Полный текст (530 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ولباس وأفواه الْقُلُوب تنفر من طعم مذاقة وَا أسفي مَا أَكثر الزُّور أما الْخيام فَإِنَّهَا كخيامهم لَيْسَ كل مستدير يكون هلالا لَا لَا
(وَمَا كل من أومى إِلَى الْعِزّ ناله ... وَدون العلى ضرب يدمي النواصيا)
كم حول مَعْرُوف من دَفِين ذهب اسْمه كَمَا بلَى رسمه ومعروف مَعْرُوف
(فَمَا كل دَار أقفرت دارة الْحمى ... وَلَا كل بَيْضَاء الترائب زَيْنَب)
لريح المخلصين عطرية الْقبُول وللمرائي سموم النسيم نفاق الْمُنَافِقين صير الْمَسْجِد مزبلة ﴿لَا تقم فِيهِ أبدا﴾ وإخلاص المخلصين رفع قدر الْوَسخ رب أَشْعَث أغبر
أَيهَا المرأى قلب من ترائية بيد من تعصيه لَا تنقش على الدِّرْهَم الزائف إسم الْملك فَمَا يتبهرج الشَّحْم بالورم الْمرَائِي يتبرطل على بَاب السُّلْطَان يَدعِي انه خَاص وَهُوَ غَرِيب أَتَدْرُونَ مَا ذَنْب الْمرَائِي دَعَا باسم ليلى غَيرهَا فيا أسفي ذهب أهل التَّحْقِيق وَبقيت بنيات الطَّرِيق خلت الْبِقَاع من الأحباب وتبدلت الْعِمَارَة بالخراب يَا ديار الأحباب عنْدك خبر المخلص يبهرج على الْخلق بستر الْحَال وببهرجته يَصح النَّقْد كَانَ فِي ثوب أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ بعض الطول لستر الْحَال وَكَانَ إِذا وعظ فرق فرق من الرِّيَاء فيمسح وَجهه وَيَقُول مَا أَشد الزُّكَام
لصردر
(احْبِسْ دمعي فيند شاردا ... كأنني أضبط عبدا آبقا)
(وَمن محاشاة الرَّقِيب خلتني ... يَوْم الرحيل فِي الْهوى منافقا)
كَانَ أَيُّوب يحيى اللَّيْل كُله فَإِذا كَانَ عِنْد الصَّباح رفع صَوته كَأَنَّهُ قَامَ تِلْكَ السَّاعَة
لصردر
стр. 387
(أكلف الْقلب أَن يهوى وألزمه ... صبرا وَذَلِكَ جمع بَين أضداد)
(وأكتم الركب أوطاري واسأله ... حاجات نَفسِي لقد أَتعبت روادي)
(هَل مُدْلِج عِنْده من مبكر خبر ... وَكَيف يعلم حَال الرَّائِح الغادي)
(إِن رويت أَحَادِيث الَّذين مضوا ... فَعَن نسيم الصِّبَا والبرق اسنادي)
كَانَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ إِذا قَرَأَ فِي الْمُصحف فَدخل دَاخل غطاه وَكَانَ ابْن أبي ليلى إِذا دخل دَاخل وَهُوَ يُصَلِّي إضطجع على فرَاشه
(أفدى ظباء فلاة مَا عرفن بِمَا ... مضغ الْكَلَام وَلَا صِيغ الحواجيب)
مرض ابْن ادهم فَجعل عِنْد رَأسه مَا يَأْكُلهُ الأصحاء لِئَلَّا يتشبه بالشاكين هَذِه وَالله بهرجة إصح من نقدك
للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(قد سحب النَّاس أذيال الظنون بِنَا ... وَفرق النَّاس فِينَا قَوْلهم فرقا)
(فكاذب قد رمى بِالظَّنِّ غَيْركُمْ ... وصادق لَيْسَ يدْرِي أَنه صدقا)
اشْتهر ابْن أدهم بِبَلَد فَقيل هُوَ فِي الْبُسْتَان الْفُلَانِيّ فَدخل النَّاس يطوفون وَيَقُولُونَ أَيْن إِبْرَاهِيم بن أدهم فَجعل يطوف مَعَهم وَيَقُول أَيْن إِبْرَاهِيم بن أدهم
للمهيار
(ضنا بِأَن يعلم النَّاس الْهوى وَلمن ... وهبت للسر فِيهِ لَذَّة العلن)
(عرض بغيري وَدعنِي فِي ظنونهم ... إِن قيل من يَك يخفي الْحق فِي الظنن)
قرئَ على أَحْمد بن حَنْبَل فِي مَرضه أَن طاوسا كَانَ يكره الأنين فَمَا أَن حَتَّى مَاتَ
стр. 388
لصردر
(تفيض نفوس بأوصابها ... وتكتم عوادها مَا بهَا)
(وَمَا أنصفت مهجة تَشْتَكِي ... هَواهَا إِلَى غير أحبابها)
لما هم الطَّبْع بالتأوه من الْبلَاء كشفت الْحَقَائِق سجف المحبوب فَلم يبْق لتقطيع الْأَيْدِي أثر
(بدا لَهَا من بعد مَا بُد لَهَا ... روض الْحمى إِن تَشْتَكِي كلالها)
رَحل وَالله أُولَئِكَ السَّادة وَبَقِي وَالله قرناء الرِّيَاء والوسادة
(ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللوى ... والعيش بعد أُولَئِكَ الأقوام)
أسمع أصواتا بِلَا انيس وَأرى خشوعا أَصله من إِبْلِيس
للمهيار
(تشبهت حور الظباء بهم ... إِذا سكنت فِيك وَلَا مثل سكن)
(أصامت بناطق ونافر بآنس ... وَذُو خلا بِذِي شجن)
(مشتبه أعرفهُ وَإِنَّمَا ... مغالطا قلت لصحبي دَار من)
(قف باكيا فِيهَا وَإِن كنت أَخا ... موانسا فبكها عَنْك وَعَن)
(لم يبْق لي يَوْم الْفِرَاق فضلَة ... من دمعة أبْكِي بهَا على الدمن)
стр. 389
الْفَصْل التَّاسِع وَالسِّتُّونَ التفكر فِي عجائب خلق الله
يَا من قد أرْخى لَهُ فِي الطول وأمهل لَهُ بِمد الْأَجَل إخل بِنَفْسِك وعاتبها وَخذ على يَدهَا وحاسبها لَعَلَّهَا تَأْخُذ عدتهَا قبل ان تستوفي مدَّتهَا
(وجدت ايامي لي رواحلا ... وآن أَن ينحط عَنْهَا الراحل)
(وصيح بِي عرس فقد طَال المدى ... وكل ركب فِي التُّرَاب نَازل)
(تهدد الْحِين فَهَل من سامع ... وَجَاء بالنصح فَأَيْنَ الْقَابِل)
(وكل شَيْء زاجر مُحدث ... يفهم مَا قَالَ الحصيف الْعَاقِل)
أخواني بَادرُوا قبل الْعَوَائِق واستدركوا فَمَا كل طَالب لَاحق واشكروا نعْمَة من ستركم عَن الذُّنُوب واعرفوا فَضله فقد أَعْطَاكُم كل مَطْلُوب مَا أَعم وجوده لجَمِيع خلقه وَمَا اكثر تقصيرهم فِي حَقه عَم إحسانه الْآدَمِيّ والبهائم والمستيقظ والنائم وَالْجَاهِل والعالم والمتقي والظالم من تَأمل حسن لطفه لخليقته حيره الدهش خلق الْجَنِين فِي بطن الْأُم فَجعل وَجهه إِلَى ظهرهَا لِئَلَّا يجْرِي الطَّعَام عَلَيْهِ وَجعل أَنفه بَين رُكْبَتَيْهِ ليتنفس فِي فرَاغ وسيق قوته فِي مصران السُّرَّة وَلَيْسَ الْعجب تغذيه لِأَنَّهُ مُتَّصِل بحي إِنَّمَا الْعجب خلق الفرخ فِي الْبَيْضَة الْمُنْفَصِلَة فَإِنَّهُ من الْبيَاض يخلق وَمن المح يتغذى فقد هيأ لَهُ زَاد الطَّرِيق قبل سير الإيجاد إِذا تفقأت بَيْضَة الْغُرَاب خرج الفرخ أَبيض فتنفر عَنهُ الْأُم لمباينته إِيَّاهَا فَيبقى مَفْتُوح الْفَم لطلب الرزق فيسوق الْقدر إِلَى فِيهِ الذُّبَاب فَلَا يزَال يغتذي بِهِ حَتَّى يسود فتعود أمه إِلَيْهِ خلق الطير ذَا جؤجؤ مخدد لتجري سفينة طيرانه فِي بَحر الْهوى وَجعل فِي جنَاحه
стр. 390
وذنبه ريشات طوال لينهض للطيران وَلما كَانَ يختلس قوته خوفًا من اصطياده جعل منقاره صلبا لِئَلَّا ينسحج وَلم يخلق لَهُ أَسْنَان لِأَن زمَان الإنتهاب لَا يحْتَمل المضغ وَجعلت لَهُ حوصلة كالمخلاة فينقل إِلَيْهَا مَا يستلب ثمَّ يَنْقُلهُ إِلَى القانصة فِي زمَان الْأَمْن فَإِن كَانَت لَهُ فراخ أسهمهم قبل النَّقْل كلما طَالَتْ سَاق الْحَيَوَان طَال عُنُقه ليمكنه تنَاول طعمه من الأَرْض هَذَا طَائِر المَاء لَا يقف إِلَّا فِي ضحضاح فيتأمل مَا يدب فِي المَاء فَإِذا رأى مَا يُرِيد خطا خطوَات على مهل فَيتَنَاوَل وَلَو كَانَ قصير القوائم كَانَ حِين يخطو يضْرب المَاء ببطنه فيهرب الصَّيْد هَذِه العنكبوت تبني بَيتهَا بصناعة يعجز عَنْهَا المهندس إِنَّهَا تطلب زَاوِيَة فَجعلت فِيهَا خيطا ووصلت بَين طرفيها بخيط آخر وتلقي اللعاب على الْجَانِبَيْنِ فَإِذا احكمت المعاقد ورتبت الْقسْط كالسدى أخذت فِي اللحمة فيظن الظَّان أَن نسجها عَبث كلا إِنَّهَا تصنع شبكة لتصيد قوتها من الذُّبَاب والبق فَإِذا أتمت النسج إنزوت إِلَى زَاوِيَة ترصد رصد الصَّائِد فَإِذا وَقع صيد قَامَت تجني ثمار كسبها فتغتذي بِهِ فَإِذا أعجزها الصَّيْد طلبت زَاوِيَة ووصلت بَين طرفيها بخيط ثمَّ علقت بِنَفسِهَا بخيط آخر وتنكست فِي الْهَوَاء تنْتَظر ذُبَابَة تمر بهَا فَإِذا دنت مِنْهَا دبت إِلَيْهَا واستعانت على قَتلهَا بلف الْخَيط على رجلهَا أفتراها علمت هَذِه الصَّنْعَة بِنَفسِهَا أَو قرأتها على بعض جِنْسهَا أَفلا ينظر إِلَى حِكْمَة من علمهَا وتثقيف من ألهمها
