Полный текст (228 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَأهل طَاعَته وَصَحبه وَسلم دَائِما أبدا إِلَى يَوْم الدّين
الْحَمد لله الَّذِي اتّصف بالكمال والتحف برداء الْكِبْرِيَاء والجلال وارتشف ذَوُو الْعُقُول من محبته كؤوسا لم تملأ بيد الملال نحمده على نعمه الَّتِي مِنْهَا سَلامَة الْأَعْضَاء والصفح عَمَّا اجترحناه وَحسن الْعَفو والإغضاء والتودد إِلَى بعض من عَامل محبتنا بالبغضاء ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة لَا يغض طرف برهانها وَلَا يخْفض وَلَا ينْقض مُحكم بنيانها وَلَا ينْقض وَلَا يرفض عقد جمَالهَا وَلَا يرفض ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده الَّذِي أرْسلهُ فجلا بِهِ من الْكفْر حنادسه المدلهمة وَأَبَان بِهِ الْبَاطِل وأباده وَأظْهر بِهِ الْحق وأتمة وأعانه حَتَّى بلغ الرسَالَة وادى الْأَمَانَة ونصح الْأمة صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الَّذين اتبعُوا مِنْهُ نورا لَا تبليه الأعاصير وَهَاجَر مَعَه مِنْهُم كماة الْحَرْب وحماتها المغاوير
стр. 2
وسالت عَلَيْهِ شعاب الْحَيّ حِين دَعَا أنصاره بِوُجُوه كالدنانير صَلَاة آياتها لَا تنسخ وغاياتها لَا تسلخ مَا زَالَت الْجَوَاهِر بالنظم نحورا وأصبحت كواكب الشرق بِالْفَجْرِ عورا وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين
وَبعد فَإِن التصنيف فن لَا يمله من اعتاده وَلَا يلتذه إِلَّا من اشْترى لَهُ سهره وَبَاعَ فِيهِ رقاده وَلَا يأنس بِهِ فِي طول أَسْفَاره إِلَّا من وثق بِمَا مَعَه من الزوادة شعر
(تغر حلاوات النُّفُوس قلوبها ... فتستعذب اللَّذَّات وَهِي حمام)
وَهُوَ شغل للنَّفس عَمَّا يعرض لَهَا من هموم هَذِه الدَّار ومطل يدافع بصفوه مَا تحدثه الْآفَات من الأكدار وَسَهل يرتاح الْقلب إِلَيْهِ إِذا اضطرته إِلَى حزنها الأقدار شعر
(الدَّهْر يعجب من حملي نوائبه ... وصبر جسمي على أحداثه الحطم)
(وَقت يضيع وَعمر لَيْت مدَّته ... فِي غير أمته من سالف الْأُمَم)
(أَتَى الزَّمَان بنوه فِي شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الْهَرم)
وَلما أعَان الله بِلُطْفِهِ وَمن وَيسر أَسبَاب فَضله فاقتنصت مِنْهَا مَا سنح وَعَن وأكملت تصنيفي الَّذِي وسمته بنكت الْهِمْيَان فِي نكت
стр. 3
العميان تقت إِلَى أَن أرْدف ذَلِك بمصنف آخر أقتصر فِيهِ على ذكر العور وَمن جَاءَ مِنْهُم فِي الزَّمن السالف وَهُوَ مَشْهُور فشمرت ذيل الْعَزْم ووفرت سَبِيل الحزم وَبعثت الطّلب ونفثت التَّعَب وأنفت من الهمة الهمة وأسفت على سَواد الصُّحُف وَبَيَاض اللمة من الخطوب الملمة وَقلت
(صبا مَا صبا حَتَّى علا الشيب رَأسه ... )
بَيت دُرَيْد بن الصمَّة واستعنت بِاللَّه على جمع شَيْء فِي هَذِه الْمَادَّة وسلوك مَا لَا ركض غَيْرِي جَوَاده فِي هَذِه الجادة وَقد أثبت مَا يسره الله فِي هَذَا الْمَعْنى وأنزلت حوره وولدانه فِي هَذَا الْمَعْنى وَجعلت ذَلِك مصنفا بِرَأْسِهِ من كل فن مارسته بأمراسه وسميته كتاب الشُّعُور بالعور ورتبته على مُقَدمَات ونتيجة
الْمُقدمَة الأولى فِيمَا يتَعَلَّق بذلك من اللُّغَة
الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِيمَا يتَعَلَّق بذلك من حَيْثُ التصريف وَالْإِعْرَاب
الْمُقدمَة الثَّالِثَة فِيمَا يتَعَلَّق بِحَدِيث الرِّجَال لكَونه أَعور
الْمُقدمَة الرَّابِعَة فِيمَا لَهُ بالأعور علاقَة من الْفِقْه
الْمُقدمَة الْخَامِسَة فِيمَا جَاءَ من الْأَمْثَال والنوادر فِي حق الْأَعْوَر وَغير ذَلِك
الْمُقدمَة السَّادِسَة فِيمَا جَاءَ من الشّعْر فِي العور والعوران
النتيجة فِي سرد من كَانَ أَعور على حُرُوف المعجم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 4
الْمُقدمَة الأولى فِيمَا يتَعَلَّق بذلك من اللُّغَة
قد نظرت فِي أصل هَذِه الْمَادَّة وَهِي العور فَرَأَيْت من خَواص هَذِه الأحرف الثَّلَاثَة وَهِي ع ور كَيفَ مَا تقلب من تَقْدِيم بعض حروفها على بعض لَا يخرج عَن معنى التخوف وَهَذِه هِيَ خَاصَّة اللُّغَة الَّتِي وَضعهَا الْحَكِيم فَالْأول عور
الْعَوْرَة كل حَال يتخوف مِنْهُ فِي ثغر أَو حَرْب يُقَال فلَان يدل الْكفَّار على عورات الْمُسلمين
والعورة سوءة الْإِنْسَان سميت بذلك لما كَانَ الْإِنْسَان يتخوف من رؤيتها وكل مَا يستحى مِنْهُ فَهُوَ عَورَة
الْعَوْرَة عِنْد الْفُقَهَاء مَا سترهَا شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة وَهِي من الرجل حرا كَانَ أَو عبدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَلَيْسَت السُّرَّة من الْعَوْرَة وَلَا الرّكْبَة على ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ لما رُوِيَ عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا فَوق الرّكْبَة وَدون السُّرَّة عَورَة وروى أَنه ﷺ قَالَ وعورة الرجل مَا بَين سرته إِلَى ركبته وَعند أبي حنيفَة رَضِي الله
стр. 5
عَنهُ أَن الرّكْبَة غير خَارِجَة عَن حد الْعَوْرَة وَإِن كَانَت السُّرَّة خَارِجَة وَعند الإِمَام مَالك ﵁ أَن الْفَخْذ لَيْسَ بِعَوْرَة
وَحكي وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي عَن بعض الْأَصْحَاب أَن الرّكْبَة والسرة عَورَة وَحكى أَبُو عبد الله الحناطي عَن الْإِصْطَخْرِي أَن عَورَة الرجل هِيَ الْقبل والدبر فَقَط
وَأَبُو الْقَاسِم الْعَبَّادِيّ حكى عَن بَعضهم أَن الرّكْبَة من الْعَوْرَة دون السُّرَّة
قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ ﵀ قُلْنَا وَجه ضَعِيف مَشْهُور أَن السُّرَّة عَورَة دون الرّكْبَة
وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل أَن الْعَوْرَة هِيَ الْقبل والدبر لَا غير وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنهُ مُوَافقَة لمَذْهَب الشَّافِعِي ﵁
وَمن الْمَرْأَة إِن كَانَت حرَّة فَجَمِيع بدنهَا عَورَة إِلَّا الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُوَ الْوَجْه
стр. 6
والكفان وَلَيْسَ المُرَاد الرَّاحَة وَحدهَا بل اليدان ظهرا وبطنا إِلَى الكوعين خارجتان عَن حد الْعَوْرَة وَلَا يكَاد يفْرض ظُهُور بَاطِن الْيَدَيْنِ دون ظاهرهما وَلَا يسْتَثْنى ظُهُور قدميها خلافًا لأبي حنيفَة ﵁ قَالَ لَيست القدمان من الْعَوْرَة وَبِه قَالَ الْمُزنِيّ من أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁ لما رُوِيَ أَنه ﷺ سُئِلَ عَن الْمَرْأَة تصلي فِي درع وخمار من غير إِزَار فَقَالَ لَا بَأْس إِذا كَانَ الدرْع يُغطي ظُهُور قدميها وَهل يسْتَثْنى أَخْمص الْقَدَمَيْنِ فَحكى طَائِفَة فِيهِ وَجْهَيْن وجعلهما آخَرُونَ قَوْلَيْنِ مِنْهُم الْقفال رَحمَه الله تَعَالَى أَحدهمَا أَنَّهُمَا ليسَا من الْعَوْرَة لِأَن النَّبِي ﷺ خص ظُهُور الْقَدَمَيْنِ بِالذكر فأشعر ذَلِك بِأَن تَغْطِيَة بَاطِن الْقَدَمَيْنِ لَا يجب وأصحهما أَنَّهُمَا من الْعَوْرَة تَسْوِيَة بَين ظاهرهما وباطنهما
وَحكي عَن الإِمَام أَحْمد ﵁ أَنه لَا يسْتَثْنى إِلَّا الْوَجْه ويداها عَورَة
وَإِن كَانَت أمة فبدنها على ثَلَاث مَرَاتِب
الأولى مَا هُوَ عَورَة من الرجل فَلَا شكّ فِي كَونهَا عَورَة مِنْهَا
وَالثَّانيَِة مَا يظْهر وينكشف فِي حَال المهنة فَلَيْسَ بِعَوْرَة مِنْهَا وَهُوَ الرَّأْس والرقبة والساعد وطرف السَّاق لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى كشفه ويتعذر عَلَيْهَا ستره وَفِي الْمَذْهَب وجد أَن جَمِيع ذَلِك عَورَة كَمَا فِي حق الْحرَّة سوى الرَّأْس لِأَن عمر ﵁ رأى أمة سترت رَأسهَا فَمنعهَا من ذَلِك وَقَالَ لَا تشبهن بالحرائر
стр. 7
