← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6944

روضة العقلاء ونزهة الفضلاء

ابن حبان

Полный текст (276 стр.). Показаны 246–276 · переход к 251.

стр. 246

حدثنا الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر بْن حبيب حَدَّثَنَا الأصمعي أخبرني نافع بْن أَبِي نعيم قَالَ قَالَ رجل ممن قد أدرك الجاهلية قدمت المدينة فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار دليم وهو جد سعد ابن عبادة بْن دليم سيد الخزرج ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمت المدينة فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار عبادة ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمتها فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار سعد قال أَبُو حاتم ﵁ كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد وانقاد له قومه ورحل إليه القريب والقاصي لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام وإكرام الضيف والعرب لم تكن تعد الجود إلا قرى الضيف وإطعام الطعام ولا تعد السخي من لم يكن فيه ذلك حتى إن أحدهم ربما سار في طلب الضيف الميل والميلين ولقد حدثني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا علي بْن الحسن الفلسطيني حَدَّثَنَا أَبُو بكر السني حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سليمان القرشي قَالَ بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف على الطريق في أذنيه قرطان وفي كل قرطة جوهرة يضيء وجهه من ضوء تلك الجوهرة وهو يمجد ربه بأبيات من شعر فسمعته يقول ... مليك في السماء به افتخاري ... عزيز القدر ليس به خفاء ... فدنوت إليه فسلمت عَلَيْهِ فقال مَا أنا براد عليك سلامك حتى تؤدي من حقي الذي يجب لي عليك قلت وما حقك قَالَ أنا غلام على مذهب إبراهيم الخليل لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف فأجبته إلى ذلك قَالَ فرحب بي وسرت معه حتى قربنا من خيمة شعر فلما قربنا من الخيمة صاح يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة يا لبيكاه قَالَ قومي إلى ضيفنا هذا قَالَ فقالت الجارية أصبر حتى أبدأ بشكر المولى الذي سبب لنا هذا الضيف قَالَ فقامت وصلت ركعتين شكر لله قال

стр. 247

فأدخلني الخيمة فأجلسني فأخذ الغلام الشفرة وأخذ عناقا له ليذبحها فلما جلست في الخيمة نظرت إلى جارية أحسن الناس وجها فكنت أسارقها النظر ففطنت لبعض لحظاتي فقالت لي مه أما علمت أنه قد نقل إلينا عَن صاحب يثرب تعني النَّبِيّ ﷺ أن زنا العينين النظر أما إني مَا أردت بهذا أن أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لكيلا تعود لمثل هذا فلما كان وقت النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية في الخيمة قَالَ فكنت أسمع دوي القرآن الليل كله أحسن صوت يكون وأرقه فلما أن أصبحت قلت للغلام صوت من كان ذلك قَالَ فقال تلك أختي تحيى الليل كله إلى الصباح قَالَ فقلت يا غلام أنت أحق بهذا العمل من أختك أنت رجل وهي امرأة قَالَ فتبسم ثم قَالَ ويحك يا فتى أما علمت أنه موفق ومخذول وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي ... إذا مَا أتاك الضيف فابدأ بحقه ... قبل العيال فإن ذلك أصوب وعظم حقوق الضيف واعلم بأنه ... عليك بما توليه مثن وذاهب ... أنبأنا أَحْمَد بْن قريش بْن عَبْد العزيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الذهلي عَن الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاسِرْجِسَ قَالَ صحبت ابن المبارك من خراسان إلى بغداد فما رأيته أكل وحده حدثنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا أَبُو أمية حَدَّثَنَا عصام بْن عمرو أَبُو حميد الطائي حدثنا عمرة بن هانىء قَالَ كان رافع بْن عميرة بْن عمرو السنبسي فخذ من طيىء يغدي أهل ثلاثة مساجد ويعشيهم يوما بثرائد ويوما برطبه يعني الحيس وماله قميص إلا قميص هو لجمعته وهو للبيت

