← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6940

المدهش

ابن الجوزي

Полный текст (530 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَهَذَا كالمستحيل عنْدك كَانُوا إِذا ابتلوا صَبَرُوا ثمَّ صَارُوا إِذا ابتلوا شكروا ثمَّ رَأَوْا فِي البلى الْمُبْتَلى فسكروا أَيْن الَّذين أصفهم مروا وعبروا (لَيْسَ بالصب من يُحَرك بالشكوى ... لِسَانا ويودع الدمع خدا) (أَيهَا الوامق الَّذِي جعل الكتمان ... بَين الوشاة وَالْحب سدا) (صَاح لَوْلَا صوني الغرام لأجريت ... دموعا توفى على الْبَحْر مدا) (قل لحي على اللوى والكثيب الْفَرد ... جاد الحيا الْكَثِيب الفردا) (قد وقفنا من بعدكم نسْأَل البان ... ضلالا عَنْكُم ونشكو الرندا) (أَيْن تبغي يَا حادي الركب أفنيت ... المطايا سيرا ذميلا ووخدا) (قف قَلِيلا فِي الرّبع وارفق فَمَا أبقيت ... مِنْهَا إِلَّا عظاما وجلدا) (فلدار الْهوى علينا حُقُوق ... إِن تركنَا أداءها كَانَ ادا) (يَا بني الْورْد وَالْوَفَاء وَمَا أسمع ... إِلَّا قولا وفاءا وودا) (لم نقضتم من غير جرم عهودا ... مَا نقضنا مِنْهَا على الرمل عهدا) كم أنشر بز الْمحبَّة وَلَا أرى إِلَّا مُفلسًا تنزهوا فِي السّلع فسهل على طي المنشور مَا أحلى ذكر الأحباب مَا أطيب حَدِيث أولى الْأَلْبَاب لصردر (أيه أَحَادِيث نعْمَان وساكنه ... إِن الحَدِيث عَن الأحباب أسمار) (أفتش الرّيح عَنْكُم كلما نفحت ... من نَحْو أَرْضكُم نكبآء معطار) تمكن الْحبّ من حبات قُلُوبهم فَأخْرجهُمْ إِلَى الوله فَلَو رأيتموهم لقلتم مجانين (قد لج بِي الغرام حَتَّى قَالُوا ... قد جن بهم وَهَكَذَا البلبال) (الْمَوْت إِذا رَضِيتُمْ سلسال ... فِي مثل هَوَاك ترخص الْآجَال) كَانَت رَابِعَة تَقول لقد طَالَتْ عَليّ الْأَيَّام والليالي بالشوق إِلَى الله تَعَالَى

стр. 492

(أمرت عَنْك بصبر ... وَلَيْسَ لي عَنْك صَبر) (يَا آمري بالتسلي ... مَا لي مَعَ الشوق أَمر) قَالَ الشبلي رَأَيْت جَارِيَة حبشية فَقلت من أَيْن قَالَت من عِنْد الحبيب قلت وَإِلَى أَيْن قَالَت إِلَى الحبيب قلت مَا تريدين من الحبيب قَالَت الحبيب (وجدي بكم وصفو ودي لكم ... وَالْقلب فمذ نأيتم عنْدكُمْ) (عَيْني عين لبعدكم بعدكم ... لَو شَقوا قلبِي لما رَأَوْا غَيْركُمْ)

стр. 493

الْفَصْل الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ يَا هَذَا اشتغلت بفنون تعليلك عَن ذكر تحويلك وستسلب من أَخِيك وخليلك وعَلى تخبيطك وتخييلك (كَأَنَّك بالمضي إِلَى سَبِيلك ... وَقد جد المجهز فِي رحيلك) (وَجِيء بغاسل فاستعجلوه ... بقَوْلهمْ لَهُ أفرغ من غسيلك) (وَلم تحمل سوى كفن وقطن ... إِلَيْهِم من كثيرك أَو قليلك) (وَقد مد الرِّجَال إِلَيْك نعشا ... فَأَنت عَلَيْهِ مَمْدُود بطولك) (وصلوا ثمَّ أَنهم تداعوا ... لحملك فِي بكورك أَو أصيلك) (وَلما أسلموك نزلت قبرك ... وَمن لَك بالسلامة فِي نزولك) (أعانك يَوْم تدخله رَحِيم ... رؤف بالعباد على دخولك) (فَسَوف تجاور الْمَوْتَى طَويلا ... فَدَعْنِي من قصيرك أَو طويلك) (أخي إِنِّي نَصَحْتُك فاستمع لي ... وَبِاللَّهِ استعنت على قبولك) (أَلَسْت ترى المنايا كل يَوْم ... تصيبك فِي أَخِيك وَفِي خَلِيلك) أخواني مَا من الْمَوْت بُد بَاب الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا قد سد كم قد فِي الْقَبْر قد قد كم خد فِي الْأُخْدُود خد يَا من ذنُوبه لَا تحصى إِن شَككت عد يَا من أَتَى بَاب الْإِنَابَة كَاذِبًا فَرد لقد حملت على نَفسك مَا يثقلها فحسبك مَا قد مضى أتقتلها يَا طول سفرة الْمَوْت أَولهَا أَيْن جزع النَّفس أَيْن تململها كَأَنَّهَا بِالْمرضِ قد نزل يزلزلها وَبعث إِلَيْهَا رائد الأسف يستعجلها الحذر الحذر فقد فَوق السِّهَام مرسلها الدروع الدروع فقد جلى السيوف صيقلها مَا هَذِه الْخِصَال المذمومة أتؤثر الْعُقُول لَذَّة مَسْمُومَة مَا هَذَا الْحِرْص والأرزاق مقسومة

стр. 494

أنسيت يَوْم تنشر الصُّحُف المختومة أما تعلم أَنَّهَا ستظهر قبائح مكتومة يَا لَهَا لوعظة بَين المواعظ كالأيام الْمَعْلُومَة أحسن من اللألئ المنثورة وأعجب من الْعُقُود الْمَنْظُومَة الْعلم وَالْعَمَل توءمان أمهما علو الهمة أَيهَا الْمعلم تثبت على المبتدى ﴿وَقدر فِي السرد﴾ فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق وَيَا أَيهَا الطَّالِب تواضع فِي الطّلب فَإِن التُّرَاب بَينا هُوَ تَحت الأخمص صَار طهُور للْوَجْه السهر مرقي إِلَى أطيب مرقد (الْهون فِي طلب الهوينا كامن ... وجلالة الأخطار فِي الأخطار) قلب الْعَالم بَحر مَا للجنة قَرَار إِذا نزل غواص الْفِكر ترقى إِلَى سَاحل اللِّسَان قدر الْإِمْكَان مياه الْمعَانِي مخزونة فِي صدر الْعَالم تفتح لزرع قلبه سيحا بعد سيح ويدخر أصفاها قوتا للروح فَإِذا تكاثرت عَلَيْهِ صَاح السَّيْل الْعَالم ينْفخ فِي صور فِيهِ بِعِبَارَة التخويف فَيَمُوت هوى الْمعاصِي ثمَّ ينْفخ فِي صور التشويق فيحيي روح الْمعرفَة فَيخرج التائب من قبر غفلته فِي كفن يقظته وَقد بدلت الأَرْض غير الأَرْض فَيفتح لَهُ رضوَان الرِّضَا بَاب جنَّة الْوَصْل لَا تظنوا الْعَالم شخصا وَاحِدًا الْعَالم عَالم تصانيف الْعَالم أَوْلَاده المخلدون دون أَوْلَاده من خلق للْعلم شف جوهره من الصغر فتراه ينْفق فِي الْجد بضَاعَة الشبيبة ويسابق سائق الْعَجز يصل الكدود ليله بنهاره كدود القز فِي زمَان الشدَّة فَإِذا امْتَلَأَ وعَاء قلبه بِمَا وعى نسج الْفَهم فِي زَوَايَا الذِّهْن من الْمعَانِي المستنبطة نسج القز فَإِذا رأى عُريَانا من الْعلم فَأَرَادَ كسوته بعث الْفِكر فسل من لطائف اللطف طاقات ثمَّ أرسلها إِلَى صانع الْقُوَّة فَبَالغ فِي تحسينها وتأنق فِي تلوينها ثمَّ ينسجها اللِّسَان على منوال البلاغة فتظهر رقوم نقوشها عَن شدود عقدتها الفطن الْبَاطِنَة فَإِذا الثَّوْب نَسِيج وَحده وَمثل تِلْكَ المطارف الطرائف لَا تبتذل إِلَّا فِي عيد مجْلِس الذّكر لَيْسَ كل من ربى دود القز سلالا وَلَا كل قزاز سقلا طونيا

стр. 495

آه من اشْتِرَاك الْأَسْمَاء وتلقيب القصدير بِالْبيعِ لَيْسَ كل مَعْدن عرق الذَّهَب وَلَا فِي بطن كل غزال مسك لَيْسَ من عَام فِي قَرَار الْبَحْر حَتَّى وَقع بالدر الْيَتِيم كمن قعد على السَّاحِل يجمع الصدف أُمَرَاء الْعبارَات رعية لفصاحتي ويك إِنَّه كيل بِلَا ثمن سقى فصاحتي سيح فقد تضاعفت عَليّ زَكَاة الشُّكْر سَافر لَفْظِي بِبَضَائِع فكري من أَرض قلبِي إِلَى بادية فمي فَسلم سلع النُّطْق إِلَى منادى لساني هَيْهَات فواكه الْأَلْفَاظ اللذيذة فِي مذاق الأفهام السليمة لَيْسَ لَهَا ثمن فَهُوَ يعرضهَا فِي موسم النصح على تجار الْإِرَادَة فَمن مِنْكُم يَشْتَرِي حِكْمَة بِقبُول قد يرى علو مَكَاني وينسى الدرج كم قد خضت بحرا ملحا حَتَّى وَقعت بعذب كم قطعت مهمها وحدي حَتَّى سميت بِالدَّلِيلِ أنضيت مركب الْجِسْم ورفضت شهوات الْحس وواصلت اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي الْجد وَأوقدت فِي دجى الْهوى نَار الصَّبْر فَإِن وثقتم بأمانتي فَهَذَا تَخْيِير الشِّرَاء (شربت لأغلالي رحيقا بسلسال ... من الشاهق العالي على غير تصريد) (فَأَصْبَحت نشوانا من الشّرْب سكرانا ... وأطرب أَحْيَانًا بِلَا نَغمَة الْعود) (وَكم جبت من وَاد وسرت بِلَا حاد ... وَبت بِلَا زَاد سوى ذكر معبودي)

