِن عِنْدِي قَطْرَة مَاء فَكَانَ جهده أَن ركض رَاحِلَته وَمضى يطْلب المَاء فَمَا بلغه حَتَّى أضحى النَّهَار وَكَاد يقْتله الْعَطش قَالَ دخل ذُو الرمة الْكُوفَة فَبينا هُوَ يسير فِي شوارعها على نجيب لَهُ إِذْ رأى جَارِيَة سَوْدَاء واقفة على بَاب دَار فاستحسنها وَوَقعت بِقَلْبِه فَدَنَا إِلَيْهَا فَقَالَ يَا جَارِيَة اسْقِنِي مَاء فأخرجت إِلَيْهِ كوزاً فَشرب فَأَرَادَ أَن يمازحها ويستدعي كَلَامهَا فَقَالَ يَا جَارِيَة مَا أحر ماءك فَقلت لَو شِئْت لأقبلت على عُيُوب شعرك وَتركت حر مائي وبرده فَقَالَ لَهَا وَأي شعري لَهُ عيب فَقَالَت أَلَسْت ذَا الرمة قَالَ بلَى قَالَت (فَأَنت الَّذِي شبهت عَنْزًا بقفرة ... لَهَا ذَنْب فَوق استها أم سَالم)

стр. 208

(جعلت لَهَا قرنين فَوق جبينها ... وطبسين مسودين مثل المحاجم) (وساقين إِن يستمكنا مِنْك يتركا ... بجلدك يَا غيلَان مثل المآثم) (أيا ظَبْيَة الْوِعَاء بَين جلاجل ... وَبَين النقا أَأَنْت أم أم سَالم) قَالَ نشدتك بِاللَّه إِلَّا أخذت رَاحِلَتي وَمَا عَلَيْهَا وَلم تظهري هَذَا وَنزل رَاحِلَته فَدَفعهَا إِلَيْهَا فَذهب ليمضي فدفعتها إِلَيْهِ وضمنت لَهُ أَلا تذكر لأحد مَا جرى قَالَ زُهَيْر بن حسن مولى الرّبيع بن يُونُس قدم الْحجَّاج على الْوَلِيد بن عبد الْملك فصلى عِنْده رَكْعَتَيْنِ وَركب الْوَلِيد فَمشى الْحجَّاج بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد اركب يَا أَبَا مُحَمَّد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ دَعْنِي أسْتَكْثر من الْجِهَاد فَإِن ابْن الزبير وَابْن الْأَشْعَث شغلاني عَن الْجِهَاد زَمنا طَويلا فعزم عَلَيْهِ الْوَلِيد أَن يركب وَدخل فَركب مَعَ الْوَلِيد فَبينا هُوَ يتحدث وَيَقُول مَا فعلت بِأَهْل الْعرَاق وَفعلت أَقبلت جَارِيَة فنادت الْوَلِيد ثمَّ انصرفت فَقَالَ الْوَلِيد يَا أَبَا مُحَمَّد أَتَدْرِي مَا قَالَت الْجَارِيَة قَالَ لَا قَالَ قَالَت أرسلتني إِلَيْك أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان أَن مجالستك هَذَا الْأَعرَابِي وَهُوَ فِي سلاحه وَأَنت فِي غلاله غرر فَأرْسلت إِلَيْهَا أَنه الْحجَّاج بن يُوسُف فراعها ذَلِك وَقَالَت وَالله لِأَن يَخْلُو بك ملك الْمَوْت أحب إليّ من أَن يَخْلُو بك الْحجَّاج وَقد قتل أحباء الله لَهُ وَأهل طَاعَته ظلما وعدواناً فَقَالَ الْحجَّاج يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا الْمَرْأَة رَيْحَانَة وَلَيْسَت بقهرمانة لَا تطلعهن على سرك وَلَا تستعملهن بِأَكْثَرَ من وثبهن وَلَا تكثرن مجالستهن صغَارًا وذلائم ثمَّ نَهَضَ فَخرج وَدخل الْوَلِيد على أم الْبَنِينَ فَأَخْبرهَا بمقالته فَقَالَت إِنِّي أحب أَن تَأمره بِالتَّسْلِيمِ عَليّ فسيبلغك بِالَّذِي يكون بيني وَبَينه فغدا الْحجَّاج على الْوَلِيد فَقَالَ الْوَلِيد ائْتِ أم الْبَين فَقَالَ اعفني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فلتفعلن فَأَتَاهَا فَحَجَبَتْهُ طَويلا ثمَّ أَذِنت لَهُ ثمَّ قَالَت لَهُ يَا حجاج أَنْت تفتخر على أَمِير الْمُؤمنِينَ بقتل ابْن الزبير وَابْن الْأَشْعَث أما وَالله لَوْلَا أَن الله علم أَنَّك أَهْون خلقه عَلَيْهِ مَا ابتلاك بقتل

