Полный текст (530 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ
يَا من كل يَوْم يقدم إِلَى الْقَبْر فارط لَا تغتر بالسلامة فَرُبمَا قبض الباسط إنهض للنجاة بقلب حَاضر وجأش رابط قبل أَن يلقيك على بِسَاط الْعَجز خابط وَنَفس النَّفس تخرج من سم إبرة خائط
(قل للمؤمل أَن الْمَوْت فِي أثرك ... وَلَيْسَ يخفى عَلَيْك الْأَمر من نظرك)
(فِيمَن مضى لَك إِن فَكرت مُعْتَبر ... وَمن يمت كل يَوْم فَهُوَ من نذرك)
(دَار تُسَافِر عَنْهَا من غَد سفرا ... فَلَا تؤب إِذا سَافَرت من سفرك)
(تضحي غَدا سمرا لِلذَّاكِرِينَ كَمَا ... صَار الَّذين مضوا بالْأَمْس من سمرك)
إخل بِنَفْسِك فِي دَار المعاتبة واحضرها دستور المحاسبة وارفع عَلَيْهَا سَوط المعاقبة وَإِن لم تفعل خسرت فِي الْعَاقِبَة
(خلقت جسما ثريا ثمَّ زرت ثرى ... فصرت خطا وطالت مُدَّة فمحى)
(قف بالمنازل من عَاد وَغَيرهم ... فَمَا ترى ثمَّ من شخص وَلَا شبح)
(كل مجازى بِمَا اسداه من حسن ... وسيء فاهجر السوء آتٍ وانتزح)
لقد وعظك أمس وَالْيَوْم وَأَنت من سنة إِلَى نوم أَيْن العشائر أَيْن الْقَوْم إشتراهم البلى بِلَا سوم لَا فطر عِنْدهم وَلَا صَوْم بلَى بلابل العتاب واللوم هَذَا رشاش الموج ينذر بالعوم ويخبر بالحادثات أشمامها وَالروم
(إغتنم صفو اللَّيَالِي ... إِنَّمَا الْعَيْش اختلاس)
(تلبس الدَّهْر وَلَكِن ... مُتْعَة ذَاك اللبَاس)
يَا جَامع الحطام وَلَا يدْرِي مَا جنى كلما نقض الْوَاعِظ أصلا
стр. 457
من حرصك بِنَا بَادر الْفَوْت فَإِن الْمَوْت قد دنا هَذَا بشير الْقبُول إياك عني النثار كثير فَمَا هَذَا الْوُقُوف والونى أمدد يَد الصدْق وَقد نلْت المنى هَذِه الْخيف وهاتيك منى أما تهزك هَذِه المواعظ أَيهَا المهزوز أما يوقظك الصَّرِيح وَلَا المرموز أما كل وَقت عود الْهَلَاك مغموز أما كل سَاعَة غُصْن مَقْطُوع ومحزوز أما تراهم بَين مَدْفُوع وموكوز كل أفعالك إِذا تَأَمَّلت مَا لَا يجوز أَيْن أَرْبَاب الْقُصُور أَيْن أَصْحَاب الْكُنُوز هلك الْقَوْم وَضاع المكنوز وحيز فِي حُفْرَة البلى من كَانَ لِلْمَالِ يحوز بَينا تغرهم الإناءة وَقعت النواة فِي الْكوز أَيْن كسْرَى أَيْن قصير أَيْن فَيْرُوز عروا عَن الأكفان وَمَا كَانُوا يرضون الخزوز وأبرز الْمَوْت أوجها عز عَلَيْهَا البروز وساوى بَين الْعَرَب والعجم والنبط والخوز وَنسخ بحسرات الرحيل لذات النيروز وكشف لَهُم نقاب الدُّنْيَا فَإِذا المعشوقة عَجُوز مَا رضيت إِلَّا قَتلهمْ وَكم تدللت بالنشوز لقد أذاقتهم برد كانون الأول فأذاهم فِي تموز وَإِنَّمَا قصدت غرورهم لتقتلهم فِي كالوز
وَاعجَبا بَحر الْوُجُود قد جمع الْفُنُون الْعلمَاء جوهره والعباد عنبره والتجار حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على رَأسه كالزبد فيا من يجْرِي بِهِ على هَوَاهُ وَهُوَ عَلَيْهِ كالقفيا قف يَا قفيا كم تحضر مَجْلِسا وَكم تَتَرَدَّد وَكم تخوف عُقبى الذُّنُوب وَكم تهدد يَا من لَا يلين لواعظ وَإِن شدد يَا راحلا عَن قريب مَا عَلَيْهَا مخلد تلمح قبرك لَا قصرك المشيد وَتعلم أَن الْمُطلق إِذا شَاءَ قيد أَتَرَى تقع فِي شركي فَإِنِّي جِئْت أتصيد يَا من يسْأَل عَن مَرَاتِب الصَّالِحين مَالك وَلها تساوم فِي رَاحِلَة وَمَا تملك ثمن نعل تجمع من جَوَانِب الحافات خبازى وتريد أَن تطعم أَخْضَر تطلب سَهْما من الْغَنِيمَة وَمَا رَأَيْت الْحَرْب بِعَيْنِك
(يحاول نيل الْمجد وَالسيف مغمد ... ويأمل إِدْرَاك العلى وَهُوَ نَائِم)
البلايا تظهر جَوَاهِر الرِّجَال وَمَا أسْرع مَا يفتضح الْمُدَّعِي
(تنام عَيْنَاك وتشكو الْهوى ... لَو كنت صبا لم تكن نَائِما)
стр. 458
رأى فَقير فِي طَرِيق مَكَّة امْرَأَة فتبعها فَقَالَت مَالك فَقَالَ قد سلب حبك قلبِي قَالَت فَلَو رَأَيْت أُخْتِي فَالْتَفت فَلم ير أحدا فَقَالَت أَيهَا الْكَاذِب فِي دَعْوَاهُ لَو صدقت مَا الْتفت
(وَالله لَو علمت روحي بِمن علقت ... قَامَت على رَأسهَا فضلا عَن الْقدَم)
إِذا كنت تشتغل الْيَوْم عَنَّا بسوداء فَكيف تذكرنا إِذا أعطيناك الْحور يَا مؤثرا مَا يفنى على مَا يبْقى هَذَا رأى طبعك هلا استشرت عقلك لتسمع أصح النصائح من كَانَ دَلِيله البوم كَانَ مَأْوَاه الخراب وَيحك إعزم على مَجْنُون هَوَاك بعزيمة فَرب شَيْطَان هاب الذّكر تلمح غب الْخَطَايَا لَعَلَّه يكف الْكَفّ لَا تحتقرن يسير الطَّاعَات فالذود إِلَى الذود إبل وَرُبمَا احتبج إِلَى عُوَيْد منبوذ لَا تحتقرن يسير الذَّنب فَإِن العشب الضَّعِيف يفتل مِنْهُ الْحَبل الْقوي فيختنق بِهِ الْجمل المغتلم أَو مَا نفذت فِي سدسبا حِيلَة جرد من عرف شرف الْحَيَاة اغتنمها من علم أرباح الطَّاعَات لَزِمَهَا الْعُمر ثوب مَا كف والأنفاس تستل الطاقات كم قد غرقت فِي سيف سَوف سفينة نفس
يَا هَذَا أَنْت أجِير وَعَلَيْك عمل فَإِذا انْقَضى الشّغل فألبس ثِيَاب الرَّاحَة قَالَ رجل لعامر بن عبد قيس كلمني فَقَالَ أمسك الشَّمْس دخلُوا على الْجُنَيْد عِنْد الْمَوْت وَهُوَ يُصَلِّي فَقيل لَهُ فِي هَذَا الْوَقْت فَقَالَ الْآن تطوى صحيفتي
(حَشْوًا المطى فَهَذِهِ نجد ... بلغ المدى وَتجَاوز الْحَد)
(يَا حبذا نجد وساكنه ... لَو كَانَ ينفع حبذا نجد)
يَا ديار الأحباب أَيْن السكان يَا منَازِل العارفين أَيْن الْقطَّان يَا أطلال الوجد أَيْن أَيْن الْبُنيان
(تعاهدتك العهاد يَا طلل ... خبر عَن الظاعنين مَا فعلوا)
(فَقَالَ أَلا اتبعتهم أبدا ... إِن نزلُوا منزلا وَإِن رحلوا)
(تركت أَيدي النَّوَى تقودهم ... وجئتني عَن حَدِيثهمْ تسل)
стр. 459
رَحل الْقَوْم يَا متخلف وسبقوك بالعزائم يَا مسوف فقف على الْآثَار وقُوف متلهف وَصَحَّ بالدمع سر يَا مُتَوَقف
للشريف الرضى
(يَا قلب جدد كمدا ... فموعد الْبَين غَدا)
(لم أر فرقا بعدهمْ ... بَين الْفِرَاق والردى)
(يَا زفرَة هيجها ... حاد من الْغَوْر حدا)
(أرعى الحمول نَاظرا ... أَو ألزم الْقلب يدا)
(وَأطْرد الطّرف على ... أثارهم مَا انطردا)
(مذ أوقدوا بأضلعي ... حر الجوى مَا بردا)
(ومذ إِذا أَبَوا مَاء عَيْني ... للأسى مَا جمدا)
(كنت أداوي كَبِدِي ... لَو تركُوا لي كبدا)
стр. 460
الْفَصْل السَّادِس وَالثَّمَانُونَ
أخواني المفروح بِهِ من الدُّنْيَا هُوَ المحزون عَلَيْهِ وبقدر الإلتذاذ يكون التأسف وَمن فعل مَا شَاءَ لَقِي مَا سَاءَ
(مَال مَا كَانَ المنى مَا آلما ... صَار مَا أوصلته قد صَارِمًا)
(بَيْنَمَا أضْحك مَسْرُورا بِهِ ... سَالَ مَاء الْعين إِذا مَا سالما)
الدُّنْيَا فلاة فَلَا تأمن الفلا بل تَيَقّن أَنَّهَا مارستان بِلَا وَلَا تسكن إِلَيْهَا وَإِن أظهرت لَك الولا على أَنَّهَا تخْفض من علا فَلْينْظر الْإِنْسَان يمنة فَهَل يرى إِلَّا محنة ثمَّ ليعطف بسره فَهَل يرى إِلَّا حسرة أما الرّبع العامر فقد درس وَأما أَسد الْمَمَات ففرس وَأما الرَّاكِب فكبت بِهِ الْفرس وَأما الفصيح فاستبدل الخرس وَأما الْحَكِيم فَمَا نَفعه إِن احترس سَارُوا فِي ظلام ظلمهم مَا عِنْدهم قبس ووقفت سفينة نجاتهم لِأَن الْبَحْر يبس وانقلبت دوَل النُّفُوس كلهَا فِي نفس وَجَاء مُنكر بآخر نبأ وَنَكِير بِأول عبس أَفلا يقوم لنجاته من طَال مَا جلس
آه لنَفس رفلت من الْغَفْلَة فِي أثوابها فثوى بهَا الْأَمر إِلَى عدم ثَوَابهَا آه لعيون أغشاها الأمل فسرى بهَا إِلَى سرابها آه لقلوب قَلبهَا الْهوى عَن الْقُرْآن إِلَى أَرْبَابهَا فربا بهَا آه لمرضى علم الطَّبِيب قدر مَا بهَا وَقد رمى بهَا لأبي الْعَتَاهِيَة
(يَا نفس مَا هُوَ إِلَّا صَبر أَيَّام ... كَأَن مدَّتهَا أضغاث أَحْلَام)