стр. 496

الْفَصْل الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ كم تنذر الدُّنْيَا وَمَا تسمع وَكم تؤنس محبها من وَصلهَا ويطمع فالعجب من فطن غره سراب يلمع (يَأْتِي على النَّاس اصباح وامساء ... وكلنَا لصروف الدَّهْر نسَاء) (خسست يَا دَار دُنْيَانَا وربتما ... يرضى الخسيسة أوباش أخساء) (إِذا تعطفت يَوْمًا كنت قاسية ... وَإِن نظرت بِعَين فَهِيَ شوساء) (وَقد نطقت بأصناف العظات لنا ... وَأَنت فِيمَا يراك النَّاس خرساء) (أَيْن الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك وَمن ... كَانَت لَهُم عزة فِي الْملك قعساء) (نالوا يَسِيرا من اللَّذَّات وَارْتَحَلُوا ... برغمهم فَإِذا النعماء بأساء) الدُّنْيَا دَار كدر بذلك جرى الْقدر فَإِن صفا عَيْش لَحْظَة ندر ثمَّ عَاد التَّخْلِيط فيذر الْوُرُود فِيهَا كالصدر وَدم قتيلها هدر (الْمَرْء من دُنْيَاهُ فِي كلف ... ومآله فِيهَا إِلَى التّلف) (وَلكُل شَيْء فَائت خلف ... وحياتنا فَوت بِلَا خلف) يَا لاحقا بآبائه وأمهاته لَا بُد أَن يصير الطلا إِلَى مهاته يَا من جلّ همته شغل خياطه وطهاته يغلبه الْهوى وَهُوَ غَالب دهاته إِن كَانَ لَك عذر فِي تفريطك فهاته أخواني مر الزَّمَان وعظ الْأَلْبَاب وَيَكْفِي فِي الْإِنْذَار موت الْأَصْحَاب كم ترى فِي التُّرَاب من أتراب أغمدت تِلْكَ السيوف فِي شَرّ قرَاب تناولتهم يَد البلى من كف استلاب وَيحك ضِيَاء الدُّنْيَا ضباب وشراب الْهوى سراب أترضى أَن يُقَال قد خَابَ أما لهَذَا عنْدك جَوَاب كلما دَخَلنَا من بَاب خرجت من بَاب

стр. 497

للشريف الرضى (أذكر تصاب والمشيب نقاب ... وَغير الغواني للمشيب صِحَاب) (أومل مَا لَا يبلغ الْعُمر بعضه ... كَانَ الَّذِي بعد المشيب شباب) (وَطعم لبازي الْمَوْت لَا شكّ مهجتي ... اسف على رَأْسِي فطار غراب) (واثقل مَحْمُول على الْعين مَاؤُهَا ... إِذا بَان أحباب وَعز إياب) لله در أَقوام علمُوا قرب الرحيل فهيئوا آلَة السّفر وهونوا بالدنيا فقنعوا مِنْهَا مِمَّا حضر واستوثقوا بقفل التَّقْوَى من أَذَى النُّطْق وَالنَّظَر مَا لَك خبر بحالهم وَلَا عنْدك مِنْهُم خبر قَامُوا فِي الْجد وَقَعَدت وسهروا فِي الدجى ورقدت طالما نصبوا فِي خدمَة الْمَالِك وناقشوا أنفسهم مناقشة مماحك وآثروا بالزاد فزادوا على البرامك واختبروا بالبلى كالتبر عَن السابك هَذِه طريقهم فَأَيْنَ السالك أترضى بالتأخر عَنْهُم هَذَا برائك كَأَنَّك بهم وَقد دخلت على الملاء الملائك كل يَا من لم يَأْكُل هَذَا بذلك لما أريدوا افيدوا لما شكروا الْمُنعم زيدوا وَلَو فتروا عَن التَّعَبُّد قيدوا نَام الْعَلَاء بن زِيَاد لَيْلَة عَن ورده فجذب فِي نَومه بناصيته وَقيل لَهُ قُم إِلَى صَلَاتك فَمَا زَالَت الْأَخْبَار قَائِمَة فِي حَيَاته ﴿نَحن جعلناها تذكرة﴾ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان غلبتني عَيْني فَإِذا أَنا بالحوراء قد ركضتي برجلها وَهِي تَقول أترقد عَيْنَاك وَالْملك يقظان قَالَ ونمت لَيْلَة أُخْرَى وَإِذا بهَا توقظني وَتقول أتنام وَأَنا أرتي لَك فِي الْخُدُور مُنْذُ خَمْسمِائَة عَام للنابغة الذبياني (أَقُول والنجم قد مَالَتْ أواخره ... إِلَى المغيب تبين نظرة حَار) (ألمحة من سنا برق رأى بَصرِي ... أم وَجه نعم بدالي أم سنا نَار) (أنبئت نعما على الهجران عاتبة ... سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري)

стр. 498

قُلُوب الْقَوْم فِي الدجى قلقة وأفئدتهم من الْخَوْف محترقة والنفوس من هجر الحبيب فرقة وجفونهم من الْبكاء غرقة وعروق الْمحبَّة فِي سويدائهم علقَة وشفاههم بكأس الْمُنَاجَاة مصطحبة مغتبقة والآمال إِلَيْهِ كل وَقت منطلقة وَمَا عَادَتْ قطّ إِلَّا وَهِي بالرجاء عبقة (قل للمقيمين على وَادي الْحمى ... عني إِذا أتيتهم مُسلما) (قد صَار طيب الْعَيْش مذ فارقتكم ... على من بعدكم محرما) (وكل شهد ذقته فِي وصلكم ... قد عَاد من بعد الْفِرَاق علقما) (لَا عَيْش لي إِن غبتم عَن ناظري ... وَإِن حضرتم رُبمَا وَرُبمَا) (إِن سألوك عَن سقام قد رثى ... لي فِيهِ أهل الأَرْض مَعَ أهل السما) (فَقل لَهُم مَا يشتكي من سقم ... لِأَنَّهُ يذكر فِيهِ المسقما) واحسرة من مضوا وخلفوا لقد استبدل بالعسل الْخلّ فوه آه على عَيْش ولى وَلَا عودة وعَلى حاد سرى وَلَا وَقْفَة تالله لَو ضارت الْعين عينا مَا وفت للمهيار (يَا لنسيم سحر بحاجز ... ردَّتْ بِهِ عهد الصِّبَا ريح الصِّبَا) (سل من يدل الناشدين بالغضا ... على الطَّرِيق وَيرد السلبا) (أراجع لي والمنى هلهلة ... وطالع نجم زمَان غربا) (إِذا اطمأنت أضلعي تذكرت ... نواك فاهتزت جوى لَا طَربا) تالله مَا تعشق الْأَمَاكِن لذاتها بل لسابق لذاتها لَك يَا منَازِل فِي الْقُلُوب منَازِل للمعاهد عهد عِنْد المعاهدة كلما تذكره الصب صب الدُّمُوع للمتنبي

стр. 499

(وَمَا شرقى بِالْمَاءِ إِلَّا تذكرا ... لماء بِهِ أهل الحبيب نزُول) (وَمَا عِشْت من بعد الْأَحِبَّة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول) (أما فِي النُّجُوم السائرات وَغَيرهَا ... لعَيْنِي على ضوء الصَّباح دَلِيل) أعرف النَّاس بِالطَّرِيقِ من قد سلك إِذا ذكرت منَازِل مَكَّة حن الْحَاج للمهيار (وَإِذا هَب صبا أَرْضكُم ... حملت ترب الغضى بانا ورندا) (رد لي يَوْمًا على وَادي منى ... إِن قضى الله لأمر فَاتَ ردا) (عجبا لي كَيفَ أبقى بعدهمْ ... غير أَن قد خلق الْإِنْسَان جلدا)

стр. 500

الْفَصْل السَّادِس وَالتِّسْعُونَ يَا من قد ملكته نَفسه وغلبه حسه وَقد دنا حَبسه وستكف خمسه وَلَقَد أنذره جنسه عَاتب نَفسك لَعَلَّهَا ترعوي وَسلمهَا إِلَى رائض الْعلم عساها تستوي أحضر دستور المحاسبة وحاسبها واندبها إِلَى الْخَيْر فَإِن أَبَت فاندبها للْمُصَنف (يَا وَيْح نفس رضيت بِالسقمِ ... وفرطت فِي عمر منصرم) (تستر باللهو وتنس حتفها ... وتؤثر الْبعد على التَّقَدُّم) (وَكلما أَصبَحت أبْكِي فعلهَا ... أضحت عنادا لي فِي تَبَسم) (تفرح بالفاني فَمَا تطلب مَا ... يبْقى لَهَا فَمن يكون حكمي) (أَقُول يَا نفس اتقِي من لم يزل ... معروفه يفوق وكف الديم) (كم من ذنُوب لَك قد سترهَا ... وَعَاد بِالْفَضْلِ وبالتكرم) (وَكم لَهُ من نعْمَة جاد بهَا ... وَكم وَكم أولاك طيب أنعم) (كم واعظ فِي كل يَوْم زاجر ... وَكم نَذِير زائر مُسلم) (وَكم يناديك لِسَان عِبْرَة ... وَأَنت عَن قَول الْهدى فِي صمم) (أَيْن الَّذين شيدوا واحترسوا ... وَأَيْنَ من كَانَ كثير النعم) (مضى الْجَمِيع هَل ترى من أثر ... لَهُم وصاروا فِي بيُوت الظُّلم) (تبدلوا بالترب تربا كلهم ... فِي قَعْر لحد ضيق منهدم) (تفصلت عظامهم وحصلت ... أَعْمَالهم واصبحوا كَالْعدمِ) (وباشروا التُّرَاب بعد ترف ... وَشرف وحجب وخدم) (وسرر ودرى وطرف ... وتحف وصولة وكرم) (وَلَذَّة فِي شَهْوَة لذيذة ... وَعزة فِي عَزمَة وهمم) (لَو قيل قُولُوا مَا مناكم طلبُوا ... حَيَاة يَوْم ليتوبوا فَاعْلَم)

стр. 501

(وَيحك يَا نفس أَلا تيقظ ... ينفع قبل أَن تزل قدمي) (مضى الزَّمَان فِي توان وَهوى ... فاستدركي مَا قد بَقِي واغتنمي) (انتظري الْمَوْت سَيَأْتِي بَغْتَة ... وَأَنت بَين أَسف وَنَدم) (وَحرق وَفرق وحسرة ... وفيض دمع الْعين فِي تسجم) (وترحلين عَن ديار ألفة ... فانتبهي من رقدات النّوم) (من لي إِذا نزلت لحدا مظلما ... هَذَا وَكم من نَازل لم يسلم) (من لي إِذا قَرَأت مَا أمليته ... أقبح مسطور جرى بالقلم) (من لي إِذا أزعج قلبِي حسرة ... وَهل ترى يشفى بفوزي ألمي) (كَيفَ الْخَلَاص وَالْكتاب قد حوى ... كل فعالي وَجَمِيع كلمي) (يَا نفس فَازَ الصالحون بالتقى ... فَأَبْصرُوا الرشد وقلبي قد عمي) (يَا حسنهم وَاللَّيْل قد جنهم ... ونورهم يفوق نور الأنجم) (ترنموا بِالذكر فِي ليلهم ... فعيشهم قد طَابَ بالترنم) (قُلُوبهم للذّكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ مُنْتَظم) (أسحارهم بهم لَهُم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير الْقسم) (سَار وأوعدت عَن طَرِيق وَاضح ... دلّ على الرشد دَلِيل الْعلم) (دَعْنِي أبْكِي مَا حييت أبدا ... فَحق لي أبْكِي فَلَا لَا تلم) يَا عجبا لَك تتسمى باسم تَاجر وتخاصم على الدِّرْهَم وتشاجر وتصابر لربح القيراط الهواجر وتغضب لأجل الْجُبَّة وتهاجر وترضى فِي أفعالك باسم فَاجر أما لَك من عقلك ناه وَلَا زاجر يَا من نَومه كثير وانتباهه نَادِر إِن دعيت إِلَى التَّوْبَة سوفتها وَإِن قُمْت إِلَى الصلوة سففتها وَإِن لَاحَ وَجه الدُّنْيَا ترشفتها أما هِيَ دَار بلغَة لضيفها تضيفتها أَو لَيْسَ قد شبت وَمَا عرفتها كم بادية فِي أرباح غير بادية تعسفتها لقد استشعرت محبتها أَي وَالله والتحفتها تالله لَو علمت جناياتها لعفتها أنسيت تِلْكَ الذُّنُوب الَّتِي أسلفتها آه لبضائع عمر بذرت فِيهَا وأتلفتها كم تعد بالإنابة وكل الوعود أخلفتها فَمَا تلين قناتك لغامز وَلَا ترى مَا تشْتَهي فَتَجَاوز وَيحك بَين يَديك أهوال وهزاهز كم تقوم وَلَا تستوي من