وَالثَّالِثَة مَا عدا ذَلِك كالصدر وَالظّهْر والصدر وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه عَورَة كَمَا فِي حق الْحرَّة وَإِنَّمَا احْتمل الْكَشْف فِيمَا يظْهر عِنْد المهنة لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَيْهِ وأصحهما أَنه لَيْسَ بِعَوْرَة لما رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ فِي الرجل يَشْتَرِي الْأمة لَا بَأْس أَن ينظر إِلَيْهَا إِلَّا إِلَى الْعَوْرَة وعورتها مَا بَين مقْعد إزَارهَا إِلَى ركبتيها وَحكم الْمُكَاتبَة والمدبرة والمستولدة وَمن بَعْضهَا رَقِيق حكم الْأمة وَالْخُنْثَى الْمُشكل إِن كَانَ رَقِيقا وَقُلْنَا بِظَاهِر الْمَذْهَب وَهُوَ أَن عَورَة الْأمة كعورة الرجل فَلَا يلْزم أَن تستر فِي الصَّلَاة إِلَّا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَإِن كَانَ حرا أَو رَقِيقا وَقُلْنَا إِن عَورَة الْأمة أَكثر من عَورَة الرجل وَجب عَلَيْهَا ستر الزِّيَادَة على عَورَة الرجل أَيْضا لجَوَاز الْأُنُوثَة
فَائِدَة يحسن ذكرهَا هُنَا وَهِي مَا ذكره أَبُو الْفرج الْعجلِيّ فِي أول كتاب النِّكَاح من شرح مشكلات الْوَجِيز والوسيط أَن أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الخضري الْمروزِي الشَّافِعِي سُئِلَ عَن قلامة ظفر الْمَرْأَة هَل يجوز للرجل الْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَيْهَا فَأَطْرَقَ الشَّيْخ طَويلا وَكَانَت ابْنة الشَّيْخ أبي عَليّ الشتري تَحْتَهُ فَقَالَت لم تتفكر وَقد سَمِعت أبي يَقُول فِي جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة إِن كَانَت من قلامة أظفار الْيَدَيْنِ جَازَ النّظر إِلَيْهَا وَإِن كَانَت من أظفار الرجلَيْن لم يجز فَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن يَدهَا لَيست بِعَوْرَة بِخِلَاف الْقدَم ففرح الخضري وَقَالَ لَو لم أستفد من اتصالي بِأَهْل الْعلم إِلَّا هَذِه الْمَسْأَلَة لكَانَتْ كَافِيَة انْتهى
قَالَ قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين احْمَد بن خلكان رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا التَّفْصِيل بَين الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فِيهِ نظر فَإِن أَصْحَابنَا قَالُوا اليدان ليستا بِعَوْرَة فِي الصَّلَاة فَأَما بِالنِّسْبَةِ إِلَى نظر الْأَجْنَبِيّ فَمَا نَعْرِف بَينهمَا فرقا فَلْينْظر إِذا وجد الْمُصَلِّي
стр. 8
مَا يستر بعض الْعَوْرَة لزمَه ستر الْمُمكن بِلَا خلاف وَإِن كَانَ الْمَوْجُود يَكْفِي السوأتين بَدَأَ بهما وَلَا يعدل إِلَى غَيرهمَا فَإِن كَانَ يَكْفِي أَحدهمَا فَثَلَاثَة أوجه الصَّحِيح الْمَنْصُوص أَنه يستر الْقبل رجلا كَانَ أَو امْرَأَة وَالثَّانِي الدبر وَالثَّالِث يتَخَيَّر وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن أَن الْمَرْأَة تستر الْقبل وَالرجل الدبر
رَجَعَ بِنَا الْكَلَام إِلَى الْعين وَالْوَاو وَالرَّاء وَمَا تصرف مِنْهَا وعورات الْجبَال شقوقها سميت بذلك لما كَانَت مِمَّا يتخوف مِنْهُ وفلاة عوراء أَي لَا مَاء بهَا سميت بذلك لِأَنَّهَا يتخوف مِنْهَا الْعَطش وَعِنْده من المَال عائرة عين إِذا كَانَ كثيرا سمي بذلك لِأَن صَاحب المَال الْكثير يتخوف النَّاس عَلَيْهِ أَو لِأَنَّهُ يمْلَأ الْعين كَثْرَة فيكاد يعورها والعائر من السِّهَام وَالْحِجَارَة الَّذِي لَا يدرى من رَمَاه سمي بذلك لِأَنَّهُ يتخوف من وُقُوعه
والعوائر من الْجَرَاد الْجَمَاعَات المتفرقة سميت بذلك لِأَنَّهَا مِمَّا يتخوف من فَسَاده
والعوراء الْكَلِمَة القبيحة وَهِي السقطة قَالَ الشَّاعِر
(وأغفر عوراء الْكَرِيم ادخاره ... وَأعْرض عَن شتم اللَّئِيم تكرما)
مَعْنَاهُ لادخاره سميت بذلك لِأَن الْعَاقِل يتخوف من الْكَلِمَة الساقطة
والعوار الْعَيْب يُقَال سلْعَة ذَات عوار بِفَتْح الْعين وَقد تضم عَن أبي زيد سمي بذلك لما كَانَ صَاحب السّلْعَة يتخوف من ظُهُوره
стр. 9
وَالْعَارِية بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهَا منسوبة إِلَى الْعَار لِأَن طلبَهَا عَار وَسميت بذلك لِأَن طالبها يلْحقهَا عَار أَو لِأَن الَّذِي استعارها يتخوف من ردهَا
والإعوار بِكَسْر الْهمزَة الرِّيبَة كَأَن الْمُرِيب يتخوف ظُهُور أمره وَهَذَا مَكَان معور أَي يخَاف فِيهِ قطع الطَّرِيق وأعور الْفَارِس إِذا بدا مِنْهُ مَوضِع خلل للضرب قَالَ الشَّاعِر
(لَهُ الشدَّة الأولى إِذا الْقرن أعورا ... )
وعورته عَن الْأَمر إِذا صرفته عَنهُ وعورت عَن فلَان إِذا كذبت مَا قيل فِيهِ كَأَنَّك فِي الأولى خوفته من عَاقِبَة مَا صرفته عَنهُ وَفِي الثَّانِي كَأَنَّك تخوفت أَن ينْسب ذَلِك إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عبيد يَقُول للمستجيز الَّذِي يطْلب المَاء إِذا لم يسقه قد عورت شربه وَأنْشد الفرزدق
(مَتى مَا ترد يَوْمًا سفار تَجِد بهَا ... أديهم يَرْمِي المستجيز المعورا)
سمي بذلك لِأَنَّهُ يعود فِي هَذِه الْحَالة متخوفا وعاورت المكاييل لُغَة فِي عايرتها سمي بذلك لِأَنَّك خفت نَقصهَا فعايرتها وَيُقَال مَا أَدْرِي أَي الْجَرَاد عارة يُقَال ذَلِك فِي حق من لَا يعلم لَهُ خبر فَأَنت تتخوف من أمره
وَرجل أَعور بَين العور للَّذي عارت إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَهُوَ يتخوف من رُؤْيَة النَّاس لَهُ وَقد عارت الْعين تعار بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا وَقَالَ الشَّاعِر
(وسائله بِظهْر الْغَيْب عني ... أعارت عينه أم لم تعارا)
стр. 10
قَالَ ابْن بري رَحمَه الله تَعَالَى فِي حَوَاشِي الصِّحَاح لعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ وَالْألف فِي آخر تعارا مبدلة من النُّون الْخَفِيفَة أبدل مِنْهَا ألفا لما وقف عَلَيْهَا وَلِهَذَا سلمت الْألف الَّتِي بعد الْعين إِذْ لَو لم يكن بعْدهَا نون التوكيد لانحذفت فَكنت تَقول لم تعر كَمَا تَقول لم تخف فَإِذا ألحقت النُّون أثبت الْألف فَقلت لم تخافن لِأَن الْفِعْل مَعَ نون التوكيد مَبْنِيّ فَلَا يلْحقهُ جزم انْتهى كَلَام ابْن بري
وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح يُقَال عورت عينه وَإِنَّمَا صحت الْوَاو فِيهَا لصحتها فِي أَصْلهَا وَهُوَ أعورت بِسُكُون مَا قبلهَا ثمَّ حذفت الزَّوَائِد الْألف وَالتَّشْدِيد فَبَقيَ عور يدل على أَن ذَلِك أَصله مَجِيء أخواته على هَذَا اسود يسود واحمر يحمر وَتقول مِنْهُ عرت عينه أعورها وأعورت عينه لُغَة فِيهَا وعورتها تعويرا مثله والعوار الَّذِي لم تقض حَاجته وَلَيْسَ من عور الْعين وَأنْشد للعجاج شعر
(وعور الرَّحْمَن من ولى العور ... )
стр. 11
الثَّانِي وع ر
يُقَال جبل وعر بِسُكُون الْعين إِذا كَانَ يتخوف من سلوكه والصعود فِيهِ ومطلب وعر قَالَ الْأَصْمَعِي وَلَا تقل وعر بِكَسْر الْعين وَقد وعر بِالضَّمِّ وعورة وَكَذَلِكَ توعر أَي صَار وعرا ووعرته أَنا توعيرا وَقد استوعرت الشَّيْء إِذا وجدته وعرا وَفُلَان وعر الْمَعْرُوف أَي قَليلَة كل ذَلِك لَا يخرج عَن معنى التخوف
الثَّالِث ور ع
الْوَرع بِالتَّحْرِيكِ الجبان قَالَ ابْن السّكيت وأصحابنا يذهبون بالورع إِلَى الجبان وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الْوَرع الصَّغِير الَّذِي لَا غناء عِنْده يُقَال إِنَّمَا مَال فلَان أوراع أَي صغَار تَقول مِنْهُ ورع بِضَم الرَّاء يورع بِفَتْح الْيَاء وَالرَّاء وَسُكُون الْوَاو وروعا ووراعة وورعا بِضَم الْوَاو وَسُكُون الرَّاء إِمَّا الجبان فَهُوَ الْخَائِف وَأما الصَّغِير الَّذِي لَا غناء عِنْده كَأَنَّهُ متخوف فَلَا نفع فِيهِ
والورع بِكَسْر الرَّاء الرجل التقي وَقد ورع يرع بِفَتْح الْيَاء وَكسر الرَّاء ورعا بِفَتْح الرَّاء ورعه يُقَال فلَان سيء الرعة أَي قَلِيل الْوَرع وتورع من كَذَا أَي تحرج وورعته توريعا أَي كففته وخوفته وَفِي حَدِيث عمر ورع اللص لَا تراعه أَي إِذا رَأَيْته فِي مَنْزِلك فادفعه واكففه وَلَا تنْتَظر بِهِ
стр. 12
مَا يكون مِنْهُ فَأَنت ترى مدَار هَذَا كُله على التخوف وَقد رد أهل اللُّغَة كَلَام ابْن السّكيت وَقَالُوا بل الْوَرع الجبان وَيُؤَيّد ذَلِك قَول الراجز
(لَا هيبان قلبه منان ... وَلَا نخيب ورع جبان)