стр. 209

ابْن ذَات النطاقين ابْن حوارِي رَسُول الله ﷺ وَابْن الْأَشْعَث فلعمري لقد استعلى عَلَيْك حَتَّى عجعجت ووالى عَلَيْك الهرار حَتَّى عويت فلولا أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ نَادَى فِي أهل الْيمن وَأَنت فِي أضيق من الْقرن فأظلتك رماحهم وعلاك كفاحهم لَكُنْت مأسوراً قد أَخذ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك وعَلى هَذَا فَإِن نسَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ قد نفضن الْعطر عَن غدائرهن وبعنه فِي أعطية أوليائه وَأما مَا أَشرت على أَمِير الْمُؤمنِينَ من قطع لذاته وبلوغ أوطاره من نِسَائِهِ فَإِن يكن إِنَّمَا ينفرجن عَن مثل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَغير مجيبك إِلَى ذَلِك وَإِن كن ينفرجن عَن مثل مَا انفرجت بِهِ أمك البظراء عَنْك من ضعف الغريزية وقبح المنظر فِي الْخلق والخلق يالكع فَمَا أحقه أَن يَقْتَدِي بِقَوْلِك قَاتل الله الَّذِي يَقُول (أَسد عَليّ وَفِي الحروب نعَامَة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر) (هلا برزت إِلَى غزالة فِي الوغا ... أَو قد كَانَ قَلْبك فِي جناحي طَائِر) ثمَّ أمرت جَارِيَة لَهَا فَأَخْرَجته فَلَمَّا دخل على الْوَلِيد قَالَ مَا كنت فِيهِ يَا أَبَا مُحَمَّد فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سكتت حَتَّى كَانَ بطن الأَرْض أحب إِلَى من ظهرهَا قَالَ إِنَّهَا بنت عبد الْعَزِيز قَالَ ابْن السّكيت عزم مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر على الْحَج فَخرجت إِلَيْهِ جَارِيَة شاعرة فَبَكَتْ لما رَأَتْ آلَة السّفر فَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله (دمعة كَاللُّؤْلُؤِ الرطب ... على الخد الأسيل) (هطلت فِي سَاعَة الْبَين ... من الطّرف الكحيل) ثمَّ قَالَ أجيزي فَقَالَت (حِين هم الْقَمَر الباهر ... عَنَّا بالأفول) (إِنَّمَا يفتح العشاق ... فِي وَقت الرحيل)