стр. 502

يُغير الغرائز إبك لما بك واندب فِي شيبك على شبابك وتأهب لسيف الْمنون فقد علق الشبابك (قد كَانَ عمرك ميلًا ... فَأصْبح الْميل شبْرًا) (وَأصْبح الشبر عقدا ... فاحفر لنَفسك قبرا) عجبا للطرف كَيفَ اغتمض ولمكلف مَا أدّى المفترض يَا من كلما بنى على أَن يلوذ بِنَا نقض يَا من إِذا أدّى حَقًا فعلى مضض يَا من إِذا لَاحَ لَهُ صيد الفاني جد وركض يَا من إِذا قدر على جيفة الْهوى جثم وربض يَا مَشْغُولًا عَن الْجَوْهَر بفاني الْعرض إِيثَار مَا يفنى على يَا يبْقى أَشد الْمَرَض (أَلا يَا غافلا تحصى عَلَيْهِ ... من الْعَمَل الصَّغِيرَة والكبيرة) (يصاح بِهِ وينذر كل يَوْم ... وَقد أنسته غفلته مصيره) (تأهب للرحيل فقد تدانى ... وأنذرك الرحيل أَخ وجيره) (وَكم ذَنْب أتيت على بصيره ... وعينك بِالَّذِي تَأتي قريره) (تحاذر أَن تراك هُنَاكَ عين ... وَإِن عَلَيْك للعين البصيره) (وَكم من مدْخل لومت فِيهِ ... لَكُنْت بِهِ نكالا فِي العشيره) (وقيت السوء وَالْمَكْرُوه مِنْهُ ... ورحت بِنِعْمَة فِيهِ ستيره) هَذَا حادي الْمَمَات قد أسْرع هَذِه سيوف الملمات تلمع هَذِه قُصُور الأقران بلقع إِن وصلت الدُّنْيَا فعلى نِيَّة أَن تقطع وَإِن بذلت فعلى عزم أَن تمنع أفيها حِيلَة أم فِي وَصلهَا مطمع يَا معرقا فِي البلى قل لي لمن تجمع إِذا خلوت وتخليت فَكيف تصنع أَتَرَى أَنْت عندنَا أَو مَا تسمع يَا مَحْبُوسًا فِي سجن هَوَاهُ مَتى تتخلص لَو عرفتنا ألفتنا لنا أحباب لَهُم ألباب هم اللّبَاب شغلهمْ على الدَّوَام الْمِحْرَاب حاضرون مَعكُمْ بالأبدان وبالقلوب غياب (وشغلت عَن فهم الحَدِيث سوى ... مَا كَانَ مِنْك فَإِنَّهُ شغلي) (وأديم نَحْو محدثي نَظَرِي ... إِنِّي قد فهمت وعندكم عَقْلِي)

стр. 503

مَا نَالَ الصالحون مَا نالوا إِلَّا بترك مَا نطلبه وَمَا نالوا كَانَت هممهم فِي طلب الْفَضَائِل تغلي فِي الْقُلُوب غليان مَا فِي الْقُدُور تخايل الْقَوْم لَذَّة الثَّوَاب فسهلت عَلَيْهِم مرارات الصَّبْر وتصوروا خُلُود الْأَبدَان فهان عَلَيْهِم بذل النُّفُوس جدوا فِي الْجد فَمَا سكنوا حَتَّى سكنوا الْجنَّة وراحة الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا صفر من رَاحَة فَلَو رَأَيْتهمْ فِي الْجنان يسرحون منطلقين فِي أغراضهم يمرحون لَا يَدْرُونَ بِأَيّ مَطْلُوب يفرحون أبالنجاه من النيرَان أم بالخلود فِي الْجنان أم بالخيرات الحسان أم برضى المليك الديَّان لقد نالوا بالمراد مَا لم يكن فِي الحسبان من تلمح جولان مُضْمر الصَّبْر فِي لذيذ الْعَافِيَة وفرحة الْمُفطر بعد انصاب الصَّوْم وَتَنَاول العذب بعد عَذَاب الظما وسلامة الغريق بعد الإغراق فِي أَذَى الْأَذَى وخلاص التَّجر من مصر ماصر المكس وتلاقي الأحباب على بَاب الطول بعد طول الْفِرَاق راى من قُوَّة قُرَّة الْعين مَا لَا يدْخل تَحت قِيَاس بعد أَن حدق ياس وَقد وَصفنَا مَا حصل للْقَوْم وَجُمْلَة المبذول من الثّمن ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (قف بالمحصب واسئل أَيهَا الرجل ... تِلْكَ الرسوم عَن الأحباب مَا فعلوا) (فَمَا اسائل عَن آثَارهم أحدا ... إِلَّا أجَاب غراب الْبَين قد رحلوا)

стр. 504

الْفَصْل السَّابِع وَالتِّسْعُونَ من ركب الْهوى هوى بِهِ وَالنَّفس إِذا اسْتعْملت التَّقْوَى تقوى بِهِ (إِن كنت يَا صَاح لبيبا حازما ... فَكُن لأسباب الْهوى مراغما) (لَا تهو دنياك فَإِن حبها ... رَأس الْخَطَايَا تكسب المآتما) (غرارة فَكل من حلت لَهُ ... لَا بُد أَن تذيقه العلاقما) (وَإِنَّمَا تخْدم من أهاتها ... كَمَا تهين من أَتَاهَا خَادِمًا) (فَكُن بهَا مثل غَرِيب مصلح ... أزواده على الرحيل عَازِمًا) (وبادر الْأَيَّام قبل فَوتهَا ... مخاصما للنَّفس أَو مسالما) (فَإِنَّمَا عمر الْفَتى سوق لَهُ ... يروح عَنْهَا خاسرا أَو غانما) يَا من يخطي على نَفسه ويقترف مَتى تندم وتعترف يَا من بحب العاجل قد كلف ستعلم غَدا جفن من يكف يَا مَحْبُوسًا فِي سجن الْهوى لَو ارعوى أنف يَا مترددا فِي التَّوْبَة سارع وَلَا تقف إِلَى مَتى أعمالك كلهَا قباح إِلَى كم فَسَاد مَتى يكون الصّلاح ستفارق هَذِه الأجساد الْأَرْوَاح أما فِي غدو وَإِمَّا فِي رواح سيفنى هَذَا الْمسَاء والصباح وسيخلو البلى بالوجوه الصَّباح أَفِي هَذَا شكّ وَالْأَمر صراح أَيْن شَارِب الراح رَاح إِلَى قبر تسفي عَلَيْهِ الرِّيَاح خلى للبلى والدود مُبَاح لَهما اغتباق بِهِ ثمَّ اصطباح عَلَيْهِ نطاق من التُّرَاب ووشاح عنوانه لَا يزَال مَفْهُومه لَا براح مَشْغُول عَمَّن بَكَى عَلَيْهِ وناح أما هَذَا لنا عَن قَلِيل إِنَّا لوقاح كَأَنَّك بِملك الْمَوْت قد صَوت بِالروحِ وَرَاح فتأهب للنقلة على غَفلَة (لم إدر بالبين حَتَّى أزمعوا ظعنا ... كل الْجمال قبيل الصُّبْح مزموم)

стр. 505

هَذَا حادي الرحيل قد استعجلكم فالبدار البدار خلوا كسلكم ودعوا التواني فالتواني قد قتلكم وآ أسفي سبق الصالحون فَمَاذَا شغلكم فستذكرون مَا أَقُول لكم (مَا على حادي المطايا لَو ترفق ... ريثما أسكب دمعي ثمَّ أعنق) (يَا فؤادا كلما قلت خبت ... ناره ألهبه الوجد فَأحرق) (ذَلِك الْعَيْش الَّذِي فَاتَ بِهِ ... سائق الدَّهْر فولى أَيْن يلْحق) (زَالَ إِلَّا خطرة من ذكره ... كَاد إنساني لَهَا بالدمع يشرق) (يلذع الْقلب إِذا غنى على ... فنن أَو ناح قمري مطوق) يَا معدودا مَعَ الشيب فِي الصّبيان يَا مَحْبُوسًا مَعَ البصراء فِي العميان يَا وَاقِفًا فِي المَاء وَهُوَ ظمآن يَا عَارِفًا بِالطَّرِيقِ وَهُوَ حيران أما وعظت بآي الْقُرْآن أما زجرت بناي الأقران أما تعْتَبر بصروف الزَّمَان أتعمر الْمنزل وعَلى الرحيل السكان أما يَكْفِي وعظ ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ تُسَافِر بِبَضَائِع الْأَمَانَة وَمَا تنزل إِلَّا فِي خَان من خَان أفعالك كلهَا مَكْتُوبَة فيا لَيْت مَا كَانَ مَا كَانَ تدفن الْمَيِّت وَلَا وعظ كالعيان ثمَّ تعود غافلا يَا قرب ذَا النسْيَان وَيحك أما تَدْرِي أَن الْهوى هوان ﴿ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَن لَا تعبدوا الشَّيْطَان﴾ (نراع إِذا الْجَنَائِز قابلتنا ... ونسكن حِين تخفى ذاهبات) (كروعة ثلة لظُهُور ذِئْب ... فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ راتعات) يَا مستأنسا بِظِل متقلص يَا حَرِيصًا على الْهوى وَالْمَوْت عَلَيْهِ يحرص يَا من إِذا كال فمطفف وَإِن وزن فمتلصص مَا تتخلص من معامل وَهُوَ عِنْد الله متخلص تفكر فِيمَن أصبح مَسْرُورا فأمسى وَهُوَ متنغص وَمَتى ازددت لَذَّة فاذكر قبلهَا المنغص حاسب نَفسك وَخذ على يَديهَا لَا ترخص حَائِط الْبَاطِن خراب فلماذا تجصص

