Полный текст (276 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية المتعزز بعظمة الربوبية القائم على نفوس العالم بآجالها والعالم بتقلبها وأحوالها المان عليهم بتواتر آلائه المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير فمضت فيهم بقدرته مشيئته ونفذت فيهم بعزته إرادته فألهمهم حسن الإطلاق وركب فيهم تشعب الأخلاق فهم على طبقات أقدارهم يمشون وعلى تشعب أخلاقهم يدورون وفيما قضى وقدر عليهم يهيمون و (٢٣ ٥٣ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ )
وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا ومنشيء الأرضين والثرى لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه (٢١ ٢٣ ﴿لا يُسْأَلُ عما يفعل وهم يسألون﴾ )
وأشهد أن محمدا عبده المجتبى ورسوله المرتضى بعثه بالنور المضي والأمر المرضي على حين فترة من الرسل ودروس من السبل فدمغ به الطغيان وأكمل به الإيمان وأظهره على كل الأديان وقمع به أهل الأوثان ف ﷺ مَا دار في السماء فلك وما سبح في الملكوت ملك وعلى آله أجمعين ٠
أما بعد فإن الزمان قد تبين للعاقل تغيره ولاح للبيب تبدله حيث يبس ضرعه بعد الغزارة وذبل فرعه بعد النضارة ونحل عوده بعد الرطوبة وبشع مذاقه بعد العذوبة فنبع فيه أقوام يدعون التمكن من العقل باستعمال ضد مَا يوجب العقل من شهوات صدورهم وترك مَا يوجبه نفس العقل بهجسات
стр. 2
قلوبهم جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عَلَيْهِ عند المعضلات النفاق والمداهنة وفروعه عند ورود النائبات حسن اللباس والفصاحة وزعموا أن من أحكم هذه الأشياء الأربع فهو العاقل الذي يجب الاقتداء به ومن تخلف عَن إحكامها فهو الأنوك الذي يجب الإزورار عنه ٠
فلما رأيت الرعاع من العالم يغترون بأفعالهم والهمج من الناس يقتدون بأمثالهم دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل متضمنه على معنى لطيف مما يحتاج إليه العقلاء في أيامهم من معرفة الأحوال في أوقاتهم ليكون كالتذكرة لدوي الحجى عند حضرتهم وكالمعين لأولى النهى عند غيبتهم يفوق العالم به أقارنه والحافظ له أترابه يكون النديم الصادق للعاقل في الخلوات والمؤنس الحافظ له في الفلوات إن خص به من يجب من إخوانه لم يفتقده من ديوانه وإن استبد به دون أوليائه فاق به على نظرائه ٠
أبين فيه مَا يحسن للعاقل استعماله من الخصال المحمودة ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومة مع القصد في لزوم الاقتصار وترك الإمعان في الإكثار ليخف على حامله وتعيه أذن مستمعه لأن فنون الأخبار وأنواع الأشعار إذا استقصى المجتهد في إطالتها فليس يرجو النهاية إلى غايتها ومن لم يرج التمكن من الكمال في الإكثار كان حقيقا أن يقنع بالاختصار ٠
والله الموفق للسداد والهادي إلى الرشاد وإياه أسأل إصلاح بالأسرار وترك المعاقبة على الأوزار إنه جواد كريم رءوف رحيم ٠
стр. 3
ذكر الحث على لزوم العقل وصفة العاقل اللبيب
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبُّوَيْهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا
قال أَبُو حاتم لست أحفظ عَن النَّبِيّ ﷺ خبرا صحيحا في العقل لأن أبان بن أبي عياش وسلمة بْن وردان وعمير بن عمران وعلي ابن زيد والحسن بْن دينار وعباد بن كثير ومسيرة بن عبد ربه وداود ابن المحبر ومنصور بن صفر وذويهم ليسوا ممن أحتج بأخبارهم فأخرج مَا عندهم من الأحاديث في العقل ٠
وإن محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته سفسافها هو نفس العقل ٠ فالعقل به يكون الحظ ويؤنس الغربة وينفي الفاقة ولا مال أفضل منه ولا يتم دين أحد حتى يتم عقله ٠
والعقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب والعلم باجتناب الخطأ فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديبا ثم أريبا ثم لبيبا ثم عاقلا كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قِيلَ له شيطان فإذا عتا في الطغيان قِيلَ مارد فإذا زاد على ذلك قِيلَ عبقري فإذا جمع إلى خبثه شدة شر قِيلَ عفريت
стр. 4
وكذلك الجاهل يقال له في أول درجته المائق ثم الرقيع ثم الأنوك ثم الأحمق ٠
وأفضل مواهب اللَّه لعباده العقل ولقد أحسن الذي يقول ... وأفضل قسم اللَّه للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيء يقاربه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه
يزيد الفتى في الناس جودة عقله ... وإن كان محظورا عَلَيْهِ مكاسبه ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن سليمان بْن فارس حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سيار حَدَّثَنَا حبيب الجلاب قَالَ قِيلَ لابن المبارك مَا خير مَا أعطى الرجل قَالَ غريزة عقل قِيلَ فإن لم يكن قَالَ أدب حسن قِيلَ فإن لم يكن قَالَ أخ صالح يستشيره قِيلَ فإن لم يكن قَالَ صمت طويل قِيلَ فإن لم يكن قَالَ موت عاجل
أخبرنا مُحَمَّد بْن داود الرازي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد حَدَّثَنَا ابن المبارك قَالَ سئل عقيل مَا أفضل مَا أعطي العبد قَالَ غريزة عقل قَالَ فإن لم يكن قَالَ فأدب حسن قَالَ فإن لم يكن قَالَ فأخ شقيق يستشيره قال فإن لم يكون فطول الصمت قَالَ فإن لم يكن قَالَ فموت عاجل
قال أَبُو حاتم العقل نوعان مطبوع ومسموع فالمطبوع منهما كالأرض والمسموع كالبذر والماء ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له عمل محصول دون أن يرد عَلَيْهِ العقل المسموع فينبهه من رقدته ويطلقه من مكامنه يستخرج البذر والماء مَا في قعور الأرض من كثرة الربع
فالعقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق الشجرة من الأرض والعقل المسموع من ظاهره كتدلي ثمرة الشجرة من فروعها ٠ أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي
стр. 5
.. رأيت العقل نوعين ... فمطبوع ومسموع
ولا ينفع المسموع ... إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع ...
أخبرنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا موسى بْن مروان حَدَّثَنَا بقية عَن عَبْد اللَّه بْن حسان حدثني ابن عامر قَالَ قلت لعطاء بْن أَبِي رباح يا أبا مُحَمَّد مَا أفضل مَا أعطي العبد قَالَ العقل عَن الله
أنشدني أحمد بن عبد الله الصنعاني لعبد اللَّه بْن عكراش ... يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عَلَيْهِ مكاسبه
يشين الفتى في الناس خفة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه ...
قال أَبُو حاتم فالواجب على العاقل أن يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسده من القوت لأن قوت الأجساد المطاعم وقوت العقل الحكم فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب وكذلك العقول إذا فقدت قوتها من الحكمة ماتت ٠
والتقلب في الأمصار والاعتبار بخلق اللَّه مما يزيد المرء عقلا وإن عدم المال في تقلبه ٠
أنشدني عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد المقاتلي ... إن ذا العقل يرى غنما له ... عدم المال إذا مَا العقل صح
ما على المرء بعدم سبة ... إن وفا العقل وإن دين صلح ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن المسيب حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل المدني قَالَ سمعت حاتم ابن إِسْمَاعِيل يقول مَا استودع اللَّه عقلا عبدا إلا استنقذه به يوما مَا قال أَبُو حاتم العقل دواء القلوب ومطية المجتهدين وبذر حراثة الآخرة
стр. 6
وتاج المؤمن في الدنيا وعدته في وقوع النوائب ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزا ولا المال يرفعه قدرا ولا عقل لمن أغفله عَن أخراه مَا يجد من لذة دنياه فكما أن أشد الزمانة الجهل كذلك أشد الفاقة عدم العقل
والعقل والهوى متعاديان فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مسعفا ولهواه مسوفا فإذ اشتبه عَلَيْهِ أمران اجتنب أقربهما من هواه لأن في مجانبته الهوى إصلاح السرائر وبالعقل تصلح الضمائر ٠
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ ثَنَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبيد الله الجشمى حدثنا المداينى قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ عَمَّرَ دَهْرًا أَخْبِرْنِي بِأَحْسَنِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ قَالَ عَقْلٌ طُلِبَ بِهِ مُرُوءَةٌ مَعَ تَقْوَى اللَّهِ وَطَلَبِ الآخِرَةِ
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... إذا تم عقل المرء تمت أموره ... وتمت أياديه وتم بناوه
فإن لم يكن عقل تبين نقصه ... ولو كان ذا مال كثيرا عطاؤه ...
أخبرنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أَبُو كامل الجحدري حَدَّثَنَا عمران بْن خالد الخزاعي قَالَ سمعت الحسن يقول مَا تم دين عَبْد قط حتى يتم عقله قال أَبُو حاتم أفضل ذوي العقول منزلة أدومهم لنفسه محاسبة وأقلهم عنها فترة
فبالعقل تعمر القلوب كما أن بالعلم تستخرج الأحلام وعمود السعادة العقل ورأس الاختيار ولو صور العقل صورة لأظلمت معه الشمس لنوره فقرب العاقل مرجو خيره على كل حال كما أن قرب الجاهل مخوف شره على كل حال ٠
стр. 7
ولا يجب للعاقل أن يغتم لأن الغم لا ينفع وكثرته تزري بالعقل ولا أن يحزن لأن الحزن لا يرد المرزئة ودوامه ينقص العقل
والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه فإذا وقع فيه رَضِيَ وصبر والعاقل لا يخيف أحدا أبدا مَا استطاع ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مذهبا وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه عما يملك من الطارف والتالد مع لزوم العفاف إذ هو قطب شعب العقل
أنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري ... أولست تأمر بالعفاف وبالتقى ... وإليه آل الأمر حين يؤول
فإن استطعت فخذ بعقلك فضله ... إن العقول يرى لها تفضيل ...
أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَصْبَهَانِيُّ بِالْكَرَجِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الطَّاحِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْخَزَّازُ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ عَلِيٌّ لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ أَتَاهُ جَبْرِيلُ فَقَالَ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ في ثلاثة فَاخْتَرْ وَاحِدَةً وَدَعِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ آدم وما الثلاث فقال الْحَيَاءُ وَالدِّينُ وَالْعَقْلُ فَقَالَ آدَمُ فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ قَالَ فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلْحَيَاءِ وَالدِّينِ انْصَرِفَا وَدَعَاهُ فَقَالا إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ عَرَجَ جِبْرِيلُ وَقَالَ شَأْنَكُمْ
قال أَبُو حاتم من حسن عقله وقبح وجهه فقد أفقد فضائل نفسه قبائح وجهه ومن حسن وجهه وقل عقله فقد أذهب محاسن وجهه نقائص نفسه فلا يجب للعاقل أن يغتم إذا كان معدما لأن العاقل قد يرجى له الغنى ولا يوثق للجاهل المكثر ببقاء ماله ومال العاقل عقله وما قدم من صالح عمله
стр. 8
وآفة العقل الصلف والبلاء المردي والرخاء المفرط لأن البلايا إذا تواترت عَلَيْهِ أهلكت عقله والرخاء إذا تواتر عَلَيْهِ أبطره والعدو العاقل خير للمرء من الصديق الجاهل ٠
أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... عدوك ذو العقل أبقى عليك ... من الجاهل الوامق الأحمق
وذو العقل يأتي جميل الأمور ويقصد للأرشد الأرفق ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن الحسين بْن قتيبة بعسقلان حَدَّثَنَا ابن أَبِي السري حَدَّثَنَا داود بْن الجراح وضمرة بْن ربيعة عَن خليد بْن دعلج قال سمعت معاوية ابن قرة يقول إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم
سمعت مُحَمَّد بْن محمود بن عدي النسائي يقول سمعت علي بْن خشرم يقول سمعت حفص بْن حميد الأكاف يقول العاقل لا يغبن والورع لا يغبن
قال أَبُو حاتم هذه لفظة جامعة تشتمل على معان شتى فكما لا ينفع الاجتهاد بغير توفيق ولا الجمال بغير حلاوة ولا السرور بغير أمن كذلك لا ينفع العقل بغير ورع ولا الحفظ بغير عمل وكما أن السرور تبع للأمن والقرابة تبع للمودة كذلك المروءات كلها تبع للعقل
وعقول كل قوم على قدر زمانهم فالعاقل يختار من العمر أحسنه وإن قل فإنه خير من الحياة النكدة وإن طالت والعقل الموعى غير المنتفع به كالأرض الطيبة الخراب ٠
والعاقل لا يبتدىء الكلام إلا أن يسأل ولا يكثر التماري إلا عند القبول ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت ٠
стр. 9
والعاقل لا يستحقر أحدا لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته ومن استحقر العام أذهب صيانته ٠
والعاقل لا يخفى عَلَيْهِ عيب نفسه لأن من خفي عَلَيْهِ عيب نفسه خفيت عَلَيْهِ محاسن غيره وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عَلَيْهِ عيبه لأنه ليس بمقلع عَن عيبه من لم يعرفه وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها وما أنفع التجارب للمبتدى ٠
أنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري ... ألم تر أن العقل زين لأهله ... وأن كمال العقل طول التجارب
وقد وعظ الماضي من الدهر ذا النهى ... ويزداد في أيامه بالتجارب ...
أخبرنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا عثمان بْن أبى شيبة حَدَّثَنَا جرير عن الحكم ابن عَبْد اللَّه قَالَ كانت العرب تقول العقل التجارب والحزم سوء الظن
قال أَبُو حاتم لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب
والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره صحيح الاعتبار في صباه حسن العفة عند إدراكه رَضِيَ الشمائل في شبابه ذا الرأي والحزم في كهولته يضع نفسه دون غايته برتوة ثم يجعل لنفسه غاية يقف عندها لأن من جاوز الغاية في كل شئ صار إلى النقص ٠
ولا ينفع العقل إلا بالاستعمال كما لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة ولا ينفع الرأي إلا بالإنتخال كما لا تتم الفرصة إلا بحضور الأعوان ٠
ومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير عَلَيْهِ أخاف أن يكون حتفه في أقرب الأشياء إليه ٠
стр. 10
ورأس العقل المعرفة بما يمكن كونه قبل أن يكون
والواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يبيس العوسج الاستغراق في الضحك وكثرة التمني وسوء التثبت لأن العاقل لا يتكلف مالا يطيق ولا يسعى إلا لما يدرك ولا يعد إلا بما يقدر عَلَيْهِ ولا ينفق إلا بقدر مَا يستفيد ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر مَا عنده من الغناء ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عَلَيْهِ نفعه منه ٠
والعاقل يبذل لصديقه نفسه وماله ولمعرفته رفده ومحضره ولعدوه عدله وبره وللعامة بشره وتحيته ولا يستعين إلا بمن يحب أن يظفر بحاجته ولا يحدث إلا من يرى حديثه مغنما إلا أن يغلبه الاضطرار عَلَيْهِ ولا يدعي مَا يحسن من العلم لأن فضائل الرجال ليست مَا ادعوها ولكن مَا نسبها الناس إليهم ولا يبالي مَا فاته من حطام الدنيا مع مَا رزق من الحظ في العقل ٠
أنشدني عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد المقاتلي ... فمن كان ذا عقل ولم يك ذا غنى ... يكون كذي رجل وليست له نعل
ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجى ... يكون كذي نعل وليست له رجل ...
قال أَبُو حاتم كفى بالعاقل فضلا وإن عدم المال بأن تصرف مساوى أعماله إلى المحاسن فتجعل البلادة منه حلما والمكر عقلا والهذر بلاغة والحدة ذكاء والعي صمتا والعقوبة تأديبا والجرأة عزما والجبن تأنيا والإسراف جودا والإمساك تقديرا فلا تكاد ترى عاقلا إلا موقرا للرؤساء ناصحا للأقران مواتيا للإخوان متحرزا من الأعداء غير حاسد للأصحاب ولا مخادع للأحباب ولا يتحرش بالأشرار ولا يبخل في الغنى ولا يشره في الفاقه ولا ينقاد للهوى ولا يجمح في الغضب ولا يمرح في الولاية ولا يتمنى مالا يجد ولا يكتنز إذا وجد ولا يدخل في دعوى ولا يشارك في مراء
стр. 11
ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا ولا يشكو الوجع إلا عند من يرجو عنده البرء ولا يمدح أحدا إلا بما فيه لأن من مدح رجلا بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه ومن قبل المدح بما لم يفعله فقد استهدف للسخرية ٠
والعاقل يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان رابضا وكلام العاقل يعتدل كاعتدال جسد الصحيح وكلام الجاهل يتناقض كاختلاط جسد المريض
وكلام العاقل وإن كان نزرا حظوة عظيمة كما أن مقارفة المأثم وإن كان نزرا مصيبة جليلة
ومن العقل التثبت في كل عمل قبل الدخول فيه
وآفة العقل العجب بل على العاقل أن يوطن نفسه على الصبر على جار السوء وعشير السوء وجليس السوء فإن ذلك مما لا يخطيه على ممر الأيام ٠
ولا يجب للعاقل أن يحب أن يسمى به لأن من عرف بالدهاء حذر ومن عقل العاقل دفن عقله مَا استطاع لأن البذر وإن خفي في الأرض أياما فإنه لا بد ظاهر في أوانه وكذلك العاقل لا يخفى عقله وإن أخفى ذلك جهده ٠
وأول تمكن المرء من مكارم الأخلاق هو لزوم العقل
أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... إن المكارم أبواب مصنفة ... فالعقل أولها والصمت ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والصدق ساديها
والصبر سابعها والشكر ثامنها ... واللين تاسعها والصدق عاشيها ...