(يَا نفس جوزي عَن الدُّنْيَا مبادرة ... وخل عَنْهَا فَإِن الْعَيْش قدامي)
стр. 461
(يَا مغرورين بِحَبَّة الفخ ناسين خنق الشّرك تَذكرُوا فَوَات الْمُلْتَقط مَعَ حُصُول الذّبْح ﴿فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ الحذر الحذر من صياد يسْبق الطير إِلَى مهابطه بفخاخ مُخْتَلفَة الْحِيَل قدرُوا أَنكُمْ لَا ترَوْنَ خيط فخه أما تشاهدون ذبائحه فِي خيط ﴿كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة﴾
للشريف الرضى
(يَا قلب كَيفَ علقت فِي اشراكهم ... وَلَقَد عهدتك تفلت الأشراكا)
(لَا تشكون إِلَى وجدا بعْدهَا ... هَذَا الَّذِي جرت عَلَيْك يداكا)
أَلا يصبر طَائِر الْهوى عَن حَبَّة مَجْهُولَة الْعَاقِبَة وَإِنَّمَا هِيَ سَاعَة ويصل إِلَى برج أَمنه وَفِيه حبات
(فَإِن حننت للحمى وطيبه ... فبالغضا مَاء وروضات أخر)
وَاعجَبا أَن يكون حَامِل الْكتاب من الطير أقوى عَزِيمَة مِنْك لَعَلَّ وضعك على غير الإعتدال الْخلق يدل على الْخلق لَا تكون الرّوح الصافية إِلَّا فِي بدن معتدل وَلَا الهمة الوافية إِلَّا لنَفس نفيسة لَا يصلح لحمل الرسائل إِلَّا الطير الْأَخْضَر أَو الأنمر لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أَبيض كَانَ كالغلام الصقلاني والصقلاني فطير خام لم ينضج فِي مَحل الْحمل وَإِذا كَانَ الطَّائِر أسود دلّ على مُجَاوزَة حد النضج إِلَى الإحتراق فَإِن اعتدل اللَّوْن دلّ على نفاسة النَّفس وَشرف الهمة فَحِينَئِذٍ يعرف الطَّائِر سر الْجنَاح فَيَقُول بِلِسَان الْحَال عرفوني الطَّرِيق بتدريج ثمَّ حملوني مَا شِئْتُم فَإِذا أدرج فَعرف حمل فَحمل فصابر الغربة ولازم بطُون الأودية وَسَار مَعَ الْفُرَات أَو دجلة فَإِن خفيت الطَّرِيق تنسم الرِّيَاح وتلمح قرص الشَّمْس وتراه مَعَ شدَّة جوعه يحذر الْحبّ الْملقى خوفًا من
стр. 462
دفينة فخ يُوجب تعرقل الْجنَاح وتضييع الْمَحْمُول فَإِذا بلغ الرسَالَة أطلق نَفسه فِي أغراضها دَاخل البرج
فيا حاملي كتب الْأَمَانَة إِلَى عبادان العَبْد أَكْثَرَكُم على غير الجادة وَمَا يسْتَدلّ مِنْكُم من قد راقه حب حب فَنزل نَاسِيا مَا حمل فارتهن بفخ قد نفخ فذبح ومنكم من بَان لتعرقل جنَاحه وَمَا قَصده الذَّابِح بعد فَلَا الْحبَّة حصلت وَلَا الرسَالَة وصلت
(قطاة غرها شرك فباتت ... تجاذبه وَقد علق الْجنَاح)
(فَلَا فِي اغيل نَالَتْ مَا تمنت ... وَلَا فِي الصَّباح كَانَ لَهَا براح)
لَو صابرتم مشقة الطَّرِيق لَا نتهى السّفر فتوطنتم مستريحين فِي جنَّات عدن فيا مهملين النّظر فِي العواقب سلفوا وَقت الرُّخص فَمَا يُؤمن تغير السّعر سلسلوا سِبَاع الألسن فَإِن انْحَلَّت افترستكم لَا ترموا بأسهم الْعُيُون ففيكم تقع رب راعي مقلة أهملها فأغير على السَّرْح من رأى الْحَقَائِق رأى عين غض طرفه عَن الدَّاريْنِ لَو حضرتم حَضْرَة الْقُدس لعقبتم بنشر الْأنس
(اطْلُبُوا لأنفسكم ... مثل مَا وجدت أَنا)
(قد وجدت لي سكنا ... لَيْسَ فِي هَوَاهُ عَنَّا)
(إِن بَعدت قربني ... أَو قربت مِنْهُ دنا)
يَا هَذَا أعرف قدر لطفنا بك وحفظنا لَك إِنَّمَا نهيناك عَن الْمعاصِي صِيَانة لَك لَا لحاجتنا إِلَى امتناعك لما عرفتنا بِالْعقلِ حرمنا الْخمر لِأَنَّهَا تستره وَمثل يُوسُف لَا يخبأ يَا متناولا للمسكر لَا تفعل يَكْفِيك سكر جهلك فَلَا تجمع بَين خليطين اجْعَل مراقبتك لمن لَا تغيب عَنهُ وشكرك لمن تعنيك نعمه وطاعتك لمن لَا ترجو خيرا إِلَّا مِنْهُ وبكائك على قدر مَا فاتك مِنْهُ وارفع إِلَيْهِ يَد الذل فِي طلب حوائج الْقلب تَأتي وَمَا تشعر
يَا هَذَا عنْدك بضائع نفيسة دموع وَدِمَاء وأنفاس وحركات وكلمات ونظرات فَلَا تبذلها فِيمَا لَا قدر لَهُ أيصلح أَن تبْكي لفقد مَا لَا
стр. 463
يبْقى أَو تتنفس أسفا على مَا يفنى أَو تبذل مهجة لصورة عَن قَلِيل تمحى أَو تَتَكَلَّم فِي حُصُول مَا يشين ويتوى وَاعجَبا من مَجْنُون بِلَا ليلى وَيحك دمعة فِيك تطفي غضبنا وقطرة من دم فِي الشَّهَادَة تمحو زللك وَنَفس أَسف ينسف مَا سلف وخطوات فِي رضانا تغسل الخطيات وتسبيحة تغرس لَك أَشجَار الْخلد ونظرة بعبرة تثمر الزّهْد فِي الفاني وَلَكِن تَصْحِيح النَّقْد شَرط فِي العقد سلع ﴿وَإِنِّي لغفار﴾ لَا تبَاع إِلَّا بِدِينَار ﴿لمن تَابَ﴾ إِذا كَانَ خَارِجا من سبيكة ﴿وآمن﴾ عَن سكَّة ﴿وَعمل صَالحا﴾ من دَار ضرب ﴿ثمَّ اهْتَدَى﴾
يَا هَذَا لَو استشعرت زرمانقة الزّهْد تَحت مطرف رب أَشْعَث أغبر وسحت فِي بادية يدْفَعُونَ لأفضنا عَلَيْك خلع ﴿إِذا ذكر الله﴾ يَا هَذَا إِن لم تقد على كَثْرَة الْعَمَل فقف على بَاب الطّلب تعرض بجذبة من جذبات الْحق فَفِي لَحْظَة أَفْلح السَّحَرَة
(لَا تجزعن من كل خطب عرا ... وَلَا ترى الْأَعْدَاء مَا تشمت)
(يَا قوم بِالصبرِ ينَال المنى ... إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا)
طَرِيق الْوُصُول صعبة وَفِي رجلك ضعف وَيحك دم على السلوك تصل أول النَّخْلَة السحوق فسيلة بداية الْآدَمِيّ الشريف مُضْغَة ثمن الْمَعَالِي جد الطّلب والفتور دَاء مزمن بلد الرياضة سحيق ﴿لم تَكُونُوا بالغيه إِلَّا بشق الْأَنْفس﴾ سَحَابَة الصَّيف أثبت من قَوْلك والخط على المَاء أبقى من عَهْدك
(من السلوة فِي عَيْنَيْك ... آيَات وآثار)
(أَرَاهَا مِنْك بالذهن ... وَفِي الْأَلْبَاب أبصار)
(إِذا مَا برد الْقلب ... فَمَا تسخنه النَّار)
يَا هَذَا إِذا حضر قَلْبك فنسيم الرّيح يذكرك وَإِن غَابَ فمائة ألف نَبِي لَا يوصلون التَّذْكِرَة إِلَيْك تالله لقد ألمعنا الْمَعْنى وَمَا ألزمنا الزمنى
(ولي ألف بَاب قد عرفت سَبيله ... وَلَكِن بِلَا قلب إِلَى أَيْن أذهب)
стр. 464
الْفَصْل السَّابِع وَالثَّمَانُونَ
يَا من يرحل فِي كل لَحْظَة عَن الدُّنْيَا مرحلة وَكِتَابَة قد حوى حَتَّى قدر خردلة كن كَيفَ شِئْت فَبين يَديك الْحساب والزللة يَا عجبا من غَفلَة مُؤمن بالجزاء والمسئلة أيقين بالنجاة أم غرور وبله
(تبنى وَتجمع والْآثَار تندرس ... وَتَأمل اللّّبْث والأرواح تختلس)
(ذَا اللب فكر فَمَا فِي الْخلد من طمع ... لَا بُد مَا يَنْتَهِي أَمر وينعكس)
(أَيْن الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك وَمن ... كَانُوا إِذا النَّاس قَامُوا هَيْبَة جَلَسُوا)
(وَمن سيوفهم فِي كل معترك ... تخشى ودونهم الْحجاب والحرس)
(أضحوا بمهلكة فِي وسط معركة موتى ... وماشى الورى من فَوْقهم يطس)
(وعمهم حدث وضمهم جدث ... باتوا وهم جثث فِي الرمس قد حبسوا)
(كَأَنَّهُمْ قطّ مَا كَانُوا وَلَا خلقُوا ... وَمَات ذكرهم بَين الورى ونسوا)
(وَالله لَو نظرت عَيْنَاك مَا صنعت ... يَد البلى بهم والدود يفترس)
(من أوجه ناظرات حَار ناظرها ... فِي رونق الْحسن مِنْهَا كَيفَ تنطمس)
(وَأعظم باليات مَا بهَا رَمق ... وَلَيْسَ تبقى لهَذَا وَهِي تنتهس)
(وَالسّن ناطقات زانها أدب ... مَا شانها شانها بالآفة الخرس)
(ثلتهم السن للدهر فاغرة ... فاها فاها لَهُم إِذْ بالردى وكسوا)
(عروا عَن الوشي لما ألبسوا حللا ... من الرغام على أَجْسَادهم وكسوا)
(حتام يَا ذَا النَّهْي لَا ترعوي سفها ... ودمع عَيْنك لَا يهمني وينبجس)
أَيهَا المطمئن إِلَى الدُّنْيَا وَهِي تطلبه بدخل قد مَرضت عين بصيرته فِيهَا فَمَا ينفع الْكحل يتبختر فِي رياضها وَمَا يصبح إِلَّا فِي الوحل
стр. 465
إنتبه للرحيل ثمَّ أشدد الرحل واستبدل خصب المراب عَن قحل الْمحل وتأمر على نَفسك فللنخلل فَحل
(أترك الشَّرّ وَلَا تأمن بشر ... وتواضع إِنَّمَا أَنْت بشر)
(هَذِه الْأَجْسَام ترب هامد ... فَمن الْجَهْل افتخار واشر)
(جَسَد من أَربع يلحظها سَبْعَة ... من فَوْقهَا فِي إثني عشر)