الرَّابِع ر وع
الروع بِالْفَتْح الْفَزع قَالَ صَاحب الصِّحَاح الروعة الفزعة وَمِنْه قَوْلهم أفرخ روعه أَي ذهب فزعه وَسكن وغلطوه فِي ذَلِك لِأَنَّهُ ضَبطه بِفَتْح الرَّاء وَالصَّحِيح أَنه بِضَم الرَّاء وَهُوَ مَوضِع الروع قَالَ الْجَوْهَرِي والروع بِالضَّمِّ الْقلب وَالْعقل يُقَال وَقع ذَلِك فِي روعي أَي فِي خلدي وبالي وَفِي الحَدِيث إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي قلت سمي بذلك لما كَانَ التخوف والحذر ينشأ مِنْهُ ورعت فلَانا وروعته فارتاع أَي أفزعته فَفَزعَ وَقَوْلهمْ لَا ترع أَي لَا تخف وَلَا يلحقك خوف
والروعاء من النوق الحديدة الْفُؤَاد وَكَذَلِكَ الْفرس سميا بذلك لما كَانَ كالمتخوفين الحذرين
الْخَامِس ع ر
وَعُرْوَة الْقَمِيص والكوز مَعْرُوفَة لِأَنَّهَا عملت لأمن الْخَائِف من سُقُوط الْكوز
стр. 13
وانفراج الْقَمِيص والعراء بِالْمدِّ الفضاء الَّذِي لَا ستر بِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لنبذ بالعراء﴾ وَسمي بذلك لِأَنَّهُ يتخوف فِيهِ
والعروة الْأسد وَبِه سمي الرجل لما كَانَ الْإِنْسَان يخافه ويتهيب لقاءه
وَفُلَان تعروه الأضياف وتعتريه أَي تغشاه قيل لِأَن الْغَالِب إِذا نزل الضَّيْف بِأحد لَا بُد وَأَن يتجمع مِنْهُ أَو لِأَن الضَّيْف يكون خَائفًا من عدم المأكل وَالْمشْرَب وَقَالَ النَّابِغَة شعر
(أَتَيْتُك عَارِيا خلقا ثِيَابِي على ... خوف تظن بِي الظنون)
والعرية النَّخْلَة يعريها صَاحبهَا رجلا مُحْتَاجا فَيجْعَل لَهُ ثَمَرهَا عامها
فيعروها أَي يَأْتِيهَا وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة وَإِنَّمَا دَخَلتهَا الْهَاء لِأَنَّهَا أفردت فَصَارَت فِي عداد الْأَسْمَاء مثل النطيحة والأكيلة وَلَو جِئْت بهَا مَعَ النَّخْلَة قلت نَخْلَة عري وَفِي الحَدِيث إِنَّه رخص فِي الْعَرَايَا بعد نَهْيه عَن الْمُزَابَنَة لِأَنَّهُ رُبمَا تأذى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فَيحْتَاج إِلَى أَن يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِثمن فَرخص لَهُ ذَلِك قَالَ شَاعِر الْأَنْصَار
(وَلَيْسَت بسنهاء وَلَا رجبية ... وَلَكِن عرايا فِي السنين الجوائح)
يَقُول إِنَّا نعريها النَّاس سميت بذلك لِأَن الَّذِي يعراها يكون متخوفا
стр. 14
يائسا واستعرى النَّاس فِي كل وَجه أَي أكلُوا الرطب
والعرية الرّيح الْبَارِدَة يُقَال أهلك فقد أعريت أَي غَابَتْ الشَّمْس وَبَردت وَكَأَنَّهُ يخَاف عَلَيْهِ أَن لَا يلْحق أَهله
والعرواء مثل الغلواء قُرَّة الْحمى ومسها فِي أول مَا تَأْخُذ بالرعدة وَقد عري الرجل على مَا لم يسم فَاعله واي تخوف لَا يكون من رعدة الْحمى
وعري من ثِيَابه فَهُوَ عَار وعريان وَامْرَأَة عُرْيَانَة وأعريت الْفرس إِذا ركبته عُريَانا كَأَن الرَّاكِب يتخوف الْوُقُوع
السَّادِس ر ع
والرعاوى والرعاوى بِضَم الرَّاء وَفتحهَا وَفتح الْوَاو فيهمَا الْإِبِل الَّتِي ترعى حول الْقَوْم فِي دِيَارهمْ لِأَنَّهَا الْإِبِل الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا لما كَانُوا يتخوفون بعْدهَا عَنْهُم جعلوها ترعى حَولهمْ والراعي الَّذِي تدفع إِلَيْهِ الْإِبِل أَو غَيرهَا ليرعاها وَتجمع على رُعَاة مثل قَاض وقضاة ورعيان مثل شَاب وشبان ورعى مثل جَائِع وجياع لما كَانَ الرَّاعِي يخَاف الذِّئْب والأسد وكل كاسر من
стр. 15
الْوَحْش على مَا يرعاه سمي بذلك وَمِنْه قَوْلك راعيت الْأَمر أَي تخوفت عواقبه وَمِنْه الرَّاعِي وَهُوَ الْوَالِي وَقد ارعوى فلَان عَن الْقَبِيح أَي تخوف إِتْيَانه وَالِاسْم مِنْهُ الرعوى بِفَتْح الرَّاء والرعيا بضَمهَا مثل البقيا والبقوى ورعيت النُّجُوم إِذا رقبَتهَا وَلَا يفعل ذَلِك إِلَّا متخوف
الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِيمَا يتَعَلَّق بذلك من حَيْثُ التصريف وَالْإِعْرَاب
يُقَال عورت عينه وعارت تعور وتعور بِسُكُون الْعين وَكسر الْوَاو فِي الأول وَضم الْعين وَسُكُون الْوَاو فِي الثَّانِي فَهُوَ رجل أَعور بَين العور وهما أعوران وَالْجمع عور وعوران مثل أعمى وَعمي وعميان وأعور لَا ينْصَرف لِأَن فِيهِ علتين فرعيتين من علل تسع وهما الْوَصْف وَوزن الْفِعْل وَقد تقرر فِي كتابي نكت الْهِمْيَان فِي نكت العميان الْكَلَام على امْتنَاع بِنَاء أفعل التَّفْضِيل وأفعل التَّعَجُّب من الألوان والعيوب الظَّاهِرَة وَمن فعل غير الثلاثي وتعليل ذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَة ذَلِك هَهُنَا فَلَا تقل زيد أَعور من عَمْرو وَلَا تقل مَا أعوره بل فلَان أَشد عورا من فلَان وَمَا أقبح عوره وَقَول الْقَائِل أَبيض من
стр. 16
أُخْت بني إباض
وَقَول الآخر
(أما الْمُلُوك فَأَنت الْيَوْم الأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طباخ)
فمحمولان على الشذوذ وَكَذَلِكَ قَوْلهم مَا أعطَاهُ للدرهم وَالدِّينَار وَمَا أولاه للمعروف وَمَا أحوجه من حَاج يحوج حوجا أَي احْتَاجَ وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا فعلوا هَذَا بعد حذف الزِّيَادَة ورد الْفِعْل إِلَى الثلاثي وَهَذَا وَجه حسن وَحكم أفعل بِهِ فِي حكم مَا أَفعلهُ فَلَا تَقول أَعور بِهِ كَمَا لَا تَقول مَا أعوره بل يُقَال أشدد بعوره وَيَسْتَوِي فِي لفظ أفعل بِهِ للمذكر والمؤنث والتثنية وَالْجمع تَقول يَا زيد أكْرم بِعَمْرو وَيَا هِنْد أكْرم بزيد وَيَا رجلَانِ أكْرم بِهِ وَيَا رجال أكْرم بِهِ
كَمَا تَقول مَا أحسن زيدا وَمَا أحسن هندا وَمَا أحسن الرجلَيْن وَمَا أحسن الرِّجَال وَمَا أحسن الهندات كَذَلِك قَالَ أَبُو عبد الله حَمْزَة بن الْحسن المعنون بأفعل حاكيا عَن الْمَازِني أَنه قَالَ قد جَاءَت أحرف كَثِيرَة مِمَّا زَاد فعله على ثَلَاثَة أحرف فأدخلت الْعَرَب عَلَيْهَا التَّعَجُّب فَقَالُوا مَا أتقاه لله ومل أنتنه وَمَا اظلمها وَمَا أضوأها وَمَا أفقره وَمَا أغناه وَإِن كَانَ يُقَال افْتقر
стр. 17
وَاسْتغْنى وَقَالُوا للمستقيم مَا أقومه وَفِي المتمكن مَا أمكنه عِنْد الْأَمِير وَقَالُوا مَا أصوبه وَمَا أخطأه على لُغَة من قَالَ صاب بِمَعْنى أصَاب وخطئت بِمَعْنى أَخْطَأت وَقَالُوا مَا أشغله وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي فعله شغل وَمَا أزهاه وَفعله زهي وَقَالُوا مَا آبله يُرِيدُونَ مَا أَكثر إبِله وَإِنَّمَا يَقُولُونَ تأبل إبِلا إِذا اتخذها وَقَالُوا مَا أبغضه لي وَمَا أحبه إِلَيّ وَمَا أعجبه بِرَأْيهِ وَقَالَ بعض الْعَرَب مَا أملاه للقربة هَذَا مَا حَكَاهُ عَن الْمَازِني ثمَّ قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش لَا يكادون يَقُولُونَ فِي الأرسح مَا أرسحه وَفِي الأسته مَا أستهه قلت الأرسح الْقَلِيل اللَّحْم على الْفَخْذ قَالَ وَسمعت مِنْهُم من يَقُول رسح وسته
وَأَنت أَيهَا الْوَاقِف على هَذَا الْكَلَام تعلم أَن فِي هَذَا الْكَلَام نظرا وَذَلِكَ أَن الحكم بِهَذِهِ الْكَلِمَات كلهَا من الْمَزِيد فِيهِ غير مُسلم لِأَن قَوْلهم مَا أتقاه لله يُمكن أَن يحمل على لُغَة من يَقُول تقاه يتقيه بِفَتْح التَّاء من الْمُسْتَقْبل وسكونها أَيْضا حَتَّى قد قَالُوا التقي بِفَتْح التَّاء وَسُكُون الْقَاف وبنوا مِنْهُ تَقِيّ يَتَّقِي مثل سقى يسْقِي كَمَا قَالَ شعر
(زيادتنا نعْمَان لَا تنسينها ... تق الله فِينَا وَالْكتاب الَّذِي تتلو)
وَقَالَ آخر
(جلاها الصيقلون فأبرزوها ... خفافا كلهَا يَتَّقِي بأثر)
стр. 18
وَقَالَ آخر
(وَلَا أتقي الغيور إِذا رَآنِي ... ومثلي لز بالحمس الربيس)
فَلَمَّا وجدوا مِنْهُ الثلاثي بنوا مِنْهُ أفعل التَّعَجُّب وبنوا مِنْهُ فعيلا كالتقي وَقَوْلهمْ مَا أنتنه إِنَّمَا حملوه على أَنه من بَاب نَتن ينتن نَتنًا وَهِي لُغَة فِي أنتن ينتن فَمن قَالَ فِي فعله نَتن قَالَ فِي الْفَاعِل منتن وَمن قَالَ منتن بناه على أنتن قَالَ فِي فَاعله إِمَّا نَتن بِسُكُون أوسطه مثل صَعب فَهُوَ صَعب أَو نتين مثل ظرف فَهُوَ ظريف