فَإِن لم يكن لَك نظر يُعْجِبك مِنْهَا فيعجب من عدم تعجبك فَإِن أعجب أَفعَال الْقدر ﴿وأضله الله على علم﴾ الْقلب جَوْهَر فِي مَعْدن الْبدن فاكشف عَنهُ بمعول المجاهدة وَلَا تطينه بِتُرَاب الْغَفْلَة رميت صَخْرَة الْهوى على ينبوع الفطنة فاحتبس المَاء إنقب تحتهَا إِن لم تطق رَفعهَا لَعَلَّ الجرف ينهار
(فِي قربنا نيل المنى ... فتنبهوا يَا غافلينا)
(عجبا لقوم أَعرضُوا ... عَنَّا وَقوم واصلونا)
стр. 391
(نقضوا العهود وبارزونا ... بالصدود كاشفونا)
(واستعذبوا طعم القطيعة ... والجفا حَتَّى نسونا)
(يَا ويحهم لَو قد دروا ... مَا فاتهم لاستعطفونا)
إلهي مَا أَكثر المعرض عَنْك والمعترض عَلَيْك وَمَا أقل المتعرضين لَك يَا روح الْقُلُوب أَيْن طلابك يَا نور السَّمَوَات أَيْن أحبابك يَا رب الأرباب أَيْن عِبَادك يَا مسبب الْأَسْبَاب أَيْن قصادك من الَّذِي عاملك بلبه فَلم يربح من الَّذِي جائك بكربه فَلم يفرح أَي صدر صدر عَن بابك وَلم يشْرَح من ذَا الَّذِي لَاذَ بحبلك فاشتهى أَن يبرح يَا معرضًا عَنهُ إِلَى من أَعرَضت يَا مَشْغُولًا بِغَيْرِهِ بِمن تعوضت
(مت على من غبت عَنهُ أسفا ... لست عَنهُ بمصيب خلفا)
(لن ترى قُرَّة عين أبدا ... أَو ترى نحوهم منصرفا)
بِعْت قيام اللَّيْل بِفضل لقْمَة شربت كأس النعاس ففاتك الرّفْقَة ضرب على أُذُنك لَا فِي مرافقة أهل الْكَهْف تناولت خمر الرقاد فَوَقع بك صَاحب الشرطة فَعمل فِي حَقك بِمُقْتَضى قُم وانم فَجعل حدك الْحَبْس عَن لحاق المتهجدين وَالله لَو بِعْت لَحْظَة من خلْوَة بِنَا بعمر نوح فِي ملك قَارون لغبنت لَا بل بِمَا فِي الْجنان كلهَا مَا ربحت وَمن ذاق عرف أخواني إسمعوا بِحرْمَة الْوَفَاء فَمَا كل وَقت يطلع سُهَيْل فَإِذا خَرجْتُمْ من الْمجْلس فاقصدوا الْمَسَاجِد الخراب وضعُوا وُجُوهكُم على التُّرَاب وابعثوا أنفاس الأسف وَكفى بهَا شَفِيعًا فِي الزلل فَإِن وجدْتُم قُلُوبكُمْ قد حضرت فاذكروني مَعكُمْ
للشريف الرضى
(وَقُولُوا لجيران على الْخيف من منى ... تراكم من استبدلتم بجواريا)
(وَمن ورد المَاء الَّذِي كنت واردا ... بِهِ ورعى العشب الَّذِي كنت رَاعيا)
(فوا لهفتي كم لي على الْخيف شهقة ... تذوب عَلَيْهَا قِطْعَة من فؤاديا)
стр. 392
الْفَصْل السبعون
يَا تائها فِي بوادي الْهوى إنزل سَاعَة بوادي الْفِكر يُخْبِرك بِأَن اللَّذَّة قَصِيرَة وَالْعِقَاب طَوِيل وَاعجَبا لمن يَشْتَرِي شَهْوَة سَاعَة بغم الْأَبَد كَانَت الْمعْصِيَة سَاعَة لَا كَانَت فكم ذلت بعْدهَا النَّفس وَكم تصاعد لأَجلهَا النَّفس وَكم جرى لتذكارها دمع
للشريف الرضى
(قَضَت الْمنَازل يَوْم كاظمة ... أَن الْمطِي يطول موقفها)
(سبقت مدامعنا برشتها ... من قبل أَن يومي مكفكفها)
(إِن كنت انفذت الدُّمُوع بهَا ... فالوجد بعد الْيَوْم يخلفها)
(لَا تنشدن الدَّار بعدهمْ ... إِنِّي على الإقواء أعرفهَا)
(رفقا بقلبي لَا تعذبه ... الْعين مِنْك وَأَنت تطرفها)
(فِي الْقلب مِنْك جِرَاحَة عظمت ... مَا زلت أدملها وتقرفها)
(هَل يعطفنكم توجعها ... أَو يقبلن بكم تلهفها)
يَا من قد هبت على قلبه جنوب المجانبة فلفقت غيم الْغَفْلَة فأظلم أفق الْمعرفَة لَا تيأس فالشمس تَحت الْغَيْم لَو تصاعد نفس أَسف دارت شمالا فتقطع السَّحَاب أَنْفَع دَوَاء أَجِدهُ لَك نقض أخلاط التخطليط بالدموع بضَاعَة المذنب دمعه رَأس مَال الْمقر حزنه رَاحَة الأواب قلقه عيشة التواب حرقه كَانَ آدم يبكي بعد هُبُوطه حَتَّى يَخُوض فِي دمعه فَكَانَ جِبْرِيل يَأْتِيهِ فَيَقُول كم هَذَا الْبكاء ولسان حَاله يُجيب
للشريف الرضى
стр. 393
(يَا عاذل المشتاق دَعه فَإِنَّهُ ... يطوي على الزفرات غير حشاكا)
(لَو كَانَ قَلْبك قلبه مَا لمته ... حاشاك مِمَّا عِنْده حاشاكا)
يَا جِبْرِيل مَا تغير عَلَيْك أَمر وَأَنا نقلت من برد عَيْش إِلَى حر مَا سكنت قطّ مسكني وَلَا توطنت موطني فاقرأ على ربعي سلامي وَقل لَهُ لَا تنس أيامي
للْمُصَنف
(إِذا جزت بالغور عرج يَمِينا ... فقد أَخذ الشوق منا يَمِينا)
(وَسلم على بانة الواديين ... فَإِن سَمِعت أوشكت أَن تبينه)
(ورو ثرى أَرضهم بالدموع ... وخل الضلوع على مَا طوينا)
(وَصَحَّ فِي مغانيهم أَيْن هم ... وهيهات أموا طَرِيقا شطونا)
(أَرَاك يشوقك وَادي الْأَرَاك ... أالدار تبْكي أم الساكنينا)
(سقى الله مرتعنا بالحمى ... وَإِن كَانَ أورث داءا دَفِينا)
(وعاذلة فَوق دَاء الْمُحب ... رويدا رويدا بناقد بلينا)
(فَمن تعذلين أما تعذرين ... فَلَو قد نفقت دفعت الأنينا)
(إِذا غلب الْحبّ صَحَّ العتاب ... تعبت وأتعبت لَو تعلمينا)
مَا زَالَ آدم يشيم برق الْعَفو فَلَمَّا طَال عَلَيْهِ الزَّمَان حمل صعداء الوجد رِسَالَة شكوى مَا علمت بمضمونها الرِّيَاح
(إِذا بدا الْبَرْق من نجد طربت لَهُ ... وكدت من طربي أَقْْضِي لذكرهم)
(وَتحمل الرّيح إِن هبت شامية مني السَّلَام إِلَى أطلال ربعهم)
(فرض عَليّ أراعيهم وأحفظهم ... على البعاد ويرعوني بفضلهم)
يَا معاشر المذنبين تأسوا بابيكم فِي الْبكاء تَفَكَّرُوا كَيفَ بَاعَ دَارا قد رَبِّي فِيهَا وَضاع الثّمن لَا تَبْرَحُوا من بَاب الذل فأقرب الْخَطَّائِينَ إِلَى الْعَفو الْمُعْتَرف بالزلل مَا انْتفع آدم فِي بلية ﴿وَعصى﴾ بِكَمَال وَعلم وَلَا رد عَنهُ عز ﴿اسجدوا﴾ وَإِنَّمَا خلصه ذل ﴿ظلمنَا﴾ قَالَ سري بت بِبَعْض قرى الشَّام فَسمِعت طائرا على شَجَرَة يَقُول طوال
стр. 394
اللَّيْل أَخْطَأت لَا أَعُود فَقلت لأهل الْقرْيَة مَا اسْم هَذَا الطَّائِر فَقَالُوا فَاقِد إلفه
للمهيار
(تأوهت تأوه الْأَسير ... وَرْقَاء ذَات ورق نضير)
(تنطق عَن قلب لَهَا مكسور ... كَأَنَّهَا تنطق عَن ضمير)
(لبيْك يَا حزينة الصفير ... إِن استجرت بِي فاستجيري)
(لَك الْخِيَار انجدي أَو غوري ... وحيثما صَار هَوَاك صيري)
(قصي جناحي زمن فطيري ... )
أخواني نفترق على هَذِه الْحَال غَفلَة شَامِلَة ودموع جامدة لَا بِاللَّه لَا تَفعلُوا
(يَا حادي العيس لَا تعجل بِنَا وقف ... نجري دموع هواهم ثمَّ ننصرف)
(فَمَا يزَال نسيم من يَمَانِية ... يَأْتِي إِلَيْنَا بريا رَوْضَة أنف)
إِذا رَأَيْتُمْ باكيا فِي الْمجْلس فارحموه وَإِذا شاهدتم قلقا فاعذروه لَا تعجبوا من وَاجِد مَا لم تَجِدُوهُ
لِابْنِ المعتز
(دَعوه ليطفي بالدموع حرارة ... على كبد حرى دَعوه دَعوه)
(سلو عاذليه يعذروه هنيهة ... فبالعذل دون الشوق قد قَتَلُوهُ)
لَا تلوموا صَاحب الوجد فَمَا يرى بِحَضْرَتِهِ أحدا
(ظن الْأَرَاك لَدَى واديه إظعانا ... فَمَا اسْتَطَاعَ لما أخفاه كتمانا)
(فَبَان للركب مَا قد كَانَ يستره ... عَن كل مستخبر عَن حب من بانا)
كَانَ أَبُو عُبَيْدَة الْخَواص يمشي فِي الطَّرِيق ويصيح واشوقاه إِلَى من يراني وَلَا أرَاهُ
стр. 395
(هَذَا ولهي وَكم كتمت الولها ... صونا لحَدِيث من هوى النَّفس لَهَا)
(يَا آخر محنتي وَيَا أَولهَا ... أَيَّام عناي فِيك مَا أطولها)
لَيْسَ للمحب قَرَار وَلَا لَهُ من الْحبّ فرار تعرقل وَفَاتَ وخنق فَمَاتَ
(ولي عبرات تستهل صبَابَة ... عَلَيْك إِذا برق الْغَمَام تألقا)
(ألفت الْهوى حَتَّى حلت لي صروفه ... وَرب نعيم كَانَ جالبه شقا)
