Полный текст (228 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَكَانَ ظريفا مطبوعا شَاعِرًا محسنا فصيحا مفوها فَقِيها وافر اللِّحْيَة توفّي ﵀ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ قَالَ النَّسَائِيّ ثِقَة وَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي دخل سوار القَاضِي على مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنِّي قد جِئْت فِي حَاجَة رفعتها إِلَى الله قبل رَفعهَا إِلَيْك فَإِن قضيتها حمدنا الله وشكرناك وَإِن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك فَقضى جَمِيع حَوَائِجه
قَالَ أَحْمد بن المعذل كَانَ سوار بن عبد الله قد خامر قلبه شَيْء من الوجد فَقَالَ
(سلبت عِظَامِي لَحمهَا فتركتها ... عواري فِي أجلادها تتكسر)
(وأخليت مِنْهَا مخها فَكَأَنَّهَا ... قَوَارِير فِي أجوافها الرّيح تصفر)
(خذي بيَدي ثمَّ اكشفي الثَّوْب تنظري ... بِي الضّر إِلَّا أنني أتستر)
стр. 107
(وَلَيْسَ الَّذِي يجْرِي من الْعين مَاؤُهَا ... وَلكنهَا نفس تذوب فتقطر)
قلت وَقد رزقت هَذِه الأبيات سَعَادَة واشتهرت بَين الأدباء وضمنها الشُّعَرَاء فِي أغراض كَثِيرَة من الْأَوْصَاف فضمنوها فِي الشبابة وَفِي الْورْد وَفِي الشمعة وَفِي الفانوس وَغير ذَلِك وأوردها أَبُو تَمام الطَّائِي فِي الحماسة فِي بَاب الشيب وَكَانَ القَاضِي سوار ﵀ أَعور
стр. 108
حرف الشين الْمُعْجَمَة
٢٨ - شَرْقي بن قطامي
هُوَ الْوَلِيد بن حُصَيْن بن جمال بن حبيب بن جَابر بن مَالك بن عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس بن النُّعْمَان بن عَامر بن عبدود بن عَوْف يَنْتَهِي إِلَى الحاف بن قضاعة كَانَ عَلامَة نسابة إخباريا إِلَّا أَنه كَانَ ضَعِيفا فِي رِوَايَته وَكَانَ أَعور من أهل الْكُوفَة وكنيته أَبُو الْمثنى وَكَانَ لَا يشرب من النَّبِيذ إِلَّا قدحا وَاحِدًا حدث عَنهُ ابْن دُرَيْد فِيمَا رَفعه إِلَى ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ كنت عِنْد الشَّرْقِي الْقطَامِي فَقَالَ من يعرف مِنْكُم أَسد بن عبد منَاف بن شيبَة بن عَمْرو بن الْمُغيرَة بن زيد وَهُوَ من أشرف النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا مَا نعرفه فَقَالَ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ كَانَت أمه سمته أسدا وَأَبوهُ غَائِب لما وَلدته وَاسم أبي طَالب عبد منَاف وَاسم عبد الْمطلب شيبَة وَاسم هَاشم عَمْرو وَاسم عبد منَاف الْمُغيرَة وَاسم قصي زيد
وَقَالَ الشَّرْقِي دخلت على الْمَنْصُور فَقَالَ يَا شَرْقي علام يزار الْمَرْء فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على خلال أَربع على مَعْرُوف سلف وَمثله يؤتنف أَو قديم شرف أَو علم مطرف قَالَ غَيره قلت مَا وَرَاء ذَلِك فولوع وكلف
стр. 109
حرف الصَّاد الْمُهْملَة
٢٩ - صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي أَبُو سُفْيَان وَأَبُو حَنْظَلَة الْقرشِي الْأمَوِي وَالِد مُعَاوِيَة ﵄ شهد الطَّائِف مَعَ رَسُول الله ﷺ وَرمي يَوْم ذَلِك فأصيبت عينه وَأُصِيبَتْ عينه الْأُخْرَى يَوْم اليرموك تَحت راية ابْنه مُعَاوِيَة فَلذَلِك ذكر مُسْتَوْفيا تَرْجَمته فِي كتابي نكت الْهِمْيَان فِي نكت العميان فليوقف عَلَيْهِ هُنَاكَ
٣٠ - صَدَقَة بن الْحُسَيْن بن أَحْمد ين مُحَمَّد بن وَزِير أَبُو الْحسن الْوَاعِظ
من أهل خراسابور من نواحي وَاسِط كَانَ وَالِده مقدما بِتِلْكَ النَّاحِيَة وَترك هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالِده وَطلب الْعلم وتزهد وسلك طَرِيق الْفقر والتجريد وَلبس الخشن وَقَرَأَ بالروايات على شُيُوخ وَاسِط كَأبي الْفَتْح الْحداد وَأبي يعلى بن بَرَكَات وَعبد السَّمِيع الْهَاشِمِي وَسمع الْكثير وَكتب بِخَطِّهِ وَتكلم بالوعظ على النَّاس وانتقل إِلَى بَغْدَاد وسكنها إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ مخلا وَمَا مَاتَ حَتَّى ذهبت عينه
стр. 110
الْأُخْرَى وَكَانَ يمْتَنع من المداواة وَمن شعره
(أوصيك يَا عَم خيرا مَا اسْتَطَعْت فَمَا ... يبْقى عَلَيْك سوى مَا أَنْت عَامله)
(لَا المَال يدْفع بَأْسا إِن أَتَاك وَلَا ... يرد عَنْك الردى مَا أَنْت فَاعله)
(فامهد لنَفسك قبل الْمَوْت مُجْتَهدا ... فعاجل الْمَوْت فِي التَّحْقِيق آجله)
(هداك رَبك للتقوى وبصرك الرشاد ... وانزاح عَن معناك باطله)
(وَلست أعدل عَن قومِي وَإِن عدلوا ... عني وَشر فريق الْحق عادله)
(وَإِنَّمَا عدلهم عني لجهلهم ... وَفِي الحَدِيث عَدو الشَّيْء جاهله)
стр. 111
حرف الضَّاد الْمُعْجَمَة
٣١ - الضَّحَّاك وَيُقَال صَخْر وَيُقَال الْحَرْث وَيُقَال حُصَيْن بن قيس بن مُعَاوِيَة أَبُو بَحر السَّعْدِيّ التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بالأحنف سيد أهل الْبَصْرَة الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْحلم وَالْوَقار أدْرك عصر النَّبِي ﷺ وَلم يره وروى عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَالْعَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأبي ذَر وَأبي بكرَة وروى عَنهُ الْحسن وَعُرْوَة وطلق بن حبيب وَغَيرهم وَشهد صفّين أَمِيرا مَعَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَقدم على مُعَاوِيَة فِي خِلَافَته وَاجْتمعَ بِأبي ذَر فِي الْقُدس وَقيل فِي مَسْجِد دمشق وَقيل فِي مَسْجِد حمص وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا قَلِيل الحَدِيث وَتُوفِّي ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين لِلْهِجْرَةِ وروى لَهُ الْجَمَاعَة كلهم وَكَانَ صديقا لمصعب بن الزبير فوفد عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ يَوْمئِذٍ وَال عَلَيْهَا فَتوفي عِنْده فرؤي مُصعب يمشي فِي جنَازَته بِغَيْر رِدَاء
وَكَانَ أحنف الرجلَيْن مَعًا ضئيلا صعل الرَّأْس متراكب الْأَسْنَان مائل الذقن خَفِيف العارضين أَعور فَإِذا تكلم جلا عَن نَفسه وَلم تكن لَهُ
стр. 112
إِلَّا بَيْضَة وَاحِدَة وَكَانَت أمه ترقصه وَتقول
(وَالله لَوْلَا حنف بِرجلِهِ ... وَقلة أخافها من نَسْله)
(مَا كَانَ فِي فتيانكم من مثله ... )
وَهُوَ الَّذِي فتح مرو الروذ وَكَانَ الْحسن وَابْن سِيرِين فِي جَيْشه وَبعث النَّبِي ﷺ رجلا من بني لَيْث إِلَى بني سعد رَهْط الْأَحْنَف فَجعل يعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام فَقَالَ الْأَحْنَف إِنَّه يَدْعُو إِلَى خير وَيَأْمُر بِخَير وَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للأحنف وَبعث عمر بن الْخطاب ﵁ الْأَحْنَف على جَيش قبل خُرَاسَان فبيتهم الْعَدو وَفرقُوا جيوشهم وَكَانَ الْأَحْنَف مَعَهم فَفَزعَ النَّاس وَكَانَ أول من ركب الْأَحْنَف وَمضى نَحْو الصَّوْت وَهُوَ يَقُول
(إِن على كل رَئِيس حَقًا ... أَن يخضب الصعدة أَو تندقا)
ثمَّ حمل على صَاحب الطبل فَقتله وَانْهَزَمَ الْعَدو فَقَتَلُوهُمْ وغنموا وفتحوا مرو الروذ ثمَّ سَار إِلَى بَلخ فصالحوهم على أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم ثمَّ أَتَى خوارزم فَلم يطقها فَرجع وَقَالَ خَالِد بن صَفْوَان كَأَن الْأَحْنَف يفر من الشّرف والشرف يتبعهُ وَقيل مَا يمنعك أَن تكون كأبيك فَقَالَ وَأَيكُمْ كَأبي فيسوني بأبنائكم وَقيل لَهُ إِنَّك تطيل الْقيام فَقَالَ إِنِّي أعده لسفر طَوِيل
