Полный текст (530 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الْفَصْل الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ
يَا جَامعا المَال لغيره تَارِكًا للتزود فِي سيره أتحظى بشر كسبك وَيحصل سواك بخيره
(سَابق إِلَى مَالك وراثه ... مَا الْمَرْء فِي الدُّنْيَا بلباث)
(كم صَامت يخنق أكياسه ... قد صلح فِي ميزَان مِيرَاث)
أَيْن جَامع الدُّنْيَا طرحها واطرح أَيْن اللاهي بهَا حزن بعد أَن فَرح جال فِي وصف الْحَرْب عَنْهَا فاغتيل وجرح وَظن الْأَمر سهلا فَإِذا الرجل قد ذبح بَينا هُوَ فِي لذاته يغتبق ويصطبح برح بِهِ أَمر مرحل فَمَا برح نزل وَالله لحدا ضيقا فَمَا ينفسح وَصمت تَحت الثرى فَكَأَنَّهُ لم ينْطق وَلم يَصح وَكتب على قَبره مَا أخر خسر وَمَا قدم ربح وَعدل إِلَى قصره بعد الدّفن فَافْتتحَ وأصبحت سِهَام الْوَارِث فِي مَاله تنتطح يَا معرضًا عَن الْهدى والأمى متضح أَو مَا حالك كَهَذا الْحَال الَّذِي شرح كَأَنَّك بك فِي ضيق خناقك تبْكي على قَبِيح أخلاقك وحبل الدُّمُوع تجْرِي فِي حلبات آماقك وَقد تحيرت عِنْد التفاف ساقك بساقك وأسرت لَا بِقَيْد عَن حركات اطلاقك وناداك تفريطك هَذَا بعض استحقاقك
(لَا تكذبن فإنني ... لَك نَاصح لَا تكذبنه)
(فاعمل لنَفسك مَا اسْتَطَعْت ... فَإِنَّهَا نَار وجنة)
أخواني كم من حَرِيص قد جمع المَال جمع الثريا فرقته الأقدار تَفْرِيق بَنَات نعش يَا ذَا اللب حَدثنِي عَنْك اتنفق الْعُمر الشريف فِي طلب الفاني الرذيل وَيحك إِن الْهوى مرعاد مبراق بِلَا مطر الدُّنْيَا
стр. 247
لَا تَسَاوِي نقل أقدامك فِي طلبَهَا أَرَأَيْت غزالا يَغْدُو خلف كلب الدُّنْيَا مجَاز وَالْأُخْرَى وَطن والأوطار فِي الأوطان أطوار ايثار مَا يفني على مَا يبْقى برسام حاد
يَا أَبنَاء الدُّنْيَا إِنَّهَا مذمومة فِي كل شَرِيعَة وَالْولد عِنْد الْفُقَهَاء يتبع الْأُم يَا من هُوَ فِي حَدِيثهَا انطق من سحبان وَفِي انتقاد الدَّنَانِير أنسب من أغفل فَإِذا ذكرت الْآخِرَة فابله من بَاقِل حيلتك فِي تَحْصِيلهَا أدق من الشّعْر وَأَنت فِي تدبيرها أصنع من النَّحْل وَعين حرصك عَلَيْهَا أبْصر من الْعقَاب وبطن أملك أعطش من الرمل وفم شرهك أشْرب من الهيم تجمع فِيهَا الذَّر جمع الذَّر يَا رَفِيقًا فِي البله لدود القز مَا انتفعت بموهبة الْعقل
(كدود كدود القز ينسج دَائِما ... وَيهْلك غما وسط مَا هُوَ ناسجه)
وَيحك إِن سرورها أقتل من السم وَإِن شرورها أَكثر من النَّمْل إِنَّهَا فِي قَلْبك أعز من النَّفس وسنصير عِنْد الْمَوْت أَهْون من الأَرْض حرصك بعد الشيب أحر من الْجَمْر أُبْقِي عمر يَا أبرد من الثَّلج يَا من هُوَ عَن نحاته أنوم من فَهد ضيعت عمرا أنفس من الدّرّ أَنْت فِي الشَّرّ أجْرى من جواد وَفِي الْخَيْر أَبْطَأَ من أعرج تسْعَى إِلَى العاجل سعي رث وَيَمْشي فِي الْأَجَل مشي فرزان الزكوة عَلَيْك أثقل من أحد والصلوة عنْدك كنقل صَخْر على ظهر وَطَرِيق الْمَسْجِد فِي حسبان كسلك كفرسخي دير كَعْب صدرك عَن حَدِيث الدُّنْيَا أوسع من الْبَحْر وَوقت الْعِبَادَة أضيق من تسعين مَعَاصِيك أشهر من الشَّمْس وتوبتك أخْفى من السهي إِن عرضت خَطِيئَة وَثَبت وثوب النمر فَإِذا لاحت طَاعَة رغت روغان الثَّعْلَب تقدم على الظُّلم أَقْدَام السَّبع وتخطف الْأَمَانَة اختطاف الحدأة يَا أظلم من الجلندي مَا تأمنك غزلان الْحرم يَا كنعان الأمل يَا نمْرُود الْحِيَل يَا نعْمَان الزلل أَنْت فِي حب المَال
стр. 248
شبه الحباحب وَفِي تبذير الْعُمر رَفِيق حَاتِم تمشي فِي الأمل على طَرِيق أشعب وستندم ندامة الكسعي يَا عُذْري الْهوى فِي حب الدُّنْيَا يَا كُوفِي الْفِقْه فِي تَحْصِيلهَا يَا بَصرِي الزّهْد فِي طلب الْآخِرَة إِنَّمَا يتعب فِي تَعْلِيم الْبَازِي ليصيد مَاله قدر وَلما تعلم بازي فكرك أَرْسلتهُ على الْجِيَف
وَيحك تفكر قبل سلوك طَرِيق الْهوى فِي كَثْرَة المعاثر والصدمات أوما المكروهات فِي طي المحبوبات كوامن يَا مُطلقًا نَفسه فِي مَحْظُور شهواتها أذكر الغمس فِي الرمس يَا ذَا البال الناعم فَوق الأَرْض أذكر الناعم الْبَالِي تحتهَا أتلفق وَالزَّمَان يفرق أتؤلف والحدثان يمزق أتصفي والدهر يرنق أتؤمل وَالْمَوْت معوق وَيحك إِن القاصد قاصم وَمَا للعاصي عَاصِم أَنْت فِي أَرْبَاب الذُّنُوب غريق وَفِي روم الْهوى بطرِيق فاحذر عِقَاب الأكابر يَا قَلِيل الْخِبْرَة بِالطَّرِيقِ أطلب رفْقَة إِذا لم تعرف الْقبْلَة بالعلامات فَفِي الْمَسَاجِد محاريب إِذا رَأَيْت قطار التائبين مُتَّصِلا فعلق عَلَيْهِ
(أهل الغرام تجمعُوا ... فاليوم يَوْم عتابنا)
(نعق الْغُرَاب ببيننا ... فغرابنا اغرى بِنَا)
(إِن الَّذين نحبهمْ ... قد وكلوا بعذابنا)
(قومُوا بِنَا بحياتكم ... نمضي إِلَى أحبابنا)
(قوم إِذا ظفروا بِنَا ... جادوا بِعِتْق رقابنا)
من مَشى إِلَيّ هرولت إِلَيْهِ دعوناك بالوسائط فَلم تحضر فَأتى الْمُرْسل ينزل إِلَى السَّمَاء النّظر متشابه والذوق مُحكم
(وَلما رَأَيْت الْحبّ قد جسره ... وَنُودِيَ بالعشاق قومُوا بِنَا فاسروا)
(خرجت مَعَ الأحباب كَيْمَا احوزه ... فصادفني الحرمان وَانْقطع الجسر)
(ومالت بِنَا الأمواج من كل جَانب ... ونادى مُنَاد الْحبّ قد غرق الصَّبْر)
стр. 249
الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ
يَا هَذَا لَو عَايَنت قصر أَجلك لزهدت فِي طول أملك وليقتلنك ندمك إِن زلت بك قدمك
للمتنبي
(إِلَى كم ذَا التواني فِي التواني ... وَكم هَذَا التَّمَادِي فِي التَّمَادِي)
(وَمَا ماضي الشَّبَاب بمسترد ... وَلَا يَوْم يمر بمستعار)
(مَتى لحظت بَيَاض الشيب عَيْني ... فقد وجدته مِنْهَا فِي السوَاد)
(مَتى مَا ازددت من بعد التناهي ... فقد وَقع انتقاصي فِي ازدياد)
إِلَى مَتى تحرص على الدُّنْيَا وتنسى الْقدر من الَّذِي طلب مَا لم يقدر فَقدر لقد أذاك إِذْ ذَاك النصب وأوقعك الْحِرْص فِي شرك الشّرك إِذْ نصب أتحمل على نَفسك فَوق الْجَسَد وَلَو قنعت أراحك الزّهْد فلماذا تحمل مَا آذَى وَلمن وَمن ينفعك إِن قتلت نَفسك يَا هَذَا وَمن تحمل على الْهم الْهم لآمر لَو قضى تمّ أحرصا على الدُّنْيَا لَا كَانَت أم شكا فِي عيوبها فقد بَانَتْ
(رَأَيْت ظنوني بهَا كالسراب ... فأيقنت أَن سرابي سرابي)
كم غرت الدُّنْيَا فرخها فعرت ثمَّ ذبحته بمدية مَا مرت إِنَّهَا لتقتل صيادها وَتقتل أَوْلَادهَا
(عَزِيز على مهجتي غرني ... وَسلم لي الْوَصْل واستسلما)
стр. 250
(فَلَمَّا تملكني واحتوى ... على مهجتي سل مَا سلما)
وَالله لَو كنت من رياشها أكسى من الْكَعْبَة لم تخرج مِنْهَا إِلَّا أعرى من الْحجر وَالْأسود
قيل لراهب مَا الَّذِي حبب إِلَيْك الْخلْوَة وطرد عَنْك الفترة قَالَ وثبة الأكياس من فخ الدُّنْيَا
وَقيل لآخر لم تخليت عَن الدُّنْيَا فَقَالَ خوفًا وَالله من الْآخِرَة أَن تتخلى عني
من غرس فِي نَفسه شرف الهمة فنبت نبت عَن الأقذار وَمن اسْتَقر ركن عزيمته وَثَبت وَثَبت نَفسه عَن الأكدار
(قد انْقَضى الْعُمر وَأَنت فِي شغل ... فاجسر على الْأَهْوَال إِن كنت رجل)
يَا زمن الهمة يَا مقْعد الْعَزِيمَة يَا عليل الْفَهم يَا بعيد الذِّهْن
(أما اشْتقت مغنى الْهوى حِين طَابَ ... ومنبت غُصْن الصَّبِي حِين مَالا)
(أما آن من نازح أَن يحن ... وللوصل من هَاجر أَن يدالا)
سَار المجدون وَتَرَكُوك وَنَجَا المخفون وخلفوك نادهم إِن سمعوك واستغث بهم إِن رحموك
(أَيهَا الراحلون من بطن خيف ... وركاب النَّوَى بهم تترامى)
(إِن أتيتم وَادي الْأَرَاك فاهدوا ... لحبيبي تحيتي والسلاما)
