← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6940

المدهش

ابن الجوزي

Полный текст (530 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الْفَصْل السَّابِع وَالسَّبْعُونَ إِذا هبت ريَاح المواعظ أثارت من قُلُوب المتيقظين غيم الْغم على مَا سلف وساقته إِلَى بلد الطَّبْع المنحرف برعد الْوَعيد وبرق الخشية فتترقى دموع الأحزان من بَحر قَعْر الْقلب إِلَى أوج الرَّأْس فتسيل فِي ميازيب الشئون على سطوح الوجنات فَإِذا أعشب السِّرّ إهتز فَرحا بالإنابة (محت بعدكم تِلْكَ الْعُيُون دموعها ... فَهَل من عُيُون بعْدهَا نستعيرها) (رحلنا وَفِي سر الْفُؤَاد ضمائر ... إِذا هَب نجدي الصِّبَا يستثيرها) (أتنسى رياض الْغَوْر بعد فراقها ... وَقد أَخذ الْمِيثَاق مِنْك غديرها) (يجعده مر الشمَال وَتارَة ... يغازله كرّ الصِّبَا ومرورها) (الْأَهْل إِلَى شم الخزامى وعر عر ... وشيح بوادي الأثل أَرض نسيرها) (أَلا أَيهَا الركب الْعِرَاقِيّ بلغُوا ... رِسَالَة محزون خواه سطورها) (إِذا كتبت أنفاسه بعض وجدهَا ... على صفحة الذكرى محاه زفيرها) (ترفق رفيقي هَل بَدَت نَار أَرضهم ... أم الوجد يذكي ناره ويثيرها) (عد ذكرهم فَهُوَ الشِّفَاء وَرُبمَا ... شفى النَّفس أَمر ثمَّ عَاد يضيرها) (أَلا أَيْن أزمان الْوِصَال الَّتِي خلت ... خلا مَا حلا مِنْهَا وَجَاء مريرها) (سقى الله أَيَّامًا مَضَت ولياليا ... تضوع رياها وفاح عبيرها) من تفكر فِي تفريطه أَن وَمن تذكر أَيَّام وَصله حن من سمع صَوت الْحمام ظَنّه لحسن الصَّوْت كلا بل لذكر مَا مر من الْعَيْش إِذا نظر الْأَسير إِلَى نَفسه فِي ضيق الْقد وَلم يقدر على ضك الْقَيْد قطع حزنه حيازيم الْقلب فنفسه بالأسف فِي آخر نفس

стр. 422

(تهيم إِذا ريح الصِّبَا نسمت لَهَا ... وتبكي إِذا الورقاء فِي الْغُصْن غنت) (إِذا جذب الصُّبْح اللثام تأوهت ... وَإِن نشر اللَّيْل الْجنَاح أرنت) كَانَ دَاوُد يُؤْتى بِالْإِنَاءِ نَاقِصا فَلَا يشربه حَتَّى يتمه بالدموع (يَا ساقي الْقَوْم إِن دارت عَليّ فَلَا ... تمزج فَإِنِّي بدمعي مازج كأسي) كَانَ فِي خد عمر بن الْخطاب خطان أسودان من الْبكاء وَكَانَ فِي وَجه ابْن عَبَّاس كالشراكين الباليين من الدمع للمهيار (أَلا من لعين من بكاها على الْحمى ... تَجف ضروع المزن وَهِي حَلُوب) (بَكت وغدير الْحَيّ طام وأصبحت ... عَلَيْهِ العطاش الحائمات تلوب) (وَمَا كنت أَدْرِي أَن عينا ركية ... وَلَا أَن مَاء الماقيين شروب) كَانَ الْحسن يبكي حَتَّى يرحم وَكَانَ الفضيل بن عِيَاض يبكي فِي النّوم حَتَّى ينتبه أهل الدَّار ببكائه وَكَانَ عَطاء يبكي فِي غرفَة لَهُ حَتَّى تجْرِي دُمُوعه فِي الْمِيزَاب فقطرت يَوْمًا إِلَى الطَّرِيق على بعض المارين فصاح يَا أهل الدَّار اماؤكم طَاهِر فصاح عَطاء إغسله فَإِنَّهُ دمع من عصى الله (وَمن لبه مَعَ غَيره كَيفَ حَاله ... وَمن سره فِي جفْنه كَيفَ يكتم) وَقَالُوا لعطاء السّلمِيّ مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن أبْكِي حَتَّى لَا أقدر أَن أبْكِي (وَإِن شفائي عِبْرَة مهراقة ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معول) كَانَ أَشْعَث الْحدانِي وحبِيب العجمي يتزاوران فيبكيان طول النَّهَار وَكَانَ حزَام وَسُهيْل وَعبد الْوَاحِد كل وَاحِد فِي بَيت يتجاوبون بالبكاء للخفاجي

стр. 423

(ركب هوى تجاذبوا حَدِيثه ... فاترعوا من الغرام اكؤسا) (واسبلوا من الجفون أدمعا ... ظننتها ماءا وَكَانَت أنفسا) (لقد سَمِعت فِي الرّحال أنة ... أظنها نشطة وجد حبسا) الْبكاء مُوكل بعيون الْخَائِفِينَ كلما هَمت بِفَتْح طرف لتنظر إِلَى طرف من طرف الدُّنْيَا طرفته دمعة قَالَ ﵇ عينان لَا تمسهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله قَالَ الْحسن لَو بكي عبد من خشيَة الله لرحم من حوله وَلَو كَانُوا عشْرين ألفا وَقيل لِثَابِت الْبنانِيّ عالج عَيْنَيْك وَلَا تبك فَقَالَ أَي خير فِي عين لَا تبْكي لصردر (إِذا لم أفز مِنْكُم بوعد ونظرة ... إِلَيْكُم فَمَا نفعي بسمعي وناظري) (مَتى غنت الورقاء كَانَت مدامتي ... دموعي وزفراتي حنين مزاهري) الْبكاء لأجل الذُّنُوب مقَام المريد والبكاء على المحبوب مقَام الْعَارِف (روحي إِلَيْك بكلها قد أَجمعت ... لَو كَانَ فِيك هلاكها مَا أقلعت) (تبْكي عَلَيْك بكلها عَن كلهَا ... حَتَّى يُقَال من الْبكاء تقطعت) (فَانْظُر إِلَيْهَا نظرة بتعطف ... فلطالما متعتها فتمتعت) أخواني حر الْخَوْف صيف الذوبان وبرودة الرَّجَاء شتاء الْغَفْلَة وَمن لطف بِهِ كَانَ زَمَانه كُله فصلا (عين تسر إِذا رأتك وَأُخْتهَا ... تبْكي لطول تبَاعد وفراق) (فاحفظ لوَاحِدَة دوَام سرورها ... وعد الَّتِي أبكيتها بتلاق)

стр. 424

سُبْحَانَ من روح أَرْوَاح الْخَائِفِينَ برِيح الرَّجَاء الضَّعِيف إِذا لم يتلاف تلف لابد للمكروب من نسيم بَارِد (بِاللَّه يَا ريح الشمَال ... إِذا عزمت على الهبوب) (فتحملي شكوى الْمُحب ... المستهام إِلَى الحبيب) (قرب الضنى من مهجتي ... لما بَعدت عَن الطَّبِيب) وقف عتبَة الْغُلَام لَيْلَة على سَاحل الْبَحْر إِلَى الصَّباح يَقُول إِن تعذبني فَإِنِّي لَك محب وَإِن ترحمني فَإِنِّي لَك محب يَا قَومنَا الْمُحب مَعَ بذل روحه يرتاح إِلَى المنى وَإِلَى لَعَلَّ لِأَنَّهُ لَا يرى مَا بذل يصلح ثمنا لما طلب (بقلبي مِنْهُم علق ... ودمعي فيهم علق) (وَبِي من حبهم حرق ... لَهَا الأحشاء تحترق) (وَمَا تركُوا سوى رمقي ... فليتهم لَهُ رمقوا) كَانَ عبد الْوَاحِد يَقُول لعتبة أرْفق بِنَفْسِك فيبكي وَيَقُول إِنَّمَا أبْكِي على تقصيري (قَالُوا تصبر فَمَا هَذَا الْجُنُون بهم ... فَقلت يَا قوم لَيْسَ الْقلب من قبلي) وَاعجَبا أَو يقدر الْمُحب على التَّصَرُّف فِي قلبه كلا دين الْمُحب الْجَبْر لأبي الشيص الْخُزَاعِيّ (وقف الْهوى بِي حَيْثُ أَنْت فَلَيْسَ لي ... مُتَأَخّر عَنهُ وَلَا مُتَقَدم) (أجد الْمَلَامَة فِي هَوَاك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم) دخلُوا على رَابِعَة فَقَالَت لقد طَالَتْ عَليّ الْأَيَّام بالشوق إِلَى لِقَاء الله تَعَالَى ودخلوا عَلَيْهَا مرّة اخرى فَقَالُوا أتشتاقين إِلَيْهِ فَقَالَت هُوَ حَاضر معي قَالُوا يَا رَابِعَة هَذَا ضد الأول أجابت بِلِسَان الْحَال هَكَذَا تحير الْمُحب (وَمن عجب أَنِّي أحن إِلَيْهِم ... واسأل عَنْهُم من أرى وهم معي)

стр. 425

(وتطلبهم عَيْني وهم فِي سوادها ... ويشتاقهم قلبِي وهم بَين أضلعي) إِذا بَدَت رَابِعَة فِي الْقيمَة مختمرة وَقعت لهيبة خمارها طيالسة الْعلمَاء كَانَ سُفْيَان يتأدب لرابعة كَانَ هُوَ صَاحب مخزن الْعلم فتردد إِلَى القهرمانة لِأَن لَهَا دُخُولا أَكثر مِنْهُ رَحل الْملاك وَبَقِي المدعون أَتَرَى أَي طَرِيق سلكوا نَحن ملكنا وَالْقَوْم ملكوا للشريف الرضى وللمهيار (يَا صَاحِبي رحلي قفا ... فسائلا لي الدمنا) (وامطرا دمعكما ... ذَاك الْكَثِيب الأيمنا) (مَا الدَّار عِنْدِي سكن ... إِذا عدمت السكنا) (كَانَ فُؤَادِي وهم ... فظعنوا فظعنا) (منى لعَيْنِي أَن ترى ... تِلْكَ الثَّلَاث من منى) (وَيَوْم سلع لم يكن ... يومي بسلع هينا) (وَيَوْم ذِي البان ... تبايعنا فحزت الغبنا) (كَانَ الغرام الْمُشْتَرى ... وَكَانَ قلبِي الثمنا) (وبارق اشيمه ... كالطرف أغضى ورنا) (ذَكرنِي الأحباب ... والذكرى تهيج الحزنا) (من بطن مر والسرى ... تؤام عسفان بِنَا) (وبالعراق وطرى يَا ... بعد مَا لَاحَ لنا)