стр. 113
وَكَانَ يضع إصبعه على الْمِصْبَاح ثمَّ يَقُول حسن ثمَّ يَقُول يَا أحنف مَا حملك على أَن صنعت كَذَا يَوْم كَذَا وشكا ابْن أخي الْأَحْنَف وجعا بضرسه فَقَالَ الْأَحْنَف لقد ذهبت عَيْني مُنْذُ ثَلَاثِينَ وَفِي رِوَايَة أَرْبَعِينَ سنة مَا شكوتها إِلَى أحد
وَلما اسْتَقر الْأَمر لمعاوية دخل عَلَيْهِ الْأَحْنَف فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة
يَا أحنف مَا أذكر يَوْم صفّين إِلَّا كَانَت فِي قلبِي حزازة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَف وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْقُلُوب الَّتِي أبغضناك بهَا لفي صدورنا وَإِن السيوف الَّتِي قَاتَلْنَاك بهَا لفي أغمادها وَإِن تدن من الْحَرْب فترا ندن مِنْهَا شبْرًا وَإِن تمش إِلَيْهَا نهرول ثمَّ قَامَ وَخرج وَكَانَت أُخْت مُعَاوِيَة من وَرَاء حجاب فَسمِعت الْكَلَام فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من هَذَا الَّذِي يتهدد ويتوعد فَقَالَ هَذَا الَّذِي إِذا غضب غضب مَعَه مائَة ألف من بني تَمِيم لَا يَدْرُونَ فيمَ غضب
وَلما نصب مُعَاوِيَة وَلَده يزِيد لولاية الْعَهْد أقعده فِي قبَّة حَمْرَاء فَجعل النَّاس يسلمُونَ على مُعَاوِيَة ثمَّ يميلون إِلَى يزِيد حَتَّى جَاءَ رجل فَفعل ذَلِك ثمَّ رَجَعَ إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اعْلَم أَنَّك لَو لم تول هَذَا أُمُور الْمُسلمين لأضعتها والأحنف جَالس فَقَالَ مُعَاوِيَة مَا لَك لَا تَقول يَا أَبَا بَحر فَقَالَ أَخَاف الله إِن كذبتكم وأخافكم إِن صدقت فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة جَزَاك الله خيرا
وَمن كَلَامه مَا خَافَ شرِيف وَلَا كذب عَاقل وَلَا اغتاب مُؤمن
وَقَالَ جَنبُوا مَجْلِسنَا ذكر الطَّعَام وَالنِّسَاء فَإِنِّي أبْغض الرجل أَن يكون
стр. 114
وصافا لفرجه وبطنه وان من الْمُرُوءَة أَن يتْرك الرجل الطَّعَام وَهُوَ يشتهيه
وَكَانَ يَقُول إِذا عجب النَّاس من حلمه أَنِّي لأجد مَا تَجِدُونَ وَلَكِنِّي صبور
وَكَانَ يَقُول وجدت الْحلم انصر لي من الرِّجَال
وَقَالَ مَا تعلمت الْحلم إِلَّا من قيس بن عَاصِم الْمنْقري لِأَنَّهُ قتل ابْن أَخ لَهُ بعض بنيه فَأتي بالقاتل مكتوفا يُقَاد إِلَيْهِ فَقَالَ ذعرتم الْفَتى ثمَّ اقبل عَلَيْهِ فَقَالَ يَا بني بئس مَا صنعت نقصت عددك واوهنت عضدك واشمت عَدوك وأسأت بقومك خلوا سَبيله واحملوا إِلَى أم الْمَقْتُول دِيَته فَإِنَّهَا غَرِيبَة ثمَّ انْصَرف الْقَاتِل وَمَا حل قيس حباته وَلَا تغير وَجهه
стр. 115
حرف الطَّاء الْمُهْملَة
٣٢ - طَاهِر بن الْحُسَيْن بن مُصعب بن زُرَيْق بن ماهان وَفِيمَا بعد مُصعب اخْتِلَاف كَانَ جده رُزَيْق مولى طَلْحَة الطلحات
وَكَانَ طَاهِر من اكبر اعوان الْمَأْمُون وسيره من مرو كرْسِي خُرَاسَان لما كَانَ بهَا الْمَأْمُون لمحاربة اخيه الامين والواقعة مَشْهُورَة وسير الامين أَبَا يحيى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان فتواقعا بِالريِّ وَقتل عَليّ فِي المعركة وسير طَاهِر بالْخبر إِلَى الْمَأْمُون من الرّيّ وَبَينهمَا نَحْو مِائَتَيْنِ وَخمسين فرسخا فَسَار الْكتاب لَيْلَة الْجُمُعَة وَلَيْلَة السبت وَلَيْلَة الاحد وَوصل الْخَبَر إِلَى الْمَأْمُون يَوْم الاحد وَتقدم طَاهِر إِلَى بَغْدَاد واخذ مَا فِي طَرِيقه من الْبِلَاد وحاصر بَغْدَاد وسير طَاهِر إِلَى الْمَأْمُون يَسْتَأْذِنهُ فِيمَا يَفْعَله باخيه فَبعث اليه بقميص غير مقور فَعلم انه يُرِيد قَتله فَعمل على ذَلِك وَحمل رَأسه إِلَى الْمَأْمُون فَكَانَ الْمَأْمُون يرعاه لخدمته ونصحه
стр. 116
وَكَانَ يُسَمِّيه ذَا اليمينين لانه ضرب شخصا فِي واقعه عَليّ بن عِيسَى بن ماهان فَقده نِصْفَيْنِ وَكَانَت الضَّرْبَة بِشمَالِهِ وَفِيه قَالَ الشَّاعِر
(كلتا يَديك يَمِين حِين تضربه ... )
وَفِيه يَقُول عَمْرو بن بانة شعر
(يَا ذَا اليمينين وَعين واحده ... نُقْصَان عين وَيَمِين زَائِدَة)
وَقيل أَن اسماعيل بن جرير البَجلِيّ كَانَ يمدح طَاهِرا كثيرا فَقيل لطاهر أَن اسماعيل يسرق الشّعْر ويمدحك بِهِ فَأحب طَاهِر امتحانه فَقَالَ لَهُ تهجوني فَامْتنعَ فألزمه بذلك فَكتب اليه
(رَأَيْتُك لَا ترى إِلَّا بِعَين ... وعينك لَا ترى إِلَّا قَلِيلا)
(فَإنَّك إِذْ اصبت بفرد عين ... فَخذ من عَيْنك الْأُخْرَى كَفِيلا)
(فقد ايقنت انك عَن قريب ... بِظهْر الْغَيْب تلتمس السبيلا)
فَقَالَ لما وقف عَلَيْهَا احذر أَن تنشدها احدا ومزق الورقة
وَلما اسْتَقل الْمَأْمُون بِالْأَمر بعد أَخِيه الامين كتب إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن وَهُوَ
стр. 117
مُقيم بِبَغْدَاد بِأَن يسلم إِلَى الْحسن بن سهل جَمِيع مَا افتتحه من الْبِلَاد وَهِي الْعرَاق وبلاد الْجَبَل وَفَارِس والاهواز والحجاز وَالْيَمِين وان يتَوَجَّه هُوَ إِلَى الرقة وولاه الْموصل وبلاد الجزيرة الفراتية وَالشَّام وَالْمغْرب وَذَلِكَ فِي بَقِيَّة ثَمَان وَتِسْعين وماية
وَكَانَ الْمَأْمُون قد ولاه خُرَاسَان فَردهَا سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَقيل خمس وَمِائَتَيْنِ واستخلف ابْنه طَلْحَة هَكَذَا قَالَ السلَامِي فِي ولَايَة خُرَاسَان وَقَالَ غَيره انه خلع طَاعَة الْمَأْمُون وَجَاءَت كتب الْبَرِيد من خراسات تَتَضَمَّن ذَلِك فقلق الْمَأْمُون قلقا زَائِدا ثمَّ جَاءَت كتب الْبَرِيد ثَانِي يَوْم انه اصابه عقيب مَا خلع الطَّاعَة حمى فَوجدَ فِي فرَاشه مَيتا
وَحكي أَن طَاهِرا دخل يَوْمًا على الْمَأْمُون فِي حَاجَة فقضاها وَبكى الْمَأْمُون حَتَّى اغرورقت عَيناهُ بالدموع فَقَالَ طَاهِر يَا امير الْمُؤمنِينَ لم تبك لَا ابكى الله عَيْنك وَقد دَانَتْ لَك الدُّنْيَا وَبَلغت الاماني فَقَالَ ابكي لَا عَن ذل وَلَا عَن حزن وَلَكِن لَا تَخْلُو نفس من شجن فَاغْتَمَّ طَاهِر وَقَالَ لحسين الْخَادِم وَكَانَ يحجب الْمَأْمُون فِي خلواته أُرِيد أَن تسْأَل امير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ طيب الخاطر عَن سَبَب بكائه ذَلِك الْيَوْم فَسَأَلَهُ فَقَالَ هُوَ أَمر أَن خرج من رَأسك أَخَذته فَقَالَ سَيِّدي وَمَتى بحث لَك بسر فَقَالَ أَنِّي ذكرت مُحَمَّدًا اخي وَمَا ناله من الذلة فخنقتني الْعبْرَة وَلنْ يفوت طَاهِرا مني مَا يكره فَأخْبر حُسَيْن طَاهِرا بذلك فَركب طَاهِر إِلَى احْمَد بن أبي خَالِد فَقَالَ أَن الثَّنَاء مني لَيْسَ برخيص وان الْمَعْرُوف عِنْدِي لَيْسَ بضائع فاعني على الْمَأْمُون وغيبني عَنهُ فَركب ابْن أبي خَالِد إِلَى
стр. 118