(وردوا مَاء ناظري عوض الْغدر ... إِن وارعوا بَين الحشى لَا الخزامى)
(واطلبوا إِلَى قلبِي وآيته إِن ... تَجدوا فِيهِ من هواهم سهاما)
يَا من أبعدته الْخَطَايَا عَنْهُم أدرج مرحلة الْهوى وَقد وصلت أَنْت تتعلل للكسل بِالْقدرِ فَتَقول لَو وفقني ولكسب الشَّهَوَات بالندب إِلَى الْحَرَكَة ﴿فامشوا فِي مناكبها﴾ أَنْت فِي طلب الدُّنْيَا
стр. 251
قدري وَفِي طلب الدّين جبري أَي مَذْهَب وَافق غرضك تمذهب بِهِ أوليس فِي الْإِجْمَاع ﴿من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾ جسدك عندنَا وقلبك فِي الْبَيْت نَحن فِي وَاد وَأَنت فِي وَاد
(بكرت صبحا عواذله ... ورسيس الْحبّ قَاتله)
(هوى فِي وَاد ولسن بِهِ ... والهوى عَنْهُن شاغله)
(يتمنين السلو لَهُ ... ومناه من يواصله)
لَا بُد وَالله من قلق وحرقة أما فِي زَاوِيَة التَّعَبُّد أَو فِي هاوية الطَّرْد إِمَّا أَن تحرق قَلْبك بِنَار النَّدَم على التَّقْصِير والشوق إِلَى لِقَاء الحبيب وَإِلَّا فَنَار جَهَنَّم أَشد حرا
(شجاك الْفِرَاق فَمَا تصنع ... أتصبر للبين أم تجزع)
(إِذا كنت تبْكي وهم جيرة ... فَمَاذَا تَقول إِذا ودعوا)
القلق القلق يَا من سلب قلبه والبكاء الْبكاء يَا من عظم ذَنبه
كَانَ الشبلي يَقُول فِي مناجاته لَيْت شعري مَا أسمي عنْدك يَا علام الغيوب وَمَا أَنْت صانع فِي ذُنُوبِي يَا غفار الذُّنُوب وَبِمَ تختم عَمَلي يَا مُقَلِّب الْقُلُوب وَكَانَ يَصِيح فِي جَوف اللَّيْل قُرَّة عَيْني وسرور قلبِي مَا الَّذِي أسقطني من عَيْنك أقلت هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك
(هجرانك قاتلي سَرِيعا ... والهجر من الجيب قَاتل)
(إِن كنت نسيتني فعندي ... شغل بك لَا يزَال شاغل)
(قلبِي يهواك لَيْت شعري ... مَا أَنْت بذا الْمُحب فَاعل)
(حَقًا قد قلت يَا حَبِيبِي قَامَ على قولي الدَّلَائِل)
стр. 252
(شوق وجوى ونار وجد ... تذكي بعظائم البلابل)
(سَائل دمعي فجفن عني ... لَا يبرح بالبكاء سَائل)
(إِن جن لي اللَّيْل يَا حَبِيبِي ... فجنة الْقلب فِي الرسائل)
(أبكى مَا كَانَ من وصال ... والحزن تهيجه الْمنَازل)
(هَذَا خدي على ثراكم ... لَا أبرحه وَلَا ازايل)
(إِن أَنْت طردتني فويلي ... بعد الْأَعْرَاض من أواصل)
(كلا والجود لي شَفِيع ... والجود مقدم الْوَسَائِل)
стр. 253
الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ
يَا من بَين يَدَيْهِ الْأَهْوَال والعجائب وقدما نوى لَهُ الدَّهْر النوائب أما سهم المصائب كل يَوْم صائب أحاضر فَتحمل من عتبنا كلا بل أَنْت غَائِب
(وَكَيف قرت لأهل الْعلم أَعينهم ... أَو استلذوا لذيذ النّوم أَو هجعوا)
(وَالْمَوْت ينذرهم جَهرا عَلَانيَة ... لَو لَيْسَ للْقَوْم اسماع لقد سمعُوا)
(وَالنَّار ضاحية لَا بُد موردهم ... وَلَيْسَ يَدْرُونَ من ينجو وَمن يَقع)
(قد أمست الطير والأنعام آمِنَة ... وَالنُّون فِي الْبَحْر لن يغتالها فزع)
(والأدمى بِهَذَا الْكسْب مُرْتَهن ... لَهُ رَقِيب على الْأَسْرَار يطلع)
(حَتَّى يوافيه يَوْم الْجمع مُنْفَردا ... وخصمه الْجلد والأبصار والسمع)
(إِذْ النَّبِيُّونَ والأشهاد قَائِمَة ... وَالْجِنّ وَالْإِنْس والأملاك قد خشعوا)
(وطارت الصُّحُف فِي الْأَيْدِي ... منشرة فِيهَا السرائر وَالْأَخْبَار تطلع)
(فَكيف سهوك والأنباء وَاقعَة ... عَمَّا قَلِيل وَلَا تَدْرِي مِمَّا يَقع)
(أَفِي الْجنان وَفَوْز لَا انْقِطَاع لَهُ ... أم الْجَحِيم فَلَا تبقى وَلَا تدع)
(تهوى بساكنها طورا وترفعهم ... إِذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا)
(طَال الْبكاء فَلم يرحم تضرعهم ... هَيْهَات لَا رقة تغي وَلَا جزع)
(لينفع الْعلم قبل الْمَوْت عالمه ... قد سَالَ قوم بهَا الرَّجْعِيّ فَمَا رجعُوا)
يَا من عمره يقد بالساعات ويعد بالأنفاس يَا خل الأمل خل أَحَادِيث الوسواس يَا طَوِيل الرقاد إِلَى كم ذَا النعاس قد بَقِي الْقَلِيل لَا ريب وَهَذَا الشيب يقْلع الأغراس إِن فِي الْمَقَابِر إِن فِي الْمَقَابِر عبرا وَمَا أَدْرَاك مَا الأدراس تالله لَو سكن الْيَقِين الْقلب لضَرَبْت أَخْمَاسًا
стр. 254
فِي أَسْدَاس هَل تَجِد لماضي الْعُمر لَذَّة وَالْبَاقِي على الْقيَاس مَاذَا التهول فِي الْبَوَار وجر الأذيال فِي الخسار كَأَنَّك لم تسمع بجنة وَلَا نَار لهيب حرصك مَا يطفي وَشر شرهك مَا يخفى أَتَرَى هَذَا على مَاذَا أَلَيْسَ لما إِذا قيل آذَى
أَنْت فِي طلب الدُّنْيَا أحير من صب تبيت فِي عَشِقَهَا أسهر من صب أَيْن مَا حلا فِي الْفَم وحلى فِي الْعين ذهب الْكل وَأَنت تَدْرِي إِلَى أَيْن مَا أصعب السباحة فِي غَدِير التمساح مَا أشق السّير فِي الأَرْض المسبعة إِن المفروح بِهِ هُوَ المحزون عَلَيْهِ غير أَن عين الْهوى عميا طاير الطَّبْع يرى الْحبَّة لَا الشّرك ضيعت سهادك بسعادك رمتك إِلَى الْهِنْد هِنْد صيرت نهارك لَيْلًا ليلى وَيحك ربات الظُّلم ظلم كم أراق الْهوى دَمًا فِي دمن وَيحك دع سلمى وسل مَا ينفعك دعة لمثلك ترك دعد للنوى وسعادة لَك هِجْرَة لسعاد قطع الطمع من خضر الدُّنْيَا بمُوسَى الياس تجمع للقلب عزم الْخضر ومُوسَى والياس
يَا معشر الْفُقَرَاء الصَّادِقين قد لبستم حلَّة الْفقر فتجملوا بحلية الكتمان اصْبِرُوا على عَطش الزّهْد وَلَا تشْربُوا من مشربَة من فالحرة تجوع وَلَا تَأْكُل بثدييها لَا تسألوا سوى مولاكم فسؤال العَبْد غير سَيّده تشنيع عَلَيْهِ إِن الْفَقِير ترك الدُّنْيَا إنفة رَآهَا قَاطعا فقاطع جَازَ على جيفة مستحيلة فسد منخر الظّرْف وأسرع الْأنف الأشم لَا يشم رذيلة بَينا هُوَ فِي قطع فيافي القناعة وَقع بكنز مَا وجده الْإِسْكَنْدَر فقلبه أغْنى من قَارون وبيته أفرغ من فؤاد أم مُوسَى كَانَ ابراهيم ابْن أدهم يُعْطي عَطاء الْأَغْنِيَاء وَهُوَ فَقير ويستدين عَلَيْهِ ثمَّ يُؤثر بِهِ للشريف الرضى
(وهم ينفذون المَال فِي أول الْغنى ... ويستأنفون الصَّبْر فِي آخر الصَّبْر)
стр. 255
(مغاوير فِي الْجَلِيّ مغايير فِي الْحمى ... مفاريج للغمي مداريك للوتر)
(وتأخذهم فِي سَاعَة الْجُود هزة ... كَمَا خايل المطراب عَن نزوة الْخمر)
(فتحسبهم فِيهَا نشاوى من الْغنى ... وهم فِي جلابيب الْخَصَاصَة والفقر)
(عَظِيم عَلَيْهِم أَن يمنوا بِلَا يَد ... وهين عَلَيْهِم أَن يبيتوا بِلَا وفر)
(إِذا نزل الْحَيّ الْغَرِيب تقارعوا ... عَلَيْهِ فَلم يدر الْمقل من المثري)
(يميلون فِي شقّ الْوَفَاء مَعَ الردى ... إِذا كَانَ مَحْبُوب الْبَقَاء مَعَ الْغدر)
أحكم الْقَوْم الْعلم فَحكم عَلَيْهِم بِالْعَمَلِ فقاطعوا التسويف الَّذِي يقطع أَعمار الأغمار وانتبهوا فانتبهوا اللَّيْل وَالنَّهَار أخرجُوا قوى العزائم إِلَى الْأَفْعَال فَلَمَّا قضوا دُيُون الْجد قَضَت علومهم بالحذر من الرَّد أَقْدَامهم على أَرض التَّعَبُّد قد ألفت الصفون تعتمد على سنابك الحذر فَإِذا أثر عِنْدهَا النصب راوحت بَين أرجل الرَّجَاء قُلُوب كالذهب ذهب غشه أنفاسهم لَا تخفى نُفُوسهم تكَاد تطفى لون الْمُحب غماز دمع المشوق نمام
(اخفي كمدي ودمع عَيْني ... فِي الخد على هَوَاك شَاهد)
(فالجفن بلوعتي مقرّ ... للعاذل وَاللِّسَان جَاحد)
إشتد الْخَوْف يَوْمًا بإبراهيم بن أدهم فَسَأَلَ الرَّاحَة فعوتب
(لَو شِئْت داويت قلبا أَنْت سقمه ... وَفِي يَديك من الْبلوى سَلَامَته)
(عَلامَة كتبت فِي خد عارفكم ... من كَانَ مثلي فقد قَامَت قِيَامَته)
ضجت النَّاقة لثقل الْحمل رَأَتْ عظامها قد فرغت ففغرت فَم الشكوى فرغت
(يَا حادي العيس قد براها ... حمل هموم لَهَا عِظَام)
(رفقا بهَا أَنَّهَا جُلُود ... ملصقات على عِظَام)