(واذهل حَتَّى احسب الصد والنوى ... بمعترك الذكرى وصالا وملتقى)
(فها أَنا ذُو حَالين أما تلذذي ... فحي وَأما سلوتي فلك البقا)
لَو أشرفت على وَادي الدجى لرأت خيم الْقَوْم على شواطي أَنهَار الدُّمُوع خلوا وَالله بالحبيب وَطَالَ الحَدِيث عين تبْكي من المحبوب وَأُخْرَى تبْكي عَلَيْهِ لَفْظَة تَشْكُو مِنْهُ وَأُخْرَى تَشْكُو إِلَيْهِ رى تَامّ لمحبته وعطش محرق إِلَى رُؤْيَته
للْمُصَنف
(المَاء عِنْدِي قد طما ... وَأَنا الَّذِي أَشْكُو الظما)
(جسمي معي لَكِن قلبِي ... عِنْد سكان الْحمى)
(واها لَهُم لَو أَنهم ... عَادوا وجادوا لي فَمَا)
(أَرْجُو نوالا مِنْهُم ... هَيْهَات هم حبي وَمَا)
(ميلي إِلَى غير الأولى ... سكنوا فُؤَادِي أَنما)
(أَشْكُو إِلَيْهِم مِنْهُم ... كلما يزِيد وَكلما)
(هجروا تفاقم أَمرهم ... يَا ليتهم داووا كَمَا)
(جرحوا فَلَو طبوا شفوا ... هَيْهَات لولاهم لما)
(ذهب الزَّمَان بَان أَقُول ... عَسى وَأَرْجُو رُبمَا)
(يَا أَيهَا المضنى بهم ... لم يبْق مِنْك سوى الذما)
(فالذما كَانَ الْوِصَال ... فَعَاد مرا علقما)
стр. 396
(تركوك بعد فراقهم ... متحيرا تبْكي دَمًا)
(يَا بانة الْوَادي ارحمي ... من لَا يزَال متيما)
(يَا نسمَة الرّيح الشمَال ... أَلا أبلغيهم بعض مَا)
(ألْقى فحر سمائم ... الانفاس يَكْفِي معلما)
(نَفسِي تكابد وجدهَا ... بكم فَمَا فغرت فَمَا)
(لَكِن آثَار الْمحبَّة ... لَيْسَ تخفى أَيْنَمَا)
стр. 397
الْفَصْل الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ
أخواني أَلا نَاظر لنَفسِهِ قبل الْمَوْت أَلا مُسْتَدْرك زَاد رمسه قبل الْفَوْت أَلا مزدجر بواعظ أمسه فقد أسمعهُ الصَّوْت
(مَا ضرّ عبد نَفسه ... قبل خُرُوج نَفسه)
(هَل يَوْمه أَو غده ... إِلَّا نَظِير أمسه)
(وعله يلقى الردى ... قبل غرُوب شمسه)
(كم مُدْلِج مهجر ... يسْعَى لبعل عرسه)
(واكيس النَّاس امْرُؤ ... جد ليَوْم رمسه)
أخواني حبال الآمال رثاث وساحر الْهوى نفاث والأماني على الْحَقِيقَة أضغاث وَالْمَال المدخر رزق الْوَارِث عجبا لأجسام ذُكُور وعقول إناث ألام الرواح فِي الْهوى والتغليس وحتام السَّعْي فِي صُحْبَة إِبْلِيس وَكم بهرجة فِي الْعَمَل وَكم تَدْلِيس أَيْن الأقران هَل لَهُم من حسيس أما تعلم أَنهم ندموا على إِيثَار الخسيس تالله لقد ودوا طَلَاق الدُّنْيَا قبل الْمَسِيس لقد أسمعك الْمَوْت وعيدك وكأنك بِهِ قد ضعضع مشيدك وأخلى مِنْك دَارك وملأ بك بِيَدِك لقد أمرضك الْهوى وَفِي عزمه أَن يزيدك هَل لذت لَذَّة الدُّنْيَا فصفت هَل عافت إِلَّا وعافت وعفت هَل تبِعت عرضا وقفت فوقفت هَل أرشفت شفة من رضابها فشفت بَينا محبها يناجيها بِأَلْفَاظ المنى خفت مَا بلغ المُرَاد مِنْهَا إِلَّا من صد عَنْهَا والتفت
(عين الْمنية يُفْضِي غير مطرفة ... وطرف مطلوبها مذكان وَسنَان)
(جهلا تمكن مِنْهُ حِين مولده ... فالمرء صَاح ولب الْمَرْء سَكرَان)
стр. 398
كم نرمي هدف سَمعك برشق كَلَام كم نلدغ أصل قَلْبك بحمة ملام لَا تَنْفَع الرياضة إِلَّا فِي نجيب لَو سقى الحنظل بِمَاء السكر لن يخرج حلوا شجر الأثل وَإِن دَامَ المَاء تَحْتَهُ لم يُثمر سَحَاب الْهدى قد طبق بيد الأكوان وأظن أَرض قَلْبك سبخا إِنَّمَا يغلب هَذَا على ظَنِّي لبعد صلاحك وَقد يَسْتَحِيل الْخمر خلا كم تحضر الْمجْلس وَتخرج وَمَا علقت بِشَيْء وَيحك هَذَا البنفسج يطْرَح فِي الشيرح فيعبق بِهِ طول السّنة وَكَذَلِكَ الْورْد فِي الأشنان
(وَمن البلية عذل من لَا يرعوي ... عَن غيه وخطاب من لَا يفهم)
وَيحك إِلَى كم تعدو خلف موكب الْهوى وَمَا تربح إِلَّا الْغُبَار دع حَبل الرعونة من يَد التَّمَسُّك فَإِنَّهُ لَا مرّة لَهُ مَا قتل أحد بِأحد من سيف سيوفي ومواهب الْأَعْمَار مسترجعة بالأنفاس حَتَّى تستوفي أَلَسْت نقضت عهد ﴿أَلَسْت﴾ بعد عقد عقده فَكيف حل لَك الْحل
(بِحرْمَة مَا قد كَانَ بيني وَبَيْنكُم ... من الْوَصْل إِلَّا مَا رجعتم إِلَى الْوَصْل)
نَحن لَك على الْوَفَاء مَا زلنا وَأَنت مَا ثَبت يَوْمَيْنِ
لكثير
(وَكُنَّا ارتقينا فِي صعُود من الْهوى ... فَلَمَّا علوناه ثَبت وزلت)
(وَكُنَّا عَقدنَا عقدَة الْوَصْل بَيْننَا ... فَلَمَّا توافينا شددت وحلت)
وَاعجَبا تنبه الْحَيَوَانَات بِاللَّيْلِ فتصوت وَأَنت غافل وَيحك إِذا فتحت عَيْنَيْك فِي الدجى فصح بقلبك
(قُم بِنَا يَا أخي لما نتمنى ... واطرد النّوم بالعزيمة عَنَّا)
(قُم فقد صاحت الديوك وَنَادَتْ ... لَا تكون الديوك أطرب منا)
أخواني مُصِيبَتنَا فِي التَّفْرِيط وَاحِدَة وَأهل الأحزان أهل
(آنا ليجمعنا الْبكاء وكلنَا ... نبكي على شجن من الأشجان)
стр. 399
مجْلِس الذّكر مأتم الأحزان هَذَا يبكي لذنوبه وَهَذَا ينْدب لعيوبه وَهَذَا على فَوَات مَطْلُوبه وَهَذَا لاعراض محبوبه
(يتشاكى الواجدون جوى ... وَاحِدًا والوجد ألوان)
يَا نائح الْفِكر نضد يَا نادب الْحزن عدد يَا لائم النَّفس شدد يَا رامي الْقلب سدد يَا جَامع الدمع بدد يَا مطرب السِّرّ ردد
للمهيار
(نشدتك يَا بانة الأجرع ... مَتى رفع الْحَيّ من لعلع)
(وَهل مر قلبِي فِي التَّابِعين ... أم حَار ضعفا فَلم يتبع)
(رَأَيْت لَهُ بَين تِلْكَ الْقُلُوب ... إِذا اشتبهت أنة الموجع)
(أدر يَا نديمي كأس الحَدِيث ... فكأسي بعدهمْ مدمعي)
يَا مُقَيّدا عَن السّير بقيود الشواغل أيطمع فِي لحاق الطير مقصوص القوادم صَوت فِي الأسحار بالسائرين لَعَلَّ عطفا يَنْعَطِف إِلَيْك فِي عطفة رَحْمَة فقد ترق السَّاعَة لأهل الْفَاقَة
للمهيار
(ردوا لنا يَوْمًا وَلَو سَاعَة ... على الغضا من عيشنا الزائل)
(لي ذلة السَّائِل مَا بَيْنكُم ... فَلَا تفتكم عزة الْبَاذِل)
سل اللَّيْل عَن الأحباب فَعنده الْخَبَر خلا الْفِكر بِالْقَلْبِ فِي بَيت التِّلَاوَة فجرت أَوْصَاف الحبيب فَنَهَضَ قلق الشوق يضْرب بطُون الرَّوَاحِل لينهر السهر فَلَا وَجه لنوم الْقَوْم
للخفاجي
стр. 400
(أَتَرَى طيفكم لما سرى ... أَخذ النّوم وَأعْطى السهرا)
(مَا نلوم اللَّيْل بل نعدره ... إِنَّمَا طوله من قصرا)
(يَا عيُونا بالغضا رَاقِدَة ... حرم الله عليكن الْكرَى)
(لَو عدلتن تساهمنا جوى ... مثل مَا كُنَّا اشتراكنا نظرا)
(حبذا فِيك حَدِيث بَاطِن ... فطن الدمع بِهِ فانتشرا)
من لم يكن لَهُ مثل تقواهم لم يعلم مَا الَّذِي أبكاهم من لم يُشَاهد جمال يُوسُف لم يعلم مَا الَّذِي ألم قلب يَعْقُوب
(من لم يبت وَالْحب حَشْو فُؤَاده ... لم يدر كَيفَ تفتت الأكباد)
لَو دمت على سلوك الْبَادِيَة طابت لَك ريح الشيح
(تقر لعَيْنِي أَن أرى رَملَة الْحمى ... إِذا مَا بَدَت يَوْمًا لعَيْنِي قلالها)
(وَلست وَإِن أَحْبَبْت من يسكن الغضا ... بِأول راج حَاجَة لَا ينالها)
стр. 401
الْفَصْل الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ
يَا من كَانَت لَهُ مَعنا مُعَاملَة وطالت بَيْننَا وَبَينه المواصلة ثمَّ اخْتَار الهجر والمفاصلة إِن لم يكن جميل فلتكن مجاملة تفكر تعرف قدر مَا فاتك وابك لذنب حَرمك الْفَوْز وافاتك أسكب دموع أسفك فَرب دم بالأسى سفك واندب أطلال مألفك لَعَلَّك تغاث فِي موقفك
للمهيار
(تظن ليالينا عودا ... على الْعَهْد من برقتي ثهمدا)
(وَيَا صَاحِبي أَيْن وَجه الصَّباح ... وَأَيْنَ غَد صف لعَيْنِي غَدا)