стр. 210

قَالَ أَيُّوب الْوزان قَالَ الْمفضل دخلت على الرشيد وَبَين يَدَيْهِ طبق ورد وَعِنْده جَارِيَة مليحة شاعرة أديبة قد أهديت إِلَيْهِ فَقَالَ يَا مفضل قل فِي هَذَا الْورْد شَيْئا تشبهها بِهِ فأنشأت أَقُول (كَأَنَّهُ خد مرموق بِقَلْبِه ... فَم الحبيب وَقد أبدى بِهِ خجلا) فَقَالَت الْجَارِيَة (كَأَنَّهُ لون خدي حِين يدفعني ... كف الرشيد لأمر يُوجب الغسلا) فَقَالَ يَا مفضل قُم فَاخْرُج فَإِن هَذِه الماجنة قد هيجتنا فَقُمْت وأرخيت الستور قَالَ الْأَصْمَعِي لما قدم الرشيد الْبَصْرَة يُرِيد الْخُرُوج إِلَى مَكَّة فَخرجت مَعَه فَلَمَّا صرنا بضرية إِذا أَنا على شَفير الْوَادي بصبية قدامها قَصْعَة لَهَا وَإِذا هِيَ تَقول (طحنتنا طواحن الأعوام ... ورمتنا نَوَائِب الْأَيَّام) (فأتينا كمو لمذ أكفا ... لفضلات زادكم وَالطَّعَام) (فَاطْلُبُوا الْأجر والمثوبة فِينَا ... أَيهَا الزائرون بَيت الْحَرَام) (من رَآنِي فقد رَآنِي ورحلي ... فارحموا غربتي وذل مقَامي) قَالَ فَرَجَعت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقلت صبية على شَفير الْوَادي وأنشدته مَا قَالَت فَعجب فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أفآتيك بهَا قَالَ لَا بل نَحن نَذْهَب إِلَيْهَا قَالَ الْأَصْمَعِي فَوقف عَلَيْهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقلت لَهَا أنشديه مَا كنت تقولينه فَأَنْشَدته وَلم تهيه فَقَالَ يَا مسرور املأ قصعتها دَنَانِير قَالَ فملأها حَتَّى فاضت يَمِينا وَشمَالًا حَدثنَا ابْن الشيظمي قَالَ حججْت فِي سنة قحطة جدبة فَبَيْنَمَا أَنا أَطُوف بِالْكَعْبَةِ إِذْ أَبْصرت جَارِيَة من أحسن النَّاس قداً وقواماً وخلقاً وَهِي

стр. 211

مُتَعَلقَة بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة تَقول إلهي وسيدي هَا أَنا أمتك الغريبة وسائلتك الفقيرة حَيْثُ لَا يخفي عَلَيْك بُكَائِي وَلَا يسْتَتر عَنْك سوء حَالي قد هتكت الْحَاجة حجابي وكشفت الْفَاقَة نقابي فَكشفت وَجها رَقِيقا عِنْد الذل وذليلاً عِنْد المسئلة طَال وَعزَّتك مَا حجبه عَنهُ مَاء الْغِنَا وصانه مَاء الْحيَاء قد جمدت عني كف المرزوقين وَضَاقَتْ بن صدود المخلوقين فَمن حرمني لم ألمه وَمن وصلني وكلته إِلَى مكافأتك ورحمتك وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ قَالَ فدنوت مِنْهَا فبررتها ثمَّ قلت لَهَا من أَنْت وَمِمَّنْ أَنْت فَقَالَت إِلَيْك عني من قل مَاله وَذهب رِجَاله كَيفَ يكون حَاله ثمَّ أنشأت تَقول (بعض بَنَات الرِّجَال أبرزها ... الدَّهْر لما قد ترى وأخرجها) (أبرزها من جليل نعمتها ... فابتزها ملكهَا وأحوجها) (وطالما كَانَت الْعُيُون إِذا ... مَا خرجت تستشف هودجها) (إِن كَانَ قد ساءها وأحزنها ... فطالما سرها وأبهجها) (الْحَمد لله رب معسرة ... قد ضمن الله أَن يفرجها) قَالَ فَسَأَلت عَنْهَا فَأخْبرت أَنَّهَا من ولد الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ بلغنَا أَن كثير عزة لَقِي جميلاً فَقَالَ لَهُ مَتى عَهْدك ببثينة قَالَ مَالِي بهَا عهد مُنْذُ عَام أول وَهِي تغسل ثوبا بوادي الدوم فَقَالَ لَهُ كثير تحب أَن أعهدها لَك اللَّيْلَة قَالَ نعم فَأقبل رَاجعا إِلَى بثينة فَقَالَ لَهُ أَبوهَا يَا فلَان مَا ردك أما كنت عندنَا قبيل قَالَ بلَى وَلَكِن حضرتني أَبْيَات قلتهَا فِي عزة قَالَ وَمَا هِيَ قلت (فَقلت لَهَا يَا عز أرسل صَاحِبي ... على بَاب دَاري وَالرَّسُول مُوكل) (أما تذكرين الْعَهْد يَوْم لقيتكم ... بِأَسْفَل وَادي الدوم وَالثَّوْب يغسل) فَقَالَت بثينة اخْسَأْ فَقَالَ أَبوهَا مَا هاجك يَا بثينة قَالَت كلب لَا يزَال

