← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6940

المدهش

ابن الجوزي

Полный текст (530 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أَيهَا الحاطب على أزره وزرا وآثاما تنبه ترى الدُّنْيَا أحلى مَا كَانَت أحلاما كم نكس الْمَوْت فِيهَا أعلاما أَعلَى مَا كم أذلّ بقهره أَقْوَامًا أقوى مَا لَا كَانَ مِفْتَاح أَمْسَى لَهُ الْمَوْت ختاما (من على هَذِه الديار أَقَامَا ... أَو صفا ملبس عَلَيْهِ فداما) (عج بِنَا نندب الَّذين توَلّوا ... باقتياد الْمنون عَاما فعاما) (تركُوا كل ذرْوَة من أَشمّ ... يحسر الطّرف ثمَّ حلوا الرغاما) (يَا لحا الله مهملا حسب الدَّهْر ... نؤوم الجفون عَنهُ فَنَامَا) (هَل لنا بالغين كل مُرَاد ... غير مَا يمْلَأ الضلوع طَعَاما) (وَإِذا أعوز الْحَلَال فشل الله ... كفا جرت إِلَيْهَا حَرَامًا) التَّبعَات تبقى وَاللَّذَّات تمر وغب الأرى وَإِن حلا فَهُوَ مر وَكَأن قد عوى فِي دَار العوافي ذِئْب الضّر وَمَا يلهي شَيْء من الدُّنْيَا وَيسر إِلَّا يُؤْذِي ويضر وَقد بَانَتْ عيوبها فَلَيْسَ فِيهَا مَا يغر وَإِنَّمَا يعشقها الجهول ويأنف مِنْهَا الْحر (تذل الرِّجَال لأطماعها ... كذل العبيد لأربابها) (وَلَا تجنين ثمار المنى ... فتجنى الهوان بأعقابها) أخواني رُبمَا أورد الطمع وَلم يصدر كم شَارِب شَرق قبل الرّيّ من أخطأته سِهَام الْمنية قَيده عقال الْهَرم أَلا يتيقظ الْعَاقِل

стр. 212

بإضرابه أَلا ينتبه الغافل بأوصابه أيسلم والرامي تَحت ثِيَابه يَا مَرِيضا أتعب الْأَطِبَّاء مَا بِهِ كَأَنَّك بالدنيا الَّتِي تَقول مرْحَبًا قد حلت الحبى وَتَفَرَّقَتْ تفرق أَيدي سبا وَيحك أَخُوك من عذلك لَا من عذرك صديقك من صدقك لَا من صدقك وَيحك من يطربك يُطْغِيك وَمَا لَا يَعْنِيك يَعْنِيك تتوب صباحا فَإِذا أمسيت تحول وتعول وَتقول غير أَنَّك تنقض مَا تَقول وتتلون دَائِما كَمَا تتلون الغول يَا عبد الْهوى إِن دَعَا أمنت وَإِن ادّعى آمَنت كم قَالَ لَك الْهوى وَسمعت أَنا مكار وتبعت وَالله لقد افتك أَضْعَاف مَا أفدتك وَلَقَد أعذر من أنذر وَمَا قصر من بصر لما رأى المتيقظون سطوة الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا وخداع الأمل لأربابها لجأوا إِلَى حصن الزّهْد كَمَا يأوي الصَّيْد المذعور إِلَى الْحرم لَاحَ لَهُم حب المشتهي فَلَمَّا مدوا إِلَيْهِ أَيدي التَّنَاوُل بَان لأبصار البصائر خيط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوتوا إِلَى الرعيل الثَّانِي ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ جمعُوا الرحل قبل الرحيل وشمروا فِي سَوَاء السَّبِيل فَالنَّاس فِي الغفلات وهم فِي قطع الفلاة ﴿تِلْكَ أمة قد خلت﴾ لَو رَأَيْت مطايا أجسامهم وَقد إِذا بهَا السرى فَهِيَ تحن مِمَّا تجن فتبكي الْحداد للْمُصَنف (حنت فاذكت لوعتي حنينا ... اشكو من الْبَين وتشكو البينا) (قد عاث فِي أشخاصها طول السرى ... بِقدر مَا عاث الْفِرَاق فِينَا) (فخلها تمشي الهوينا طَال مَا ... أضحت تباري الرّيح فِي البرينا) (وَكَيف لَا نأوي لَهَا وَهِي الَّتِي ... بهَا قَطعنَا السهل والحزونا) (إِن كن لم يفصحن بالشكوى لنا ... فهن بالأرزام يشتكينا) (قد اقرحت بِمَا تحن كَبِدِي ... إِن الحزين يسْعد الحزينا) (وَقد تياسرت بِهن جائرا ... عَن الْحمى فاعدل بهَا يَمِينا)

стр. 213

(يَقُول صحبي أَتَرَى آثَارهم ... نعم وَلَكِن لَا أرى القطينا) (لَو لم تَجِد ربوعهم كوجدنا ... للبين لم تبل كَمَا بلينا) (أكلما لَاحَ لعَيْنِي بارق ... بَكت فابدت سرى المصونا) (لَا تَأْخُذُوا قلبِي بذنب مقلتي ... وعذبوا الخائن لَا الأمينا) دارت قُلُوب الْقَوْم فِي دَائِرَة الْخَوْف دوران الكرة تَحت الصولجان فهاموا فِي فلوات القلق فَمن خايف مستجير وَمن وَاحِد يَقُول وَمن سَكرَان يبث (إِذا لعب الرِّجَال بِكُل شَيْء ... رَأَيْت الْحبّ يلْعَب بِالرِّجَالِ) طَالَتْ عَلَيْهِم بادية الرياضة ثمَّ بَدَت بعْدهَا الرياض استوطنوا فردوس الْأنس فِي قلَّة طور الطّلب (شقينا فِي الْهوى زَمنا فَلَمَّا ... تلاقينا كأنا مَا شقينا) (سخطنا عِنْدَمَا جنت اللَّيَالِي ... فَمَا زَالَت بِنَا حَتَّى رَضِينَا) (فَمن لم يحيى بعد الْمَوْت يَوْمًا ... فَإنَّا بعد مَا متْنا حيينا) وقفت على قبر بعض الصَّالِحين فَقلت يَا فلَان بِمَاذَا نلْت تردد الْأَقْدَام إِلَيْك فَقَالَ أقدمت على رد الْهوى بِلَا تردد فترددت إِلَى الْأَقْدَام كَانَ عطر إخلاصي خَالِصا فعبق نشره بالأرواح للمهيار (جرت مَعَ الرَّسْم لي محاورة ... فهمت مِنْهَا مَا قَالَه الرَّسْم) (هَل لَك بالنازلين أَرض منى ... يَا علم الشوق بَعدنَا علم) أدْلج الْقَوْم طول اللَّيْل فِي السرى وخافوا عوز المَاء فتمموا المزاد بالبكاء (سلو غير طرفِي إِن سَأَلْتُم عَن الْكرَى ... فَمَا لجفون العاشقين مَنَام)

стр. 214

سكن الْخَوْف قُلُوبهم فَإِذا بهَا فَإِذا بهَا فِي محلّة الْأَمْن نحلوا الْمعرفَة فتحلوا فعمر قصر الْقلب للْملك وقنعت الْحَوَاشِي فِي القاع بالخيم (وَكم ناحل بَين تِلْكَ الْخيام ... تحسبه بعض أطنابها) يَا هَذَا سرادق الْمحبَّة لَا يضْرب إِلَّا فِي قاع فارغ نزه فرغ قَلْبك من غَيْرِي اسكنه للشريف الرضى (تركُوا الدَّار فَلَمَّا ... نزلُوا الْقلب أَقَامُوا) (يَا خليلي اسقياني ... زمن الوجد مدام) (وَصفا لي قلعة الركب ... ولليل مقَام) (وَمنى أَيْن منى ... مني لقد شط المرام) (هَل على جمع نزُول ... وعَلى الْخيف خيام) بِحَق لَا بُد أَن المحبين تذوب ولسماء أَعينهم تهمي وتصوب لَو حملُوا جبال الأَرْض مَعَ كرّ الكروب كَانَ ذَلِك قَلِيلا فِي حب المحبوب لِابْنِ المعتز (رأى خضوعي فصد عني ... فازددت ذلا فزادتيها) (قلت لَهُ خَالِيا وعيني ... قد أحرق الدمع مَا يَليهَا) (هَل لي فِي الْحبّ من شَبيه ... قَالَ وأبصرت لي شَبِيها)

стр. 215

الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أخواني شمروا عَن سوق الدأب فِي سوق الْأَدَب واعتبروا بالراحلين وسلوا السَّلب قبل أَن يفوت الْغَرَض بِالْمرضِ إِن عرض فكأنكم بمبسوط الأمل قد انقبض وبمشيد المنى قد انْتقض (يَا سَاكن الدُّنْيَا تأهب ... وانتظر يَوْم الْفِرَاق) (وَاعد زادا للرحيل ... فَسَوف يحدى بالرفاق) (وإبك الذُّنُوب يَا دمع ... تنهل من سحب المآق) (يَا من أضاع زَمَانه ... أرضيت مَا يفني بباق) أَيْن عزائم الرِّجَال أَيْن صرائم الْأَبْطَال تَدعِي وتتوانى هَذَا محَال (اشتاقكم ويحول الْعَزْم دونكم ... فَادّعى بعدكم عني وَاعْتذر) (واشتكى خطرا بيني وَبَيْنكُم ... وَآيَة الشوق أَن يستصغر الْخطر) إِن هَمَمْت فبادر وَإِن عزمت فثابر وَاعْلَم أَنه لَا يدْرك المفاخر من رَضِي بالصف الآخر قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز خلقت لي نفس تواقة لم تزل تتوق إِلَى الْإِمَارَة فَلَمَّا نلتها تاقت إِلَى الْخلَافَة فَلَمَّا نلتها تاقت إِلَى الْجنَّة لأبي فراس (بدوت وَأَهلي حاضرون لأنني ... أرى ان دَارا لست من أَهلهَا قفر) (وَمَا حَاجَتي فِي المَال أبغي وفوره ... إِذا لم يفر عرضي فَلَا وفر الوفر) (وَقَالَ أصيحابي الْفِرَار أَو الردى ... فَقلت هما أَمْرَانِ أحلاهما مر)