وَقَوْلهمْ مَا أظلمها وأضوأها من هَذَا الْقَبِيل أَيْضا لِأَن ظلم يظلم ظلمَة لُغَة فِي أظلم وَكَذَلِكَ مَا أضوأها يعنون اللَّيْلَة إِنَّمَا هُوَ من ضاء يضيء وَهِي لُغَة فِي أَضَاء يضيء إضاءة وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالتعجب فِي هَذَا على قَاعِدَته وقانونه
وَقَوْلهمْ مَا أفرته فَيجوز أَن يُقَال أَنهم لما وجدوه على فعيل توهموه من بَاب فعل بِضَم الْعين مثل صغر فَهُوَ صَغِير أَو حملوه على ضِدّه فعدوه من بَاب فعل بِكَسْر الْعين كغني فَهُوَ غَنِي كَمَا حملُوا عدوة الله على صديقَة وَذَلِكَ من عَادَتهم أَن يحملوا الشَّيْء على نقيضه كَقَوْلِه
(إِذا رضيت عَليّ بَنو قُشَيْر ... لعمر الله أعجبني رِضَاهَا)
فَعدى رَضِي بعلى لأَنهم قَالُوا فِي ضِدّه سخط عَليّ أَو حملوه على فعيل بِمَعْنى مفعول فَقَالُوا إِنَّه لمكسور الفقار وَإِذا حمل على هَذَا الْوَجْه كَانَ فِي الشذوذ مثله إِذا حمل على افْتقر وَقَوْلهمْ مَا أغناه فَهُوَ على النهج القويم لِأَنَّهُ من
стр. 19
قَوْلهم غَنِي فَهُوَ غَنِي وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى حمله على الشذوذ وَقَوْلهمْ للمستقيم مَا أقومه فقد حملوه على قَوْلهم شَيْء قويم أَي مُسْتَقِيم وَقَامَ بِمَعْنى استقام صَحِيح قَالَ الراجز
(وَقَامَ ميزَان النَّهَار فاعتدل ... )
وَيَقُولُونَ دِينَار قَائِم إِذا لم يزدْ على مِثْقَال وَلم ينقص وَذَلِكَ لِاسْتِقَامَةِ فِيهِ فعلى هَذَا الْوَجْه مَا أقومه غير شَاذ
وَقَوْلهمْ للمتمكن عِنْد الْأَمِير مَا أمكنه إِنَّمَا هُوَ من قَوْلهم فلَان عِنْد الْأَمِير مكين وَله مكانة أَي منزلَة فَلَمَّا رَأَوْا المكانة وَهِي من مصَادر فعل بِضَم الْعين وسمعوا المكين وَهُوَ من نعوت هَذَا الْبَاب نَحْو كرم فَهُوَ كريم وَشرف فَهُوَ شرِيف توهموا أَنه من مكن مَكَانَهُ فَهُوَ مكين مثل متن متانة فَهُوَ متين فَقَالُوا مَا أمكنه وَلَيْسَ توهمهم هَذَا بأغرب من توهم الْمِيم فِي التَّمَكُّن والإمكان والمكانة وَالْمَكَان وَمَا اشتق مِنْهَا أَصْلِيَّة وَجَمِيع هَذَا من الْكَوْن وَهَذَا كَأَنَّهُمْ توهموا الْمِيم فِي الْمِسْكِين أَصْلِيَّة فَقَالُوا تمسكن وَلِهَذَا نَظَائِر
وَقَوْلهمْ مَا أصوبه على لُغَة من يَقُول صاب وَلم يزِيدُوا على هَذَا فقد جَاءَ فِي الْمثل مَعَ الخواطيء سهم صائب لِأَن صاب اسْم فَاعله صائب وَكَانَ من حَقهم أَن لَا يَقُولُوا مَا أصوبه بل يَقُولُونَ مَا أصيبه وَقَوْلهمْ مَا أخطأه فبعض الْعَرَب تَقول خطئت بِمَعْنى أَخْطَأت كَمَا تقدم وَقَوْلهمْ مَا أشغله لَا ريب فِي شذوذه لِأَنَّهُ إِن حمل على الِاشْتِغَال كَانَ شاذا وَإِن حمل على أَنه من الْمَفْعُول فَكَذَلِك وَقَوْلهمْ مَا أزهاه من زهي فَهُوَ مزهو قَالَ ابْن
стр. 20
دُرَيْد زها الرجل يزهو زهوا أَي تكبر وَلَيْسَ هَذَا من بَاب زهي لِأَن مَا لم يسم فَاعله لَا يتعجب مِنْهُ وَبَين مَا أشغله وَمَا أزهاه فرق لِأَن المزهو وَإِن كَانَ مَفْعُولا فِي اللَّفْظ فَهُوَ فِي الْمَعْنى فَاعل لِأَنَّهُ لم يَقع عَلَيْهِ فعل من غَيره كالمشغول الَّذِي شغله غَيره فَلَو حمل مَا أزهاه على أَنه تعجب من الْفَاعِل الْمَعْنَوِيّ لم يكن بذلك بَأْس وَقَوْلهمْ مَا آبله لَيْسَ من الْكَثْرَة فِي شَيْء إِنَّمَا هُوَ تعجب من قَوْلهم أبل الرجل يأبل إبالة مثل قَوْلهم شكس شكاسة فَهُوَ آبل حاذق بمصلحة الْإِبِل وَفُلَان من آبل النَّاس أَي من أَشَّدهم تأنقا فِي رعيه الْإِبِل وَقَوْلهمْ مَا أبله مَعْنَاهُ مَا أحذقه وأعلمه برعي الْإِبِل وَلَيْسَ هُوَ من كَثْرَة الْإِبِل فَلَا يكون هَذَا شاذا فَفِي الأول سَهْو وَهَذَا سَهْو ثَان وَقَوْلهمْ تأبل سَهْو ثَالِث إِذا عنوا بِهِ اتخذ إبِلا لِأَن التأبل إِنَّمَا هُوَ امْتنَاع الرجل من غشيان الْمَرْأَة وَمِنْه الحَدِيث إِن آدم تأبل على ابْنه الْمَقْتُول كَذَا وَكَذَا عَاما وتأبلت الْإِبِل اجتزأت بالرطب عَن المَاء وَالصَّحِيح فِي اقتناء الْإِبِل واتخاذها قَالَ طفيل الغنوي
(فأبل واسترخى بِهِ الْخطب بَعْدَمَا ... أساف وَلَوْلَا سَعْيه لم يؤبل)
أَي لم يكن صَاحب إبل وَلَا اتخذها
وَقَوْلهمْ مَا أبغضه لي ويروى مَا أبغضه إِلَيّ وَبَين الرِّوَايَتَيْنِ فرق بَين وَذَلِكَ إِنَّمَا أبغضه لي يكون من الْمُبْغض أَي مَا أَشد إبغاضي لَهُ وكلا الْوَجْهَيْنِ شَاذ وَكَذَلِكَ مَا أحبه إِلَيّ إِن جعلته من حببته أحبه فَهُوَ حبيب ومحبوب كَانَ شاذا وَإِن جعلته من أحببته فَهُوَ محب
وَقَوْلهمْ مَا أعجبه بِرَأْيهِ هُوَ من الْإِعْجَاب لَا غير يُقَال أعجب فلَان
стр. 21
بِرَأْيهِ على مَا لم يسم فَاعله فَهُوَ معجب وَأما قَول بعض الْعَرَب مَا أملأ الْقرْبَة إِن حَملته على الامتلاء أَو على المملوء كَانَ شاذا واما قَول الْأَخْفَش لَا يكادون يَقُولُونَ فِي الأرسح مَا أرسحه وَفِي الأسته مَا أستهه فَكَلَام مُسْتَقِيم لِأَنَّهُ من الْعُيُوب والخلق قَالَ وَسمعت مِنْهُم من يَقُول رسح وسته فهم لَا يَقُولُونَ مَا أرسحه وَمَا استهه وَالْقَاعِدَة أَنهم إِذا بنوا من فعل يفعل صفة على فعل قَالُوا فِي مؤنثه فعلة نَحْو أَسف فَهُوَ آسَف وَالْمَرْأَة آسفة وسحاب نمر وللمؤنث نمرة وَلم يسمع امْرَأَة رسحة وَلَا ستهه بل قَالُوا رسحاء وستهاء فَهَذَا يدل على أَن الْمُذكر أرسح وأسته
стр. 22
الْمُقدمَة الثَّالِثَة فِيمَا يتَعَلَّق بِحَدِيث الدَّجَّال لكَونه أَعور
الدَّجَّال لُغَة الْكذَّاب قَالَ ثَعْلَب وَقيل الدَّجَّال المموه يُقَال دجل فلَان إِذا موه ودجل الْحق بباطله أَي غطاه وَحكى ابْن فَارس هَذَا الثَّانِي عَن ثَعْلَب أَيْضا الْمَسِيح قد رُوِيَ فِيهِ الْمَسِيح كَمَا يُقَال فِي الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم بِالْمِيم الْمَفْتُوحَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة وَبعدهَا حاء مُهْملَة سمي بِهَذَا لِأَنَّهُ مَمْسُوح الْعين أَي مطموسها وَقيل لِأَنَّهُ أَعور والأعور هُوَ الْمَسِيح وَقيل لِأَنَّهُ يمسح الأَرْض وَقت خُرُوجه وَقيل غير ذَلِك وَرُوِيَ فِيهِ المسيخ بِكَسْر الْمِيم وَالسِّين الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة بدل الْحَاء الْمُهْملَة قَالَه غير وَاحِد كَأَنَّهُ اسْم فَاعل من المسخ وَقَالَ بَعضهم أَنه بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين الْمُهْملَة المخففة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة أخيرا وَمَعْنَاهُ اسْم مفعول من المسخ كَمَا قيل فِي قَتِيل بِمَعْنى مقتول فمسيخ مَعْنَاهُ ممسوخ وَأما مساواته فِي اللَّفْظ الأول للمسيح عِيسَى بن مَرْيَم فَلِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يمسح الأَرْض وَلَكِن ابْن مَرْيَم مسيح هدى والدجال مسيح ضلال وَالْأَحَادِيث فِي ذكر الدَّجَّال فِي كتب
стр. 23
الحَدِيث كَثِيرَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَفِي مُسلم أَكثر وَمَا الْغَرَض هُنَا إِلَّا مَاله تعلق بعوره