أخبرنا عمر بْن عَبْد اللَّه بن عمر الهجرى بالأبلة حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن خبيق حَدَّثَنَا موسى بْن طريف قَالَ شعيب بْن حرب قَالَ لي شعبة عقولنا قليلة فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلا منا ذهب ذلك القليل وإني لأرى الرجل يجلس
стр. 12
مع من هو أقل عقلا منه فأمقته
قال أَبُو حاتم أول خصال الخير للمرء في الدنيا العقل وهو من أفضل مَا وهب اللَّه لعباده فلا يجب أن يدنس نعمة اللَّه بمجالسة من هو بضدها قائم
والواجب على العاقل أن يكون حسن السمت طويل الصمت فإن ذلك من أخلاق الأنبياء كما أن سوء السمت وترك الصمت من شيم الأشقياء ٠ والعاقل لا يطول أمله لأن من قوى أمله ضعف عمله ومن أتاه أجله لم ينفعه أمله
والعاقل لا يقاتل من غير عدة ولا يخاصم بغير حجة ولا يصارع بغير قوة لأن بالعقل تحيا النفوس وتنور القلوب وتمضي الأمور وتعمر الدنيا
والعاقل يقيس مَا لم ير من الدنيا بما قد رأى ويضيف مالم يسمع منها إلى مَا قد سمع وما لم يصب منها إلى مَا قد أصاب وما بقي من عمره بما فني وما لم ينل منها بما قد أوتي ولا يتكل على المال وإن كان في تمام الحال لأن المال يحل ويرتحل والعقل يقيم ولا يبرح ولو أن العقل شجرة لكانت من أحسن الشجر كما أن الصبر لو كان ثمرة لكان من أكرم الثمر ٠
والذي يزداد به العاقل من نماء عقله هو التقرب من أشكاله والتباعد من أضداده ٠
ولقد أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا أَبُو جعفر ابن ابنة أَبِي سَعِيد الثعلبي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أبى مالك الغزي قَالَ سمعت أَبِي يقول جالسوا الألباء أصدقاء كانوا أو أعداء فإن العقول تلقح العقول
قال أَبُو حاتم مجالسة العقلاء لا تخلو من أحد معنيين إما تذكر الحالة
стр. 13
التي يحتاج العاقل إلى الانتباه لها أو الإفادة بالشيء الخطير الذي يحتاج الجاهل الى معرفتها ٠
فقرب العاقل غنم لأشكاله وعبرة لأضداده على الأحوال كلها ولا يجب لمن تسمى به أن يتدلل إلا على من يحتمل دلاله ويقبل إلا على من يحب إقباله ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر والأخر التثبت ٠
جعلنا اللَّه ممن ركب فيه حسن وجود العقل فسلك بتمام النعم مسلك الخصال التي تقربه الى ربه في داري الأمد والأبد إنه الفعال لما يريد ٠
ذكر إصلاح السرائر للزوم تقوى الله
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ بِتُسْتَرَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ حدثنا مؤمل ابن إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا كَرِهَ اللَّهُ مِنْكَ شَيْئًا فَلَا تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل الحازم أن يعلم أن للعقل شعبا من المأمورات والمزجورات لا بد له من معرفتها واستعمالها في أوقاتها لمباينة العام وأوباش الناس بها ٠
وإني ذاكر في هذا الكتاب إن اللَّه قضى ذلك وشاءه خمسين شعبة من شعب العقل من المأمورات والمزجورات ليكون الكتاب مشتملا على خمسين بابا بناء كل باب منها على سنة رَسُول اللَّه ﷺ ثم نتكلم في عقيب كل سنة منها بحسب مَا يمن اللَّه به من التوفيق لذلك إن شاء اللَّه ٠
فأول شعب العقل هو لزوم تقوى اللَّه وإصلاح السريرة لأن من صلح جوانيه أصلح اللَّه برانيه ومن فسد جوانيه أفسد اللَّه برانيه ٠
ولقد أحسن الذي يقول ... إذا مَا خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن اللَّه يغفل ساعة ... ولا أن مَا يخفى عَلَيْهِ يغيب ...
стр. 14
.. ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب ... وأن غدا للناظرين قريب ...
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن محمود بْن سليمان السعدي حَدَّثَنَا شعبة بْن هبيرة حَدَّثَنَا جعفر بْن سليمان عَن مالك بْن دينار قَالَ اتخذ طاعة اللَّه تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة ٠
قال أَبُو حاتم قطب الطاعات للمرء في الدنيا هو إصلاح السرائر وترك إفساد الضمائر
والواجب على العاقل الاهتمام بإصلاح سريرته والقيام بحراسة قلبه عند إقباله وإدباره وحركته وسكونه لأن تكدر الأوقات وتنغص اللذات لا يكون إلا عند فساده
ولو لم يكن لإصلاح السرائر سبب يؤدي العاقل إلى استعماله إلا إظهار اللَّه عَلَيْهِ كيفية سريرته خيرا كان أو شرا لكان الواجب عَلَيْهِ قلة الإغضاء عَن تعاهدها
أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... يلبس اللَّه في العلانية العبد ... الذي كان يختفي في السريره
حسنا كان أو قبيحا سيبدى ... كل مَا كان ثم من كل سيره
فاستح اللَّه أن ترائى للناس ... فإن الرياء بئس الذخيره ...
أخبرنا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا شريح بْن يونس حَدَّثَنَا عبيدة بْن حميد عَن منصور عَن عطاء بْن أبى رباح عَن أبيه قَالَ قَالَ كعب والذي فلق البحر لبني إسرائيل إني لأجد في التوراة مكتوبا يا بن آدم اتق ربك وصل رحمك وبر والديك يمد لك في عمرك وييسرلك يسرك ويصرف عنك عسرك ٠
حدثنا مُحَمَّد بْن سليمان بْن فارس حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن علي الشقيقي حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا جعفر بْن سليمان الضبعي عَن مالك بْن دينار قَالَ إن القلب إذا لم يكن
стр. 15
فيه حزن خرب كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن وإن قلوب الأبرار تغلي بأعمال البر وإن قلوب الفجار تغلي بأعمال الفجور والله يرى همومكم فانظروا مَا همومكم رحمكم الله ٠
أنشدني محمد بن مبد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... وإذا أعلنت أمرا حسنا ... فليكن أحسن منه مَا تسر
فمسر الخير موسوم به ... ومسر الشر موسوم بشر ...
أخبرنا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا شريح بْن يونس حَدَّثَنَا أَبُو معاوية عَن الأعمش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ إن الرجل ليتكلم بالكلام ينوي فيه الخير فيلقي اللَّه في قلوب العباد حتى يقولوا مَا أراد بكلامه هذا إلا الخير وإن الرجل ليتكلم بالكلام الشر لا ينوى فيه الخير فيلقى اللَّه في قلوب الناس حتى يقولوا مَا أراد بكلامه هذا إلا الشر ٠
حدثنا محمد بن عمر الهمداني حدثنا القطواني حدثنا سيار حَدَّثَنَا حماد بْن زيد عَن أيوب قَالَ سمعت الحسن يقول إنكم وقوف ها هنا تنتظرون آجالكم وعند الموت تلقون الخبر فخذوا مما عندكم لما بعدكم
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن يأخذ مما عنده لما بعده من التقوى والعمل الصالح بإصلاح السريرة ونفي الفساد عَن خلل الطاعات عند إجابة القلب وإبائه فإذا كان صحة السبيل في إقباله موجودا أنفذه بأعضائه وإن كان عدم وجوده موجودا كبحه عنها لأن بصفاء القلب تصفو الأعضاء ٠
وأنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري ... وإن امرأ لم يصف لله قلبه ... لفي وحشة من كل نظرة ناظر
وإن امرأ لم يرتحل ببضاعة ... إلى داره الأخرى فليس بتاجر
وإن امرأ ابتاع دنيا بدينه ... لمنقلب منها بصفقة خاسر ...