стр. 216

(سيذكرني قومِي إِذا جد جدهم ... وَفِي اللَّيْلَة الظلماء يفتقد الْبَدْر) (وَلَو سد غَيْرِي مَا سددت اكتفوا بِهِ وَمَا كَانَ يغلو التبر لَو نفق الصَّبْر) (وَنحن أنَاس لَا توَسط عندنَا ... لنا الصَّدْر دون الْعَالمين أَو الْقَبْر) (تهون علينا فِي الْمَعَالِي نفوسنا ... وَمن خطب الْحَسْنَاء لم يغله الْمهْر) إبتليت الهمم الْعَالِيَة بعشق الْفَضَائِل شجر المكاره يُثمر المكارم مَتى لاحت الفريسة قذفت الغابة السَّبع إِذا استقام للجواد الشوط لم يحوج رَاكِبه إِلَى السَّوْط من ضرب يَوْم الوغى وَجه الْهوى بِسَهْم ضرب مَعَ الشجعان يَوْم الْقِسْمَة بِسَهْم من اشْتغل بالعمارة استغل الْخراج إِذا طلع نجم الهمة فِي ظلام ليل البطالة ثمَّ ردفه قمر الْعَزِيمَة ﴿وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا﴾ يَا طَالبا للبدعة أَخْطَأت الطَّرِيق عِلّة الرَّاحَة التَّعَب إِن لم تكن أسدا فِي الْعَزْم وَلَا غزالا فِي السَّبق فَلَا تتثعلب يَا هَذَا الْجد جنَاح النجَاة وكسلك مزمن من كد كد العبيد تنعم تنعم الْأَحْرَار من امتطى رَاحِلَة الشوق لي يشق عَلَيْهِ بعد السّفر (على قدر أهل الْعَزْم تَأتي العزائم ... وَتَأْتِي على قدر الْكِرَام المكارم) يَا هَذَا ركائب الرحيل قد أنيخت بالجناب وَلم تتحرج وناقد البايع قَائِم على الْبَاب ونقدك بهرج كَيفَ يلْحق السَّابِقين كسلان أعرج لَو تنقلت على عيطموس الْعَزْم وهوجاء الطّلب وبميسجور الْقَصْد وجعلباة السّير ومشمعلة الْجد ووصلت الديجور بالضحى لانقطعت الديمومة الْقَذْف وَلَكِنَّك استوطأت مهاد الكسل وإبر النَّحْل دون الْعَسَل قيل لبَعض أهل الرياضة كَيفَ غلبت نَفسك فَقَالَ قُمْت فِي صف حربها بسلاح الْجد فَخرج مرحب الْهوى بدافع فعلاه على

стр. 217

الْعَزْم بصارم الحزم فَلم تمض سَاعَة حَتَّى ملكت خَيْبَر وَقيل لآخر كَيفَ قدرت على هَوَاك فَقَالَ خدعته حَتَّى أسرته واستلبت عوده فَكَسرته وقيدته بِقَيْد الْعُزْلَة وحفرت لَهُ مطمور الخمول فِي بَيت التَّوَاضُع وضربته بسياط الْجُوع فلَان يَا فلَان أَلَك فِي مجاهدة النَّفس نِيَّة أم النِّيَّة نِيَّة أتعبتني وَأَنت أَنْت يَا خنشليلا فِي كل دردبيس إِلَى مَتى تجول فِي طلب هجول مَا نفشت غنم الْعُيُون النواظر فِي زروع الْوُجُوه النواضر إِلَّا وأغير على السَّرْح من تعرض للعنقفير لَقِي الْأَمريْنِ المتعرض للنبلة أبله مَا عز يُوسُف إِلَّا بترك مَا ذل بِهِ مَا عز لَو ركد كدر دهن الذِّهْن سمت ذبالة الْمِصْبَاح أخواني إِلَى مَتى سكر عَن الْمَقْصُود إِلَّا صحو سَاعَة أريقوا قرقف الْهوى قبل هجوم صَاحب الشرطة إكسروا الظروف ظرفا ليعلم حسن قصدكم للتَّوْبَة وليشغلكم ذكر صَوت النأي عَن صَوت الناي والفكر فِي خراب المغاني عَن لُغَات الأغاني فكم من شَاب مَا شَاب وَكم من راج راج لَهُ أَن خَابَ مَا أسْرع افْتِرَاق الصاحبين إِذا صَاح بَين فمفترق جاران دارهما عمر مثل أهل الدُّنْيَا فِي غفلتهم وَطول آمالهم كَمثل الْحَاج نزلُوا منزلا فَقَامَ أَقوام يقطعون الصخور ويبنون الْبيُوت فَقَالَ المتيقظون وَيحكم مَا هَذَا البله الرحيل بعد سَاعَة لَو علم الْورْد قصر عمره مَا تَبَسم بَيْنَمَا هُوَ ينشر بز رِيحه فِي شمال البكور بزه الناطور فَإِذا بِهِ فِي زجاجة الزُّور فانتبه أَنْت وَلَا تغتر بزور نسيم الدجى يفتح مستغلق الجنبد وَخَوف سموم النَّهَار يُعِيد اللينوفر إِلَى المَاء إسمع يَا من لَا يحركه تشويق وَلَا يزعجه تخويف

стр. 218

(إِذا الْمَرْء كَانَت لَهُ فكرة ... فَفِي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة) تزوج صلَة بن أَشْيَم فَأدْخلهُ ابْن أَخِيه الْحمام ثمَّ ادخل إِلَى الْمَرْأَة وَقد طيب فَقَامَ يُصَلِّي فَمد الصلواة إِلَى الْفجْر فَعَاتَبَهُ إِبْنِ أَخِيه فَقَالَ إِنَّك أدخلتني أمس بَيْتا ذَكرتني بِهِ النَّار ثمَّ أدخلتني بَيْتا ذَكرتني بِهِ الْجنَّة فَمَا زَالَ فكري فيهمَا حَتَّى أَصبَحت (كفى حزنا إِن لَا أعاين بقْعَة ... من الأَرْض إِلَّا ازددت شوقا إِلَيْكُم) (وَإِنِّي مَتى مَا طَابَ لي خفض عيشة ... تذكرت أَيَّامًا مَضَت لي لديكم) مر بعض الْفُقَرَاء بِامْرَأَة فَأَعْجَبتهُ فَتَزَوجهَا فَلَمَّا دخل الْبَيْت نزعوا خلقانه وألبسوه ثيابًا جددا فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل طلب قلبه فَلم يجده فصاح خلقاني خلقاني فَأَخذهَا وَرجع للشريف الرضى (مَا ساعفتني اللَّيَالِي بعد بعدهمْ ... إِلَّا ذكرت ليالينا بِذِي سلم) (وَلَا استجد فُؤَادِي فِي الزَّمَان هوى ... إِلَّا ذكرت هوى أيامنا الْقدَم) (لَا تَطْلُبن لي الأبدال بعدهمْ ... فَإِن قلبِي لَا يرضى بغيرهم)

стр. 219

الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ يَا طَوِيل الأمل فِي قصير الْأَجَل أما رَأَيْت مستلبا وَمَا كمل أتؤخر الْإِنَابَة وتعجل الزلل (يَا من يعد غَدا لتوبته ... أَعلَى يَقِين من بُلُوغ غَد) (الْمَرْء فِي زلل على أمل ... ومنية الْإِنْسَان بالرصد) (أَيَّام عمرك كلهَا عدد ... وَلَعَلَّ يَوْمك آخر الْعدَد) يَا أخي التَّوْبَة التَّوْبَة قبل أَن تصل إِلَيْك النّوبَة الْإِنَابَة الْإِنَابَة قبل أَن يغلق بَاب الْإِجَابَة الْإِفَاقَة الْإِفَاقَة فيا قرب وَقت الْفَاقَة إِنَّمَا الدُّنْيَا سوق للتجر ومجلس وعظ للزجر وليل صيف قريب الْفجْر المكنة مزنة صيف الفرصة زورة طيف الصِّحَّة رقدة ضيف الْغرَّة نقدة زيف الدُّنْيَا معشوقة وَكَيف البدار البدار فالوقت سيف يَا غافلا عَن مصيره يَا وَاقِفًا فِي تَقْصِيره سَبَقَك أهل العزائم وَأَنت فِي الْيَقَظَة نَائِم قف على الْبَاب وقُوف نادم ونكس رَأس الذل وَقل أَنا ظَالِم وناد فِي الأسحار مذنب وواجم وتشبه بالقوم وَإِن لم تكن مِنْهُم وزاحم وَابعث برِيح الزفرات سَحَاب دمع ساجم قُم فِي الدجا نادبا وقف على الْبَاب تَائِبًا واستدرك من الْغمر ذَاهِبًا ودع اللَّهْو والهوى جانبا وَإِذا لَاحَ الْغرُور رأى رَاهِبًا وطلق الدُّنْيَا إِن كنت لِلْأُخْرَى طَالبا وَلَكِن بِلَا قلب إِلَى أَيْن أذهب يَا من قد ضَاعَ قلبه إطلبه فِي مظان انشاد الضلال الضايع إِنَّمَا ينشد فِي المجامع فاطلب قَلْبك فِي مجَالِس الذّكر أَو بَين أهل الْمَقَابِر وَرُبمَا دخلت بَيت الْفِكر فرأيته فَأَي مَوضِع غلب على ظَنك وجوده

стр. 220

فَلَا تقصر فِي الْبَحْث عَنهُ هَذِه النسور والرخم على كَثَافَة طبعها إِذا رَأَتْ جَيْشًا تَبعته لما ترجو من قتال يُوجب قَتْلَى وأخداج حَامِل أفما ترجو أَنْت فِي الْمجْلس إِجَابَة دَعْوَة أَو حُضُور قلب يَا نَائِما طول اللَّيْل سَارَتْ الرّفْقَة رَحل الْقَوْم كلهم وَمَا انْتَبَهت من الرقدة وَيحك أَتَدْرِي مَا صنعت بِنَفْسِك دخلت دَار الْهوى فقامرت بعمرك كنت أمس قلب أمس فتراك تَصْحِيف ترى لاحت لَك العاجلة فهمت كَأَنَّك مَا فهمت فَلَمَّا تبدلت تبلدت أَخْبرنِي عَن تخليطك فالطبيب لَا يكذب سجيتك تعلمني فاسمع أحَدثك إستكثرت من برودات الْغَفْلَة فَقعدَ نشاط الْعَزْم فَلَو قاومتها بحرارات الحذر لقام المقعد أما تعلم أَن مطاعم المطامع تولد سددا فِي كبد الْجد المحنة الْعُظْمَى مُوَافقَة الْهوى من غير تدبر أَنْت ترى مَا تشْتَهي فَتضْرب الْحَد يَا أَسِيرًا فِي قَبْضَة الْغَفْلَة يَا صَرِيعًا فِي سكرة المهلة أما يخْطر بقلبك خطر أَمرك وَيحك قد وَهن الْعظم الْعَظِيم وَمَا شابت همة الأمل إخلق برد الحيوة وَمَا انكفت كف البطالة قربت نُوق الرحيل وَمَا فِي المزاد زَاد قدمت معابر العبور وَأَنت تلهو على السَّاحِل أَكثر الْعُمر قد مر وَأَنت تتغلغل فِي تَضْييع الغابر أترجح الفاني على الْبَاقِي تثبت فَفِي الْمِيزَان عين إِن حركك حَظّ من حَظّ فالحظ الْحَظ الأحظ وَالله لَو شغلك نيل الْجنَّة عَن الْحق لَحْظَة كَانَ فِي تدبيرك وكس وَيحك أَنا بدك اللَّازِم فَالْزَمْ بدك خَاصَمت عَنْك قبل وجودك ﴿إِنِّي أعلم﴾ واعتذرت عَنْك فِي زلل فدلاهما ولقنتك الْعذر ﴿مَا غَرَّك بِرَبِّك﴾ وواصلتك برسائل هَل من سَائل (إِذا لم يكن بيني وَبَيْنك مُرْسل ... فريح الصِّبَا مني إِلَيْك رَسُول) كَانَ بعض الْأَغْنِيَاء كثير الشُّكْر فطال عَلَيْهِ الأمد فبطر وَعصى فَمَا زَالَت نعْمَته وَلَا تَغَيَّرت حَالَته فَقَالَ يَا رب تبدلت طَاعَتي