стр. 506

يَا بن آدم أَنْت بَين ذَنْب لَا تَدْرِي أَغفر وحسنة لَا تَدْرِي أَقبلت فَأَيْنَ الانزعاج لما سترت عَن الصَّالِحين العواقب استراحوا إِلَى الأحزان وفزعوا إِلَى الْبكاء كَانُوا يتزاورون فَلَا تجْرِي فِي خلْوَة الزِّيَارَة إِلَّا دموع الحذر كَانَ أَشْعَث الْحَرَّانِي يزور حبيب العجمي فيبكيان طول النَّهَار (باحت بسري فِي الْهوى أدمعي ... ودلت الواشي على موضعي) (يَا قوم إِن كُنْتُم على مذهبي ... فِي الوجد والحزن فنوحوا معي) (يحِق لي أبْكِي على زلتي ... فَلَا تلوموني على أدمعي) أخواني أَتَدْرُونَ مَا أقلق هَذَا التائب أعلمتم مَا أقدم هَذَا الْغَائِب (سرى نسيم الصِّبَا من حاجر فصبا ... فَبَاتَ يشكو إِلَى أنفاسه الوصبا) (مَا يبرح البارق والنجدي يذكرهُ ... نجدا ويلهيه وجدا إِذا التهبا) يحِق لمن رأى الراحلين إِلَى الحبيب وَهُوَ قَاعد أَن يبكي وَلمن سمع بأخبار الواصلين وَهُوَ متباعد أَن يقلق (أبْصر الركب على الْجزع ضحى ... فتوالى دمعه منسفحا) (يَا خليلي بجرعاء الْحمى ... سَائِلًا من حل ذَاك الأبطحا) (وخذا عني أَحَادِيث الغضا ... بخل الرَّاوِي بهَا أَو سَمحا) (واستملاها بدمعي واكتبا ... عَن أخي الشوق إِذا مَا شرحا) (وَإِذا هَب الصِّبَا قولا لَهُ ... عد فقد هيجت قلبا مَا صَحا) (يَا أهل الْحَيّ من كاظمة ... عَاد مَسْتُور الْهوى مفتضحا) إِذا رَأَيْتُمْ قلقا فارحموه وَإِذا شاهدتم باكيا فوافقوه وَإِذا عاينتم واجدا فاتركوه (خَلِّنِي من العذل ... مَا الْفُؤَاد من قبلي) (لَا تسل فَفِي كَبِدِي ... شعلة من الشعل) يَا أَطْفَال الْهوى أَيْن أَنْتُم وَالرِّجَال

стр. 507

(كم من حث وَمَا أرى غير بطا ... لَو حركت الْعَزْم نحونا فضل خطا) (تعصى قصدا وتدعيه غَلطا ... تصمي عمدا وتزعم الْقَتْل خطا) يَا هَذَا إِذا هَمَمْت بِخَير فبادر لِئَلَّا تغلب وَإِذا هَمَمْت بشر فَسَوف هَوَاك لَعَلَّك تغلب ثقف نَفسك بالآداب قبل صُحْبَة الْمُلُوك فَإِن سياسة الْأَخْلَاق مراقي الْمَعَالِي قَالَ بزرجمهر أخذت من كل شَيْء أحسن مَا فِيهِ حَتَّى من الْكَلْب والهر والغراب قيل مَا أخذت من الْكَلْب قَالَ ذبه عَن حريمه وإلفه لأَهله قيل فَمَا أخذت من الهر قَالَ رفقها عِنْد المسئلة ولين صياحها قيل وَمن الْغُرَاب قَالَ شدَّة حذره لَوْلَا سخط نفس أبي بكر عَلَيْهِ لمفارقة هَواهَا مَا نَالَ مرتبَة أَنا عَنْك رَاض لَوْلَا عرى أويس مَا لبس حلَّة يشفع مثل ربيعَة وَمُضر يَا كثير الذُّنُوب مَتى تقضي يَا مُقيما وَهُوَ فِي الْمَعْنى يمْضِي أترك الْهوى مَحْمُودًا قبل أَن يتركك مذموما إِن فاتتك قصبات السَّبق فِي الزّهْد فَلَا تفوتنك سَاعَات النَّدَم فِي التَّوْبَة يَا من كلما حرك إِلَى الْجد الْجد سَوف يَا من شدد عَلَيْهِ الْوَعيد وَمَا تخوف يَا مَرِيض الْهوى بل يَا مدنف إِن كنت لَا تعرف الدَّوَاء فالطبيب قد عرف هَذَا مُمكن النصائح ثمَّ أَنْت بِنَفْسِك أعرف

стр. 508

الْفَصْل الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ أخواني من عرف مَا بَين يَدَيْهِ لم يُؤثر الْهوى وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ وَمن تفكر فِي رحيل من كَانَ لَدَيْهِ صَار النهوض للتزود مُتَعَيّنا عَلَيْهِ (رَحل الْأَحِبَّة عَن دِيَارهمْ ... أَهْون بِمَا أخذُوا وَمَا تركُوا) (وَعلمت أَيْن مضى الخليط فَمَا ... أَنا بالمبالي أَيَّة سلكوا) (ونفوسنا كحمائم وقفت ... للصائدين ودونها الشبك) (متضربات فِي حبائلها ... وَهِي جنَاح ضمه الشّرك) (أَن الْمُلُوك إِذا هم احتضروا ... ودوا هُنَالك أَنهم نسكوا) كم فَرح بِشَهْر وإهلاله متهلل لرؤية هلاله إختطفه الْمَوْت فِي خلاله كم مائل إِلَى جمع مَاله تَركه تَرِكَة وَمر باثقاله هَل رحم الْمَوْت مَرِيضا لضعف أوصاله هَل ترك كاسبا لأجل أطفاله هَل أمْهل ذَا عِيَال من جرا عِيَاله كم رَاع قصرا وَمَا رَاعى عَن ابطاله كم أشرف على شرِيف فَلم ينظر فِي خلاله كم خرق درعا نبيلا بِوَقع نباله كم أيتم طفْلا صَغِيرا وَلم يباله كم شدّ نفسا فِي سَعَة نعاماه وشماله كم بعث عليلا إِلَى البلى بعد التراقي إِلَى إبلاله فرقى روحه إِلَى التراقي وَلم ينظر فِي حَاله (أَلَيْسَ إِلَى الْآجَال نهوى وخلفنا ... من الْمَوْت حاد لَا يغب عجول) (دع الْفِكر فِي حب البقآء وَطوله ... فهمك لَا الْعُمر الْقصير يطول) (وَمن نظر الدُّنْيَا بِعَين حَقِيقَة ... تَيَقّن أَن الْعَيْش سَوف يَزُول) (وَمَا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا فوارس ... تطاردنا والنائبات خُيُول)

стр. 509

بَينا محب الدُّنْيَا فِي اختيال ومرح وَكلما جَاءَ بَابا من أَبْوَابهَا فتح وَكلما عانى أمرا من أمرهَا صلح فَبينا هُوَ لذاته يُدِير الْقدح قدح زناد الْعُمر فِي حراق الْقدح فَمن يسْتَدرك مَا فَاتَ وَمن يداوي مَا جرح (بَيْنَمَا الْمَرْء غافل إِذا أَتَاهُ ... من يَد الْمَوْت سالب لَا يصد) (فتأهب لمَاله كل نفس ... عرضة الْأسر إِنَّمَا الْأَمر جد) إِلَى كم تَعْصِي وتتمرد وأقبح من قبحك أَنَّك تتعمد يَا ردي الْعَزْم يَا سيء الْمَقْصد يَا نقي الثَّوْب وَالْقلب أسود مَا هَذَا الأمل وَلست بمخلد يَا مَسْتُورا على الْقَبِيح أم تجحد أما الطَّرِيق طَوِيلَة فَمَتَى تتزود تخلص من اسر الْهوى فَإنَّك مُقَيّد أتشتري لَذَّة سَاعَة بِعَذَاب سرمد (سَبِيلك فِي الدُّنْيَا سَبِيل مُسَافر ... وَلَا بُد من زَاد لكل مُسَافر) (وَلَا بُد للْإنْسَان من حمل عدَّة ... وَلَا سِيمَا إِن خيف صولة قاهر) يَا مدمن الذُّنُوب مُنْذُ كَانَ غُلَاما علام عولت قل لي علاما أتأمن مأتى من أَتَى حَرَامًا قد ترى مَا حل بهم إِلَيْك قد ترامى أَيْن المجتمعون على خمورهم والندامى كل الْقَوْم فِي قُبُورهم ندامى أما مَا جرى على العصاة يَكْفِي اماما لقد ضيعنا حَدِيثا طَويلا وكلاما مَا أرى إِلَّا دَاء عقاما (يَا لَيْت شعري مَا ادخرت ... ليَوْم بؤسك وافتقارك) (فلتنزلن بمنزل ... تحْتَاج فِيهِ إِلَى إدخارك) (أفنيت عمرك باغترارك ... ومناك فِيهِ بانتظارك) (ونسيت مَا لَا بُد مِنْهُ ... وَكَانَ أولى بادكارك) (وَلَو اعْتبرت بِمَا ترى ... لكفاك علما باعتبارك) (لَك سَاعَة تَأْتِيك من ... سَاعَات ليلك أَو نهارك) (فَتَصِير محتضرا بهَا ... فتهي من قبل احتضارك) (من قبل أَن تقلي وتقصي ... ثمَّ تخرج من دِيَارك) (من قبل أَن يتثاقل ... الزوار عَنْك وَعَن مزارك)

стр. 510

مَتى تفيق من هَذَا الْمَرَض المراض مَتى تستدرك هَذِه الْأَوْقَات الطوَال العراض يَا عرض الْمنون كَيفَ تبقي الْأَعْرَاض أما الْأَعْمَار فِي كل يَوْم فِي انْقِرَاض لقد نبت قبل شكة السهْم صَكَّة المعراض أما ترى الراحلين مَاضِيا خلف مَاض كم بُنيان ماتم حَتَّى تمّ مأتم وَهَذَا قد استفاض إِن الْمَوْت إِلَيْك كَمَا كَانَ إِلَى أَبَوَيْك فِي ارتكاض إِن لم تقدر على مشارع الصَّالِحين فَرد بَاقِي الْحِيَاض إِن لم يكن لَك ابْن لبون فلتكن بنت مَخَاض إِلَى مَتى وَحَتَّى مَتى أَتعبت الرواض كلما بنينَا نقضت وَلَا بِنَاء مَعَ نقاض يَا من قد بَاعَ نَفسه بلذة سَاعَة بيعا عَن ترَاض لبئس مَا لبست أَتَدْرِي مَا تعتاض يَا عِلّة لَا كالعلل وَيَا مَرضا لَا كالأمراض (لقد أَخْبَرتك الحادثات نُزُولهَا ... ونادتك إِلَّا أَن تسمع ذُو وقر) (تنوح وتبكي للأحبة إِن مضوا ... ونفسك لَا تبْكي وَأَنت على الإثر) يَا مُخَالفا من نَهَاهُ وَأمره يَا مضيعا فِي البطالة عمره الزَّمَان صولجان والعمر كرة الدُّنْيَا بَحر والساحل الْمقْبرَة إحذر نوائبها فَإِن مشاربها كدرة على أَنَّهَا مزرعة يحصد كل مَا بذره فَلَا تحتقر مَعْصِيّة فَرُبمَا أحرقت شررة أما عرفت سر ﴿وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ لَو اقتنع اكْتفى وَلَكِن المحنة الشرة أخواني كل مقَاتل لَيْسَ مَعَه سلَاح عزم مغلوب إِذا برز شُجَاع الْيَقَظَة بسلاح الْجد هشم وَجه الأمل وَهزمَ جيوش الزلل إِذا استشعرت النَّفس زرمانقة الزّهْد وَدخلت مترهبنة دير العزوف وجدت أنيس أَنا جليس من ذَكرنِي الْخلْوَة شرك لصيد الموانسة فاخفى الصيادين شخصا وَأَقلهمْ حَرَكَة أَكْثَرهم التقاطا للصَّيْد مَا صَاد هر صَاح وَحل المخالطة يلْزم المتمهذب المتذهب رفع أذيال قَمِيص الدّين قيل لِلْحسنِ مَا بَال المتهجدين بِاللَّيْلِ من أحسن النَّاس وُجُوهًا قَالَ لأَنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره

стр. 511

(أبدا نفوس الطالبين ... إِلَى طلولكم تحن) (وَكَذَا الْقُلُوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئِن) (جنت بحبكم وَمن ... يهوى يجن وَلَا يجن) (بحياتكم يَا سادتي ... جودوا بوصلكم ومنوا) رحم الله أعظما طالما نصبت وانتصبت جن عَلَيْهَا اللَّيْل فَلَمَّا تمكن وَثَبت وَثَبت إِن ذكرت عدله رهبت وهربت وَإِن تصورت فَضله فرحت وطربت عرفت أذنبت عَن خدمته إِنَّهَا قد أذنبت هبت على قُلُوبهم عقيم الحذر فاقشعرت وندبت فَبَكَتْ عَلَيْهَا سَحَاب الرَّجَاء فاهتزت وربت حَسبك إِن قوما موتى تحيى بذكرهم النُّفُوس وَإِن قوما أَحيَاء تقسو برؤيتهم الْقُلُوب سَلام الله على تِلْكَ الْقُبُور ورضوان الله حَشْو تِلْكَ اللحود (طلول إِذا دمعي شكى الْبَين بَينهَا ... شكى غير ذِي نطق إِلَى غير ذِي فهم) أَمَاكِن تعبدهم باكية ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية زَالَ التَّعَب وَبَقِي الْأجر وَذهب ليل النصب وطلع الْفجْر جَاءَ فِي الحَدِيث تَحت شَجَرَة طُوبَى مستراح العابدين إِنَّمَا يطيب مَكَان الاسْتِرَاحَة بإجراء حَدِيث التَّعَب وَإِنَّمَا يلذ الظل الْبَارِد لمن تأذى بَحر الهجير أخواني مثلُوا الاسْتِرَاحَة تَحت شَجَرَة طُوبَى يهون عَلَيْكُم السّفر إدأبوا فِي السّير فقد لَاحَ الْعلم (لما وردنا الْقَادِسِيَّة ... حَيْثُ مُجْتَمع الرفاق) (وشممت من أَرض الْحجاز ... نسيم أنفاس الْعرَاق) (أيقنت لي وَلمن أحب ... بِجمع شَمل واتفاق) (وضحكت من طيب الْوِصَال ... كَمَا بَكَيْت من الْفِرَاق) (مَا بَيْننَا إِلَّا تصرم ... هَذِه السَّبع الْبَوَاقِي) (حَتَّى يطول حديثنا ... بصنوف مَا كُنَّا نلاقي)

стр. 512

الْفَصْل التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ يَا هَذَا هون بِأَمْر الدُّنْيَا تهن وَقدر أَنَّهَا قطّ لم تكن واحفظ دينك من مكْرها وصن فَمَتَى وفت وَمَتى لم تخن للمتنبي (لَا تلق دهرك إِلَّا غير مكترث ... مَا دَامَ يصحب فِيهِ روحك الْبدن) (فَمَا يديم سُرُورًا مَا سررت بِهِ ... وَلَا يرد عَلَيْك الْفَائِت الْحزن) (فَمَا أضرّ بِأَهْل الْعِشْق أَنهم ... هووا وَمَا عرفُوا الدُّنْيَا وَلَا فطنوا) (تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم ... فِي أثر كل قَبِيح وَجهه حسن) (تحملوا حملتكم كل نَاحيَة ... فَكل بَين على الْيَوْم مؤتمن) (مَا فِي هوادجكم من مهجتي عوض ... إِن مت شوقا وَلَا فِيهَا لَهَا ثمن) (سهرت بعد رحيلي وَحْشَة لكم ... ثمَّ اسْتمرّ مريري وارعوى الوسن) إِنَّمَا الدُّنْيَا حلم نَائِم وقائلة رَاقِد ومعبر مُعْتَبر وضحكة مستعبر تالله مَا أعجب بمالها من نظر فِي مَالهَا وَلَا بنى قُصُورهَا من عرف غرورها وَلَا مد بَاعَ الأمل فَبَاعَ وشرى بهَا من تذكر مر شرابها إِنَّهَا إِذا طغت على الطَّعَام تطغى وَإِذا بغى نِكَاحهَا على العفاف تبغى وَكَأَنَّهَا تقصد هَلَاك محبها وتبغى وَكم عذلت فِي فتكها بالفتى الْفَتى وتلغى أما دردرها فغرت فَلَمَّا فرغت فغرت فاها فرغت للظعن أما سحبت قُرُون قَارون مَعَ أقرانه إِلَى الْقَرار فِي قرن أما كفكفت بكفها كف مكفوف حبها فأرتك فن مَا يكون فِيك فِي كفن تالله لقد لَقِي الغبي غب غباوته فَلَمَّا انجلى غيهب عيبته رأى الْغبن والغبن

стр. 513

يَا أَرْبَاب اللمم الشماط الْمَوْت بكم قد أحَاط هَذَا الْعَدو منَازِل فالزموا الرِّبَاط مَا هَذِه الفتور وَمهر الْحور الْجد والنشاط إيَّاكُمْ والزلل فكم من دم أشاط أما سَمِعْتُمْ مُنَادِي ﴿وَتلك الْقرى أهلكناهم﴾ أما ينذركم أَعْلَام ﴿وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك﴾ أما يفصم عرى عزائمكم ﴿وَكم قصمنا من قَرْيَة﴾ أما يقصر من قصوركم ﴿وبئر معطلة وَقصر مشيد﴾ أما سَمِعْتُمْ هَاتِف العبر يُنَادي ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ إِذا رَأَيْتُمْ المبارزين بالْخَطَأ قد اتَّسع لَهُم مجَال الْإِمْهَال فَلَا تستعجل لَهُم ﴿أَنما نملي لَهُم﴾ بَينا الْقَوْم على غرور سرورهم ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ يَا سالكي سبيلهم انحرفوا عَن هَذِه الجادة يَا هَذَا ظلمك لنَفسك غَايَة فِي الْقَبِيح إِلَّا أَن ظلمك لغيرك أقبح وَيحك إِن لم تَنْفَع أَخَاك فَلَا تؤذه وَإِن لم تعطه فَلَا تَأْخُذ مِنْهُ لَا تشابهن الْحَيَّة فَإِنَّهَا تَأتي إِلَى الْموضع الَّذِي قد حفره غَيرهَا فتسكنه وَلَا تتمثلن بالعقاب فَإِنَّهُ يتكاسل عَن طلب الرزق ويصعد على مرقب عَال فَأَي طير صَاد صيدا اتبعهُ فَلَا تكون لَهُ همة إِلَّا إِلْقَاء صَيْده والنجاة بِنَفسِهِ فِي الْحَيَوَانَات أخيار وأشرار كبني آدم فالتقط خير الْخلال وخل خسيسها وَلَا تكن العصافير احسن مِنْك مروة إِذا أوذي أَحدهَا صَاح فاجتمعن لنصرته وَإِذا وَقع فرخها طرن حوله يعلمنه الطيران يَا هَذَا تخلق فِي إِعَانَة الأخوان بِخلق النملة فَإِنَّهَا قد تَجِد جَرَادَة لَا تطِيق حملهَا فتعود مستغيثة بأخواتها فترى خلفهَا كالخيط الْأسود قد جئن لإعانتها فَإِذا وصلن بالمحمول إِلَى بَيتهَا رفهنه عَلَيْهَا هَيْهَات إِن الطَّبْع الردي لَا يَلِيق بِهِ الْخَيْر هَذِه الخنفساء إِذا دفنت فِي الْورْد لم تتحرك فَإِذا أُعِيدَت إِلَى الروث رتعت وَمَا يَكْفِي الْحَيَّة أَن تشرب اللَّبن حَتَّى تمج سمها فِيهِ وكل إِلَى طبعه عَائِد إِلَّا أَن الرياضة قد

стр. 514

تزيل الشَّرّ جملَة وَقد تخفف كَمَا أَن غسل الْأَثر إِن لم يزله خفف إِن دمت على سلوك الجادة رجونا لَك الْوُصُول وَإِن طَال السرى يَا هَذَا الْفِيل والجمل يسبحان وَلَكِن الْفِيل مليح السباحة والجمل يسبح على جنب فيفتضح عِنْد سباحة الْفِيل ثمَّ كِلَاهُمَا يعبر إِذا لم تطق منازلة الْحَرْب فَكُن من حراس الخيم إِذا رَأَيْت الْبَاب مسدودا فِي وَجهك فارض بِالْوُقُوفِ خَارج الدَّار مَعَ السُّؤَال إِذا لم تظفرك الحروب فسالم أَتَرَى يصلح هَذَا الْقلب بعد الْفساد أَتَرَى يتبدل بالبياض هَذَا السوَاد كم أَقُول عَسى أصلح وَلَعَلَّ وَكلما اسْتَوَى قدمي زل كم تَتَغَيَّر الْأَحْوَال وَمَا أتغير كم تصح لي الطَّرِيق وأتحول (لله أَمر من الْأَيَّام أطلبه ... هَيْهَات أطلب شَيْئا غير مَطْلُوب) (وحاجة أتقاضاها وتمطلني ... كَأَنَّهَا حَاجَة فِي نفس يَعْقُوب) إِلَى كم تَقول سأتوب ألم يخجل اللِّسَان الكذوب (كلما أملت يَوْمًا صَالحا ... عرض الْمَقْدُور لي فِي أملي) (اقْطَعْ الدَّهْر بِظَنّ حسن ... واجلي غمرة مَا تنجلي) (وَأرى الْأَيَّام لَا تدني الَّذِي ... ارتجى مِنْك وتدنى أَجلي) إِذا كَانَت كرة الْقلب بِحكم صولجان التقليب بطلت الْحِيَل لما قرب جِبْرِيل وَمِيكَائِيل اهتزت الْمَلَائِكَة فخرا بِقرب جِنْسهَا من جناب الْعِزَّة فَقطع من بَين أَغْصَانهَا شَجَرَة هاروت وَكسر فنن ماروت وَأخذ من لبها كرة ﴿وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي﴾ فتزودت الْمَلَائِكَة فِي سفر الْعُبُودِيَّة بزاد الحذر وقادت فِي سبل معروفها بخت التَّطَوُّع للمنقطعين ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض﴾ نُودي من نَادَى الأفضال ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ فسارت نَجَائِب الْأَعْمَال إِلَى بَاب الْجَزَاء فصيح بِالدَّلِيلِ ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك﴾ فَقَالَ مَا مِنْكُم من ينجيه عمله