стр. 426

الْفَصْل الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ الْمُحب يتَعَلَّق بِكُل شَيْء ويهيم فِي كل وَاد على القلق يمشي وعَلى الحرق يُمْسِي (بقيت على الأطلال من بعدكم ملقى ... أهيم بكم غربا وأطلبكم شرقا) (واسأل أنفاس الرِّيَاح إِذا جرت ... يَمَانِية عَنْكُم واستنبؤ البرقا) كَانَ رَسُول الله ﷺ يخرج إِلَى حراء ويبدو إِلَى التلاع مقاساة الْخلق ظلمَة والحبيب لَا يتجلى إِلَّا فِي خلْوَة (وَأخرج من بَين الْبيُوت لعلني ... أحدث عَنْك النَّفس فِي السِّرّ خَالِيا) الْمُحب مقتول بِلَا سيف ملقى فِي منى المنى لَا عِنْد الْخيف إِذا سمع صَوت منشد قد غرد خلع لجام الصَّبْر وتشرد (وَلما غرد الْحَادِي ... وَسَار الْقَوْم فِي الْوَادي) (وَرَاح الْقلب يتبعهُم ... بِلَا مَاء وَلَا زَاد) (رَأَيْت قَتِيل بَينهم ... صَرِيعًا مَا لَهُ فاد) أول عَلَامَات الْمحبَّة دموع الْعين وأوسطها قلق الْقلب ونهايتها احتراقه لقيس ذريح

стр. 427

(هَل الْحبّ إِلَّا زفرَة بعد زفرَة ... وحر على الأجساد لَيْسَ لَهُ برد) (وفيض دموع تستهل إِذا بدا ... لنا علم من أَرْضكُم لم يكن يَبْدُو) قَالَ ذُو النُّون لقِيت امْرَأَة متعبدة فوعظتني فَبَكَيْت فَقَالَت لم تبْكي قلت لَهَا أَو الْعَارِف لَا يبكي قَالَت إِذا بَكَى استراح وَلَا رَاحَة لِلْمُؤمنِ دون لِقَاء ربه (لَا وحبيك لَا أُصَافح ... بالدمع مدمعا) (من بَكَى شجوه استراح ... وَإِن كَانَ موجعا) (كَبِدِي فِي هَوَاك ... أَهْون من أَن تقطعا) (لم تدع سُورَة الضنى ... فِي للسقم موضعا) الْمحبَّة نزالة وقوتها المهج كَانَت أضلاع عمر بن عبد الْعَزِيز تعد وَكَانَ جَسَد سرى كالشن وقف أَبُو يزِيد فِي الْمِحْرَاب فَكبر فتقعقعت عِظَامه (وَإِنِّي لتعروني لذكراك روعة ... لَهَا بَين جلدي وَالْعِظَام دَبِيب) (فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فَجْأَة ... فأبهت حَتَّى لَا أكاد أُجِيب) إِذا رَأَيْت محبا وَلم تدر لمن فضع يدك على نبضه وسم كل من تظنه المحبوب فَإِن النبض لَا ينزعج إِلَّا عِنْد ذكره ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾ للمهيار (أَلا فَتى يسْأَل قلبِي مَاله ... ينزو إِذا برق الْحمى بداله) (فَهَب يَرْجُو خَبرا من الْحمى ... يسْندهُ عَنهُ فَمَا روى لَهُ) (أَرَادَ نجدا مَعَه فانتقضت ... إِرَادَة هَاجَتْ لَهُ بلباله) (وانتسم الرّيح الصِّبَا وَمن لَهُ ... بنفحة من الصِّبَا طُوبَى لَهُ)

стр. 428

الْمُحب فِي قلق لَا سُكُون وَالْعجب أَنه يتَكَلَّف الثَّبَات) (الوجد يحركه وَاللَّيْل يقلقه ... وَالصَّبْر يسكته وَالْحب ينطقه) (وَيسْتر الْحَال عَمَّن لَيْسَ يعذرهُ ... وَكَيف يستره والدمع يسْبقهُ) الْمُحب ببالغ فِي كتمان وجده غير أَن الدمع نمام (آفَة السِّرّ من جفو ... ن دوَام دوامع) (كَيفَ يخفى من الدمو ... ع الهوامى الهوامع) كَانَ أَكثر الْقَوْم إِذا جائه الْبكاء دافعه اتقاء اللاحي لَهُ فيغلبه فَلَا حِيلَة للمتنبي (حاشى الرَّقِيب فخانته ضمائره ... وغيص الدمع فانهلت بوادره) (وكاتم الْحبّ يَوْم الْبَين مفتضح ... وَصَاحب الوجد لَا تخفى سرائره) إِذا أقلقه الْحبّ ضج وَإِذا أرقه الشوق عج وَكلما حبس دمعه ثج وَإِذا استوحش من الْخلق هج فالهموم تنوبه من كل فج حشيت قُلُوب الْقَوْم بالغموم حَشْو الْورْد فِي قَوَارِير الزُّور وَكلما التهبت نَار الحذر جرت عُيُون الدمع فِي جداول الْعُيُون فرشت على الخدود مَاء مَا مَاء الْورْد عِنْده بِطيب لأبي المعتز (أسر الْقلب فأسى لَدَيْهِ ... فَهُوَ يشكوه ويشكو إِلَيْهِ) (عذب الأحباب بالهجر حينا ... فهم يَبْكُونَ بَين يَدَيْهِ) وَاعجَبا لضعف بدن الْعَارِف كم يحمل وآسفا لقلب الْمُحب كم يصبر

стр. 429

(نعم تحمل الأشواق والعيس ظلع ... وَيَمْشي الْهوى والناقلات قعُود) مَا أقوى جلد جلد الْقلب على نَار الْحبّ كَأَنَّهُ قد ألبس ريش السمندل على أَنه لَا بُد من لذع يبين أَثَره فِي صعُود الصعداء دلَالَة تدل على الْحَرِيق اشتط اللهيب فشاطت الْقُلُوب لَوْلَا أَن الْقَوْم على شواطي بَحر الدُّمُوع نزُول للشريف الرضي (خذي حَدِيثك فِي نفس من النَّفس ... وجد المشوق الْمَعْنى غير ملتبس) (المَاء فِي ناظري وَالنَّار فِي كَبِدِي ... إِن شِئْت فاغترفي أَو شِئْت فاقتبسي) أَشد مَا على الْمُحب من مقاساة الْحبّ سَماع اللوم وَاعجَبا من خلي يعذل ذَا شجى وَيحك خل شَأْنه وشانه (فيا حبهم زِدْنِي جوى كل لَيْلَة ... وَيَا سلوة الْأَيَّام موعدك الْحَشْر) لما أسلم سعد بن أبي وَقاص قَالَت لَهُ أمه وَالله لَا آكل وَلَا أشْرب وَلَا يُظِلنِي سقف بَيت حَتَّى تكفر بِمُحَمد فَقَالَ اسمعي يَا أُمَّاهُ وَالله لَو كَانَ لَك مائَة نفس فَخرجت وَاحِدَة بعد وَاحِدَة لم أكفر بِمُحَمد ويحها مَا خبرت خبر الْمحبَّة مَتى وَقع السلو فِي حب صَادِق للمتنبي (عذل العواذل حول قلبِي التائه ... وَهوى الْأَحِبَّة مِنْهُ فِي سودائه) (الْقلب أعلم يَا عذول بدائه ... وأحق مِنْك بجفنه وبمائه) (فومن أحب لأعصينك فِي الْهوى ... قسما بِهِ وبحسنه وبهائه) (أاحبه وَأحب فِيهِ ملامة ... إِن الْمَلَامَة فِيهِ من أعدائه) (لَا تعذل المشتاق فِي أشواقه ... حَتَّى تكون حشاك فِي أحشائه) وَاعجَبا لعاذل فِي حب مَا ذاقه وآمر بهجر حبيب مَا شاقه

стр. 430

(وماذا على مُفْرد بالعراق ... تذكر بالرمل عهدا فحنا) (وَإِنِّي لكل شج عاذر ... إِذا ناح من طرب أَو تغنى) كَانَت أم الرّبيع بن خَيْثَم إِذا رَأَتْ قلقه بِاللَّيْلِ قَالَت يَا بني لَعَلَّك قتلت قَتِيلا فَيَقُول يَا أُمَّاهُ قتلت نَفسِي قيل لعابد كَانَ ينتحب إِنَّك تفْسد على الْمُصَلِّين صلَاتهم بارتفاع صَوْتك فَقَالَ إِن حزن الْقِيَامَة أورثني دموعا غزارا فَأَنا أستريح إِلَى ذرفها أَحْيَانًا (مهلا عذول صليت نَار جوانحي ... وغرقت فِي تيار دمعي المسبل) (هذي حشاي لديك فَانْظُر هَل ترى ... قلبا فَإِن صادفت قلبا فاعذل) غَايَة العاذلين إِيصَال اللوم إِلَى الأسماع فَأَما الْقُلُوب فَلَا سَبِيل إِلَيْهَا (سيان إِن لاموا وَإِن عذروا ... مَا لي عَن الأحباب مصطبر) (لَا غرو إِن أغرى بحبهم ... إِذْ لَيْسَ لي فِي غَيرهم وطر) (لَا بُد لي مِنْهُم وَإِن تركُوا ... قلبِي بِنَار الهجر يستعر) (وَعلي أَن أرْضى بِمَا صَنَعُوا ... وأطيعهم فِي كل مَا أمروا) لَو رَأَيْت الْمُحب يهرب من العذل إِلَى فلوات الخلوات فَإِذا نَاوَلَهُ الوجد كأس الدُّمُوع اقترح عَلَيْهِ غناء الحمائم (ذكر الأحباب والوطنا ... وَالصبَا وَالْألف والسكنا) (فَبكى شجوا وَحقّ لَهُ ... مدنف بالشوق حلف ضنى) (أبعدت مرمى بِهِ رجمت ... من خُرَاسَان بِهِ اليمنا) (من لمشتاق تميله ... ذَات سجع ميلت فننا) (لم تعرض فِي الحنين بِمن ... مسعد إِلَّا وَقلت أَنا) (لَك يَا وَرْقَاء أُسْوَة من ... لم تذيقي طرفه الوسنا) (بك أنسي مثل أنسك بِي ... فتعالى نبد مَا كمنا) (نتشاكى مَا نجن إِذا ... بحت شكوى صحت واحزنا)