أخبرنا أَحْمَد بْن الحسين بْن عَبْد الجبار الصوفي ببغداد حَدَّثَنَا أَبُو نصر التمار
стр. 16
حَدَّثَنَا أَبُو الأشهب عَن خالد الربعي قَالَ كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فأمره سيده أن يذبح شاة فذبح شاة فقال ائتني بأطيب مضغتين في الشاة فأتاه باللسان والقلب ثم مكث أياما فقال اذبح شاة فذبح شاة فقال ائتنى بأخبث مضغتين في الشاة فألقى إليه اللسان والقلب فقال له سيده قلت لك حين ذبحت ائتنى بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب ثم قلت لك الآن حين ذبحت الشاة أئتنى بأخبث مضغتين في الشاة فألقيت اللسان والقلب فقال إنه لا أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... وما المرء إلا قلبه ولسانه ... إذا حصلت أخباره ومداخله
إذا مَا رداء المرء لم يك طاهرا ... فهيهات أن ينقيه بالماء غاسله
وما كل من تخشى ينالك شره ... وما كل مَا أملته أنت نائله ...
أخبرنا أَحْمَد بْن عيسى بن السكبن بواسط حَدَّثَنَا عَبْد الحميد بْن مُحَمَّد بْن مستام حَدَّثَنَا مخلد بْن يزيد حَدَّثَنَا صالح بْن حسان المؤذن قَالَ دخلت على عمر ابن عَبْد العزيز فسمعته يقول لا يتقي اللَّه عَبْد حتى يجد طعم الذل
قال أَبُو حاتم العاقل يفتش قلبه في ورود الأوقات ويكبح نفسه عَن جميع المزجورات ويأخذها بالقيام في أنواع المأمورات ولزوم الانتباه عند ورود الفترة في الحالات ولا يكون المرء يشاهد مَا قلنا قائما حتى يوجد منه صحة التثبت في الأفعال ٠
أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... وإذا بحثت عَن التقي وجدته ... رجلا يصدق قوله بفعال
وإذا اتقى اللَّه امرؤ وأطاعه ... فيداه بين مكارم ومعال
وعلى التقي إذا تراسخ في التقى ... تاجان تاج سكينة وجمال
وإذا تناسبت الرجال فما أرى ... نسبا يكون كصالح الأعمال ...
стр. 17
أخبرنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رومي البزاز عَن أبيه قَالَ قلما دخلت على إِسْحَاق بْن أَبِي ربعي الرافقي إلا وهو يتمثل بهذا البيت ... خير من المال والأيام مقبلة ... جيب نقي من الآثام والدنس ...
أخبرنا محمد بن عبد الله بْن الجنيد حَدَّثَنَا عَبْد الوارث بْن عُبَيْد اللَّه عَن عَبْد اللَّه أَخْبَرَنَا الربيع عَن الحسن قَالَ أفضل العمل الورع والتفكر ٠
قال أَبُو حاتم العاقل يدبر أحواله بصخة الورع ويمضى لسانه بلزوم التقوى لأن ذلك أول شعب العقل وليس إليه سبيل إلا بصلاح القلب
ومثل قلب العاقل إذا لزم رعاية العقل على مَا نذكرها في كتابنا هذا إن اللَّه قضى ذلك وشاءه كأن قلبه شرح بسكاكين التقية ثم ملح بملح الخشية ثم جفف برياح العظمة ثم أحيي بماء القربة فلا يوجد فيه إلا مَا يرضي المولى جل وعلا ولا يبالي المرء إذا كان بهذا النعت أن يتضع عند الناس ومحال أن يكون ذلك أبدا ٠
سمعت أَحْمَد بن موسى بواسط يقول وجد (ت) على خف عطاء السلمي مكتوبا وكان حائكا ... ألا إنما التقوى هو العز والكرم ... وفخرك بالدنيا هو الذل والعدم
وليس على عَبْد تقي نقيصة ... إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن زنجويه القشيري حَدَّثَنَا عمرو بْن علي حَدَّثَنَا طريف بْن سَعِيد حَدَّثَنَا القاسم بْن عَبْد اللَّه الأنصاري عَن مُحَمَّد بْن علي بْن حسين قَالَ إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه مناد من السماء دنا الرحيل فأعد زادا ٠
وأنشدني عَبْد العزيز بن سليمان الأبراش ... إذا انتسب الناس كان التقي ... بتقواه أفضل من ينتسب
ومن يتقى اللَّه يكسب به ... من الحظ أفضل مَا يكتسب
ومن يتخذ سببا للنجاة ... فإن تقى اللَّه خير السبب ...
стр. 18
وأنشدني أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الصنعاني لابن عكراش ... ومهما يسر المرء يبد لربه ... وما ينسه الإنسان لا ينسى كاتبه
ومن كان غلابا بجهد ونجدة ... فذو الحظ في أمر المعيشة غالبه ...
وأنشدني أَبُو بدر أَحْمَد بْن خالد بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الملك بحران ... يا نفس مَا هو إلا صبر أيام ... كأن لذاتها أضغاث أحلام
يا نفس جوزي عَن الدنيا مبادرة ... وخل عنها فإن العيش قدامي ...
أخبرنا الحسين بْن إدريس الأنصاري أَخْبَرَنَا سويد بْن نصر أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَن معن قَالَ قَالَ عَبْد اللَّه إن لهذه القلوب شهوة وإقبالا وإن لها فترة وإدبارا فخذوها عند شهوتها وإقبالها ودعوها عند فترتها وإدبارها ٠
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن لا ينسى تعاهد قلبه بترك ورود السبب الذي يورث القساوة له عَلَيْهِ لأن بصلاح الملك تصلح الجنود وبفساده تفسد الجنود فإذا اهتم بإحدى الخصلتين تجنب أقربهما من هواه وتوخى أبعدهما من الردى ٠
ولقد أحسن الذي يقول ... وإذا تشاجر في فؤادك مرة ... أمران فاعمد للأعف الأجمل
وإذا هممت بأمر سوء فتئد ... وإذا هممت بأمر خير فافعل ...
أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّاحِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن عزرة الشامى عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَالِسُوا التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ٠
أخبرنا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمرو بْن جبلة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مروان حَدَّثَنَا عطاء الأزرق قَالَ قَالَ رجل للحسن يا أبا سَعِيد كيف أنت وكيف حالك
стр. 19
قَالَ كيف حال من أمسى وأصبح ينتظر الموت ولا يدري مَا يصنع به
وأنشدني منصور بن محمد الكريزى ... تتخير قرينا من فعالك إنما ... يزين الفتى في القبر مَا كان يفعل
فإن كنت مشغولا بشيء فلا تكن ... بغير الذي يرضى به الله تشغل
فلا بد بعد القبر من أن تعده ... ليوم ينادى المرء فيه فيسأل
فلن يصحب الإنسان من قبل موته ... ولا بعده إلا الذي كان يعمل
ألا نما الإنسان ضيف لأهله ... يقيم قليلا بينهم ثم يرحل ...
أخبرنا علي بْن سَعِيد العسكري حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زياد قَالَ قدم علينا عَبْد العزيز بْن سليمان عبادان في بعض قدماته فأتيناه نسلم عَلَيْهِ فقال لنا صفوا للمنعم قلوبكم يكفكم المؤن عند همكم ثم قَالَ لو خدمت مخلوقا فأطلت خدمته ألم يكن يرعى لخدمتك حرمة فكيف بمن ينعم عليك وأنت مسيء إلى نفسك تتقلب في نعمه وتتعرض لغضبه هيهات هيهات همة البطالين ليس لهذا خلقتم ولا بذا أمرتم الك الكيس رحمك اللَّه وكان يفطر على ماء البحر
قال أَبُو حاتم لن تضفو القلوب من وجود الدرن فيها حتى تكون الهمم في اللَّه هما واحدا فإذا كان كذلك كفي الهم في الهموم إلا الهم الذي يؤول متعقبه إلى رضا الباري جل وعز بلزوم تقوى الله في الخلوة والملاء إذ هو أفضل راد العقلاء في داريهم وأجل مطية الحكماء في حاليهم وأنشدني مُحَمَّد بن إسحاق بن حبيب الوسطى ... عليك بتقوى اللَّه في كل أمره ... تجد غبه يوم الحساب المطول ...
стр. 20
.. ألا إن تقوى اللَّه خير مغبة ... وأفضل زاد الطاعن المترحل ...