الْمَأْمُون وَقَالَ أَنِّي لم انم البارحة قَالَ وَلم قَالَ لانك وليت خُرَاسَان غَسَّان وَهُوَ وَمن مَعَه اكلة رَأس واخاف أَن يصطلمه مصطلم فَقَالَ الْمَأْمُون لمن ترى قَالَ طَاهِر فَقَالَ هُوَ جَائِع فَقَالَ انا ضَامِن لَهُ فَدَعَا بِهِ الْمَأْمُون وَعقد لَهُ لِوَاء على خُرَاسَان من سَاعَته واهدى لَهُ خَادِمًا كَانَ رباه وامره أَن رأى مِنْهُ مَا يرِيبهُ أَن يسمه فَلَمَّا تمكن طَاهِر من الْولَايَة قطع الْخطْبَة لانه صعد الْمِنْبَر وخطب يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا بلغ ذكر الْخَلِيفَة امسك فَكتب إِلَى الْمَأْمُون بذلك على خيل الْبَرِيد واصبح طَاهِر يَوْم السبت مَيتا فَكتب اليه بذلك فوصلت الخريطة الأولى إِلَى الْمَأْمُون فَدَعَا احْمَد بن أبي خَالِد وَقَالَ اشخص الان فأت بهَا كَمَا ضمنته واكرهه على الْمسير فِي يَوْمه ثمَّ بعد شَدَائِد اذن لَهُ فِي الْمبيت ثمَّ جَاءَت الخريطة الثَّانِيَة بِمَوْتِهِ قيل أَن الْخَادِم سمه فِي كامخ ثمَّ أَن الْمَأْمُون اسْتخْلف وَلَده طَلْحَة على خُرَاسَان وَقيل انه جعله خَليفَة لاخيه عبد الله بن طَاهِر وَكَانَت وَفَاة طَاهِر بن الْحُسَيْن ﵀ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ ومولده سنة تسع وَخمسين وماية
وَكَانَ من افراد الْعَالم وَقع يَوْمًا بصلات بلغت ألف ألف وَسَبْعمائة ألف دِرْهَم وَقيل لطاهر بِبَغْدَاد لما بلغ مَا بلغ لِيَهنك مَا ادركته من هَذِه الْمنزلَة الَّتِي لم يُدْرِكهَا أحد من نظرائك بخراسان فَقَالَ لَيْسَ يهنين ذَلِك لاني لَا ارى عَجَائِز بوشينج يتطلعن من اعالي سطوحهن إِذا مَرَرْت بِهن وانما قَالَ ذَلِك لانه ولد بهَا وَنَشَأ فِيهَا وَكَانَ جده مُصعب واليا عَلَيْهَا وَكَانَ شجاعا دينا وَقيل أَن طَاهِرا كتب إِلَى الْمَأْمُون كتابا لما ورد أمره عَلَيْهِ بِتَسْلِيم الْعرَاق إِلَى عَليّ بن أبي سعيد وان يصير إِلَى الشَّام وَقَالَ فِي آخِره
(غضِبت على الدُّنْيَا فَخفت ضروعها ... وَمَا النَّاس إِلَّا بَين راج وخائف)
стр. 119
(فَقلت امير الْمُؤمنِينَ وانما ... بقيت فنَاء بعده للخلائف)
(وَقد بقيت فِي أم رَأْسِي فضلَة ... فإمَّا لحزم أَو لرأي مُخَالف)
فَدفع الْكتاب إِلَى الْفضل بن سهل فَوَقع فِيهِ بِحَضْرَتِهِ يَا نصف انسان وَالله لَئِن هَمَمْت لافعلن وَلَئِن فعلت لابرمن وَلَئِن ابرمت لاحكمن وَالسَّلَام
فَلَمَّا وصل الْجَواب إِلَى طَاهِر كتب إِلَى الْمَأْمُون يعْتَذر يَا امير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا انا كالامة السَّوْدَاء أَن احسن اليها سرت وان اسيء اليها دمدمت وان عُفيَ بعنها طغت وَالسَّلَام
وَركب يَوْمًا بِبَغْدَاد فِي حراقته فاعترضه مقدس بن صَيْفِي الخلوتي الشَّاعِر وَقد ادنيت من الشط فَقَالَ ايها الامير أَن رَأَيْت أَن تسمع مني ابياتا قَالَ هَات فأنشده شعر
(عجبت لحراقة ابْن الْحُسَيْن ... لَا غرقت كَيفَ لَا تغرق)
(وبحران من فَوْقهَا وَاحِد ... وَآخر من تحتهَا مطبق)
(واعجب من ذَاك اعوادها ... وَقد مَسهَا كَيفَ لَا تورق)
فَقَالَ اعطوه ثَلَاثَة الاف دِينَار وَقَالَ لَهُ زِدْنَا حَتَّى نزيدك فَقَالَ حسبي وَقَالَ بَعضهم كَانَ لي ثَلَاث سِنِين اتردد إِلَى بَاب طَاهِر فَلَا اصل اليه فَركب يَوْمًا للعب بالصولجة فصرت إِلَى الميدان فَإِذا الْوُصُول مُتَعَذر وَإِذا فُرْجَة من بُسْتَان فَقلت انا بِاللَّه وَبِك ايها الامير واياك قصدت وَقد قلت فِيك بَيْتِي شعر فَقَالَ هاتهما وَاقْبَلْ ميكال الي فزجره فانشدته
(اصبحت بَين خصَاصَة وتجمل ... وَالْحر بَينهمَا يَمُوت هزيلا)
(فامدد الي يدا تعود بَطنهَا ... بذل السُّؤَال وظهرها التقبيلا)
فَأمر لي بِعشْرَة الاف دِرْهَم وَقَالَ هَذِه ديتك فَلَو ادركك ميكال لقتلك
стр. 120
وَهَذِه عشرَة الاف دِرْهَم لِعِيَالِك
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء يرثيه
(فلئن كَانَ للمنية رهنا ... أَن افعاله لرهن الْحَيَاة)
(وَلَقَد اوجب الزَّكَاة على قوم ... وَقد كَانَ عيشهم بِالزَّكَاةِ)
٣٣ - طَلْحَة بن عبد الله بن خلف طَلْحَة الطلحات
أَبُو الْمطرف وَقيل أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ الْمَعْرُوف بطلحة الطلحات أحد الاجواد الاسخياء المفضلين الْمَشْهُورين كَانَ اجود أهل الْبَصْرَة فِي زَمَانه سمع عُثْمَان بن عَفَّان فِيمَا ذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَكَانَ ابوه مَعَ عَائِشَة يَوْم الْجمل وَكَانَ عبد الله كَاتب عمر بن الْخطاب بِالْمَدِينَةِ قَالَ الاصمعي الْمَعْرُوف بِالْكَرمِ طَلْحَة بن عبد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ وَطَلْحَة بن عَمْرو بن عبد الله بن معمر التَّيْمِيّ وَهُوَ طَلْحَة الْجُود وَطَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف ابْن اخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ وَهُوَ طَلْحَة الندي وَطَلْحَة بن الْحُسَيْن بن عَليّ وَهُوَ طَلْحَة الْخَيْر وَطَلْحَة بن عبد الله بن خلف الخزاغي وَهُوَ طَلْحَة الطلحات وَسمي بذلك لانه كَانَ اجودهم وَقَالَ ابْن دُرَيْد أَن أم طَلْحَة ابْنة الْحَرْث بن طَلْحَة ابْن أبي طَلْحَة الْعَبدَرِي فَلذَلِك سمي طَلْحَة الطلحات
دخل كثير عزة عَلَيْهِ عَائِدًا فَقعدَ عِنْد رَأسه فَلم يكلمهُ لشدَّة مَا بِهِ فَأخذ
стр. 121
من الثَّنَاء عَلَيْهِ فَفتح طَلْحَة عينه وَقَالَ وَيحك يَا كثير مَا تَقول فَقَالَ شعر
(يَا ابْن الذوائب من خُزَاعَة وَالَّذِي ... لبس المكارم وارتدى بنجاد)
(حلت بساحتك الْوُفُود من الورى ... وكأنما كَانُوا على ميعاد)
(لنعود سيدنَا وَسيد غَيرنَا ... لَيْت التشكي كَانَ بالعواد)
فَاسْتَوَى جَالِسا وامر لَهُ بعطية سنية وَقَالَ هِيَ لَك أَن عِشْت فِي كل سنة وَكَانَ هوى طَلْحَة الطلحات امويا وَكَانَ بَنو امية يكرمونه وَذَهَبت عينه بسمرقند وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ بعث زِيَاد بن مسلمة طَلْحَة الطلحات واليا على سجستان وَبهَا توفّي رَحمَه الله تَعَالَى وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
(رحم الله اعظما دفنوها ... بسجستان طَلْحَة الطلحات)
стр. 122
حرف الْعين الْمُهْملَة
٣٤ - عَامر بن الطُّفَيْل بن مَالك بن جَعْفَر بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب كَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفرسانها شَاعِر مَشْهُور وَفَارِس مَذْكُور اخذ المرباع ونال الرياسة وَتقدم على الْعَرَب واطيع فِي السياسة وقاد الجيوش وقمع الْعَدو وَكَانَ عقيما لَا يُولد لَهُ وَكَانَ اعور وادرك الْإِسْلَام وَلم يوفق للاسلام وَقدم على رَسُول الله ﷺ وَفد بني عَامر بَين صعصعة وَفِيهِمْ عَامر
стр. 123
بن الطُّفَيْل واربد بن قيس اخو لبيد بن ربيعَة لأمه وجبار بن سلمى بن مَالك وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة رُؤُوس الْقَوْم وشياطينهم وَقد كَانَ قوم عَامر قَالُوا لَهُ يَا عَامر أَن النَّاس قد اسلموا فَأسلم فَقَالَ قد كنت آلَيْت أَن لَا انْتهى حَتَّى تتبع الْعَرَب عَقبي فأتبع انا عَقبي هَذَا الْفَتى من قُرَيْش وهم بالغدر بِهِ فَقَالَ لأربد إِذا اقبلنا على الرجل فَإِنِّي شاغل عَنْك وَجهه فَاعله بِالسَّيْفِ فَلَمَّا قدمُوا على رَسُول الله ﷺ قَالَ عَامر لرَسُول الله خالني قَالَ لَا وَالله حَتَّى تؤمن بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ فَلَمَّا ابى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن يخالله قَالَ إِمَّا وَالله لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا حمرا ورجالا سمرا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامر بن الطُّفَيْل فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْده قَالَ عَامر لأربد وَيلك يَا أَرْبَد ايْنَ مَا كنت وصيتك بِهِ وَالله مَا كَانَ على وَجه الأَرْض رجل هُوَ اخوف على نَفسِي مِنْك وَايْم الله لَا اخافك بعد الْيَوْم أبدا قَالَ لَا تعجل عَليّ لَا أَبَا لَك وَالله مَا هَمَمْت بِالْأَمر الَّذِي أَمرتنِي بِهِ مرّة إِلَّا دخلت بيني وَبَينه حَتَّى مَا أرى غَيْرك أفأضربك بِالسَّيْفِ فَقَالَ عَامر