стр. 431

(أَنا لَا أَنْت الْبعيد هوى ... أَنا لَا أَنْت الْغَرِيب هُنَا) (أَنا فَرد يَا حمام وَهَا ... أَنْت وَالْألف القرين ثَنَا) (اسرحا رأد النَّهَار مَعًا ... واسكنا جنح الدجى غصنا) (وابكيا يَا جارتي لما ... لعبت أَيدي الْفِرَاق بِنَا) (أَيْن قلبِي مَا صنعت بِهِ ... مَا أرى صَدْرِي لَهُ وطنا) (كَانَ يَوْم النَّفر وَهُوَ معي ... فَأبى أَن يصحب البدنا) (أبه حادي الرفاق حدا ... أم لَهُ دَاعِي الْفِرَاق عَنى)

стр. 432

الْفَصْل التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ يَا هَذَا قد سَمِعت أَخْبَار الْمُتَّقِينَ فسر فِي سربهم وَقد عرفت جدهم فَتَنَاول من شربهم ثمَّ سل من أعانهم يعنك فَمَا كَانَ بهم لِابْنِ هندو (لَا يؤيسنك من مجد تباعده ... فَإِن للمجد تدريجا وترتيبا) (إِن الْقَنَاة الَّتِي شاهدت رفعتها ... تنمي وتنبت أنبوبا فأنبوبا) إستغنى الْقَوْم بطبيبهم عَن مدح خطيبهم فاسلك طريقهم تكن رفيقهم لِابْنِ الرُّومِي (وَسَائِل عَنْهُم مَاذَا يقدمهم ... فَقلت فضل بِهِ عَن غَيرهم بانوا) (صانوا النُّفُوس عَن الْفَحْشَاء وابتذلوا ... مِنْهُنَّ فِي سبل العلياء مَا صانوا) (المنعمون وَمَا منوا على أحد ... يَوْمًا بنعمي وَلَو منوا لما مانوا) (قوم يعزون إِن كَانَت مغالبة ... حَتَّى إِذا قدرت أَيْديهم هانوا) أطار خوف النَّار نومهم وَأطَال ذكر الْعَطش الْأَكْبَر صومهم يَحْسبهُم النَّاظر مرضى الْأَبدَان وَإِنَّمَا بهم سقام الأحزان (مكتئب ذُو كبد حوى ... تبْكي عَلَيْهِ مقلة عبرى) (يرفع يمناه إِلَى ربه ... يشكو وَفَوق الكبد الْيُسْرَى) (يبْقى إِذا حدثته باهتا ... وَنَفسه مِمَّا بِهِ سكرى) (تحسبه مستمعا ناصتا ... وَقَلبه فِي أمه أُخْرَى)

стр. 433

إِذا ذكرُوا الْعَفو طَابَ الْعَيْش وَإِذا تصوروا الْعَذَاب جَاءَ الطيش (أمد بِإِحْدَى مقلتي إِذا بَدَت ... إِلَيْهَا وبالأخرى أراعي رقيبها) (وَقد غفل الواشي وَلم يدر أنني ... أخذت لعَيْنِي من حَبِيبِي نصِيبهَا) قَالَ صَالح المري كَانَ عَطاء السّلمِيّ قد اجْتهد حَتَّى انْقَطع فصنعت لَهُ شربة سويق فَلم يشرب فَقَالَ إِنِّي وَالله كلما هَمَمْت بشربها ذكرت قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّة﴾ فَلم أقدر فَقلت أَنا فِي وَاد وَأَنت فِي وَاد (أطلت وعذبتني يَا عذول ... بليت فَدَعْنِي حَدِيثي يطول) (أَبيت أراقب نجم الدجى ... إِلَى الصُّبْح وجدي ودمعي يسيل) انْبَعَثَ غيوم الغموم من أَوديَة الْقُلُوب فاستتمت قبيل الصُّبْح فهطلت فلهَا مَعَ الشئون فجرت الْأَرْوَاح فِي موتى العيدان فقدحت فحرقت فارتقت ورق الشوق مَنَابِر الشدو فأطربت فصدحت بلابل الْمحبَّة بَين منثور منثورها فبلبلت (يَا نفحات الرّيح مري سحرًا ... فبلبلي طرة أَرض بابل) (صفي لأهل بابل بِلَا بلَى ... وبلغيهم فِي الْهوى رسائلي) (كم من دم طاح بِغَيْر ثَائِر ... وَكم قَتِيل كلف بالقاتل) قلب الْمُحب تَحت فَحْمَة اللَّيْل جَمْرَة كلما هَب النسيم التهبت (يمر الصِّبَا صفحا بساكن ذِي الغصنا ... ويصدع قلبِي أَن يهب هبوبها) (قريبَة عهد بالحبيب وَإِنَّمَا ... هوى كل نفس حَيْثُ حل حبيبها) سهر الْقَوْم يَقع ضَرُورَة لِأَن القلق مَانع من النّوم وَلَيْسَ لَهُم فِي تِلْكَ الشدائد رَاحَة سوى جَرَيَان الدُّمُوع للسري

стр. 434

(بلاني الْحبّ فِيك بِمَا بلاني ... فشأني أَن تفيض غرُوب شاني) (أَبيت اللَّيْل مرتفقا أُنَاجِي ... بِصدق الوجد كَاذِبَة الْأَمَانِي) (فَتشهد لي على الأرق الثريا ... وَيعلم مَا أجن الفرقدان) (فيا ولع العواذل خل عني ... وَيَا كف الغرام خذي عناني) من صلى بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ شِيمَة الْمحبَّة لَا تخفى وصحائف الْوُجُوه يقْرؤهَا من لم يكْتب خذي حَدِيثك فِي نَفسِي من النَّفس قطعت نياق جدهم بادية اللَّيْل وَلم تَجِد مس تَعب الطَّرِيق إِلَى المحبوب لَا تطول (بدالها من بَعْدَمَا بدالها ... روض الْحمى أَن تَشْتَكِي كلالها) (فخلها تمرح فِي زمامها ... فَإِنَّهَا قد سمت عقالها) (اذْكُرْهَا مر النسيم سحرًا ... مراتعا تفيات ظلالها) (رنحها الشوق الممض والسرى فسحبت من وجدهَا جلالها) (تحسبها سكرى وَمَا ذَاك بهَا ... وَإِنَّمَا شوق الْحمى أمالها) يَا رب قرب أَرض كنعان من مصر فقد نفذ صَبر يَعْقُوب كَانَ أَبُو زيد يَقُول إلهي إِلَى مَتى تحبس أَعْضَاء محبيك تَحت التُّرَاب أحشرهم واجعلني جِسْرًا ليعبروا إِلَيْك واويلاه أَنا أشْرب وَأَنا أطرب يتركوني أَسِير وجدي أَسِير وحدي هلا سعت معي رجل رجل أَو أعانني ساعد مساعد أَيْن شَرط الرّفْقَة أَو مَا العزاء للْكُلّ (لَو عدلتن تساهمنا جوى ... مثل مَا كُنَّا اشتركنا نظرا) يَا حاضرين عندنَا بنية التَّنَزُّه لَسْتُم مَعنا عودوا إِلَى أوكار الكسل فالحرب طعن وَضرب يَا مودعين ارْجعُوا فقد عبرنا العذيب دَعونَا نخل بالوجد فِي صحراء نجد ستأتيكم أخبارنا عَن قريب بعد فيد وَأَنت أَيهَا الْحَادِي عرض المازمين والخيف تعلمك الدُّمُوع كَيفَ ترمي حَصى الْخذف

стр. 435

(الأغنياني بالديار فإنني ... أحب زرودا مَا أَقَامَ ثراها) (وَبَين النقي والأنعمين محلّة ... حبيب لقلبي قاعها ورباها) (ونعمان يَا سقيا لنعمان مَا جرت ... عَلَيْهِ النعامى بَعدنَا وصباها) (وللقلب عِنْد المازمين وَجَمعهَا ... دُيُون ومقضى خيفها ومناها)

стр. 436

الْفَصْل الثَّمَانُونَ يَا مُقيما فِي دَائِرَة دَار الْغَيْر كم حضرت فِيهَا محتضر كم عَايَنت عَيْنك قبرا يحتفر لقد ألانت مواعظها كل صلد حجر عجبا لفرخها مَا عيد حَتَّى نحر (إِن فِي نأي زماني عظة ... تشغل الْعَاقِل عَن نأي زنام) (ومدام الْفِكر فِيمَن قد مضى ... مُسكر يُغْنِيك عَن شرب مدام) (عرس الْقَوْم وغربان الدجى ... إِنَّمَا صاحت بتقويض الْخيام) (وحمامات الضُّحَى صادحة ... نوحها ينذرها صرف الْحمام) (ومطايا الْخيف قد زمت لكم ... ودعوا يَا قوم وامضوا بِسَلام) (ودعوا عَنْكُم أباطيل المنى ... لَيست الدُّنْيَا لنا دَار مقَام) (أقسم الساقي بكاسات الردى ... ليدورن على كل الْأَنَام) يَا من إِذا عَامل خَان وظلم يَا من أَمر بِمَا يَنْفَعهُ فَلم هَذَا القتير فِي الرَّأْس كَالْعلمِ أُبْقِي بعد نوره يَا ظَالِم ظلم ألم يقل لَك ألم الضعْف انتبه ألم أَيْن رفيقك ادَّلَجَ وَقد عرفت الْمنْهَج والرحيل قد أزعج وَهَذَا فرس مسرج والبضاعة كلهَا بهرج وَيحك تعاهد قَلْبك فَإِذا رَأَيْته قد مَال إِلَى الْهوى فَاجْعَلْ فِي الْجَانِب الآخر ذكر الْعقَاب ليستقيم فَإِن غلبك الْهوى فاستغث بِصَاحِب الْقلب وَإِن تَأَخَّرت الْإِجَابَة فَابْعَثْ رائد الانكسار خلفهَا تجدني عِنْد المنكسرة قُلُوبهم يَا هَذَا أما علمت أَن اللطف مَعَ الضَّعِيف أَكثر لما كَانَت الدَّجَاجَة