(فِي حَيَاة كخيال طَارق ... شغل الْفِكر وخلاك وَمر)
تالله لقد كشفت الْغَيْر مَا انسدل فَلم يبْق مرآء وَلَا جدل هَذَا حمام الْحمام قد هدل فكم صرخَ صَوته وَكم جدل يَا جائرين احْذَرُوا مِمَّن إِذا قضى عدل وَاعْلَمُوا أَن الْآخِرَة لَيْسَ مِنْهَا بدل هَذَا هُوَ الصَّوَاب لَو أَن المزاج اعتدل يَا من عمره كزمان الْورْد إلتقط واعتصر لَا فِي زور يَا شمس الْعَصْر على الْقصر قد بلغ مركبك سَاحل الْأَجَل ووقف بعيرك على ثنية الْوَدَاع وقاربت شمس عمرك الطِّفْل وَبَقِي من ضوء الْأَجَل شفق فاستدرك بَاقِي الشعاع قبل غرُوب الشَّمْس
(أينفق الْعُمر فِي الدُّنْيَا مجازفة ... وَالْمَال ينْفق فِيهَا بِالْمَوَازِينِ)
البدار البدار قبل الْفَوْت الحذار الحذار قبل الْمَوْت مَا فِي الْمَقَابِر من دَفِين إِلَّا وَهُوَ متألم من سَوف
يَا هَذَا مَتى تبت بلسانك وَمَا حللت عقد الْإِصْرَار من قَلْبك لم تصح التَّوْبَة كَمَا لَو سكنت الْأَمْرَاض بَغْتَة من غير استفراغ فَإِن الْمَرَض على حَاله
يَا هَذَا إِذا لم يتَحَقَّق قصد الْقلب لم يُؤثر النُّطْق بِاللَّفْظِ إِن الْمُكْره على الْيَمين لَا تَنْعَقِد يَمِينه إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وقلبك كُله مَعَ الْهوى إِن فِي الْبدن مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْبدن
стр. 466
وَإِذا فَسدتْ فسد الْبدن أَلا وَهِي الْقلب أَكثر الْأَمْرَاض أمراض الْهوى وَأكْثر الْقَتْلَى بِسَيْفِهِ أَرْبَاب الْهوى أَطْفَال فِي حجور الْعَادَات وَإِن شابوا انحدرت عزيمتك فِي جَرَيَان نهر الْهوى فاصبر صَبر مداد لَعَلَّك تردها
وَيحك انتبه لإِصْلَاح عيوبك لَعَلَّ المُشْتَرِي يرضى تالله إِن المُشْتَرِي مَا يحب بطء زحل أكفف ثوب الْكَلَام بِالصَّمْتِ وَألا تنسل أطف حراق الْهوى وَإِلَّا عمل أرْفق بزجاج الْعُمر فَمَا ينشعب إِذا انْكَسَرَ
وَاعجَبا الظَّاهِر غير طَاهِر وَالْبَاطِن بَاطِل الأمل بخار فَاسد الرعونة عِلّة صعبة مَنَام المنى أضغاث رائد الآمال كذوب مرعى المشتهي هشيم الْعَجز شريك الحرمان التَّفْرِيط مضَارب الكسل ديجور الْجَهْل معتم سُؤْر الْهوى مغرق روض اللَّهْو وبى غَدِير اللَّذَّات غدر
(ظللت أكر عَلَيْهِ الرقى ... وتأبى عريكته أَن تلينا)
كم قد لمتك وَمَا نفع كم قد نصبت لَك شركا وَمَا تقع قفل قَلْبك رومي مَا يَقع عَلَيْهِ فش
يَا هَذَا المجاهدة حَرْب لَا يصلح لَهَا إِلَّا بَطل مَتى تغير من جنود عزمك على الْإِنَابَة قلب وَاحِد لم أَمن قلب الْهَزِيمَة عَلَيْك
(وَإِذا كَانَ فِي الأنابيب خلف ... وَقع الطيش فِي رُؤْس الصعاد)
أَيهَا المريد تلطف بِنَفْسِك فِي الرياضة تضل مشي القطا بدبير وَمَشى العصفور نقزان العنكبوت الفطن ينسج فِي زَاوِيَة والمغفل ينسج على وَجه الأَرْض كن قيمًا على جوارحك وفها الحظوظ وَاسْتَوْفِ مِنْهَا الْحُقُوق أما ترى حاضن الْبيض يقلبه بمنقاره لتأْخذ
стр. 467
كل بَيْضَة حظها من الحضن ثمَّ أَكثر سَاعَات الحضن على الْأُنْثَى لاشتغال الذّكر بِالْكَسْبِ فَإِذا صَار الْبيض فراخا كَانَ أَكثر الزق على الْأَب ﴿فَلَا يخرجنكما من الْجنَّة فتشقى﴾ مَا لقِيت حَوَّاء عشر مَا لَقِي آدم لِأَنَّهَا وَإِن شاركته فِي الْعلم بفقد صُورَة النَّعيم فَهُوَ مُنْفَرد عَنْهَا بملاحظة الْمَعْنى بعد عز ﴿اسجدوا لآدَم﴾ يقبض جِبْرِيل على نَاصِيَة للإخراج والمدنف يَقُول أرْفق بِي
(يَا سائق البكرات استبق فضلتها ... على الغوير فَظهر الْفِكر معقور)
كَانَ يتَوَقَّف فِي خُرُوجه لَو ترك ويتشبث بذيل لَو نفع ولسان الأسى يَصِيح بِمن أسا
(تزَود من المَاء النقاخ فَلَنْ ترى ... بوادي الغضا ماءا أنقاخا وَلَا بردا)
(ونل من نسيم البان والرند نفحة ... فهيهات وَاد ينْبت البان والرندا)
(وكر إِلَى نجد بطرفك إِنَّه ... مَتى تسر لَا تنظر عقيقا وَلَا نجدا)
مَا زَالَ مذ نزل يرفع قصَص الْغصَص على أَيدي أنفاس الأسف فتصعد بهَا صعداء اللهف
(أَلا يَا نسيم الرّيح من ارْض بابل ... تحمل إِلَى أهل الْحجاز سلامي)
(وَإِنِّي لأهوى أَن أكون بأرضهم ... على أنني مِنْهَا اسْتَفَدْت سقامي)
وَاعجَبا من فاق آدم بِلَا معِين على الْحزن هوَام الأَرْض لاتفهم مَا يَقُول وملائكة السَّمَاء عِنْدهَا بقايا ﴿أَتجْعَلُ﴾ فَهُوَ فِي كربَة وحيد بدار غربَة
(أَلا رَاحِم من آل ليلى فاشتكي ... غرامي لَهُ حَتَّى يكل لسانيا)
стр. 468
الْفَصْل الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ
أخواني أَيَّام الْعَافِيَة غنيمَة بَارِدَة وأوقات السَّلامَة لَا تشبهها فَائِدَة فَتَنَاول مَا دَامَت لديك الْمَائِدَة فَلَيْسَتْ السَّاعَات الذاهبات بعائدة
(مضى أمسك الْمَاضِي شَهِيدا معدلا ... وَاتبعهُ يَوْم عَلَيْك شَهِيد)
(فَإِن تَكُ بالْأَمْس اقترفت إساءة ... فبادر بِإِحْسَان وَأَنت حميد)
(وَلَا تبْق فعل الصَّالِحَات إِلَى غَد ... لَعَلَّ غَدا يَأْتِي وَأَنت فقيد)
(إِذا مَا المنايا أَخْطَأتك وصادفت ... حميمك فَاعْلَم أَنَّهَا ستعود)
كأنكم بالقيامة قد قَامَت وبالنفس الأمارة بالسوء قد لامت وانفتحت عُيُون طَال مَا نَامَتْ وتحيرت قُلُوب العصاة وهامت
(غَدا توفّي النُّفُوس مَا كسبت ... ويحصد الزارعون مَا زرعوا)
(إِن أَحْسنُوا أَحْسنُوا لأَنْفُسِهِمْ ... وَإِن أساءوا فبئس مَا صَنَعُوا)
شبكة الْحساب ضيقَة الْأَعْين لَا يعبرها شَيْء وَكيل الْمُطَالبَة خصم أَلد أينطق بِأَقَلّ عذرك بَين يَدي سحبان المناقشة كلا أَيقَن بالسجن يَا هَذَا إِنَّك لم تزل فِي حبس فَأول الحبوس صلب الْأَب وَالثَّانِي بطن الْأُم وَالثَّالِث القماط وَالرَّابِع الْمكتب وَالْخَامِس الكد على الْعِيَال وَالسَّادِس الْمَوْت وَالسَّابِع الْقَبْر فَإِن وَقعت فِي الثَّامِن نسيت مرَارَة كل حبس
يَا هَذَا إدخل حبس التَّقْوَى باختيارك أَيَّامًا ليحصل لَك الْإِطْلَاق فِي الْأَغْرَاض على الدَّوَام وَلَا تؤثرن إِطْلَاق نَفسك فِيمَا تحب فَإِنَّهُ يُؤثر حبس الْأَبَد فِي النَّار إِلَى مَتى تسجن عقلك فِي مطمورة هَوَاك
стр. 469
أَو يحبس طَاوس فِي ناووس وَيحك تفكر فِيمَا بَين يَديك وَقد هان الصَّبْر عَلَيْك لما خفيت العواقب على الْمُتَّقِينَ فزعوا إِلَى القلق وَأَكْثرُوا من الْبكاء فعذلهم من يشفق عَلَيْهِم وَمَا يدْرِي العاذل إِن العذل على حمل الْحزن علاوة
قيل لبَعض الْعباد لم تبْكي قَالَ إِذا لم أبك فَمَا أصنع
(مَا كَانَ يقْرَأ واش سطر كتماني ... لَو أَن دمعي لم ينْطق بتبيان)
(مَاء وَلكنه ذوب النُّفُوس وَهل ... مَاء تولده من حر نيران)
(لَيْت النَّوَى إِذْ سقتني سم اسودها ... سدت سَبِيل امْرِئ فِي الْحبّ يلحان)
(قد قلت بالجزع لما أنكر واجزعي ... مَا أبعد الصَّبْر مِمَّن شوقه دَان)
(عَجنا على الرّبع نستسقي لَهُ مَطَرا ... وفاض دمعي فأرواه وأظمأني)
قوي حصر الْخَوْف فَاشْتَدَّ كرب الْقَوْم فَكل مَا هَب نسيم من الرَّجَاء ولوا وُجُوههم شطره
(يَا طَربا لنفحة نجدية ... اعْدِلْ حر الْقلب باستبرادها)
(وَمَا الصِّبَا ريحي لَوْلَا أَنَّهَا ... إِذا جرت مرت على بلادها)
عبارَة النسيم لَا يفهمها إِلَّا الأحباب وَحَدِيث البروق لَا يروق إِلَّا للمشتاق
(ومرنح فطن النسيم بوجده ... غروى لَهُ خبر العذيب معرضًا)
الْعَارِف غَائِب عِنْد ذكر الدُّنْيَا وحاضر عِنْد ذكر الْأُخْرَى وطائش عِنْد ذكر الحبيب يحضر الْمجْلس موثقًا بقيود الْهم فَإِذا ذكر الحبيب قطع الوجد السلَاسِل إِن مداراة قيس تمكن وَلَكِن لَا عِنْد ذكر ليلى للخفاجي
(رمت بالحمى أبصارها مطمئنة ... فَلَمَّا بَدَت نجد وهبت جنوبها)