стр. 221

وَمَا تَغَيَّرت نعمتي فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف يَا هَذَا لأيام الْوِصَال عندنَا حُرْمَة حفظناها وضيعتها للمهيار (سل بسلع سكنا كَانَ وَكُنَّا ... لَيْت شعري مَا الَّذِي ألهاك عَنَّا) (أَهْوى أحدثته أم كاشح ... دب أم ذَنْب سرى أم تتجنى) تَابَ رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ ثمَّ نقض فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف فِي اللَّيْل (سأترك مَا بيني وَبَيْنك وَاقِفًا ... فَإِن عدت عدنا والوداد سليم) (تواصل قوما لَا وَفَاء لعهدهم ... وتترك مثلي والحفاظ قديم) يَا ناقضي العهود أنظروا لمن عاهدتم تلافوا خرق الخطاء قبل أَن يَتَّسِع (عودوا إِلَى الْعَهْد عودوا ... فالهجر صَعب شَدِيد) (تذكرونا فَمَا عهدنا ... لديكم بعيد) (هَل يرجع البان يَوْمًا ... وَهل تعود زرود) يَا هَذَا أقبل علينا تَرَ من إقبالنا عَلَيْك الْعجب إحفظ الله يحفظك إطلب الله تَجدهُ أمامك من كَانَ لنا عينا على قلبه أجرينا لَهُ جامكية أَمِين (أَنْت على الْبعد همومي إِذا ... غبت أشجاني على الْقرب) (لَا أتبع الْقلب إِلَى غَيْركُمْ ... عَيْني لكم عين وعَلى قلبِي) يَا هَذَا حفر النَّهر إِلَيْك وإجراء المَاء لَيْسَ عَلَيْك إحفر ساقية ﴿فاذكروني﴾ إِلَى جنب بَحر ﴿أذكركم﴾ فَإِذا بَالغ فِيهَا معول الكد فاضت عَلَيْك مياه الْبَحْر فَبِي يسمع وَبِي يبصر إلق بذر الْفِكر فِي

стр. 222

أَرض الْخلْوَة وسق إِلَيْهِ ساقية من مَاء الْفِكر لَعَلَّهَا تنْبت لَك شَجَرَة أَنا جليس من ذَكرنِي للشريف الرضى (يرنحني إِلَيْك الشوق حَتَّى ... أميل من الْيَمين إِلَى الشمَال) (كَمَا مَال المعاقر عاودته ... حميا الكأس حَالا بعد حَال) (ويأخذني لذكراك ارتياح ... كَمَا نشط الاسير من العقال) (وايسر مَا أُلَاقِي أَن هما ... يغصصني بذا المَاء الزلَال) هبت ريَاح الْخَوْف فقلقلت قُلُوب الْخَائِفِينَ فَلم تتْرك ثَمَرَة دمع فِي فنن جفن إِذا نزل آب فِي الْقلب سكن آذار فِي الْعين (لاتبلني بجفا يزِيد خضوعي ... يَكْفِيك أَن النَّار بَين ضلوعي) (وحياة سقمي فِي هَوَاك فَإِنَّهُ ... قسم الْهوى ووحق فيض دموعي) (لأوكلن عَلَيْك عَيْني بالبكاء ... ولأعشقن عَلَيْك طول هلوعي) كَانَت مَعَ هِشَام بن حسان جَارِيَة فِي الدَّار فَكَانَت تَقول أَي ذَنْب عمل هَذَا من قتل هَذَا فتراه اللَّيْل كُله يبكي (تركت الْفُؤَاد عليلا يُعَاد ... وشردت نومي فَمَا لي رقاد) كَانَ فتح الْموصِلِي يبكي الدُّمُوع ثمَّ يبكي الدَّم فَقيل لَهُ على مَاذَا بَكَيْت الدَّم فَقَالَ خوفًا على الدُّمُوع أَن تكون مَا صحت لي (يَا من لفؤاد وامق مَا يصحو ... قد طَال لعظم مَا عناه الشَّرْح) (وَالْعين لَهَا دم ودمع سمح ... ذَا يكْتب شجوه وَهَذَا يمحو)

стр. 223

الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ يَا من يعظه الدَّهْر وَلَا يقبل وينذره الْقَهْر بِمن يرحل وَيضم الْعَيْب إِلَى الشيب وَبئسَ مَا يفعل كن كَيفَ شِئْت فَإِنَّمَا تجازي بِمَا تعْمل (دَعْنِي فَإِن غَرِيم الْعقل لازمني ... وَذَا زَمَانك فامرح فِيهِ لازمني) (ولي الشَّبَاب بِمَا أَحْبَبْت من منح ... والشيب جَاءَ بِمَا أبغضت من محن) (فَمَا كرهت ثوى عِنْدِي وعنفني ... وَمَا حرصت عَلَيْهِ حِين عَن فني) يَا جايرا كلما قيل أقسط قسط يَا نازلا فسطاط الْهوى على شاطئ الشطط يَا ممهلا لَا مهملا مَا عِنْد الْمَوْت غلط كم سلب وضيعا وشريفا سلبا عنيفا وخبط أما مضغ الْأَرْوَاح فَلَمَّا طَال المضغ استرط أما يَكْفِي نذيرهم بلَى قد خوف الفرط تالله يُبَالِي حمام الْحمام أَي حب لقط أما خطّ الشيب خطّ النَّهْي عَن الخطآء لما وَخط أما آذن الشَّبَاب بالذهاب فَمَاذَا بعد الشمط (مَا أَن يطيب لذِي الرِّعَايَة للأيام ... لَا لعب وَلَا لَهو) (إِذْ كَانَ يطرب فِي مسرته ... فَيَمُوت من أجزاءه جزو) يَا مدعوا إِلَى نجاته وَهُوَ يتوانى مَا هَذَا الفتور والرحيل قد تدانى يَا مُقبلا على هفواته لَا يألو بهتانا كَأَنَّك بالدمع يجْرِي عِنْد الْمَوْت تهتانا وشغل التّلف قد أوقد من شعل الأسف نيرانا وَأَنت تبْكي تفريطك حَتَّى لقد أقرحت أجفانا وَالْعَمَل الصَّالح يُنَادي من كَانَ أجفانا إحذر زلل قدمك وخف حُلُول ندمك واغتنم وجودك قبل عدمك وَاقْبَلْ نصحي وَلَا تخاطر بدمك

стр. 224

(إِذا مَا نهاك امْرُؤ نَاصح ... عَن الفاحشات انزجر وانته) (وَأما عَلَوْت إِلَى رُتْبَة ... فَكُن حذرا بعْدهَا أَن تهى) (وَأما ترى مهجة فِي الثرى ... فَلَا تغترر بالمنى أَنْت هِيَ) خَاصم نَفسك عِنْد حَاكم عقلك لَا عِنْدِي قَاضِي هَوَاك فحاكم الْعقل يدين وقاضي الْهوى يجور كَانَ أحد السّلف إِذا قهر نَفسه بترك شَهْوَة أقبل يَهْتَز اهتزاز الرَّامِي إِذا قرطس لما عرف الْقَوْم قدر الحيوة أماتوا فِيهَا الْهوى فعاشوا إنتهبوا بأكف الْجد من الزَّمن مَا نثره زمن الْبَاطِلَة (وَركب سروا وَاللَّيْل ملق رواقه ... على كل مغبر الطوالع قاتم) (حدوا عَزمَات ضَاقَتْ الأَرْض بَينهَا ... فَصَارَ سراهم فِي ظُهُور العزائم) (تريهم نُجُوم اللَّيْل مَا يبتغونه ... على عاتق الشعري وهام النعائم) (إِذا طردوا فِي معرك الْجد قصفوا ... رماح العطايا فِي صُدُور المكارم) هان عَلَيْهِم طول الطَّرِيق لعلمهم أَيْن الْمَقْصد وحلت لَهُم مرارات البلا حبا لعواقب السَّلامَة فيا بشراهم يَوْم ﴿هَذَا يومكم﴾ (قف بالديار فَهَذِهِ آثَارهم ... نبكي الْأَحِبَّة حسرة وتشوقا) (كم قد وقفت بهَا أسائل مخبرا ... عَن أَهلهَا أَو صَادِقا أَو مشفقا) (فَأَجَابَنِي دَاعِي الْهوى فِي رسمها ... فَارَقت من تهوى فعز الْمُلْتَقى) يَا ربوع الأحباب أَيْن سكانك يَا مَوَاطِن الْأَلْبَاب أَيْن قطانك يَا جَوَاهِر الْآدَاب أَيْن خزانك للمهيار

стр. 225

(يطربني للمنازل الْيَوْم مَا ... أسأر عِنْدِي أَيَّامهَا الْقدَم) (وتطبيني على فصاحة شكواي ... أليها ربوعها الْعَجم) (عَليّ يَا دَار جهد عَيْني وَمَا ... عَليّ عَار أَن تبخل الديم) (لَك الرِّضَا من جمام أدمعها ... أَو دَمهَا إِن سقِِي ثراك دم) (أما وعهد الغادين عَنْك وأشجان ... بواق لي فِيك بعدهمْ) (وَمَا أَطَالَ المنى وَأعْرض من ... عَيْش كَأَن اختلاسه حلم) (هَل هُوَ إِلَّا أَن قيل جن بهم ... نعم على كل حَالَة نعم) (بتنا وأطواقنا يَد وَيَد ... ورسل أشواقنا فَم وفم) يَا هَذَا تنزه فِي أَخْبَار المحبين إِن لم تكن مِنْهُم إِن أهل الْكُوفَة يخرجُون للتفرج على الْحَاج أقعد على جَانب وَادي السحر لَعَلَّ إبل الْقَوْم تمر بك (خذني على قطن يَمِينا ... فَعَسَى أريك بِهِ القطينا) (مني تعلمت الْحمام ... النوح وَالْإِبِل الحنينا) وآسف المتقاعد عَنْهُم واحسرة الْبعيد مِنْهُم (سلو عَن فُؤَادِي سَاكِني ذَلِك الْوَادي ... فقد مر مجتازا على يمنه الْوَادي) (مضى يطْلب الأحباب وَالْقَوْم قد سروا ... فضل ومروا مُسْرِعين مَعَ الْحَادِي) (فها أَنا ابكيهم وأبكيه بدهم ... وتطلبهم عَيْني مَعَ الرَّائِح الغادي) واحاجتنا إِلَى رُؤْيَة الْقَوْم وَيَا شدَّة إيثارهم الْبعد عَنَّا إِن رَأينَا شخصا فأعلمتنا الفراسة أَنه مِنْهُم كَانَت همته الْهَرَب منا وَمَا ذَاك إِلَّا للتباين بَين أفعالنا وأعمالهم فلنبك على هَذِه الْحَال