стр. 256
(أشواقها خلفهَا وشوقي ... خلاف أشواقها أَمَامِي)
تمادي فِي قلب الْعَارِف جبل الْخَوْف وجبل الْحزن فَلَمَّا وصل إسكندر الْفِكر عبربي زبر الهموم حَتَّى إِذا سَاوَى بَين الصدفين صَاح بِجُنُود الْفَهم إنفخوا فاستغاث الْوَاجِد لتراكم الكرب
(أيا جبلى نعْمَان بِاللَّه خليا ... نسيم الصِّبَا يخلص إِلَى نسيمها)
(أجد روحها أَو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبْق إِلَّا صميمها)
(لِأَن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت ... على نفس مكروب تجلت همومها)
стр. 257
الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
أخواني رحيل من رَحل عَنَّا نَذِير لنا عَنَّا وَمَا جرى على من تقدمنا وعظ لنا
للشريف الرضى
(مَا أسْرع الْأَيَّام فِي طينا ... تمْضِي علينا ثمَّ تمْضِي بِنَا)
(فِي كل يَوْم أمل قد نأى ... مرامه عَن أجل قد دنا)
(انذرنا الدَّهْر وَمَا نرعوي ... كَأَنَّمَا الدَّهْر سوانا عَنَّا)
(تعاشيا وَالْمَوْت فِي جده ... مَا أوضح الْأَمر وَمَا أَبينَا)
(وَالنَّاس كالأجمال قد قربت ... تنْتَظر الْحَيّ لَان يظعنا)
(تَدْنُو إِلَى العشب وَمن خلفهَا ... مقامر يطردها بالقنا)
(أَيْن الأولى شادوا مبانيهم ... تهدموا قبل انهدام الْبَنَّا)
(لَا معدم يحميه إعدامه ... وَلَا يقي نفس الْغَنِيّ الْغنى)
(كَيفَ دفاع الْمَرْء احداثها ... فَردا واقران اللَّيَالِي ثنى)
(حط رجال وركبنا الذرى ... وَعقبَة السّير لمن بَعدنَا)
(والحازم الرَّأْي الَّذِي يغتذي ... مستقلعا ينذر مستوطنا)
(لَا يَأْمَن الدَّهْر على غرَّة ... وَعز لَيْث الغاب أَن يؤمنا)
(كم غارس أمل فِي غرسه ... فاعجل الْمِقْدَار أَن يجتنى)
стр. 258
مَا هَذَا التَّقْصِير فِي الْعُمر الْقصير مَا هَذَا الزهو يَا من إِلَى البلى يصير كم فرق الْمَوْت أميرة أَمِير كم ازار الالحاد من وَزِير وَسوى فِي الْقُبُور بَين من هجر وَزِير أَيْن الْأَبْطَال الَّذين خاطرهم خطير طَال مَا اقْتَتَلُوا حَتَّى كسروا القنا على القناطير تالله لقد أَمْسوا حَتَّى أَصبَحت خيل الْمَوْت تعثي وَتغَير ونزلوا لحدا كَبِيرا غير كَبِير وَرَأَوا كل مُنكر من مُنكر وكل نَكِير من نَكِير فهم مفترقون فِي الْقُبُور فَإِذا اجْتَمعُوا بنفخة الصُّور عَاد شراب الْفِرَاق قد أدير ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾
يَا غافلا وَالْمَوْت يسْعَى فِي طلبه يَا مَشْغُولًا بلهوه مفتونا بلعبه يَا مُشْتَريا رَاحَة تفنى بطول تَعبه أما عللت مَرِيضا وَرَأَيْت كرب كربه أما شيعت ملكا فَرَجَعت إِلَى سلبه أما تخلى عَن مَاله وتخلى بمكتسبه انفعه غلو عزه أَو علو نسبه لقد ناجاك قَبره وناداك أمره فانتبه وَلَقَد ضره هَوَاهُ فَلَا تلهج أَنْت بِهِ لَا تغرنك السَّلامَة فَمَعَ الخواطي سهم صائب
نظر شباب إِلَى شيخ ضَعِيف الْحَرَكَة فَقَالَ يَا شيخ من قيدك فَقَالَ الَّذِي خلفته يفتل قيدك
(من أخطأته سِهَام الْمَوْت قَيده ... طول السنين فَلَا لَهو وَلَا غزل)
(وضاق من نَفسه مَا كَانَ متسعا ... حَتَّى الرَّجَاء وَحَتَّى الْعَزْم والأمل)
الشَّبَاب باكورة الحيوة والشيب رِدَاء الردى إِذا قرع الْمَرْء بَاب الكهولة فقد اسْتَأْذن على البلا يَا رهين الْإِثْم على الْعقُوبَة لَيْسَ لَك من يستفكك إِلَّا التَّوْبَة الْمُنْقَطع فِي قيد يتلَقَّى الْحَاج منكس الرَّأْس رب خجلة تمت النَّاقِص كَانَ بعض الْأَشْيَاخ يَقُول إلهي من عَادَة الْمُلُوك أَنهم إِذا كبر لَهُم مَمْلُوك أعتقوه وَقد كَبرت فأعتقني وقف أعجمي عِنْد الْكَعْبَة وَالنَّاس يدعونَ وَهُوَ سَاكِت ثمَّ أَخذ بلحيته فَرَفعهَا وَقَالَ يَا خداه شيخ كَبِير
стр. 259
(لما أتونا والشيب شافعهم ... وَقد توالى عَلَيْهِم الخجل)
(قُلْنَا لتِلْك الصحائف انقلبي ... بيضًا فَإِن الشُّيُوخ قد عقلوا)
يَا معاشر الشَّبَاب إنتبهوا القوى فِي التَّقْوَى فَلَو قد حل المشيب حل التَّرْكِيب إِذا هلك أَمِير الشَّبَاب وَقع الشتات فِي الْعَسْكَر الشَّبَاب رياض والشيب قاع قفر فاستصحبوا الزَّاد قبل دُخُول الفلاة
يَا قَومنَا الْفَوَائِد فوايت كف من تبذير يوذي فَكيف ببيذر من رعونة إِذا كَانَت الْقُلُوب عقما عَن الْفِكر واتفقت عنة الْفَهم فَلَا وَجه لنسل الْفَضَائِل الْخَوْف ذكر والرجاء أُنْثَى ومخنث البطالة إِلَى الأناث أميل من زرع بذر الْعَمَل فِي أرجاء الرجا وَلم تقع عَلَيْهِ شمس الحذر جَاءَت ثماره فجة الْجَاهِل ينَام على فرَاش الْأَمْن فيثقل نَومه فتكثر أَحْلَام أمانيه والعالم يضطجع على مهاد الْخَوْف وحارس الْيَقَظَة يوقظه من فهم معنى الْوُجُود علم عزة النجَاة النَّفس طَائِر قد أرسل من عبادان التَّعَبُّد محملًا كتاب الْأَمَانَة إِلَى دَار الْملك والعدو قد نصب لَهُ صنوف الْإِشْرَاك يلوح فِي ضمنهَا الْحبّ المحبوب فَإِن تمّ كَيده فَهُوَ صَيْده وَإِن خبر الْخَبَر عبر يَا أطيار الفهوم احذري مرَاعِي الهموم فثم عقبان التّلف وَمن نجا مِنْهَا بعد الْمُحَاربَة أفلت مكسور الْجنَاح وَاعجَبا لبلبل الفطنة كَيفَ اغْترَّ بفخ الْفِتْنَة للشريف الرضى
(يَا قلب كَيفَ علقت فِي اشراكهم ... وَلَقَد عهدتك تفلت الاشراكا)
(لَا تشكون إِلَى وجدا بعْدهَا ... هَذَا الَّذِي جرت عَلَيْك يداكا)
من حدق بَصَره إِلَى طرف الدُّنْيَا طرفت عينه من أصغى إِلَى حَدِيث الْهوى أورثه الصمم عَن النصائح خست همة فِرْعَوْن فاستعظم الحقير ﴿أَلَيْسَ لي ملك مصر﴾ يَا دني النَّفس حِمَارك ينهق
стр. 260
من كف شعير يرَاهُ الدُّنْيَا كلهَا كجناح بعوضة فَمَا نِسْبَة مصر إِلَيْهَا صبي الْفَهم يشْغلهُ لون الصدفة والمتيقظ يرى الدرة يَا هَذَا إِذا لاحت لَك شَهْوَة فقف متدبرا عواقبها وَقد بردت حرارة الْهوى فَبين النجَاة والهلاك فوَاق وَاعجَبا أنفقت المَال الْمَسْرُوق وَبَقِي الْقطع
(أبْكِي زللي واشتكي آثامي ... فِي سفك دمي تقدّمت أقدامي)
(مَا ابصرت إِلَّا والبلا قدامي ... مَا أسْرع مَا أصَاب قلبِي الرَّامِي)
ضرّ وَالله التَّخْلِيط آدم ونفعت الحمية يُوسُف ملك هَوَاهُ فَملك زليخا أمرضها حبه فَأَرَادَتْ تنَاول مقصودها فِي زمَان الحمية فصاح لِسَان طبه ﴿معَاذ الله﴾ فخلطت فِي بحران الْمَرَض ﴿مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا إِلَّا أَن يسجن﴾ فَلَمَّا صَحَّ الذِّهْن قَالَت ﴿الْآن حصحص الْحق﴾ لما نظر يُوسُف فِي عواقب الذَّنب وَنِهَايَة الصَّبْر فَكف الْكَفّ اطلع بتعليم التَّأْوِيل على عواقب الرُّؤْيَا دخل الْيَوْم مُوسَى وعظى إِلَى مَدِينَة مَدين قَلْبك فَوجدَ فِيهَا رجلَيْنِ يقتتلان الْقلب والهوى فاستغاثه الَّذِي من شيعته وَهُوَ الْقلب على الَّذِي من عدوه وَهُوَ الْهوى فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ فَكَانَ قتل الْهوى سَببا لِلْخُرُوجِ من قصر مصر الْغَفْلَة إِلَى شعب شُعَيْب الْيَقَظَة فَالْآن يناديك لِسَان الْمُعَامَلَة هَل لَك فِي بُلُوغ عرضك على أَن تَأْجُرنِي فَإِن وفيت انقلبت إِلَى لذاتك مَسْرُورا واسترجح لَك التكليم على طور الْجنَّة فَإِن صَحِبت فِرْعَوْن الْهوى غرقت بعبورك يَوْم أَلِيم
стр. 261
الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ
يَا هَذَا إِنَّمَا خلقت الدُّنْيَا لتجوزها لَا لتحوزها ولتعبرها لَا لتعمرها فَاقْتُلْ هَوَاك المايل إِلَيْهَا وَاقْبَلْ نصحي لَا تعول عَلَيْهَا
لورقة بن نَوْفَل
(لَا شَيْء فِيمَا ترى تبقى بشاشته ... يبْقى الاله وَيُؤَدِّي المَال وَالْولد)
(لم تغن عَن هُرْمُز يَوْمًا خزائنه ... والخلد قد حاولت عَاد فَمَا خلدوا)