قال أَبُو حاتم قد ذكرت هذا الباب بكماله بالعلل والحكايات في كتاب محجة المبتدئين بما أرجو الغنية للناظر إذا ماتأملها فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الكتاب ٠
ذكر الحث على لزوم العلم والمداومة على طلبه
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ أَتَيْتُ صَفْوَانَ بن عسال المرادى فَقَالَ مَا جَاءَ بِكَ قُلْتُ جِئْتُ أَنْبُطُ الْعِلْمَ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يثني بطلب العلم والمداومة عَلَيْهِ إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضا بصنيعه ذلك ٠
ولا يجب أن يكون متأملا في سعيه الدنو من السلاطين أو نوال الدنيا به فما أقبح بالعالم التذلل لأهل الدنيا
حدثنا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الخالدي حَدَّثَنَا داود بْن أَحْمَد الدمياطي حَدَّثَنَا عَبْد الرحمن بْن عفان قَالَ سمعت الفضيل بْن عياض يقول مَا أقبح بالعالم يؤتى الى منزله فيقال أين العالم فيقال عند الأمير أين العالم فيقال عند القاضي مَا للعالم وما للقاضي وما للعالم وما للأمير ينبغي للعالم أن يكون في مسجده يقرأ في مصحفه ٠
стр. 21
حدثنا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا غسان بْن الربيع حَدَّثَنَا سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال ياطلاب العلم لا تطلبوا العلم بسفاهة وطيش اطلبوه بسكينة ووقار وتؤدة
وأنشدني محمد بن عبد الله بْن زنجي البغدادي ... وفي العلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك طاعات الفؤاء المتيم
بصائر رشد للفتى مستبينة ... وإخلاص صدق علمها بالتعلم ...
أخبرنا إِبْرَاهِيم بْن نصر حَدَّثَنَا عَبْد بْن حميد حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عامر عَن حميد بْن الأسود عَن عيسى بن أَبِي عيسى الخياط قَالَ قَالَ الشعبي إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان العقل والنسك فإن كان عاقلا ولم يك ناسكا قِيلَ هذا أمر لا يناله إلا النساك فلم يطلبه وإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قِيلَ هذا أمر لا يناله إلا العقلاء فلم يطلبه قَالَ الشعبي فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما لا عقل ولا نسك
قال أَبُو حاتم العاقل لا يبيع حظ آخرته بما قصد في العلم لما يناله من حطام هذه الدنيا لأن العلم ليس القصد فيه نفسه دون غيره لأن المتبغي من الأشياء كلها نفعها لا نفسها والعلم ونفس العلم شيئان فمن أعضى عَن نفعه لم ينتفع بنفسه وكان كالذي يأكل ولا يشبع والعلم له أول وآخر ٠
كما حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن علي بْن المثنى حَدَّثَنَا عمرو الناقد حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن اليمان قَالَ سمعت سُفْيَان يقول أول العلم الإنصات ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل به ثم النشر وأنشدني الأبرش ... تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عَلَيْهِ المحافل ...
стр. 22
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لا تَكُونُ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ مُتَعَلِّمًا وَلا تَكُونُ بِالْعِلْمِ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلا
قال أَبُو حاتم العاقل لا يشتغل في طلب العلم إلا وقصده العمل به لأن من سعى فيه لغير مَا وصفنا ازداد فخرا وتجبرا وللعمل تركا وتضييعا فيكون فساده في المتأسين به فيه أكثر من فساده في نفسه ويكون مثله كما قَالَ اللَّه تعالى ٨ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساء ما يزرون ٨
أخبرنا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الخالدي حَدَّثَنَا داود بْن أَحْمَد حَدَّثَنَا عبد الرحمن ابن عفان قَالَ سمعت الفضيل بْن عياض يقول في جهنم أرحية تطحن العلماء طحنا فقيل من هؤلاء قَالَ قوم علموا فلم يعملوا ٠
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد السعدي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن النضر بْن مساور حَدَّثَنَا جعفر ابن سليمان عَن مالك بْن دينار قَالَ إذا طلب الرجل العلم ليعمل به سره علمه وإذا طلب العلم لغير أن يعمل به زاده علمه فخرا
أخبرنا محمد بن عمر بْن سليمان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رافع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بشر حدثني سلمة بْن الخطاب عَن عَبْد الحميد بْن أبى جعفر الفراء قَالَ قَالَ الحسن من أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه ومن أراد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من اللَّه إلا حدا ولم يزدد من اللَّه إلا بغضا ٠
أخبرنا مُحَمَّد بْن المنذر بْن سَعِيد حدثني أَحْمَد بْن إبراهيم الحدثى حدثنى إسماعيل ابن الحارث حدثني مُحَمَّد بْن الحسن المديني حَدَّثَنَا أَبُو العوام أن إِبْرَاهِيم سمع صوت هاتف وهو يقول ... يا طالب العلم باشر الورعا ... وباين النوم واهجر الشبعا
ماضر عبدا صحت إرادته ... أجاع يوما في الله أو شبعا ...
стр. 23
.. ماضر عبدا صحت عزائمه ... أين من الأرض أينما صقعا
ما طمعت نفس عابد فنوى ... سؤال قوم إلا لهم خضعا
يا أيها الناس مَا لعالمكم ... في بحر ماء الملوك قد كرعا
يا أيها الناس أنتم زرع ... يحصده الموت كلما طلعا ...
أخبرنا ابن سالم حَدَّثَنَا الحسين بْن عَبْد الرحمن الاحتياطي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن اليمان العجلي عَن سُفْيَان الثوري قَالَ العالم طبيب الدين والدرهم داء الدين فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره ٠
أنشدني أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصنعاني أنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه العراقي ... عنوا يطلبون العلم في كل بلدة ... شبابا فلما حصلوه وحشروا
وصح لهم إسناده وأصوله ... وصاروا شيوخا ضيعوه وأدبروا
ومالوا على الدنيا فهم يحلبونها ... بأخلافها مفتوحها لا يصرر
فيا علماء السوء أين عقولكم ... وأين الحديث المسند المتخير ...
أخبرنا جعفر بْن مُحَمَّد الهمداني بصور حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البعلبكي قَالَ سمعت عمي مُحَمَّد بْن زيد قَالَ كنت مع ابن المبارك ببغداد فرأى إِسْمَاعِيل ابن علية راكبا بغله على باب السلطان فأنشأ يقول ... يا جاعل الدين له بازيا ... يصطاد أموال السلاطين
لا تبع الدين بدنيا كما ... بفعل ضلال الرهابين
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
وصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين ...
стр. 24
.. ففكر الناس جميعا بأن ... زل حمار العلم في الطين ...
أخبرنا عَبْد العزيز بْن الحسن البرذعي حَدَّثَنَا زكريا بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه التستري قَالَ لما ولي ابن علية صدقات الإبل والغنم بالبصرة كتب إليه ابن المبارك كتابا وكتب في أسفله ... يا جاعل الدين له بازيا ... يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
يا فاضح العلم ومن كان ذا ... لب ومن عاب السلاطين ... أين رواياتك في سردها ... عَن ابن عون وابن سيرين ...
وزاد غير أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه ... إن قلت أكرهت فماذا كذا ... زل حمار العلم في الطين ...
فلما قرأ ابن علية الكتاب بكى ثم كتب جوابه وكتب في أسفله ... أف لدنيا أبت تواتيني ... إلا بنقضي لها عرى ديني
عيني لحيني تدير مقلتها ... تطلب مَا سرها لترديني ...
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ بِالْبَصْرَةِ حدثنا العباس بن الوليد النرسي حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قَلابَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَقَبْضُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَصْحَابُهُ وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَتَى يفتقر أو يفتقر إليه عِنْدَهُ وَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ ٠
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زنجويه القشيري حَدَّثَنَا عمرو بْن عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ حَدَّثَنَا
стр. 25
فرة بن خالد عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرَّوِايَةِ إِنَّمَا الْعِلْمُ الْخَشْيَةُ
حدثني إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم القاضي حَدَّثَنَا الحارث بْن مسكين حَدَّثَنَا ابن القاسم قال سمعت مالكا يقول ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل مجانبة مَا يدنس علمه من أسباب هذه الدنيا مع القصد في لزوم العمل بما قدر عَلَيْهِ ولو استعمال خمسة أحاديث من كل مائتي حديث فيكون كأنه قد أدى زكاة العلم فمن عجز عَن العمل بما جمع من العلم فلا يجب أن يعجز عَن حفظه ٠
ولقد أَنْبَأَنَا ابن قحطبة حَدَّثَنَا حسين بْن مُحَمَّد الكوفي قال سمعت محمد ابن بشير الخزاعي يقول ... أما لو أعي كل مَا أسمع ... وأحفظ من ذاك مَا أجمع
ولم أستفد غير مَا قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع
ولكن نفس إلى كل شيء ... من العلم تسمعه تنزع
وأحضر بالجهل في مجلسي ... وعلمي في الكتب مستودع
فلا أنا أحفظ مَا قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع
ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقري يرجع
إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه المؤدب ... جامع العلم تراه أبدا ... غير ذي حفظ ولكن ذا غلط
وتراه حسن الخط إذا ... كتب الخط بصيرا بالنقط
فإذا فتشته عَن علمه ... قَالَ علمي يا خليلي في السفط ...