стр. 437

لَا تحنو على الْوَلَد أخرج كاسيا وَلما كَانَت النملة ضَعِيفَة الْبَصَر أعينت بِقُوَّة الشم فبها تَجِد ريح المطعوم من بعيد فتطلب لما كَانَ التمساح مُخْتَلف الْأَسْنَان صَار كلما أكل حصل بَين أَسْنَانه مَا يُؤْذِيه فَيخرج إِلَى شاطئ الْبَحْر فاتحا فَاه طَالبا للراحة فَيَأْتِي طَائِر فينقر مَا بَين أَسْنَانه فَيكون ذَلِك رزقا للطائر وترويحا عَن التمساح هَذِه الْخلد دويبة عمياء قد ألهمت وَقت الْحَاجة إِلَى الْقُوت أَن تفتح فاها فَيسْقط الذُّبَاب فِيهِ فَتَنَاول مِنْهُ هَذِه الأطيار تترنم طول النَّهَار فَيُقَال للضفدع مَا لَك لَا تنطقين فَتَقول مَعَ صَوت الهزار يستبشع صوتي فَيُقَال هَذَا اللَّيْل بحكمك أَنا عِنْد المنكسرة قُلُوبهم لما خلق الْأَخْرَس لَا يقدر على الْكَلَام سلب السّمع لِئَلَّا يسمع مَا يكره وَلَا يُمكنهُ الْجَواب فَكل أخرس أطروش لما تولع الجذام بأظفار أَصْحَابه صَعب عَلَيْهِم الحك فَمنع مِنْهُم الْقمل فَلَيْسَ فِي ثِيَاب المجذومين قملة سُبْحَانَ من هَذَا لطفه سُبْحَانَ من لَا يعْطف عَنَّا عطفه ثكلت خواطر أنست بغيرك عدمت قلبا يحب سواك (لَا أذاق الله عينا أَبْصرت ... غَيْركُمْ ياقوت روحي وسنا) (لَا وَلَا كَانَت قُلُوب سكنت ... عِنْد ذكراكم وَلَا نَالَتْ منى) إلهي أدلنا من نفوسنا الَّتِي هِيَ أقرب أَعْدَائِنَا منا وأعظمهم نكاية فِينَا إلهي تلاعبت خوادع آمالنا بِبَضَائِع أعمارنا فصرنا مفاليس أغارت علينا خُيُول الْهوى فاستأسرتنا بأسرنا وأوثقتنا من أسرنا ورمتنا فِي مطامير طردنا فيا مَالك الْملك إنقذ حبيسنا وخلص أسيرنا وسير أوبتنا من بِلَاد غربتنا كم عدنا مَرِيضا وَمَا عدنا كم رَأينَا الألحاد تبنى وَمَا تبنا كم أبصرنا وَمَا أقصرنا وانتهينا وَمَا انتهينا يَا ملاذ العارفين يَا معَاذ الْخَائِفِينَ خُذ بيد من قد زلت قدم فطنته فِي مزلق فتنته أقِم من قعد بِهِ سوء عمله (كم كم أَشْكُو وَأَيْنَ نفع الشكوى ... قد قل تصبري وَحل الْبلوى) (مَا لي جلد على جفاهم يقوى ... أَهْوى قلقي إِذا جَفا من أَهْوى) يَا من أصلح السَّحَرَة فجعلهم بررة جاؤا يُحَاربُونَ وخلع الصُّلْح

стр. 438

قد خبيت وتيجان الرضى قد رصعت وشراب الْوِصَال يروق فمدوا أَيّدهُم إِلَى مَا اعتصروا من خمر الْهوى فَإِذا بِهِ قد اسْتَحَالَ خلا فافطروا عَلَيْهِ وَاعجَبا لسكارى من شراب الْحبّ عربدت عَلَيْهِم الْمحبَّة فصلبوا فِي جُذُوع النّخل ارْتقى سُلْطَان عزمهم إِلَى سماوات قُلُوبهم ﴿وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ وَاعجَبا لعزم صلب مَا هاله الصلب لَا تتعرض بِنَار الْمحبَّة إِلَّا أَن يكون لقلبك جلد السمندل أَو صَبر الْفراش يَا هَذَا الاحتراق على قدر الاشتياق لما اشْتَدَّ شوق الْفراش إِلَى النَّار تعجل احتراقه وهجم يَبْتَغِي الْوِصَال فصَال عَلَيْهِ المحبوب (لَاذَ بهم يشتكي جواه ... فَلم يجد فِي الْهوى ملاذا) (وَلم يزل ضارعا إِلَيْهِم ... تهطل أجفانه رذاذا) (فقربوه فحادثوه ... وأتلفوه فَكَانَ مَاذَا) لما علم المحبون أَن الصَّبْر مَحْبُوب شمروا لحمل الْبلَاء ثمَّ حلى لَهُم فعدوه نعْمَة (سقمي فِي الْحبّ عافيتي ... ووجودي فِي الْهوى عدمي) (وَعَذَاب ترتضون بِهِ ... فِي فمي أحلى من النعم) كَانَ الرّبيع بن خَيْثَم يَقُول فِي شدَّة مَرضه مَا أحب أَن الله نقصي مِنْهُ قلامة ظفر (مرض الْحبّ شفائي فِي الْهوى ... كلما أكربني طربني) (فبقائي من فنائي فِيكُم ... وسروري مِنْكُم فِي حزني) (وشربتم بوصال مهجتي ... وَأَنا منتظر للثّمن) (كَيفَ أَرْجُو الْبُرْء من دَاء الْهوى ... وطبيبي فِي الْهوى أَمْرَضَنِي) (وَإِذا الْبلوى أفادت قربكم ... فَمن النعمى دوَام المحن)

стр. 439

أخواني لسنا من رجال الْبلَاء فَسَلمُوا الله الْعَافِيَة يضيق الخناق على الْمُحب وَيمْنَع من التنفس لَئِن قلت آه لأمحونك (الْحبّ يَقُول لَا تشع أسراري ... والدمع يسيل هاتكا أستاري) (فالشوق يزيدني على الْمِقْدَار ... وأناري إِذن من الْهوى وأناري)

стр. 440

الْفَصْل الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ يَا من أنفاسه عَلَيْهِ مَعْدُودَة وأبواب التقى فِي وَجهه مسدودة وأعماله بالرياء والنفاق مَرْدُودَة غير أَن محبَّة التَّفْرِيط مَعَه مولودة (حياتك أنفاس تعد فَكلما ... مضى نفس مِنْهَا انتقصت بِهِ جُزْءا) (فَتُصْبِح فِي نقص وتمسي بِمثلِهِ ... أمالك مَعْقُول تحس بِهِ رزءا) (يُمِيتك مَا يُحْيِيك فِي كل سَاعَة ... ويحدوك حاد مَا يُرِيد بك الهزءا) كم أسرعت فِيمَا يُؤْذِي دينك ودأبت كم خرقت ثوب إيمانك وَمَا رأبت كم فرقت شعب قَلْبك وَمَا شعبت كم فاتك من خير وَمَا اكتأبت يَا كاسب الْخَطَايَا بئس مَا كسبت جمعت جملَة من حَسَنَاتك ثمَّ اغتبت وحصن دينك ثلمت لما ثلبت وَأَنت الَّذِي بددت مَا حلبت إِن لَاحَ لَك أَخُوك عبته وَإِن لاحى سببته يَا عقرب الْأَذَى كم لدغت كم لسبت تعلم ان مَوْلَاك يراك وَمَا تأدبت تُؤثر مَا يفنى على مَا يبْقى مَا أصبت تصبح تَائِبًا فَإِذا أمسيت كذبت تمشي مَعَ الْيَقِين فَإِذا قاربت انقلبت تعمر مَا لَا يبْقى وَمَا يبْقى خربَتْ تأنس بالدنيا وغرورها وَقد جربت كَأَنَّك بك فِي الْقَبْر تبْكي مَا كسبت لقد حسبت حسابا كثيرا وَهَذَا مَا حسبت يَا وَادي الشيح كَيفَ يُقَال لَو أعشبت يَا هَذَا أَكثر الْأَنْعَام عَلَيْك كف كف فضول الدُّنْيَا عَنْك إِذا رَأَيْت سربال الدُّنْيَا قد تقلص فَاعْلَم أَنه قد لطف بك لِأَن الْمُنعم لم يقلصه عَلَيْك بخلا أَن يتمزق لَكِن رفقا بالماشي أَن يتعثر أحرم عَن الْحَرَام بِنَزْع مخيط الْهوى لَعَلَّ جذب الْقدر يقارن ضعف كسبك

стр. 441

(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ... ألحقت الْعَاجِز بالحازم) يَا تائها فِي فلات الغفلات اعْل بأقدام الذِّهْن نشز الْفِكر تلح لَك الْبَلَد وَيحك تركب الْبحار فِي طلب الدُّنْيَا فَإِذا أمرت بِخَير قلت إِن وفقني أَصمّ الله سمع الْهوى فَمَا يسمع إِلَّا مَا يُرِيد (يَا ملولا كلما ... ثقف بالعذل التوى) (عنتا تطلب فِي ... فالوذج الْهوى نوى) مَا أحسن قَوْلك وَمَا أقبح فعلك كم يشكو حزيران نطقك من كانون عزمك وَيحك بَادر در الأرباح مَا دَامَ ينثر فسينادي عَن قَلِيل ﴿وَيَا سَمَاء أقلعي﴾ أتحسب تَحْصِيل الْمَعَالِي سهلا نيل سُهَيْل أسهل من أدْلج فِي ليل الصَّبْر فَاتَ المكاس يَا من يتعب فِي التَّعَبُّد وَلَا يجد لَهُ لَذَّة أَنْت بعد فِي سَواد الْبَلَد أخرج إِلَى الْبَادِيَة تَجِد نسيم نجد الإعتبار عندنَا بِالْأَعْمَالِ القلبية غلبت حرارات الْخَوْف قلب دَاوُد فَصَارَ كَفه كيرا ﴿وألنا لَهُ الْحَدِيد﴾ وقويت روحانية مُحَمَّد فنبع المَاء من بَين أَصَابِعه (لَوْلَا مدامع عشاق ولوعتهم ... لبان فِي النَّاس عز المَاء وَالنَّار) (فَكل نَار فَمن أنفاسهم قدحت ... وكل مَاء فَمن طرف لَهُم جَار) أَيهَا الْمُصَلِّي طهر سرك قبل الطّهُور وفتش على قَلْبك الضائع قبل الشُّرُوع حُضُور الْقلب أول منزل فَإِذا نزلته انْتَقَلت إِلَى بادية الْعَمَل فَإِذا انْتَقَلت عَنْهَا أنخت بِبَاب المناجى وَأول قرى ضيف الْيَقَظَة كشف الْحجاب لعين الْقلب وَكَيف يطْمع فِي دُخُول مَكَّة مُنْقَطع قبل الْكُوفَة همك فِي الصَّلَاة متشبث وقلبك بمساكنة الْهوى متلوث وَمن كَانَ متلطخا بالأقذار لَا يغلف أَدخل دَار الْخلْوَة لمن تناجي واحضر قَلْبك لفهم مَا تتلو فَفِي خلوات التِّلَاوَة تزف أبكار الْمعَانِي إِذا كَانَت مُشَاهدَة