(وَلَا سُلَيْمَان إِذْ تجْرِي الرِّيَاح لَهُ ... وَالْإِنْس وَالْجِنّ فِيمَا بَينهَا ترد)
(أَيْن الْمُلُوك الَّتِي كَانَت نوافلها ... من كل أَوب إِلَيْهَا وَافد يفد)
(حَوْض هُنَالك مورود بِلَا كذب ... لَا بُد من رده يَوْمًا كَمَا وردوا)
الدُّنْيَا مزرعة النوائب ومشرعة المصائب ومفرقة المجامع ومجرية المدامع كم سلبت أَقْوَامًا أقوى مَا كَانُوا وَبَانَتْ أحلى مَا كَانَت أحلاما فبانوا ففكر فِي أهل الْقُصُور والممالك كَيفَ مزقوا بكف المهالك ثمَّ عد بِالنّظرِ فِي حالك لَعَلَّه يتجلى الْقلب الحالك إِن لذات الدُّنْيَا لفوارك وَإِن موج بلائها لمتدارك كم حج كعبتها قَاصد فَقتلته قبل الْمَنَاسِك كم علا ذروتها مغرور فَإِذا بِهِ تَحت السنابك كم غرت غرا فَمَا اسْتَقر حَتَّى صيد باشك خلها واطلب خلة ذَات سرُور وسرر وأرائك تالله مَا طيب الْعَيْش إِلَّا هُنَالك
أخواني مَا قعودنا وَقد سَار الركب مَا أرى النِّيَّة الْآنِية يَا مسافرين من عزم تزَود يَا راحلين بِلَا رواحل وطنوا على الإنقطاع لَيْت المحترز نجا فَكيف المهمل يَا أَقْدَام الصَّبْر تحملي فقد بَقِي الْقَلِيل تذكري حلاوة الدعة يهن عَلَيْك مر السرى قد علمت أَيْن الْمنزل فاحدلها تسير
стр. 262
للمهيار
(تغن بالجرعاء يَا سائقها ... فَإِن ونت شَيْئا فزدها الأبرقا)
(واغن عَن السِّيَاط فِي أرجوزة ... بحاجر تَرَ السِّهَام المرقا)
(واستقبال الرّيح الصِّبَا بخطمها ... تَجِد سرى مَا وجدت منتسقا)
(إِن لَهَا عِنْد الْحمى وَأَهله ... تعلقا من حبها وعلقا)
(وكل مَا تزجره حداتها ... رعى الْحمى رب الْغَمَام وَسَقَى)
(حواملا مِنْهَا هموما ثقلت ... وانفسا لم تبْق إِلَّا رمقا)
(تحملنا وَإِن عرين قصبا ... وَإِن دمين أذرعا وأسوقا)
(دَامَ عَلَيْهَا اللَّيْل حَتَّى أَصبَحت ... تحسب فجر ذَات عرق شفقا)
(عرج على الْوَادي فَقل عَن كَبِدِي ... مَا شِئْت للبان الجوى والحرقا)
الْجنَّة ترْضى مِنْك بالزهد وَالنَّار تنْدَفع عَنْك بترك الذَّنب والمحبة لَا تقع إِلَّا بِالروحِ
(إِن سُلْطَان حبه ... قَالَ لَا أقبل الرشا)
مَا سلك الْخَلِيل طَرِيقا أطيب من الفلاة الَّتِي دَخلهَا لما خرج من كَفه المنجنيق زِيَارَة تسْعَى فِيهَا أَقْدَام الرِّضَا على أَرض الشوق شابت لَيْلَة فزجني فِي النُّور وَقَالَ هَا أَنْت وَرَبك
(زرناك شوقا وَلَو أَن النَّوَى بسطت ... فرش للفلا بَيْننَا جمرا لزرناك)
رَآهُ جِبْرِيل وَقد ودع بلد الْعَادة فَظن ضعف أَقْدَام المتَوَكل
стр. 263
فَعرض عَلَيْهِ زَاد أَلَك حَاجَة فَرده بأنفة أما إِلَيْك فَلَا قَالَ فسل مَوْلَاك قَالَ علمه بحالي يغنيني عَن سُؤَالِي
(تملكوا واحتكموا ... وَصَارَ قلبِي لَهُم)
(تصرفوا فِي ملكهم ... فَلَا يُقَال ظلمُوا)
(إِن وصلوا محبهم ... أَو قطعُوا لَهُم هم)
(يَا أَرض سلع اخبري ... وحدثيني عَنْهُم)
(تبكيهم أَرض مني ... وتشتكيهم زَمْزَم)
(يَا لَيْت شعري إِذْ غوا ... أانجدوا أم اتهموا)
(مَا ضرهم حِين سروا ... لَو وقفُوا فَسَلمُوا)
أبدان المحبين عنْدكُمْ وَقُلُوبهمْ عِنْد الحبيب طرق طَارق بَاب أبي يزِيد فَقَالَ هَا هُنَا أَبُو يزِيد فصاح من دَاخل الدَّار أَبُو يزِيد يطْلب أَبَا يزِيد فَمَا يجده
للمهيار
(وبجرعاء الْحمى قلبِي فعج ... بالحمى واقرأ على قلبِي السلاما)
(وترجل وتحدث عجبا ... أَن قلبا سَار عَن جسم أَقَامَا)
(قل لجيران الغضا آه على ... طيب عَيْش بالغضا لَو كَانَ داما)
(حملُوا ريح الصِّبَا نشركم ... قبل أَن تحمل شيحا وتماما)
(وابعثوا لي بالكرى طيفكم ... أَن أذنتم لعيوني أَن تناما)
بلغت بالقوم الْمحبَّة إِلَى استحلاء البلى فوجدوا فِي التعذيب عذوبة لعلمهم أَنه مُرَاد الحبيب
(ارضاء اسخط أَو ارضي تلونه ... وكل مَا يفعل المحبوب مَحْبُوب)
ضنى سُوَيْد بن مثعبة على فرَاشه فَكَانَ يَقُول وَالله مَا أحب أَن الله نقصني مِنْهُ قلامة ظفر
стр. 264
(تعجبوا من ثمنى الْقلب مؤلمه ... وَمَا دروا أَنه خلو من الْأَلَم)
أَمر الْحجَّاج بصلب مَا هان العابد فَرفع على خَشَبَة وَهُوَ يسبح ويهلل ويعقد بِيَدِهِ حَتَّى بلغ تسعا وَعشْرين فَبَقيَ شهرا بعد مَوته وَيَده على ذَلِك العقد مَضْمُومَة
(لتحشرن عِظَامِي بَعْدَمَا بليت ... يَوْم الْحساب وفيهَا حبكم علق)
مروا على مجذوم قد مزقه الجذام فَقَالُوا لَهُ لَو تداويت فَقَالَ لَو قطعني إربا إربا مَا ازددت لَهُ إِلَّا حبا
(إِن كَانَ جيران الغضى ... رَضوا بقتلي فرضا)
(وَالله لَا كنت لما ... يهوى الحبيب مبغضا)
(صرت لَهُم عبدا وَمَا ... للْعَبد أَن يعترضا)
(هم قلبوا قلبِي من ... الشوق على جمر الغضا)
(يَا لَيْت أَيَّام الْحمى ... يعود مِنْهَا مَا مضى)
(من لمريض لَا يرى ... إِلَّا الطَّبِيب الممرضا)
كَانَ الشبلي يَقُول أحبك النَّاس لنعمائك وَأَنا أحبك لبلائك
(من لقتيل الْحبّ لَو ... رد عَلَيْهِ الْقَاتِل)
(يجرحه النبل ويهوى ... أَن يعود النابل)
قلبهم الزّهْد فِي قفر الْفقر على أكف الصَّبْر فَقلع أوداج أغراضهم بسكين المسكنة وَالْبَلَاء يُنَادي أَتَصْبِرُونَ والعزم يُجيب لَا ضير سقاهم رحيق الْقرب فأورثهم حريق الْحبّ فغابوا بالسكر عَن روية النَّفس فعربدوا على رسم الْجِسْم وهاموا فِي فلوات الوجد يستأنسون بالحمام والوحش
(يَا منية الْقلب مَا جيدي بمنعطف ... إِلَى سواكم وَلَا حُبْلَى بمنقاد)
(لَوْلَا الْمحبَّة مَا اسْتعْملت بارقة ... وَلَا سَأَلت حمام الدوح اسعادي)
(وَلَا وقفت على الْوَادي اسائله ... بالدمع حَتَّى رثى لي سَاكن الْوَادي)
стр. 265
الْفَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ
أَيهَا المغتر بالدنيا كم خدعت مَا وَاصل وَصلهَا محب إِلَّا قطعت وَلَا ناولت نوالا إِلَّا ارتجفت اخْتَبَأْت مريرها فَلَمَّا اعتقلت أَسِيرهَا جرعت مَتى رَأَيْتهَا قد توطنت فَاعْلَم أَنَّهَا قد أزمعت
(يَا محب الدُّنْيَا الْغرُور اغْتِرَارًا ... رَاكِبًا فِي طلابها الأخطارا)
(يَبْتَغِي وَصلهَا فتأبى عَلَيْهِ ... وَترى انسه فتبدي نفارا)
(خَابَ من يَبْتَغِي الْوِصَال لَدَيْهَا ... جَارة لم تزل تسيء الجوارا)
(كم محب أرته أنسا فَلَمَّا ... حاول الزُّور صيرته أزورارا)
(شيب حُلْو اللَّذَّات مِنْهَا بمر ... إِن حلت مرّة أمرت مرَارًا)
(فِي اكْتِسَاب الْحَلَال مِنْهَا حِسَاب ... واكتساب الْحَرَام يصلى النارا)
(ولباغي الأوطار مِنْهَا عناء ... سَوف يقْضِي وَمَا قضى الأوطارا)
(كل لذاتها منغصة الْعَيْش ... وارباحها تعود خسارا)
(وليالي الهموم فِيهَا طوال ... وليالي السرُور تمْضِي قصارا)
(وَكفى أَنَّهَا تظن وَإِن جَادَتْ ... بنزر أفنت بِهِ الأعمارا)
(وَإِذا مَا سقت خمور الْأَمَانِي ... صيرت بعْدهَا المنايا خمارا)
(كم مليك مسلط ذللته ... بعد عز فَمَا أطَاق انتصارا)
(ونعيم قد أعقبته ببوس ... ومغان قد غادرتها قفارا)
(أَيهَا الْمُسْتَعِير مِنْهَا مَتَاعا ... عَن قَلِيل تسترجع المستعارا)
(عد عَن وصل من يعيرك مَا ... يفنى وَيبقى اثما ويكسب عارا)
(قد ارتك الْأَمْثَال فِي سالف الدَّهْر ... وَمَا قدراتك فِيك اعْتِبَارا)
стр. 266
(وجدير بالعذر من قدم الْأَعْذَار ... فِيمَا جناه والأنذارا)
(فتعوض مِنْهَا بخلة صدق ... وَالْتمس غير هَذِه الدَّار دَارا)
(والبدار البدار بِالْعَمَلِ الصَّالح ... مَا دمت تَسْتَطِيع البدارا)
إِلَى مَتى فِي طلبَهَا إِلَى كم الإغترار بهَا تَدور الْبِلَاد منشدا ضَالَّة المنى وَتلك ضَالَّة لَا تُوجد أبدا فسيقتلك الْحِرْص غَرِيبا وَلَكِن لَا فِي فيافي فيا طوبي للغرباء
(أَظن هَواهَا تاركي بمضلة ... من الأَرْض لَا مَال لدي وَلَا أهل)