وَأَنا الْآن أذكر سندي إِلَى البُخَارِيّ وسندي إِلَى مُسلم ثمَّ أورد مَا جَاءَ فِي صَحِيح كل مِنْهُمَا فَأَقُول أَخْبرنِي الْحَافِظ الرحلة الشَّيْخ الإِمَام فتح الدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن سيد النَّاس الْيَعْمرِي قِرَاءَة عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه الشَّيْخ أبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن مُحَمَّد وَأَنا أسمع بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة بَين القصرين من الْقَاهِرَة المعزية فِي شهر رَمَضَان الْمُعظم سنة ثَمَان وَعشْرين وَسبع مائَة ورؤياه لنا بِحَق سماعهما من الشَّيْخ الْمسند عز الدّين عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن نصر بن مَنْصُور الْحَرَّانِي الْمَعْرُوف بِابْن الصَّقِيل بِسَمَاعِهِ من الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى بن هبة الله بن الرّبيع بِبَغْدَاد سنة ستماية وبإجازته من أبي عَليّ الْحسن بن إِسْحَاق بن موهوب بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْخضر الجواليقي وَمن أبي عبد الله الْحُسَيْن بن الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن يحيى بن الزبيدِيّ وَمن أبي الْحسن عَليّ بن أبي بكر بن عبد الله بن روزيه قَالُوا كلهم اُخْبُرْنَا أَبُو الْوَقْت عبد الأول بن عِيسَى بن شُعَيْب بن إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق السجْزِي الصُّوفِي قِرَاءَة عَلَيْهِ وَنحن نسْمع قَالَ أخبرنَا الإِمَام جمال الْإِسْلَام أَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن المظفر بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن معَاذ بن سهل الداوودي قَالَ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حموية بن أَحْمد بن يُوسُف بن أعين السَّرخسِيّ الْحَمَوِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر بن صَالح بن بشر الغريزي البُخَارِيّ قَالَ أخبرنَا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن برذويه البُخَارِيّ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع عودا على بداء وَأَخْبرنِي الشَّيْخ الإِمَام الْمسند شمس الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن الشَّيْخ محب الدّين مُحَمَّد بن مَمْدُود بن جَامع الْبَنْدَنِيجِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ قِرَاءَة عَلَيْهِ وعَلى الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ الرحلة النَّاقِد فَرد الزَّمَان جمال الدّين أبي الْحجَّاج
стр. 24
يُوسُف ابْن الْمُزَكي عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف الْمزي ﵀ بدار الحَدِيث الأشرفية تَحت قلعة دمشق فِي شهر رَجَب الْمُفْرد سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِحَق سَماع الشَّيْخ الْبَنْدَنِيجِيّ الْمَذْكُور من الشَّيْخ الْمسند أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عمر بن عبد الْكَرِيم بن عبد الْعَزِيز الباديني الْمزي بِبَغْدَاد سنة خمسين وستماية وبحق سَماع الشَّيْخ جمال الدّين الْمزي من الشَّيْخ أَمِين الدّين أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن أبي بكر بن الْقَاسِم بن غنيمَة الأربلي قَالَ الأربلي والباديني مَعًا أخبرنَا الشَّيْخ الْمسند أَبُو الْحسن الْمُؤَيد بن مُحَمَّد بن عَليّ الطوسي قَالَ أخبرنَا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْفضل بن أَحْمد الصاعدي الغراوي قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن عبد الغافر مُحَمَّد بن عبد الغافر الْفَارِسِي قَالَ أخبرنَا أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن عِيسَى بن عمرويه الجلوذي قَالَ أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم مُحَمَّد بن سُفْيَان الْفَقِيه الزَّاهِد قَالَ حَدثنَا الْحَافِظ الإِمَام أَبُو الْحسن مُسلم بن الْحجَّاج بن مُسلم الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي رَحمَه الله تَعَالَى البُخَارِيّ ثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ثَنَا وهيب ثَنَا أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَرَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَعور عين الْيَمين كَأَنَّهَا عنبة طافية ثَنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله إِبْرَاهِيم بن صَالح عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله بن عمر قَالَ قَامَ رَسُول الله فِي النَّاس فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أهل لَهُ ثمَّ ذكر الدَّجَّال فَقَالَ إِنِّي لأنذركموه وَمَا من نَبِي إِلَّا وَقد أنذر قومه وَلَكِنِّي سأقول لكم فِيهِ قولا لم يقلهُ نَبِي لِقَوْمِهِ إِنَّه أَعور وَإِن الله لَيْسَ بأعور // صَحِيح البُخَارِيّ // ثَنَا يحيى بن بكير ثَنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن
стр. 25
سَالم بن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بَينا أَنا نَائِم أَطُوف بِالْكَعْبَةِ فَإِذا رجل آدم سبط الشّعْر ينطف أَو يهراق رَأسه مَاء قلت من هَذَا قَالُوا ابْن مَرْيَم ثمَّ ذهبت ألتفت فَإِذا رجل حسيم أَحْمَر جعد الرَّأْس أَعور الْعين كَأَن عينه عنبة طافية قَالُوا هَذَا الدَّجَّال أقرب النَّاس بِهِ شبها ابْن قطن رجل من خُزَاعَة // صَحِيح البُخَارِيّ // ثَنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ ثَنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بعث نَبِي إِلَّا أنذر أمته الْأَعْوَر الْكذَّاب أَلا إِنَّه أَعور وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور وَإِن بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث قَالَ سَالم قَالَ عبد الله بن عمر فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فِي النَّاس فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ ذكر الدَّجَّال فَقَالَ إِنِّي لأنذركموه مَا من نَبِي إِلَّا وَقد أنذر قومه لقد أنذره نوح قومه وَلَكِن أَقُول لكم فِيهِ قولا لم يقلهُ نَبِي لِقَوْمِهِ تعلمُونَ أَنه أَعور وَأَن الله لَيْسَ بأعور
قَالَ ابْن شهَاب فَأَخْبرنِي عمر بن ثَابت الْأنْصَارِيّ أَنه أخبرهُ بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم حذر النَّاس الدَّجَّال أَنه بَين عَيْنَيْهِ كَافِر يَقْرَؤُهُ من كره عمله أَو يَقْرَؤُهُ كل مُؤمن // صَحِيح البُخَارِيّ // وَقَالَ تعلمُونَ أَنه لن يرى أحد مِنْكُم ربه حَتَّى يَمُوت // سنَن التِّرْمِذِيّ // ثَنَا أَبُو بكر بن أبي شُعْبَة ثَنَا أَبُو أُسَامَة وَمُحَمّد بن بشر قَالَ ثَنَا عبد الله بن نَافِع عَن ابْن عمر وَحدثنَا ابْن نمير وَاللَّفْظ لَهُ ثَنَا مُحَمَّد بن بشر عَن عبد الله عَن نَافِع عَن عبد الله عَن ابْن عمر أَن رَسُول
стр. 26
الله ﷺ ذكر الدَّجَّال بَين ظهراني النَّاس فَقَالَ إِن الله لَيْسَ بأعور أَلا وَإِن الْمَسِيح الدَّجَّال أَعور الْعين الْيُمْنَى كَأَن عينه عنبة طافئة // صَحِيح البُخَارِيّ // ثَنَا أَبُو الرّبيع وَأَبُو كَامِل قَالَا ثَنَا حَمَّاد وَهُوَ ابْن زيد عَن أَيُّوب قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن عمار ثَنَا حَاتِم يَعْنِي ابْن إِسْمَاعِيل عَن مُوسَى بن عقبَة كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَعَن النَّبِي ﷺ بِمثلِهِ ثَنَا مُحَمَّد بن مثنى وَمُحَمّد بن بشار قَالَا ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر ثَنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من نَبِي إِلَّا وَقد أنذر أمته الْأَعْوَر الْكذَّاب أَلا أَنه أَعور وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ كَافِر // صَحِيح مُسلم //
قَالَ وحَدثني زُهَيْر بن حَرْب ثَنَا عَفَّان حَدثنَا عبد الْوَارِث عَن شُعَيْب ابْن الحبحاب عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الدَّجَّال مَمْسُوح الْعين مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ كَافِر ثمَّ تهجاها كفر يَقْرَؤُهُ كل مُسلم // صَحِيح مُسلم //
قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَمُحَمّد بن الْعَلَاء وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ إِسْحَاق أَنبأَنَا وَقَالَ الأخوان ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الدَّجَّال أَعور الْعين الْيُسْرَى جفال الشّعْر مَعَه جنَّة ونار فناره جنَّة وجنته نَار // صَحِيح مُسلم وَسنَن ابْن ماجة // قَالَ ثَنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة ثَنَا يزِيد بن هَارُون عَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ عَن ربعي بن خرَاش عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا أعلم بِمَا مَعَ الدَّجَّال مِنْهُ // زياده من صَحِيح مُسلم // مَعَه نهران يجريان أَحدهمَا رَأْي الْعين مَاء أَبيض وَالْآخر رَأْي الْعين نَار تأجج فإمَّا أدركن أحد فليأت النَّهر الَّذِي يرَاهُ نَارا