стр. 442

مَخْلُوق يَوْم ﴿اخْرُج عَلَيْهِنَّ﴾ استغرقت إحساس الناظرات ﴿وقطعن أَيْدِيهنَّ﴾ فَكيف بِالْبَابِ علقت فعقلت على الْبَاب (لَهَا بِوَجْهِك نور تستدل بِهِ ... وَمن نوالك فِي أعقابها حاد) (لَهَا أَحَادِيث من ذكراك تشغلها ... عَن الشَّرَاب وتلهيها عَن الزَّاد) لَو أَحْبَبْت المخدوم لحضر قَلْبك فِي الْخدمَة وَيحك هَذَا الْحَدِيد يعشق المغناطيس فَكيف مَا الْتفت الْتفت إِن كنت مَا رَأَيْت هَذَا الْحجر فَانْظُر إِلَى الحرابى تواجه الشَّمْس فَكيف مَالَتْ قابلتها للشريف الرضى (وَإِنِّي إِذا اصطكت رِقَاب مطيكم ... وثور حاد بالرفاق عجول) (أُخَالِف بَين الراحتين على الحشى ... وَانْظُر أَنى ملتم فأميل) قيل لعامر بن عبد قيس أما تسهو فِي صَلَاتك قَالَ أَو حَدِيث أحب إِلَيّ من الْقُرْآن حَتَّى أشتغل بِهِ هَيْهَات مُنَاجَاة الحبيب تستغرق الإحساس كَانَ مُسلم بن يسَار لَا يلْتَفت فِي صلَاته وَلَقَد انْهَدَمت نَاحيَة من الْمَسْجِد فزع لَهَا أهل السُّوق فَمَا الْتفت وَكَانَ إِذا دخل منزله سكت أهل بَيته فَإِذا قَامَ يُصَلِّي تكلمُوا وَضَحِكُوا علما مِنْهُم أَن قلبه مَشْغُول وَكَانَ يَقُول فِي مناجاته إلهي مَتى أَلْقَاك وَأَنت عني راضي (إِذا اشْتغل اللاهون عَنْك بشغلهم ... جعلت اشتغالي فِيك يَا مُنْتَهى شغلي) (فَمن لي بِأَن أَلْقَاك فِي سَاعَة الرِّضَا ... وَمن لي بِأَن ألقاء وَالْكل لي من لي) كَانَ الفضيل يَقُول أفرح بِاللَّيْلِ لمناجاة رَبِّي وأكره النَّهَار للقاء الْخلق (الْمَوْت وَلَا فِرَاق من أهواه ... هذي كَبِدِي تذوب من ذكرَاهُ) (مَا أشوقني لَهُ مَتى أَلْقَاهُ ... مَا مقصودي من المنى إِلَّا هُوَ)

стр. 443

كَانَ أَبُو يزِيد يَقُول وددت أَن الله تَعَالَى جعل حِسَاب الْخلق عَليّ قيل لماذا قَالَ لَعَلَّه يَقُول فِي خلال ذَلِك يَا عَبدِي فَأَقُول لبيْك ثمَّ ليصنع بِي مَا شَاءَ (هَل الطّرف يُعْطي نظرة من حَبِيبه ... أم الْقلب يلقى رَوْحَة من وجيبه) (وَهل لليالي عطفة بعد نفرة ... تعود فيلهى نَاظر عَن غروبه) (أحن إِلَى نور اللوى فِي بطاحه ... واظمأ إِلَى ريا اللوى فِي هبوبه) (وَذَاكَ الْحمى يَغْدُو عليلا نسيمه ... ويمسي صَحِيحا مَاؤُهُ فِي قليبة) (هُوَ الشوق مَدْلُول على مقتل الْفَتى ... إِذا لم يعد قلبا بلقيا حَبِيبه) يَا وَاقِفًا فِي صلَاته بجسده وَالْقلب غايب مَا يصلح مَا بذلته من التَّعَبُّد مهْرا للجنة فَكيف ثمنا للجنة رَأَتْ فَأْرَة جملا فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فَلَمَّا وصل إِلَى بَاب بَيتهَا وقف ونادى بِلِسَان الْحَال إِمَّا أَن تتخذي دَارا يَلِيق بمحبوبك أَو محبوبا يَلِيق بدارك خُذ من هَذِه إِشَارَة إِمَّا أَن تصلي صَلَاة تلِيق بمعبودك أَو تتَّخذ معبودا يَلِيق بصلاتك

стр. 444

الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ عجبا لمن رأى فعل الْمَوْت بصحبه ثمَّ ينسى قرب نحبه واستبداله ضيق الْمَكَان بعد رحبه من لم ينتبه بوكزه فسينتبه بسحبه (مَا لبني الدُّنْيَا غدوا ... أهل ضلال وغمه) (بصيرهم من جَهله ... كَأَنَّهُ حلف كمه) (أَنْت مُقيم سَائِر ... فَلَا تقل لم ولمه) (وَلَا تكلم أحدا ... فِي غير بر كَلمه) (فَكل معطى مهل ... أوقاته منصرمه) (وَلَا تدوم للفتى ... شؤونه المنتظمه) (يَأْتِي على الأَرْض مدى ... وَمَا عَلَيْهَا نسمه) (ضَاقَ رحيب الْعُمر عَن ... حاجاتنا المزدحمه) أَيْن الأقران وَأَيْنَ سلكوا تالله لقد فنوا وهلكوا إجتمع الأضداد فِي الالحاد واشتركوا وخانهم حَبل الأمل بَعْدَمَا امتسكوا ونوقشوا على مَا خلفوا وَتركُوا وَصَارَ غَايَة الْأَمَانِي أَن لَو تركُوا تالله لقد سعد من تدبر وَسلم من الْأَذَى من تصبر وَهلك مُؤثر الحرى وَأدبر فكأنكم بالفراق يَا ركاب الْمعبر يَا نَائِما فِي لهوه وَمَا نَام الْحَافِظ لاحظ نور الْهدى فَلَا حَظّ إِلَّا للاحظ وَلَا تغتر بِبرد الْعَيْش فزمان الْحساب قائظ يَا مُدبرا أَمر دُنْيَاهُ ينسى أخراه فَخفف النداء اللافظ وعجائب الدَّهْر تغني عَن وعظ كل واعظ يَا من رَأينَا يَد التَّفْرِيط قد ولعت بِهِ فأتينا للومه ولعتبه أما مصير السّلف نَذِير الْخلف أما مهد الطِّفْل عنوان اللَّحْد يَا من لمع لَهُ سراب الأمل فبدد مَاء الإحتياط أتراك مَا علمت

стр. 445

أَن الْأَمَانِي قمار مد نهر الْهوى وقلبك على الشاطئ فَمر بِهِ صم مسمع الْيَقَظَة فصممت على الزلل أكل الزَّمَان ﴿وهم بهَا﴾ أما تقع فِي يَوْم ﴿فاستعصم﴾ الْوَرع عَن الذُّنُوب يُوجب قُوَّة قلبية قَالَ بعض السّلف إرتكبت صَغِيرَة فَغَضب عَليّ قلبِي فَلم يرجع إِلَيّ إِلَّا بعد سنة أخواني إِطْلَاق الْبَصَر سيف يَقع فِي الضَّارِب (يَا للرِّجَال لنظرة سفكت دَمًا ... ولحادث لم أَلفه مستسلما) (وَأرى السِّهَام تؤم من يَرْمِي بهَا ... فعلام سهم اللحظ يصمي من رمى) الْمُحرمَات حرم وَنظر الْمَمْلُوك إِلَى حرم الْمَالِك من أقبح الْخِيَانَة يَا بني آدم تلمحوا تَأْثِير ﴿وَعصى﴾ لقْمَة أثرت إِن عثرت فعرى المكتسي وَنزل العالي وَبكى الضاحك وَقَامَ المترفه يخْدم نَفسه فَاشْتَدَّ بكاؤه فَنزل جِبْرِيل يسليه فَزَاد بِرُؤْيَتِهِ وجده للشريف الرضى (رأى على الْغَوْر وميضا فاشتاق ... مَا أجلب الْبَرْق لماء الآماق) (مَا للوميض والفؤاد الخفاق ... قد ذاق من بَين الخليط مَا ذاق) (دَاء غرام مَا لَهُ من إفراق ... قد كل آسيه وَقد مل الراق) (قلبِي وطرفي من جوى وإملاق ... فِي غرق مَا يَنْقَضِي وإحراق) (يَا ناق أداك الْمُؤَدِّي يَا ناق ... مَاذَا الْمقَام والفوآد قد تاق) (هَل حَاجَة المأسور إِلَّا الاطلاق ... ) كَانَ آدم كلما عاين الْمَلَائِكَة تصعد إِلَى السَّمَاء وجناحه قد قصّ زَاد قلقه (وأصبحت كالبازي المنتف ريشه ... يرى حسرات كلما طَار طائرا) (يرى خارقات الجويخرقن فِي الْهوى ... فيذكر ريشا من جناحيه وافرا) (وَقد كَانَ دهرا فِي الرياض منعما ... على كل مَا يهوى من الصَّيْد قَادِرًا)