(وَلَا أحد افضى إِلَيْهِ وصيتي ... وَلَا وَارِث إِلَّا المطية والرحل)
أَيهَا المتعب نَفسه فِي جمع المَال عِقَاب الْوَارِث على مرقب الإنتظار أفهمت أم أشرح لَك الْعقَاب لَا تعاني الصَّيْد وَإِنَّمَا تكون على مَوضِع عَال فَأَي طَائِر صَاد صيدا انْقَضتْ عَلَيْهِ فَإِذا رَآهَا هرب وَترك الصَّيْد وَمَالك تجمع مَالك وَمَا لَك مِنْهُ إِلَّا مَا تخلف وَالزَّمَان يشتتك للذهاب وَأَنت للاذهاب تؤلف المَال إِذا وصل إِلَى الْكِرَام عَابِر سَبِيل وإكرام عَابِر السَّبِيل تَجْهِيزه للرحيل جسم الْبَخِيل كُله يعرق إِلَّا الْيَد كَفه مَكْفُوفَة مَا ينْفق مِنْهَا خرزة
(تحلى بأسماء الشُّهُور فكفه ... جُمَادَى وَمَا ضمت عَلَيْهِ الْمحرم)
يَا فرعوني الْكبر تفرح بِمَال سيسلب مِنْك فتستعير كلمة أَلَيْسَ لي يَا نمروذي الْجَهْل تشد أطناب الْحِيَل على الدُّنْيَا فِي أرجل نسور الأمل ثمَّ ترمي نشاب الْأَغْرَاض إِن وقف لَك غَرَض فتستغيث الأكوان من يدك وَإِن كَانَ مَكْرهمْ من فهم علم التَّوْحِيد تجرد للْوَاحِد بِقطع العلائق أما ترى كلمتى الشَّهَادَة مُجَرّدَة عَن نقط إِذا أَعرَضت عَن الدُّنْيَا أَقبلت إِلَيْك الْآخِرَة من ترك شَيْئا لله عوضه الله خيرا مِنْهُ عقر سُلَيْمَان الْخَيل فسخرنا لَهُ الرّيح لما عقدت الْخِنْصر على التَّوْحِيد ميزت على بَاقِي الْأَصَابِع بالخاتم
стр. 267
يَا أَطْفَال التَّوْبَة مَا أنكر حنينكم إِلَى الرَّضَاع وَلَكِن ذوقوا مطاعم الرِّجَال وَقد نسيتم شرب اللَّبن إِذا تحصن الْهوى بقلعة الطَّبْع فانصبوا مجانيق العزائم وَقد انْهَدم السُّور أَنْتُم تخرجُونَ لقتل سبع مَا أذاكم ليقال عَن أحدكُم مَا أجلده فَكيف تتركون سبع الْهوى وَقد أغار على سرح الْقُلُوب إِنَّمَا تتحف الْمُلُوك بالباكورة فافهموا يَا صبيان التَّوْبَة إِذا أهديتم فالرطب لَا الحشف يَا أطيار الشَّبَاب إِمَّا عبادان التَّعَبُّد وَإِلَّا استفراخ الْعلم وَإِلَّا فالذبح تُرِيدُونَ نيل الشَّهَوَات وَحُصُول الْمَرَاتِب وَالْجمع بَين الأضداد لَا يُمكن
(هَوَاك نجد وهواي الشَّام ... وَذَا وَذَا يامي لَا يلتام)
مَا زلت أعالج مِسْمَار الْهوى فِي قلب العَاصِي أميل بِهِ تَارَة إِلَى جَانب التخويف وَتارَة إِلَى نَاحيَة التشويق فَلَمَّا ضعف الماسك بإزعاجي لَهُ إتسع عَلَيْهِ المجال فجذبته أنفت لصبي اللّعب من بيع جَوْهَر الْعُمر النفيس بصدف الْهوى فشددت عَلَيْهِ فِي الْحجر ليعلم بعد الْبلُوغ أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ
стр. 268
الْفَصْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
أخواني جدوا فقد سبقتم واستعدوا فقد لحقتم وانظروا بِمَاذَا من الْهوى علقتم وَلَا تغفلوا عَمَّا لَهُ خلقْتُمْ ذهبت الْأَيَّام وَمَا أطعتم وكتبت الآثام وَمَا أصغيتم وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم أَهَذا التوبيخ لغيركم أَو مَا قد سَمِعْتُمْ
لصردر
(مَا ضَاعَ من ايامنا هَل يغرم ... هَيْهَات والأزمان كَيفَ تقوم)
(يَوْم بأرواح يُبَاع ويشترى ... وَأَخُوهُ لَيْسَ يسام فِيهِ دِرْهَم)
(لي وَقْفَة فِي الدَّار لَا رجعت بِمَا ... أَهْوى وَلَا يأسي عَلَيْهَا يقدم)
(وَكَفاك أَنِّي للنوائب عَاتب ... ولصم أَحْجَار الديار أكلم)
(وَمن البلادة فِي الصبابة أنني ... مستخبر عَنْهُن من لَا يفهم)
(وَإِذا البليغ شكا إِلَيْهِ بثه ... عَبَثا فَمَا بَال المطايا ترزم)
(كل كنى عَن شوقه بلغاته ... ولربما أبكى لفصيح الْأَعْجَم)
(نرجو سلوكا فِي رسوم بَينهَا ... الأغصان سكر وَالْحمام متيم)
(هذي تميل إِذا تنسمت الصِّبَا ... وَالْوَرق تذكر إلفها فترنم)
آه على زمَان فَاتَ وعَلى قلب حَيّ مَاتَ كَيفَ الطمع فِيمَا مضى هَيْهَات ردا على ليَالِي الَّتِي سلفت أَيْن الزَّمَان الَّذِي بَان أتراه بَان أَيْن الْقلب الصافي كَانَ وَكَانَ
стр. 269
(سقيا لمنزلة الْحمى وكثيبها ... إِذْ لَا أرى زَمنا كأزماني بهَا)
(مَا أعرف اللَّذَّات إِلَّا ذَاكِرًا ... هَيْهَات قد خلفت أوقاتي بهَا)
يَا من كَانَ لَهُ قلب فَانْقَلَبَ قيام السحر يستوحش لَك صِيَام النَّهَار يسْأَل عَنْك ليَالِي الْوِصَال تعاتبك
(أَيْن أيامك والدهر ربيع ... والنوى معزولة والقرب وَال)
يَا من كَانَ قَرِيبا فطرد يَا من كَانَ مشاهدا فحجب يَا عزيزي مَا ألفت الشَّقَاء فَكيف تصبر أصعب الْفقر مَا كَانَ بعد الْغنى وأوحش الذل مَا كَانَ بعد الْعِزّ وأشدهما على الْكبر يَا هَذَا بت بَيت الأخزان من قبل البيات وثب إِلَى المثيب وثبة ثبات وَلَا تجَاوز الجناب ودر حول الدَّار واستقبل قبْلَة التضرع وَقل فِي الأسحار
(قد قلق الْحبّ وَطَالَ الْكرَى ... وأظلم الجو وضاق الفضا)
(لَا يعطش الزَّرْع الَّذِي نبته ... بِصَوْت أنعامك قد روضا)
(إِن كَانَ لي ذَنْب تجرمته ... فأستأنف الْعَفو وهب مَا مضى)
(لَا تبر عودا أَنْت ريشته ... حاشى لباني الْمجد أَن يقضا)
(كَيفَ لَا أبْكِي لاعراض من ... أعرض عني الدَّهْر إِذْ عرضا)
(قد كنت أرجوه لنيل المنى ... فاليوم لَا أطلب إِلَّا الرِّضَا)
يَا من فقد قلبه وَعدم التحيل فِي طلبه تنفس من كرب الوجد فبريد اللطف يحمل الملطفات ريح الأسحار ركابي الرسائل ونسيم الْفجْر ترجمان الْجَواب
للمهيار
(فيا ريح الصِّبَا اقترحي ... على الأحشاء واحتكمي)
стр. 270
(أَرَاك نسمت تختبرين ... مَا عهدي وَمَا ذممي)
(فهذي فِي يَدي كَبِدِي ... وَذَا فِي وجنتي دمي)
(سَلام كلما ذكرت ... ليالينا بِذِي سلم)
أخواني صعداء الأنفاس وَاصل لَا يمْنَع لِسَان الدمع افصح من لِسَان الشكوى شجو التائب يطرب سمع الرِّضَا حزن النادم يسر قلب التَّعَبُّد قلق الْمِسْكِين مَحْبُوب الرَّحْمَة آسى من أسا فَرح الْعَفو بكاء المفرط يضْحك سنّ الْقبُول دمع المحزون مخزون لخزانة الْخَاص ريح نفس آسَف أطيب من ند ند قَطْرَة من الدمع على الخد أَنْفَع من ألف مطرة على الأَرْض
(ضمنت حَالي للقصة ورفعتها ... فآتاني التوقيع يشْرَح حَاله)
(فَأتيت ديوَان الْهوى فلكثرة ... العشاق لم يُنْهِي لي ايصاله)
(حَتَّى إِذا أوصلتها نظرُوا إِلَى ... شخص تبقى للعيون خياله)
(قلت ارحموا هَذَا الْفَقِير فَإِنَّهُ ... من حِين هجركم تمزق حَاله)
يَا دَائِرَة الشَّقَاء أَيْن أولك يَا أَرض التيه مَتى آخرك يَا أَيُّوب الْبلَاء إِلَى كم على الكناسة مَتى ينْسَخ الزَّمن زمن اركض
(سَمِعت حمامة هَتَفت بلَيْل ... وَقد حنت إِلَى ألف بعيد)
(فازعجت الْقُلُوب واقلقتها ... فَمَا زلنا نقُول لَهَا أعيدي)
(أرى مَاء وَبِي عَطش شَدِيد ... وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى الْوُرُود)
تعلق بِاللَّيْلِ فَهُوَ شَفِيع مُشَفع تمسك بالبكاء فَهُوَ رَقِيق صَالح ادخل فِي زمرة المتهجدين على وَجه التطفل فِي فلوات الخلوات بِلِسَان التذلل
(يَا رَاحِم عِبْرَة الْمُسِيء المحزون ... دمعي مبذول وحزن قلبِي مخزون)
(شوقي يسْعَى إِلَيْك وَالصَّبْر حرون ... من تهجره أَنْت ترى كَيفَ يكون)
أَبْوَاب الْمُلُوك لَا تطرق بِالْأَيْدِي وَلَا بِالْحِجَارَةِ بل بِنَفس مُحْتَاج
стр. 271
للمهيار
(آه والشوق مَا تأوهت مِنْهُ ... لليال بالسفح لَو عدن أُخْرَى)
(قلبوا ذَلِك الرماد تصيبوا ... فِيهِ قلبِي إِن لم تصيبوا الجمرا)
يَا هَذَا اذا رَأَيْت نَفسك متخيلة لَا مَعَ المحبين وَلَا مَعَ التائبين فابسط رماد الأسف واجلس مَعَ رَفِيق اللهف وَابعث رِسَالَة القلق مَعَ بريد الصعداء لَعَلَّه يَأْتِي بِالْجَوَابِ بكشف الجوى
(ولي زفرات لَو ظهرن قتلتني ... لشوق لييلاتي الَّتِي قد تولت)