стр. 27
وليغمض ثمَّ ليطأطئ رَأسه فيشرب مِنْهُ فَإِنَّهُ مَاء بَارِد وَإِن الدَّجَّال مَمْسُوح الْعين عَلَيْهَا ظفرة غَلِيظَة مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ كَافِر يَقْرَؤُهُ كل مُؤمن كَاتب وَغير كَاتب // صَحِيح مُسلم // ثَنَا مُحَمَّد بن رَافع ثَنَا حُسَيْن بن مُحَمَّد ثَنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أخْبركُم عَن الدَّجَّال حَدِيث مَا حَدثهُ نَبِي قومه إِنَّه أَعور وَإنَّهُ يَجِيء مَعَه مثل الْجنَّة وَالنَّار فالتي يَقُول إِنَّهَا الْجنَّة هِيَ النَّار وَإِنِّي أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ كَمَا أنذر بِهِ نوح قومه // صَحِيح مسل //
حَدثنِي أَبُو خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر حَدثنِي يحيى بن جَابر الطَّائِي قَاضِي حمص حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن أَبِيه جُبَير بن نضير الْحَضْرَمِيّ أَنه سمع النواس بن سمْعَان الْكلابِي وَقَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن مهْرَان الرَّازِيّ وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن يحيى بن جَابر الطَّائِي عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نضير عَن النواس بن سمْعَان قَالَ ذكر رَسُول الله ﷺ الدَّجَّال ذَات غَدَاة فخفض فِيهِ وَرفع حَتَّى ظنناه فِي طَائِفَة النّخل فَلَمَّا رحنا إِلَيْهِ عرف ذَلِك فِينَا فَقَالَ مَا شَأْنكُمْ قُلْنَا يَا رَسُول الله ذكرت الدَّجَّال غَدَاة فخفضت فِيهِ وَرفعت حَتَّى ظنناه فِي طَائِفَة النّخل فَقَالَ غير الدَّجَّال أخوفني عَلَيْكُم إِن يخرج وَأَنا فِيكُم فَأَنا حجيجه دونكم وَإِن يخرج وَلست فِيكُم فامرؤ حجيج نَفسه وَالله خليفتي على كل مُسلم إِنَّه شَاب قطط عينه طافئة كَأَنِّي أشبهه بِعَبْد الْعُزَّى بن قطن فَمن أدْركهُ مِنْكُم فليقرأ عَلَيْهِ فواتح سُورَة الْكَهْف
стр. 28
إِنَّه خَارج خلة بَين الشَّام وَالْعراق فعاث يَمِينا وعاث شمالا يَا عباد الله فاثبتوا قُلْنَا يَا رَسُول الله وَمَا لبثه فِي الأَرْض قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْم كَسنة وَيَوْم كشهر وَيَوْم كجمعة وَسَائِر أَيَّامه كأيامكم قُلْنَا يَا رَسُول الله فَذَلِك الْيَوْم الَّذِي كَسنة أتكفينا فِيهِ صَلَاة يَوْم قَالَ لَا اقدروا لَهُ قدره قُلْنَا يَا رَسُول الله وَمَا إسراعه فِي الأَرْض قَالَ كالغيث استدبرته الرّيح فَيَأْتِي على الْقَوْم فيدعوهم فيؤمنون بِهِ ويستجيبون لَهُ فيأمر السَّمَاء فتمطر وَالْأَرْض فتنبت فتروح عَلَيْهِم سارحتهم أطول مَا كَانَت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ثمَّ يَأْتِي الْقَوْم فيدعوهم فيردون عَلَيْهِ قَوْله فَيَنْصَرِف عَنْهُم فيصبحون ممحلين لَيْسَ بِأَيْدِيهِم من أَمْوَالهم شَيْء ويمر بالخربة فَيَقُول لَهَا أَخْرِجِي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النّخل ثمَّ يَدْعُو رجلا ممتلئا شبَابًا فيضربه بِالسَّيْفِ فيقطعه جزلتين رمية الْغَرَض ثمَّ يَدعُوهُ فَيقبل ويتهلل وَجهه ويضحك فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ بعث الله الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم فَينزل عِنْد المنارة الْبَيْضَاء شَرْقي دمشق بَين مهرودتين وَاضِعا كفيه على أَجْنِحَة ملكَيْنِ إِذا طأطأ رَأسه قطر وَإِذا رَفعه تحدر مِنْهُ جمان كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يحل لكَافِر يجد ريح نَفسه إِلَّا مَاتَ وَنَفسه يَنْتَهِي حَيْثُ طرفه فيطلبه حَتَّى يُدْرِكهُ بِبَاب لد فيقتله ثمَّ يَأْتِي عِيسَى قوم قد عصمهم الله مِنْهُ فيمسح عَن وُجُوههم ويحدثهم بدرجاتهم فِي الْجنَّة فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أوحى الله إِلَى عِيسَى إِنِّي قد أخرجت عبادا لي لَا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبَادي إِلَى الطّور وَيبْعَث الله يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون مَا فِيهَا ويمر آخِرهم
стр. 29
فَيَقُول لقد كَانَ بِهَذِهِ مرّة مَاء ويحصر نَبِي الله عِيسَى وَأَصْحَابه حَتَّى يكون رَأس الثور لأَحَدهم خيرا من مائَة دِينَار لأحدكم الْيَوْم فيرغب نَبِي الله وَأَصْحَابه فَلَا يَجدونَ فِي الأَرْض مَوضِع شبر إِلَّا ملأَهُ زهمهم فيرغب نَبِي الله وَأَصْحَابه فَيُرْسل الله عَلَيْهِم النغف فِي رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس وَاحِدَة ثمَّ يهْبط عِيسَى وَأَصْحَابه إِلَى الأَرْض فَلَا يَجدونَ فِي الأَرْض مَوضِع شبر إِلَّا ملأَهُ زهمهم ونتنهم فيرغب نَبِي الله عِيسَى وَأَصْحَابه إِلَى الله فَيُرْسل الله إِلَيْهِم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حَيْثُ شَاءَ الله ثمَّ يُرْسل الله مَطَرا لَا يكن مِنْهُ بَيت مدر وَلَا وبر فَيغسل الأَرْض حَتَّى يَتْرُكهَا كالزلفة ثمَّ يُقَال للْأَرْض أنبتي ثمرتك وردي بركتك فَيَوْمئِذٍ تَأْكُل الْعِصَابَة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك فِي الرُّسُل حَتَّى إِن اللقحة من الْإِبِل لتكفي الفآم من النَّاس واللقحة من الْبَقر لتكفي الْقَبِيلَة من النَّاس واللقحة من الْغنم لتكفي الْفَخْذ من النَّاس فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ بعث الله ريحًا طيبَة فتأخذهم تَحت آباطهم فتقبض روح كل مُؤمن وكل مُسلم
وَيبقى شرار النَّاس يتهارجون فِيهَا تهارج الْحمر فَعَلَيْهِم تقوم السَّاعَة // صَحِيح مُسلم //
قَالَ حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد السَّعْدِيّ ثَنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر والوليد بن مُسلم قَالَ ابْن حجر دخل حَدِيث أَحدهمَا فِي حَدِيث الآخر عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحْو مَا ذكرنَا وَزَاد بعد
стр. 30
قَوْله لقد كَانَ بِهَذِهِ مرّة مَاء ثمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى ينْتَهوا إِلَى جبل الْخمر وَهُوَ جبل بَيت الْمُقَدّس فَيَقُولُونَ لقد قتلنَا من فِي الأَرْض هَلُمَّ فلنقتل من فِي السَّمَاء فيرمون بنشابهم إِلَى السَّمَاء فَيرد الله عَلَيْهِم نشابهم مخضوبة دَمًا وَفِي رِوَايَة ابْن حجر فَإِنِّي قد أنزلت عبادا لي لَا يَدي لأحد بقتالهم فهاتان القطعتان جملَة مَا فِي صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم فِي ذكر الدَّجَّال مِمَّا فِيهِ ذكر عينه وعوره وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة تتَعَلَّق بالدجال غير مَا فِي هَاتين القطعتين وَقد جَاءَ ذكره أَيْضا فِي غير البُخَارِيّ وَمُسلم من ذَلِك عَن أبي بن كَعْب قَالَ ذكر الدَّجَّال عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا زجاجة خضراء وتعوذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر وَأخرج ابْن ماجة من حَدِيث أبي أُمَامَة مطولا فَخرج الملعون من نَاحيَة أَصْبَهَان من قَرْيَة يُقَال لَهَا الْيَهُودِيَّة وَهُوَ رَاكب حمارا أنبر يشبه الْبَغْل مَا بَين أُذُنِي حِمَاره أَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَمن نعت الدَّجَّال انه عَظِيم الْخلقَة طَوِيل الْقَامَة جسيم أَجْعَد قطط أَعور الْعين الْيُمْنَى كَأَنَّهَا لم تخلق وعينه الْأُخْرَى ممزوجة بِالدَّمِ وَبَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب يقرأه كل مُؤمن بِاللَّه وَذكر أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ثَنَا الحوج بن نَبَاته قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنَّه لم يكن نَبِي إِلَّا وَقد أنذر أمته الدَّجَّال أَلا وَإنَّهُ اعور الْعين الشمَال وباليمنى ظفرة غَلِيظَة بَين عَيْنَيْهِ كَافِر الحَدِيث // صَحِيح مُسلم وَسنَن التِّرْمِذِيّ //