(بعث الرَّسُول بِمَا يرى فَكَأَنَّمَا ... عمدا أَسد على المعايب عارا)
(وَلَقَد وردن بِنَا الْمَدِينَة شزبا ... وَلَقَد قبلن بجوها الابصار)
وَلما خَرجُوا من عِنْد رَسُول الله ﷺ قَالَت عَائِشَة من هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ هَذَا عَامر ابْن الطُّفَيْل وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو اسْلَمْ واسلمت بَنو عَامر
стр. 124
لزاحمت قُريْشًا فِي منابرها ثمَّ دَعَا رَسُول الله ﷺ وَقَالَ يَا قوم إِذا دَعَوْت فَأمنُوا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اهد بني عَامر واشغل عني عَامر بن الطُّفَيْل بِمَا شِئْت وَكَيف شِئْت وانى شِئْت وَخَرجُوا رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق نزل عَامر بِامْرَأَة من بني سلول فَبعث الله على عَامر بن الطُّفَيْل الطَّاعُون فِي عُنُقه فَقتله فَجعل عَامر يَقُول يَا بني عَامر أغدة كَغُدَّة بعير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة
وَجعل يشْتَد وينزو إِلَى السما وَيَقُول يَا موت آبرز الي حَتَّى أَرَاك وَكَانَ يَوْم مَاتَ ابْن بضع وَثَمَانِينَ سنة وَكَانَ مولده قبل مولد النَّبِي ﷺ بِسبع عشرَة سنة
وابو برَاء ملاعب الاسنة عَامر بن مَالك هُوَ عَم عَامر هَذَا وَلما قدم اربد ارْض بني عَامر قَالُوا لَهُ مَا وَرَاك قَالَ لقد دَعَانَا مُحَمَّد إِلَى عبَادَة شَيْء لوددته عِنْدِي الان فأرميه بنبلي هَذَا فَأَقْتُلهُ فَخرج بعد مقَالَته هَذِه بيومين مَعَه جمل يَبِيعهُ فَأرْسل الله عَلَيْهِ وعَلى جمله صَاعِقَة واحرقتهما مكانهما ونصبت بَنو عَامر على قبر عَامر نِصَابا ميلًا فِي ميل حمى على قَبره وَكَانَ جَبَّار بن سلمى غَائِبا فَلَمَّا قدم قَالَ مَا هَذِه الانصاب قَالُوا حمى على قبر عَامر قَالَ ضيقتم على أبي عَليّ أَن أَبَا عَليّ فضل على النَّاس بِثَلَاث كَانَ لَا يعطش حَتَّى يعطش الْبَعِير وَلَا يضل حَتَّى يضل النَّجْم وَلَا يجبن حَتَّى يجبن السَّيْل
стр. 125
٣٥ - عبد الله بن مُحَمَّد بن نَاجِية بن نجبة أَبُو مُحَمَّد الْبَرْبَرِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ كَانَ ممتعا بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ وَكَانَ ثِقَة ثبتا توفّي ﵀ عَن سنّ عالية سنة احدى وثلاثمائة سمع أَبَا معمر الهذيلي وسُويد بن سعيد وَعبد الْوَاحِد بن غياث وَأَبا بكر بن أبي شيبَة وَعبد الاعلى بن حَمَّاد وطبقتهم وروى عَنْهُمَا أَبُو بكر الشَّافِعِي والحبابي وابو الْقَاسِم بن النّحاس واسحاق النقال
٣٦ - عبد الله بن احْمَد الْبَلَدِي النَّحْوِيّ
كَانَ اعور فاعتلت عينه الصَّحِيحَة حَتَّى اشرف مِنْهَا على الْعَمى فَقَالَ وَأَنا اسْتغْفر الله مِمَّا قَالَه
(أَن قلت جورا فَلَا تلمني ... بِأَن رب الورى الْمَسِيح)
(أَرَاك تعمي وَذَاكَ يبري ... فَهُوَ اذن عِنْدِي الصَّحِيح)
وَمن شعره أَيْضا
(لِلْحسنِ فِي وَجهه شُهُود ... يشْهد انا لَهُ عبيد)
(كَأَنَّمَا خَدّه وصال ... وصدغه فَوْقه صدود)
(يَا من جفاني بِغَيْر جرم ... اقصر فقد نلْت مَا تُرِيدُ)
(أَن كَانَ قد رق ثوب صبري ... عَنْك فثوب الْهوى جَدِيد)
٣٧ - عُبَيْدَة السَّلمَانِي الْمرَادِي ابْن سلمَان بن نَاجِية أَبُو عَمْرو من كبار الْفُقَهَاء بِالْكُوفَةِ اسْلَمْ زمن الْفَتْح وَلم يلق النَّبِي ﷺ اخذ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَتُوفِّي ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين لِلْهِجْرَةِ وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء ثَانِي الْحُرُوف
стр. 126
ودال مهمة قد عده ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي العوران فِي تلقيح فهوم الاثر
٣٨ - عتبَة بن أبي سُفْيَان
شهد يَوْم الدَّار مَعَ عُثْمَان ﵁ وداره بِدِمَشْق بدرب الحبالين ولي الْمَدِينَة وامرة الْحَج وَتُوفِّي فِي حُدُود الْخمسين من الْهِجْرَة وَقد عده ابْن الْجَوْزِيّ فِي جملَة العوران فِي كِتَابه تلقيح الاثر
٣٩ - عُثْمَان بن جني
أَبُو الْفَتْح النَّحْوِيّ الْأَمَام الْعَلامَة كَانَ من احذق النُّحَاة وَكَانَ اكمل علومه التصريف وَلم يتَكَلَّف أحد وَلم يتَكَلَّم ادق من كَلَامه فِي التصريف ومولده قبل الثَّلَاثِينَ والثلاثمائة وَتُوفِّي ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة وَخلف من الْأَوْلَاد عليا وعاليا والْعَلَاء وَكلهمْ ادباء فضلاء قد خرجهم والدهم وسمعهم وَحسن خطوطهم وهم معدودون فِي صحيحي الضَّبْط وَحسن الْخط
وَكَانَ ابوه مَمْلُوكا روميا لِسُلَيْمَان بن فَهد الْموصِلِي وَكَانَ أَبُو الْفَتْح اعور
اجتاز أَبُو عَليّ الْفَارِسِي بالموصل فَمر بالجامع وابو الْفَتْح يقْرَأ النَّحْو وَهُوَ شَاب فَسَأَلَهُ أَبُو عَليّ مَسْأَلَة فِي التصريف فقصر فِيهَا أَبُو الْفَتْح فَقَالَ لَهُ زببت قبل أَن تحصرم فلازمه من يَوْمئِذٍ مُدَّة اربعين سنة واعتنى بالتصريف وَلما
стр. 127
مَاتَ أَبُو عَليّ تصدر ابْن جني مَكَانَهُ بِبَغْدَاد واخذ عَنهُ الثمانيني وَعبد السَّلَام الْبَصْرِيّ وابو الْحسن السمسمي وَجرى بَينه وَبَين أبي نصر بشر بن هَارُون كَلَام فِي معنى العدار والعدار إِذا لَقِي انسانا وطأه فَقَالَ لَهُ ابْن جني بودك لَو لقيك فَإِنَّهُ كَانَ لأمنيتك دَوَاء
فَقَالَ أَبُو نصر
(زعمت أَن العدار خدني ... وَلَيْسَ خدنا لي العدار)
(عفر من الْجِنّ أَنْت أولى ... بِهِ ففيهم لَك افتخار)
(فالجن جن وَنحن انس ... شتات هَذَانِ يَا حمَار)
(وَنحن من طِينَة خلقنَا ... مَا خلق الْجِنّ مِنْهُ نَار)
(العر والعار فِيك تما ... والعور التَّام والعوار)
وَكَانَ يَوْمًا يتحدث بِحَضْرَة أبي الْحُسَيْن القمي الْكَاتِب وَكَانَ لأبي الْفَتْح عَادَة إِذا تكلم أَن يمِيل بشفتيه وَيُشِير بيدَيْهِ فَبَقيَ القمي شاخصا اليه فَقَالَ أَبُو الْفَتْح مَالك تحدق الي وتكثر التَّعَجُّب مني قَالَ شبهت مولَايَ الشَّيْخ اطال الله بَقَاءَهُ وَهُوَ يتحدث وَيَقُول ببوزه وَيَده كَذَا بقرد رَأَيْته الْيَوْم عِنْد صعودي إِلَى دَار المملكة وَهُوَ على شاطئ دجلة يفعل مَا يَفْعَله مَوْلَانَا فامتعض أَبُو الْفَتْح وَقَالَ مَا هَذَا القَوْل اعزك الله وَمَتى رَأَيْتنِي امزح مَعَك فتمزح معي بِمثل هَذَا فَلَمَّا رَآهُ أَبُو الْحُسَيْن قد استشاط غَضبا قَالَ المعذرة اليك ايها الشَّيْخ عَن اشبهك بالقرد وانما شبهت القرد بك فَضَحِك أَبُو الْفَتْح وَقَالَ مَا أحسن مَا
стр. 128
اعتذرت وَعلم إِنَّهَا نادرة تشيع وَكَانَ أَبُو الْفَتْح يتحدث بهَا دَائِما واجتاز يَوْمًا بِأبي الْحُسَيْن الْمَذْكُور فِي الدِّيوَان وَبَين يَدَيْهِ كانون فِيهِ نَار وَالْبرد شَدِيد فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفَتْح تعال ايها الشَّيْخ إِلَى النير فَقَالَ اعوذ بِاللَّه
وَقَالَ ابْن الزمكدم يهجو ابْن جني
(يَا أَبَا الْفَتْح قد اتيناك للتدريس ... وَالْعلم فِي فنائك رحب)