стр. 446

(إِلَى أَن أَصَابَته من الدَّهْر نكبة ... فَأصْبح مقصوص الجناحين حاسرا) أعظم البلايا تردد الركب إِلَى بلد الحبيب يودعون عِنْد فراقهم الزَّمن (وَلم يبْق عِنْدِي للهوى غير أنني ... إِذا الركب مروا بِي على الدَّار أشهق) (كَانَت الْمَلَائِكَة إِذا نزلت إِلَيْهِ استنشق ريح الْوِصَال من ثِيَاب الواصلين وتعرف أَخْبَار الديار من نسمات القاصدين (خبراني عَن العقيق خَبِيرا ... أَنْتُمَا بالعقيق أحدث عهدا) يَا ناقضي العهود دوموا على الْبكاء فَمن أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم كَانَت عابدة من أحسن النِّسَاء عينا فَأخذت فِي الْبكاء فَقيل لَهَا تذْهب عَيْنَاك فَقَالَت إِن يكن لي عِنْد الله خير فسيبدلني خيرا مِنْهُمَا وَإِن تكن الْأُخْرَى فوَاللَّه لَا أَحْزَن عَلَيْهِمَا للمتنبي (قد علم الْبَين منا الْبَين أجفانا ... تدمى وَألف فِي ذَا الْقلب أحزانا) (قد كنت أشْفق من دمعي على بَصرِي ... فاليوم كل عَزِيز بعدكم هانا) (تهدي البوارق أخلاف الْمِيَاه لكم ... وللمحب من التذْكَار نيرانا) من سعى إِلَى جناب الْعِزّ بأقدام المسكنة ووقف بِبَاب الْكَرم على أَخْمص المسئلة وَوصف ندمه على الذَّنب بِعِبَارَة الذل لم يعد بالخيبة (ملكتم قلبِي فَمَا ... لي عَنْكُم منصرف) (فودكم مِنْهُ مَكَان ... كَبِدِي أَو الطف) (فَلَا بَرى وجدي بكم ... وَلَا أَفَاق الشغف) (لست وَإِن أعرضتم ... ايأس من أَن تعطفوا) (وصبر يَعْقُوب معي ... حَتَّى يعود يُوسُف)

стр. 447

يَا معاشر المذنبين إسمعوا وصيتي إِذا قُمْتُم من الْمجْلس فادخلوا دَار الْخلْوَة وشاوروا نصيح الذّكر وحاسبوا شريك الْخِيَانَة وتلمحوا تَفْرِيط التواني فِي بضَاعَة الْعُمر وَيَكْفِي مَا قد مضى فليحذر الْأَعْوَر الْحجر إِذا نقى خاطر الْمُذكر من ذل هوى وصفى معِين معنى كَلَامه من كدر طمع إنكشف الغشاء عَن عينه فَرَأى بالفطنة مَوضِع قطنة مرهم الْعَافِيَة فربى حشائش الحكم وَركب فِيهَا معاجين الشِّفَاء ففتحت سدد الكسل واستفرغت أخلاط الشواغل فَأَما مجتلب الدُّنْيَا بنطقه فَإِنَّهُ كلما حفر قليب قلبه فأمعن لاستنباط معنى طم الطمع إِذا صدر الْعلم من عَامل بِهِ كَانَ كالعربية ينْطق بهَا البدوي وَأحلى أَبْيَات الشّعْر مَا خرج عَن أَبْيَات الشّعْر جمعت بَين الْكتاب وَالسّنة ففتحا لي هَذِه المغاني فَهِيَ تنادي السامعين ولدت من نِكَاح لَا من سفاح وَمن جمع بَين الْجَهْل والبدعة هذى الهذيان فَكَلَامه فِي مرتبَة ابْن زَانِيَة إِذا فتحت الوردة عينهَا رَأَتْ الشوك حولهَا فَلتَصْبِر على مجاورته قَلِيلا فوحدها تجتني وَتقبل وَاعجَبا لألفاظي وعملها بَطل السحر عِنْدهَا كل الْمَذْكُورين رجالة وَأَنا فَارس اخْرُج إِلَى الْمعَانِي فِي كمين فأصيدها لَا بأحبولة إِذا حضرت ملكت الْعُيُون وَإِذا غبت استرهنت الْقُلُوب للمهيار (طرف نجدية وظرف عراقي ... أَي كاس يديرها أَي سَاق) (سنحت والقلوب مُطلقَة ترعى ... وثابت وَكلهَا فِي وثاق) (لم تزل تخدع الْعُيُون إِلَى أَن ... علقت دمعة على كل مآق)

стр. 448

الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ أخواني أعجب الْعَجَائِب أَن النقاد يخَافُونَ دُخُول البهرج فِي أَمْوَالهم والمبهرج آمن هَذَا الصّديق يمسك لِسَانه وَيَقُول هَذَا الَّذِي أوردني الْمَوَارِد وَهَذَا عمر يَقُول يَا حُذَيْفَة هَل أَنا مِنْهُم والمخلط على بِسَاط الْأَمْن (الناسكون يحاذرون ... وَمَا بسيئة ألموا) (وَكَانُوا إِذا راموا كلَاما ... مُطلقًا خطموا وزموا) (إِن قيلت الْفَحْشَاء أَو ... ظَهرت عموا عَنْهَا وصموا) (فَمَضَوْا وَجَاء معاشر ... بالمنكرات طموا وطموا) (ففم لطعم فاغر ... وَيَد على مَال تضم) (عدلوا عَن الْحسن الْجَمِيل ... وللخنا عَمدُوا وأموا) (وَإِذا هم أعيتهم ... شنعاؤهم كذبُوا وأموا) (فالصدر يغلي بالهواجس ... مثل مَا يغلي المحم) لله در أَقوام شغلهمْ حب مَوْلَاهُم عَن لذات دنياهم اسْمَع حَدِيثهمْ إِن كنت مَا تراهم خوفهم قد أزعج وأقلق وحذرهم قد أتلف وأحرق وحادى جدهم مجد لَا يترفق كلما رأى طول الطَّرِيق نَص وأعنق وَكَيف يحسن الفتور وأوقات السَّلامَة تسرق دموعهم فِي أَنهَار الخدود تجْرِي وتتدفق يشتاقون إِلَى الحبيب والحبيب إِلَيْهِم أشوق يَا حسنهم فِي الدجى ونورهم قد أشرق وَالْحيَاء فائض وَالرَّأْس قد أطرق

стр. 449

والأسير يتلظى ويترجى أَن يعْتق إِذا جَاءَ اللَّيْل تغالب النّوم والسهر وَالْخَوْف والشوق فِي مقدم عَسْكَر الْيَقَظَة والكسل والتواني فِي كَتِيبَة الْغَفْلَة فَإِذا حمل الصَّبْر حمل على الْقيام فانهزمت جنود الفتور فَمَا يطلع الْفجْر إِلَّا وَقد قسمت السهْمَان سفر اللَّيْل لَا يطيقه إِلَّا مُضْمر المجاعة النجائب فِي الأول وحاملات الزَّاد فِي الْأَخير قَامَ المتهجدون على أَقْدَام الْجد تَحت ستر الدجى يَبْكُونَ على زمَان ضَاعَ فِي غير الْوِصَال (سقوا بمياه أَعينهم ... هُنَاكَ الضال والرندا) (يَا نِفَاس كبرق فِي ... أَنِين يشبه الرعدا) إِن نَامُوا توسدوا أَذْرع الهمم وَإِن قَامُوا فعلى أَقْدَام القلق لما امْتَلَأت أسماعهم بمعاتبة كذب من ادّعى محبتي فَإِذا جنه اللَّيْل نَام عني حَلَفت أجفانهم على جفَاء النّوم (إِن كَانَ رضاكم فِي سهري ... فسلام الله على وسني) مَا زَالَت مطايا السهر تذرع بيد الدجى وعيون آمالها لَا ترى إِلَّا الْمنزل وحادي الْعَزْم يَقُول فِي إنشاده يَا رجال اللَّيْل جدوا إِلَى أَن نم النسيم بِالْفَجْرِ فَقَامَ الصَّارِخ ينعي الظلام فَلَمَّا هم اللَّيْل بالرحيل تشبثوا بذيل السحر (فاستوقف العيس لي فَإِن عَليّ ... خلب فُؤَادِي تشد أرحلها) (إِن دثرت دارها فَمَا دثرت ... منَازِل فِي الْقُلُوب تنزلها) قَالَ عَليّ بن بكار مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة مَا أحزنني إِلَّا طُلُوع الْفجْر لَو قُمْت فِي السحر لرأيت طَرِيق الْعباد قد غص بالزحام لَو وَردت مَاء مَدين وجدت عَلَيْهِ أمة من النَّاس يسقون (بانوا وخلفت أبْكِي فِي دِيَارهمْ ... قل للديار سقاك الرَّائِح الغادي) (وَقل لأظعانهم حييت من ظعن ... وَقل لواديهم حييت من وَاد) يَا بَعيدا عَنْهُم يَا من لَيْسَ مِنْهُم أَلَك نِيَّة فِي لحاقهم أَسْرج كميتك

стр. 450

واجرر زمامك يقف بك على المرعى يَا من يستهول أَحْوَال الْقَوْم تنقل فِي المراقي تعل قَالَ أَبُو زيد مَا زلت أسوق نَفسِي إِلَى الله وَهِي تبْكي حَتَّى سقتها وَهِي تضحك للمتنبي (مَا زلت أضْحك إبلي كلما نظرت ... إِلَى من اختضبت اخفافها بِدَم) (من اقْتضى بسوي الْهِنْدِيّ حَاجته ... أجَاب كل سُؤال عَن هَل بلم) قَالَ أَبُو زيد كنت إثنتي عشرَة سنة حداد نَفسِي وَخمسين سنة مرْآة قلبِي وَلَقَد أَحْبَبْت الله حَتَّى أبغضت نَفسِي للخفاجي (ثورها ناشطة عقالها ... قد مَلَأت من بدنهَا جلالها) (فَلم تزل أشواقه تسوقها ... حَتَّى رمت من الوجي رِحَالهَا) (مَاذَا على النَّاقة من غَرَامَة ... لَو أَنه أنصف أَو رثى لَهَا) (أَرَادَ أَن تشرب مَاء حاجر ... أريها تطلب أم كلالها) (إِن لَهَا على الْقُلُوب ذمَّة ... لِأَنَّهَا قد عرفت بلبالها) (كَانَت لَهَا على الصِّبَا تَحِيَّة ... أعجلها السَّائِق أَن تنالها) (وامتدت الفلاة دون خطوها ... كَأَنَّهَا قد كرهت زَوَالهَا) (فعللوها بِحَدِيث حاجر ... ولتصنع الفلاة مَا بدا لَهَا)