стр. 226

(عجبت لما رأتني ... أندب الرّبع المحيلا) (وَاقِفًا فِي الدَّار أبْكِي ... لَا أرى إِلَّا الطلولا) (كَيفَ نبكي لِأُنَاس ... لَا يملون الذميلا) (كلما قلت إطمأنت ... دَارهم صاحوا الرحيلا) كَانَ بعض الصَّالِحين يتستر بِإِظْهَار الْجُنُون فَتَبِعَهُ مُرِيد فَقَالَ لَهُ وَالله مَا أَبْرَح حَتَّى تكلمني بِشَيْء يَنْفَعنِي فَإِنِّي قد عرفت تسترك فَسجدَ وَجعل يَقُول فِي سُجُوده اللَّهُمَّ سترك فَمَاتَ (أسميك سعدى فِي نسيبي تَارَة ... وآونة اسْما وآونة لبنى) (حذارا من الواشين أَن يسمعوا بِنَا ... وَإِلَّا فَمن سعدى لديك وَمن لَبَنًا)

стр. 227

الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ يَا مخدوعا قد فتن يَا مغرورا قد غبن من لَك إِذا سوى عَلَيْك اللَّبن فِي بَيت قطّ مَا سكن سلب الرفيق نَذِير والعاقل فطن (أَنْت فِي دَار شتات ... فتأهب لشتاتك) (وَاجعَل الدُّنْيَا كَيَوْم ... صمته عَن شهواتك) (وَليكن فطرك عِنْد ... الله فِي يَوْم وفاتك) إياك وَالدُّنْيَا فَإِن حب لدُنْيَا مبتوت واقنع مِنْهَا باليسير فَمَا يعز الْقُوت يَا قوت النَّدَم يُغني عَن الْيَاقُوت إحذر مِنْهَا فَإِنَّهَا أَسحر من هاروت وماروت لَيْسَ للْمَاء فِي قَبْضَة مُمْسك ثُبُوت ﴿وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت﴾ أَيْن من جمع المَال وملأ التخوت تَسَاوِي تَحت اللحود السادات والتحوت مَا نَفعه إِن جال فِي الْبَأْس جالوت وَلَا رد عَنهُ إِن طَال الْقَوْم طالوت وَلَا منع أَصْحَابه حُلُول التابوت لقد أخرج الْمَوْت من قَعْر أَلِيم الْحُوت قل للَّذين تديروا تدبروا أَيْن الْبيُوت جوزوا على الَّذين جوزوا فقد وعظ الخفوت كم مسئول عَن عذره فِي قَبره مبهوت لقد أنطق الْوَعْظ الصخور الصموت أما يَكْفِي زجرا أَنَّك تَمُوت بَادر عمرا فِي كل يَوْم يفوت قل أَنا تائب إِلَى كم سكُوت قد تعودت مِنْك النَّفس فِي الْمجْلس النُّطْق بِالتَّوْبَةِ فَهِيَ تسخو بالْكلَام لعلمها أَنه على غير أصل وَلَو تيقنت صدق عزمك لتوقفت عَن القَوْل هَذَا العصفور إِذا كَانَ على حَائِط فَصحت بِهِ لم يبرح فَإِذا أهويت إِلَى الأَرْض كَأَنَّك تنَاول حجرا يلمح يدك فارغة

стр. 228

فَلم ينفر فَإِذا وضعت يدك على حجر رأى الْجد ففر يَا هَذَا قَوْلك أَنا تائب من غير عزم نفخ فِي غير ضرم بيض التُّرَاب لَا يخرج مِنْهُ فرخ أخواني الْعُمر أنفاس تسير بل تطير الأمل مَنَام لَا ترى فِيهِ إِلَّا الأحلام هَذَا سيف الْمَوْت قد دنا فَإِن ضرب قدنا هَذَا الرحيل وَلَا زَاد عندنَا إنتبهوا من رقاد الْغَفْلَة تيقظوا من نوم العطلة عرجوا عَن طَرِيق البطالة إبعدوا عَن ديار الوحشة الفترة حيض الطباع وَوُقُوع الْعَزِيمَة رُؤْيَة النقا فَحِينَئِذٍ يتَوَجَّه الْخطاب بالتوجه إِلَى محراب الْجد أول منَازِل الْآخِرَة الْقَبْر فَمن مَاتَ فقد حط رَحل السّفر وَسَائِر الورى سَائِر من كَانَ فِي سجن التقى فالموت يُطلقهُ وَمن كَانَ هائما فِي بوادي الْهوى فالموت لَهُ حسب يوثقه موت المتعبدين عتق لَهُم من استرقاق الكد ورفق بهم من تَعب المجاهدة وَمَوْت العصاة سباء يرقون بِهِ لطول الْعَذَاب من كَانَ واثقا بالسلامة من جِنَايَة فَرح بفك بَاب السجْن لما توعد فِرْعَوْن السَّحَرَة بالصلب أنساهم أمل لِقَاء الحبيب مرَارَة الْوَعيد ﴿إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون﴾ يَا فِرْعَوْن غَايَة مَا تفعل أَن تحرق الْجِسْم والركب قد سرى ﴿لَا ضير﴾ من لاحت لَهُ منى نسي تَعب المدرج للمهيار (مَتى رفعت لَهَا بالغور نَار ... وقر بِذِي الْأَرَاك لَهَا قَرَار) (فَكل دم أراق السّير مِنْهَا ... بِحكم الشوق مطلول جَبَّار) لَا بُد للمحبوب من اختبار الْمُحب ﴿ولنبلونكم﴾ أسلم أَبُو جندل ابْن سُهَيْل فقيده أَبوهُ فَلَمَّا نزل رَسُول الله ﷺ الْحُدَيْبِيَة خرج أَبُو جندل يرسف فِي قَيده فَدخل فِي الصَّحَابَة فَقَالَ سُهَيْل

стр. 229

هَذَا أول من أقاضيك عَلَيْهِ فاستغاث أَبُو جندل يَا معشر الْمُسلمين أأرد إِلَى الْمُشْركين فيفتنوني عَن ديني فَقَالَ الرَّسُول لَا بُد من الْوَفَاء فَرد إِلَيْهِم فقدمه يسْعَى نحوهم وَقَلبه يُجهز جيوش الْحِيَل فِي الْخَلَاص للمهيار (أنذرتني أم سعد أَن سَعْدا ... دونهَا ينهد لي بِالشَّرِّ نهدا) (وعَلى مَا صفحوا أَو نقموا ... مَا أرى لي مِنْك يَا ظيبة بدا) لما أسلم مُصعب بن عُمَيْر حَبسه أَهله فَأَفلَت إِلَى الْحَبَشَة ثمَّ قدم مَكَّة فَدخل على رَسُول الله ﷺ فَأرْسلت إِلَيْهِ أمه يَا عَاق أتدخل بَلَدا أَنا فِيهِ وَلَا تبدأ بِي فَقَالَ مَا كنت لأبدأ بِأحد قبل رَسُول الله ﷺ فَأَرَادَتْ حَبسه فَقَالَ وَالله لَئِن حبستني لأحرصن على قتل من يتَعَرَّض لي فتركته (وعاذلين لحوبي فِي مودتكم ... يَا ليتهم وجدوا مثل الَّذِي أجد) (لما أطالوا عتابي فِيك قلت لَهُم ... لَا تفرطوا بعض هَذَا اللوم واقتصدوا) جمع حبس التعذيب بَين بِلَال وعمار مصادرين على بذل الدّين فزوروا نطق عمار على خطّ قلبه فَلم يغرفوا التزوير وأصر بِلَال على دَعْوَى الإفلاس فسلموه إِلَى صبيانهم فِي حَدِيدَة يصهرونه فِي حر مَكَّة ويضعون على صَدره وَقت الرمضاء صَخْرَة ولسان محبته يَقُول (بِعَيْنَيْك مَا يلقى الْفُؤَاد وَمَا لَقِي ... وللشوق مَا لم يبْق مني وَمَا بقى) وَا عجبا إيلام ذُو حس على عشق يُوسُف قدم الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي مَكَّة فَقَالَت لَهُ قُرَيْش لَا تدن من مُحَمَّد

стр. 230

فَإنَّا نَخَاف أَن يفتنك فسد أُذُنَيْهِ بقطنتين ثمَّ تفكر فَقَالَ وَالله مَا يخفى عَليّ الْحسن من الْقَبِيح فَانْطَلق فَسمع من رَسُول الله ﷺ فَأسلم (وَمَا كنت مِمَّن يدْخل الْعِشْق قلبه ... وَلَكِن من يبصر جفونك يعشق) قطعت قُرَيْش لحم خبيب ثمَّ حملوه إِلَى الْجذع ليصلب فَقَالُوا أَتُحِبُّ أَن مُحَمَّدًا مَكَانك فَقَالَ وَالله مَا أحب أَنِّي فِي أَهلِي وَوَلَدي وَأَن مُحَمَّدًا شيك بشوكة ثمَّ نَادَى وامحمداه (إِن فِي الْأسر لصبا ... دمعه فِي الخد صب) (هُوَ بالروم مُقيم ... وَله بِالشَّام قلب) لما بعث معَاذ إِلَى الْيمن خرج الرَّسُول يودعه ودموع معَاذ ترش طَرِيق الْوَدَاع (وَلما تزايلنا من الْجزع وانتأى ... مشرق ركب مصعد عَن مغرب) (تبينت أَن لَا دَار من بعد عالج ... تسر وَأَن لَا خلة بعد زَيْنَب) كَانَت الدُّنْيَا بمثلهم عسلا فتعلقمت بمثلكم خلت الديار من الأحباب فَلَمَّا فرغت ردم الْبَاب للنابغة (وقفت فِيهَا أصيلا كي أسائلها ... أعيت جَوَابا وَمَا بِالربعِ من أحد) (أضحت قفارا وأضحى أَهلهَا احتملوا ... أخنى عَلَيْهَا الَّذِي أخنى على لبد) حن بِبَعْض أَنْدِيَتهمْ ونادبها وابك فقد الأحباب ونادبها للبحتري (إِذا جزت بالغور الْيَمَانِيّ مغربا ... وحاذتك صحراء الشواجر يَا سعد) (فَنَادِ ديار العامرية باللوى ... سقت ربعك الأنواء مَا فعلت هِنْد)