(بخلنا عَلَيْهَا بالبرى فتقطعت ... وَقل لنجد لَو تفرت قلوبها)
لَو برزت ليلى لَيْلًا لصار الظلام عِنْد قيس أوضح من ضحى
стр. 470
(إِذا مَا ونت نَادَى بهَا الشوق فانبرت ... تَجِد وَمن نَادَى بِهِ الشوق أَسْرعَا)
من سمع ذكر الحبيب وَلم يثر قلبه عَن مستقره فَهُوَ مُدع
للمهيار
(إِذا ذكر المحبوب عِنْد محبه ... ترنح نشوان وجن طروب)
(إِذا قيل مي لما يسْعَى لذكرها ... خباء وَلم يحبس بكاي رَقِيب)
كَلَامي صَحِيح المزاج خَفِيف الرّوح أَنا صايغ صانع بابلي لَفْظِي يبلبل أَنا ماشطة الْقَوْم أَنا لِسَان الْوَقْت
(فَكَأَن قسا فِي عكاظ يخْطب ... وَكَأن ليلى الأخيلية تندب)
(وَكثير عزة يَوْم بَين يطنب ... وَابْن المقفع فِي الْيَتِيمَة يسهب)
أَنا طَبِيب لَبِيب أمزج التحذير بالتشويق للعاملين وَأَجْعَل كأس التخويف صرفا للغافلين وأجتهد فِي التلطف جهدي بالعارفين الخام يعجب البدوي وَأما الحضري فدق مصر الْأَدْوِيَة الحادة تؤذي الْأَبدَان النحيفة الزَّاهِد ملاح الشط والعارف ناتاني الْمركب الزَّاهِد مقتب والعارف فِي محمل نفس الزَّاهِد تسير بِهِ وقلب الْعَارِف يطير بِهِ الْعَارِف حَال فِي الرَّحْمَة غَرِيب فِي الوطن خلوته بمعروفه طوره مَتى تقاضاه الشوق حضر لَا عَن ميعاد إِذا وطى بِسَاط الإنبساط قَالَ ﴿أَرِنِي﴾ فَإِذا سمع صَاعِقَة الهيبة قَالَ ﴿تبت إِلَيْك﴾
(ويأبى الجوى أَن اسر الْهوى ... إِذا امْتَلَأَ الْقلب فاض اللِّسَان)
إِذا رَأَيْتُمْ ناطقا بالحكمة قد طرب فاعذروه وَإنَّهُ قد صدر وَلم تردوا بعد الْعَالم الْمُحَقق قد اعتصر من كروم المعارف خندر يس الْمعَانِي فَشرب مِنْهَا حَتَّى غلب فَإِذا عربد بالطرب فَلم يعذرهُ الصاحي أَمر ساقي النُّطْق أَن يَدُور بكأس اللَّفْظ على أَرْبَاب الْأَلْبَاب فَإِذا الْقَوْم نشاوى من الثمل فَيُصْبِح حِينَئِذٍ مَوَاقِف ﴿تراود فتاها﴾
стр. 471
﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ عبرناكم يَا منقطعين وعلينا أَن نرد لَا بُد للأمير أَن يقف للساقة عودوا إِلَى أوكار الكسل فَنحْن على نِيَّة دُخُول الفلاة إسمعوا وصايانا يَا مودعين إِذا جن اللَّيْل فسيروا فِي بوادي الدجى وانيخوا بوادي الذل واجلسوا فِي كسر الإنكسار فَإِذا فتح الْبَاب للواصلين دونكم فاهجموا هجوم الْكَذَّابين وابسطوا كف ﴿وَتصدق علينا﴾ لَعَلَّ هَاتِف الْقبُول يَقُول ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾
(وَإِذ جئْتُمْ ثنيات اللوى ... فلجوا ربع الْحمى فِي خطري)
(وصفوا شوقي إِلَى سكانه ... واذْكُرُوا مَا عنْدكُمْ من خبري)
(واحنيني نَحْو أَيَّام مَضَت ... بالحمى لم أقض مِنْكُم وطري)
(كلما اشْتقت تمنيتكم ... ضَاعَ عمري بالمنى واعمري)
стр. 472
الْفَصْل التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ
آه لنَفس أَقبلت على الْعَدو وَقبلت وبادرت إِلَى مَا يؤذيها من الْخَطَايَا وعجلت من لَهَا إِذا سُئِلت عَن قبيحها فخجلت وسل عَلَيْهَا سيف العتاب فقتلت
(مَا لنَفْسي عَن معادي غفلت ... أتراها نسيت مَا فعلت)
(أَيهَا الْمَغْرُور فِي لَهو الْهوى ... كل نفس سترى مَا علمت)
(أُفٍّ للدنيا فكم تخدعنا ... كم عَزِيز فِي هَواهَا خذلت)
(رب ريح لِأُنَاس عصفت ... ثمَّ مَا إِن لَبِثت أَن سكنت)
(فكذاك الدَّهْر فِي تصريفه ... قدم زلت وَأُخْرَى ثبتَتْ)
(أَيْن من أصبح فِي غفلته ... فِي سرُور ومرادات خلت)
(أَصبَحت آماله قد خيبت ... وديار لهوه قد خربَتْ)
(جز على الدَّار بقلب حَاضر ... ثمَّ قل يَا دَار مَاذَا فعلت)
(أوجه كَانَت بدورا طلعا ... وشموسا طَال مَا قد أشرقت)
(قَالَت الدَّار تفانوا ومضوا ... وَكَذَا كل مُقيم إِن ثَبت)
(عاينوا أفعالهم فِي تربهم ... فسل الأجداث عَمَّا اسْتوْدعت)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا كظل زائل ... أَو كأحلام مَنَام ذهبت)
يَا من هُوَ فِي هوة الْهوى قد هوى كم مسلوب بكف النَّوَى عَمَّا نوى أَيْن المستقر عيشه أدْركهُ التوى فالتوى أَيْن الْجَبَّار الَّذِي إِذا علق بالشوى شوى أَيْن شبعان اللَّذَّات أدْركهُ الطوى لما طوى ليته لما ذهب الأَصْل تيقظ الْفَرْع فارعوى إِلَى مَتى خلف ووعد الدُّنْيَا كُله خلف
стр. 473
يَا متعبا نَفسه بالحرص وَالْقدر مَا يتَغَيَّر الراضي صرفه كم غرقت سفينة مهجة فِي لجة حرص الطمع يخنق العصفور قبل الفخ لما قنعت العنكبوت بزاوية الْبَيْت سيق لَهَا الْحَرِيص وَهُوَ الذُّبَاب فَصَارَ قوتا لَهَا وَصَوت بِهِ لِسَان الْعبْرَة رب ساع لقاعد ترسل قَلْبك مَعَ كل مَطْلُوب من الْهوى ثمَّ تبْعَث وَرَاه وَقت الصَّلَاة وَلَا يلقاه الرَّسُول فَتُصَلِّي بِلَا قلب
(خلفت قَلْبك فِي الأظعان إِذْ نزلت ... بالملزمين زمَان النَّفر بالنفر)
(ورحت تطلب فِي أَرض الْعرَاق ضحى ... مَا ضَاعَ عِنْد منى فاعجب لذا الْخَبَر)
(لما طرقنا النقي كَانَ الْفُؤَاد معي ... فضل عني بَين الضال والسمر)
(يَا أرجل العيس تهنيك الرمال فَمَا ... أغدو بوجدي غَدا إِلَّا على الْأَثر)
على تَفْصِيل الْأُمُور والجمل مَا يرضى للقبر بِهَذَا الْعَمَل يَا من قد حمل الْخَطَايَا وَبئسَ مَا حمل أَفِي سكر أَنْت أم فِي نمل لَو علمت أَن مكاوي الْحَدِيد قد أحميت للسمل لم تفرق من اللبَاس بَين الْجَدِيد والسمل يَا ثقيل الطَّبْع كالرمل فَمَا يطربه الثقيل وَلَا الرمل تَعْصِي ثمَّ تصر فتضيف إِلَى صفّين الْجمل يَا من قد فقد قلبه لَا تيأس من عوده
(فقد يجمع الله الشتيتين بَعْدَمَا يظنان كل الظَّن أَلا تلاقيا)
الْهوى قاطن وَالصَّوَاب خاطر وَقلع القاطن صَعب وإمساك الخاطر أصعب الْهوى متدير والمواعظ نزالة وَمَعَ مداراة الْجمل تصل لما تزينت زخارف الدُّنْيَا تواثبت جهال الطَّبْع لاتباع الْهوى فَبعث الْعقل كافا لَهُم فَأَقَامَ عِنْدهم موكلا بهم وَكلما زَاد فِي قيودهم فكوا السلَاسِل وَكلما تَلا عَلَيْهِم النصائح أسمعوه القبائح
فواعجبا لمعْرِفَة بلَى بمقاساة أنذال مَا يزَال الْعقل يضْرب الْأَمْثَال ويشرح العواقب وَلَكِن من يسمع أحضر مَعَه فِي خلْوَة واستحضر صديق الْفِكر فَإِنَّهُ ثِقَة فَإِن خَرجْتُمْ إِلَى الْمَقَابِر قوي دَلِيل النصح
стр. 474
مروا بقصور المذنبين تَجدوا أخبارهم مرا وجوزوا على قُبُور الصَّالِحين فقد جوزوا فِي العاجل ذكرا إِذا مَاتَ الْمُؤمن بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ من الأَرْض ومصعد عمله من السَّمَاء أَرْبَعِينَ صباحا وَاعجَبا للبقاع تبْكي عَلَيْهِم وتبكي مِنْهُم
(أما الْوُقُوف فقد وقفت بدارهم ... وسألتها لَو أَن دَارا تفهم)
(وَإِذا رَأَيْت طلولهم أبصرتها ... طرسا يخط بِهِ البلى وينمنم)
(نحلت لبينهم وَلم أك عَارِفًا ... أَن الديار بهم تصح وتسقم)
يَا لَهُ من عذل لَو كَانَ للمعاتب فهم لحم منَّة وَالله لَو كَانَ فَحم
للشريف الرضى
(وَالْحر من حذر الهوان ... يزايل الْأَمر الجسيما)
(وَالْعَاجِز المافون ... اقعد مَا يكون إِذا أقيما)
الْعبارَات حَظّ النُّفُوس والإشارات قوت الْقُلُوب نزل بعض أَرْبَاب الْمعرفَة إِلَى الشط فصاح يَا ملاح تحملنِي فَقَالَ إِلَى أَيْن قَالَ إِلَى دَار الْملك فَقَالَ معي ركاب إِلَى القطيعة فصاح الْفَقِير لَا بِاللَّه لَا بِاللَّه أَنا مُنْذُ سبعين سنة أفر مِنْهَا دخل ذُو فطنة إِلَى دَار قوم فَرَأى حبا وَإِلَى جَانِبه مركن قد زرع فِيهِ صَبر فتواجد فَقَالَ حب إِلَى جَانِبه صَبر
(يَا نازلين الْحمى رفقا بقلب فَتى ... إِن صَاح بالبين دَاع باح مضمره)
(وَقد يمِيل إِلَى المغنى يسائله ... أَخُو الغرام وَلَكِن من يُخبرهُ)
(وَمَا ذكرتكم إِلَّا وهمت جوى ... وافة المبتلي فِيكُم تذكره)