(وَخلف الضلوع زفير أَبى ... وَقد برد اللَّيْل أَن يبردا)
(خليلي لي حَاجَة مَا أخف ... لرامة لَو حملت مسعدا)
(أُرِيد لاكتم وَابْن الْأَرَاك ... يفضحها كلما غردا)
(أحب وَإِن اخصب الْحَاضِرُونَ ... ببادية الرمل أَن اخلدا)
(أرى كَبِدِي قسمت شعبتين ... مَعَ الشوق غور أَو أنجدا)
(تمناك عَيْني وقلبي يراك ... بشوقي حاشاك أَن تفقدا)
أللهم نور دُنْيَانَا بِنور من توفيقك واقطع أيامنا فِي الإتصال بك وانظم شتاتنا فِي سلك طَاعَتك فَأَنت أعلم بتلفيق المقترف اللَّهُمَّ قو منن أَطْفَال التَّوْبَة بلبان الصَّبْر أرْفق بمرضى الْهوى فِي مارستان الْبلَاء إفتح مسامع الأفهام لقبُول مَا ينفع سلم سيارة الأفكار من قَاطع طَرِيق إحرس طلائع المجاهدة من خديعة كمين إحفظ شجعان
стр. 402
العزائم من شَرّ هزيمَة وَقع على قصَص الْإِنَابَة بقلم الْعَفو لَا تسلط جَاهِل الطَّبْع على عَالم الْقلب لَا تبدل نعيم عَيْش الرّوح بجحيم حر النَّفس لَا تمت حَيّ الْعلم فِي حَيّ الْجَهْل أخرجنَا إِلَى نور الْيَقِين من هَذَا الظلام لَا تجعلنا مِمَّن رأى الصُّبْح فَنَامَ لَا تُؤَاخِذنَا بِقدر ذنوبنا فَإنَّك قلت ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ وَاعجَبا لمن عرفك ثمَّ احب غَيْرك وَلمن سمع مناديك ثمَّ تَأَخّر عَنْك
(حرَام على الْعَيْش مَا دمت غضبانا ... وَمَا لم يعد عني رضاك كَمَا كَانَا)
(فَأحْسن فَإِنِّي قد أَسَأْت وَلم تزل ... تعودني عِنْد الْإِسَاءَة غفرانا)
إلهي لَا تعذب نفسا قد عذبها الْخَوْف مِنْك وَلَا تخرس لِسَانا كل مَا يرْوى عَنْك وَلَا تقذ بصرا طالما يبكي لَك وَلَا تخيب رجاءا هُوَ مَنُوط بك إلهي ضع فِي ضعْفي قُوَّة من مِنْك ودع فِي كفي كفى عَن غَيْرك إرحم عِبْرَة تترقرق على مَا فاتها مِنْك برد كبدا تحترق على بعْدهَا عَنْك
للشريف الرضى
(أَشْكُو إِلَيْك مدامعا تكف ... بعد النَّوَى وجوانحا تَجف)
(ماكان أسْرع مَا نبا زمن ... وتكدرت من ودنا نطف)
(حَبل غَدا بأكفنا طرف ... مِنْهُ وَفِي أَيدي النَّوَى طرف)
(لهفي على ذَاك الزَّمَان وَهل ... يثني زَمَانا مَاضِيا لهف)
وَا أسفي لمنقطع دون الركب مُتَأَخّر عَن لحاق الصحب يعد السَّاعَات فِي مَتى وَلَعَلَّ ويخلو فِي عَسى وَهل
لقيس الْمَجْنُون
стр. 403
(أعد اللَّيَالِي لَيْلَة بعد لَيْلَة ... وَقد عِشْت دهرا لَا أعد اللياليا)
(وَأخرج من بَين الْبيُوت لعلني ... أحدث عَنْك النَّفس بِاللَّيْلِ خَالِيا)
(يَمِينا إِذا كَانَت يَمِينا وَإِن تكن ... شمالا يُنَازعنِي الْهوى عَن شماليا)
(إِلَّا يَا حمامي بطن نعْمَان هجتما ... على الْهوى لما تغنيتما ليا)
(وأبكيتماني وسط صحبي وَلم أكن ... أُبَالِي بدمع الْعين لَو كنت خَالِيا)
(ذكت نَار شوقي فِي فُؤَادِي فَأَصْبَحت ... لَهَا وهج مستضرم فِي فؤاديا)
(خليلي مَا أَرْجُو من الْعَيْش بَعْدَمَا ... أرى حَاجَتي تشرى وَلَا تشتري ليا)
(وَقد يجمع الله الشتيتين بَعْدَمَا ... يظنان كل الظَّن أَن تلاقيا)
أَيهَا المتخلف فِي أعقاب الواصلين إستغث بهم علق على قطارهم فَلَعَلَّ جملك يصل
(يَا صَاح والصاحب لَا يدعى بِهِ ... إِلَّا إِذا لج الغرام واعتدى)
(خُذ بيَدي من سطوة الْبَين فَمَا ... أَظن أَن الْبَين أبقى لي يدا)
(أَيْن ليالينا الْقصار بالحمى ... واكبدا على الْحمى واكبدا)
يَا من قد مَضَت لَهُ ليَالِي مُنَاجَاة ثمَّ طبق الدستور وَقطع الْمُعَامَلَة أندب زمَان الْوِصَال لَعَلَّ حَالا حَال يعود
للمهيار
(يَا لَيْلَتي بحاجر ... إِن عَاد مَاض فارجعي)
(بتنا على الْأَحْقَاف ... تنهال بِكُل مَضْجَع)
(قَالُوا الصَّباح فانتبه ... فَقَالَ لي الطيف اسْمَع)
(فَقُمْت مخلوطا أَظن ... البازل إِبْنِ الرّبع)
(حيران طرفِي دائر ... أطلب مَا لَيْسَ معي)
стр. 404
(أرْضى باخبار الرِّيَاح ... والبروق اللمع)
(وَأَيْنَ من برق الْحمى ... شائمة بلعلع)
(أفرشني الْجَمْر وَقَالَ ... إِن أردْت فاهجع)
ذكر الْوِصَال فِي زمَان الهجر تلف خُصُوصا إِذا لم يكن للحبيب خلف قَالَ ابْن مَسْرُوق كنت أَمْشِي مَعَ الْجُنَيْد فِي بعض دروب بَغْدَاد فَسمع منشدا يَقُول
(منَازِل كنت تهواها وتألفها ... أَيَّام أَنْت على الْأَيَّام مَنْصُور)
فَبكى الْجُنَيْد بكاءا شَدِيدا وَقَالَ مَا أطيب منَازِل الإلفة والأنس وأوحش مقامات الْمُخَالفَة لَا أَزَال أحن إِلَى أول بَدْء إرادتي وَجدّة سعيي
للمهيار
(يَا لَيْلَتي بِذَات الشيح والضال ... ومنبت البان من نعْمَان عودا لي)
(وَيَا مرابع أطلالي بِذِي سلم ... لهفي على مَا مضى من عصرك الْخَالِي)
(وَيَا مآرب نَفسِي وَالدّين هم ... بالوصل والهجر أعلالي وأبلالي)
(قد كَانَ قلبِي بكم مأوى السرُور فمذ ... نَا يتم صَار مأوى كل بلبال)
(فَلَو شربت بعمري سَاعَة سلفت ... من عيشتي مَعكُمْ مَا كَانَ بالغالي)
(مَالِي أعلل نَفسِي بِالْوُقُوفِ على ... منَازِل أقفرت مِنْكُم وأطلال)
(من لي بكتمان مَا أَلْقَاهُ من ألم ... وظاهري مُعرب عَن بَاطِن الْحَال)
(قَالُوا تشاغل عَنَّا وَاصْطفى بَدَلا ... منا وَذَلِكَ فعل الخائن السالي)
(وَكَيف أشغل قلبِي عَن محبتكم ... بِغَيْر ذكركُمْ يَا كل أشغالي)
стр. 405
الْفَصْل الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ
واشوقاه إِلَى أَرْبَاب الْإِخْلَاص واتوقاه إِلَى رُؤْيَة تِلْكَ الْأَشْخَاص إِنِّي لأحضر ذكركُمْ فأغيب وَإِن وقتي بتذكركم ليطيب
للشريف الرضى
(إِذا هزنا الشوق اضطربنا لهزه ... على شعب الرحل اضْطِرَاب الأراقم)
(فَمن صبوات تستقيم بمائل ... وَمن أريحيات تهب بنائم)
(وأستشرف الْأَعْلَام حَتَّى يدلني ... على طيبها مر الرِّيَاح النواسم)
(وَمَا أنسم الْأَرْوَاح إِلَّا لِأَنَّهَا ... تهب على تِلْكَ الربى والمعالم)
الْإِخْلَاص مسك مصون فِي مسك الْقلب تنبه رِيحه على حامله الْعَمَل صُورَة وَالْإِخْلَاص روح المخلص يعد طَاعَته لاحتقاره لَهَا عرضا وقلم الْقبُول قد أثبتها فِي الْجَوْهَر خَالِصا الْإِخْلَاص الْيَسِير كثير وَوُجُود عمل الرِّيَاء عدم قراضة الْأَمَانِي لَا تقف وصحيح الشّبَه مَرْدُود خليج صَاف أَنْفَع من بَحر كدر إِذا لم تخلص فَلَا تتعب لَا يكسر الْجَوْز بالعهن أتحدو وَمَا لَك بعير أتمد الْقوس وَمَا لَهَا وتر أتتجشأ من غير شبع وَاعجَبا من وَحشِي بِلَا جبل كم بذل نَفسه مراء لتمدحه الْخلق فَذَهَبت والمدح وَلَو بذلها للحق لبقيت وَالذكر عمل الْمرَائِي بصلَة كلهَا قشور الْمرَائِي يحشو جراب الْعَمَل رملا فيثقله وَلَا يَنْفَعهُ ريح الرِّيَاء جيفة تتحاماها مسام الْقُلُوب وَمَا يخفى الْمرَائِي على مسانح الفطن لما
стр. 406
أَخذ دود القز ينسج أَقبلت العنكبوت تتشبه وَقَالَت لَك نسج ولي نسج فَقَالَت دودة القز وَلَكِن نسجي أردية للملوك ونسجك شبكة للذباب وَعند مس النسيجين يبين الْفرق
(إِذا اشتبكت دموع فِي خدود ... تبين من بَكَى مِمَّن تباكا)
شَجَرَة الصنوبر تثمر فِي ثَلَاثِينَ سنة وشجرة الدبا تصعد فِي أسبوعين فَتَقول لشَجَرَة الصنوبر إِن الطَّرِيق الَّتِي قطعتها فِي ثَلَاثِينَ سنة قد قطعتها فِي أسبوعين فَيُقَال لي شَجَرَة وَلَك شَجَرَة فتجيبها مهلا إِلَى أَن تهب ريح الخريف قَالَ الدب للآدمي أَنْت تمشي على رجلَيْنِ وَأَنا أَيْضا فَقَالَ الْآدَمِيّ وَلَكِن صدمة تردك إِلَى أَربع وَكم أصدم وَأَنا منتصف