стр. 231

الْفَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ إِن الدُّنْيَا مذ أبانت محبها أبانت حَالهَا لقد رَوَت وَمَا رَوَت فارت مآلها لقد عرف أدبارها من قد ألف إقبالها وَمَا اطمأنت أرْضهَا إِلَّا زلزلت زِلْزَالهَا (قل لمن فاخر بالدنيا وحامى ... قتلت قبلك ساما ثمَّ حاما) (ندفن الْخلّ وَمَا فِي دفننا ... بعده شكّ وَلَكِن نتعامى) (إِن قدامك يَوْمًا لَو بِهِ ... هددت شمس الضُّحَى عَادَتْ ظلاما) (فانتبه من رقدة اللَّهْو وقم ... وانف عَن عين تماديك المناما) (صَاح صَحَّ بالقبر يُخْبِرك بِمَا ... قد حوى واقرأ على الْقَوْم السلاما) (فالعظيم الْقدر لَو شاهدته ... لم تَجِد فِي قَبره إِلَّا العظاما) تالله لقد ركض الْمَوْت فاسرع فِي الركض بَث الْجنُود وطبق الأَرْض مَا حمل على كَتِيبَة إِلَّا وفض وَلَا صَاح بِجَيْش إِلَّا جاش وَارْفض وَلَا لوح إِلَى طَائِر فِي البرج إِلَّا انقض إِذا تَكَلَّمت قوسه بالنبض أسكنت النبض بَينا الحيوة تعرب بِالرَّفْع جعل الشكل الْخَفْض أَيْن مصون الْحُصُون أزعج عَنْهَا أَيْن مَقْصُور الْقُصُور اخْرُج مِنْهَا نَقله هَادِم اللَّذَّات نقلا سَرِيعا ومقله فِي بحار الْآفَات مقلا فظيعا وَفرق بَينه بالبين وَبَين بنيه وطرقه بطارق النَّقْض فأنقض مَا كَانَ يبنيه لقد ولى وَلَاء ذِي ود يَنْفَعهُ وَبَان فَبَان لباني الدُّنْيَا مصرعه هجره وَالله من هَاجر إِلَيْهِ ونسيه نسيبه وَقد كَانَ يحنو عَلَيْهِ فَلَا صديقه صدقه فِي مودته وَلَا رَفِيقه أرفقه فِي شدته حلوا وَالله بالبلاء فِي البلى وودعهم من أودعهم ثمَّ قلى وانفردوافي الْأُخْدُود بَين وَحش الفلا وسألوا الْإِقَالَة فَقيل أما هَذَا فَلَا لَو نطق الْمَوْتَى

стр. 232

بعد دفنهم لندموا على غيهم وافنهم ولقالوا رحلنا عَن ظلم شرورنا إِلَى ظلم قبورنا وخلونا عَن الأخلاء بترابنا فِي آفَات لَا ترى بِنَا أفترى محبنا إِذْ ظعنا بِمن اعتاض عَنَّا وَهَذَا مصيرك بعد قَلِيل فتأهب يَا مُقيم للتحويل يَا سليما يظنّ أَنه سليم جوارحك جوارحك سور تقواك كثير الثلم وأعداؤك قد أحاطوا بِالْبَلَدِ وَيحك قبل الرَّمْي تراش السِّهَام وَبَين الْعَجز والتواني ينْتج التوى يَا قالي الْقَائِل للنصايح إداؤك داؤك كَيفَ تَجْتَمِع همتك مَعَ غوغاء المنى وضوضاء الشَّهَوَات كَيفَ تتصرف فِي مصالحك والشواغل للشوي غل كم صادفت الْهوى فصدفت لقد خدع قَلْبك الْهوى فاسترق فاسترق اضرما عَلَيْك سوء تدبيرك آه للابس شعار الطَّرْد وَمَا يشْعر بِهِ وأسفا لمضروب مَا يحس صَوت الشوط عجبا لمن أُصِيب بعقله وعقله مَعَه يَا معثر الْأَقْدَام مَعَ إشراق الشَّمْس يَا فارغ الْبَيْت من الْقُوت فِي أَيَّام الْحَصاد (أملي من أملي مَا يَنْقَضِي ... وغرامي من غرامي قاتلي) (كلما أفنيت عَاما فَاسِدا ... جَاءَ عَام مثله من قَابل) (كلما أملت يَوْمًا صَالحا ... عرض الْمَقْدُور لي فِي أملي) (وَأرى الْأَيَّام لَا تدني الَّذِي ... ارتجى مِنْك وتدنى أَجلي) يَا جرحى الذُّنُوب قد عَرَفْتُمْ المراهم إخرجوا من قصر مصر الْهوى وَقد لاحت مَدِينَة مَدين إطلبوا بِئْر الشّرْب وَإِن صد الرعاء فَلَعَلَّ حُضُور مُوسَى يتَّفق مَتى استقامت لكم جادة الْبكاء فَلَا تعرجوا عَنْهَا كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَفتح الْموصِلِي يَبْكِيَانِ الدَّم

стр. 233

(قُولُوا لسكان الْحَيّ ... تبدل الدمع دَمًا) (وكل شهد بعدكم ... قد صَار مرا علقما) إِذا تكاثفت كُثْبَان الذُّنُوب فِي بوادي الْقُلُوب نسفها نسف أَسف فِي نفس يَا أهل الزلل قومُوا نفس أَنفسكُم فقد جمع قسر الْقَهْر بَين النَّاقِص والتام لقد تَابَ الله على الْمُؤمنِينَ ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ (لست وَإِن أعرضتم ... أيأس من أَن تعطفوا) (فَلَا بَرى وجدي بكم ... وَلَا أَفَاق الشغف) (وصبر يَعْقُوب معي ... حَتَّى يرد يُوسُف) يَا من كَانَ لَهُ وَقت طيب وقلب حسن فاستحال خله خمرًا إبك على مَا فقدت فِي بَيت الأسف (لَعَلَّ انحدار الدمع يعقب رَاحَة ... من الوجدان يطفي نجى البلابل) مَا أحسن مَا كنت فتغيرت مَا أَجود جادتك فَكيف تعثرت (وَكُنَّا جَمِيعًا قبل أَن يظْهر الْهوى ... بأنعم حَالي غِبْطَة وسرور) (فَمَا برح الواشون حَتَّى بَدَت لنا ... بطُون الْهوى مَقْلُوبَة لظُهُور) الْبكاء على الفايت معول الحزين لأبي تَمام (وانجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع انجدني على سَاكِني نجد) (لعمري قد اخلقتم جدة البكا ... عَليّ وجددتم بِهِ خلق الوجد) يَا معاشر المطرودين عَن صُحْبَة أهل الدّين (تَعَالَوْا نقم مأتما للفراق ... ونندب اخواننا الظاعنينا)

стр. 234

هلموا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا ونبعث مَعَ الواصين رِسَالَة محْضر لَعَلَّنَا نحظى بِأَجْر الْمُصِيبَة انجع المراهم لجراحات الذُّنُوب الْبكاء هتكة الدمع ستر على الذَّنب (قد كنت أصون دمعتي فِي الأماق ... سترا للحب وَهُوَ مَا لَيْسَ يُطَاق) (حَتَّى صَاح الوجد عَن صَحِيح الأشواق ... مَا حِيلَة من بلَى بمهجر وفراق) كَانَ مُحَمَّد ابْن الْمُنْكَدر كثير الْبكاء فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ آيَة من الْقُرْآن أبكتني ﴿وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون﴾ كَيفَ لَا تذْهب الْعُيُون من الْبكاء وَمَا تَدْرِي مَا قد أعد لَهَا سبقت السَّعَادَة لمُحَمد ﷺ قبل كَونه وَمَضَت الشقاوة لأبي جهل قبل وجوده وَخَوف العارفين من سوابق الأقدار قلقل الْأَرْوَاح هَيْبَة ﴿لَا يسْأَل﴾ مَعَ تحكم ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ قوي قلق الْعلمَاء (أَتَرَى سَأَلُوا لما رحلوا ... مَاذَا فعلوا أم من قتلوا) (أحليف النّوم أقل اللوم ... فعندي الْيَوْم بهم شغل) (أدنى جزعي لم يبْق معي ... قلب فيعي مُنْذُ احتملوا) (جلدي سلبوا جَسَدِي نهبوا ... كمدي وهبوا كَبِدِي تبلوا) (لما ذرفت عَيْني وقفت ... أَتَرَى عرفت مَا بِي الأبل) (ولحا اللاحي وَهُوَ الصاحي ... وَهُوَ راحي وَأَنا الثمل)

стр. 235

الْفَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ تيقظ لنَفسك يَا هَذَا وانتبه واحضر عقلك وميز مَا تشتبه أما هَذَا مَنْزِلك الْيَوْم وَغدا لست بِهِ (إِذا مَا انجلى الرَّأْي فاحكم بِهِ ... وَلَا تحكمن بِمَا يشْتَبه) (وَنبهَ فُؤَادك من رقدة ... فَإِن الْمُوفق من ينتبه) (وَأَن كنت لم انتبه بِالَّذِي ... وعظت بِهِ فانتبه أَنْت بِهِ) لقد أمكنت الفرصة أَيهَا الْعَاجِز وَلَقَد زَالَ الْقَاطِع وارتفع الحاجز أَيْن الهمم الْعَالِيَة وَأَيْنَ النجايز أما تخَاف هَادِم اللَّذَّات والمنى الناجز أما اعوجاج الْقَنَاة دَلِيل على الغامز أما الطَّرِيق طَوِيلَة وفيهَا المفاوز أما الْقُبُور قنطرة العبور فَمن المجاوز أما يَكْفِي فِي التنغيص حمل الجنايز أما الْعَدو محَارب فَهَل من مبارز أما الْأَمْن بعيد والهلك ناشز والقنا مشرع والطعن واخز تالله تطلب الشجَاعَة من بَين العجايز وتروم إصْلَاح فارك وتقويم ناشز إِن لم يكن سبق الصّديق فلتكن تَوْبَة مَاعِز مَا هَذِه الْغَفْلَة والبلى مصيرك وَكم هَذَا التواني فَلَقَد أودى تقصيرك أما صَاح بك فِي سلب نذيرك أَفلا تتأهب لقدساء تدبيرك إب يَا شارد الطَّبْع من سفر الْهوى وأذب جامد الدمع بنيران الأسى لَعَلَّ شَفِيع الإعتراف يسئل فِي أَسِير الإقتراف نق عَيْنَيْك من عيوبك وخلص ذنوبك من بَحر ذنوبك وصن صندوق

стр. 236

فمك بقفل صمتك واطو طيلسان لسَانك عَن بذلة نطقك واغمض عَيْنك عَن عيبك حفظا لدينك واكفف كفك مكتفيا بِمَا كفك وَابْن مِنْبَر التَّذْكِير لواعظ الْقلب فِي ساحة الصَّدْر وناد فِي شجعان العزائم وَرُهْبَان الْفِكر هلموا إِلَى عقد مجْلِس الذّكر وَاحْذَرْ عين الْعَدو أَن يُوقع تشتيت الْهم فِي جمع الْعَزْم فَإِن رماك الْقدر بِسَهْم الفتور عَن قَوس الْحِكْمَة من يَد لكل عَامل فَتْرَة فَاتق بجنة الإعتذار فَإِن ألْقى كرة قَلْبك إِلَى صولجان التقليب فِي بيداء الْمُؤمن مفتن فجل فِي ميدان الدل فَإِن دب ذِئْب الْهوى فعاث فِي مزرعة التقى فأقم ناطور القلق فَإِن أفلت دجال الطَّبْع فَأَقَامَ صَلِيب الزلل واطلق خِنْزِير الشره فالجأ إِلَى حرم التَّوْبَة واستغث بِعِيسَى العون لَعَلَّه ينزل من سَمَاء الألطاف فَيهْلك الدَّجَّال وَيقتل الْخِنْزِير وَيكسر الصَّلِيب إجلس لَيْلَة على مائدة السخر وذق طَعَام الْمُنَاجَاة تنسيك كل لَذَّة أَرْوَاح الأسحار لَا يستنشقها من كوم غَفلَة إِنَّهَا لتأتي بألطاف الحبيب ثمَّ تعود فيحاء تطلب رِسَالَة فَمن لم يكْتب كتابا فَمَاذَا يبْعَث لَو وقفت على جادة التَّهَجُّد لَيْلَة لرأيت ركب الأحباب لَو سرت فِي أَعْرَاض الْقَوْم لحرك قَلْبك صَوت الحداة أَقبلت ريَاح الأسحار فاحتشمت تَقْبِيل أَقْدَامهم وذكت أذيال أثوابهم للشريف الرضى (وامست الرّيح كالغيرى تجاذبنا ... على الكئيب فضول الريط واللمم) (يشي بِنَا الطّيب أَحْيَانًا وآونة ... يضيئنا الْبَرْق مجتازا على أضم) (يولع الطل بردينا وَقد نسمت ... رويحة الْفجْر بَين الضال وَالسّلم)