стр. 26
.. في كراريس جياد أحكمت ... وبخط أي خط أي خط
فإذا قلت له هات لنا ... حك لحيته جميعا وامتخط ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن يعقوب الخطيب بالأهواز حَدَّثَنَا حفص بْن عمرو الربالي حَدَّثَنَا الحجاج بْن نصير حَدَّثَنَا عَبْد القدوس قال سمعت وهيب بن منيه يقول من تعلم علما في حق وسنة لم يذهب اللَّه بعقله أبدا
حدثنا عَبْد اللَّه بْن قحطبة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الأعلى حَدَّثَنَا المعتمر بْن سليمان قَالَ كتب إلي أَبِي وأنا بالكوفة اشتر الصحف واكتب العلم فإن المال يفنى والعلم يبقى
حدثنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حبان بْن موسى أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه بْن المبارك قَالَ كتب حكيم من الحكماء ثلاثين صحفية حكم فأوحى اللَّه إليه إنك قد ملأت الأرض نفاقا وإن الله لم يتقبل شيئا من نفاقك
قال أَبُو حاتم اقتناء المرء عمره بكثرة الأسفار ومباينة الأهل والأوطان في طلب العلم دون العمل به أو الحفظ له ليس من شيم العقلاء ولا من زي الألباء وإن من أجرد مَا يستعين المرء به على الحفظ الطبع الجيد مع الهمة واجتناب المعاصي وأنشدني الأبرش ... نعم عون الفتى الطلوب لعلم ... أو لبعض العقول صحة طبع
فإذا الطبع فاته بطل العلم ... وصار العناء في غير نفع ...
سمعت إِبْرَاهِيم بْن نصر العنبري يقول سمعت علي بْن خشرم يقول سمعت وكيعا يقول استعينوا على الحفظ بترك المعصية
قال أَبُو حاتم يجب على العاقل أن لا يطلب من العلم إلا أفضله لأن الازدياد من العلم آثر عند العاقل من الذكر بالعلم والعلم زين في الرخاء ومنجاة
стр. 27
في الشدة ومن تعلم ازداد كما أن من حلم ساد وفضل العلم في غير خير مهلكة كما أن كثرة الأدب في غير رضوان اللَّه موبقة والعاقل لا يسعى في فنونه إلا بما أجدى عَلَيْهِ نفعا في الدارين معا وإذا رزق منه الحظ لا يبخل بالإفادة لأن أول بركة العلم الإفادة وما رأيت أحدا قط بخل بالعلم إلا لم ينتفع بعلمه وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض مَا لم ينبع ولا بالذهب الأحمر مَا لم يستخرج من معدنه ولا باللؤلؤ النفيس مَا لم يخرج من بحره كذلك لا ينتفع بالعلم مَا دام مكنونا لا ينشر ولا يفاد
أنبأنا أَحْمَد بْن مضر الرباطي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سهيل بْن عسكر حَدَّثَنَا أَبُو صالح الفراء قَالَ سمعت ابن المبارك يقول من بخل بالحديث يبتلى بإحدى ثلاث إما أن يموت فيذهب علمه أو ينسى أو يبتلى بالسلطان
حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بُرْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ ابن مُوسَى قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ وَلا خَيْرَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ
وأنشدني الكريزي ... أفد العلم ولا تبخل به ... وإلى علمك علما فاستفد
استفد مَا استطعت من علم وكن ... عاملا بالعلم والناس أفد
من يفدهم يجزه اللَّه به ... وسيغني اللَّه عمن لم يفد
ليس من نافس فيه عاجزا ... إنما العاجز من لا يجتهد ...
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا عمر بْن حفص الشيباني حدثنا حماد ابن واقد عَن هشام بْن حسان عَن الحسن قَالَ لأن يتعلم الرجل بابا من العلم فيعبد به ربه فهو خير له من أن لو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها له فوضعها في الآخرة
стр. 28
قال أَبُو حاتم قد ذكرت أسباب المتعلمين وأخلاق العلماء بعللها في كتاب العالم والمتعلم بما أرجو أن يكون فيه غنية لمن أراد الوقوف على معرفتها فأغنى ذلك عن التكرار لأنا شرطنا في هذا الكتاب الاختصار كراهية سلوك التطويل والإشارة إلى قصد نفس التحصيل
ذكر الحث على لزوم الصمت وحفظ اللسان
أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شعيب البلحي بِبَغْدَادَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليوم والآخر فيلقل خيرا أو ليسكت
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل إذا ذكر المطيتين اللتين ذكرتهما قبل إصلاح السريرة ولزوم العلم أن يبلغ مجهوده حينئذ في حفظ اللسان حتى يستقيم له إذ اللسان هو المورد للمرء موارد العطب والصمت يكسب المحبة والوقار ومن حفظ لسانه أراح نفسه والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع عَن الكلام والصمت منام العقل والمنطق يقظته
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حدثنا عماد بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ إِنَّ مِنَ الْحِكَمِ الصَّمْتَ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ وأنشدني الكريزي ... أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من غيه ... حتى يكون كأنه مسجون
وكل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون
فزناه وليك محكما ذا قلة ... إن البلاغة في القليل تكون ...
أَخْبَرَنَا ابْنُ قُتَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ قَالَ
стр. 29
سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِفَضْلِهِ إِلا الْكَلامَ فَإِنَّ فَضْلَهُ يَضُرُّ
أَخْبَرَنَا الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن سعيد ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ إِلا لأَحَدِ رَجُلَيْنِ مُنْصِتٌ وَاعٍ أَوْ مُتَكَلِّمٌ عَالِمٌ
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن لا يغالب الناس على كلامهم ولا يعترض عليهم فيه لأن الكلام وإن كان في وقته حظوة جليلة فإن الصمت في وقته مرتبة عالية ومن جهل بالصمت عي بالمنطق والإنسان إما هو صورة ممثلة أو صالة مهملة لولا اللسان والله جل وعز رفع جارحة اللسان على سائر الجوارح فليس منها شيء أعظم أجرا منه إذا أطاع ولا أعظم ذنبا منه إذا جنى
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... لئن كان يجني اللوم مَا أنت قائل ... ولم يك منه النفع فالصمت أيسر
فلا تبد قولا من لسانك لم يرض ... مواقعه من قبل ذاك التفكر ...
أخبرنا ابن قتيبة حَدَّثَنَا هرون بن محمد البكار قَالَ سمعت أبا مسهر ينشد هذا البيت ... قد أرى كثرة الكلام قبيحا ... كل قول يشنه الإكثار ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حدثني مُحَمَّد بْن داود بْن سليمان الرملي حَدَّثَنَا المسيب بْن واضح قَالَ سمعت ابن المبارك يقول ... تعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله ...
стр. 30
أخبرنا مُحَمَّد بْن سليمان بْن فارس حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن علي الشقيقي أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيم بْن الأشعث قَالَ سمعت الفضيل بْن عياض يقول شيئان يقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الأكل
أخبرنا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد الناقد قَالَ سمعت يَحْيَى بْن اليمان يقول قال سُفْيَان الثوري أول العبادة الصمت ثم طلب العلم ثم العمل به ثم حفظه ثم نشره
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا العتبي عَن علي بْن جرير عَن أبيه قَالَ قَالَ الأحنف بْن قيس الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم فما أكثر من ندم إذا نطق وأقل من يندم إذا سكت وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاء مطبق
واللسان فيه عشر خصال يجب على العاقل أن يعرفها ويضع كل خصلة منها في موضعها هو أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عَن الضمير وناطق يرد به الجواب وحاكم يفصل به الخطاب وشافع تدرك به الحاجات وواصف تعرف به الأشياء وحاصد تذهب الضغينة ونازع يجذب المودة ومسل يذكي القلوب ومعز ترد به الأحزان
ولقد أحسن الذي يقول ... إن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قلبك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارا
إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارا
وإذا تقرب خاسر من خاسر ... زادا بذاك خسارة وتبارا ...
стр. 31
أخبرنا مُحَمَّد بْن المنذر بْن سَعِيد حَدَّثَنَا كثير بْن عَبْد اللَّه التيمي حَدَّثَنَا العلاء ابن سَعِيد الكندي حدثني أَبُو حية قَالَ كنت أماشي إِسْمَاعِيل بْن سهل وكان أحد الحكماء فقال لي ألا أخبرك ببيت شعر خير لك من عشرة آلاف درهم قال نعم قَالَ أيما أحب إليك نفسك أو عشرة آلاف درهم قَالَ قلت نفسي فأنشىء يقول ... أخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال ...
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن يكون ناطقا كعيي وعالما كجاهل وساكتا كناطق لأن الكلام لا بد له من الجواب والجواب لو جعل له جواب لم يكن للقول نهاية وخرج المرء إلى ما ليس له غاية والمتكلم لا يسلم من أن ينسب إليه الصلف والتكلف والصامت لا يليق به إلا الوقار وحسن الصمت ولقد أحسن الذي يقول ... حتف امرىء لسانه ... في جده أو لعبه
بين اللها مقتله ... ركب في مركبه ...