كَانَ الْأَشْيَاخ فِي قديم الزَّمَان أَصْحَاب قدم والمريدون أَصْحَاب ألم فَذهب الْقدَم والألم كَانَ المريد يسئل عَن غُصَّة وَالشَّيْخ يعرف الْقِصَّة فاليوم لَا غُصَّة وَلَا قصَّة كَانَ الزّهْد فِي بواطن الْقُلُوب فَصَارَ فِي ظواهر الثِّيَاب كَانَ الزّهْد حرقة فَصَارَ الْيَوْم خرقَة وَيحك صوف قَلْبك لَا جسمك وَأصْلح نيتك لَا مرقعتك غير زيك أَيهَا الْمرَائِي فَهُوَ يَصِيح خذوني تحملن السَّيْف وَمَا تحسن الْقِتَال سيف وَدرع لزمن هتكة ولمقعد فضيحة البهرج يتَبَيَّن عِنْد الحك إِذا كَانَ العلوى ثَابت النّسَب لم يحْتَج إِلَى ضفيرتين وَلَا يصير المخنث تركيا بِلبْس القباء وَلَا الْمرَائِي وليا بِلبْس العباء هَذِه من النكت الخفايا وَفِي الزوايا خبايا وَاعجَبا مَا للدواعي إِلَى الدعاوي الْبَاطِن ينْطق لما علم الصالحون خطر البيات أدلجوا بأحمال الْأَعْمَال فِي ليل الكتم كَانَ الْبكاء إِذا غلب أَيُّوب قَالَ مَا أَشد الزُّكَام
(هبيني أستر الْبلوى ... أَلَيْسَ الدمع يفضحني)
(لساني فِيك أملكهُ ... ودمع الْعين يملكني)
стр. 407
صَامَ دَاوُد بن أبي هِنْد أَرْبَعِينَ سنة لم يعلم بِهِ أحد كَانَ يَأْخُذ غداه وَيخرج إِلَى الدّكان فَيتَصَدَّق بِهِ فِي الطَّرِيق فيظن أهل السُّوق أَنه قد أكل فِي الْبَيْت ويظن أَهله أَنه قد أكل فِي السُّوق
لجَابِر الْجرْمِي
(ومستخبر عَن سر ليلى رَددته ... فَأصْبح فِي ليلى بِغَيْر يَقِين)
(يَقُولُونَ خبرنَا فَأَنت أمينها ... وَمَا أَنا إِن أَخْبَرتهم بأمين)
كَانَ ابْن سِيرِين يتحدث بِالنَّهَارِ ويضحك فَإِذا جَاءَ اللَّيْل أَخذ فِي الْبكاء والعويل
(نهاري نَهَار النَّاس حَتَّى إِذا بدا ... لي اللَّيْل هزتني إِلَيْك الْمضَاجِع)
(أَقْْضِي نهاري بِالْحَدِيثِ وبالمنى ... ويجمعني والهم بِاللَّيْلِ جَامع)
كَانَ خوفهم من الرِّيَاء يُوجب مدافعة النَّهَار فَإِذا خلوا بالحبيب لم يصبر المشوق
(أحن بأطراف النَّهَار صبَابَة ... وبالليل يدعوني الْهوى فَأُجِيب)
لَو قدرُوا على اسْتِدَامَة الكتمان مَا أذاعوا وَكم يقدر المشتاق أَن يكتم الوجدا إِذا جن اللَّيْل وظلامه ثار سجن الْمُحب وسقامه وَرمى الوجد فأصابت سهامه واستطلق مزاد الْعين فأنهل سجامه وَطَالَ بالحزين قعوده وقيامه
(كم بذكراك ولوعي ... يَا جوى بَين الضلوع)
(هجع العاذل لَكِن ... من لعَيْنِي بالهجوع)
(هِيَ فِي شغل عَن النّوم ... بمرفض الدُّمُوع)
(اتغني بك فِي الْحَيّ ... كورقاء سجوع)
لَو أَبْصرت طلائع الصديقين فِي أَوَائِل الْقَوْم أَو شاهدت ساقة المستغفرين فِي أَوَاخِر الركب أَو سَمِعت استغاثة المحبين فِي وسط اللَّيْل
стр. 408
(من رأى الْبَرْق بِنَجْد إِذْ ترآى ... سلب النّوم وَأهْدى البرحاءا)
(فاض فيضا كجفوني مَاؤُهُ ... والتظى وَهنا كأنفاسي التظاءا)
(نَام سمار الدجى عَن ساهر ... إتخذ الْهم سميرا والبكاءا)
(أسعدته أدمع تفضحه ... فَإِذا مَا أحن الدمع أساءا)
إِذا رَأَيْتُمْ حَزينًا فارحموه وَإِذا شاهدتم قلقا فاعذروه وَإِذا رَأَيْتُمْ باكيا فوافقوه
(الدمع يخون كل كاتم ... وَالْحب يحلل العزائم)
(الْقلب بحبكم لديغ ... مَا أقلقني من الأرقام)
(والوجد يغالب المقاوي ... والسالم فِيهِ من يسالم)
(هَذَا ولعين فِي هواكم ... سلمت لكم فَمَا أخاصم)
(سَالَتْ بكم دموع عَيْني ... والدمع بمقلتي يزاحم)
(أبْكِي أثر الحبيب كرها ... والحزن تهيجه المعالم)
(يَا مَانع مقلتي كراها ... مر اللَّيْل وَلست نَائِم)
(قد صمت عَن الْهوى لاحظى ... فِي الْحبّ لكم بِأَجْر صَائِم)
(هَل يبْذل وردكم لظام ... حيران على الْوُرُود حائم)
(ناحت فزجرتها حمام ... مَا لي تزعجني الحمائم)
(يرقين إِلَى ذرى غُضُون ... أَنى تحملك القوائم)
(تبكين وَمَا شجاك شوق ... شكواك إِذا من العظائم)
(إِن كنت صدقت فاسعديني ... لَا نسْمع لومة اللوائم)
(طارت وَبقيت فِي ضماني ... لَا أَبْرَح والزعيم غَارِم)
стр. 409
الْفَصْل الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ
أخواني سَار المتقون ورجعنا ووصلوا وانقطعنا وَأَجَابُوا الدَّاعِي وامتنعنا ونجوا من الْإِشْرَاك ووقعنا تَعَالَوْا نَنْظُر فِي آثَارهم وندرس دارس أخبارهم ونبكي على التَّفْرِيط مَا نابنا ونندب مَا لحقنا وأصابنا
للْمُصَنف
(ودعوا يَوْم النَّوَى واستقلوا ... لَيْت شعري بعْدهَا أَيْن حلوا)
(يَا نسيم الرّيح بلغ إِلَيْهِم ... أَن عقدي مَعَهم لَا يحل)
(لي من الرّيح الشمَال انتهال ... فَإِذا هبت سحيرا فعل)
(عرضوا قلبِي لسقم طَوِيل ... بَاطِن يظْهر مِنْهُ الْأَقَل)
(لَو بَكت عَيْني على قدر وجدي ... صَار وَادِيهمْ دَمًا لَا يحل)
سَافر الْقَوْم على رواحل الصدْق فَقطعُوا أَرض الصَّبْر حَتَّى وَقَعُوا برياض الْأنس فعبقت قُلُوبهم بنشر الْقرب وتعطرت بنسيم الْوَصْل فَعَادَت سكرى من صرف سلاف الوجد وعربدت على عَالم الْجِسْم فَكلما رَبًّا الْحبّ ذاب
(خذي بيَدي ثمَّ ارفعي الثَّوْب فانظري ... ضنا جَسَدِي لكنني أتكتم)
حمائم أَرْوَاحهم مسجونة فِي أقفاص أشباحهم تصوت لشجو شوقها وتقلق لضيق حَبسهَا
للمهيار
стр. 410
(بالغور دَار وبنجد هوى ... يَا لهف من غَار بِمن أنجدا)
(يَا حبذا الذكرى وَإِن اسهرت ... بعْدك والدمع وَإِن أومدا)
الْبكاء دأبهم والدمع شرابهم والجوع طعامهم والصمت كَلَامهم فَلَو رَأَيْتهمْ وعذالهم وَقد زادوا بالعذل أثقالهم
(سلمت مِمَّا عناني فاستهنت بِهِ ... لَا يعرف الشجو إِلَّا كل بِهِ ذِي شجن)
(شتان بَين خلي مُطلق وشج ... فِي ربقة الْحبّ كالمصفود فِي قرن)
(أمسيت تشهب باد من ضنى جَسَدِي ... بداخل من جوى فِي الْقلب مكتمن)
(إِن كَانَ يُوجب ضري رَحْمَتي فَرضِي ... بِسوء حَالي وَحل للضنى بدني)
(منحتك الْقلب لَا أبغي بِهِ ثمنا ... إِلَّا رضاك ووافقري إِلَى الثّمن)
أعندك من حَدِيثهمْ خبر أَلَك فِي طريقهم أثر
لخَالِد الْكَاتِب
(رقدت وَلم تَرث للمساهر ... وليل الْمُحب بِلَا آخر)
(وَلم تدر بعد ذهَاب الرقاد ... مَا فعل الدمع بالناظر)
نازلهم الْخَوْف فصاروا ولهين وفاجأهم الْفِكر فعادوا متحيرين وجن عَلَيْهِم اللَّيْل فَرَآهُمْ ساهرين وهبت ريَاح الأسحار فمالوا مستغفرين فَإِذا رجعُوا وَقت الْفجْر بِالْأَجْرِ نَادَى مُنَادِي الهجر يَا خيبة النائمين
(وَلما وقفنا والرسائل بَيْننَا ... دموع نهاها الوجدان تتوقفا)
(ذكرنَا اللَّيَالِي بالعتيق وظلها ... الأنيق فقطعن الْقُلُوب تأسفا)
جليت أَوْصَاف الحبيب فِي حلية الْكَمَال فَقَامُوا على أَقْدَام الشوق يسبحون فِي فلوات الوجد فَلَو رأيتموهم لقلتم مجانين هَيْهَات من لَا يعرف مَنَاسِك الْحَج نسب المحرمين إِلَى الخبل النَّاس يَضْحَكُونَ وهم يَبْكُونَ ويفرحون وهم يَحْزَنُونَ وينامون وهم يسهرون
стр. 411
(تركت ليلى أمد من نَفسِي ... وَا أسفي للفراق وَا أسفي)
لما تمكنت الْمعرفَة من قُلُوبهم أثرت شدَّة الْخَوْف فارتفع ضجيج الوجد
رأى الصّديق طائرا فَقَالَ طُوبَى لَك يَا طَائِر تقع على الشّجر وتأكل من الثَّمر وَلَا حِسَاب عَلَيْك لَيْتَني كنت مثلك وَقَالَ عمر لَيْتَني كنت تبنة لَيْت أُمِّي لم تلدني وَقَالَ ابْن مَسْعُود وددت أَنِّي إِذا مت لَا أبْعث وَقَالَ عمرَان ابْن حُصَيْن لَيْتَني كنت رَمَادا وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء لَيْتَني كنت شَجَرَة تعضد وَقَالَت عَائِشَة لَيْتَني كنت نسيا منسيا