(وَلَا عزمت على سلوان حبكم ... إِلَّا ويخذلني قلبِي وينصره)
أَيْن الَّذين كَانُوا نُجُوم الدُّنْيَا وأقمار الْآخِرَة قيَاما كالأعلام
стр. 475
على جواد الْهوى تقوى بِأَنْفَاسِهِمْ نفوس أنفاس أهل التَّقْوَى يصوتون بالمنقطع ويرشدون المتحير مَا بَقِي فِي الديار ديار
(نسيم الصِّبَا إِن زرت أَرض أحبتي ... فخصهم عني بِكُل سَلام)
(وبلغهم أَنِّي رهين صبَابَة ... وَأَن غرامي فَوق كل غرام)
(وَإِنِّي ليكفيني طروق خيالهم ... لَو أَن جفوني متعت بمنام)
(وَلست أُبَالِي بالجنان وباللظى ... إِذا كَانَ فِي تِلْكَ الديار مقَامي)
(وَقد صممت عَن لذات دهري كلهَا ... وَيَوْم لقاكم ذَاك فطر صيامي)
رَحل الْقَوْم وتخلفنا وَبَادرُوا أيامهم وسوفنا وعرفنا طريقهم لَكنا انقطعنا فسيروا بِنَا فَإِن لحقنا وَإِلَّا تأسفنا
(يَا صَاحِبي إِن كنت لي أَو معي ... فعد إِلَى روض الْحمى نرتع)
(حَيّ كثيب الرمل رمل الْحمى ... وقف وَسلم لي على لعلع)
(وسل عَن الْوَادي وأربابه ... وانشد فُؤَادِي فِي ربى الْمجمع)
(وابك فَمَا فِي الْعين من فَضله ... ونب فدتك النَّفس عَن مدمعي)
(واسمع حَدِيثا قد روته الصِّبَا ... تسنده عَن بانة الأجرع)
(وَانْزِلْ على الشيح بواديهم ... واشمم عشيب الْبَلَد البلقع)
(بلغ تحياتي إِلَى ربعهم ... وَقل ديار الظاعنين اسمعي)
(رفقا بنضو قد براه الأسى ... يَا عاذلي لَو كَانَ قلبِي معي)
(لهفي على طيب لَيَال خلت ... عودي تعودي مدنفا قد نعي)
(إِذا تذكرت زَمَانا مضى ... فويح أجفاني من أدمعي)
(أراجع لي وصلهم بعْدهَا ... يَا نفس إِن لم يصلوا ودعي)
(يَا نفس كم أتلو حَدِيث المنى ... ضَاعَ زماني بالمنى فاقطعي)
(يَا قلب لَا تسكن على بعدهمْ ... وَأَنت يَا عين فَلَا تهجعي)
стр. 476
الْفَصْل التِّسْعُونَ
أخواني أَلا ذُو سمع وبصر يعلم أَن الْأَعْمَار فِيهَا قصر إِلَّا متلمح مَا فِي الْغَيْر من العبر إِلَّا ذَاكر بَيت التُّرَاب والمدر
(تنبه فَإِن الدَّهْر ذُو فجعات ... وَشَمل جَمِيع صائر لشتات)
(نخلف مأمولاتنا وكأننا ... نسير إِلَيْهَا لَا إِلَى الغمرات)
(هَل الْمَرْء فِي الدُّنْيَا الدنية نَاظر ... سوى فقد حب أَو لِقَاء ممات)
(وَمَا حركات الدَّهْر فِي كل طرفَة ... بلاهية عَن هَذِه الحركات)
(سيسقى بَنو الدُّنْيَا كؤوس حتوفهم ... إِلَى أَن يَنَامُوا لَا مَنَام سبات)
(وَمَا فرحت نفس ببلوى وَقد رَأَتْ ... عظات من الْأَيَّام بعد عظات)
(إِذا بغتت أَشْيَاء قد كَانَ مثلهَا ... قَدِيما فَلَا تعتدها بغتات)
(واعقب من النّوم التيقظ راشدا ... فَلَا بُد للنوام من يقظات)
يَا من يجول فِي الْمعاصِي قلبه وهمه يَا مُعْتَقدًا صِحَّته فِيمَا هُوَ سقمه يَا من كلما طَال عمره زَاد إثمه أَيْن لَذَّة الْهوى رَحل المطعوم وطعمه
يَا من سيجمعه اللَّحْد عَن قَلِيل ويضمه كَيفَ يوعظ من لَا بعظه عقله وَلَا فهمه كَيفَ يوقظ من قد نَام قلبه لَا عينه وَلَا جِسْمه وَيحك تدارك أَمرك قبل الْفَوْت أتنفع الإستغاثة والسم قد وصل إِلَى الْقلب إِن الدرياق يصلح قبل اللسع وَمذهب ابْن سريح يسْتَعْمل قبل الطَّلَاق
لمن أحدث وَالْقلب غَائِب لمن أعاتب والفكر ذاهل وآسفا من
стр. 477
ضرب الْخراج على بلد خراب وَيحك أجماد أَنْت أم حَيَوَان هَذَا الفهد على خساسة خلقه يصاد بالصوت الْحسن وَمَتى وثب على الصَّيْد ثَلَاث مَرَّات وَلم يُدْرِكهُ غضب على نَفسه كم قد وَثَبت على هَوَاك مرّة فَلم تقدر عَلَيْهِ فَأَيْنَ غضبك على التَّقْصِير هَيْهَات لَيْسَ عِنْد الطاوس إِلَّا حسن الصُّورَة تفيق فِي الْمجْلس لَحْظَة ثمَّ تذكر الشَّهَوَات فيغمى عَلَيْك إِن الْغُرَاب إِذا سكر بشراب الْحِرْص تنقل بالجيف فَإِذا صَحا من خماره ندب على الطلل لما عزت نفس الببغاء زاحمت الآدمين فِي النُّطْق وَهِي تتَنَاوَل بكفها من جنس مطاعمهم
وَاعجَبا لبهيم يتشبه بِالنَّاسِ ولإنسان يتشبه بالبهيم كل هَذَا سَببه الهمة لَا يطعمن البطال فِي منَازِل الْأَبْطَال إِن لَذَّة الرَّاحَة لَا تتَنَاوَل بالراحة من زرع حصد وَمن جد وجد
(وَكَيف ينَال الْمجد والجسم وادع ... وَكَيف يحاز الْحَمد والوفر وافر)
أَي مَطْلُوب ينَال من غير مشقة وَأي مَرْغُوب لم تبعد على مؤثره الشقة المَال لَا يحصل إِلَّا بالتعب وَالْعلم لَا يدْرك إِلَّا بِالنّصب وَاسم الْجواد لَا يَنَالهُ بخيل ولقب الشجَاعَة بعد تَعب طَوِيل للمتنبي
(لَا يدْرك الْمجد إِلَّا سيد فطن ... لما يشق على السادات فعال)
(لَوْلَا الْمَشَقَّة سَاد النَّاس كلهم ... الْجُود يفقر والأقدام قتال)
يَا أعجمي الْفَهم مَتى تفهم يَا فَرحا بلذة عقباها جَهَنَّم ستدري مَتى تبْكي وَمَتى تندم إِذا جثا الْخَلِيل وتزلزل ابْن مَرْيَم يَا عاشق الدُّنْيَا كم قتلت متيم مَا للفلاح فِيك عَلامَة وَالله أعلم إِن كَانَ ثمَّ عذر فَقل وَتكلم غَابَ الهدهد من سُلَيْمَان سَاعَة فتواعده فيا غَائِبا عَنَّا طول عمره أما تحذر غضبنا خَالف مُوسَى الْخضر فِي طَرِيق الصُّحْبَة ثَلَاث مَرَّات فَحل عقدَة الْوَصْل
стр. 478
بكف ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾ أما تخَاف يَا من لم يَفِ لنا قطّ أَن نقُول فِي بعض زلاتك ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾
أعظم عَذَاب أهل النَّار جهلهم بالمعذب لَو صحت معرفتهم بالمالك لما اسْتَغَاثُوا يَا مَالك وَقع بَينهم شخص لَيْسَ من الْجِنْس كَانَت فِي بَاطِنه ذرة من الْمعرفَة فَكلما حملت عَلَيْهِ النَّار اتقاها بدرع يَا حنان يَا منان كَانَ مَوته فِي الْمعاصِي سكتة فقبر فِي جَهَنَّم فَلَمَّا تحرّك الرّوح فِي الْبَاطِن أخرج رأى الْأَسْبَاب بيد الْمُسَبّب فَتعلق بِالْأَصْلِ أخواني الْيَوْم رجاؤنا للرحمة قوي فَكيف نصْنَع غَدا إِن ضعف
(هَذَا جزعي وَمَا خلا مغناكم ... مَا أصنع بعد بعدكم حاشاكم)
(أَقْسَمت بكم لكم وحسبي ذاكم ... لَا أذكر غَيْركُمْ وَلَا أنساكم)
أزعجتموني بتقلقلكم يَا تَائِبين أخرجتموني عَن الْحَد يَا خَائِفين
(يَا صبا نجد ويابان الْحمى ... أرفقا بِي فِي التثني والهبوب)
يتقومون بمقالي ويقومون على حر المقالي وَيخرج عاطل البطالة وَهُوَ خَالِي وَأَنا أدرى مَا حَالي ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾
(يَا غاديا نَحْو هضاب الْحمى ... بلغ رسوم الدَّار مَا عِنْدِي)
(كم لي بِتِلْكَ الدَّار من وَقْفَة ... أَشْكُو من الهجران والصد)
يَا ركب التَّوْبَة إِن تزودتم فالتقوى وسرتم إِلَى الله فاحملوا مَعكُمْ رِسَالَة متلهف يحتوي على حسرة محصر
(يَا حادي العيس ترفق واستمع ... مني وَبلغ إِن وصلت عني)
(وقف بِأَكْنَافِ الْحجاز نَاشِدًا ... قلبِي فقد ضَاعَ الْغَدَاة مني)
(وَقل إِذا وصلت نَحْو أَرضهم ... ذَاك الْأَسير موثق بالحزن)
стр. 479
(عرض بذكرى عِنْدهم عساهم ... إِن سمعوك سائلوك عني)
(قل ذَلِك الْمَحْبُوس عَن قصدكم ... معذب الْقلب بِكُل فن)
(يَقُول أملت بِأَن أزوركم ... فِي جملَة الْوَفْد فخاب ظَنِّي)
يَا معاشر التائبين بِحرْمَة الصُّحْبَة لَا تنسوني إِذا بعتكم أغْلى الْملك فَلَا تنسوا كَرَامَة الدَّلال أعوذ بك يَا إلهي أَن تجْعَل حظي لَفْظِي وآ اسفي أصف واصفي وَيشْرب غَيْرِي
(فعندي زفير مَا ترقى إِلَى الحشى ... وَعِنْدِي دموع مَا بلغن المآقيا)
واحسرتا أأكون كالقوس رفعت السهْم فَمر وَلم تَبْرَح أأصير كالإبرة تكسو غَيرهَا وَهِي عُرْيَانَة أأشبه حَال الشمعة أَضَاءَت غَيرهَا باحتراق نَفسهَا
(أَتَرَى يرجع لي دهر مضى ... أَتَرَى يَنْفَعنِي قولي ترى)
(ويك يَا عين أعيني قلقي ... إِن توانيت فَلَا ذقت الْكرَى)