стр. 212

يأتينا من وَرَاء الْجَبَل بِاللَّيْلِ وأنصاف النَّهَار قَالَ فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ قد وعدتك من وَرَاء هَذَا الْجَبَل بِاللَّيْلِ وأنصاف النَّهَار فالقها إِذا شِئْت قَالَ مؤلف الْكتاب قلت وَمن هَذَا الْفَنّ حُكيَ أَن أَعْرَابِيًا بعث غُلَاما لَهُ إِلَى امْرَأَة يواعدها موضعا يَأْتِيهَا فِيهِ فَذهب الْغُلَام وأبلغها الرسَالَة فَكرِهت الْمَرْأَة أَن تقر للغلام بِمَا بَينهمَا فَقَالَت وَالله لَئِن أخذتك لأعركن أُذُنك عركة تبْكي مِنْهَا وتستند إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة ويغشى عَلَيْك إِلَى وَقت الْعَتَمَة فَلم يعرف الْغُلَام معنى هَذَا الْكَلَام وَانْصَرف إِلَى صَاحبه وَحكى لَهُ فَعلم أَنَّهَا واعدته تَحت الشَّجَرَة وَقت الْعَتَمَة قَالَ الصولي سَمِعت الْمبرد يَقُول كُنَّا عِنْد الْمَازِني فَجَاءَتْهُ أعرابية كَانَت تغشاه ويهب لَهَا فَقَالَت أنعم الله صَاحبك أَبَا عُثْمَان هَل بالرمال أوشال فَقَالَ لَهَا يَجِيء الله بهَا فَقَالَت (تعلمن أَنِّي وَالَّذِي حج الْقَوْم ... لَوْلَا خيال طَارق عِنْد النّوم) (والشوق من ذكراك مَا جِئْت الْيَوْم ... ) فَقَالَ الْمَازِني قاتلها الله مَا أفطنها جَاءَتْنِي مستمنحة فَلَمَّا رَأَتْ أَن لَا شَيْء جعلت الْمَجِيء زِيَارَة تمن علينا بهَا قَالَ إِسْمَاعِيل بن حمادة بن أبي حنيفَة مَا ورد عَليّ مثل امْرَأَة تقدّمت فَقَالَت أَيهَا القَاضِي ابْن عمي زَوجنِي من هَذَا وَلم أعلم فَلَمَّا علمت رددت فَقلت لَهَا وَمَتى رددت قَالَت وَقت مَا علمت قلت وَمَتى علمت قَالَت وَقت مَا رددت فَمَا رَأَيْت مثلهَا قَالَ حَدثنَا عَليّ ابْن الْقَاسِم القَاضِي قَالَ سَمِعت أبي يَقُول كَانَ مُوسَى بن إِسْحَاق لَا يرى مُتَبَسِّمًا قطّ فَقَالَت لَهُ امْرَأَة أَيهَا القَاضِي لَا يحل أَن تحكم بَين اثْنَيْنِ وَأَنت غَضْبَان قَالَ وَلم قَالَت لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يقْضِي القَاضِي بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان فَتَبَسَّمَ