стр. 515

فيا لِسَان القلق تكلم بِعِبَارَة الدمع لَعَلَّه يَقع فِي سمع الْقبُول فمراد الممرض أَنِين المبتلي النّظر فِي هَذِه الْأُمُور قلقل الْقُلُوب العارفين فَكَانُوا يَبْكُونَ الدِّمَاء اجْتمعت اخوان الْقَوْم على قُلُوب فأوقدت نَار الحذر فَكَانَ الدمع صَاحب الْخَبَر فتم أقلقهم الْخَوْف وَالْفرق أطافت بقلوبهم الحرق لباسهم ملفقات الْخرق طعامهم مَا حضر وَاتفقَ يَا نورهم إِذا جن الغسق يَا حسن دمعهم محدقا بالحدق إنقطع السلك فسالت على نسق فَكتبت عذرها فِي الخد لَا فِي الْوَرق ذَابَتْ أجسامهم فَلم يبْق إِلَّا رَمق فلاحظهم الْعَفو لطفا بهم ورفق لَو رَأَيْتهمْ يتشبثون بذيل الظلام ويأنسون بِنوح الْحمام ويهربون إِلَى الفلوات وَغَايَة لذاتهم الخلوات نواح الْحمام مسخر للمشتاق لَا يُرِيد مِنْهُ إجرة بَينهمَا أنس ممزوج بمنافرة (إِن كنت تنوح يَا حمام البان ... للبين فَأَيْنَ شَاهد الأحزان) (أجفانك للدموع أم أجفاني ... لَا يقبل مُدع بِلَا برهَان)

стр. 516

الْفَصْل الْمِائَة يَا من أنفاسه مَحْفُوظَة وأعماله ملحوظة أينفق الْعُمر النفيس فِي نيل الْهوى الخسيس (جد الزَّمَان وَأَنت تلعب ... والعمر لَا فِي شَيْء يذهب) (كم كم تَقول غَدا أَتُوب ... غَدا غَدا وَالْمَوْت أقرب) أما عمرك كل يَوْم ينتهب أما الْمُعظم مِنْهُ قد ذهب فِي أَي شَيْء فِي جمع الذَّهَب تبخل بِالْمَالِ والعمر تهب يَا من إِذا خلا تفكر وَحسب فَأَما نزُول الْمَوْت فَمَا حسب لَك نوبَة لَا تشبه النوب بَين يَديك كربَة لَا كالكرب تطلب النجَاة وَلَكِن لَا من بَاب الطّلب تقف فِي الصلوة إِن صَلَاتك عجب الْجِسْم حَاضر وَالْقلب فِي شعب الْجَسَد بالعراق وَالْقلب فِي حلب الْفَهم أعجمي وَاللَّفْظ لفظ الْعَرَب أَنا أعلم بك مِنْك حب الْهوى قد غلب وَمَتى أسر الْهوى قلبا لم يفلح وَكتب (يَا آدَمِيّ أَتَدْرِي مَا منيت بِهِ ... أم دون ذهنك ستر لَيْسَ ينجاب) (يَوْم وَيَوْم ويفنى الْعُمر منطويا ... عَام جديب وعام فِيهِ اخصاب) (فَلَا تغرنك الدُّنْيَا بزخرفها ... فأريها أَن بلاها عَاقل صاب) (والحزم يجني أمورا كلهَا شرف ... والخرق يجني أمورا كلهَا عَابَ) كأنكم بالدنيا الَّتِي تولت قد تولت وبالنفوس الْكَرِيمَة قد هَانَتْ وذلت وبكؤوس الأسى قد انهلت وعلت وبحمول الظاعنين على الأسف قد اسْتَقَلت مَتى يُقَال لهَذِهِ الغمرة الَّتِي جلت قد تجلت

стр. 517

وَاعجَبا لنَفس مَا تنتبه وَقد زلت كلما عَقدنَا عقدَة تنفعها حلت كم مستسيقظ وَقد فَاتَ الْوَقْت ينظر إِلَى نَفسه بِعَين المقت ويصيح بنصيحه لقد ضدقت وينادي الكسل أَنْت الَّذِي عوقت فَيُجِيبهُ أَنْت من سكرك مَا أَفَقْت كم قدم إِلَى الْقُبُور قادم كلهم على فرَاش النَّدَم نادم (أطاعوا ذَا الخداع وَصَدقُوهُ ... وَكم نصح النصيح فَكَذبُوهُ) (وَلم يرْضوا بِمَا سكنوا مشيدا ... إِلَى أَن فضضوه وأذهبوه) (أَلظُّوا بالقبيح وتابعوه ... وَلَو أمروا بِهِ لتجنبوه) (نَهَاهُم عَن طلاب المَال زهد ... ونادى الْحِرْص وَيْلكُمْ اطلبوه) (فألقاها إِلَى أسماع غشر ... إِذا عرفُوا الطَّرِيق تنكبوه) (وحبل الْعَيْش منتكث ضَعِيف ... وَنعم الرأى أَن لَا تجذبوه) (حسبتم يَا بني حَوَّاء شَيْئا ... فجائكم الَّذِي لم تحسبوه) (أديل الشَّرّ مِنْكُم فَاحْذَرُوهُ ... وَمَات لخير فِيكُم فاندبوه) إِلَى كم بالهوى تغري وتلهج أنسيت أَنَّك عَن محبوبك تزعج تفكر فِي حلَّة من البلى لَك تنسج يَا من بضاعته كلهَا بهرج ضيقت على نَفسك فَلَا مخرج إنتبه سَرِيعا فالخيول تسرج (وَلم يبْق من أَيَّام جمع إِلَى منى ... إِلَى موقف التجمير غير أماني) يَا عبيد فلسه يَا عَدو نَفسه تعانق الدُّنْيَا بيد الْحِرْص عنَاق اللَّام للألف وتنزل الدِّرْهَم من الْقلب منزلَة الْبُرْء من الدنف ترش مَاء الْعَيْش حول الْحَانُوت وَتنظر إِلَى الدِّرْهَم لَا فِيهِ وتنصب ميزَان البخس ومكيال التطفيف والغدر ثَالِثَة الأثافي وَيحك أتبحث عَن حتفك بظلفك وتجدع بسيفك مارن أَنْفك مَا أكْرم نَفسه قطّ من لم يهنها فاحذرها فَكل مَا يجْرِي عَلَيْك مِنْهَا حَاسَبَهَا قبل يَوْم الْحساب وَزنهَا وخف شين شينها إِن شِئْت عزها وَزنهَا وَاحْفِرْ لَهَا زبية الْعُزْلَة وَإِن أَبَت فادفنها

стр. 518

واحضرها على الرغم فِي رغام مسكها ومسكنها دنها بِمَا التذت آلاتها لَا تهادنها هَذِه قصَص النجَاة قد أمليتها فعنونها هَذِه جوَار شنات المواعظ قد جمعتها فاعجنها يَا موثق الْأَقْدَام بِقَيْد الْعَوَائِق أَجود مَا للعصفور قطع السباق لَو تفكر الطَّائِر فِي الذّبْح مَا حام حول الفخ من طلب الْمَعَالِي سهر اللَّيَالِي لَوْلَا صَبر الْمُضمر على قلَّة الْعلف مَا قيل سباق (هون فِي اللَّيْل عَلَيْهَا الغررا ... إِن العلى مقيدات بالسرى) (فركبت بسوقها رؤوسها ... حَتَّى تخيلنا الحجول الغررا) (علمهَا النّوم على رباطها ... ذليلة ان تستطيب السهرا) (قد تركت مطعمها لشوقها ... تَقول كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا) سينقشع غيم التَّعَب عَن فجر الإجر كم صَبر بشر عَن شَهْوَة حلوة حَتَّى سمع كلمة خلْوَة كل يَا من لم يَأْكُل مَا مد سجاف نعم العَبْد على قبَّة وَوَهَبْنَا لَهُ حَتَّى جرب فِي أَمَانَة ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ من لم تبك الدُّنْيَا عَلَيْهِ لم تضحك الْآخِرَة إِلَيْهِ كَانَ بعض النجارين يَبِيع الْخشب وَكَانَ عِنْده قِطْعَة أبنوس ملقاة تَحت الْخشب فاشتريت مِنْهُ فَدخل دَار الْملك بعد مُدَّة فَإِذا بهَا قد جعلت سريرا للْملك فَوقف مُتَعَجِّبا وَقَالَ لقد كنت لَا اعبأ بِهَذِهِ فَكيف وصلت إِلَى هَذَا الْمقَام فَهَتَفَ بِهِ لِسَان الْمُفْهم نَائِبا عَنْهَا كم صبرت على ضرب الفوس وَنشر المناشير حَتَّى بلغت إِلَى هَذَا الْمقَام (جِئْت أَشْكُو فاستوقفتني إِلَى أَن ... كَلَّمتنِي من قبل أَن كَلَّمتنِي) (وفدتني من السقام وَلَكِن ... انفدتني هما إِلَى أَن فدتني) لمن أصفى واصف أَفِي عزمك اتباعي فاقف اللَّيْل يضج من طول نومك وَالنَّهَار يستغيث من قبح فعلك

стр. 519

(يَا أَيهَا الراقد كم ترقد ... قُم يَا حَبِيبِي قد دنا الْموعد) (وَخذ من اللَّيْل وساعاته ... حظا إِذا مَا هجع الرقد) (من نَام حَتَّى يَنْقَضِي ليله ... لم يبلغ الْمنزل أَو يجْهد) (قل لِذَوي الْأَلْبَاب أهل التقى ... قنطرة الأَرْض لكم موعد) آخر الْفُصُول الْمِائَة قَالَ المنشيء وَلما أتممت الْمِائَة الَّتِي ضمنتها رَأَيْت الثَّلَاثَة الأول كالخارج عَن الوعظيات لمشابهتها الْقَصَص فغرمت هَا هُنَا ثَلَاثَة عوضهَا لتخلص مائَة وعظية وَالله الْمُوفق

стр. 520

الْفَصْل الأول أخواني الْمَوْت مقَاتل يقْصد الْمقَاتل فَمَا ينفعك أَن تقَاتل للمتنبي (نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا الْمنون بِلَا قتال) (ونرتبط السوابق مقربات ... وَمَا ينجين من خبب اللَّيَالِي) (وَمن لم يعشق الدُّنْيَا قَدِيما ... وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى الْوِصَال) (نصيبك فِي حياتك من حبيب ... نصيبك فِي مَنَامك من خيال) (يدْفن بَعْضنَا بَعْضًا وتمشي ... أواخرنا على هام الأوالي) (وَكم عين مقبلة النواحي ... كحيل بالجنادل والرمال) لقد وعظ الزَّمَان وَمَا قصر وَتكلم الصَّامِت وَمَا أقصر ولاح الْهدى فَإِنَّمَا الشَّأْن فِيمَن أبْصر ونطقت المواعظ بزجر لَا يحصر هَلَكت ثمودا بصيحة وَعَاد برِيح صَرْصَر وَكسر كسْرَى وَقصر قَيْصر تالله مَا يُبَالِي ميزَان الْجَزَاء أربح أم أخسر وَلَا حَاكم الْعدْل من أفلس وأعسر هَذَا أَمر مُجمل وَفِي غَد يُفَسر أَيهَا المتحرك فِي الدُّنْيَا لَا بُد من سُكُون لَا يغرنك سهلها فَبعد السهل حزون كم سلبتك من حبيب وَبَعض الْقبْح يهون مَا فرحها مُسْتَقِيم وَلَا ترحها مَأْمُون إِنَّه لدار الْغرُور ودائر الْهون كم تلون وَلَكِن أَيْن الْعقل من مَجْنُون فَهَلا أضعنا الحَدِيث قلب هَذَا مفتون أَيهَا السَّكْرَان بالآمال ... قد حَان الرحيل) (ومشيب الرَّأْس والفو ... دين للْمَوْت دَلِيل)