إلهي أيقظتني فِي الصِّبَا وأقمتني أدل الْخلق عَلَيْك ومزجت كأس نطقي بعذوبة وجعلتني فِي أخباري مَعْرُوفا بالأمانة فركن إِلَيّ أهل الْمُعَامَلَة وَلَو عرفُوا إفلاسي مَا عوملت إلهي طَال مَا اجتذبت العصاة بعد أَن تهافتوا فِي النَّار أفيصدرون وَارِد سَيِّدي إِن لم أصلح للرضا فالعفو الْعَفو
стр. 480
الْفَصْل الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ
أخواني أما يُنَبه على استعداد الزَّاد سلب الْآبَاء وَأخذ الأجداد أما يُحَرك إِلَى التيقظ وَنفي الرقاد عكس المشتهى ورد المُرَاد
للشريف الرضى
(لنا كل يَوْم رنة خلف ذَاهِب ... ومستهلك بَين النَّوَى والنوائب)
(ونأمل من وعد المنى غير صَادِق ... ونأمن من وعد الردى غير كَاذِب)
(نراع إِذا ماشيك اخمص بَعْضنَا ... وأقدامنا مَا بَين شوك العقارب)
(نعم إِنَّمَا الدُّنْيَا سموم لطاعم ... وَخَوف لمطلوب وهم لطَالب)
(وَإِنَّا لنهواها مَعَ الْغدر والقلى ... ونمدحها مَعَ علمنَا بالمعائب)
أَي مطمئن لم يزعج أَي قاطن لم يخرج فرس الرحيل لنا سرج وَمَا جرى على الأقران أنموذج يَا مختالا فِي ثوب الصِّبَا معجبا بمرطه شَرط الْمقَام الرحيل وَقد تقاضى بِشَرْطِهِ أما لَك نبرة فِي رفع الزَّمَان وحطه أما ترى رقوم المنايا مَكْتُوبَة بِخَطِّهِ أما أعرب المسطور بشكل الْمَرَض ونقطه هلا تصور العَاصِي سَاعَة إنزاله إِلَى الْقَبْر وحطه أَفلا يتَذَكَّر الْغَنِيّ أَخذ مَاله على رغمه وَمن أصل قرطه
يَا من قد قَادَهُ الْهوى بِلَا خزامة لَو قبلت مشورة الْعقل لم تتجرع
стр. 481
مر لَو وليت قدر إِن الزلل يخفى على الْخلق ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ صور إِنَّه قد عَفا عَنْك فَأَيْنَ الْحيَاء مِمَّا جنيته
(هَب الْبَعْث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النَّار لم تضرم)
(أَلَيْسَ من الْوَاجِب الْمُسْتَحق ... حَيَاء الْعباد من الْمُنعم)
أقل نعمه أَن أوسع عَرصَة الْوُجُود لِئَلَّا يضيق نفس النَّفس بالحصر وأجرى مجْرى الْهَوَاء فِي جو الفضا يقتسم بمكاييل الخياشيم فيصل بِالْعَدْلِ إِلَى ذَوَات الذوات وَاعجَبا للغافلين عَن هَذَا الْمُنعم بِمَاذَا اشتغلوا أجهلا بِوُجُودِهِ فَهُوَ أوضح من ضحى أم ميلًا إِلَى الدُّنْيَا فَهِيَ أغدر من تَاء بتمتام إِن سلمت فتنت وَإِن تلفت قتلت وَقع نحل على لينوفر منتشر الْوَرق فَأحب رِيحه فَأَقَامَ فَلَمَّا تقبض الْوَرق وغاص هلك العاشق
أخواني إيَّاكُمْ والذنُوب فَإِنَّهَا أذلت عَزِيز ﴿اسجدوا﴾ وأخرجت مقطع ﴿اسكن﴾ لَوْلَا لطف ﴿فَتلقى﴾ كَانَ الْعجب استراح آدم إِلَى بعض العناقيد فَإِذا بِهِ فِي العناقيد جَاءَهُ جِبْرِيل فَسلم عَلَيْهِ فَبكى وَبكى جِبْرِيل ثمَّ قَالَ يَا آدم مَا يبكيك قَالَ كَيفَ لَا أبْكِي وَقد حولني من دَار النَّعيم إِلَى دَار الْبُؤْس وَاعجَبا بمجيء جِبْرِيل زَاد الْمَرِيض ألما
(آه لبرق لمعا ... مَاذَا بقلبي صنعا)
(أيقظ مني للغرام ... مستهاما موجعا)
(فَبت من إيماضه ... أسكب دمعي دفعا)
(يَا برق أما تريني ... للصنيع موضعا)
(فحيى عني أَرْبعا ... أكْرم بِهن أَرْبعا)
(يَا نَاظرا اقْسمْ من ... بعد النَّوَى لَا هجعا)
стр. 482
(كبر مذ فارقهم ... على الرقاد أَرْبعا)
(كم كبد قطعهَا ... بَين الحبيب قطعا)
(حمل وجدي جلدي ... أَكثر مِمَّا وسعا)
خرج آدم يَوْم الْكَعْبَة فَلَمَّا وصل طَاف أسبوعا فَمَا أتمه حَتَّى خَاضَ فِي دُمُوعه
(دموع عَيْني مذجد بَين ... مثل الدوالي وَهِي الدوالي)
فشمت بِهِ إِبْلِيس حِين نزل وَمَا علم أَن نُزُوله إِلَى دَار التَّعَبُّد صعُود كنزول الغائص خلف الدّرّ صعُود رأى فِي بدايته طينا قد صلصل وبذرا قد عفن وَنسي أَنه ستهتز طاقاته فِي ربيع ﴿فَتلقى﴾ وَيلك يَا إِبْلِيس مَا جرى على آدم وَهُوَ المُرَاد من وجوده لَو لم تذنبوا قدح أُرِيد كَسره فَسلم إِلَى مرتعش
(فلولا غليل الشوق أَو لوعة الأسى ... لما خلقت لي أعين وجفون)
لَا يهولنك قَوْله ﴿اهبطوا مِنْهَا﴾ فلك خلقتها وَإِنَّمَا أخرجت إِلَى مزرعة المجاهدة فَإِذا حصدت فعد إِن قيل لَك مرّة ﴿اهبط﴾ فَفِي كل يَوْم تنادي ألف ألف مرّة ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ إِن تَعَذَّرَتْ عَن الحضرة مرّة فزيارة الحبيب مَا تَنْقَطِع هَل من سَائل الكرة تلقى من صَاحب الصولجان بالطرد ثمَّ هُوَ يطْلبهَا
(ترجو فِي الْمُحب عتق من أَنْت لَهُ ... إِن كَانَ كَذَا الْحبّ فَمَا أعدله)
стр. 483
(هَيْهَات الْحبّ يَعْتَرِيه وَله ... من حكمه قضى عَلَيْهِ وَله)
يَا آدم قد ذقت حلاوة الذَّنب وتطعمت مرَارَة النَّدَم فَهَل وفت بِتِلْكَ أَيْن لذاتك إِذا نزل الْمَوْت كَيفَ حسراتك إِذا وَقع الْفَوْت
(مَا أسْرع مَا انْقَضى زمَان الْوَصْل ... هَل يرجع مَا مضى برد الشمل)
(من لي بهم وَهل مُفِيد من لي ... يَكْفِي مَا بِي فَلَا تزد فِي عذلي)
يَا صبيان التَّوْبَة اشكروا من نجاكم بالإنابة ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار﴾ تَذكرُوا عَظمَة من عاهدتم ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها﴾ لَا تَزْدَرُوا أَثوَاب الْفقر فعلَيْهَا أنوار المهابة ﴿وَلكم فِيهَا جمال حِين تريحون وَحين تسرحون﴾ لَا يصعبن على الْخَيل تضميرها فستفرح بِهِ يَوْم السباق إِن قَالَ لَك رفقاؤك إمش مَعنا سَاعَة فَقل أقعدني الْخَوْف
(يَا نديمي صَحا الْقلب صَحا ... فاطردا عني الصِّبَا والمرحا)
(شمرا بردى للنسك وَلَا ... تَعَجبا من فَاسد إِن صلحا)
(زجر الْحلم فؤادا فارعوى ... ولحا الدَّهْر امْرَءًا فِيمَن لحا)
أَيهَا التائب قل لقلبك الرَّاعِي فِي رياض الْهدى إحذر من لفتة إِلَى خضراء دمن الْهوى فمرعاك أطيب وشرابك أعذب ﴿وَلَئِن لم يفعل مَا آمره ليسجنن﴾ نسيم الرّيح يُقَوي الرّوح مَا لم يخْتَلط بِهِ بخار ردى كَذَلِك كَلَام المذكرين إِذا سلم من بِدعَة كَانَ قوتا للنَّفس وَإِن مازجه هوى هوى بِصَاحِبِهِ إِلَى الْعِلَل
كَلَامي نهر يَأْخُذ من بَحر الْكتاب وَالسّنة صَاف مَا تغير قطّ يسْقِي قُلُوبكُمْ سيحا بِلَا كلف وَقد قنع من الْخراج بالدعا هَل فِي مجلسي نقص
стр. 484
فَيُقَال لَو أَنه أَو عيب فَيُقَال إِلَّا أَنه أَو رَأَيْتُمْ مثله فَيُقَال كَأَنَّهُ آه لَو كَانَ من أعجمي وَلكنه أبلغ بلفظي منزل الْمَعْنى وَمَا طَال سفر الْعبارَة الْمعَانِي وَاسِعَة الفيافي والألفاظ ضيقَة العراص وَمَا يقدر على حَشْو الْعَرَصَة فَوق مَا تسع إِلَّا مهندس لآلئ هَذِه الْمعَانِي لطاف فَأَي سلك فهم دق إنتظمت فِيهِ وَإِنَّمَا ينظم اللُّؤْلُؤ فِي خيط لَا فِي حَبل كَلَامي ثوب فصل على قدر أسماعكم فَهُوَ لَا يصلح إِلَّا لكم لَا تنكروا مدحي لأهل بَغْدَاد فهم فهم أَلِهَذَا الْبَلَد بدل إِذا مَرضت الأفهام السليمة من وباء طَعَام الْعبارَات الرَّكِيكَة عمل لَفْظِي فِي شفائها وَلَا رقي الْهِنْد كلم تداوى كل كلم ظلم قياسها بعذوبة الظُّلم
(جَوَاهِر كلهَا يَتِيم ... تُوجد مفقودة الْمِثَال)
(تجنب الغائصون عَنْهَا ... عَجزا وجاشت بحارها لي)
стр. 485
الْفَصْل الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ
يَا ديار الأحباب أقوى جديدها أَيْن أسودها أم أَيْن غيدها أَيْن ظباء الْهوى مرت وَمن يصيدها تَسَاوِي فِي الْقُبُور مواليها وعبيدها قف يَا حَبِيبِي بالرسوم وَانْظُر نسخ النسيم بالسموم وتبديل الأفراح بالغموم هَيْهَات إِن الدُّنْيَا لَا تدوم إِنَّهَا على قَتلك تحوم إِيثَار مثل هَذِه لوم
للخفاجي
(سل بعمدان أَيْن ساكنه أَو ... قل لنعمان أَيْن أَيْن السدير)
(أَيهَا الظاعنون لَا زَالَ للغيث ... رواح عَلَيْكُم وبكور)
(قد رَأينَا دِيَاركُمْ وَعَلَيْهَا ... أثر من عفائكم مهجور)