стр. 31
وَخرج أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنِّي كنت حدثتكم عَن الْمَسِيح الدَّجَّال حَتَّى خشيت أَن لَا تعقلوا أَن الْمَسِيح الدَّجَّال قصير أفحح جعد أَعور مطموس الْعين لَيست بناتئة وَلَا جحراء فَإِن ألبس عَلَيْكُم فأعلموا أَن ربكُم لَيْسَ بأعور // سننن أبي دَاوُد //
تَفْسِير غَرِيب مَا جَاءَ فِي هَذِه الْأَحَادِيث وضبطها
طافئة رُبمَا جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَحدهمَا طافئة وَالْأُخْرَى طافية فيظن أَن ذَلِك تنَاقض وَلَا تنَاقض فِيهِ لِأَن أَحدهمَا مَهْمُوزَة الْيَاء وَمَعْنَاهُ لَا نور فِيهَا كَأَنَّهَا طفئت من أطفأت النَّار وَثَانِيهمَا مُخَفّفَة بِغَيْر همز وَمَعْنَاهُ ناتئة من طفا الشَّيْء يطفو فَوق المَاء إِذا علا وَلم يرسب وَيكون الْمَعْنى أَن الْوَاحِدَة لَا ضوء فِيهَا وَلَا نور وَالْأُخْرَى ناتئة إِلَى فَوق كالعنبة
آدم الْأدم من النَّاس الأسمر الَّذِي يعلوه حمرَة
سبط الشّعْر أَي مسترسل الشّعْر غير جعد يُقَال رجل سبط الشّعْر بِكَسْر الْبَاء سبط الْجِسْم بِسُكُون الْبَاء وَيُقَال سبط الشّعْر بِفَتْح الْبَاء أَيْضا
ينطف بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسرهَا مَعْنَاهُ يسيل وَلَيْلَة نطوف تمطر إِلَى الصَّباح
стр. 32
ويهراق بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهَاء وَبعدهَا رَاء وَألف وقاف يُقَال هراق المَاء يهريقه إِذا صبه
مَمْسُوح الْعين أَي هِيَ مستوية بِوَجْهِهِ كَأَنَّهَا مطموسة ملساء
يُطَأْطِئ طأطأت رَأسه بهمزتين إِذا تطامن والطأطأ مَمْدُود مَهْمُوز مَا انخفض من الأَرْض
جفال بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْفَاء وَبعد الْألف لَام أَي كثير الشّعْر
فليغمس غمسه فِي المَاء أَي مقله فِيهِ وانغمس فِي المَاء واغتمس بِمَعْنى
ظفرة بالظاء الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَالْفَاء الْمَفْتُوحَة وَبعدهَا رَاء وهاء وَهِي جليدة تغشى الْعين نابتة من الْجَانِب الَّذِي يَلِي الْأنف على بَيَاض الْعين إِلَى سوادها وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا ظفرة وَقد ظَفرت عينه بِكَسْر الْفَاء تظفر بِفَتْح الْفَاء ظفرا
فخفض فِيهِ وَرفع هُوَ بتَشْديد الْفَاء فِي اللفظتين وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ
أَحدهمَا أَن خفضه بِمَعْنى حقره وَقَوله رَفعه أَي عظمه وفخمه فَمن
стр. 33
تحقيره وإهوانه ﷺ الدَّجَّال أَنه قَالَ إِنَّه أَعور وَفِي بعض الْأَحَادِيث هُوَ أَهْون على الله تَعَالَى من ذَلِك وَأَنه لَا يقدر على قتل أحد إِلَّا ذَلِك الرجل ثمَّ يعجز عَنهُ ويضمحل أمره بعد ذَلِك هُوَ وَأَتْبَاعه وَمن تفخيمه إِيَّاه وتعظيم الْفِتْنَة بِهِ هَذِه الْأُمُور الخارقة للْعَادَة والإنذار بِهِ من الْأَنْبِيَاء وللأمم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
وَالْوَجْه الثَّانِي أَنه خفض من صَوته فِي حَال التَّكَلُّم لِكَثْرَة مَا تكلم فِيهِ فخفض بعد طول الْكَلَام والتعب ليستريح ثمَّ رفع صَوته ليبلغ النَّاس بلاغا كلَاما
طَائِفَة النّخل أَي جمَاعَة النّخل الملتفة
حجيجه حاجه فحجه إِذا غَلبه بِالْحجَّةِ القاطعة فَكَأَنَّهُ ﷺ إِن جَاءَ الدَّجَّال وَقَالَ أَنا ربكُم قَالَ لَهُ إِن رَبنَا لَيْسَ بأعور وحاجه أَي قطعه وغلبه بِالْحجَّةِ الباهرة فَيكون حِينَئِذٍ حجيجه وَإِن لم يَأْتِ فِي زَمَانه ﷺ فَكل امْرِئ حجيج نَفسه أَي يُجَادِل بِالْحجَّةِ عَن نَفسه
قطط قطط شعره بِكَسْر الطَّاء الأولى وَهُوَ أحد مَا جَاءَ فِي الأَصْل بِإِظْهَار التَّضْعِيف أَي اشتدت جعودة شعره تَقول جعد قطط وَرجل قطّ الشّعْر وقطط بِمَعْنى
خَارج خلة قَالَ الشَّيْخ النَّوَوِيّ ﵀ هَكَذَا هُوَ فِي نسخ بِلَادنَا خلة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وتنوين الْهَاء
стр. 34
قَالَ وَقَالَ القَاضِي الْمَشْهُور حلَّة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَنصب التَّاء يَعْنِي غير منونة قيل مَعْنَاهُ سمت ذَلِك وقبالته وَفِي كتاب الْعين الْحلَّة مَوضِع حزن وضجور قَالَ رَوَاهُ بَعضهم حلّه بِضَم اللَّام وبهاء الضَّمِير أَي نُزُوله وحلوله قَالَ وَكَذَا ذكره الْحميدِي فِي الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ قَالَ وَذكره الْهَرَوِيّ خله بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة وَفَسرهُ بِأَنَّهُ مَا بَين البلدين وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدّين ﵀ وَهَذَا الَّذِي عَن الْهَرَوِيّ هُوَ الْمَوْجُود فِي نسخ بِلَادنَا وَهُوَ الَّذِي رَجحه صَاحب نِهَايَة الْغَرِيب وَفَسرهُ بِالطَّرِيقِ بَينهمَا
فعاث يَمِينا وعاث شمالا العيث بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة الْفساد يُقَال عاث الذِّئْب فِي الْغنم وَحكى القَاضِي عِيَاض ﵀ أَن بَعضهم رَوَاهُ فعاث يَمِينا بِكَسْر الثَّاء منونة اسْم فَاعل وَهُوَ بِمَعْنى الأول
لبثه بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْبَاء ثَانِيَة الْحُرُوف وَبعدهَا ثاء مُثَلّثَة هُوَ الْمكْث وَالْإِقَامَة وَقد لبث يلبث على غير قِيَاس وَقد جَاءَ فِي الشّعْر لبثا بِالتَّحْرِيكِ قَالَ الشَّاعِر
(وَقد أكون على الْحَاجَات ذَا لبث ... وأحوذيا إِذا انْضَمَّ الذعاليب)
اقدروا لَهُ قدره قدرت على الشَّيْء أقدره بِكَسْر الدَّال وَضمّهَا
стр. 35
قدره بِضَم الْقَاف وَكسرهَا وَقدره بِكَسْر الدَّال لُغَة فِيهِ وَمعنى ذَلِك قدر لَهُ تَقْديرا وَسَيَأْتِي الْكَلَام على ذَلِك فِيمَا بعد
إسراعه الْإِسْرَاع بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة مصدر أسرعت فِي السّير إسراعا أَي عجلت
سارحتهم السارحة هِيَ الْمَاشِيَة الَّتِي تذْهب أول النَّهَار إِلَى
ذرى بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة هِيَ الأعالي والأسنمة وَهُوَ جمع ذرْوَة وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ وَقد تكسر الذَّال
وأسبغه بِالسِّين الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة أَي أطوله ثوب سابغ أَي كَامِل واف وأسبغ الله عَلَيْهِ نعْمَته أَي أتمهَا
ضروعا بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة جمع ضرع والضرع لكل ذَات ظلف أَو خف كالثدي للْمَرْأَة
خواصر الخاصرة الشاكلة وَهِي الطفطفة وَهِي الْجلْدَة الأولى الَّتِي لَا عظم تحتهَا من الأضلاع
يعاسيب جمع يعسوب بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالْعين الْمُهْملَة الساكنة وَالسِّين الْمُهْملَة المضمومة وَسُكُون الْوَاو وَالْبَاء ثَانِيَة الْحُرُوف على وزن يَعْقُوب واليعسوب ذكر النَّحْل قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ ﵀ هَكَذَا فسره ابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ قَالَ وَقَالَ القَاضِي المُرَاد جمَاعَة النَّحْل إِلَّا ذكورها خَاصَّة لكنه كنى عَن الْجَمَاعَة باليعسوب وَهُوَ أميرها لِأَنَّهُ مَتى طَار تَبعته جماعته
стр. 36
قلت تَفْسِير ابْن قُتَيْبَة أولى لِأَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ أَن الْكُنُوز تتبعه أَي تسير خَلفه طائرة كيعاسيب النَّحْل لِأَنَّهَا أَشد طيرانا من إناث النَّحْل
جزلتين هُوَ تَثْنِيَة جزلة بِالْجِيم وَالزَّاي وَاللَّام وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وَحكى ابْن دُرَيْد كَسره والجزل الْقطع أَي قطعه قطعتين