(فَوَجَدنَا فتاة بَيْتك أنحى ... مِنْك والنحو مُؤثر مُسْتَحبّ)
(قدماها مَرْفُوعَة وَهِي خفض ... قلم الاير فَاعل وَهُوَ نصب)
وَوجد بِخَط ابْن جني على ظهر كتاب الْمُحْتَسب فِي علل الْقرَاءَات الشاذة اخبرني بعض من كَانَ يعتادني للْقِرَاءَة عَليّ والاخذ عني قَالَ رَأَيْتُك فِي مَنَامِي جَالِسا على حَال كَذَا وبصورة كَذَا وَذكر من الجلسة الشارة جميلا وَإِذا رجل لَهُ رواء ومنظر وَظَاهر ونبل وَقدر وَقد اتاك وَحين رَأَيْته اعظمت مورده واسرعت الْقيام لَهُ فَجَلَسَ صدر مجلسك وَقَالَ لَك اجْلِسْ فَجَلَست فَقَالَ كَذَا شَيْئا ذكره ثمَّ قَالَ لَك اتمم كتاب الشواذ الَّذِي عملته فَإِنَّهُ كتاب يصل الينا ثمَّ نَهَضَ فَلَمَّا ولى سَأَلت بعض من كَانَ مَعَه عَنهُ فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكرم وَجهه ذكر هَذِه الرُّؤْيَا لي وَقد بقيت من نواحي هَذَا الْكتاب إِلَى اميكنة تحْتَاج إِلَى معادة نظر وَأَنا على الْفَرَاغ مِنْهَا بعضه مُلْحق فِي الْحَاشِيَة بِخَطِّهِ ثمَّ عاودتها فَصحت بلطف الله وفضله
стр. 129
وَلما مَاتَ ابْن جني رثاه الشريف الرضي بقصيدة عدتهَا ٤٩ بَيْتا مِنْهَا
(لتبك أَبَا الْفَتْح الْعُيُون بدمعها ... وألسننا من قبلهَا بالمناطق)
(إِذا هَب من تِلْكَ الغليل بدامع ... تسرع من هَذَا الْغَمَام بناطق)
(طوى مِنْهُ بطن الأَرْض مَا تستعيده ... على الدَّهْر منشورا بطُون المهارق)
(مضى طيب الاردان يأرج ذكره ... كريح الصِّبَا تندى لعرنين باسق)
(وَمَا احْتَاجَ بردا غير برد عفافه ... وَلَا عرف طيب غير تِلْكَ الْخَلَائق)
(ترقرق مَاء الود بيني وَبَينه ... وطاح القذى عَن سلسل الطّعْم رائق)
(سقاك وَهل يسقيك إِلَّا تعلة ... لغير الردى قطر الغيوم الروائق)
(من المزن حمحام إِذا التج لجة ... اضاءت تواليه زناد البوارق)
(وَمَا فرحي أَن جاورتك حديقة ... وقبرك مَمْلُوء بغر الحدائق)
تصانيف ابْن جني ﵀
كتاب الخصائص وَهُوَ كتاب نَفِيس إِلَى الْغَايَة فِيهِ لباب النَّحْو وَكتاب سر الصِّنَاعَة وَهُوَ من احسن مَا صنفه وجوده وَكتاب تَفْسِير اشعار هُذَيْل مِمَّا اغفله السكرِي وَكتاب تَفْسِير تصريف الْمَازِني وَشرح مستغلق الحماسة واشتقاق أَسمَاء شعرائها وَشرح الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ السّكيت وتعاقب الْعَرَبيَّة قَالَ ابْن جني واطرف بِهِ
стр. 130
وَشرح ديوَان المتنبي شرحين كَبِيرا وصغيرا وَكتاب اللمع وَكتاب مُخْتَصر التصريف وَكتاب مُخْتَصر الْعرُوض والقوافي والحروف المهموزة وَكتاب فِي اسْم الْمَفْعُول المعتل الْعين من الثلاثي وَكتاب تأييد التَّذْكِرَة لابي عَليّ الْفَارِسِي وَكتاب محَاسِن الْعَرَبيَّة وَكتاب النَّوَادِر الممتعة فِي الْعَرَبيَّة ألف ورقة وَكتاب مَا احضره الخاطر من الْمسَائِل الْمَشْهُورَة وَكتاب الْمُحْتَسب فِي تَعْلِيل الْقرَاءَات الشاذة وَهُوَ جيد إِلَى الْغَايَة وَكتاب تَفْسِير ارجوزة أبي نواس وَكتاب تَفْسِير العلويات وَهِي ارْبَعْ قصائد للشريف الرضي وَكتاب الْبُشْرَى وَالظفر صنعه لعضد الدولة مِقْدَاره خَمْسُونَ ورقة فِي تَفْسِير بَيت وَاحِد من شعر عضد الدولة وَهُوَ قَوْله
(أَهلا وسهلا بِذِي الْبُشْرَى ونوبتها ... وباشتمال سرايانا على الظفر)
ورسالة فِي مد الاصوات ومقادير المدات وَكتاب الْمُذكر والمؤنث وَكتاب المنتصف ومقدمات ابواب التصريف وَكتاب النَّقْض على ابْن وَكِيع فِي شعر المتنبي وتخطئته والمعرب فِي شرح القوافي وَكتاب الْفَصْل بَين الْكَلَام الْخَاص وَالْكَلَام الْعَام
стр. 131
وَكتاب الْوَقْف والابتداء وَكتاب الْفرق وَكتاب الْمعَانِي الْمُجَرَّدَة وَكتاب الْفَائِق وَكتاب الْخَطِيب وَكتاب مُخْتَار الارجيز وَكتاب الْعد فِي النَّحْو وَكتاب شرح الفصيح وَكتاب الْكَافِي فِي القوافي وَكتاب التَّنْبِيه على اعراب الحماسة وَكتاب الْمُهَذّب وَكتاب التَّبْصِرَة
يُقَال أَن الشَّيْخ أَبَا اسحاق الشِّيرَازِيّ اخذ مِنْهُ أَسمَاء كتبه فَإِنَّهُ لَهُ التَّنْبِيه والمهذب واللمع والتبصرة
وَمن شعر ابْن جني
(فَإِن اصبح بِلَا نسب ... فعلمي فِي الورى نسبي)
(على أَنِّي اؤول إِلَى ... قروم سادة نجب)
(قياصرة إِذا نطقوا ... ارْمِ الدَّهْر ذُو الْخطب)
(اولاك دَعَا النَّبِي لَهُم ... كفى شرفا دُعَاء نَبِي)
وَمِنْه أَيْضا
(تحبب أَو تذرع أَو تأبى ... فَلَا وَالله لَا ازْدَادَ حبا)
(ملكت بِبَعْض حسنك كل قلبِي ... فَإِن رمت الزِّيَادَة هَات قلبا)
وَمِنْه أَيْضا
(غزال غير وَحشِي ... حكى الوحشي مقلته)
(رَآهُ الْورْد يجني الْورْد ... فاستكساه حلته)
(وشم بِأَنْفِهِ الريحان ... فاستهداه زهرته)
(وذاقت رِيحه الصَّهْبَاء ... فاختلسته نكهته)
стр. 132
٤٠ - عدي بن حَاتِم بن عبد الله بن سعد أَبُو طريف الطَّائِي ولد حَاتِم الْجُود وَفد على رَسُول الله ﷺ فَأكْرمه وَكَانَ ذَلِك فِي شعْبَان سنة عشر ثمَّ قدم على أبي بكر بصدقات قومه فِي حِين الرِّدَّة وَمنع قومه وطائفته من الرِّدَّة بِثُبُوتِهِ على الْإِسْلَام وَحسن رَأْيه وَكَانَ سريا شريفا فِي قومه خَطِيبًا حَاضر الْجَواب فَاضلا كَرِيمًا قَالَ مَا دخل وَقت صَلَاة قطّ إِلَّا وَأَنا اشتاق اليها وَقَالَ مَا دخلت على النَّبِي ﷺ قطّ إِلَّا وسع لي أَو تحرّك وَدخلت يَوْمًا عَلَيْهِ فِي بَيته وَقد امْتَلَأَ من اصحابه فَوسعَ لي حَتَّى جَلَست إِلَى جنبه وَشهد الْجمل مَعَ عَليّ وصفين والنهروان وفقئت عينه يَوْم الْجمل وروى عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ من الْبَصْرَة والكوفة
واتاه سَالم بن دارة الْغَطَفَانِي يمدحه فَقَالَ لَهُ عدي امسك عَلَيْك يَا اخي اخبرك بِمَالي فتمدحني على حَسبه لي ألف صافنة والفا دِرْهَم وَثَلَاثَة اعبد وفرسي هَذِه حبس فِي سَبِيل الله فَقَالَ
(تحن قلوصي فِي معد وانما ... تلاقي الرّبيع فِي ديار بني ثعل)
(وابقى اللَّيَالِي من عدي بن حَاتِم ... حساما كلون الْملح سل من الْخلَل)
(ابوك جواد مَا يشق غباره ... وانت جواد لَيْسَ تعذر بالعلل)
(فَإِن تتقوا شرا فمثلكم اتَّقى ... وان تَفعلُوا خيرا فمثلكم فعل)
وَسكن الْكُوفَة وَبهَا توفّي ﵁ سنة سبع وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ وَهُوَ ابْن ماية وَعشْرين سنة وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ﵃ اجمعين
стр. 133
٤١ - عَطاء بن رَبَاح
اسْلَمْ أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ مولى قُرَيْش أحد الْأَئِمَّة الاعلام من التَّابِعين كَانَ اسود اعور افطس اشل اعرج ثمَّ عمي اخيرا وَقد تقدم ذكره فِي كتابي نكت الْهِمْيَان فِي نكت العميان فأغنى عَن ذكره الان
٤٢ - عَطاء الْمقنع الْخُرَاسَانِي
وَقيل اسْمه حَكِيم كَانَ فِي مبدأ امْرَهْ قصارا من أهل مرو وَكَانَ يعرف شَيْئا من السحر والنيرنجيات فَادّعى الربوبية من طَرِيق التناسخ وَقَالَ لاشياعه وَالَّذين اتَّبعُوهُ أَن الله تحول إِلَى صُورَة آدم وَلذَلِك اسجد لَهُ الْمَلَائِكَة فسجدوا إِلَّا بليس فَاسْتحقَّ بذلك السخط ثمَّ انه تحول من صُورَة آدم إِلَى صُورَة نوح ثمَّ إِلَى صُورَة وَاحِد فواحد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام والحكماء حَتَّى حصل فِي صُورَة أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي ثمَّ انْتقل مِنْهُ اليه فَقبل قوم قَوْله ودعواه وعبدوه وقاتلوا من دونه مَا عاينوا من عَظِيم ادعائه وقبح صورته لانه كَانَ مُشَوه الْخلقَة اعور الْكن قَصِيرا وَكَانَ لَا يسفر عَن وَجهه بل اتخذ وَجها من ذهب وتقنع بِهِ وَكَانَ من جملَة مَا أظهر لَهُم صُورَة قمر يطلع وَيَرَاهُ النَّاس من مَسَافَة