ودخلوا على عَطاء السّلمِيّ وَحَوله بَلل فظنوه قد تَوَضَّأ فَقَالَت عجوزا فِي دَاره هَذِه دُمُوعه
لصردر
(كل سَحَاب أمْطرت أَرْضكُم ... حاملة للْمَاء من أدمعي)
(وكل ريح زعزعت تربكم ... فَإِنَّهَا الزفرة من أضلعي)
أَتَاهُم من الله وَعِيد وقذهم فَبَاتُوا على حرق وأكلوا على تنغيص فنومهم نوم الغرقى وأكلهم أكل المرضى عجزت أبدانهم عَمَّا حملت قُلُوبهم ﴿فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر﴾
قَالَ فرقد دخلت بَيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة عذراء لباسهن الصُّوف والمسوح فتذاكرن ثَوَاب الله وعقابه فمتن جَمِيعًا فِي مقَام وَاحِد قَالَ أَبُو طَارق شهِدت ثَلَاثِينَ رجلا دخلُوا مجَالِس الذّكر يَمْشُونَ بأرجلهم صحاحا إِلَى الْمجْلس وأجوافهم وَالله قرحَة فَلَمَّا سمعُوا الذّكر انصدعت قُلُوبهم
стр. 412
(قصوا على حَدِيث من قتل الْهوى ... إِن التآسي روح كل حَزِين)
قَالَ عبد الْوَاحِد بن زيد لَو رَأَيْت الْحسن لَقلت قد بَث عَلَيْهِ حزن الْخَلَائق وَلَو رَأَيْت يزِيد الرقاشِي لَقلت مثكل أقبل ولد يزِيد يَوْمًا يعاتبه على كَثْرَة بكائه فَجعل يصْرخ ويبكي حَتَّى غشي عَلَيْهِ فَقَالَت أمه يَا بني مَا أردْت بِهَذَا فَقَالَ إِنَّمَا أردْت أَن أَهْون عَلَيْهِ
(صِحَة الشوق أحدثت عِلّة الصَّبْر ... وَبعد المزار زَاد السهادا)
(كم عذول عَلَيْكُم رام إصلاحي ... فَكَانَ الصّلاح مِنْهُ فَسَادًا)
(كلما زَاد عذله زَاد وجدي ... فكلانا فِي أمره قد تَمَادى)
(من لقلب أصليتموه لظى الْجَمْر ... وجنب أفرشتموه القتادا)
الْمُحب إِن تذكر الرّبع حن وَإِن تفكر فِي الْبعد أَن وَإِن جن عَلَيْهِ اللَّيْل أظهر مَا أجن قطع عَلَيْهِ رضَاع الْوِصَال فَلم يتهن
للْمُصَنف
(يَا بريق الْحَيّ حرمت المناما ... فانقضى اللَّيْل سهادا وقياما)
(أَتَرَى مَا قد أرى يَا صَاحِبي ... كَيفَ والشوق بروحي يترامى)
(يَا سقى الله حماهم مزنة ... حلبت أشطرها أَيدي النعامى)
(يَا نسيم الرّيح بلغ وَاعد ... أَن نَفسِي مَعَ أنفاس الخزامى)
(آه لَو عَاد زماني بهم ... عِنْد جرعاء الْحمى عودا لماما)
(يَا ليالينا بِذِي الاثل ارجعي ... أسفا لَو أَنه يشفي النداما)
(يَا صَاحِبي بلغُوا إِن جزتم ... بنقي الرمل عَن الْجِسْم السلاما)
(إِن قلبِي يَوْم طفنا باللوى ... ورحلنا عَنهُ بالوجد أَقَامَا)
(يَا غرامي إِن شددت ورق وَهل ... علم الْوَرق سوى وجدي الغراما)
(قلقي فِي حرقي من أرقي ... يرتقي بل ينتقي مني العظاما)
(طربي فِي كربي من حَرْبِيّ ... رَجَعَ المَاء بواديهم حَرَامًا)
(لوجرت عَيْني على قدر الأسى ... رَجَعَ المَاء بواديهم حَرَامًا)
стр. 413
الْفَصْل الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ
أخواني الْخلْوَة مهر بكر الْفِكر وَسلم مِعْرَاج الهمة حَرِيم الْعُزْلَة مصون من عيب غيث عَبث إِذا خلت دَار الْخلْوَة عَن الصُّور تفرغ الْقلب لملاحظة الْمعَانِي
(أوحشتني خلواتي ... بك من كل أنيس)
(وتفردت فعاينتك ... بِالْغَيْبِ جليسي)
(وَدَعَانِي الوجد وَالْحب ... إِلَى الْمَعْنى النفيس)
(فَبَدَا لي أَن مهر الْحبّ ... أنفاس النُّفُوس)
(فَكتبت الْعَهْد للحب ... على طرس الرسيس)
يَا هَذَا إِذا رزقت يقظة فصنها فِي بَيت عزلة فَإِن أَيدي المعاشرة نهابة إحذر معاشرة الْجُهَّال فَإِن الطَّبْع لص لَا تصادقن فَاسِقًا فَإِن من خَان أول منعم عَلَيْهِ لَا يَفِي لَك يَا أفراخ التَّوْبَة لازموا أوكار الْخلْوَة فَإِن هر الْهوى صيود إياك والتقرب من طرف الوكر وَالْخُرُوج من بَيت الْعُزْلَة حَتَّى يتكامل نَبَات الخوافي وَإِلَّا كنت رزق الصَّائِد الْأنس بالأنس ربق المخالطة توجب التَّخْلِيط وأيسر تأثيرها تشتيت الْهم
(أقل مَا فِي سُقُوط الذِّئْب فِي غنم ... إِن لم يصب بَعْضهَا أَن ينفر الْغنم)
قطع العلائق أصل الْأُصُول فرغ لي بَيْتا أسْكنهُ إِن الطَّائِر إِذا كَانَ زاقا لم يُرْسل فِي كتاب تأملوا إِلَى الْفرس إِذا قدم إِلَى المَاء الصافي كَيفَ يضْرب بيدَيْهِ فِيهِ حَتَّى يتكدر أَتَدْرُونَ لم لِأَنَّهُ يرى صُورَة نَفسه فِي المَاء الصافي وَصُورَة غَيره فيكدره حَتَّى لَا تتبين فِيهِ
стр. 414
الصُّور فيتهنى بالشرب لَا يظْهر فِي خلْوَة المتيقظ إِلَّا الْحق كَاد أويس يهرب من النَّاس فَيَقُولُونَ مَجْنُون وصف الرَّسُول ﷺ لأَصْحَابه حلية حلته فقوي توق عمر وَكَانَ فِي كل عَام يسْأَل عَنهُ أهل الْيمن
(أَلا أَيهَا الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أَمْسَى هوانا يَمَانِيا)
(نسائلكم هَل سَالَ نعْمَان بَعدنَا ... وَحب إِلَيْنَا بطن نعْمَان وَاديا)
لما كَانَت آخر حجَّة حَجهَا عمر قَامَ على أبي قيس فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته أفيكم أويس
للشريف الرضى
(وَإِنِّي للشوق من بعدهمْ ... أراعي الْجنُوب رواحا ومغدى)
(وأفرح من نَحْو أوطانهم ... بغيث يجلجل برقا ورعدا)
(إِذا طلع الركب يممتهم ... أحيي الْوُجُوه كهولا ومردا)
(وأسألهم عَن عقيق الْحمى ... وَعَن أَرض نجد وَمن حل نجدا)
(نشدتكم الله فليخبرن ... من كَانَ أقرب بالرمل عهدا)
(هَل الدَّار بالجزع مأهولة ... أنار الرّبيع عَلَيْهَا وأسدى)
(وَهل جلب الْغَيْث أخلاقه ... على محْضر من زرود ومبدا)
كَانَ أويس يَأْتِي الْمَزَابِل إِذا جَاع فَأَتَاهَا يَوْمًا فنبح عَلَيْهِ كلب فَقَالَ يَا كلب لَا تؤذ من لَا يُؤْذِيك كل مِمَّا يليك وآكل مِمَّا يليني فَإِن دخلت الْجنَّة فَأَنا خير مِنْك وَإِن دخلت النَّار فَأَنت خير مني
(ذل الْفَتى فِي الْحبّ مكرمَة ... وخضوعه لحبيبه شرف)
كَانَ الصّبيان يرمونه بِالْحِجَارَةِ والعقلاء عِنْد نُفُوسهم يَقُولُونَ مَجْنُون والمحبة تنهاه أَن يُفَسر مَا استعجم
стр. 415
(أبثهم وجدي وهم بِي أعلم ... وَأَرْجُو شفائي مِنْهُم وهم هم)
(وَكم كدت من شوق أبين من هم ... ويمنعني من ذَاك خوفي مِنْهُم)
(وَكم عذلوني فيهم غير مرّة ... فَقلت لَهُم وَالله بِالصّدقِ أعلم)
(إِذا كَانَ قلبِي موثقًا فِي حبالكم ... وجسمي لديكم كَيفَ أفهم عَنْكُم)
(فَإِن شِئْتُم أَن تعدلوا فتوصلوا ... إِلَى أَن يعود الْقلب ثمَّ تكلمُوا)
صَاحب أهل الدّين وصافهم واستفد من أَخْلَاقهم وأوصافهم واسكن مَعَهم بالتأدب فِي دَارهم وَإِن عاتبوك فاصبر ودارهم إِن لم يكن لَك مكنة الْبذر وَلم تطق مُرَاعَاة الزَّرْع فقف فِي رفْقَة ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى﴾ أَنْت فِي وَقت الْغَنَائِم نَائِم وقلبك فِي شهوات الْبَهَائِم هائم إِن صدقت فِي طلابهم فانهض وبادر وَلَا تستصعب طريقهم فالمعين قَادر تعرض لمن أَعْطَاهُم وسل فمولاك مَوْلَاهُم رب كنز وَقع بِهِ فَقير وَرب فضل فَازَ بِهِ صَغِير علم الْخضر مَا خَفِي على مُوسَى وكشف لِسُلَيْمَان مَا غطى عَن دَاوُد
يَا هَذَا لَا تحتقر نَفسك فالتائب حبيب والمنكسر مُسْتَقِيم إقرارك بالإفلاس غنى إعترافك بالْخَطَأ إِصَابَة تنكيس راسك بالندم رفْعَة عرضت سلْعَة الْعُبُودِيَّة فِي سوق البيع فبذلت الْمَلَائِكَة نقد ﴿وَنحن نُسَبِّح﴾ فَقيل مَا تُؤثر سكَّة دراهمكم فَإِن عجب الضَّارِب بِسُرْعَة الضَّرْب أوجب طمسا فِي النقش فَقَالَ آدم مَا عِنْدِي إِلَّا فلوس إفلاس نقشها ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾ فَقيل هَذَا الَّذِي ينْفق على خزانَة الْخَاص أَنِين المذنبين أحب إِلَيْنَا من زجل المسبحين