стр. 237

حَدِيث الْقَوْم مَعَ الدجى يطول يسيحون فِي فلوات خلواته يندبون أطلال الْحبّ ويرتاحون إِلَى تنسمه لشدَّة الطَّرب (وَإِنِّي لأستنشي الشمَال إِذا جرت ... حنينا إِلَى آلَاف قلبِي وأحبابي) (واهدي مَعَ الرّيح الْجنُوب إِلَيْهِم ... سلامي وشكوى طول حزني وأوصابي) وَاعجَبا الرسايل تحمل فِي الأسحار لَا يدْرِي بهَا الْفلك والأجوبة ترد إِلَى الْأَسْرَار لَا يعلمهَا الْملك (يَا حبذا رند العقيق وَبِأَنَّهُ ... سقى العقيق وَأَهله وزمانه) (راقت خمايله ورق نسيمه ... وصفت على عصبائه غدرانه) (وَشَكتْ تباريح الصبابة ورقه ... وتمايلت بيد الصِّبَا أفنانه) (يَا مُفردا فِي حسنه صل مُفردا ... فِي حزنه لعبت بِهِ أشجانه) (صبا إِذا ذكر العقيق وَأَهله ... صابت مدامعه وجن جنانه) إجتمع المحبون فِي مَسَاجِد التَّعَبُّد أول اللَّيْل فَرَمَاهُمْ الوجد فِي آخِره على قوارع الطّرق (مَشوا إِلَى الراح مَشى الرخ فانصرفوا ... والراح تهشي بهم مشي الفرازين) أَرْوَاح أزعجها الْحبّ وأقلقها الْخَوْف سُبْحَانَ من أمْسكهَا باللطف (قوم إِذا هجروا من بعد مَا وصلوا ... مَاتُوا وَإِن عَاد من يهوونه بعثوا) (ترعى المحبين صرعن فِي دِيَارهمْ ... كفتية الْكَهْف يَدْرُونَ لَا كم لَبِثُوا) (وَالله لَو حلف العشاق أَنهم ... موتى من الْحبّ أَو قَتْلَى لما حنثوا) (مَجْلِسنَا بَحر يردهُ الْفِيل والعصفور ... ) (كل أنَاس مشربهم أطيار ... ) (صناعتها فِي الجو بِالْقَلْبِ ... )

стр. 238

فَأَيْنَ الطروب سحائب التفهيم قد هطلت بودق الْبَيَان افتراها أخضرت رياض الأذهان نَحن فِي رَوْضَة طعامنا فِيهَا الْخُشُوع وشرابنا فِيهَا الدُّمُوع ونقلنا هَذَا الْكَلَام المطبوع نداوي أمراضا أعجزت بختيشوع ونرقى الهاوي ونرقى الملسوع فليته كَانَ كل يَوْم لَا كل أُسْبُوع لصردر (يَا صَحَابِيّ وَأَيْنَ مني صحبي ... فتنتهم عُيُون ذَاك السرب) (كَلِمَات أسماؤهن استعارات ... وَمَا هن غير طعن وَضرب) (أَرِنِي ميتَة تطيب بهَا النَّفس ... وقتلا يلذ غير الْحبّ) (لَا تزل بِي عَن العقيق فَفِيهِ ... وطري إِن قَضيته أَو نحبي) (لَا رعيت السوام إِن قلت للصحبة ... خَفِي عني وللعيس هبي) وحدي أَتكَلّم وجدي يتألم أَلا مُرِيد يتَعَلَّم أَلا دموع تتسلم لِابْنِ الْمعلم (هُوَ الْحمى ومغانيه مَعَانِيه ... فاحبس وعان بليلى مَا تعانيه) (مَا فِي الصحاب أَخُو وجد تطارحه ... حَدِيث نجد وَلَا صب تجاريه) (إِلَيْك عَن كل قلب فِي أماكنه ... ساه وَعَن كل دمع فِي مآقيه) (يوهي قوى جلدي من لَا أبوح بِهِ ... ويستبيح دمي من لَا أُسَمِّيهِ) (يبْلى فَمَا فِي لساني مَا يعاتبه ... ضعفا بلَى فِي فُؤَادِي مَا يداريه)

стр. 239

الْفَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ أخواني تَفَكَّرُوا فِي مصَارِع الَّذين سبقوا وتدبروا مصيرهم أَيْن انْطَلقُوا وَاعْلَمُوا أَن الْقَوْم انقسموا وافترقوا قوم مِنْهُم سعدوا وَمِنْهُم قوم شَقوا (والمرء مثل هِلَال عِنْد طلعته ... يَبْدُو ضئيلا لطيفا ثمَّ يتسق) (يزْدَاد حَتَّى إِذا مَا تمّ أعقبه ... كرّ الجديدين نقصا ثمَّ ينمحق) (كَانَ الشَّبَاب رِدَاء قد بهجت بِهِ ... فقد تطاير مِنْهُ للبلى خرق) (وَبَات منشمرا يَحْدُو المشيب بِهِ ... كالليل ينْهض فِي اعجازه الفلق) (عجبت والدهر لَا تفنى عجائبه ... للراكنين إِلَى الدُّنْيَا وَقد صدقُوا) (وَطَالَ مَا نغصوا بالفجع ضاحية ... وَطَالَ بالفجع بالفجع والتنغيص مَا طرقوا) (دَار تغر بهَا الآمال مهلكة ... وَذُو التجارب فِيهَا خَائِف فرق) (يَا للرِّجَال لمخدوع بزخرفها ... بعد الْبَيَان ومغرور بهَا يَثِق) (أَقُول وَالنَّفس تَدعُونِي لباطلها ... أَيْن الْمُلُوك مُلُوك النَّاس والسوق) (أَيْن الَّذين إِلَى لذاتها ركنوا ... قد كَانَ فِيهَا لَهُم عَيْش ومرتفق) (أمست مساكنهم قفرا معطلة ... كَأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا قبلهَا خلقُوا) (يَا أهل لذات دَار لَا بَقَاء لَهَا ... إِن اغْتِرَارًا بِظِل زايل حمق) أَيْن من كَانَ فِي سرُور وغبطة أَيْن من بسط الْيَد فِي بسيط البسطة لقد أوقعهم الْمَوْت فِي أصعب خطة جسروا على الْمعاصِي فَانْقَلَبت على الْجِيم النقطة بيناهم فِي الْخَطَأ خطا إِلَيْهِم صَاحب الشرطة هَذَا دأب الزَّمَان فَإِن صفا فغلطة كم تخون الْمَوْت منا اخوانا وَكم قرن فِي الأجداث اقرانا كم مترف أبدله الْمَوْت ديدانا وَهَذَا أَمر إِلَيْنَا قد تدانى كم معد عودا لعيده صَارَت ثِيَابه أكفانا وَمَا شاهدنا

стр. 240

مصرعها وَمَا كفانا كم مسرور بقصره عوض من قَبره أَعْطَانَا افترانا هَذَا الْأَمْن من أَعْطَانَا (لنمنا وَصرف الدَّهْر لَيْسَ بنائم ... خزمنا لَهُ قسرا بِغَيْر خزائم) من سعى إِلَى شهواته مستعجلا تعثر بحسك الأسف تلمح العواقب قبل الْفِعْل أَمَان من النَّدَم قد عَرَفْتُمْ عقابيل قابيل وعلمتم حسن سرابيل هابيل (الشرى يُوجد فِي أعقابه ضرب ... خير من الارى فِي أعقابه لسع) الْهوى مطمورة ضيقَة فِي حبس وعر ومذ خلق الْهوى خلق الهوان لَا يتَصَرَّف الْهوى إِلَّا بِربع قلب فارغ من الْعلم الْجَهْل خَنْدَق يحول بَين الطَّالِب وَالْمَطْلُوب وَالْعلم يدل على القنطرة كِتَابَة الْعلم فِي ليل الْجَهْل تفْتَقر إِلَى مِصْبَاح فطنة ودهن الذِّهْن غال مَا قدر لص قطّ على فطن وَمَتى نَام حارس الْفِكر انتبه لص الْهوى من ثَبت قلبه فِي حَرْب الشَّهَوَات لم يتزلزل قدمه أول مَا ينهزم من الْمَهْزُوم عقله مَا دمت فِي حَرْب الْعَدو فَلَا تبال بالجراح فَإِنَّهُ قد يصاب الشجاع إِنَّمَا المهانة دَلِيل الذل تأثيرات الذُّنُوب على مقاديرها وَقعت غلطة من يُوسُف فقد الْقَمِيص وقويت زلَّة آدم فَخرج عُريَانا من الثِّيَاب أَيْن عَزِيمَة تَوْبَة مَا عز لاعزيمة تَوْبَة أَيْن هم أويس لَا غم قيس مَا لم يكن لَك محرك من باطنك فالخلق تضرب فِي حَدِيد بَارِد لصردر (ظللت أكر عَلَيْهِ الرقي ... وتأبى عريكته أَن تلينا) وَيحك من زم جوارحه ولازم الْبَاب كَانَ على رَجَاء الْوُصُول فَكيف بِمن لَازم وَلَا لَازم طُوبَى للزهاد لقد مروا فِي الْمُطلق من