стр. 134
شَهْرَيْن ثمَّ يغيب عَنْهُم فَعظم اعْتِقَادهم فِيهِ وَلما اشْتهر امْرَهْ ثار عَلَيْهِ النَّاس وقصدوه فِي قلعته الَّتِي اعْتصمَ بهَا وحصروه وَلما تَيَقّن بِالْهَلَاكِ جمع نِسَاءَهُ وسقاهن سما فمتن جَمِيعًا ثمَّ تنَاول بَاقِيه فَمَاتَ
وَدخل الْمُسلمُونَ قلعته وَقتلُوا من فِيهَا من اشياعه واتباعه وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وماية وَقطع رَأسه وَبعث بِهِ إِلَى الْمهْدي وَكَانَ بِمَا وَرَاء النَّهر وَكَانَ الَّذِي ندب لقتاله سعيد الحرسي وَأول ظُهُور عَطاء فِي سنة احدى وَسِتِّينَ وماية واليه اشار المعري بقوله
(افق إِنَّمَا الْبَدْر الْمقنع رَأسه ... ضلال وغي مثل بدر الْمقنع)
وَابْن سناء الْملك أَيْضا فِي قَوْله
(اليك فَمَا بدر الْمقنع طالعا ... باسحر من الحاظ بَدْرِي المعمم)
٤٣ - عَليّ بن رَبَاح اللَّخْمِيّ الْمصْرِيّ
قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ ﵀ اسْمه عَليّ لكنه صغر وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري كَانَت بَنو امية إِذا سمعُوا بمولود اسْمه عَليّ قَتَلُوهُ فَبلغ ذَلِك رباحا فَقَالَ هُوَ عَليّ قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ هَذَا لَا يَسْتَقِيم لَان عليا هَذَا ولد فِي زمن عُثْمَان أَو قبل ذَلِك بِقَلِيل وَكَانَ فِي زمن بني امية رجلا لَا
стр. 135
مولودا سمع من عَمْرو بن الْعَاصِ وَعقبَة بن عَامر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي قَتَادَة وفضالة بن عبيد وعدة من الصَّحَابَة وَعمر ماية سنة إِلَّا قَلِيلا وَتُوفِّي ﵀ سنة ارْبَعْ عشرَة وماية وروى لَهُ مُسلم وابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ يحيى بن معِين أهل الْعرَاق يَقُولُونَ عَليّ وَأهل الْبَصْرَة يَقُولُونَ عَليّ
قلت الْعِرَاقِيُّونَ يصغرونه والبصريون يكبرونه وَقَالَ اللَّيْث بن سعد سَمِعت مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح يَقُول من قَالَ لي مُوسَى بن عَليّ لم اجْعَلْهُ فِي حل وَولد سنة خَمْسَة عشر عَام اليرموك وَكَانَ اعور ذهبت عينه يَوْم ذِي الصراير من الْبَحْر مَعَ عبد الله بن سعد سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ وَكَانَت لَهُ من عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان منزلَة وَهُوَ الَّذِي زف أم الْبَنِينَ ابْنة عبد الْعَزِيز إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك ثمَّ عتب عَلَيْهِ عبد الْعَزِيز فأغزاه افريقية فَلم يزل بإفريقية إِلَى أَن توفّي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم
٤٤ - عَليّ بن قيران علائي الدّين أَبُو الْحسن الكركي السكزي بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْكَاف وَالزَّاي الْمُعْجَمَة الدِّمَشْقِي الجندي ثمَّ الصُّوفِي نزيل الْقَاهِرَة سمع الْكثير سنة سَبْعَة عشر فِي الكهولة واخذ عَن جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن الزبيدِيّ وَحدث وَنسخ قَلِيلا قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين سمع مني وَولد سنة ثَمَان وَخمسين وستماية وَتُوفِّي ﵀ فِي شهر رَمَضَان لأربعة واربعين
стр. 136
وسبعماية بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ يكْتب أَسمَاء السامعين فِي الميعاد وَسمع معي على جمَاعَة وَكَانَ مخلا ﵀
٤٥ - عَليّ بن الْمُنْذر أَبُو الْحسن الطريفي الازدي الْكُوفِي العلاف الاعور
قَالَ النَّسَائِيّ شيعي مَحْض ثِقَة وَتُوفِّي ﵀ سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ روى عَنهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه
٤٦ - أَبُو عَليّ المنطقي
قَالَ ياقوت الرُّومِي الْحَمَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي مُعْجم الادباء لم اظفر باسمه وَقَالَ الخالع هُوَ من اهل الْبَصْرَة تنقل فِي الْبِلَاد ومدح عضد الدولة وَابْن عباد وَانْقطع مُدَّة من الزَّمَان إِلَى نصر بن هَارُون ثمَّ إِلَى أبي الْقَاسِم الْعَلَاء بن الْحسن الْوَزير وَكَانَ جيد الطَّبَقَة فِي الشّعْر والادب عَالما بالْمَنْطق قوي الرُّتْبَة فِيهِ جمع ديوانه فَكَانَ نَحْو الفي بَيت ومولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَتُوفِّي ﵀ بشيراز بعد سنة تسعين وَثَلَاث ماية وَكَانَ ضَعِيف الْحَال محارفا ضيق الرزق وَكَانَ مزاحا طيب الْعشْرَة حاد النادرة اصيب بِعَيْنِه آخر عمره وَله فِي ذَلِك اشعار وَمن شعره
(يَا ريم وجدي فِيك لَيْسَ يريم ... بَين الضلوع وان رحلت مُقيم)
стр. 137
(لَا تحسبي قلبِي كربعك خَالِيا ... فِيهِ وان عفت الرسوم رسوم)
(تبلى الْمنَازل والهوى متجدد ... وتبيد خيمات وَيبقى الخيم)
وَمِنْه أَيْضا
(اكفكم تُعْطِي ويمنعنا الحيا ... واقلامكم تمْضِي وتنبو الصوارم)
(وان أَبَا الْعَبَّاس أَن يَك للعلا ... جنَاحا فانتم للجناح قوادم)
(مضى وبقيتم ابحرا وَاهِلَة ... وزهر الرِّبَا يبْقى وتمضي الغمائم)
وَمِنْه أَيْضا
(وقهوة مثل رقراق السراب غَدا ... حبب المزاج عَلَيْهَا غير مزرور)
(تختال أَن بَث فِيهَا المَاء لؤلؤه ... مَا بَين عقدين منظوم ومنثور)
(سللتها مثل سل الْفجْر صارمه ... واحجم اللَّيْل فِي اثواب موتور)
(كَأَنَّهَا إِذْ بَدَت والكأس تحجبها ... روح من النَّار فِي جسم من النُّور)
(إِذا تعاطيت مخزونا ابارقها ... لم يعدني كل مفروح ومسرور)
(امسي غَنِيا وَقد اصبحت مفتقرا ... كَأَنَّمَا الْملك بَين اليم والزير)
وَمِنْه أَيْضا
(كَأَن دبيبها فِي كل عُضْو ... دَبِيب النّوم فِي اجفان سَار)
(صدعت بهَا رِدَاء الْهم عني ... كَمَا صدع الدجى وضح النَّهَار)
وَمِنْه أَيْضا
(صافيت فضلك لَا مَا أَنْت باذله ... وعاشق الْفضل يغرى كلما عذلا)
стр. 138
(أَي أُعِيذك من قولي لسائله ... أَنِّي حدوت وَلَكِن لم أجد جملا)
وَمِنْه أَيْضا
(لقد سهلت بك الايام حَتَّى ... لقَالَ النَّاس لم تكن الوعور)
(وَكَيف أَخَاف دهرا أَنْت بيني ... وَبَين صروفه أبدا سفير)
٤٧ - عمَارَة بن حَمْزَة الْكَاتِب
من ولد عِكْرِمَهْ مولى ابْن عَبَّاس ﵄ توفّي فِي حُدُود الثَّمَانِينَ وَالْمِائَة وَكَانَ أَعور ذَمِيمًا إِلَّا انه كَانَ كَاتبا صَدرا مُعظما تياها جوادا ممدحا شَاعِرًا ولي مناصب عدَّة ولايات فَكَانَ الْمَنْصُور وَالْمهْدِي يعظمانه ويحتملان اخلاقه لفضله وبلاغته وكفاءته وَوُجُوب حَقه جمع لَهُ بَين ولَايَة الْبَصْرَة وَفَارِس والاهواز واليمامة والبحرين وَالْعرض وَكَانَ يَقُول مَا أعجب قَول النَّاس فلَان رب الدَّار إِنَّمَا هُوَ كلب الدَّار يخبز فِي دَاري كل يَوْم الْفَا رغيف يُؤْكَل مِنْهَا ألف وتسع ماية وَتسْعُونَ رغيفا حَلَالا وآكل أَنا مِنْهَا رغيفا وَاحِدًا حَرَامًا
وَأَرَادَ الْمَنْصُور يَوْمًا أَن يعبث بِهِ فَأمر بعض خدمه أَن يقطع حمائل سَيْفه لينْظر ايأخذه أم لَا فَفعل بِهِ ذَلِك وَسقط السَّيْف فَمضى عمَارَة وَلم يلْتَفت وَكَانَ من تيهه إِذا أَخطَأ يمْضِي على خطئه ويتكبر عَن الرُّجُوع وَيَقُول نقض وإبرام فِي سَاعَة وَاحِدَة الْخَطَأ أَهْون من هَذَا