رمية الْغَرَض الْغَرَض الهدف وَمَعْنَاهُ قطعه قطعتين وَيجْعَل بَين كل قِطْعَة مِقْدَار رمية الهدف وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمَشْهُور قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ وَحكى القَاضِي هَذَا ثمَّ قَالَ وَعِنْدِي أَن فِيهِ تَقْدِيمًا وتأخيرا وَتَقْدِيره فَيُصِيبهُ إِصَابَة رمية الْغَرَض فيقطعه جزلتين قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ وَالصَّحِيح الأول قلت سِيَاق الْكَلَام يُؤَيّد مَا صَححهُ الشَّيْخ محيي الدّين لِأَن الدَّجَّال يَأْمر بذلك الْمُؤمن فينشر بِالْمِنْشَارِ من مفرقه حَتَّى يفرق بَين رجلَيْهِ ثمَّ يمشي الدَّجَّال بَين القطعتين ثمَّ يَقُول لَهُ قُم فيستوي قَائِما على مَا فِي صَحِيح مُسلم وَرَوَاهُ غَيره فَإِذا قطعه قطعتين بَينهمَا رمية الْغَرَض كَانَ أبلغ ليشاهد النَّاس فصل جِسْمه فَيكون إحياؤه بعد ذَلِك أبلغ وَذَلِكَ التَّقْدِير الَّذِي قدره القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى مَا فِيهِ هَذِه الْمُبَالغَة لِأَنَّهُ قَالَ فيقطعه قطعتين لَا غير وَلَا شكّ أَن الأول
стр. 37
أبلغ فِي الْفِتْنَة بِهِ
مهرودتين أَكثر مَا يَقع فِي النّسخ بإبدال الْمُهْملَة والمهرود الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالورس ثمَّ بالزعفران وَقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة وَبَعْضهمْ رَوَاهُ مهروذتان بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة والوجهان مشهوران للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من أهل اللُّغَة والغريب وَغَيرهم
جمان بِالْجِيم وَالْمِيم وَبعد الْألف نون ومخفف الْجِيم حبات من الْفضة يصنع خرزا كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَار
فَلَا يحل الرِّوَايَة بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَرَوَاهُ بَعضهم بِضَم الْحَاء وَهُوَ وهم وَغلط
نَفسه بِفَتْح الْفَاء وَمَعْنَاهُ لَا يحل لكَافِر يجد ريح نَفسه إِلَّا مَاتَ لَا يكن وَلَا يَقع قَالَ القَاضِي عِيَاض مَعْنَاهُ عِنْدِي حق وواجب
يمسح عَن وُجُوههم قَالَ القَاضِي عِيَاض يحْتَمل أَن هَذَا الْمسْح حَقِيقَة تبركا وَبرا وَيحْتَمل أَن يكون إِشَارَة إِلَى كشف مَا بهم من الشدَّة وَالْخَوْف
فحرز أَي ضمهم إِلَى الطّور واجعله لَهُم حرْزا وَوَقع فِي بعض النّسخ فحزب بالزاي وَالْبَاء ثَانِيَة الْحُرُوف أَي اجمعهم واجعلهم حزبا وَرُوِيَ أَيْضا فحوز بِالْوَاو
стр. 38
وَالزَّاي مَعْنَاهُ نحهم وأزلهم عَن طريقهم إِلَى الطّور
والحدب بتحريك الدَّال الْمُهْملَة النشر
يَنْسلونَ مَعْنَاهُ يَمْشُونَ مُسْرِعين
النغف بِفَتْح النُّون والغين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَبعدهَا فَاء هُوَ دود يكون فِي أنوف الْإِبِل وَالْغنم الْوَاحِدَة نغفة
فرسى بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح السِّين الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ جمع فريس من الفريسة كقتلى وقتيل
زهمهم هُوَ بِفَتْح الزَّاي وَالْهَاء والزهومة رَائِحَة الدسم الكريهة
الْمدر بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ الطين الصلب
كالزلقة رُوِيَ بِفَتْح الزَّاي وَاللَّام وبالقاف وَرُوِيَ بِضَم الزَّاي وَسُكُون اللَّام وبالفاء وَالْقَاف وبفتح اللَّام وكل ذَلِك صَحِيح وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ثَعْلَب وابو زيد وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ كَالْمَرْأَةِ فِي صفاتها ونظافتها وَقيل مَعْنَاهُ كمصانع المَاء أَي أَن المَاء يستنقع فِيهَا حَتَّى تصير الأَرْض كالمصنع الَّذِي يجْتَمع فِيهِ المَاء قَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْنَاهُ كالإجاثة الخضراء وَقيل كالصفحة وَقيل كالروضة
الْعِصَابَة الْجَمَاعَة من النَّاس
بقحفها قحفها بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة مقعر قشر الرمانة شبهت بِقحْفِ الرَّأْس وَهُوَ الَّذِي فَوق الدِّمَاغ وَقيل هُوَ مَا انْفَلق من الجمجمة وانفصل
стр. 39
الرُّسُل بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَبعدهَا لَام هُوَ اللَّبن
اللقحة بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا وَالْكَسْر أشهر وَسُكُون الْقَاف وَبعدهَا حاء مُهْملَة هِيَ النَّاقة أَو الْبَقَرَة أَو غَيرهَا الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ
الفيأم بِكَسْر الْفَاء وَبعدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وَألف وَمِيم وَالْألف مَهْمُوزَة هِيَ الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة وَمِنْهُم من لَا يجوز الْهَمْز وَحكى الْخطابِيّ أَن بَعضهم ذكره بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء وَهُوَ غلط فَاحش
الْفَخْذ الْجَمَاعَة من الْأَقَارِب وهم دون الْبَطن والبطن دون الْقَبِيلَة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ قَالَ ابْن فَارس الْفَخْذ هُنَا بِإِسْكَان الْخَاء لَا غير بِخِلَاف الْعُضْو فَإِنَّهُ يكسر ويسكن
يتهارجون تهارج الْحمر الْهَرج بِإِسْكَان الرَّاء الْجِمَاع يُقَال هرج زَوجته أَي جَامعهَا يهرجها بِفَتْح الرَّاء وَمَعْنَاهُ يتناكحون عَلَانيَة بِحَضْرَة النَّاس كَمَا تفعل الْحمير
الْخمر هُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم وَبعدهَا رَاء مُهْملَة قد فسر فِي نفس الحَدِيث
أنبر نبرت الشَّيْء أنبره بِكَسْر الْبَاء نبرا رفعته وَمِنْه سمي الْمِنْبَر فَقَوله وَهُوَ رَاكب حمارا أنبر يشبه الْبَغْل كَأَنَّهُ يصفه بالعلو والارتفاع
الْكَلَام على مَعَاني هَذِه الْأَحَادِيث
قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا مُسلم وَغَيره فِي
стр. 40
قصَّة الدَّجَّال حجَّة لمَذْهَب أهل الْحق فِي صِحَة وجوده وَأَنه شخص بِعَيْنِه ابتلى الله تَعَالَى بِهِ عباده وأقدره على أَشْيَاء من مقدوراته من إحْيَاء الْمَيِّت الَّذِي يقْتله وَمن ظُهُور زهرَة الدُّنْيَا وَالْخصب الَّذِي مَعَه وجنته وناره وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض لَهُ وَأمره السَّمَاء أَن تمطر فتمطر وَالْأَرْض أَن تنْبت فتنبت فَيَقَع كل ذَلِك بقدرة الله ومشيئته ثمَّ يعجزه الله تَعَالَى بعد ذَلِك فَلَا يقدر على قتل ذَلِك الرجل الَّذِي قَتله وَلَا غَيره فَيبْطل أمره ويقتله عِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَيثبت الله الَّذين آمنُوا
هَذَا مَذْهَب أهل السّنة وَجَمِيع الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والنظار خلافًا لمن أنكرهُ وأبطل أمره من الْخَوَارِج والجهمية وَبَعض الْمُعْتَزلَة وموافقيهم من الْجَهْمِية وَغَيرهم فِي أَنه صَحِيح الْوُجُود وَلَكِن الَّذِي زَعَمُوا مُخَارق وخيالات لَا حقائق لَهَا وَزَعَمُوا أَنه لَو كَانَ حَقًا لم يوثق بمعجزات الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَهَذَا غلط من جَمِيعهم لِأَنَّهُ لم يدع النُّبُوَّة فَيكون مَا مَعَه كالتصديق لَهُ وَإِنَّمَا يَدعِي الإلهية وَهُوَ فِي نفس دَعْوَاهُ مكذب لَهَا بِصُورَة حَاله وَوُجُود دَلَائِل الْحُدُوث فِيهِ وَنقص صورته وعجزه عَن إِزَالَة العور الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ وَعَن إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ ولهذه الدَّلَائِل وَغَيرهَا لم يغتر بِهِ إِلَّا رعاع من النَّاس لشدَّة الْحَاجة والفاقة رَغْبَة فِي سد الرمق أَو تقية وخوفا من أَذَاهُ لِأَن فتنته عَظِيمَة جدا تدهش الْعُقُول وتحير الْأَلْبَاب مَعَ سرعَة مروره فِي الأَرْض فَلَا يمْكث بِحَيْثُ يتَأَمَّل الضُّعَفَاء حَاله وَدَلَائِل الْحُدُوث فِيهِ وَالنَّقْص فيصدقه من يصدقهُ فِي هَذِه الْحَالة وَلِهَذَا حذرت الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ من فتنته ونبهوا على نَقصه وَدَلَائِل إِبْطَاله وَأما أهل التَّوْفِيق فَلَا يغترون بِهِ وَلَا ينخدعون بِمَا مَعَه لما ذَكرْنَاهُ من الدَّلَائِل المكذبة لَهُ مَعَ مَا سبق لَهُم من الْعلم بِحَالهِ وَلِهَذَا يَقُول لَهُ الَّذِي يقْتله ثمَّ يحييه مَا ازددت فِيك إِلَّا بَصِيرَة قلت
следующие страницы →