стр. 451

الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ أخواني دنا رحيلكم وَقد بَان سبيلكم وسيهجركم خليلكم وَقد نصحكم دليلكم (يَا مقيمين ارحلوا للذهاب ... بشفير الْقُبُور حط الركاب) (نعموا الْأَوْجه الحسان ... فَمَا صونكموها إِلَّا لعفر التُّرَاب) (وَالْبَسُوا ناعم الثِّيَاب فَفِي ... الحفرة تعرون عَن جَمِيع الثِّيَاب) (قد نعتك الْأَيَّام نعيا صَحِيحا ... بِفِرَاق الأخوان وَالْأَصْحَاب) تذكر يَا من جنى ركُوب الْجِنَازَة وتصور مَا من مأوى فِي طول الْمَفَازَة ودع الدُّنْيَا مودعا للحلاوة والمزازة أَرقم من قَلْبك ذكر الْجَزَاء على جزازة كم ظَالِم تعدى وجار فَمَا رعى الْأَهْل وَلَا الْجَار حل بِهِ الْمَوْت فَحل الأزرار وَأدبر عَن الْأَوَامِر فأحاط بِهِ الأدبار وَدَار عَلَيْهِ بالدوائر فَأخْرجهُ من الدَّار وخلا بِعَمَلِهِ ثَانِي إثنين وَلَكِن لَا فِي الْغَار فانتبهوا فَإِنَّمَا هِيَ جنَّة أَو نَار (تعلّقت بآمال ... طوال أَي آمال) (واقبلت على الدُّنْيَا ... ملحا أَي إقبال) (فيا هَذَا تجْهر لفراق ... الْأَهْل وَالْمَال) (فَلَا بُد من الْمَوْت ... على حَال من الْحَال) يَا من يحدثه الأمل فيستمع ويخوفه الْأَجَل فَلَا يرتدع وصل الصالحون إِلَى المنى يَا مُنْقَطع وجوزوا على صبرهم أَي وَالله لم يضع تلمح العواقب فتلمحها لِلْعَقْلِ وضع كَأَنَّهُ مَا جَاع قطّ من شبع إِذا تلاقحت غروس المجاهدة تلاحقت ثمار المدائح

стр. 452

(أَفْلح قوم إِذا دعوا وَثبُوا ... لَا يحسبون الأخطار إِن ركبُوا) (سارون لَا يسْأَلُون مَا فعل ... الْفجْر وَلَا كَيفَ مَالَتْ الشهب) (عودهم هجرهم مُطَالبَة ... الرَّاحَة أَن يظفروا بِمَا طلبُوا) اشراف الأوصال أَوْصَاف الْأَشْرَاف سَادَات الْعَادَات عادات عادات السادات أَحْرَار الشيم شيم الْأَحْرَار أقدموا على الْفَضَائِل وتأخرت وَقدمُوا الأهم وأخرت الشجاع يلبس الْقلب على الدرْع والجبان يلبس الدرْع على الْقلب للمتنبي (وتكاد الظبا لما عودوها ... تنتضي نَفسهَا إِلَى الْأَعْنَاق) (وَإِذا أشْفق الفوارس من وَقع ... القنا أشفقوا من الإشفاق) (ومعال لَو ادَّعَاهَا سواهُم ... لَزِمته جِنَايَة السراق) لوح للْقَوْم فَأَجَابُوا وَكرر الصياح بك وَمَا تلْتَفت إِذا سمعُوا موعظة غرست فِي قُلُوبهم نخيل العزائم ونبات عزمك عِنْد الزواجر كنبات الكشوثا كم بَين ثَالِثَة الأثافي وسادسة الْأَصَابِع بِعْ باعا من عيشك بفتر من حياتهم لَو صدق عزمك قذفتك ديار الكسل إِلَى بيداء الطّلب كَانَ سلمَان أعجميا فَلَمَّا سمع بِنَبِي عَرَبِيّ صَار بدوي الْقلب للمهيار (وَلَقَد أحن إِلَى زرود وطينتي ... من غير مَا فطرت عَلَيْهِ زرود) (ويشوقني عجف الْحجاز وَقد ضفا ... ريف الْعرَاق وظله الْمَمْدُود) (ويطرب الشادي وَلَيْسَ يهزني ... وينال مني السَّائِق الغريد)

стр. 453

أَيْن وصفك من هَذِه الْأَوْصَاف أَيْن شَجَرَة الزَّيْتُون من شجر الصفصاف صعد الْقَوْم وَنزلت وجدوا فِي الْجد وهزلت (شم العرانين فِي أنافهم أنف ... من الْقَبِيح وَفِي أَعْنَاقهم صيد) (إِن تلقهم تلق مِنْهُم فِي مجَالِسهمْ ... قوما إِذا سئلوا جادوا بِمَا وجدوا) (نالوا السَّمَاء وحطوا من نُفُوسهم ... إِن الْكِرَام إِذا انحطوا فقد صعدوا) إِن بَيْنك وَبَين الْقَوْم كَمَا بَين الْيَقَظَة وَالنَّوْم أَيْن مسك من حماة ونجور من بخار وصفوة من قذى دخلُوا على عَابِد فَقَالُوا لَهُ لَو رفقت بِنَفْسِك فَقَالَ من الرِّفْق أتيت إسمع يَا كسلان كَانُوا فِي طلب العلى يجتهدون وَلَا يرضون بِدُونِ على أَنهم يعانون فِيمَا يعانون الْقَوْم مَعَ الْحق حاضرون عَن الْخلق غائبون فَقولُوا لعاذليهم لمن تعذلون للمهيار (كثر فِيك اللوم ... فَأَيْنَ سَمْعِي مِنْهُم) (قلبِي واللوم عَلَيْك ... منجد ومتهم) (قَالُوا سهرت والعيون ... الساهرات نوم) (وَلَيْسَ من جسمك ... إِلَّا جلدَة وَأعظم) (وَمَا عَلَيْهِم سهري ... وَلَا رقادي لَهُم) (وَهل سمات الْحبّ ... إِلَّا سهر وسقم) (خُذ أَنْت فِي شَأْنك ... يَا دمعي وخل عَنْهُم) كَانَ بشر لَا ينَام اللَّيْل وَيَقُول أَخَاف أَن يَأْتِي أَمر وَأَنا نَائِم (رقد السمار وارقه ... هم للبين يرذده) (فبكاه النَّجْم ورق لَهُ ... مِمَّا يرعاه ويرصده)

стр. 454

(وَغدا يقْضِي أَو بعد غَد ... هَل من نظر يتزوده) (يهوى المشتاق لقاءكم ... وصروف الدَّهْر تقيده) بَقِي بشر خمسين سنة يَشْتَهِي شَهْوَة فَمَا صفا لَهُ دِرْهَم وبضائع أعماركم كلهَا منفقة فِي الشَّهَوَات من الشُّبُهَات أَبْشِرُوا بطول الْمَرَض يَا مخلطين (واويلاه من ضيَاع كل الْعُمر ... قد مر جَمِيعه بمر الهجر) (ضَاعَت حيلي وضل عني صبري ... يَا قوم عجزت من تلافي أَمْرِي) (يَا من فاتوه وتخلف بل ثراهم من دمع الأسف ... ) (دع شَأْن عَيْنك يَا حَزِين وشأنها ... وضع الْيَدَيْنِ على الحشا وتململ) (هَذَا وَإِن فراقهم ولقل مَا ... يُغني وقوفك سَاعَة فِي الْمنزل) جز بنادي الْمحبَّة وناد بالقوم تراهم كالفراش تَحت النيرَان للشريف الرضى (يَا دَار من قتل الْهوى بعدِي ... وجدوا وَلَا مثل الَّذِي عِنْدِي) (لَو حركت ذَاك الرماد يَد ... لرأت بقايا الْجَمْر والوقد) تشتد عَلَيْهِم نَار الْخَوْف فيشرفون على التّلف لَوْلَا نسيم بذكراهم يروحني ينبسطون انبساط الْمُحب ثمَّ ينقبضون انقباض الْخَائِف هَذَا اللينوفر ينشر أَجْنِحَة الطَّرب فِي الدجى فَإِذا أحس بِالْفَجْرِ جمع نَفسه واستحى من فارط فَإِذا طلعت الشَّمْس نكس رَأسه فِي المَاء خجلا من انبساطه (أباسطه على جزع ... كشرب الطَّائِر الْفَزع) (رأى ماءا فاطمعه ... وَخَافَ عواقب الطمع) (فصادف فرْصَة فَدَنَا ... وَلم يلتذ بالجرع)

стр. 455

كلما جَاءَ كَلَامي صعد كلما زَادَت الْوقُود فاحت ريح الْعود أفيكم مستنشق أَو كلكُمْ مزكوم إِنِّي لآجد نفس الرَّحْمَن من قبل الْيمن باح مَجْنُون عَامر بهواه (وَمَا بحت حَتَّى أستنطق الشوق أدمعي ... واذكرني عهد الْحمى المتقادم) أتجدوني يَا أخواني مَا أجد من ريح النسيم (أَلا يَا نسيم الرّيح مَالك كلما ... تجاوزت ميلًا زَاد نشْرك طيبا) (أَظن سليمى خبرت بسقامنا ... فأعطتك رياها فَجئْت طَبِيبا)

стр. 456

الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ يَا من كل يَوْم يقدم إِلَى الْقَبْر فارط لَا تغتر بالسلامة فَرُبمَا قبض الباسط إنهض للنجاة بقلب حَاضر وجأش رابط قبل أَن يلقيك على بِسَاط الْعَجز خابط وَنَفس النَّفس تخرج من سم إبرة خائط (قل للمؤمل أَن الْمَوْت فِي أثرك ... وَلَيْسَ يخفى عَلَيْك الْأَمر من نظرك) (فِيمَن مضى لَك إِن فَكرت مُعْتَبر ... وَمن يمت كل يَوْم فَهُوَ من نذرك) (دَار تُسَافِر عَنْهَا من غَد سفرا ... فَلَا تؤب إِذا سَافَرت من سفرك) (تضحي غَدا سمرا لِلذَّاكِرِينَ كَمَا ... صَار الَّذين مضوا بالْأَمْس من سمرك) إخل بِنَفْسِك فِي دَار المعاتبة واحضرها دستور المحاسبة وارفع عَلَيْهَا سَوط المعاقبة وَإِن لم تفعل خسرت فِي الْعَاقِبَة (خلقت جسما ثريا ثمَّ زرت ثرى ... فصرت خطا وطالت مُدَّة فمحى) (قف بالمنازل من عَاد وَغَيرهم ... فَمَا ترى ثمَّ من شخص وَلَا شبح) (كل مجازى بِمَا اسداه من حسن ... وسيء فاهجر السوء آتٍ وانتزح) لقد وعظك أمس وَالْيَوْم وَأَنت من سنة إِلَى نوم أَيْن العشائر أَيْن الْقَوْم إشتراهم البلى بِلَا سوم لَا فطر عِنْدهم وَلَا صَوْم بلَى بلابل العتاب واللوم هَذَا رشاش الموج ينذر بالعوم ويخبر بالحادثات أشمامها وَالروم (إغتنم صفو اللَّيَالِي ... إِنَّمَا الْعَيْش اختلاس) (تلبس الدَّهْر وَلَكِن ... مُتْعَة ذَاك اللبَاس) يَا جَامع الحطام وَلَا يدْرِي مَا جنى كلما نقض الْوَاعِظ أصلا