стр. 139
وَكَانَ يَوْمًا يمشي مَعَ الْمهْدي فِي أَيَّام الْمَنْصُور وَيَده فِي يَده فَقَالَ لَهُ رجل من هَذَا ايها الامير فَقَالَ أخي وَابْن عمي فَلَمَّا ولى الرجل ذكر الْمهْدي ذَلِك لعمارة كالمازح فَقَالَ عمَارَة إِنَّمَا انتظرت أَن تَقول مولَايَ فانفض وَالله يَدي من يدك فَضَحِك الْمهْدي وَبلغ مُوسَى الْهَادِي حَال بنت جميلَة لعمارة فراسلها فَقَالَت لأَبِيهَا فَقَالَ لَهَا قولي لَهُ ليَأْتِي اليك وضعيه فِي مَوضِع يخفي أَثَره فَأرْسلت اليه فَحَضَرَ اليها فأدخلته حجرَة لَهُ قد أعدت بالفرش الْجَمِيل فَلَمَّا صَار فِيهَا دخل اليه عمَارَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك ايها الامير مَاذَا تصنع هَا هُنَا اتخذناك ولي عهد فِينَا أَو فحلا لنسائنا ثمَّ أَمر بِهِ فبطح وَضرب عشْرين درة خَفِيفَة ورده إِلَى منزله فحقد عَلَيْهِ الْهَادِي وَلما ولي الْخلَافَة دس عَلَيْهِ رجلا يدعى انه غصبه الضَّيْعَة الْفُلَانِيَّة بِالْكُوفَةِ وَكَانَت قيمتهَا ألف ألف دِرْهَم فَبينا الْهَادِي ذَات يَوْم جَالس للمظالم وَعمارَة بِحَضْرَتِهِ إِذْ وثب الرجل وتظلم مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الْهَادِي قُم واجلس مَعَ خصمك أَرَادَ اهانته فَقَالَ أَن كَانَت الضَّيْعَة لي فَهِيَ لَهُ وَلَا اساوي هَذَا النذل فِي الْمجْلس ثمَّ قَامَ وَانْصَرف مغضبا وَكَرِهَهُ أهل الْبَصْرَة لتيهه وعجبه فَرفع أهل الْبَصْرَة إِلَى الْمهْدي انه اختان مَالا كثيرا فَسَأَلَهُ الْمهْدي عَن ذَلِك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لَو كَانَت هَذِه الْأَمْوَال الَّتِي ذكروها فِي جَانب بَيْتِي مَا نظرت اليها فَقَالَ الْمهْدي صدقت وَلم يُرَاجِعهُ فِيهَا وَقيل انه كَانَ لَهُ ألف دواج بوبر سوى مَا لَيْسَ لَهُ وبر وَكَانَ الْفضل بن يحيى بن برمك شَدِيد الْكبر عَظِيم التيه فعوتب على ذَلِك فَقَالَ هَيْهَات هَيْهَات هَذَا شَيْء حملت عَلَيْهِ نَفسِي لما رَأَيْته من عمَارَة بن حَمْزَة فَإِن أبي ضمن فَارس من الْمهْدي فَحل عَلَيْهِ ألف ألف دِرْهَم فَأمر الْمهْدي أَبَا عون عبد الله بن يزِيد
стр. 140
بمطالبته وَقَالَ لَهُ أَن أدّى اليك المَال قبل أَن تغرب الشَّمْس من يَوْمنَا هَذَا وَألا فأتني بِرَأْسِهِ وَكَانَ مغضبا عَلَيْهِ وَكَانَت حيلته لَا تبلغ المَال فَقَالَ يَا بني أَن كَانَت لنا حِيلَة فَلَيْسَ إِلَّا من قبل عمَارَة بن حَمْزَة وَألا فَأَنا هَالك لَا محَالة فَامْضِ اليه فمضيت اليه فَلم يعرني الطّرف ثمَّ تقدم يحمل المَال فَحمل الينا فَلَمَّا مضى شَهْرَان جَمعنَا المَال فَقَالَ أبي امْضِ إِلَى الشريف الْحر الْكَرِيم فأد اليه مَاله فَلَمَّا عَرفته الْخَبَر غضب وَقَالَ وَيحك اكنت قسطارا لأَبِيك فَقلت لَا وَلَكِنَّك احييته ومننت عَلَيْهِ وَهَذَا المَال قد اسْتغنى عَنهُ فَقَالَ هُوَ لَك فعدت إِلَى أبي فَقَالَ لَا وَالله مَا تطيب بِهِ نَفسِي لَك وَلَكِن لَك مِنْهُ مايتا ألف دِرْهَم فتشبهت بِهِ حَتَّى صَار خلقا لَا أَسْتَطِيع أَن أفارقه وَبعث أَبُو ايوب الْمَكِّيّ بعض وَلَده إِلَى عمَارَة فَأدْخلهُ الْحَاجِب قَالَ وأدناني إِلَى ستر مُسبل فَقَالَ أَدخل فَدخلت فَإِذا هُوَ مُضْطَجع محول وَجهه إِلَى الْحَائِط فَقَالَ الْحَاجِب سلم فَسلمت فَلم يرد السَّلَام عَليّ فَقَالَ الْحَاجِب اذكر حَاجَتك فَقلت جعلني الله فدَاك أَخُوك أَبُو ايوب يقريك السَّلَام وَيذكر دينا بهضه وَستر وَجهه وَيَقُول لَك لولاه لَكُنْت مَكَان رَسُول يسْأَل امير الْمُؤمنِينَ قَضَاهُ عني فَقَالَ وَكم دين ابيك فَقلت ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ أَو فِي مثل هَذَا اكلم امير الْمُؤمنِينَ يَا غُلَام احملها مَعَه وَلم يلْتَفت الي وَلم يكلمني بِغَيْر هَذَا وَقَالَ الْفضل بن الرّبيع كَانَ أبي يَأْمُرنِي بملازمة عمَارَة بن حَمْزَة فاعتل عمَارَة وَكَانَ الْمهْدي يسيء الرَّأْي فِيهِ فَقَالَ أبي يَوْمًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَاك عمَارَة بن حَمْزَة عليل وَقد افضى إِلَى بيع فرشه وَكسوته فَقَالَ غفلنا عَنهُ وَمَا كنت اظن أَن حَاله بلغت إِلَى هَذَا احْمِلْ اليه خمس ماية ألف دِرْهَم واعلمه أَن لَهُ عِنْدِي بعْدهَا مَا يحب قَالَ فحملها أبي اليه من سَاعَته وَقَالَ اذْهَبْ بهَا عمك عمَارَة قَالَ فَأَتَيْته وَجهه إِلَى الْحَائِط فَسلمت فَقَالَ من أَنْت قلت ابْن اخيك الْفضل بن الرّبيع
стр. 141
فَقَالَ مرْحَبًا بك فَقلت لَهُ اخوك يقرؤك السَّلَام وَيَقُول لَك ذكرت امير الْمُؤمنِينَ امرك فَاعْتَذر من غفلته عَنْك وَأمر لَك بِهَذَا المَال فَقَالَ لي قد كَانَ طَال لزومك لنا وَكُنَّا نحب أَن نكافئك على ذَلِك وَلم يمكنا قبل ذَلِك انْصَرف بِالْمَالِ فَهُوَ لَك قَالَ فرهبته أَن ارد عَلَيْهِ فَتركت النِّعَال على بَابه وانصرفت إِلَى أبي واعلمته الْخَبَر فَقَالَ يَا بني خدها بَارك الله لَك فِيهَا فَلَيْسَ عمَارَة مِمَّن يُرَاجع وَدخل عمَارَة على الْمهْدي فأعظمه فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَهُ رجل من أهل الْمَدِينَة من القرشيين يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من هَذَا الَّذِي اعظمته هَذَا الاعظام كُله فَقَالَ لَهُ هَذَا عمَارَة بن حَمْزَة مولَايَ فَسمع عمَارَة كَلَام الْمهْدي فَرجع اليه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جَعَلتني كبعض خبازيك وفراشيك إِلَّا قلت هَذَا عمَارَة بن حَمْزَة بن مَيْمُون مولى عبد الله بن عَبَّاس ليعرف النَّاس مَكَاني مِنْك
وأخرجت اليه يَوْمًا أم سَلمَة عقدا لَهُ قيمَة جليلة وَقَالَت للخادم اعلمه انني أهديته اليه فَأَخذه بِيَدِهِ وشكر أَبَا الْعَبَّاس وَوَضعه بَين يَدَيْهِ ونهض فَقَالَت أم سَلمَة لأبي الْعَبَّاس إِنَّمَا أنسيه فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس للخادم الْحَقْهُ بِهِ وَقل لَهُ هَذَا لَك فَلم خلفته فَلَمَّا لحقه قَالَ مَا هُوَ لي فاردده فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ لَك فَقَالَ أَن كنت صَادِقا فَهُوَ لَك فَانْصَرف الْخَادِم بِالْعقدِ فاشترته أم سَلمَة من الْخَادِم بِعشْرين ألف دِينَار واخباره فِي الْمَكْر المفرط والتيه الزَّائِد كَثِيرَة وَهَذَا نموذج مِنْهَا وَله تصانيف مِنْهَا كتاب رِسَالَة الْخَمِيس الَّتِي تقْرَأ على بني الْعَبَّاس وَكتاب رسائل الْمَجْمُوعَة وَكتاب الرسَالَة الماهانية مَعْدُودَة فِي كتب الفصاحة الجيدة وَقَالَ فِيهِ بعض شعراء أهل الْبَصْرَة شعر
(أَرَاك وَمَا ترى إِلَّا بِعَين ... وعينك لَا ترى إِلَّا قَلِيلا)
(وَأَنت إِذا نظرت بملء عين ... فَخذ من عَيْنك الْأُخْرَى كَفِيلا)
стр. 142
(كَأَنِّي قد رَأَيْتُك بعد شهر ... بِبَطن الْكَفّ تلتمس السبيلا)
وَمن شعر عمَارَة بن حَمْزَة
(لَا تشكون دهرا صححت بِهِ ... أَن الْغَنِيّ فِي صِحَة الْجِسْم)
(هبك الْأَمَام اكنت مُنْتَفعا ... بغضارة الدُّنْيَا مَعَ السقم)
٤٨ - عَمْرو بن اللَّيْث الصفار