(واستعذبوا مَاء الجفون فعذبوا ... الْأَسْرَار حَتَّى درت الاماق)
يَا معاشر المذنبين إِن كَانَ يَأْجُوج الطَّبْع وَمَأْجُوج الْهوى قد عاثوا فِي أَرض قُلُوبكُمْ ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّة أجعَل بَيْنكُم وَبينهمْ ردما﴾
стр. 416
اجْمَعُوا لي عزائم قَوِيَّة تشابه زبر الْحَدِيد وتفكروا فِي خطاياكم لتثور صعداء الأسف فَلَا أحتاج أَن أَقُول ﴿انفخوا﴾ شيدوا بُنيان العزائم بهجر المألوف ليستحجر الْبناء فنستغني أَن نفرغ عَلَيْهِ قطرا هَكَذَا بِنَاء الْأَوْلِيَاء قبلكُمْ فجَاء الْأَعْدَاء ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يظهروه﴾
(لَيْسَ عزما مَا مرض الْمَرْء فِيهِ ... لَيْسَ هما مَا عَاق عَنهُ الظلام)
الْجد الْجد فَمَا تحْتَمل الطَّرِيق الفتور ضَاقَتْ أَيَّام الْمَوْسِم فجعجعوا بِالْإِبِلِ كَذَا أسيد الضَّبِّيّ إِذا عوتب فِي كَثْرَة بكائه يَقُول كَيفَ لَا أبْكِي وَأَنا أَمُوت غَدا وَالله لَا أبكين فَإِن أدْركْت بالبكاء خيرا فَمن من الله عَليّ وَإِن كَانَت الْأُخْرَى فَمَا بُكَائِي فِي جنب مَا أَلْقَاهُ كَانَت عابدة لَا تنام من اللَّيْل إِلَّا يَسِيرا فوتبت فِي ذَلِك فَقَالَت كفى بطول الرقدة فِي الْقُبُور رقادا
(أَيهَا العذال لَا تعذلوا ... إِنَّمَا العذل لمن يقبل)
(وَأرى ليلِي لَا يَنْقَضِي ... طَال ليلِي والهوى أطول)
تزوج رَبَاح الْقَيْسِي امْرَأَة فرأته نَائِما طول اللَّيْل فَقَالَت لَيْت شعري من غرني بك يَا رَبَاح
(يَا عقيق الْحمى حمى الله مغناك ... وروى ثراك من مزن دمع)
(من لصب يشوقه لامح الْبَرْق ... فيرتاح قلبه للجزع)
(يَا خليلي مَا أَنْت لي بخليل ... ورفيق إِن لم تقف بِالربعِ)
هَذِه طريقهم فَأَيْنَ السالك هَذِه صفاتهم فَأَيْنَ الطَّالِب
(هذي الْمنَازل والعقيق ... فَأَيْنَ سلمى والخيام)
(لم يبْق مذ صاحوا النَّوَى ... لميتم فِيهَا مقَام)
стр. 417
الْفَصْل السَّادِس وَالسَّبْعُونَ
أَيهَا المقصر عَن طلب المزاد كَيفَ تدْرك الْمَعَالِي بِغَيْر اجْتِهَاد أَيْن أهل السهر من أهل الرقاد أَيْن الراغبون فِي الْهوى من الزهاد رَحل المتيقظون مستظهرين بِكَثْرَة الزَّاد كل جواد لَهُم يعرف الْجواد فَسَارُوا فزاروا والكسلان عَاد
للشريف الرضى
(يَا قلب مَا أَنْت من نجد وساكنه ... خلفت نجدا وَرَاء المدلج الساري)
(أهفوا إِلَى الركب تعلو لي ركائبهم ... من الْحمى فِي أسيحاق وإطمار)
(تفوح أَرْوَاح نجد من ثِيَابهمْ ... عِنْد الْقدوم لقرب الْعَهْد بِالدَّار)
(يَا راكبان قفا لي فاقضيا وطري ... وحدثاني عَن نجد بأخبار)
(هَل روضت قاعة الوعساء أم مطرَت ... خميلة الطاح ذَات البان والغاري)
(أم هَل أَبيت وَدَار عِنْد كاظمة ... دَاري وسمار ذَاك الْحَيّ سماري)
(فَلم يَزَالَا إِلَى أَن نم بِي نَفسِي ... وَحدث الركب عني مدمعي الْجَار)
لما صفت خلوات الدجى نُودي آذن الْوُصُول أقِم فلَانا وأنم فلَانا خرجت بالأسماء الجرائد وفاز الأحباب بالفوائد قَالَ أَحْمد بن أبي الْحوَاري قلت لامرأتي رَابِعَة وَقد قَامَت من أول اللَّيْل قد رَأينَا أَبَا
стр. 418
سُلَيْمَان وتعبدنا مَعَه مَا رَأينَا من يقوم من أول اللَّيْل فَقَالَت سُبْحَانَ الله مثلك يَقُول هَذَا أما أقوم إِذا نوديت
للمتنبي
(تَقُولِينَ مَا فِي النَّاس مثلك وامق ... جدي مثل من أحببته تجدي مثلي)
(ذَرِينِي أنل مَا لَا ينَال من العلى ... فصعب العلى فِي الصعب والسهل)
(تريدين إِدْرَاك الْمَعَالِي رخيصة ... وَلَا بُد دون الشهد من إبر النَّحْل)
لما دارت كؤوس النّوم على أَفْوَاه الْعُيُون فسكرت بِالشرابِ الْأَلْبَاب فطرحت الأجساد على فرَاش ﴿يتوفى﴾ صاحت فصاحة الْحبّ بالمحب كل مُسكر حرَام فَلَمَّا نفخ فِي صور الإيقاظ فِي أبان ﴿وَيُرْسل الْأُخْرَى﴾ قَامَ أموات النّوم وَقد رَحل سفر الْوِصَال فَلم يرَوا إِلَّا آثَار الْقرب فِي مناخ الأحباب وأثا فِي ﴿تَتَجَافَى﴾ ستر الْقَوْم قيامهم بِاللَّيْلِ فَستر جزاءهم أَن يطلع عَلَيْهِ الْغَيْر ﴿فَلَا تعلم نفس﴾ فَلَو عانيتهم وَقد دارت كؤوس الْمُنَاجَاة بَين مزاهر التِّلَاوَة فأسكرت قلب الْوَاجِد ورقمت فِي صَحَائِف الوجبات تعرفهم ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾
(وتمشت فِي مفاصلهم ... كتمشي الْبُرْء فِي السقم)
اشْتهر بِقِيَام اللَّيْل كُله وَصَلَاة الْفجْر بِوضُوء الْعشَاء سعيد بن الْمسيب وَصَفوَان سليم وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر المدنيون وفضيل ووهب المكيان طَاوس ووهب اليمانيان وَالربيع بن خَيْثَم وَالْحكم الكوفيان وَأَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي وَأَبُو جَابر الفارسيان وَسليمَان التَّيْمِيّ وَمَالك بن دِينَار وَيزِيد الرقاشِي وحبِيب العجمي وَيحيى الْبكاء وكهمس ورابعة البصريون
قَالَت أم عَمْرو بن الْمُنْكَدر يَا بني أشتهي أَرَاك نَائِما فَقَالَ يَا أُمَّاهُ إِن اللَّيْل ليرد عَليّ فيهولني فينقضي عني وَمَا قضيت مِنْهُ مأربي وَصَحب رجل رجلا شَهْرَيْن فَمَا رَآهُ نَائِما فَقَالَ مَالك لَا تنام فَقَالَ إِن عجائب الْقُرْآن أطرن نومي مَا أخرج من أعجوبة إِلَّا وَقعت فِي أُخْرَى
стр. 419
(لَا تلحه إِن كنت من سجرائه ... عذل الْمُحب يزِيد فِي إغرائه)
(ودع الْهوى يقْضِي عَلَيْهِ بِحكمِهِ ... مَا شَاءَ فَهُوَ مُسلم لقضائه)
(فشقاؤه فِيمَا يرَاهُ نعيمه ... ونعيمة فِي ذَاك عين شقائه)
(كحلت مآقيه بطول سهاده ... وحنت أضالعه على برحائه)
(دنف بِبَابِل جِسْمه وفؤاده ... بالخيف وَاعجَبا لطول بَقَائِهِ)
قَالَ سُفْيَان إِن لله ريحًا تسمى الصبحية مخزونة تَحت الْعَرْش تهب عِنْد الأسحار فَتحمل الأنين وَالِاسْتِغْفَار
للمهيار
(يَا نسيم الرّيح من كاظمة ... شدّ مَا هجت الأسا والبرحا)
(الصِّبَا إِن كَانَ لَا بُد الصِّبَا ... إِنَّهَا كَانَت لقلبي أرواحا)
(أذكرونا ذكرنَا عهدكم ... رب ذكرى قربت من نزحا)
(وارحموا صبا إِذا غنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا)
يَا طَوِيل النّوم فاتتك مِدْحَة ﴿تَتَجَافَى﴾ وَحرمت منحة ﴿والمستغفرين﴾ وَلست من أهل عتاب فَإِذا جنه اللَّيْل نَام عني لَيْسَ فِي ليل الهجر مَنَام وَمَتى رَأَيْت محبا ينَام
للمتنبي
(فَإِن نهاري لَيْلَة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم فِي غياهب)
(بعيدَة مَا بَين الجفون كَأَنَّمَا ... عقدتم أعالي كل هدب بحاجب)
ثورت فِي اللَّيْل الحداة وعكمت أحمال الْأَعْمَال وسارت رفْقَة المتهجدين وترنم كل ذِي صَوت بشجو وَأَنت فِي الرقدة الأولى بعد
стр. 420
(لم يخل مرجان دمع من عقيق دم ... شوق بِلَا عِبْرَة سَاق بِلَا قدم)
يَا هَذَا كَيفَ تطِيق السهر مَعَ الشِّبَع كَيفَ تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل
(دع الْهوى لِأُنَاس يعْرفُونَ بِهِ ... قد مارسوا الْحبّ حَتَّى لَان أصعبه)
(بلوت نَفسك فِيمَا لست تخبره ... وَالشَّيْء صَعب على من لَا يجربه)
(فاقن اصطبارا وَإِن لم تستطع جلدا ... فَرب مدرك أَمر عز مطلبه)
(أحنو الضلوع على قلب يحيرني ... فِي كل يَوْم ويعييني تقلبه)
(تناوح الرّيح من نجد يهيجه ... وَلَا مَعَ الْبَرْق من نعْمَان يطربه)
стр. 421
الْفَصْل السَّابِع وَالسَّبْعُونَ