стр. 521

(فانتبه من رقدة الْغَفْلَة ... والعمر قَلِيل) (وأطرح سَوف وَحَتَّى ... فمها دَاء دخيل) كَأَنَّك بِمَا يزعج ويروع وَقد قلع الْأُصُول وَقطع الْفُرُوع يَا نَائِما فِي انتباهه كم هَذَا الهجوع أينفعك حِين الْمَوْت جري الدُّمُوع إِذا رشق سهم التّلف فطاحت الدروع وأتى حاصد الزَّرْع وَأَيْنَ الزروع وخلت الْمنَازل وفرغت الربوع وناب غراب الْبَين عَن الورقا السجوع (قرن مضى ثمَّ نمى غَيره ... كَأَنَّهُ فِي كل عَام نَبَات) (أقل من فِي الأَرْض مستيقظ ... وَإِنَّمَا أَكْثَرهم فِي سبات) (حول خصيب أَثَره مجدب ... فاذخر من المخصب للمجدبات) أما علمت أَن الدُّنْيَا غَدا إِمَارَة أما برد لذاتها يَنْقَلِب حرارة أما ربحها على التَّحْقِيق خسارة أما ينقص الدّين كلما زَادَت عمَارَة أما قتلت أحبابها وَإِلَيْك الْإِشَارَة إِذا قَالَ محبها هِيَ لي وَمَعِي أهلكته وَقَالَت اسمعي يَا جَارة (إِنَّمَا الدُّنْيَا بلَاء ... لَيْسَ لدينا ثُبُوت) (إِنَّمَا الدُّنْيَا كبيت ... نسجته العنكبوت) (إِنَّمَا يَكْفِيك مِنْهَا ... أَيهَا الرَّاغِب قوت) يَا من عاهدنا على الطَّاعَة فِي الإعلان والإسرار كَيفَ اسْتحلَّ حل عقد التَّوْبَة وَعقد الْإِصْرَار مَتى يخرج العَاصِي من هَذِه الدَّار شيب وعيب وَنِهَايَة الإدبار ضدان بعيدان ثلج ونار كم بَيْنكُم وَبَين الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَار ملكتم الدُّنْيَا وملكوها فالقوم أَحْرَار كَانَت لَهُم إنفة فاحتموا من الْعَار وَعرفُوا قدر الزَّمَان فانتهبوا الْأَعْمَار فَلَو مددتم أبواعكم مَا كَانَت مِنْهُم كأشبار لَو اطلعتم عَلَيْهِم فِي أَوْقَات الأسحار لرأيتم نُجُوم الْهدى لَا بل هِيَ أقمار قَامُوا جَمِيع الدجى على قدم الإعتذار ثمَّ تساندوا إِلَى رواحل الْبكاء والإستغفار وَقَوي كربهم فَهبت لَهُم نكباء لطف معطار رفعوا رسائل الجوى فَعَاد جَوَاب الْأَبْرَار

стр. 522

(لَا توقدوا فِي الْقلب نَار الْجَحِيم ... كفى سقامي لفؤادي غَرِيم) (مَا زلت عَن حبكم لَحْظَة ... وحقكم إِنِّي عَلَيْهِ مُقيم) (وَكلما هبت نسيم الصِّبَا ... من نحوكم عِشْت بِذَاكَ النسيم) (وأسفي مَتى رحلوا لَيْت شعري أَيْن نزلُوا ... ) (أنجدت الدَّار بهم ... واتهم الوجد معي) مَالَتْ بالقوم ريح السحر ميل الشَّجَرَة بالأغصان فهز مِنْهُم الْخَوْف أفنان الْقُلُوب فانتثرت الأفنان فاللسان يتَضَرَّع وَالْعين تَدْمَع وَالْوَقْت بُسْتَان خلوتهم بالحبيب تشغلهم عَن نعم ونعمان سورهم أساورهم والخشوع تيجان خضوعهم حلاهم فَمَا در ومرجان أخذُوا قدر الْبَلَاغ وَقَالُوا نَحن ضيفان باعوا الْحِرْص بالقناعة فَمَا ملك أنو شرْوَان رفضوا حَتَّى زِمَام الْمَبِيع وَمَا باعوا بثنيان طَالَتْ عَلَيْهِم أَيَّام الحيوة والمحب ظمآن اطلع من خوخة التيقظ بِعَين التَّأَمُّل تَرَ الْبُرْهَان أَيْن أَنْت مِنْهُم مَا نَائِم كيقظان كم بَيْنك وَبينهمْ أَيْن الشجاع من جبان مَا للمواعظ فِيك مَوضِع الْقلب بالهوى ملان يَا هَذَا قف على بَاب النجاح وَلَكِن وقُوف لهفان واركب سفين الصّلاح فَهَذَا الْمَوْت طوفان أَيكُون بعد هَذَا إِيضَاح أَو مثل هَذَا تبيان يَا لَهَا من موعظة سحبت ذيل الفصاحة فحار سُبْحَانَ بغدادية أمامية مستفتية لَا تعرف ضرب خُرَاسَان

стр. 523

الْفَصْل الثَّانِي أخواني أَيْن الَّذين سلبوا سلبوا طَال مَا غلبوا فغلبوا عمروا دِيَارهمْ فَلَمَّا تمت خربوا وديفت لَهُم كؤوس المنايا فأكرهوا وَشَرِبُوا (سير اللَّيَالِي إِلَى أعمارنا خبب ... فَمَا تبين وَلَا يعتاقها تَعب) (وَهل يؤمل نيل الشمل ملتئما ... سفر لَهُم كل يَوْم رحْلَة عجب) (وَمَا إقامتنا فِي منزل هَتَفت ... فِيهِ بِنَا قد سكنا ربعه النوب) (وآذنتنا وَقد تمت عِمَارَته ... بِأَنَّهُ عَن قلبل داثر خرب) (لَيست سِهَام قسى الْمَوْت طائشة ... وَهل تطيش سِهَام كلهَا صيب) (وَنحن أغراض أَنْوَاع الْبلَاء بهَا ... قبل الْمَمَات فمرمي ومرتقب) (أَيْن الَّذين تناهوا فِي ابتنائهم ... صاحت بهم نائبات الدَّهْر فانقلبوا) (أَيْن أَرْبَاب الْأَمَانِي والأمل ... أخذُوا بَين سكر الْهوى والثمل) وَالَّذِي علا على عَليّ الْعلَا نزل وَكَأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لم يكن وَفِي الْقَبْر لم يزل كل حَيّ فقصاراه الْأَجَل ... لَيْسَ لِلْخلقِ بذا الْمَوْت قبل) (نوب أبدت لعاد قبلنَا ... إِن من ذَات الْعِمَاد المرتحل) (فانثنوا عَن ذَلِك الشّرْب الَّذِي ... صَار علا لسواهم ونهل) (ألبست قوما سواهُم حليهم ... ثمَّ بزته فعادوا بالعطل)

стр. 524

(فاسئل الإيوان عَن أربابه ... كَيفَ جدت بهم تِلْكَ الرحل) (نقلتهم عَن فضاء وَاسع ... يمرح الطّرف بِهِ حَتَّى يمل) (نَحن أغراض خطوب إِن رمت ... عَادَتْ الأدرع لينًا كالحلل) (وَإِذا مَا أخلفت أسهمها ... فأصابت بَطل الْقَوْم بَطل) جز على الْقُبُور بقلب حَاضر وسلها مَا فعل الْوَجْه النَّاظر ثمَّ افْتَحْ نَاظر نَاظر وَخَاصم نَفسك على التواني وناظر (ومسندون تعاقروا كأس الردى ... ودعا بسيرهم الْحمام فَأَسْرعُوا) (خرس إِذا ناديت إِلَّا أَنهم ... وعظوا بِمَا يُرْضِي اللبيب فأسمعوا) (والدهر يفتك بالنفوس حمامه ... فَلِمَنْ تعد كَرِيمَة أَو تجمع) (عجبا لمن تبقى ذخائر مَاله ... ويظل يحفظهن وَهُوَ مضيع) (ولعاقل وَيرى بِكُل ثنية ... يلقى لَهُ بطن الصفائح مَضْجَع) (أتراه يحْسب أَنهم مَا اسأروا ... من كأسهم أَضْعَاف مَا يتجرع) كم صَاح بك واعظ وَمَا تسمع وَكم حصلت مَا يَكْفِي وَمَا تقنع لقد استقرضك مَوْلَاك مَالك فمالك تجمع وَضمن أَن نبت الْحبَّة سبع مائَة وَمَا تزرع تشتغل عَن الْقُرْآن الْمنزل وتستمع من مغن يتغزل تمشي إِلَى نجاتك مشي أقزل وَتخرج إِلَى الْحَرْب وَأَنت أعزل وَيحك إِن وَالِي الْحَيَاة عَن قَلِيل يعْزل كَأَنَّك بالسماء تمور وبالأرض تزلزل تنصب وَلَا تَدْرِي أَي الكفتين أنزل إخْوَانِي غرقت السَّفِينَة وَنحن نيام أبوكم لم يسامح فِي لقمته وَدَاوُد عوتب على نظره (يَا مظهرين ضد مَا ... بِهِ الْكتاب وَارِد) (إِلَى مَتى تبهرجون ... والبصير ناقد) (كَيفَ يكون حالكم ... وَهُوَ عَلَيْكُم شَاهد) (عجبت من مستيقظ ... وَالْقلب مِنْهُ رَاقِد)

стр. 525

(مضيع لدينِهِ ... وللذنوب رائد) (كَأَنَّهُ على مداه ... مهمل وخَالِد) (فحسنوا أَعمالكُم ... فَهِيَ لكم قلائد) (وَلَا تضيعوا وَاجِبا ... واجتهدوا وَجَاهدُوا) إخْوَانِي أفيكم عازم على الصُّلْح أمنكم محب يضج من الهجر أفيكم ذُو وجد قلق من الْبَين الْوَقْت يقتضيك يَا عَاص مُنَادِي الْقبُول على منَازِل الْوُصُول يَقُول ﴿وسارعوا﴾ (الْغَيْم رطب يُنَادي ... يَا غافلين الصبوح) (فَقلت أَهلا وسهلا ... مَا دَامَ فِي الْجِسْم روح) قد قيد الطَّرْد قَدَمَيْك وغل الإبعاد يَديك أفما لَك عين تبْكي عَلَيْك (وَفِي نظر الصادي إِلَى المَاء حسرة ... إِذا كَانَ مَمْنُوعًا سَبِيل الْمَوَارِد) على نوح نحت السَّفِينَة وَأَن يَصِيح اركبوا فَمَا ذَنبه إِن تخلف كنعان إِذا وَقعت عَزِيمَة العَاصِي على فِرَاق دَار العَاصِي هيأ مركب الْقَصْد وزود سفر الْعَزْم وَقَامَ على أَقْدَام الْجد وسعى على طَرِيق الرَّجَاء خَائفًا من عَارض رد فَيَصِيح بِهِ حِينَئِذٍ هَاتِف الْقبُول لَئِن قدمت من سفرة الهجر عيسكم تلقيتها بالوصل من كل جَانب إخْوَانِي مَا قعودكم وَقد سَار الركب إلحقوهم فِي الْمنزل النَّجَاء النَّجَاء من شَرّ الْخلاف ألواحا الوحا قبل لحاق الأسلاف الحذر الحذر من خطوَات الْخَطَايَا الْهَرَب الْهَرَب قبل بَث الْأَمَانِي بالمنايا قبل أَن تنزلوا الكفات وتلحقوا الرفات وَبَين مَاذَا حل من آفَات افات إِلَّا أَن تعاينوا الْوَفَاة وَفَاتَ