اخو يَعْقُوب بن اللَّيْث السجسْتانِي الْملكَيْنِ كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ صفارين بسجستان يصنعان النّحاس وَقَالَ بَعضهم أَن عمرا كَانَ مكاري حمير قَالَ عبيد الله بن طَاهِر عجائب الدُّنْيَا ثَلَاث جَيش الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي يؤسر الْعَبَّاس وَيسلم وَحده وَيقتل جَمِيع جَيْشه وَكَانُوا عشرَة آلَاف قَتلتهمْ القرامطة وجيش عَمْرو بن اللَّيْث يؤسر عَمْرو وَحده وَيَمُوت فِي سجن الْخَلِيفَة وَيسلم جَمِيع جَيْشه وَكَانُوا خمسين الْفَا وَأَنا أترك فِي بَيْتِي بطالا ويولي ابْني أَبُو الْعَبَّاس واما عَمْرو الْمَذْكُور فَإِنَّهُ تغلب على مملكه فَارس بعد موت اخيه بالقولنج سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَجَرت لَهما امور يطول شرحها وتنقلت بهما الاحوال إِلَى أَن بلغا دَرَجَة السلطنة بعد الصَّنْعَة فِي الصفر وَكَانَ عَمْرو جميل السِّيرَة فِي جَيْشه وَكَانَ فِي خدمَة زَوجته ألف وَسبع مائَة جَارِيَة وَدخل فِي طَاعَة الْخُلَفَاء وَولي للمعتضد امرة خُرَاسَان واسره أَصْحَاب اسماعيل بن احْمَد مُتَوَلِّي
стр. 143
مَا وَرَاء النَّهر لما أَن حاربه وَتُوفِّي فِي حُدُود التسعين وَمِائَتَيْنِ وَلما تولى الْأَمر عَمْرو بعد أَخِيه يَعْقُوب احسن السياسة وَالتَّدْبِير وَذكر السلَامِي فِي إِخْبَار خُرَاسَان كثيرا من نهضته وكفايته وقيامه بقواعد الْولَايَة وَذكر انه كَانَ ينْفق فِي الْجَيْش كل ثَلَاثَة اشهر مرّة ويحضر هُوَ بِنَفسِهِ على ذَلِك وينادي الْمُنَادِي اولا باسم عَمْرو بن اللَّيْث فَيقدم دَابَّته إِلَى الْعَارِض فيتفقدها ويتفقد جَمِيع آلتها وَيَأْمُر بِوَزْن ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَتحمل اليه فِي صرة فَيَأْخُذ الصرة ويقلبها وَيَقُول الْحَمد لله الَّذِي وفقني لطاعة امير الْمُؤمنِينَ حَتَّى اسْتَوْجَبت مِنْهُ الرزق ثمَّ يَضَعهَا فِي خفه فَتكون لمن ينْزع خفه ثمَّ يدعى بعد ذَلِك بأصحاب الرسوم على مَرَاتِبهمْ فيستعرضون بآلاتهم التَّامَّة ودوابهم الفره ويطالبون بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج اليه الْفَارِس والراجل صَغِير آله وكبيرها فَمن أخل بإحضار شَيْء مِنْهَا حرمُوهُ رزقه فَاعْترضَ يَوْمًا فَارِسًا وَكَانَت دَابَّته فِي غَايَة الهزال فَقَالَ عَمْرو مَا هَذَا تَأْخُذ رزقنا فتنفقه على امْرَأَتك فتسمنها وتهزل دابتك الَّتِي تحارب عَلَيْهَا وَبهَا تَأْخُذ الرزق اذْهَبْ فَلَيْسَ لَك عِنْدِي رزق فَقَالَ الجندي جعلت لَك الْفِدَاء لَو عرضت امْرَأَتي لاستسمنت فرسي فَضَحِك عَمْرو وَأمر بإعطائه وَقَالَ لَهُ استبدل بدابتك وَلما عزل رَافع بن هرمة عَن خُرَاسَان تولاها عَمْرو بن اللَّيْث وَبَقِي رَافع بِالريِّ ثمَّ انه هادن الْمُلُوك المجاورين لَهُ ليستعين بهم على عَمْرو بن اللَّيْث فَلَمَّا تمّ لَهُ ذَلِك خرج إِلَى نيسابور فواقعه عَمْرو بن اللَّيْث فِي شهر ربيع الاخرة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فَهَزَمَهُ عَمْرو وَتَبعهُ إِلَى ابيورد فَدخل إِلَى نيسابور فَأَتَاهُ عَمْرو وحاصره فَانْهَزَمَ رَافع أَيْضا هُوَ وَأَصْحَابه وَوصل إِلَى خوارزم على الجمازات فَقتله امير خوارزم وحز رَأسه وَحمله إِلَى عَمْرو وَهُوَ بنيسابور فانفذ عَمْرو وَرَأسه
стр. 144
إِلَى المعتضد فَأمر بنصبه فِي الْجَانِب الشَّرْقِي إِلَى الظّهْر وحول إِلَى الغربي بَقِيَّة النَّهَار وصفت خُرَاسَان إِلَى شط جيحون وَسَأَلَ عَمْرو أَن يوليه عمل مَا وَرَاء النَّهر مثل مَا كَانَ رسم عبد الله بن طَاهِر فوعده بذلك وَأرْسل اليه المعتضد هَدَايَا وَهُوَ بنيسابور فَأبى قبُولهَا دون الْوَفَاء بِمَا وعده فَكتب اليه الرَّسُول بذلك فَكتب لَهُ المعتضد الْعَهْد وَحمله اليه مَعَ الْهَدَايَا وَكَانَ فِيهَا سبع دسوت خلع فَوضعت بَين يَدي عَمْرو بن اللَّيْث وأفاض الرَّسُول عَلَيْهِ الْخلْع وَاحِدَة بعد أُخْرَى وَكلما لبس خلعة صلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ وضع الْعَهْد قدامه فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ الَّذِي سَأَلته فَقَالَ عَمْرو وَمَا أصنع بِهِ فَإِن اسماعيل بن احْمَد لَا يسلم ذَلِك إِلَّا بِمِائَة ألف سيف قَالَ أَنْت سَأَلت فشمر الان وباشر عَمَلك فَأخذ الْعَهْد وَقَبله وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وانفذ عَمْرو إِلَى الرَّسُول وَمن مَعَه سبع مائَة ألف دِرْهَم وجهز إِلَى اسماعيل بن احْمَد جَيْشًا فَعبر اليهم اسماعيل نهر جيحون وَقتل بَعضهم وَهزمَ البَاقِينَ وَعَمْرو بن اللَّيْث فِي نيسابور وَرجع اسماعيل إِلَى بُخَارى وَكَانَ عَمْرو قد جهز اليه مُحَمَّد بن بشير فَقتل وحز رَأسه كَانَ اسماعيل بن احْمَد قد كتب إِلَى عمر انك قد وليت دنيا عريضة وَأَنا فِي يَدي ثغرما وَرَاء النَّهر فاقنع بِمَا فِي يدك واتركني مُقيما بِهَذَا الثغر فَأبى عَلَيْهِ وحاربه وَكَانَ اسماعيل قد ذكر لَهُ أَمر بَلخ وَشدَّة عبوره وَقَالَ عَمْرو لَو شِئْت اسكره بالبذر من الْأَمْوَال وعبرته فَلَمَّا يئس اسماعيل مِنْهُ جمع من مَعَه من الابناء والدهاقين وَعبر النَّهر إِلَى الْجَانِب الغربي وَجَاء عَمْرو فَترك
стр. 145
بَلخ واخذ اسماعيل عَلَيْهِ النواحي وَلم يكن بَينهم قتال كثير حَتَّى هزم عَمْرو وَولى هَارِبا وَمر بأجمة فِي طَرِيقه قيل لَهُ إِنَّهَا اقْربْ فَقَالَ عَمْرو لعامة من مَعَه امضوا فِي الطَّرِيق الْوَاضِح وَمضى فِي نفر يسير فَدخل الاجمة فوجلت بِهِ دَابَّته وَوَقعت بِهِ وَلم يكن لَهُ فِي نَفسه حِيلَة وَمضى من مَعَه وَلم يلووا عَلَيْهِ وَجَاء أَصْحَاب اسماعيل فَأَخَذُوهُ اسيرا فَلَمَّا بلغ ذَلِك المعتضد فَرح بِهِ ومدح اسماعيل وذم عمرا وَقَالَ يُقَلّد أَبُو إِبْرَاهِيم اسماعيل كلما فِي يَد عَمْرو وَتوجه اليه الْخلْع ثمَّ أَن اسماعيل خير عمرا بَين أَن يُقيم عِنْده اميرا وَبَين أَن يُوَجه بِهِ إِلَى امير الْمُؤمنِينَ فَاخْتَارَ أَن يُوَجه إِلَى امير الْمُؤمنِينَ واحضرا ثيناس يحمل عمرا إِلَى بَغْدَاد فسلمه اسماعيل اليه وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ قد قيد عمرا وأرسله إِلَى الْخَلِيفَة والى جَانِبه وَاحِد من اصحاب اسماعيل وَبِيَدِهِ سيف وَقَالَ لعَمْرو أَن تحرّك فِي أَمرك أحد رمينَا رَأسك اليه فَلم يَتَحَرَّك أحد وَوصل النَّهر وَفك قيد عَمْرو وَركب الْجند للقائه وَعَمْرو فِي قبَّة قد ارخى جلالها عَلَيْهِ وَلما بلغ إِلَى بَاب السَّلَام انْزِلْ من الْقبَّة والبس دراعة ديباج وبرنس السخط وَحمل على جمل لَهُ سنامان يُقَال لَهُ إِذا كَانَ على هَذِه الصُّورَة الفالج وَكَانَ هَذَا الْجمل مِمَّا اهداه عَمْرو إِلَى الْخَلِيفَة والبس الْجمل الديباج وحلي بذوايب وارسان مفضضه وادخل بَغْدَاد وشقها فِي الشَّارِع الاعظم إِلَى دَار الْخَلِيفَة وَعَمْرو رَافع يَدَيْهِ يَدْعُو ويتضرع دهاءا مِنْهُ فرقت لَهُ الْعَامَّة وامسكت عَن الدُّعَاء عَلَيْهِ ثمَّ ادخل على الْخَلِيفَة وَقد جلس لَهُ واحتفل بِهِ فَوقف بَين يَدَيْهِ سَاعَة وَبَينه وَبَينه قدر خمسين ذِرَاعا فَقَالَ لَهُ هَذَا عَاقِبَة بغيك يَا عَمْرو ثمَّ اخْرُج من بَين يَدَيْهِ إِلَى حجرَة قد أعدت لَهُ ثمَّ أَن المعتضد توفّي وَتَوَلَّى الْأَمر بعده وَلَده المكتفي فَدخل بَغْدَاد من الرقة وامر ثَانِي يَوْم بهدم المطامير الَّتِي
следующие страницы →