стр. 248

قال أَبُو حاتم ﵁ يجب على العاقل ابتغاء الأضياف وبذل الكسر لأن نعمة اللَّه إذا لم تصن بالقيام في حقوقها ترجع من حيث بدأت ثم لا ينفع من زالت عنه التلهف عليها ولا الإفكار في الظفر بها وإذا أدى حق اللَّه فيها استجلب النماء والزيادة واستذخر الأجر في القيامة واستقصر إطعام الطعام وعنصر قري الضيف هو ترك استحقار القليل وتقديم مَا حضر للأضياف لأن من حقر منع مع إكرام الضيف بما قدر عَلَيْهِ وترك الادخار عنه ولقد حدثني كامل بْن مكرم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يعقوب الفرجي حَدَّثَنَا الوليد ابن شجاع حَدَّثَنَا عقبة بْن علقمة ومبشر بْن إِسْمَاعِيل أنهما سألا الأوزاعي مَا إكرام الضيف قَالَ طلاقة الوجه وطيب الكلام وأنشدني الكريزي في قوم لم يكونوا يضيفون ... أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للديدبان إذا أبصرت شخصا من بعيد ... فصفق بالبنان على البنان تراهم خشية الأضياف خرسا ... يصلون الصلاة بلا أذان ... قال أَبُو حاتم ﵁ أبخل البخلاء من بخل بإطعام الطعام كما أن من أجود الجود بذله ومن ضن بما لا بد للجثة منه ولا تربو النفس إلا عَلَيْهِ كان بغيره أبخل وعليه أشح ومن إكرام الضيف طيب الكلام وطلاقة الوجه والخدمة بالنفس فإنه لا يذل من خدم أضيافه كما لا يعز من استخدمهم أو طلب لقراه أجرا وأنشدني كامل بْن مكرم أنشدني مُحَمَّد بْن سهيل ... وإني لطلق الوجه للمبتغي القرى ... وإن فنائي للقرى لرحيب أضاحك ضيفي عند إنزال رحله ... فيخصب عندي والمحل جديب ...

стр. 249

.. وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب ... وأنشدني الأبرش ... لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف وإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف ... أَنْبَأَنَا الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا الْعَقَبِيُّ عَنْ أَبِي مِحْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَن أَبِيهِ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ فَمَرَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْقَيْنِ فَنَزَلَ بِهِمْ فَنَحَرَ لَهُمْ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ جَزُورًا وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَالَ دُونَكُمْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ نَحَرَ لَهُمْ آخَرَ ثُمَّ حَبَسَتْهُمُ السَّمَاءُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَنَحَرَ لَهُمْ مِثْلَهُ فَلَمَّا أَرَادَ قَيْسٌ أَنْ يَرْتَحِلَ وَضَعَ عِشْرِينَ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِ مِصْرَ وَأَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ عِنْدَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَخَرَجَ قَيْسٌ فَمَا سَارَ إِلا قَلِيلا حَتَّى أَتَاهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ عَلَى فَرَسٍ كَرِيمٍ وَرُمْحٍ طَوِيلٍ وَقُدَّامَهُ الثِّيَابُ وَالدَّرَاهِمُ فَقَالَ يَا هَؤُلاءِ خُذُوا بِضَاعَتَكُمْ عَنِّي قَالَ قَيْسٌ انْصَرِفْ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ لِنَأْخُذَهَا فَقَالَ الرَّجُلُ لَتَأْخُذُنَّهَا أَوْ لا يَنْفُذُ مِنْكُمْ رَجُلٌ أَوْ تَذْهب نَفْسِي فَعَجِبَ قَيْسٌ مِنْهُ وَقَالَ لِمَ لِلَّهِ أَبُوكَ أَلَمْ تُكْرِمْنَا وَتُحْسِنْ إِلَيْنَا فَكَافَأْنَاكَ مَا فِي هَذَا مِنْ بَأْسٍ فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّا لا نَأْخُذُ لِقِرَى ابْنِ السَّبِيلِ وَقِرَى الضَّيْفِ ثَمَنًا لا وَاللَّهِ لا أفعل أبدا قال لهم قيس أما إذ أَبَى فَخُذُوهَا مِنْهُ فَأَخَذُوهَا ثُمَّ قَالَ قَيْسٌ مَا فَضَلَنِي رَجُلٌ غير هذا حدثني أَحْمَد بْن عمرو الزنبقي بالبصرة حَدَّثَنَا الحسن بْن مدرك السدوسي حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه القرشي حَدَّثَنَا سَعِيد عَن قَتَادَة عَن سَعِيد بْن المسيب قَالَ لأن أشبع كبدا جائعة أحب إلي من حجة بعد حجة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ أَبِي مُوسَى الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْن عروة عَن أبيه قَالَ كان من دعاء قيس