(إِذا قلت هذي زفرَة الْيَوْم قد مَضَت ... فَمن لي بِأُخْرَى مثل تيك أظلمت)
(حَلَفت لَهُم بِاللَّه مَا أم وَاحِد ... إِذا دكرته آخر اللَّيْل أَنْت)
(وَمَا وجدا عرابية قد فت بهَا ... صروف النَّوَى من حَيْثُ لم تَكُ ظنت)
(تمنت أحاليب الرعاء وخيمة ... بِنَجْد فَلم يقدر لَهَا مَا تمنت)
(إِذا ذكرت مَاء العذيب وطيبه ... وَبرد حصاه آخر اللَّيْل حنت)
(لَهَا أنة وَقت الْعشَاء وأنة ... سحيرا فلولا أنتاها لجنت)
(بِأَكْثَرَ مني لوعة غير أنني ... أجمجم أحشائي على مَا أجنت)
نيران الْخَوْف فِي قُلُوب التائبين مَا تخبو وقلق المذنبين مِمَّا جنوا لَا يسكن وضجيج المحبين فِي جيوش الشوق مَا يفتر
(واها لزماننا الَّذِي كَانَ صفا ... أبْكِي مرضِي وَلَيْسَ لي مِنْهُ شفا)
(ذَابَتْ روحي وَمَا أرى غير جَفا ... هَذَا رمقي تسلموه بوفا)
стр. 272
الْفَصْل الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ
أَلا يعْتَبر الْمُقِيم مِنْكُم بِمن رَحل أَلا ينْدَم من يعلم عواقب الكسل أه لغافل كلما جد الْمَوْت هزل ولعاقل كلما صعد الْعُمر نزل
(أعد على فكرك أسلاف الْأُمَم ... وقف على مَا فِي الْقُبُور من رمم)
(وناديهم أَيْن الْقوي مِنْكُم ... القاهر أم أَيْن الضَّعِيف المهتضم)
(تفاصلت أوصالهم فَوق الثرى ... ثمَّ تَسَاوَت تَحْتَهُ كل قدم)
(قبر الْبَخِيل والكريم وَاحِد ... مَا نفع الْبُخْل وَلَا ضرّ الْكَرم)
(وَاعجَبا لغافل أَمَامه ... هجوم مَا لَا يَتَّقِي إِذا هجم)
(إِذا تخطاه على عهد الصَّبِي ... أَو الشَّبَاب لم يفته فِي الْهَرم)
(أما كفى الْإِنْسَان موت بعضه ... وَهُوَ المشيب المستطير فِي اللمم)
(أَي خليلين أَقَامَا أبدا ... مَا افْتَرقَا وَأي حَبل مَا انصرم)
(إِن النُّجُوم الدائرات أبدا ... تضحك من مبتسم إِذا ابتسم)
أخواني بَادرُوا آجالكم وحاذروا آمالكم آمالكم عِبْرَة فِيمَن مضى آمالكم مَا هَذَا الْغرُور الَّذِي قد أمالكم ستتركون على رغم آمالكم مالكم
أخواني صَدقْتُمْ الأمل فكذبكم وأطعتم الْهوى فعذبكم أما أنذركم السقم بعد الصِّحَّة والترحة بعد الفرحة فِي كل يَوْم يَمُوت من أشباحكم مَا يَكْفِي فِي نعي أرواحكم وَيحل بعقوقكم وفنائكم مَا يُخْبِركُمْ عَن شتاتكم وفنائكم فَخُذُوا حذركُمْ قبل النوائب فقد أتيتم من كل جَانب وتذكروا سهر أهل النَّار فِي النَّار واحذروا فَوت
стр. 273
دَار الْأَبْرَار وتخوفوا يَوْم الْفَصْل بَين الْفَرِيقَيْنِ أَن يُصِيبكُم من الْبَين الْبَين
أخواني أبصاركم قَوِيَّة وبصائركم ضَعِيفَة وَمن ترائى هَوَاهُ توارى عَنهُ عقله سُبْحَانَ من ظهر لخلقه بخلقه غير أَن عَالم الْحس لَا يرونه أما قَلْبك من نُطْفَة إِلَى علقَة وَأَنت كالجماد كلما نفخ فِيك الرّوح بعث الزَّاد يساق إِلَيْك من دم الْأُم فتتناوله باجتذاب السُّرَّة إِذْ لَو طرق الْحُلْقُوم تلفت فَلَمَّا خرجت إِلَى فلاة الدُّنْيَا رَأَيْت أدواتي الثديين معلقتين لشربك وَكَانَت عمور الْأَسْنَان تَكْفِي فِي اجتذاب المشروب فَكلما اعتصرته خرج مغربلا لِئَلَّا يَقع شَرق فَلَمَّا قويت المعا وافتقرت إِلَى غذَاء فِيهِ صلابة أنبت الْأَسْنَان لتقطع والأضراس لتطحن وَمن الْعَجَائِب أَنه أخرجت غبيا لَا تعلم شَيْئا فَلَو أخرجك عَاقِلا لرأيت من أَطَم المصائب تقلبك فِي الْخرق والمصائب ثمَّ جعل بكاءك حِينَئِذٍ متقاضيا بالمصالح وَبث القوى فِي باطنك فقوة تطلب الْغذَاء وثانية تجتذبه إِلَى الكبد وثالثة تمسكه لَهَا حَتَّى تطبخه فَيصير دَمًا ورابعة تهضمه وخامسه تفرق بَين صفوة وكدره وسادسة تتولى قسمته فَلَو بعثت إِلَى الخد مَا تبْعَث إِلَى الكخذ صَار بمقداره وسابعة تدفع ثقله
أفيحسن بعد تَفْرِقَة الجامكية على الْعَسْكَر أَن يثبوا فِي الْمُخَالفَة للمنعم ثمَّ انْظُر إِلَى هَذَا الْهَوَاء الَّذِي قد ملئ بِهِ الفضاء كَيفَ تنتصب مِنْهُ النَّفس إِلَى النَّفس ثمَّ هُوَ للاصوات من حَيْثُ الْمَعْنى كالقرطاس يرقم فِيهِ الْحَوَائِج ثمَّ يمتحي فَيَعُود نقيا فأقوام يرقمون فِيهِ الذّكر وَالتَّسْبِيح وَآخَرُونَ يرقمون كل قَبِيح وَكم بَين من يرقم تِلَاوَة الْقُرْآن وَبَين من يرقم أصوات العيدان ثمَّ تَأمل آلَات الْأَصْوَات ترى الرئة كالزق والحنجرة كالأنبوب فَإِذا ظهر الصفر أَخذ اللِّسَان والشفتان فِي صناعته الحانا فَهُوَ كالأصابع الْمُخْتَلفَة على فَم المزمار
ثمَّ تَأمل الأَرْض كَيفَ مدها بساطا وأمسكها عَن الِاضْطِرَاب
стр. 274
لتصبح السُّكْنَى ثمَّ يزلزلها فِي وَقت ليفطن السَّاكِن بقدرة المزعج وَجعل فِيهَا نوع رخاوة ليقبل الْحفر وَالزَّرْع وَرفع جَانب السَّمَاء لينحدر المَاء وَفرق الْمِيَاه بَين الجزائر ليرطب الْهَوَاء وأودع الْمَعَادِن كَمَا تودع الْحَاجَات فِي الخزائن وَلما بَث الطير صان عَنْهَا السنبل لِأَنَّهُ قوتك بقشور صلبة قايمات كالإبر لِئَلَّا تستفه فتموت بشماء فَيفوت الحظان ثمَّ تَأمل الرماية كَيفَ حشيت بالشحم بَين الْحبّ ليَكُون غذاءا لَهَا إِلَى وَقت عود الْمثل ثمَّ جعل كل حشوتين لفافة لِئَلَّا يتصاك فَيجْرِي المَاء ثمَّ جَاءَ بالشمس سِرَاجًا ومنضجا للثمر تجْرِي لتعمر الْأَمَاكِن ثمَّ تغيب ليسكن الْحَيَوَان وَلما كَانَت الْحَوَائِج قد تعرض بِاللَّيْلِ جعل فِي الْقَمَر خلفا وَلم يَجْعَل طلوعه فِي اللَّيْل دَائِما لِئَلَّا تنبسط النَّاس فِي أَعْمَالهم كانبساطهم بِالنَّهَارِ فيؤذي الْحَرِيص كلاله وَلما قدر غيبَة الْقَمَر فِي بعض اللَّيْل جعل أنوار الْكَوَاكِب كشعل النَّار فِي أَيدي المقتبسين وَلما كَانَت حَاجَة الْخلق إِلَى النَّار ضَرُورِيَّة أَنْشَأَهَا وَجعلهَا كالمخزون تستنهض وَقت الْحَاجة فتمسك بالمادة قدر مُرَاد الممسك ثمَّ انْظُر إِلَى الطَّائِر لما كَانَ يختلس قوته خوف اصطياده صلب منقاره لِئَلَّا ينسحج من الإلتقاط لِأَن زمَان الإنتهاب لَا يحْتَمل المضغ وَجعل لَهُ حوصلة يجمع فِيهَا الْحبّ ثمَّ يَنْقُلهُ إِلَى القانصة فِي زمَان الْأَمْن فَإِن كَانَت لَهُ أفراخ أسهمهم من الْحَاصِل فِي الحوصلة قبل النَّقْل فَإِن لم يكن لَهُ حنة على أفراخه أغنوا عَنهُ باستقلالهم من حِين انْشِقَاق الْبَيْضَة كالفراريج
وَاعجَبا كَيفَ يعْصى من هَذِه نعمه وَكَيف لَا تَمُوت النَّفس حبا لمن هَذِه حكمه إِن دنت همتك فخف من عُقُوبَته وَإِن علت قَلِيلا فارغب فِي مُعَامَلَته وَإِن تناهت فَتعلق بمحبته على قدر أهل الْعَزْم تَأتي العزائم إِن قصرت همتك فآثرت قطع الشوك صحبك حمَار وَإِن رضيت سياسة الدَّوَابّ رافقك بغل وَإِن سددت بعض الثغور أَعْطَيْت فرسا فَإِن كنت تحسن السباق كَانَ عَرَبيا فَإِن عزمت على الْحَج ركبت جملا وَإِن شمخت همتك إِلَى الْملك فالفيل مركب الْمُلُوك
стр. 275
(رَأَيْت عليات الْأُمُور منوطة ... بمستودعات فِي بطُون الأساود)
لَيْسَ كل الْخَيل للسباق وَلَا كل الطُّيُور تحمل الْكتب من النَّاس من تشغله فِي الدُّنْيَا سَوْدَاء وَمِنْهُم من لَا يلهيه فِي الْجنَّة قصر وَلَا يسليه عَن حَبِيبه نهر قوته فِي الدُّنْيَا الذّكر وَفِي الْآخِرَة النّظر
(يَقُول أنَاس لَو تناسى وصالها ... وواصل أُخْرَى غَيرهَا لسلاها)
(فَلَا نظرت عين تلذ بغَيْرهَا ... وَلَا بقيت نفس تحب سواهَا)
стр. 276
الْفَصْل التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ
أَيهَا الغافل فِي إِقَامَته عَن نقلته الْجَاهِل وَقد ملا بِمَا يملي بطن صَحِيفَته أَلَك زَاد لسفرك على طول مسافته
(خف الله وَانْظُر فِي صحيفتك الَّتِي ... حوت كلما قَدمته من فعالكا)
(فقد خطّ فِيهَا الكاتبان فاكثروا ... وَلم يبْق إِلَّا أَن يَقُولَا فذالكا)