إِذا هبت ريَاح المواعظ أثارت من قُلُوب المتيقظين غيم الْغم على مَا سلف وساقته إِلَى بلد الطَّبْع المنحرف برعد الْوَعيد وبرق الخشية فتترقى دموع الأحزان من بَحر قَعْر الْقلب إِلَى أوج الرَّأْس فتسيل فِي ميازيب الشئون على سطوح الوجنات فَإِذا أعشب السِّرّ إهتز فَرحا بالإنابة
(محت بعدكم تِلْكَ الْعُيُون دموعها ... فَهَل من عُيُون بعْدهَا نستعيرها)
(رحلنا وَفِي سر الْفُؤَاد ضمائر ... إِذا هَب نجدي الصِّبَا يستثيرها)
(أتنسى رياض الْغَوْر بعد فراقها ... وَقد أَخذ الْمِيثَاق مِنْك غديرها)
(يجعده مر الشمَال وَتارَة ... يغازله كرّ الصِّبَا ومرورها)
(الْأَهْل إِلَى شم الخزامى وعر عر ... وشيح بوادي الأثل أَرض نسيرها)
(أَلا أَيهَا الركب الْعِرَاقِيّ بلغُوا ... رِسَالَة محزون خواه سطورها)
(إِذا كتبت أنفاسه بعض وجدهَا ... على صفحة الذكرى محاه زفيرها)
(ترفق رفيقي هَل بَدَت نَار أَرضهم ... أم الوجد يذكي ناره ويثيرها)
(عد ذكرهم فَهُوَ الشِّفَاء وَرُبمَا ... شفى النَّفس أَمر ثمَّ عَاد يضيرها)
(أَلا أَيْن أزمان الْوِصَال الَّتِي خلت ... خلا مَا حلا مِنْهَا وَجَاء مريرها)
(سقى الله أَيَّامًا مَضَت ولياليا ... تضوع رياها وفاح عبيرها)
من تفكر فِي تفريطه أَن وَمن تذكر أَيَّام وَصله حن من سمع صَوت الْحمام ظَنّه لحسن الصَّوْت كلا بل لذكر مَا مر من الْعَيْش إِذا نظر الْأَسير إِلَى نَفسه فِي ضيق الْقد وَلم يقدر على ضك الْقَيْد قطع حزنه حيازيم الْقلب فنفسه بالأسف فِي آخر نفس
стр. 422
(تهيم إِذا ريح الصِّبَا نسمت لَهَا ... وتبكي إِذا الورقاء فِي الْغُصْن غنت)
(إِذا جذب الصُّبْح اللثام تأوهت ... وَإِن نشر اللَّيْل الْجنَاح أرنت)
كَانَ دَاوُد يُؤْتى بِالْإِنَاءِ نَاقِصا فَلَا يشربه حَتَّى يتمه بالدموع
(يَا ساقي الْقَوْم إِن دارت عَليّ فَلَا ... تمزج فَإِنِّي بدمعي مازج كأسي)
كَانَ فِي خد عمر بن الْخطاب خطان أسودان من الْبكاء وَكَانَ فِي وَجه ابْن عَبَّاس كالشراكين الباليين من الدمع
للمهيار
(أَلا من لعين من بكاها على الْحمى ... تَجف ضروع المزن وَهِي حَلُوب)
(بَكت وغدير الْحَيّ طام وأصبحت ... عَلَيْهِ العطاش الحائمات تلوب)
(وَمَا كنت أَدْرِي أَن عينا ركية ... وَلَا أَن مَاء الماقيين شروب)
كَانَ الْحسن يبكي حَتَّى يرحم وَكَانَ الفضيل بن عِيَاض يبكي فِي النّوم حَتَّى ينتبه أهل الدَّار ببكائه وَكَانَ عَطاء يبكي فِي غرفَة لَهُ حَتَّى تجْرِي دُمُوعه فِي الْمِيزَاب فقطرت يَوْمًا إِلَى الطَّرِيق على بعض المارين فصاح يَا أهل الدَّار اماؤكم طَاهِر فصاح عَطاء إغسله فَإِنَّهُ دمع من عصى الله
(وَمن لبه مَعَ غَيره كَيفَ حَاله ... وَمن سره فِي جفْنه كَيفَ يكتم)
وَقَالُوا لعطاء السّلمِيّ مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن أبْكِي حَتَّى لَا أقدر أَن أبْكِي
(وَإِن شفائي عِبْرَة مهراقة ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معول)
كَانَ أَشْعَث الْحدانِي وحبِيب العجمي يتزاوران فيبكيان طول النَّهَار وَكَانَ حزَام وَسُهيْل وَعبد الْوَاحِد كل وَاحِد فِي بَيت يتجاوبون بالبكاء
للخفاجي
стр. 423
(ركب هوى تجاذبوا حَدِيثه ... فاترعوا من الغرام اكؤسا)
(واسبلوا من الجفون أدمعا ... ظننتها ماءا وَكَانَت أنفسا)
(لقد سَمِعت فِي الرّحال أنة ... أظنها نشطة وجد حبسا)
الْبكاء مُوكل بعيون الْخَائِفِينَ كلما هَمت بِفَتْح طرف لتنظر إِلَى طرف من طرف الدُّنْيَا طرفته دمعة قَالَ ﵇ عينان لَا تمسهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله
قَالَ الْحسن لَو بكي عبد من خشيَة الله لرحم من حوله وَلَو كَانُوا عشْرين ألفا وَقيل لِثَابِت الْبنانِيّ عالج عَيْنَيْك وَلَا تبك فَقَالَ أَي خير فِي عين لَا تبْكي
لصردر
(إِذا لم أفز مِنْكُم بوعد ونظرة ... إِلَيْكُم فَمَا نفعي بسمعي وناظري)
(مَتى غنت الورقاء كَانَت مدامتي ... دموعي وزفراتي حنين مزاهري)
الْبكاء لأجل الذُّنُوب مقَام المريد والبكاء على المحبوب مقَام الْعَارِف
(روحي إِلَيْك بكلها قد أَجمعت ... لَو كَانَ فِيك هلاكها مَا أقلعت)
(تبْكي عَلَيْك بكلها عَن كلهَا ... حَتَّى يُقَال من الْبكاء تقطعت)
(فَانْظُر إِلَيْهَا نظرة بتعطف ... فلطالما متعتها فتمتعت)
أخواني حر الْخَوْف صيف الذوبان وبرودة الرَّجَاء شتاء الْغَفْلَة وَمن لطف بِهِ كَانَ زَمَانه كُله فصلا
(عين تسر إِذا رأتك وَأُخْتهَا ... تبْكي لطول تبَاعد وفراق)
(فاحفظ لوَاحِدَة دوَام سرورها ... وعد الَّتِي أبكيتها بتلاق)
стр. 424
سُبْحَانَ من روح أَرْوَاح الْخَائِفِينَ برِيح الرَّجَاء الضَّعِيف إِذا لم يتلاف تلف لابد للمكروب من نسيم بَارِد
(بِاللَّه يَا ريح الشمَال ... إِذا عزمت على الهبوب)
(فتحملي شكوى الْمُحب ... المستهام إِلَى الحبيب)
(قرب الضنى من مهجتي ... لما بَعدت عَن الطَّبِيب)
وقف عتبَة الْغُلَام لَيْلَة على سَاحل الْبَحْر إِلَى الصَّباح يَقُول إِن تعذبني فَإِنِّي لَك محب وَإِن ترحمني فَإِنِّي لَك محب يَا قَومنَا الْمُحب مَعَ بذل روحه يرتاح إِلَى المنى وَإِلَى لَعَلَّ لِأَنَّهُ لَا يرى مَا بذل يصلح ثمنا لما طلب
(بقلبي مِنْهُم علق ... ودمعي فيهم علق)
(وَبِي من حبهم حرق ... لَهَا الأحشاء تحترق)
(وَمَا تركُوا سوى رمقي ... فليتهم لَهُ رمقوا)
كَانَ عبد الْوَاحِد يَقُول لعتبة أرْفق بِنَفْسِك فيبكي وَيَقُول إِنَّمَا أبْكِي على تقصيري
(قَالُوا تصبر فَمَا هَذَا الْجُنُون بهم ... فَقلت يَا قوم لَيْسَ الْقلب من قبلي)
وَاعجَبا أَو يقدر الْمُحب على التَّصَرُّف فِي قلبه كلا دين الْمُحب الْجَبْر لأبي الشيص الْخُزَاعِيّ
(وقف الْهوى بِي حَيْثُ أَنْت فَلَيْسَ لي ... مُتَأَخّر عَنهُ وَلَا مُتَقَدم)
(أجد الْمَلَامَة فِي هَوَاك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم)
دخلُوا على رَابِعَة فَقَالَت لقد طَالَتْ عَليّ الْأَيَّام بالشوق إِلَى لِقَاء الله تَعَالَى ودخلوا عَلَيْهَا مرّة اخرى فَقَالُوا أتشتاقين إِلَيْهِ فَقَالَت هُوَ حَاضر معي قَالُوا يَا رَابِعَة هَذَا ضد الأول أجابت بِلِسَان الْحَال هَكَذَا تحير الْمُحب
(وَمن عجب أَنِّي أحن إِلَيْهِم ... واسأل عَنْهُم من أرى وهم معي)
стр. 425
(وتطلبهم عَيْني وهم فِي سوادها ... ويشتاقهم قلبِي وهم بَين أضلعي)
إِذا بَدَت رَابِعَة فِي الْقيمَة مختمرة وَقعت لهيبة خمارها طيالسة الْعلمَاء كَانَ سُفْيَان يتأدب لرابعة كَانَ هُوَ صَاحب مخزن الْعلم فتردد إِلَى القهرمانة لِأَن لَهَا دُخُولا أَكثر مِنْهُ رَحل الْملاك وَبَقِي المدعون أَتَرَى أَي طَرِيق سلكوا نَحن ملكنا وَالْقَوْم ملكوا
للشريف الرضى وللمهيار
(يَا صَاحِبي رحلي قفا ... فسائلا لي الدمنا)
(وامطرا دمعكما ... ذَاك الْكَثِيب الأيمنا)
(مَا الدَّار عِنْدِي سكن ... إِذا عدمت السكنا)
(كَانَ فُؤَادِي وهم ... فظعنوا فظعنا)
(منى لعَيْنِي أَن ترى ... تِلْكَ الثَّلَاث من منى)
(وَيَوْم سلع لم يكن ... يومي بسلع هينا)
(وَيَوْم ذِي البان ... تبايعنا فحزت الغبنا)
(كَانَ الغرام الْمُشْتَرى ... وَكَانَ قلبِي الثمنا)
(وبارق اشيمه ... كالطرف أغضى ورنا)
(ذَكرنِي الأحباب ... والذكرى تهيج الحزنا)
(من بطن مر والسرى ... تؤام عسفان بِنَا)
(وبالعراق وطرى يَا ... بعد مَا لَاحَ لنا)
следующие страницы →