стр. 213

عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك يَوْمًا وَالشعرَاء عِنْده قد قلت نصف بَيت فأجيزوه قَالَ يروح إِذا راحوا ويغدوا إِذا غدوا فَلم يصنعوا شَيْئا فَدخل إِلَى جَارِيَة لَهُ فَأَخْبرهَا فَقَالَت كَيفَ قلت فأنشدها فَقَالَت وَعَما قَلِيل لَا يروح وَلَا يَغْدُو قَالَ الْأَصْمَعِي كنت عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد إِذْ دخل رجل وَمَعَهُ جَارِيَة للْبيع فتأملها الرشيد ثمَّ قَالَ خُذ جاريتك فلولا كلف فِي وَجههَا وخنس فِي أنفها لاشتريتها فَانْطَلق بهَا فَلَمَّا بلغت السّتْر قَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ارددني إِلَيْك أنْشدك بَيْتَيْنِ حضراني فَردهَا فأنشأت تَقول (مَا سلم الظبي على حسنه ... كلا وَلَا الْبَدْر الَّذِي يُوصف) (الظبي فِيهِ خنس بَين ... والبدر فِيهِ كلف يعرف) فَأَعْجَبتهُ بلاغتها فاشتراها وَقرب منزلهَا وَكَانَت أحظى جواريه عِنْده قَالَ الجاحظ رَأَيْت بالعسكر امْرَأَة طَوِيلَة الْقَامَة جدا وَنحن على طَعَام فَأَرَدْت أَن أمازحها فَقلت انزلي حَتَّى تأكلي مَعنا قَالَت وَأَنت فاصعد حَتَّى ترى الدُّنْيَا قَالَ الجاحظ أَيْضا رَأَيْت امْرَأَة جميلَة فَقلت مَا اسْمك قَالَت مَكَّة فَقلت أَتَأْذَنِينَ لي أَن أقبل الْحجر الْأسود مِنْك قَالَت لَا إِلَّا بالزاد وَالرَّاحِلَة قَالَ مؤلف الْكتاب وَقد رويت لنا هَذِه الْحِكَايَة على وَجه آخر قَالَ الجاحظ رَأَيْت جَارِيَة بسوق النخاسين بِبَغْدَاد يُنَادي عَلَيْهَا وعَلى خدها خَال فدعوت بهَا وَجعلت أقلبها فَقلت لَهَا مَا اسْمك قَالَت مَكَّة فَقلت الله أكبر قرب الْحَج أَتَأْذَنِينَ أقبل الْحجر الْأسود قَالَت لَهُ إِلَيْك عني ألم تسمع قَول الله تَعَالَى ﴿لم تَكُونُوا بالغيه إِلَّا بشق الْأَنْفس﴾

стр. 214

قَالَ الْأَصْمَعِي أُتِي الْمَنْصُور بسارق فَأمر بِقطع يَده فانشأ يَقُول (يَدي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أُعِيذهَا ... بحقويك من عَار عَلَيْهَا يشينها) (فَلَا خير فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي نعيمها ... إِذا مَا شمال فارقتها يَمِينهَا) فَقَالَ يَا غُلَام اقْطَعْ هَذَا حد من حُدُود الله وَحقّ من حُقُوقه لَا سَبِيل إِلَى تعطيله قَالَت أم الْغُلَام واحدي وكادي وكاسبي قَالَ بئس الْوَاحِد واحدك وَبئسَ الكاد كادك وَبئسَ الكاسب كاسبك يَا غُلَام اقْطَعْ فَقَالَت أم السَّارِق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما لَك ذنُوب تستغفر الله مِنْهَا قَالَ بلَى قَالَت هبه لي وَاجعَل هَذَا من ذنوبك الَّتِي تستغفر الله مِنْهَا وَقد رويت لنا هَذِه الْحِكَايَة عَن عبد الْملك بن مَرْوَان فَإِنَّهُ أَتَى بسارق وَثبتت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة فانشد هَذَا الشّعْر وَقَالَت أمه هَذَا الْكَلَام فَقَالَ خلوا سَبيله أنشدنا ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي (وسائلة عَن ركب حسان كلهم ... ليبلغ حسان بن زيد سؤالها) قَالَ وَهِي تحب حسان فَكرِهت أَن تخصه فَسَأَلت عَن الركب جَمِيعًا حَتَّى صَارَت إِلَيْهِ قَالَ هَارُون بن عبد الْملك بن الْمَأْمُون لما عرضت الخيزران على الْمهْدي قَالَ لَهَا وَالله يَا جَارِيَة إِنَّك لعلى غَايَة المتمني وَلَكِنَّك خمشة السَّاقَيْن فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك أحْوج مَا يكون إِلَيْهِمَا لَا تراهما فَقَالَ اشتروها فحظيت عِنْده فأولدها مُوسَى وَهَارُون وَحكى أَبُو بكر الصولي أَن الْمهْدي اشْترى جَارِيَة فَاشْتَدَّ شغفه بهَا وَكَانَت بِهِ أشغف وَكَانَت تتجافاه كثير فَدس إِلَيْهَا من عرف مَا فِي نَفسهَا فَقَالَت أَخَاف أَن يملني ويدعني فأموت فَأَنا أمنع نَفسِي بعض لذتها مِنْهُ لأعيش فَقَالَ الْمهْدي (ظَفرت بِالْقَلْبِ مني ... غادة مثل الْهلَال)