(وَسَأَلنَا أطلالكم فأجابت ... وَمن الصمت واعظ ونذير)
(عجبا كَيفَ لم نمت فِي مغانيها ... أسى مَا الْقُلُوب إِلَّا صخور)
(يَا ديار الأحباب غَيْرك الدَّهْر ... وَكَانَت بعد الْأُمُور أُمُور)
أَيهَا الباكي على أَقَاربه الْأَمْوَات إبك على نَفسك فالماضي قد فَاتَ وتأهب لنزول البلايا وحلول الْآفَات وتذكر قَول من إِذا ذكرك قَالَ مَاتَ كَأَنَّك بِمَا أَتَى الماضين قد أَتَاك وَلَقَد صَاح بك نذيرهم أَنْت غَدا كَذَاك وليخرسن الْمَوْت بسطوته فَاك إِذا وافاك إِنَّمَا الْيَوْم لهَذَا وَغدا لذاك قرئَ على قبر
(أَنا فِي الْقَبْر وحيد ... قد تبرا الْأَهْل مني)
(أسلموني بذنوبي ... خبت أَن لم تعف عني)
стр. 486
يَا هَذَا لاحت الْغَايَة لعين الشيب فصح بخيل البدار مرحلة الشيب تحط على شَفير الْقَبْر وَقد أنجد من رأى حضنا أتحمل مشاق السّفر من وَرَاء النَّهر وتخاطر بالوقفة من نَخْلَة
يَا هَذَا إِذا ركبت مركب الْهوى فَاجْعَلْ باتاني الْمركب لمحاسبة النَّفس فَإِنَّهُ يشم كل يَوْم ريح ثرى الأَرْض فَيعلم هَل هُوَ على خطا أَو صَوَاب وَمَتى لم يعلم الطَّرِيق صدمه حجر فغرق
يَا من يحدث وَكَأَنَّهُ مَا يسمع مَتى لم ينصت سمع الْقلب ضَاعَ الحَدِيث أَتَرَى ينطبع فِي شمع سَمعك من هَذَا حرف تحضرون الْمجْلس فُرْجَة وتجعلون رَجَاء النَّفْع حجَّة وَلَا تسلكون إِلَى الْعَمَل محجة ﴿وَمَا أبرئ نَفسِي﴾ وَاعجَبا تَجْتَمِع العزائم فِي الْمجْلس اجْتِمَاع الثريا فَإِذا خرجنَا صَارَت كبنات نعش لَو تأملتم عيب الدُّنْيَا لهان طَلاقهَا
(سرُور الدَّهْر مقرون بحزن ... فَكُن مِنْهُ على حذر شَدِيد)
(فَفِي يمناه تَاج من نضار ... وَفِي يسراه قيد من حَدِيد)
آه للدنيا ملكت الْقلب حِين ملكت وأبقت الْغم ثمَّ أبقت
(تزودن منا كل قلب ومهجة ... وزودننا للوجد عض الأباهم)
(كم تألفت بحلو مذاقها ثمَّ أتلفت بمر فراقها ... )
(فليت عَهْدك إِذْ لم يبْق لي أبدا ... لم يبْق عِنْدِي عقابيلا من السقم)
لما كَانَ الصَّانِع غَائِبا عَن الإحساس سطرت قدرته فِي أَلْوَاح التكوين عجائب الكائنات ثمَّ وضعت الألواح فِي حجور الْعُقُول لِيَقْرَأهَا أذهان أَطْفَال الطباع فَإِذا أحذق الصّبيان وَحفظ الْمَكْتُوب محا السطور ﴿إِذا الشَّمْس كورت وَإِذا النُّجُوم انكدرت﴾
стр. 487
أخواني عُيُون يقينكم رمدة والفكر تبريد من أَيقَن بِالْمَوْتِ كَيفَ يفرح من علم قرب الْحساب كَيفَ يلهو من عرف تقليب الْقُلُوب كَيفَ يَأْمَن
كَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ من شدَّة خَوفه يَبُول الدَّم فَحمل مَاؤُهُ إِلَى الطَّبِيب فَقَالَ هَذَا مَاء رُهْبَان هَذَا مَاء رجل قد فتت الْحزن كبده وَحمل مَاء سري إِلَى الطَّبِيب فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ قَالَ هَذَا بَوْل عاشق قَالَ حامله فَسَقَطت ثمَّ غشي عَليّ ثمَّ رجعت إِلَى سرى فَأَخْبَرته فَقَالَ قَاتله الله مَا أبصره
(إِذا أَنا واجهت الصِّبَا عَاد بردهَا ... وَمن حر أنفاسي عَلَيْهِ لهيب)
(وَقد أكثرت فِي الْأَطِبَّاء قَوْلهم ... وَمَالِي إِلَّا أَن أَرَاك طَبِيب)
قيل لبَعض عقلاء المجانين لم سميت مَجْنُونا قَالَ لما طَال حبسي عَنهُ فِي الدُّنْيَا سميت مَجْنُونا لخوف فِرَاقه
(قلبِي بحبك مَا يفِيق ... وجفن عَيْني مَا ينَام)
(قد طَال فِيك اللَّيْل حَتَّى ... مَا يُقَال لَهُ انصرام)
(والنجم فِيهِ راكد ... وَالْفَجْر يمنعهُ الظلام)
(ليل بِغَيْر نِهَايَة ... وَلكُل مِفْتَاح ختام)
(فِي وصلك الْعَيْش الهني ... وهجرك الْمَوْت الزؤام)
إِن لم تكن مَعَ الْقَوْم فِي السّفر تلمح آثَار الحبيب عَلَيْهِم وَقت الضُّحَى ترى فِي صَحَائِف الْوُجُوه سطور الْقبُول بمداد الْأَنْوَار وُجُوه زهاها الْحسن أَن تتبرقعا
قَالَ بعض السّلف لقِيت غُلَاما فِي طَرِيق مَكَّة فَقلت لَهُ أما تستوحش فَقَالَ إِن الْأنس بِاللَّه قطع عني كل وَحْشَة قلت فَأَيْنَ أَلْقَاك قَالَ أما فِي الدُّنْيَا فَلَا تحدث نَفسك بلقائي وَأما فِي الْآخِرَة فَإِنَّهَا مجمع الْمُتَّقِينَ قلت فَأَيْنَ أطلبك فِي الْآخِرَة قَالَ أطلبني فِي جملَة الناظرين إِلَى الله تَعَالَى قلت وَكَيف علمت قَالَ بغض طرفِي عَن كل محرم واجتنابي فِيهِ كل مُنكر ومأثم وَقد سَأَلته أَن يَجْعَل جنتي النّظر إِلَيْهِ ثمَّ صَاح وَأَقْبل يسْعَى حَتَّى غَابَ عَن بَصرِي
стр. 488
للشريف الرضي
(وَمَا تلوم جسمي عَن لقائكم ... إِلَّا وقلبي إِلَيْكُم شيق عجل)
(وَكَيف يقْعد مشتاق يحركه ... إِلَيْكُم الحافزان الشوق والأمل)
(فَإِن نهضت فَمَالِي غَيْركُمْ وطر ... وَإِن قعدت فَمَالِي غَيْركُمْ شغل)
(وَكم تعرض لي الأقوام بعدكم ... يستأذنون على قلبِي فَمَا وصلوا)
стр. 489
الْفَصْل الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ
سُبْحَانَ من فاوت بَين الْقُلُوب فَمِنْهَا مَا لَا يصلح إِلَّا لخدمة الدُّنْيَا وَمِنْهَا مَا لَا يصلح إِلَّا للتعبد وَمِنْهَا روحاني مَشْغُول بمحبة الْخَالِق للمتنبي
(أروح وَقد ختمت على فوآدي ... بحبك أَن يحل بِهِ سواكا)
(فَلَو أَنِّي اسْتَطَعْت غضضت طرفِي ... فَلم أبْصر بِهِ حَتَّى أراكا)
(أحبك لَا ببعضي بل بكلي ... وَإِن لم يبْق حبك لي حراكا)
(ويقبح من سواك الْفِعْل عِنْدِي ... فتفعله فَيحسن مِنْك ذاكا)
(وَفِي الأحباب مُخْتَصّ بوجد ... وَآخر يَدعِي مَعَه اشتراكا)
(إِذا اشتبكت دموع فِي خدود ... تبين من بَكَى مِمَّن تباكى)
(فَأَما من بَكَى فيذوب شوقا ... وينطق بالهوى من قد تباكى)
النَّهَار يزِيد فِي كرب الْمُحب وَاللَّيْل يروحه السحر رَوْضَة نجدية يجد فِيهَا الْمُحب ضَالَّة وجده شراب الْمُنَاجَاة يروي ظمأ العشاق لَو رَأَيْت الْمُحب فِي اللَّيْل يتقلقل ويناجي حَبِيبه ثمَّ يتململ وَكلما أزعجه الشوق تحير وتبلبل وَمَا ألذ مَا يصف حَاله ويتعمل
(أحباي أما جفن عَيْني فمقروح ... وَأما فُؤَادِي فَهُوَ بالشوق مَجْرُوح)
(يذكرنِي مر النسيم عهودكم ... فأزداد شوقا كلما هَب الرّيح)
(أَرَانِي إِذا مَا اللَّيْل أظلم أشرقت ... بقلبي من نَار الغرام مصابيح)
(أُصَلِّي بذكراكم إِذا كنت خَالِيا ... إِلَّا أَن تذكار الْأَحِبَّة تَسْبِيح)
(يشح فُؤَادِي أَن يخَامر سره ... سواكم وَبَعض الشُّح فِي الْمَرْء ممدوح)
стр. 490
لَو لبس أحد المحبين حلَّة علم أَنه من الزهاد كَيفَ يخفي اللَّيْل بَدْرًا طالعا كم بالغوا فِي كتم الْحَال وَستر الْحبّ محَال
(اسائل عَمَّن لَا أُرِيد وَإِنَّمَا ... أريدكم من بَينهم بسؤالي)
(فيعثر مَا بَين الْكَلَام ورجعه ... لساني بكم حَتَّى ينم بحالي)
(وأطوي على مَا تعلمُونَ جوانحي ... وَأظْهر للعذال أَنِّي سَالَ)
كلما قوي حَامِل الْمحبَّة زيد فِي حمله نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء أَشد النَّاس بلاءا ثمَّ الأمثل فالأمثل فوران قدر الْقلب من قدر شدَّة الإيقاد كَانَ يسمع لصدر الْخَلِيل أزيز من بعيد خوفًا من الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ نَبينَا ﷺ يُصَلِّي ولخوفه أزيز كأزيز الْمرجل من الْبكاء كَانَ الْوَحْي إِذا نزل عَلَيْهِ وَهُوَ على نَاقَته أثر فِيهَا فَرُبمَا وتدت بِيَدَيْهَا فِي الأَرْض وَرُبمَا بَركت لثقل الْوَحْي
للشريف الرضى
(أحست بناري فِي ضلوعي فَأَصْبَحت ... يخب بهَا حر الغرام وَيُوضَع)
(تحنين إِلَّا أَن بِي لأبك الْهوى ... ولي لَا لَك الْألف الخليط الْمُودع)
(وباتت تشكي تَحت رحلي ضامرا ... كِلَانَا إِذن يَا ناق نضو مفجع)