стр. 526

الْفَصْل الثَّالِث عباد الله إِنَّمَا الْأَيَّام طرق الْجد والساعات ركائب الْمجد وَأَيَّام الْعَافِيَة أَوْقَات تستدرك وأحيان السَّلامَة تنادي من جد أدْرك (كم للمنية من ضروب ... بَين الْحَوَادِث والخطوب) (تدع الحبيب بِلَا محب ... والمحب بِلَا حبيب) (لَا وَالَّذِي هُوَ قَاذف ... بِالْحَقِّ علام الغيوب) (وبحكمه يملي لمن ... يملي الْقَبِيح على الرَّقِيب) (مَا للنفوس مَعَ الْمنية ... فِي السَّلامَة من نصيب) (هَيْهَات أَيْن يفوتها ... لَا بُد من سهم مُصِيب) (من دب فَوق الأَرْض أصبح ... دارجا بعد الدبيب) (فَإِذا تغيب تحتهَا ... فكفاه بعدا بالمغيب) (وَلكم طَوِيل الْعُمر لَيْسَ ... لعيشه بالمستطيب) (ولربما انتزع الْقصير ... الْعُمر من سَعَة وَطيب) (لَا تيأسن من الْبعيد ... وخف مباعدة الْقَرِيب) (فلكم حملت مَعَ الْمَرِيض ... إِلَى الثرى نعش الطَّبِيب) إخْوَانِي إحذروا دنياكم فَإِنَّهَا خادعة وَانْتَظرُوا حتوفها فَهِيَ لَا ريب وَاقعَة أَيهَا العَبْد إِلَى مَتى تشتغل بهَا عَن مَوْلَاك وَهُوَ غيور وَكَيف تغتر بغرير هوى يغري ويغور وَكم عدلت عَن الْعدْل وحاضرت الْمَحْظُور أتظن الْبَقَاء وقلائد الْفِرَاق كالأطواق فِي النحور أما تعْتَبر بأقران قرنوا بقرائن أَعْمَالهم فِي الْقُبُور أما مواضعهم تضعك عل وضع الوضائع والفتور أما حلوا اللحود فحالت حلى تِلْكَ البدور

стр. 527

أما مَنَازِلهمْ إِذْ نازلهم مَنَازِلهمْ زَالَ عَنْهُم السرُور أبالى بفخرهم الْمَوْت لَا بل بلبل تِلْكَ الْقُصُور أَيْن هم الْآن قل لي خلا خاليهم بالثبور مَال بهم عَن المَال مَا لَا يرد وصرفهم صرف الدهور جرى بهم وَمَا جَار كَمَا جارى الْجَار جارى الْمَقْدُور أَصبَحت وُجُوههم الصبيحة مصطحبة شراب الدُّثُور مبانيهم أبينت فَلَو أبينت لم تبن الأناث من الذُّكُور إنفصمت عرى الأوصال وحلوا بالخصال فذو الْوِصَال مِنْهُم مهجور سكنوا بعد الْوَدُود مَعَ الدُّود فِي اللحود كمأسور تكدر صافيهم فمصافيهم يجافيهم وَمَا فيهم مَعْذُور علا أعلاهم عَلَاء تُرَاب كثير موقور وَسكن المكين فِي كمين إِمْكَانه فاستكان فِي مَكَان محفور بَينا مترفهم قد اطْمَأَن و ﴿ظن أَن لن يحور﴾ إِذا الْأَذَى كالحذا وَكَذَا كل محتذ الْغرُور وَكم قَالَ وَاعْتذر فَلَمَّا لم يذر قيل هَذَا الهذر زور صب الصاب فِي من صبا فالصبا تسفي على منصبه وَالدبور وسيأتيك يَا فَتى مَا أَتَى من عتا حَتَّى فِي الرواح أَو فِي البكور فانتبه فَإِن الْمَوْت يَدُور على سَاكِني الدّور ويلتقط أَرْبَاب الْقُصُور بِلَا فتور وَلَا قُصُور وكأنك بِالْأَمر قد فصل ﴿وَحصل مَا فِي الصُّدُور﴾ فَمن جَار قنطرة الْهوى آب بِتِجَارَة لن تبور ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ (أَيْن أهل الديار من قوم نوح ... ثمَّ عَاد من بعدهمْ وَثَمُود) (بَيْنَمَا الْقَوْم فِي النمارق والديباج ... أفضت إِلَى التُّرَاب الخدود) (وأطباء بعدهمْ لحقوهم ... ضل عَنْهُم سعوطهم واللذود) (وصحيح أضحى يعود مَرِيضا ... وَهُوَ أدنى للْمَوْت مِمَّن يعود) يَا قَلِيل البضاعة بل يَا مُفلس ترجو النجَاة بِالْمَعَاصِي لقد وسوس أتلبس ثوب الشيب ثمَّ تلبس جَاءَ الصَّباح فنسخ حكم الحندس

стр. 528

وأطرق النيلوفر لما حدق النرجس يَا من يقوم من الْمجْلس كَمَا يجلس كن كَيفَ شِئْت فَإِنَّمَا تجني مَا تغرس أَلَك عذر قل لي الْبَاطِل يخرس (كَيفَ الرحيل بِلَا زاب إِلَى وَطن ... مَا ينفع الْمَرْء فِيهِ غير تقواه) (من لم يكن زَاده التَّقْوَى فَلَيْسَ لَهُ ... يَوْم الْقيمَة عذر عِنْد مَوْلَاهُ) يَا رب إِلَيْك منا نتظلم أحوالنا تنطق عَنَّا وَمَا نتكلم وقلوبنا من ذنوبنا تبْكي وتتألم وَأَنت الْعَالم الَّذِي تعلم أتتركنا للْجَهْل وأبونا مِنْك تعلم يَا من أخر مَا شَاءَ كَمَا شَاءَ وَقدم لَا تجعلنا مِمَّن إِذا رَحل تندم يَا من نبه الفضيل وَابْن أدهم قد تركتنا الذُّنُوب لَا نشترى بدرهم (يَا عمادي فِي شدتي ورجائي ... عِنْد فقري وكوكبي فِي المعامي) (سَاعَتِي إِن نأيت يَوْم ويومي ... مثل شهر والشهر مثل الْعَام) يَا صَاحب الْخَطَايَا لست مَعنا يَا مُقبلا على الْهوى مَا أَنْت عندنَا ضَاعَت حيلي فِي تَحْصِيل قَلْبك إشتدت حيرتي فِي تلافي أَمرك وَاعجَبا أخوفك عواقب الْأُمُور وَمَا تتوب وأشرح لَك أحوالي الصَّالِحين وَمَا تؤب وَمَتى سَقَطت شَهْوَة العليل دنا الْمَوْت قد أوقدت نَار المواعظ إِلَى جَانب كسلك وَنَفس عزيمتك شَدِيد الْبُرُودَة وَقد اتّفق الْأَطِبَّاء على ان النَّفس الْبَارِد فِي الْمَرَض الحاد دَلِيل الْهَلَاك (الْمَوْت فِي كل حِين ينشر الكفنا ... وَنحن فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بِنَا) (كَانَ مَا قد رَأينَا فِي أحبتنا ... من الرحيل ونادى الدَّار لَيْسَ لنا) وَالله مَا فَازَ سوى الزاهدين وَلَا نَالَ الرِّبْح غير العابدين وَنِهَايَة الْكَمَال للمحبين كَانَ هم الْقَوْم طلب النجَاة وَكَانَت لذتهم فِي الْمُنَاجَاة فارتفع لَهُم الْقدر وَعلا الجاه لَو رَأَيْتهمْ فِي الأسحار وَقد حَار الْخَائِف بَين اعتذار واستغفار ولطائف يَتَخَلَّل ذَلِك دمع غزير ذارف يرمز إِلَى شوق شَدِيد متكاثف كَانَت عابدة تقوم من أول اللَّيْل وَتقول تشاغل النَّاس بلذاتهم وَقد جِئْت إِلَيْك يَا مَحْبُوب

стр. 529

(سروري من الدَّهْر لقياكم ... وَدَار سلامي مغناكم) (وَأَنْتُم مدى أملي مَا حييت ... وَمَا طَابَ عيشي لولاكم) (جنابكم الرحب مرعى الْكِرَام ... فَلَا صوح الدَّهْر مرعاكم) (حَشا الْبَين يَوْم رحلتم حشاي ... بِنَار الهموم وحاشاكم) (فيا لَيْت شعري وَمن لي بِأَن ... أعيش إِلَى يَوْم ألقاكم) (إِذا ازدحمت فِي فُؤَادِي الهموم ... أعلل قلبِي بذكراكم) (وأستنشق الرّيح من أَرْضكُم ... لعَلي أحظى برياكم) (فَلَا تنسوا الْعَهْد فِيمَا مضى ... فلسنا مدى الدَّهْر ننساكم) تالله لقد حصل للْقَوْم فوز الدَّاريْنِ ورضيتم أَنْتُم بالبين من الْبَين تنبهوا يَا نيام كم ضيعتم من عَام الدُّنْيَا كلهَا مَنَام وَأحلى مَا فِيهَا أَحْلَام غير أَن عقل الشَّيْخ بالهوى غُلَام علام قتل النُّفُوس علام هَل هُوَ إِلَّا ثوب وَطَعَام ثمَّ يتساوى خَز وخام ولذات طَيّبَات ووخام إِنَّمَا يعرف الفطناء لَا الطغام آه للغافل إِلَى كم يلام أما توقظك اللَّيَالِي وَالْأَيَّام أَيْن سكان الْقُصُور والخيام دارت على الْكل كأس الْحمام ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ إِلَى مَتى مزاحمة الْأَنْعَام ردوا هَذِه الْأَنْفس بزمام ازجروا هَذِه الْقُلُوب عَن الآثام اقرؤا صَحَائِف العبر بألسنة الأفهام موت الْجِيرَان شكل وَأخذ الأقران اعجام يَا من أَجله خَلفه وأمله قُدَّام رب يَوْم لَهُ مِفْتَاح مَا لَهُ ختام يَا مُقْتَحِمًا على الْحَرَام أَي اقتحام ستعلم من يبكي فِي العقبى عُقبى الإجرام ويشارك الندامى على الندامى والمدام يَا طَوِيل الْمَرَض مَتى يبرى السقام يَا من إِن قعد فللدنيا وَكَذَا إِن قَامَ أول الدُّنْيَا هم وَآخِرهَا موت زؤام حل لَهَا الْفِرَاق وَحرم عَلَيْهَا الدَّوَام سحابها لَا يمطر وسماؤها قنام كلهَا عيب فِي عيب وذام فِي ذام أتعيبها عِنْد محبها مَتى يسمع العذل مستهام خلها واخرج عَنْهَا بِسَلام إِلَى دَار السَّلَام فالجنة رخيصة ثمَّ مَا تغلو على مستهام خُذْهَا إِلَيْك نصيحة

стр. 530

من طب يداوي الأسقام يضع الهناء مَوضِع النقب وَيعرف أصل الآلام ويركب المرهم عَن خبر وَيُدبر كَيفَ شَاءَ الْكَلَام مَا بعْدهَا نصيحة تَكْفِي وَالسَّلَام آخر كتاب المدهش قد بلغ التَّمام وَالنِّهَايَة