стр. 241

يرافقني إِلَى ديار الْقَوْم مَا أجوز على الْبلدَانِ إِنَّمَا امضى على السماوة وَهَذِه خيام ليلى فَأَيْنَ ابْن الملوح (هذي مَنَازِلهمْ وَمَالِي ... بعد بعد الْقَوْم خبر) (ويلي احظى كُله ... من دونه صد وهجر) كَانَ سري يدافع أول اللَّيْل فَإِذا جن أَخذ فِي الْبكاء إِلَى الْفجْر (اقْطَعْ ليلى وجيش وجدي ... من عَن شمَالي وَعَن يَمِيني) (تالله لَو عادني رَسُول ... لعاد عَن مدنف حَزِين) (مَا حيلتي فِيك أغير أَنِّي ... أسرق من زفرتي أنيني) ذلوا لَهُ ليرضى فَإِذا رَأَيْتهمْ قلت مرضى للصردر (مرض بقلب مَا يُعَاد ... وقتيل حب مَا يُقَاد) (يَا آخر العشاق مَا ... ابصرت أَوَّلهمْ يذاد) (يقْضِي المتيم مِنْهُم ... نحبا وَلَو ردوا لعادوا) يأنسون فِي الدجى بالظلام ويطربون بِنوح الْحمام مرضى الْأَبدَان من طول الغرام أصحاء الْقُلُوب مَعَ السقام إِذا ذكرت حبيبهم رَأَيْت المستهام قد هام للمهيار (وَأَنت إِن كنت رَفِيقًا فأعد ... ذكر الْحمى أطيب مَا غنينا) (أعد فَمن آيَة سكان الْحمى ... وَذكرهمْ أَن يذهب الشجونا) (شجوا كشجوى يَا حمام ساعدي ... إِن الحزين يسْعد الحزينا) (كم من دموع ردهَا صوب دم ... تخلج الْبَرْق على يبرينا)

стр. 242

قَالَ الشبلي لقِيت جَارِيَة حبشية فَقلت من أَيْن فَقَالَت من عِنْد الحبيب قلت وَإِلَى أَيْن قَالَت إِلَى الحبيب قلت مَا الَّذِي تريدين من الحبيب قَالَت الحبيب قلت فكم تذكرين الحبيب فَقَالَت مَا يسكن لساني عَن ذكرَاهُ حَتَّى القاه (وَحُرْمَة الود مَا لي عَنْكُم عوض ... وَلَيْسَ لي فِي سواكم بعدكم غَرَض) (وَمن حَدِيثي بكم قَالُوا بِهِ مرض ... فَقلت لَا زَالَ عني ذَلِك الْمَرَض) رأى مَعْرُوف فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ تَحت الْعَرْش فَقَالَ الله ملائكتي من هَذَا فَقَالُوا أَنْت أعلم هَذَا مَعْرُوف قد سكن من حبك فَلَا يفِيق إِلَّا بلقائك (فداو سقما بجسم أَنْت متلفه ... وابرد غراما بقلب أَنْت مضرمه) (وَلَا تَكِلنِي على بعد الديار إِلَى ... صبري الضَّعِيف فصبري أَنْت تعلمه) (تلق قلبِي فقد أَرْسلتهُ فرقا ... إِلَى لقائك والأشواق تقدمه)

стр. 243

الْفَصْل الثَّلَاثُونَ أخواني البدار البدار وَالْجد الْجد فالخصم معد والقصم مجد (مكر الزَّمَان علينا غير مَأْمُون ... فَلَا تَظنن أمرا غير مظنون) (بل الْمخوف علينا مكر أَنْفُسنَا ... ذَات المنى دون مكر الْبيض والجون) (إِن اللَّيَالِي وَالْأَيَّام قد كشفت ... من مكْرها كل مَسْتُور ومكنون) (وحدثتنا بآنا من فرائسها ... نواطقا بفصيح غير ملحون) (واستشهدت من مُضِيّ منا فانبانا ... عَن ذَاك كل لقى منا ومدفون) (وَأم سوء إِذا مَا رام مرتضع ... أخلافها صد عَنْهَا صد مزبون) (وَنحن فِي ذَاك نصيفها مودتنا ... تَبًّا لكل سَفِيه الرَّأْي مغبون) (نشكو إِلَى الله جهلا قد أضرّ بِنَا ... بل لَيْسَ جهلا وَلَكِن علم مفتون) (أغوى الْهوى كل ذِي عقل فلست ترى ... إِلَّا صَحِيحا لَهُ أَفعَال مَجْنُون) (حَتَّى مَتى نشتري دنيا بآخرة ... سفاهه ونبيع الفوق بالدون) (نَبْنِي المعاقل والأعداء كامنة ... فِيهَا بِكُل طرير الْحَد مسنون) (ونجمع المَال نرجو أَن يخلدنا ... وَقد أَبى قبلنَا تخليد قَارون) (نظل نستنفق الْأَعْمَار طيبَة ... عَنْهَا النُّفُوس وَلَا نسخر بِمَا عون) (وَمَا تَأَخّر حَيّ بعد ميتَة ... إِلَّا تَأَخّر نقد بعد عربون) يَا من دعى إِلَى نَفعه نبا ونشز يَا جَامعا لغيره مَا جمع وكنز يَا متثبطا فِي الْخَيْر فَإِذا لَاحَ الشَّرّ جمز كَأَنَّك بالألم وَقد ألم فنكى ونكز وكد التبار الرّوح بالتباريح وَاشْتَدَّ العلز وَأخذ النَّفس

стр. 244

النَّفس فاضطرها وحفز ودارت فِي فلك الْفَوْت فَإِذا ملك الْمَوْت قد برز فسماك بالمقبور وبالمبثور قد نبز فتأهب فالسعيد منا من تأهب للخير وانتهز لقد علت سنك وانتهيت وَمَا انْتَبَهت وَلَا انْتَهَيْت اتعبت ألف رايض وَلم تُؤَد الفرايض كم ضيعت عمرا طَويلا حملت فِيهِ وزرا ثقيلا كم نصب لَك الْمَوْت دَلِيلا إِذْ سَاق الْعَزِيز ذليلا لقد حمل إِلَى الْقُبُور جيلا جيلا ونادى فِي البَاقِينَ رحيلا رحيلا لَكِن الْهوى أعَاد الطّرف كليلا وَمَا كَانَ الَّذِي رَأَيْت قَلِيلا يَا مَرضا عجيبا كم أَتعبت طَبِيبا لقد تنوع ضروبا فَأخذ كل عُضْو نَصِيبا الام يبْقى الْغُصْن رطيبا من يرد برد الصَّبِي قشيبا لقد أَمْسَى الْمَوْت قَرِيبا وستبصر يَوْمًا غَرِيبا عجبا لَك لَا الدَّهْر يعظك وَلَا الْحَوَادِث تنذرك والساعات تعد عَلَيْك والأنفاس تعد مِنْك وَأحب أمريك إِلَيْك أعودهما بِالضَّرَرِ عَلَيْك يَا هَذَا من جلا بصيرته من قذى الْهوى جلى على بَصَره عرائس الْهدى الصُّور تزاحم الْمعَانِي فَمن حلهَا حلى بمغنى الْمَعْنى فتعلم حلهَا بالتدريج كل ذرة من الْكَوْن تخبر بلغَة بليغة عَن حِكْمَة الفاطر غير أَنه لَا يفهم نطق الجوامد إِلَّا الْعقل نظر الْأَبْصَار الْيَوْم إِلَى الصَّانِع بِوَاسِطَة الْمَصْنُوع تدريج إِلَى رفع الوسايط غَدا يَا مَحْبُوسًا فِي سجن غفلته أخرج من ديار أدبارك واعبر فِي معبر اعتبارك قف على بعض بقاع قاع ترى كَيفَ نمت خضرَة حَضرته بأسرار الْخَالِق إِذْ تمت تلمح أَصْنَاف النَّبَات فِي ثِيَاب الثَّبَات قد برزت فِي عيد الرّبيع تميس طَربا بِالريِّ تَأمل مُخْتَلف الألوان فِي الْغُصْن الْوَاحِد فَإِن صباغ الْقُدْرَة صناع اسْمَع غناء الْوَرق على عيدَان العيدان لَعَلَّ مقاطع السجوع توجب رُجُوع المقاطع (وَلَقَد تَشْكُو فَمَا أفهمها ... وَلَقَد أَشْكُو فَمَا تفهمني)

стр. 245

(غير أَنِّي بالجوى أعرفهَا ... وَهِي أَيْضا بالجوى تعرفنِي) الحمائم نوائح المشتاقين قد رضيت من خلعهم بجريان الدُّمُوع (ناحت سحرًا حمامة فِي غُصْن ... قد جرعها الْفِرَاق كأس الْحزن) (تبْكي شجنا تَلَقَّتْهُ مني ... مَا يبكي باك إِلَّا ويروي عني) وَا عجبا مَتى يُثمر لَك وجود الثَّمر معرفَة النعم كم تنضج الثِّمَار وتتناولها وَثَمَرَة عرفانك بعد فجة لَيْسَ حظك من النَّبَات إِلَّا الْأكل أَيْن التَّدْبِير لعجيب الصَّنْعَة والصنع يَا مؤثرا ضنك الْحس على فضاء الْعقل كَيفَ تبيع صفاء للتأمل بكدر الإهمال من الْعجب أَن ندعوك إِلَى تلمح العبر فِي الْغَيْر وَأَنت مَا تبصر نَفسك تدبر قَطْرَة قَطْرَة من مَاء صبَّتْ على ايقاد نَار الشَّهْوَة كَيفَ ظَهرت فِيهَا عَن حركات اللَّذَّة رقوم نقوش عقدتها يَد الْقُدْرَة كَمَا تظهر الصُّورَة فِي ثوب السقلاطوني عَن حركات الشد تَأمل نُطْفَة مغموسة فِي دم الْحيض ونقاش الْقُدْرَة يشق سَمعهَا وبصرها من غير مساس كَيفَ تربى فِي حرر مصون عَن مشعب بَينا هِيَ ترفل فِي ثوب نُطْفَة اكتست رِدَاء علقَة ثمَّ اكتست صفة مُضْغَة ثمَّ انقسمت إِلَى عظم وَلحم فاستترت من يَد الْأَذَى بوقاية جلد ثمَّ خرجت فِي سربال الْكَمَال تسحب مطارف الطرائف فَبينا هِيَ فِي صُورَة طِفْل درجت دَرَجَة الصَّبِي فتدرجت إِلَى النُّطْق وتشبثت بذيل الْفَهم فكم من صَوت بَين أرجل النَّقْل من تَحْرِيك جلاجل العبر فِي خلاخل الْفِكر كلما رنت غنت السن الْهدى فِي مغاني الْمعَانِي وَكَيف يسمع اطروش الْغَفْلَة هَذَا بعض وصف الظَّاهِر فَكيف لَو فهمت معنى الْبَاطِن الأدمى كتاب مسطور وشخصه رق منشور قلبه بَيت معمور همه سقف مَرْفُوع علمه بَحر مسجور من ينْتَفع بأسماعكم بعدِي وَمَا تحسن الْأَيَّام تكْتب مَا أمْلى