стр. 457

من حرصك بِنَا بَادر الْفَوْت فَإِن الْمَوْت قد دنا هَذَا بشير الْقبُول إياك عني النثار كثير فَمَا هَذَا الْوُقُوف والونى أمدد يَد الصدْق وَقد نلْت المنى هَذِه الْخيف وهاتيك منى أما تهزك هَذِه المواعظ أَيهَا المهزوز أما يوقظك الصَّرِيح وَلَا المرموز أما كل وَقت عود الْهَلَاك مغموز أما كل سَاعَة غُصْن مَقْطُوع ومحزوز أما تراهم بَين مَدْفُوع وموكوز كل أفعالك إِذا تَأَمَّلت مَا لَا يجوز أَيْن أَرْبَاب الْقُصُور أَيْن أَصْحَاب الْكُنُوز هلك الْقَوْم وَضاع المكنوز وحيز فِي حُفْرَة البلى من كَانَ لِلْمَالِ يحوز بَينا تغرهم الإناءة وَقعت النواة فِي الْكوز أَيْن كسْرَى أَيْن قصير أَيْن فَيْرُوز عروا عَن الأكفان وَمَا كَانُوا يرضون الخزوز وأبرز الْمَوْت أوجها عز عَلَيْهَا البروز وساوى بَين الْعَرَب والعجم والنبط والخوز وَنسخ بحسرات الرحيل لذات النيروز وكشف لَهُم نقاب الدُّنْيَا فَإِذا المعشوقة عَجُوز مَا رضيت إِلَّا قَتلهمْ وَكم تدللت بالنشوز لقد أذاقتهم برد كانون الأول فأذاهم فِي تموز وَإِنَّمَا قصدت غرورهم لتقتلهم فِي كالوز وَاعجَبا بَحر الْوُجُود قد جمع الْفُنُون الْعلمَاء جوهره والعباد عنبره والتجار حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على رَأسه كالزبد فيا من يجْرِي بِهِ على هَوَاهُ وَهُوَ عَلَيْهِ كالقفيا قف يَا قفيا كم تحضر مَجْلِسا وَكم تَتَرَدَّد وَكم تخوف عُقبى الذُّنُوب وَكم تهدد يَا من لَا يلين لواعظ وَإِن شدد يَا راحلا عَن قريب مَا عَلَيْهَا مخلد تلمح قبرك لَا قصرك المشيد وَتعلم أَن الْمُطلق إِذا شَاءَ قيد أَتَرَى تقع فِي شركي فَإِنِّي جِئْت أتصيد يَا من يسْأَل عَن مَرَاتِب الصَّالِحين مَالك وَلها تساوم فِي رَاحِلَة وَمَا تملك ثمن نعل تجمع من جَوَانِب الحافات خبازى وتريد أَن تطعم أَخْضَر تطلب سَهْما من الْغَنِيمَة وَمَا رَأَيْت الْحَرْب بِعَيْنِك (يحاول نيل الْمجد وَالسيف مغمد ... ويأمل إِدْرَاك العلى وَهُوَ نَائِم) البلايا تظهر جَوَاهِر الرِّجَال وَمَا أسْرع مَا يفتضح الْمُدَّعِي (تنام عَيْنَاك وتشكو الْهوى ... لَو كنت صبا لم تكن نَائِما)

стр. 458

رأى فَقير فِي طَرِيق مَكَّة امْرَأَة فتبعها فَقَالَت مَالك فَقَالَ قد سلب حبك قلبِي قَالَت فَلَو رَأَيْت أُخْتِي فَالْتَفت فَلم ير أحدا فَقَالَت أَيهَا الْكَاذِب فِي دَعْوَاهُ لَو صدقت مَا الْتفت (وَالله لَو علمت روحي بِمن علقت ... قَامَت على رَأسهَا فضلا عَن الْقدَم) إِذا كنت تشتغل الْيَوْم عَنَّا بسوداء فَكيف تذكرنا إِذا أعطيناك الْحور يَا مؤثرا مَا يفنى على مَا يبْقى هَذَا رأى طبعك هلا استشرت عقلك لتسمع أصح النصائح من كَانَ دَلِيله البوم كَانَ مَأْوَاه الخراب وَيحك إعزم على مَجْنُون هَوَاك بعزيمة فَرب شَيْطَان هاب الذّكر تلمح غب الْخَطَايَا لَعَلَّه يكف الْكَفّ لَا تحتقرن يسير الطَّاعَات فالذود إِلَى الذود إبل وَرُبمَا احتبج إِلَى عُوَيْد منبوذ لَا تحتقرن يسير الذَّنب فَإِن العشب الضَّعِيف يفتل مِنْهُ الْحَبل الْقوي فيختنق بِهِ الْجمل المغتلم أَو مَا نفذت فِي سدسبا حِيلَة جرد من عرف شرف الْحَيَاة اغتنمها من علم أرباح الطَّاعَات لَزِمَهَا الْعُمر ثوب مَا كف والأنفاس تستل الطاقات كم قد غرقت فِي سيف سَوف سفينة نفس يَا هَذَا أَنْت أجِير وَعَلَيْك عمل فَإِذا انْقَضى الشّغل فألبس ثِيَاب الرَّاحَة قَالَ رجل لعامر بن عبد قيس كلمني فَقَالَ أمسك الشَّمْس دخلُوا على الْجُنَيْد عِنْد الْمَوْت وَهُوَ يُصَلِّي فَقيل لَهُ فِي هَذَا الْوَقْت فَقَالَ الْآن تطوى صحيفتي (حَشْوًا المطى فَهَذِهِ نجد ... بلغ المدى وَتجَاوز الْحَد) (يَا حبذا نجد وساكنه ... لَو كَانَ ينفع حبذا نجد) يَا ديار الأحباب أَيْن السكان يَا منَازِل العارفين أَيْن الْقطَّان يَا أطلال الوجد أَيْن أَيْن الْبُنيان (تعاهدتك العهاد يَا طلل ... خبر عَن الظاعنين مَا فعلوا) (فَقَالَ أَلا اتبعتهم أبدا ... إِن نزلُوا منزلا وَإِن رحلوا) (تركت أَيدي النَّوَى تقودهم ... وجئتني عَن حَدِيثهمْ تسل)

стр. 459

رَحل الْقَوْم يَا متخلف وسبقوك بالعزائم يَا مسوف فقف على الْآثَار وقُوف متلهف وَصَحَّ بالدمع سر يَا مُتَوَقف للشريف الرضى (يَا قلب جدد كمدا ... فموعد الْبَين غَدا) (لم أر فرقا بعدهمْ ... بَين الْفِرَاق والردى) (يَا زفرَة هيجها ... حاد من الْغَوْر حدا) (أرعى الحمول نَاظرا ... أَو ألزم الْقلب يدا) (وَأطْرد الطّرف على ... أثارهم مَا انطردا) (مذ أوقدوا بأضلعي ... حر الجوى مَا بردا) (ومذ إِذا أَبَوا مَاء عَيْني ... للأسى مَا جمدا) (كنت أداوي كَبِدِي ... لَو تركُوا لي كبدا)

стр. 460

الْفَصْل السَّادِس وَالثَّمَانُونَ أخواني المفروح بِهِ من الدُّنْيَا هُوَ المحزون عَلَيْهِ وبقدر الإلتذاذ يكون التأسف وَمن فعل مَا شَاءَ لَقِي مَا سَاءَ (مَال مَا كَانَ المنى مَا آلما ... صَار مَا أوصلته قد صَارِمًا) (بَيْنَمَا أضْحك مَسْرُورا بِهِ ... سَالَ مَاء الْعين إِذا مَا سالما) الدُّنْيَا فلاة فَلَا تأمن الفلا بل تَيَقّن أَنَّهَا مارستان بِلَا وَلَا تسكن إِلَيْهَا وَإِن أظهرت لَك الولا على أَنَّهَا تخْفض من علا فَلْينْظر الْإِنْسَان يمنة فَهَل يرى إِلَّا محنة ثمَّ ليعطف بسره فَهَل يرى إِلَّا حسرة أما الرّبع العامر فقد درس وَأما أَسد الْمَمَات ففرس وَأما الرَّاكِب فكبت بِهِ الْفرس وَأما الفصيح فاستبدل الخرس وَأما الْحَكِيم فَمَا نَفعه إِن احترس سَارُوا فِي ظلام ظلمهم مَا عِنْدهم قبس ووقفت سفينة نجاتهم لِأَن الْبَحْر يبس وانقلبت دوَل النُّفُوس كلهَا فِي نفس وَجَاء مُنكر بآخر نبأ وَنَكِير بِأول عبس أَفلا يقوم لنجاته من طَال مَا جلس آه لنَفس رفلت من الْغَفْلَة فِي أثوابها فثوى بهَا الْأَمر إِلَى عدم ثَوَابهَا آه لعيون أغشاها الأمل فسرى بهَا إِلَى سرابها آه لقلوب قَلبهَا الْهوى عَن الْقُرْآن إِلَى أَرْبَابهَا فربا بهَا آه لمرضى علم الطَّبِيب قدر مَا بهَا وَقد رمى بهَا لأبي الْعَتَاهِيَة (يَا نفس مَا هُوَ إِلَّا صَبر أَيَّام ... كَأَن مدَّتهَا أضغاث أَحْلَام) (يَا نفس جوزي عَن الدُّنْيَا مبادرة ... وخل عَنْهَا فَإِن الْعَيْش قدامي)
следующие страницы →