(وَالله مَا تَدْرِي إِذا مَا لقيتها ... أتوضع فِي يمناك أَو فِي شمالكا)
(فَلَا تحسبن الْمَرْء يبْقى مخلدا ... فَمَا النَّاس إِلَّا هَالك فابك هَالكا)
يَا من تحصى عَلَيْهِ اللَّفْظَة والنظرة مزق بيد الْجد أَثوَاب الفترة وتأهب فَمَا تَدْرِي السّير عشَاء أَو بكرَة وَاعْتبر بالقرباء فَالْعِبْرَة تبْعَث الْعبْرَة وتزود لسفرة مَا مثلهَا سفرة واقنع باليسير فالحساب عسير على الذّرة وَإِيَّاك وَالْحرَام وَانْظُر من أَيْن الكسرة قبل أَن تلقى سَاعَة حسرة وتلقى بعْدهَا فِي ظلمَة حُفْرَة
(لَا يغرنك الزَّمَان بيسر ... وسرور وَلَا يرعك بعسره)
(إِن مر الزَّمَان يمحق عسر الْمَرْء ... فِي لَحْظَة وَيذْهب بسره)
(وَسَوَاء إِذا انْقَضى يَوْم كسْرَى ... فِي نعيم وَيَوْم صَاحب كَسره)
أَتَرَى فِي عين الْعبْرَة رمد أما تبصر انسلاخ الأمد يَا دَائِم الْمعاصِي مَا غَيره الْأَبَد تصلى وَلَو التعود لم تكد الْقلب غايب إِنَّمَا جَاءَ الْجَسَد الْفِكر يجول فِي طلب الدُّنْيَا من بلد إِلَى بلد يَا معرضًا عَن بَحر برناء لَا تقنع بالتمد يَا مقتول الْهوى وَلَكِن بِلَا قَود بَين الْهوى والمنى ضَاعَ الْجلد أما يجول ذكر الْمَوْت فِي الْخلد أَرَأَيْت أحدا
стр. 277
من قبلك خلد رب يَوْم مَعْدُود وَلَيْسَ فِي الْعدَد إِنَّمَا الرّوح عَارِية فِي هَذَا الْجَسَد هَذَا بَحر الْغرُور يقذف بالزبد كم رَكبه جَاهِل فغرق قبل الْبَلَد هَذَا سهم الْمنون يفري حلق الزرد أخواني دنا الصَّباح فَقولُوا لمن رقد أَيْن الْوُجُوه الصَّباح مرت على جدد أَيْن الظباء الملاح اغتالها الْأسد هَذَا هُوَ الْمصير أما يرعوي أحد
قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لأبي حَازِم عظني فَقَالَ اضْطجع ثمَّ اجْعَل الْمَوْت عِنْد رَأسك ثمَّ انْظُر مَا تحب أَن يكون فِيك تِلْكَ السَّاعَة فجد فِيهِ الْآن وَمَا تكره أَن يكون فِيك فَدَعْهُ الْآن
أَيهَا الطَّالِب للدنيا وَمَا يجد كَيفَ تَجِد الْآخِرَة وَمَا تطلب مَا مضى من الدُّنْيَا فحلم وَمَا بَقِي فأماني سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله مِنْهُم رجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ إِنِّي أخْشَى الله
إسمع يَا من أجَاب عجوزا على مزبلة وَيحك إِنَّهَا سَوْدَاء وَلَكِن قد غلبت عَلَيْك عرضت على نَبينَا ﷺ بطحاء مَكَّة ذَهَبا فَأبى يَا مُحَمَّد مِمَّن تعلمت هَذِه القناعة قَالَ لِسَان حَاله من عجلة أبي الْحَرِيص دَائِم السرى وَمَا يحمد الصَّباح من لاهمة لَهُ سوى جمع الحطام مَعْدُود فِي الحشرات
يَا أطيار الْقُلُوب إِلَى كم فِي مزبلة الْحَبْس أكسري بالعزم قفص الْحصْر واخرجي إِلَى فضاء صحراء الْقُدس روحي خماصا من الْهوى تعودي بطانا من الْهدى بَين أبي الْحَرَكَة وَأم الْقَصْد ينْتج ولد الظفر لَا ينَال الجسيم بالهومينا حمل النَّفس على حمل المشاق مدرجة إِلَى الشّرف وَاعجَبا من توقف الكالى والدر ينثر أشهود كغياب أكانون فِي آب الْحَرْب خصام قَائِم وَأَنت غُلَام نَائِم إدخل بسلامتك لابس لامتك لَيْسَ فِي سلَاح الْمُحَارب أحد من نبلة عزم أجرأ الليوث أجرهَا للصيود
(لَيْسَ عزما مَا مرض الْعَزْم فِيهِ ... لَيْسَ هما مَا عَاق عَنهُ الظلام)
طر بجناح الْجد من وكر الكسل تَابعا آثَار الأحباب تصل
стр. 278
للشريف الرضى
(تلفت حَتَّى لم يبن من دِيَارهمْ ... جناب وَلَا من نارهن وقود)
(وَإِن الْتِفَات الْقلب من بعد طرفه ... طوال اللَّيَالِي نحوهم ليزِيد)
(وَلَو قَالَ لي الغادون مَا أَنْت مشته ... غَدَاة جزعنا الرمل قلت أَعُود)
(أأصبر والوعساء بيني وَبينهمْ ... واعلام خبت أنني لجليد)
يَا مخنث الْعَزْم أَيْن أَنْت وَالطَّرِيق سَبِيل نصب فِيهِ آدم وناح لأَجله نوح وَرمى فِي النَّار إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وأضجع للذبح إِسْمَعِيل وَبيع يُوسُف بِدَرَاهِم وَذَهَبت من الْبكاء عين يَعْقُوب وَنشر بِالْمِنْشَارِ زَكَرِيَّا وَذبح الحصور يحيى وضنى بالبلاء أَيُّوب وَزَاد على الْمِقْدَار بكاء دَاوُد وتنغص فِي الْملك عَيْش سُلَيْمَان وتحير برد لن مُوسَى وهام مَعَ الوحوش عِيسَى وعالج الْفقر مُحَمَّد ﷺ
(فيا دَارهم بالحزن إِن مزارها ... قريب وَلَكِن دون ذَلِك أهوال)
أول قدم فِي الطَّرِيق بذل الرّوح هَذِه الجادة فَأَيْنَ السالك هَذَا قَمِيص يُوسُف فَأَيْنَ يَعْقُوب هَذَا طور سينا فَأَيْنَ مُوسَى يَا جُنَيْد احضر يَا شبلي إسمع
(بِدَم الْمُحب يُبَاع وصلهم ... فَمن الَّذِي يبْتَاع بالسعر)
стр. 279
الْفَصْل الْأَرْبَعُونَ
أخواني إعتبروا بالذين قطنوا وخزنوا كَيفَ ظعنوا وحزنوا وانظروا إِلَى آثَارهم تعلمُوا أَنهم قد غبنوا لاحت لَهُم لذات الدُّنْيَا فاغتروا وفتنوا فَمَا انقشعت سَحَاب المنى حَتَّى مَاتُوا ودفنوا
(جمعُوا فَمَا أكلُوا الَّذِي جمعُوا ... وبنوا مساكنهم فَمَا سكنوا)
(فكأنهم كَانُوا بهَا ظعنا ... لما استراحوا سَاعَة ظعنوا)
يَا من قد امتطى بجهله مطا المطامع لقد ملا الْوَعْظ فِي الصَّباح والمساء المسامع أَيْن الَّذين بلغُوا آمالهم فَمَا لَهُم فِي المنى مُنَازع
مَا زَالَ الْمَوْت يَدُور على بدور الدّور حَتَّى طوى الطوالع صَار الجندل فراشهم بعد أَن كَانَ الْحَرِير فِيمَا مضى الْمضَاجِع ولقوا وَالله البلا فِي تِلْكَ البلاقل قَالَ شَدَّاد بن أَوْس لَو أَن الْمَيِّت نشر فَأخْبر أهل الدُّنْيَا بألم الْمَوْت مَا انتفعوا بعيش وَلَا التذوا بنوم
وَقَالَ وهب ابْن مُنَبّه لَو ان ألم عرق من عروق الْمَيِّت قسم على أهل الأَرْض لوسعهم ألما
وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يجمع الْفُقَهَاء كل لَيْلَة فيتذاكرون الْمَوْت وَالْقِيَامَة ثمَّ يَبْكُونَ حَتَّى كَأَن بَين أَيْديهم جَنَازَة
وَقَالَ يحيى بن معَاذ لَو ضربت السَّمَاء وَالْأَرْض بالسياط الَّتِي ضرب بهَا ابْن آدم لانقادت خاشعة للْمَوْت والحساب وَالنَّار
يَا هَذَا الشيب أَذَان وَالْمَوْت إِقَامَة وَلست على طَهَارَة الْعُمر صلوة والشيب تَسْلِيم يَا من قد خيم حب الْهوى فِي صحراء قلبه أقلع الْأَطْنَاب
стр. 280
فقد ضرب بوق الرحيل أما تسمع صَوت السَّوْط فِي ظُهُور الْإِبِل أما ترى عجلة السَّلب وَقصر الْعُمر شَارف الركب بلد الْإِقَامَة فاستحث المطى يَا مُشَاهدَة مَا تمت بغيتها حَتَّى وَقع النهب فِيهَا إستلب مِنْك لَك قبل أَن تستلب الْجُمْلَة الْأَيَّام تسرع فِي تبذير مَجْمُوع صُورَتك وَأَنت تسرع فِي تبذير معانيك
يَا شباب الْجَهْل يَا كهول التَّفْرِيط يَا شُيُوخ الْغَفْلَة إجلسوا مَعنا سَاعَة فِي مأتم الأسف يَا سحائب الأجفان إمطري على رباع الذُّنُوب يَا ضيف النَّدَم على الْإِسْرَاف أسكن شغف الْقُلُوب يَا أَيَّام الشيب إِنَّمَا أَنْت بَين دَاع ووداع فَهَل لماض من الزَّمَان ارتجاع
(قفا ودعا نجدا وَمن حل بالحمى ... وَقل لنجد عندنَا أَن تودعا)
(فَلَيْسَ عشيات الْحمى برواجع ... عَلَيْك وَلَكِن خل عَيْنَيْك تدمعا)
(تلفت نَحْو الْحمى حَتَّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا واخدعا)
(وَاذْكُر أَيَّام الْحمى ثمَّ انثنى ... على كَبِدِي من خشيَة أَن تصدعا)
أخواني سَكرَان الْهوى بعيد الْإِفَاقَة فَلَو تذكر إِقَامَة الْحَد طَار السكر من تحسى مرق الْهوى احترقت شفتاه من أكل من الظُّلم تَمْرَة أَدَّاهَا قوصرة وَيحك اغسل العثرة بعبرة وادفع الحوبة بتوبة مَا دَامَ فِي الْوَقْت مهلة وَفِي زمن السَّلامَة فسحة قبل أَن تَمُوت وتفوت وَتَعْلُو بعد الْخَيل على تَابُوت قبل أَن ترى السّمع وَالْبَصَر قد كلا وَتقول ﴿رب ارْجِعُونِ﴾ فَيُقَال كلا قبل أَن يصير دمع الأسى من جفن من أسى وَيُقَال هلا كَانَ هَذَا قبل هَذَا هلا