стр. 246

الْفَصْل الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ يَا جَامعا المَال لغيره تَارِكًا للتزود فِي سيره أتحظى بشر كسبك وَيحصل سواك بخيره (سَابق إِلَى مَالك وراثه ... مَا الْمَرْء فِي الدُّنْيَا بلباث) (كم صَامت يخنق أكياسه ... قد صلح فِي ميزَان مِيرَاث) أَيْن جَامع الدُّنْيَا طرحها واطرح أَيْن اللاهي بهَا حزن بعد أَن فَرح جال فِي وصف الْحَرْب عَنْهَا فاغتيل وجرح وَظن الْأَمر سهلا فَإِذا الرجل قد ذبح بَينا هُوَ فِي لذاته يغتبق ويصطبح برح بِهِ أَمر مرحل فَمَا برح نزل وَالله لحدا ضيقا فَمَا ينفسح وَصمت تَحت الثرى فَكَأَنَّهُ لم ينْطق وَلم يَصح وَكتب على قَبره مَا أخر خسر وَمَا قدم ربح وَعدل إِلَى قصره بعد الدّفن فَافْتتحَ وأصبحت سِهَام الْوَارِث فِي مَاله تنتطح يَا معرضًا عَن الْهدى والأمى متضح أَو مَا حالك كَهَذا الْحَال الَّذِي شرح كَأَنَّك بك فِي ضيق خناقك تبْكي على قَبِيح أخلاقك وحبل الدُّمُوع تجْرِي فِي حلبات آماقك وَقد تحيرت عِنْد التفاف ساقك بساقك وأسرت لَا بِقَيْد عَن حركات اطلاقك وناداك تفريطك هَذَا بعض استحقاقك (لَا تكذبن فإنني ... لَك نَاصح لَا تكذبنه) (فاعمل لنَفسك مَا اسْتَطَعْت ... فَإِنَّهَا نَار وجنة) أخواني كم من حَرِيص قد جمع المَال جمع الثريا فرقته الأقدار تَفْرِيق بَنَات نعش يَا ذَا اللب حَدثنِي عَنْك اتنفق الْعُمر الشريف فِي طلب الفاني الرذيل وَيحك إِن الْهوى مرعاد مبراق بِلَا مطر الدُّنْيَا

стр. 247

لَا تَسَاوِي نقل أقدامك فِي طلبَهَا أَرَأَيْت غزالا يَغْدُو خلف كلب الدُّنْيَا مجَاز وَالْأُخْرَى وَطن والأوطار فِي الأوطان أطوار ايثار مَا يفني على مَا يبْقى برسام حاد يَا أَبنَاء الدُّنْيَا إِنَّهَا مذمومة فِي كل شَرِيعَة وَالْولد عِنْد الْفُقَهَاء يتبع الْأُم يَا من هُوَ فِي حَدِيثهَا انطق من سحبان وَفِي انتقاد الدَّنَانِير أنسب من أغفل فَإِذا ذكرت الْآخِرَة فابله من بَاقِل حيلتك فِي تَحْصِيلهَا أدق من الشّعْر وَأَنت فِي تدبيرها أصنع من النَّحْل وَعين حرصك عَلَيْهَا أبْصر من الْعقَاب وبطن أملك أعطش من الرمل وفم شرهك أشْرب من الهيم تجمع فِيهَا الذَّر جمع الذَّر يَا رَفِيقًا فِي البله لدود القز مَا انتفعت بموهبة الْعقل (كدود كدود القز ينسج دَائِما ... وَيهْلك غما وسط مَا هُوَ ناسجه) وَيحك إِن سرورها أقتل من السم وَإِن شرورها أَكثر من النَّمْل إِنَّهَا فِي قَلْبك أعز من النَّفس وسنصير عِنْد الْمَوْت أَهْون من الأَرْض حرصك بعد الشيب أحر من الْجَمْر أُبْقِي عمر يَا أبرد من الثَّلج يَا من هُوَ عَن نحاته أنوم من فَهد ضيعت عمرا أنفس من الدّرّ أَنْت فِي الشَّرّ أجْرى من جواد وَفِي الْخَيْر أَبْطَأَ من أعرج تسْعَى إِلَى العاجل سعي رث وَيَمْشي فِي الْأَجَل مشي فرزان الزكوة عَلَيْك أثقل من أحد والصلوة عنْدك كنقل صَخْر على ظهر وَطَرِيق الْمَسْجِد فِي حسبان كسلك كفرسخي دير كَعْب صدرك عَن حَدِيث الدُّنْيَا أوسع من الْبَحْر وَوقت الْعِبَادَة أضيق من تسعين مَعَاصِيك أشهر من الشَّمْس وتوبتك أخْفى من السهي إِن عرضت خَطِيئَة وَثَبت وثوب النمر فَإِذا لاحت طَاعَة رغت روغان الثَّعْلَب تقدم على الظُّلم أَقْدَام السَّبع وتخطف الْأَمَانَة اختطاف الحدأة يَا أظلم من الجلندي مَا تأمنك غزلان الْحرم يَا كنعان الأمل يَا نمْرُود الْحِيَل يَا نعْمَان الزلل أَنْت فِي حب المَال

стр. 248

شبه الحباحب وَفِي تبذير الْعُمر رَفِيق حَاتِم تمشي فِي الأمل على طَرِيق أشعب وستندم ندامة الكسعي يَا عُذْري الْهوى فِي حب الدُّنْيَا يَا كُوفِي الْفِقْه فِي تَحْصِيلهَا يَا بَصرِي الزّهْد فِي طلب الْآخِرَة إِنَّمَا يتعب فِي تَعْلِيم الْبَازِي ليصيد مَاله قدر وَلما تعلم بازي فكرك أَرْسلتهُ على الْجِيَف وَيحك تفكر قبل سلوك طَرِيق الْهوى فِي كَثْرَة المعاثر والصدمات أوما المكروهات فِي طي المحبوبات كوامن يَا مُطلقًا نَفسه فِي مَحْظُور شهواتها أذكر الغمس فِي الرمس يَا ذَا البال الناعم فَوق الأَرْض أذكر الناعم الْبَالِي تحتهَا أتلفق وَالزَّمَان يفرق أتؤلف والحدثان يمزق أتصفي والدهر يرنق أتؤمل وَالْمَوْت معوق وَيحك إِن القاصد قاصم وَمَا للعاصي عَاصِم أَنْت فِي أَرْبَاب الذُّنُوب غريق وَفِي روم الْهوى بطرِيق فاحذر عِقَاب الأكابر يَا قَلِيل الْخِبْرَة بِالطَّرِيقِ أطلب رفْقَة إِذا لم تعرف الْقبْلَة بالعلامات فَفِي الْمَسَاجِد محاريب إِذا رَأَيْت قطار التائبين مُتَّصِلا فعلق عَلَيْهِ (أهل الغرام تجمعُوا ... فاليوم يَوْم عتابنا) (نعق الْغُرَاب ببيننا ... فغرابنا اغرى بِنَا) (إِن الَّذين نحبهمْ ... قد وكلوا بعذابنا) (قومُوا بِنَا بحياتكم ... نمضي إِلَى أحبابنا) (قوم إِذا ظفروا بِنَا ... جادوا بِعِتْق رقابنا) من مَشى إِلَيّ هرولت إِلَيْهِ دعوناك بالوسائط فَلم تحضر فَأتى الْمُرْسل ينزل إِلَى السَّمَاء النّظر متشابه والذوق مُحكم (وَلما رَأَيْت الْحبّ قد جسره ... وَنُودِيَ بالعشاق قومُوا بِنَا فاسروا) (خرجت مَعَ الأحباب كَيْمَا احوزه ... فصادفني الحرمان وَانْقطع الجسر) (ومالت بِنَا الأمواج من كل جَانب ... ونادى مُنَاد الْحبّ قد غرق الصَّبْر)

стр. 249

الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ يَا هَذَا لَو عَايَنت قصر أَجلك لزهدت فِي طول أملك وليقتلنك ندمك إِن زلت بك قدمك للمتنبي (إِلَى كم ذَا التواني فِي التواني ... وَكم هَذَا التَّمَادِي فِي التَّمَادِي) (وَمَا ماضي الشَّبَاب بمسترد ... وَلَا يَوْم يمر بمستعار) (مَتى لحظت بَيَاض الشيب عَيْني ... فقد وجدته مِنْهَا فِي السوَاد) (مَتى مَا ازددت من بعد التناهي ... فقد وَقع انتقاصي فِي ازدياد) إِلَى مَتى تحرص على الدُّنْيَا وتنسى الْقدر من الَّذِي طلب مَا لم يقدر فَقدر لقد أذاك إِذْ ذَاك النصب وأوقعك الْحِرْص فِي شرك الشّرك إِذْ نصب أتحمل على نَفسك فَوق الْجَسَد وَلَو قنعت أراحك الزّهْد فلماذا تحمل مَا آذَى وَلمن وَمن ينفعك إِن قتلت نَفسك يَا هَذَا وَمن تحمل على الْهم الْهم لآمر لَو قضى تمّ أحرصا على الدُّنْيَا لَا كَانَت أم شكا فِي عيوبها فقد بَانَتْ (رَأَيْت ظنوني بهَا كالسراب ... فأيقنت أَن سرابي سرابي) كم غرت الدُّنْيَا فرخها فعرت ثمَّ ذبحته بمدية مَا مرت إِنَّهَا لتقتل صيادها وَتقتل أَوْلَادهَا (عَزِيز على مهجتي غرني ... وَسلم لي الْوَصْل واستسلما)

стр. 250

(فَلَمَّا تملكني واحتوى ... على مهجتي سل مَا سلما) وَالله لَو كنت من رياشها أكسى من الْكَعْبَة لم تخرج مِنْهَا إِلَّا أعرى من الْحجر وَالْأسود قيل لراهب مَا الَّذِي حبب إِلَيْك الْخلْوَة وطرد عَنْك الفترة قَالَ وثبة الأكياس من فخ الدُّنْيَا وَقيل لآخر لم تخليت عَن الدُّنْيَا فَقَالَ خوفًا وَالله من الْآخِرَة أَن تتخلى عني من غرس فِي نَفسه شرف الهمة فنبت نبت عَن الأقذار وَمن اسْتَقر ركن عزيمته وَثَبت وَثَبت نَفسه عَن الأكدار (قد انْقَضى الْعُمر وَأَنت فِي شغل ... فاجسر على الْأَهْوَال إِن كنت رجل) يَا زمن الهمة يَا مقْعد الْعَزِيمَة يَا عليل الْفَهم يَا بعيد الذِّهْن (أما اشْتقت مغنى الْهوى حِين طَابَ ... ومنبت غُصْن الصَّبِي حِين مَالا) (أما آن من نازح أَن يحن ... وللوصل من هَاجر أَن يدالا) سَار المجدون وَتَرَكُوك وَنَجَا المخفون وخلفوك نادهم إِن سمعوك واستغث بهم إِن رحموك (أَيهَا الراحلون من بطن خيف ... وركاب النَّوَى بهم تترامى) (إِن أتيتم وَادي الْأَرَاك فاهدوا ... لحبيبي تحيتي والسلاما) (وردوا مَاء ناظري عوض الْغدر ... إِن وارعوا بَين الحشى لَا الخزامى) (واطلبوا إِلَى قلبِي وآيته إِن ... تَجدوا فِيهِ من هواهم سهاما) يَا من أبعدته الْخَطَايَا عَنْهُم أدرج مرحلة الْهوى وَقد وصلت أَنْت تتعلل للكسل بِالْقدرِ فَتَقول لَو وفقني ولكسب الشَّهَوَات بالندب إِلَى الْحَرَكَة ﴿فامشوا فِي مناكبها﴾ أَنْت فِي طلب الدُّنْيَا
следующие страницы →