стр. 215

(كلما صَحَّ لَهَا ودي جَاءَت باعتلال ... ) (لَا تحب الهجر مني ... والتنائي عَن وصالي) (بل لمأمنها على ... حبي لَهَا خوف الملال) قَالَ أَبُو نواس استقبلتني امْرَأَة فأسفرت عَن وَجههَا فَكَانَت على غَايَة الْحسن فَقَالَت مَا اسْمك قلت وَجهك فَقَالَت أَنْت الْحسن إِذن حَدثنَا رجل من تغلب قَالَ كَانَ فِينَا رجل لَهُ ابْنة شَابة وَكَانَ لَهُ ابْن أَخ يهواها وتهواه فمكثا كَذَلِك دهراً ثمَّ إِن الْجَارِيَة خطبهَا بعض الْأَشْرَاف فأرغب فِي الْمهْر فأنعم أَبُو الْجَارِيَة وَاجْتمعَ الْقَوْم للخطبة فَقَالَت الْجَارِيَة لأمها يَا أُمَّاهُ مَا يمْنَع أَن يزوجني من ابْن عمي قَالَت أَمر كَانَ مقضياً قَالَت وَالله مَا أحسن رباه صَغِيرا ثمَّ تَدعُوهُ كَبِيرا ثمَّ قَالَت لَهَا يَا أُمَّاهُ إِنِّي وَالله حَامِل فَاكْتُمِي إِن شِئْت أَو نوحي فَأرْسلت الْأُم إِلَى الْأَب فَأَخْبَرته الْخَبَر فَقَالَ اكْتُمِي هَذَا الْأَمر ثمَّ خرج إِلَى الْقَوْم فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ إِنِّي كنت أجبتكم وَأَنه قد حدث أَمر رَجَوْت أَن يكون فِيهِ الْأجر وَأَنا أشهدكم أَنِّي قد زوجت ابْنَتي فُلَانَة من ابْن أخي فلَان فَلَمَّا انْقَضى ذَلِك قَالَ الشَّيْخ أدخلوها عَلَيْهِ فَقَالَت الْجَارِيَة هِيَ بالرحمن كَافِرَة إِن دخل عَلَيْهَا من سنة أَو تبين حملهَا قَالَ فَمَا دخل عَلَيْهَا إِلَّا بعد حول فَعلم أَبوهَا أَنَّهَا احتالت عَلَيْهِ قَالَ الصولي قَالَ الْعُتْبِي رَأَيْت امْرَأَة أعجبتني صورتهَا فَقلت أَلَك بعل قَالَت لَا قلت أفترغبين فِي التَّزْوِيج قَالَت نعم وَلَكِن لي خصْلَة أَظُنك لَا ترضاها قلت وَمَا هِيَ قَالَت بَيَاض برأسي قَالَ فثنيت عنان فرسي وسرت قَلِيلا فنادتني أَقْسَمت عَلَيْك لتقفن ثمَّ أَتَت مَوضِع خالٍ فَكشفت عَن شعر كَأَنَّهُ العناقيد السوناي فَقلت وَالله مَا بلغت الْعشْرين ولكنني عرفتك أَنا نكره مِنْك مَا تكره منا قَالَ فخجلت وسرت وَأَنا أَقُول
следующие страницы →