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عائشة حدثنا دريد ابن مُجَاشِعٍ عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا أَحْنَفُ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وأنشدني الأبرش ... ما ذل ذو صمت وما من مكثر ... إلا يزل وما يعاب صموت
إن كان منطق ناطق من فضة ... فالصمت در زانه الياقوت ...
стр. 32
أنبأنا ابن قتيبة حَدَّثَنَا المسيب بْن واضح قَالَ سمعت علي بْن بكار يقول جعل اللَّه لكل شيء بابين وجعل للسان أربعة الشفتين مصراعين والأسنان مصراعين
أَنْبَأَنَا بَكْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّاحِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيًّ الْجَهْضَمِيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ أَنَّ شَابًّا كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيُحْسِنُ الِاسْتِمَاعَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَفَطِنَ لَهُ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ تَحْضُرُ مَجْلِسَنَا وُتُحْسِنُ الِاسْتِمَاعَ ثُمَّ تَنْصَرِفُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فقال الشَّابُّ إِنِّي أَحْضُرُ فَأَتَوَقَّى وَأَتَنَقَّى وَأَصْمُتُ فَأَسْلَمُ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول لأنه إذا قَالَ ربما ندم وإن لم يقل لم يندم وهو على رد مَا لم يقل أقدر منه على رد مَا قَالَ والكلمة إذا تكلم بها ملكته وإن لم يتكلم بها ملكها والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته وإن لم ترفع لم تضره كيف لا يصمت ورب كلمة سلبت نعمة
أخبرنا أَحْمَد بْن قريش بْن عَبْد العزيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن علي الذهلي قَالَ أنشدني رجل من ربيعة ... لعمرك مَا شيء علمت مكانه ... أحق بسجن من لسان مذلل
على فيك مما ليس يعنيك شأنه ... بقفل وثيق مَا استطعت فأقفل
فرب كلام قد جرى من ممازح ... فساق إليه سهم حتف معجل
وللصمت خير من كلام بمأثم ... فكن صامتا تسلم وإن قلت فاعدل ...
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بُرْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ ابن مُوسَى قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كفى بك ظالما أن لا تَزَالَ مُخَاصِمًا وَكَفَى بِكَ
стр. 33
آثما أن لا تَزَالَ مُمَارِيًا وَكَفَى بِكَ كَاذِبًا أن لا تَزَالَ مُحَدِّثًا إِلَّا حَدِيثًا فِي ذَاتِ اللَّهِ ﵎
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنَانِيُّ حَدَّثَنَا كثير ابن هِشَامٍ عَنْ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ الْعَافِيَةُ عَشْرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي السُّكُوتِ
أخبرنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أحمد بن إبراهيم الدوريقي حَدَّثَنَا يَحْيَى القطان عَن شعبة قَالَ من الناس من عقله بفنائه ومنهم من عقله معه ومنهم من لا عقل له فأما الذي عقله معه فالذي يبصر مَا يخرج منه قبل أن يتكلم وأما الذي عقله بفنائه فالذي يبصر مَا يخرج بعد أن يتكلم ومنهم من لا عقل له فحدثت به عَبْد الرحمن بْن مهدي بعد مَا رجعنا من عند يَحْيَى فقال هذه صفتنا يعني الذي عقله بفنائه واستحسن الكلام وقال لا ينبغي أن يكون هذا من كلام شعبة لعله سمعه من غيره وأنشدني البغدادي محمد بن عبد الله بْن زنجي ... أنت من الصمت آمن الزلل ... ومن كثير الكلام في وجل
لا تقل القول ثم تتبعه ... ياليت مَا كنت قلت لم أقل ...
سمعت مُحَمَّد بْن المسيب يقول سمعت العباس بْن الوليد بْن زيد يقول سمعت أَبِي يقول سمعت الأوزاعي يقول مَا بلي أحد في دينه ببلاء أضر عَلَيْهِ من طلاقة لسانه
سمعت مُحَمَّد بْن محمود النسائي يقول سمعت أبا أَحْمَد بْن أَبِي قديد يقول سمعت العباس بْن عَبْد العظيم يقول سمعت عارما يقول سمعت خالد بْن الحارث يقول السكوت زين للعاقل وشين للجاهل
قال أَبُو حاتم ﵁ لو لم يكن في الصمت خصلة تحمد إلا تزين
стр. 34
العاقل وتشين الجاهل به لكان الواجب على المرء أن لا يفارقه الصمت مَا وجد إليه سبيلا ومن أحب السلامة من الآثام فليقل مَا يقبل منه وليقل مما يقبل منه لأنه لا يجتريء على الكلام الكثير إلا فائق أو مائق
وقد ترك جماعة من أهل العلم حيث أقوام أكثروا الكلام فيما لا يليق بهم من ذلك ما حَدَّثَنَا أمية بْن خالد عَن سعيد قال قلت للحكم مالك لا تكتب عَن زاذان قَالَ كان كثير الكلام
قال أَبُو حاتم ﵁ لسان العاقل يكون وراء قلبه فإذا أراد القول رجع إلى القلب فإن كان له قَالَ وإلا فلا والجاهل قلبه في طرف لسانه مَا أتى على لسانه تكلم به وما عقل دينه من لم يحفظ لسانه واللسان إذا صلح تبين ذلك على الأعضاء وإذا فسد فكذلك
أخبرنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه بْن الجنيد حَدَّثَنَا عَبْد الوارث بْن عُبَيْد اللَّه عَن عَبْد اللَّه أَنْبَأَنَا سُفْيَان عَن رجل قَالَ أني لأكذب الكذبة فأعرفها في عملي
أنبأنا أَبُو عوانه يعقوب بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا الفضل بْن عَبْد الجبار حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطالقاني عَن الوليد بْن مسلم قَالَ قَالَ الأوزاعي عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير أنه قَالَ مَا صلح منطق رجل إلا عرف ذلك في سائر عمله
قال أبوحاتم ﵁ والعاقل لا يبتديء الكلام إلا أن يسأل ولا يقول إلا لمن يقبل ولا يجيب إذا شوتم ولا يجازي إذا أسمع لأن الابتداء بالصمت وإن كان حسنا فإن السكوت عند القبيح أحسن منه
стр. 35
وأنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري ... الصمت عند القبيح يسمعه ... صاحب صدق لكل مصطحب
فآثر الصمت مَا استطعت فقد ... يؤثر قول الحكيم في الكتب
لو كان بعض الكلام من ورق ... لكان جل السكوت من ذهب ...
أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بن فصاله عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ الْهُجَيْمِيِّ عن أسير ابن جَابِرٍ قَالَ مَا رَضَّعْتُ عَنْزًا قَطُّ وَلَوْ قُلْتُ لا أُرَضِّعُهَا خِفْتُ أَنْ يَصِيرَ بِي الْبَلاءُ إِلَى أَنْ أُرَضِّعَهَا إِنَّ الْبَلَاءَ موكل بالقول
أنشدني الكريزي ... استر العي مَا استطعت بصمت ... إن في الصمت راحة للصموت
واجعل الصمت إن عييت جوابا ... رب قول جوابه في السكوت ...
وأنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ حدثنا عبد الرحمن ابن مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يحفظ أحواله من ورود الخلل عليها في الأوقات وإن من أعظم الخلل المفسد لصحة السرائر والمذهب لصلاح الضمائر الإكثار من الكلام وإن أبيح له كثرة النطق ولا سبيل للمرء إلى رعاية الصمت إلا بترك مَا أبيح له من النطق
كما أَنْبَأَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حبان بْن موسى حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه عَن سُفْيَان عَن نسير بْن دعلوق عَن إِبْرَاهِيم التيمي أخبرني من صحب الربيع بْن خيثم عشرين عاما فلم يسمع منه كلمة تعاب
أنبأنا الجنيدي عَبْد الوارث بْن عُبَيْد اللَّه عَن عَبْد اللَّه أَنْبَأَنَا سُفْيَان
стр. 36
عَن أَبِي طعمة عَن رجل من الحي قَالَ أتيت الربيع بْن خيثم بنعي الحسين وقالوا اليوم يتكلم مقاله فتأوه ومد بها صوته ثم قَالَ اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك بالحق فيما كانوا فيه يختلفون
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمرو بْن حبيب حَدَّثَنَا الأصمعي قال بينما أنا أطوف بالبادية إذا أنا بأعرابية تمشي وحدها على بعير لها فقلت يا أمة الجبار من تطلبين فقالت من يهد اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له قَالَ فعلمت أنها قد أضلت أصحابها فقلت لها كأنك قد أضللت أصحابك قالت ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتينا حكما وعلما﴾ فقلت لها يا هذه من أين أنت قالت ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله﴾ فعلمت أنها مقدسية فقلت لها كيف لا تتكلمين فقالت ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رقيب عتيد﴾ فقال بعض أصحابي ينبغي أن تكون هذه من الخوارج فقالت ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسؤولا﴾ فبينما نحن نماشيها إذ رفعت لنا قباب وخيم فقالت وَعَلامَاتٍ ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يهتدون﴾ قَالَ فلم أفطن لقولها فقلت ما تقولين فقالت وَعَلامَاتٍ ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قَالَ فلم أفطن لقولها فقلت مَا تقولين فقالت ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يا بشرى هذا غلام﴾ قلت بمن أصوت وبمن أدعو فقالت ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ﴿يا زكريا إنا نبشرك﴾ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً في الأرض﴾ قَالَ فإذا نحن بثلاثة أخوة كاللآلىء فقالوا أمنا ورب الكعبة أضللناها منذ ثلاث فقالت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لغفور شكور﴾ فأومأت إلى أحدهم فقالت ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ برزق منه﴾ فقلت إنها أمرتهم أن يرودونا فجاؤا بخبز وكعك
стр. 37
فقلت لا حاجة لنا في ذلك فقلت للفتية من هذه منكم قالوا هذه أمنا مَا تكلمت منذ أربعين سنة إلا من كتاب الله مخافة الكذب فدنوت منها فقلت يا أمة الله أوصني فقالت ﴿لا أسألكم عَلَيْهِ أجرا إلا المودة في القربى﴾ فعلمت أنها شيعية فانصرفت
قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرت مَا شاكل هذه الحكايات في كتاب حفظ اللسان فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
فالواجب على العاقل أن يروض نفسه على ترك مَا أبيح له من النطق لئلا يقع في المزجورات فيكون حتفه فيما يخرج منه لأن الكلام إذا كثر منه أورث صاحبه التلذذ بضد الطاعات فإذا لم يوفق العبد لاستعمال اللسان فيما يجدي عَلَيْهِ نفعه في الآخرة كان وجود الإمساك عَن السوء أولى به وأنشدني
المنتصر بْن بلال الأنصاري ... ولن يهلك الإنسان إلا إذا أتى ... من الأمر مَا لم يرضه نصحاؤه
وأقلل إذا مَا قلت قولا فإنه ... إذا قل قول المرء قل خطاؤه ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن الحسين بْن الخليل حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي زياد القطواني حَدَّثَنَا سيار حَدَّثَنَا جعفر بْن سليمان حَدَّثَنَا المعلى بْن زياد قَالَ قَالَ مؤرق العجلي أمر أنا في طلبه منذ عشر سنين ولست بتارك طلبه قال وما هو يا أبا المعتمر قَالَ الصمت عما لا يعنيني
أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن نصر العنبري حَدَّثَنَا علي بْن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم
стр. 38
ابن رستم قَالَ سمعت خارجة يقول صحبت عَبْد اللَّه بْن عون خمس عشرة سنة فما أظن الملائكة كتبت عليه شيئا
ذكر الحث على لزوم الصدق ومجانبة الكذب
أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ محمد بن حبيب الجنيدي قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا مَحَاسِنُ بْنُ الْمُوَدِّعِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا
قال أَبُو حاتم ﵁ إن اللَّه جل وعلا فضل اللسان على سائر الجوارح ورفع درجته وأبان فضيلته بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده فلا يجب للعاقل أن يعود آلة خلقها اللَّه للنطق بتوحيده بالكذب بل يجب عَلَيْهِ المداومة برعايته بلزوم الصدق وما يعود عَلَيْهِ نفعه في داريه لأن اللسان يقتضي مَا عود إن صدقا فصدقا وإن كذبا فكذبا
ولقد أحسن الذي يقول ... عود لسانك قول الخير تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد
موكل بتقاضي مَا سننت له ... فاختر لنفسك وانظر كيف ترتاد ...
أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا الفضل بْن العباس البغدادي حَدَّثَنَا الهيثم بْن خارجة حَدَّثَنَا الهيثم بْن عمران قَالَ سمعت إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد اللَّه يقول كان عَبْد الملك بْن مراون يأمرني أن أجنب بنيه السمن وكان يأمرني أن لا أطعم طعاما حتى يخرجوا إلى البراز وكان يقول علم بني الصدق كما تعلمهم القرآن وجنبهم الكذب وإن فيه كذا وكذا يعني القتل
وأنشدني الأبرش
стр. 39
.. الكذب مرديك وإن لم تخف ... والصدق منجيك على كل حال
فانطق بما شئت تجد غبه ... لم تبتخس وزنة مثقال ...
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا أَبُو خُيَثْمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ ابن حَيَّانَ عَن قَتَادَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَامَ فِينَا عَامَ أَوَّلَ فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنَ الْمُعَافَاةِ بَعْدَ الْيَقِينِ أَلا إِنَّ الصِّدْقَ وَالْبِرَّ فِي الْجَنَّةِ أَلا وَإِنَّ الْكَذِبَ وَالْفُجُورَ فِي النَّارِ
أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنِي طَيْسَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَهْدَلِيُّ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ يَوْمًا فِي أُصُولِ الأَرَاكِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ الرجل يا ابن الْمُنَافِقُ قَالَ الْمُنَافِقُ وَيْحَكَ الَّذِي إِذَا حَدَّثَ كَذِبَ وَإِذَا وَعَدَ لَمْ يُنْجِزْ وَإِذَا اؤْتُمِنَ لَمْ يُؤَدِّ
سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الأزهر يقول سمعت مُحَمَّد بْن خلف بْن أَبِي الأزهر يقول سمعت الفضيل بْن عياض يقول ما من مصغة أحب إلى اللَّه من لسان صدوق وما من مضغة أبغض إلى اللَّه من لسان كذوب
قال أَبُو حاتم ﵁ كل شيء يستعار ليتجمل به سهل وجوده خلا اللسان فإنه لا ينبىء إلا عما عود والصدق ينجي والكذب يردي ومن غلب لسانه أمره قومه ومن أكثر الكذب لم يترك لنفسه شيئا يصدق به ولا يكذب إلا من هانت عَلَيْهِ نفسه
حدثنا أَحْمَد بن محمد بن زنجوية حَدَّثَنَا جعفر بْن أَبِي عثمان الطيالسي حَدَّثَنَا سَعِيد بْن سليمان حَدَّثَنَا أَنَس بْن عياض عَن صالح بْن حسان عَن مُحَمَّد بْن كعب القرظي قَالَ إنما يكذب الكاذب من مهانة نفسه وأنشدني الكريزي ... كذبت ومن يكذب فإن جزاءه ... إذا مَا أتى بالصدق أن لا يصدقا
إذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذابا وإن كان صادقا
ومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتلقاه إذا فقه إذا كان حاذقا ...
стр. 40
قال أَبُو حاتم لو لم يكن للكذب من الشين إلا إنزاله صاحبه بحيث إن صدق لم يصدق لكان الواجب على الخلق كافة لزوم التثبت بالصدق الدائم وإن من آفة الكذب أن يكون صاحبه نسيا فإذا كان كذلك كان كالمنادى على نفسه بالخزي في كل لحظة وطرفة
سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الأزهر يقول سمعت نصر بْن علي الجهضمي يقول إن اللَّه أعاننا على الكذابين بالنسيان وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي ... إذا مَا المرء أخطأه ثلاث ... فبعه ولو بكف من رماد
سلامة صدره والصدق منه ... وكتمان السرائر في الفؤاد ...
أنبأنا بكر بْن أَحْمَد الطاحي بالبصرة حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عزرة حَدَّثَنَا سفيان ابن عيينة عن معمر قَالَ الزهري لو رأيت طاووسا لعلمت أنه لا يكذب
قال أَبُو حاتم ﵁ اللسان سبع عقور إن ضبطه صاحبه سلم وإن خلى عنه عقره وبفمه يفتضح الكذوب فالعاقل لايشتغل بالخوض فيما لا يعلم فيتهم فيما يعلم لأن رأس الذنوب الكذب وهو يبدي الفضائح ويكتم المحاسن ولا يجب على المرء إذا سمع شيئا يعيبه أن يحدث به لأن من حدث عَن كل شيء أزرى برأيه وأفسد صدقه
وَقَدْ أَنْبَأَنَا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَسْبُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ
أنبأنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حبان بْن موسى أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه أَنْبَأَنَا سُفْيَان عَن منصور عَن سالم بْن أَبِي الجعد قال قال عيسى بن مريم ﵇
طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... وإذا الأمور تزاوجت ... فالصدق أكرمها نتاجا ...
следующие страницы →