أماعت قُلُوبهم بالخوف فهاتبهم الجوامد فالحجر يسلم على الرَّسُول ﷺ والسكين لَا تعْمل فِي الذَّبِيح مَالك أيتها المدية وعادتك الْقطع قَالَت بِلِسَان الْحَال أخواتي تحز رِقَاب الْكفَّار وَأَنا قد ابْتليت بِقطع عنق إِسْمَعِيل فقد وقفت مدهوشة بالبلوى فعندي شغل قطع يَد زليخا يجوز فَأَما يَد يُوسُف فمشكل أتراك تحلو لَك عباراتي أَو تفهم إشاراتي كم أجلو عَلَيْك عرائس الْمحبَّة وَلست كُفؤًا وَإِنَّمَا يحل النّظر لمن يعْقد أقل أَحْوَال الْقَوْم رفض الْهوى
стр. 491
وَهَذَا كالمستحيل عنْدك كَانُوا إِذا ابتلوا صَبَرُوا ثمَّ صَارُوا إِذا ابتلوا شكروا ثمَّ رَأَوْا فِي البلى الْمُبْتَلى فسكروا أَيْن الَّذين أصفهم مروا وعبروا
(لَيْسَ بالصب من يُحَرك بالشكوى ... لِسَانا ويودع الدمع خدا)
(أَيهَا الوامق الَّذِي جعل الكتمان ... بَين الوشاة وَالْحب سدا)
(صَاح لَوْلَا صوني الغرام لأجريت ... دموعا توفى على الْبَحْر مدا)
(قل لحي على اللوى والكثيب الْفَرد ... جاد الحيا الْكَثِيب الفردا)
(قد وقفنا من بعدكم نسْأَل البان ... ضلالا عَنْكُم ونشكو الرندا)
(أَيْن تبغي يَا حادي الركب أفنيت ... المطايا سيرا ذميلا ووخدا)
(قف قَلِيلا فِي الرّبع وارفق فَمَا أبقيت ... مِنْهَا إِلَّا عظاما وجلدا)
(فلدار الْهوى علينا حُقُوق ... إِن تركنَا أداءها كَانَ ادا)
(يَا بني الْورْد وَالْوَفَاء وَمَا أسمع ... إِلَّا قولا وفاءا وودا)
(لم نقضتم من غير جرم عهودا ... مَا نقضنا مِنْهَا على الرمل عهدا)
كم أنشر بز الْمحبَّة وَلَا أرى إِلَّا مُفلسًا تنزهوا فِي السّلع فسهل على طي المنشور مَا أحلى ذكر الأحباب مَا أطيب حَدِيث أولى الْأَلْبَاب لصردر
(أيه أَحَادِيث نعْمَان وساكنه ... إِن الحَدِيث عَن الأحباب أسمار)
(أفتش الرّيح عَنْكُم كلما نفحت ... من نَحْو أَرْضكُم نكبآء معطار)
تمكن الْحبّ من حبات قُلُوبهم فَأخْرجهُمْ إِلَى الوله فَلَو رأيتموهم لقلتم مجانين
(قد لج بِي الغرام حَتَّى قَالُوا ... قد جن بهم وَهَكَذَا البلبال)
(الْمَوْت إِذا رَضِيتُمْ سلسال ... فِي مثل هَوَاك ترخص الْآجَال)
كَانَت رَابِعَة تَقول لقد طَالَتْ عَليّ الْأَيَّام والليالي بالشوق إِلَى الله تَعَالَى
стр. 492
(أمرت عَنْك بصبر ... وَلَيْسَ لي عَنْك صَبر)
(يَا آمري بالتسلي ... مَا لي مَعَ الشوق أَمر)
قَالَ الشبلي رَأَيْت جَارِيَة حبشية فَقلت من أَيْن قَالَت من عِنْد الحبيب قلت وَإِلَى أَيْن قَالَت إِلَى الحبيب قلت مَا تريدين من الحبيب قَالَت الحبيب
(وجدي بكم وصفو ودي لكم ... وَالْقلب فمذ نأيتم عنْدكُمْ)
(عَيْني عين لبعدكم بعدكم ... لَو شَقوا قلبِي لما رَأَوْا غَيْركُمْ)
стр. 493
الْفَصْل الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ
يَا هَذَا اشتغلت بفنون تعليلك عَن ذكر تحويلك وستسلب من أَخِيك وخليلك وعَلى تخبيطك وتخييلك
(كَأَنَّك بالمضي إِلَى سَبِيلك ... وَقد جد المجهز فِي رحيلك)
(وَجِيء بغاسل فاستعجلوه ... بقَوْلهمْ لَهُ أفرغ من غسيلك)
(وَلم تحمل سوى كفن وقطن ... إِلَيْهِم من كثيرك أَو قليلك)
(وَقد مد الرِّجَال إِلَيْك نعشا ... فَأَنت عَلَيْهِ مَمْدُود بطولك)
(وصلوا ثمَّ أَنهم تداعوا ... لحملك فِي بكورك أَو أصيلك)
(وَلما أسلموك نزلت قبرك ... وَمن لَك بالسلامة فِي نزولك)
(أعانك يَوْم تدخله رَحِيم ... رؤف بالعباد على دخولك)
(فَسَوف تجاور الْمَوْتَى طَويلا ... فَدَعْنِي من قصيرك أَو طويلك)
(أخي إِنِّي نَصَحْتُك فاستمع لي ... وَبِاللَّهِ استعنت على قبولك)
(أَلَسْت ترى المنايا كل يَوْم ... تصيبك فِي أَخِيك وَفِي خَلِيلك)
أخواني مَا من الْمَوْت بُد بَاب الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا قد سد كم قد فِي الْقَبْر قد قد كم خد فِي الْأُخْدُود خد يَا من ذنُوبه لَا تحصى إِن شَككت عد يَا من أَتَى بَاب الْإِنَابَة كَاذِبًا فَرد لقد حملت على نَفسك مَا يثقلها فحسبك مَا قد مضى أتقتلها يَا طول سفرة الْمَوْت أَولهَا أَيْن جزع النَّفس أَيْن تململها كَأَنَّهَا بِالْمرضِ قد نزل يزلزلها وَبعث إِلَيْهَا رائد الأسف يستعجلها الحذر الحذر فقد فَوق السِّهَام مرسلها الدروع الدروع فقد جلى السيوف صيقلها مَا هَذِه الْخِصَال المذمومة أتؤثر الْعُقُول لَذَّة مَسْمُومَة مَا هَذَا الْحِرْص والأرزاق مقسومة
стр. 494
أنسيت يَوْم تنشر الصُّحُف المختومة أما تعلم أَنَّهَا ستظهر قبائح مكتومة يَا لَهَا لوعظة بَين المواعظ كالأيام الْمَعْلُومَة أحسن من اللألئ المنثورة وأعجب من الْعُقُود الْمَنْظُومَة الْعلم وَالْعَمَل توءمان أمهما علو الهمة
أَيهَا الْمعلم تثبت على المبتدى ﴿وَقدر فِي السرد﴾ فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق وَيَا أَيهَا الطَّالِب تواضع فِي الطّلب فَإِن التُّرَاب بَينا هُوَ تَحت الأخمص صَار طهُور للْوَجْه السهر مرقي إِلَى أطيب مرقد
(الْهون فِي طلب الهوينا كامن ... وجلالة الأخطار فِي الأخطار)
قلب الْعَالم بَحر مَا للجنة قَرَار إِذا نزل غواص الْفِكر ترقى إِلَى سَاحل اللِّسَان قدر الْإِمْكَان مياه الْمعَانِي مخزونة فِي صدر الْعَالم تفتح لزرع قلبه سيحا بعد سيح ويدخر أصفاها قوتا للروح فَإِذا تكاثرت عَلَيْهِ صَاح السَّيْل الْعَالم ينْفخ فِي صور فِيهِ بِعِبَارَة التخويف فَيَمُوت هوى الْمعاصِي ثمَّ ينْفخ فِي صور التشويق فيحيي روح الْمعرفَة فَيخرج التائب من قبر غفلته فِي كفن يقظته وَقد بدلت الأَرْض غير الأَرْض فَيفتح لَهُ رضوَان الرِّضَا بَاب جنَّة الْوَصْل
لَا تظنوا الْعَالم شخصا وَاحِدًا الْعَالم عَالم تصانيف الْعَالم أَوْلَاده المخلدون دون أَوْلَاده من خلق للْعلم شف جوهره من الصغر فتراه ينْفق فِي الْجد بضَاعَة الشبيبة ويسابق سائق الْعَجز يصل الكدود ليله بنهاره كدود القز فِي زمَان الشدَّة فَإِذا امْتَلَأَ وعَاء قلبه بِمَا وعى نسج الْفَهم فِي زَوَايَا الذِّهْن من الْمعَانِي المستنبطة نسج القز فَإِذا رأى عُريَانا من الْعلم فَأَرَادَ كسوته بعث الْفِكر فسل من لطائف اللطف طاقات ثمَّ أرسلها إِلَى صانع الْقُوَّة فَبَالغ فِي تحسينها وتأنق فِي تلوينها ثمَّ ينسجها اللِّسَان على منوال البلاغة فتظهر رقوم نقوشها عَن شدود عقدتها الفطن الْبَاطِنَة فَإِذا الثَّوْب نَسِيج وَحده وَمثل تِلْكَ المطارف الطرائف لَا تبتذل إِلَّا فِي عيد مجْلِس الذّكر لَيْسَ كل من ربى دود القز سلالا وَلَا كل قزاز سقلا طونيا
стр. 495
آه من اشْتِرَاك الْأَسْمَاء وتلقيب القصدير بِالْبيعِ لَيْسَ كل مَعْدن عرق الذَّهَب وَلَا فِي بطن كل غزال مسك لَيْسَ من عَام فِي قَرَار الْبَحْر حَتَّى وَقع بالدر الْيَتِيم كمن قعد على السَّاحِل يجمع الصدف أُمَرَاء الْعبارَات رعية لفصاحتي ويك إِنَّه كيل بِلَا ثمن سقى فصاحتي سيح فقد تضاعفت عَليّ زَكَاة الشُّكْر سَافر لَفْظِي بِبَضَائِع فكري من أَرض قلبِي إِلَى بادية فمي فَسلم سلع النُّطْق إِلَى منادى لساني هَيْهَات فواكه الْأَلْفَاظ اللذيذة فِي مذاق الأفهام السليمة لَيْسَ لَهَا ثمن فَهُوَ يعرضهَا فِي موسم النصح على تجار الْإِرَادَة فَمن مِنْكُم يَشْتَرِي حِكْمَة بِقبُول قد يرى علو مَكَاني وينسى الدرج كم قد خضت بحرا ملحا حَتَّى وَقعت بعذب كم قطعت مهمها وحدي حَتَّى سميت بِالدَّلِيلِ أنضيت مركب الْجِسْم ورفضت شهوات الْحس وواصلت اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي الْجد وَأوقدت فِي دجى الْهوى نَار الصَّبْر فَإِن وثقتم بأمانتي فَهَذَا تَخْيِير الشِّرَاء
(شربت لأغلالي رحيقا بسلسال ... من الشاهق العالي على غير تصريد)
(فَأَصْبَحت نشوانا من الشّرْب سكرانا ... وأطرب أَحْيَانًا بِلَا نَغمَة الْعود)
(وَكم جبت من وَاد وسرت بِلَا حاد ... وَبت بِلَا زَاد سوى ذكر معبودي)
следующие страницы →