(أتترك من تحب وَأَنت جَار ... وتطلبه إِذا بعد المزار)
(وتبكي بعد نأبهم اشتياقا ... وتسأل فِي الْمنَازل أَيْن سَارُوا)
(تركت سُؤَالهمْ وهم حُضُور ... وترجو أَن تخبرك الديار)
(فنفسك لم وَلَا تلم المطايا ... ومت كمدا فَلَيْسَ لَك اعتذار)
يَا من أَجله يذوب ذوبان الثَّلج فِي الْحر أينقشع غيم الْعُمر لَا عَن هِلَال الْهدى أتؤثر الفاني المرذول على النفيس الْبَاقِي
стр. 281
(أرضينا بثنيات اللوى ... عَن زرود يَا لَهَا صَفْقَة غبن)
مَا يخفى عَلَامَات الإدبار عَلَيْك يفتش دَارك فَلَا يرى سواك للطَّهَارَة بلَى ملاعق الْأكل لَيْسَ فِي الْبَيْت مصحف بل تَقْوِيم أينفع وجود التَّقْوِيم يَا مهتما بِالنّظرِ فِي الطالع طالع مَا قد خبي لَك كَأَنَّك بِالْمَوْتِ قد طلع وَمَا طالع فكرك عَاقِبَة اسْمَع حسابي حَقًا وَمَا ارجم ودع لكلماتي هذي قَول الهاذي المنجم إِن ضم النَّدَم على التَّفْرِيط إِلَى الْعَزِيمَة على الْإِنَابَة فساعة سعد وَإِن اجْتمع فِي الْقلب حب الدُّنْيَا على إِيثَار الكسل فقران نحس
стр. 282
الْفَصْل الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ
مَا هَذَا الْحبّ للدنيا والصبابة وَإِنَّمَا يَكْفِي مِنْهَا صبَابَة فَقل للنَّفس الحريصة لقد بِعْت الْأُخْرَى رخيصة
(يَا نفس مَا الدَّهْر إِلَّا مَا علمت فكم ... أَلَسْت حَدَّثتنِي أَنِّي أَتُوب فَلم)
(إياك اياك من سَوف فكم خدعت ... وأهلكت أمما من قبلهَا وأمم)
(توبي يكن لَك عِنْد الله جاه تقى ... وَقدمي من فعال الصَّالِحين قدم)
(يَا رَاقِد للبلى حث المشيب بِهِ ... إِلَّا فَكُن خَائفًا لَا تقعدن وقم)
يَا من قد أَخذ الْهوى بأزمته وَأمْسك الردى بلمته يَا رهين دُيُون تعلّقت فِي ذمَّته هَذَا أَوَان جدك إِن كنت مجدا هَذَا زمَان استعدادك أَن كنت مستعدا
للشريف الرضى
(يَا نفس قد عز المُرَاد فَخذي ... إِن كنت يَوْمًا تأخذين أَو ذرى)
(نهزة مجد كنت فِي طلابها ... لمثلهَا ينصف ساقي مئزري)
(عمر الْفَتى شبابه وَإِنَّمَا ... آونة الشيب انْقِضَاء الْعُمر)
رض مهر النَّفس يتأت ركُوبه أمت زئبق الطَّبْع يُمكن اسْتِعْمَاله تلمح فجر الْأجر يهن ظلام التَّكْلِيف إحذر حَيَّة الْفَم فَإِنَّهَا بتراء إِذا خرجت من شفة غدرك لَفْظَة سفه فَلَا تلحقها بِمِثْلِهَا تلقحها ونسل الْخِصَام مَذْمُوم أوثق سبع غضبك بسلسلة حلمك فَإِنَّهُ إِن
стр. 283
أفلت أتلف مَتى قُمْت بحدة الْغَضَب انطفى مِصْبَاح الْحلم بَحر الْهوى إِذا مد أغرق وأخوف المنافذ من الْغَرق فَتْحة الْبَصَر فَلَا يشْتَغل زمَان الزِّيَادَة إِلَّا باحكام القورح
(والمرء مَا دَامَ ذَا عين يقلبها ... فِي أعين الْعين مَوْقُوف على الْخطر)
(يسر مقلته مَا ضرّ مهجته ... لَا مرْحَبًا بسرور عَاد بِالضَّرَرِ)
لَو حضرت مَعَ الأحباب الْبَاب لسامح النَّاقِد ببهرجك رحلت رفْقَة ﴿تَتَجَافَى﴾ ومطرود النّوم فِي حبس الرقاد فَمَا فك عَنهُ السجان قيد الْكرَى حَتَّى اسْتَقر بالقوم الْمنزل فَقَامَ يتلمح الْآثَار بِبَاب الْكُوفَة والأحباب قد وصلوا إِلَى الْكَعْبَة
لصردر
(من يطلع شرفا فَيعلم لي ... هَل روح الرعيان بِالْإِبِلِ)
(أم قعقعت عمد الْخيام أم ... ارْتَفَعت قبابهم على البزل)
(أم غرد الْحَادِي بقافية ... مِنْهَا غراب الْبَين يستلمي)
(فضلت دموعي عَن مدى حزني ... فَبَكَيْت من قتل الْهوى قبلي)
(مَا مر ذُو شجن يَكْتُمهُ ... أَلا اقول متيم مثلي)
من أَرَادَ من الْعمَّال أَن يعرف قدره عِنْد السُّلْطَان فَلْينْظر مَاذَا يوليه الزهاد عين العارفين الْأَرْوَاح فِي الأشباح كالأطيار فِي الأبراج وَلَيْسَ مَا أعد للأستفراخ كَمَا هِيَ للسباق من حدق بِعَين الْفِكر إِلَى مطلع الْهدى لَاحَ لَهُ الْهلَال كم أداوي بصر بصيرتك وَمَا يتجلى مَا أَظن الضعْف إِلَّا فِي الْوَضع ضعف عين الخفاش لَيْسَ برمد وحدة نَاظر الهدهد خلقَة مصابيح الْقُلُوب الطاهرة فِي أصل الْفطْرَة منيرة قبل الشرايع ﴿يكَاد زيتها يضيء﴾ وحد قس
стр. 284
وَمَا رأى الرَّسُول وَكفر ابْن أبي وَقد صلى مَعَه مَعَ الضَّب ري يَكْفِيهِ وَلَا مَاء وَكم من عطشان فِي الموجة إِذا سبق الْأَنْعَام فِي الْقدَم فَذَلِك غنى الْأَبَد لما تقدم اخْتِيَار الطين المنهبط صعد على النَّار المرتفعة وَكَانَت الْغَلَبَة لآدَم فِي حَرْب إِبْلِيس فاكتفت جَهَنَّم بِمَا جرى فَسلمت يَوْم جزيا مُؤمن سبق الْعلم بنبوة مُوسَى وإيمان آسِيَة فسيق تابوته إِلَى بَيتهَا فجَاء طِفْل مُنْفَرد عَن أم إِلَى امْرَأَة خَالِيَة عَن ولد قرينان مرتعنا وَاحِد
دخل الرَّسُول ﷺ إِلَى بَيت يَهُودِيّ يعودهُ فَقَالَ لَهُ أسلم فَنظر الْمَرِيض إِلَى أَبِيه فَقَالَ لَهُ أجب أَبَا الْقَاسِم فَأسلم فَكَانَ ذَلِك قَرِيبا من نسب سلمَان منا فصاحت أَلْسِنَة الْمُخَالفين مَا لمُحَمد وَلنَا وَالْقدر يَقُول مريضنا عنْدكُمْ كَيفَ انصرافي ولي فِي داركم شغل
لما عَم نور النُّبُوَّة آفَاق الْهدى رَآهُ سلمَان دون الْعم قويت ظلمات الشّرك بِمَكَّة فتخبطت قُرَيْش فِي الضلال فلاح مِصْبَاح الْفَلاح من سجف دَار الخيزران فَإِذا عمر على الْبَاب وَلَقَد أنارت لإبليس شمس الْبَيَان يَوْم ﴿أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ غير أَن النَّهَار ليل عِنْد الْأَعْشَى رَجَعَ الخفاش إِلَى عشه فَقَالَ أوقدوا الْمِصْبَاح فقد جن اللَّيْل فَقَالُوا الْآن طلعت الشَّمْس فَقَالَ ارحموا من طُلُوع الشَّمْس عِنْده ليل فسبحان من أعْطى وَمنع وَلَا يُقَال لم صنع سلم التَّوْفِيق قريب المراقي وبئر الخذلان بِلَا قَعْر رُبمَا أدْرك الوقفة أهل مصر وفاتت أهل نَخْلَة لَا بُد وَالله من نُفُوذ الْقَضَاء فاجنح للسلم
(كم بالمخصب من عليل ... هوى طريح لَا يُعلل)
(وقتيل بَين بَين خيف ... مني وَجمع لَيْسَ يعقل)
стр. 285
كَيفَ تتقي نبال الْقدر وَالْقلب بَين إِصْبَعَيْنِ
(لَا تغضبن على قوم تحبهم ... فَلَيْسَ ينجيك من أحبابك الْغَضَب)
(وَلَا تخاصمهم يَوْمًا إِذا حكمُوا ... إِن الْقُضَاة إِذا مَا خوصموا غلبوا)
كَانَ إِبْلِيس كالبلدة العامرة فَوَقَعت فِيهَا صَاعِقَة الطَّرْد فَهَلَك أَهلهَا ﴿فَتلك بُيُوتهم خاوية﴾
(من لم يكن للوصال أَهلا ... فَكل إحسانه ذنُوب)
أَخذ كسَاء ترهبه فَجعل جلا لكَلْب أَصْحَاب الْكَهْف فَأخذ الْمِسْكِين فِي عَدَاوَة آدم فكم بَالغ واجتهد وأبى الله أَن يَقع فِي الْبِئْر إِلَّا من حفر وَيحك مَا ذَنْب آدم أَنْت الْجَانِي على نَفسك وَلكنه غيظ الْأَسير على الْقد
لَقِي إِبْلِيس عمر بن الْخطاب فصارعه فصرعه عمر فَقَالَ بِلِسَان الْحَال أَنا مقتول بِلِسَان الخذلان قبل لقائك فإياك عني لَا يكن بك مَا بيا يَا عمر أَنْت الَّذِي كنت فِي زمَان الْخطاب لَا تعرف الْبَاب وَأَنا الَّذِي كنت فِي سدة السِّيَادَة وأتباعي الْمَلَائِكَة موصل منشور لَا يسئل فعزلني وولاك فَكُن على حذر من تحول الْحَال
(فَإِن الحسام الصَّقِيل الَّذِي ... قتلت بِهِ فِي يَد الْقَاتِل)
لما تمكنت معرفَة عمر بتقليب الْقُلُوب لعب القلق بِقَلْبِه خوفًا من قلبه فبادر بطرِيق بَاب الْبَرِيد بِالْعَزْلِ وَالْولَايَة يَا حُذَيْفَة يَا حُذَيْفَة الْمحبَّة الْعُظْمَى ارتباط أَمرك بِمن لَا يُبَالِي بهلاكك فكم قد أهلك قبلك مثلك كم مشارف بسفينة عمله على شاطئ النجَاة ضربهَا خرق الخذلان فغرقت وَمَا بَقِي للسلامة إِلَّا بَاعَ أَو ذِرَاع أَي تصرف بَقِي لَك فِي قَلْبك وَهُوَ بَين إِصْبَعَيْنِ
следующие страницы →