стр. 250

ابن سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مَالا وَفِعَالا فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ الفعال إلا المال ذكر الحث على المجازاة على الصنائع حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بكر بن الربيع ابن مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لا يَشْكُرِ النَّاسَ لا يَشْكُرِ اللَّهَ قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على من أسدي إليه معروفا أن يشكره بأفضل منه أو مثله لأن الإفضال على المعروف في الشكر لا يقوم مقام ابتدائه وإن قل فمن لم يجد فليثن عَلَيْهِ فإن الثناء عند العدم يقوم مقام الشكر للمعروف وما استغنى أحد عَن شكر أحد ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن زنجي البغدادي ... فلو كان يستغني عَن الشكر ماجد ... لعزة ملك أو علو مكان لما أمر اللَّه العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان ... وأنشدني الكريزي ... إذا المرء لم يشكر قليلا أصابه ... فليس له عند الكثير شكور ومن يشكر المخلوق يشكر لربه ... ومن يكفر المخلوق فهو كفور ... وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... حافظ على الشكر كي تستجزل القسما ... من ضيع الشكر لم يستكمل النعما الشكر لله كنز لا نفاد له ... من يلزم الشكر لم يكسب به ندما ... حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا العقبي قَالَ مر سَعِيد بْن العاص بدار رجل بالمدينة فاستسقى فسقوه ثم مر بعد ذلك بالدار ومناد ينادي عليها فيمن يزيد فقال لمولاه سل لم تباع هذه فرجع إليه فقال على صاحبها دين قَالَ فارجع إلى الدار فرجع فوجد صاحبها جالسا وغريمه معه فقال لم تبيع

стр. 251

دارك قَالَ لهذا علي أربعة آلاف دينار فنزل وتحدث معهما وبعث غلامه فأتاه ببدرة فدفع إلى الغريم أربعة آلاف ودفع الباقي إلى صاحب الدار وركب ومضى وأنشدني المنتصر بْن بلال ... ومن يسد معروفا إليك فكن له ... شكورا يكن معروفه غير ضائع ولا تبخلن بالشكر والقرض فاجزه ... تكن خير مصنوع إليه وصانع وأنشدني بعض أهل العلم ... فكن شاكرا للمنعمين لفضلهم ... وأفضل عليهم إذ قدرت وأنعم ومن كان ذا شكر فأهل زيادة ... وأهل لبذل العرف من كان ينعم ... وأنشدني الكريزي ... أحق الناس منك بحسن عون ... لمن سلفت لكم نعم عَلَيْهِ وأشكرهم أحقهم جميعا ... بحسن صنيعة منكم إليه ... قال أَبُو حاتم ﵁ الحر لا يكفر النعمة ولا يتسخط المصيبة بل عند النعم يشكر وعند المصائب يصبر ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع أوشك أن لا يشكر الكثير منه والنعم لا تستجلب زيادتها ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله جل وعلا ولمن أسداها إليه ولقد حدثني أَحْمَد بْن مُحَمَّد القيسي حدثني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم القرشي قَالَ سمعت أبا عبيدة معمر بْن المثنى يقول ماتت لعبيد بْن معمر بنت فقعد في المأتم في مسجده في سكه سبانوش فجاء عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة معزيا وإذا الأشراف قد أخذوا مواضعهم فنظر إليه رجل قد كان سبق الى مجلسه مع اتلأشراف قد عرفه فقام قائما وجعل يقول له ههنا حتى أخذ بيده فأقعده في مجلسه ثم ذهب فقعد في أخريات الناس فأمر عُبَيْد اللَّه غلاما كان معه أن يتعاهده إلى قيامه فلما قام دعا الرجل فقال أتعرفني قَالَ نعم قَالَ من أنا قَالَ أنت عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة صاحب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم

стр. 252

قَالَ فما حملك على تركك مجلسك لي قال إجلال لولد أصحاب رَسُول اللَّه ﷺ وما أوجب اللَّه على أمثالي خصوصا من التبجيل فقال له عُبَيْد اللَّه هل لك على أن تصحبنا إلى ضيعة نريد أن نصير إليها قَالَ نعم قَالَ فصحبه الرجل إلى تلك الضيعة في نهر مكحول ضيعة فيها ثلاثمائة جريب نخل وعلى وجه الضيعة قصر بني بآجر وجص وخشب ساج فلما دخل الضيعة أخذ عُبَيْد اللَّه بيد الرجل وجعل يدور به في تلك النخيل فقال للرجل كيف ترى هذه الضيعة قَالَ تالله مَا رأيت نخيلا أحسن منها ولا أكثر ثمرة ولا أسرى ضيعة منها قَالَ قد جعلناها لك بما فيها من الخدم والآلة نبعث إليك بصكها قَالَ فاستطار الرجل فرحا وبكاء وقال انعشتني وانعشت عيالي فقال عُبَيْد اللَّه وكم لك من العيال قَالَ ثلاثة عشر نفسا قَالَ فإني قد جعلت اسم عيالك في اسم عيالي أنفق عليهم مَا عشت فقال له عُبَيْد اللَّه من تكون له مثل هذه الضيعة يحتاج أن يكون منزله في سرة البصرة إذا صرنا إلى منزلنا فاغد علينا نأمر لك بشراء دار تشبه هذه الضيعة ورأس مال وخدم تصلح لدارك تعيش بها إن شاء اللَّه قَالَ فغدا الرجل عَلَيْهِ فأمر له بشراء دار بخمسة آلاف دينار وأعطاه عشرة آلاف دينار ودفع اليه صك الضعية وأمر له بدابة وبغل وسائس وكسوة وصرفه وأنشدني الأبرش ... الشكر يفتح أبوابا مغلقة ... لله فيها على من رامه نعم فبادر الشكر واستغلق وثائقه ... واستدفع اللَّه مَا تجري به النقم ... حدثنا أَحْمَد بْن الحسن المدائني بمصر قَالَ سمعت الربيع بْن سليمان يقول أخذ رجل بركاب الشافعي فقال يا ربيع أعطه أربعة دنانير قَالَ فأعطيته إياها وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب ... ومن يشكر العرف الصغير فإنه ... سينمي ويجتر المزيد أصاغره ...

стр. 253

.. ومن يشكر المعروف يحمد إلهه ... ويضعف أضعافا على الحمد شاكره ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... وإذا اصطنعت الى أخيك ... صنيعة فانس الصنيعة والشكر من كرم الفتى ... والكفر من لؤم الطبيعة والصبر أكرم صاحب ... فاصحبه إن نزلت فجيعه ... حدثنا أَحْمَد بْن قريش بْن بشر بْن عَبْد العزيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الذهلي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن خليل حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أيوب عَن أَبِي عيسى قال كان إبراهيم ابن أدهم إذا صنع إليه أحد معروفا حرص على أن يكافئه أو يتفضل عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عيسى فلقينى وأنا على حمار وأنا أريد بيت المقدس جائيا من الرملة قَالَ وقد اشترى بأربعة دوانيق تفاحا وسفرجلا وخوخا وفاكهة فقال يا أبا عيسى أحب أن تحمل هذا قَالَ وإذا عجوز يهودية في كوخ لها فقال أحب أن توصل هذا إليها فإنني مررت وأنا ممس فبيتتني عندها فأحب أن أكافئها على ذلك وأنشدني الكريزي ... يد المعروف غنم حيث تسدى ... تحملها شكور أم كفور كفى شكر الشكور لها جزاء ... وعند اللَّه مَا كفر الكفور ... وأنشدني بعض أهل العلم ... رهنت يدي للعجز عَن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد ولو كان شيء يستطاع استطعته ... ولكن مالا يستطاع شديد ... قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على المرء أن يشكر النعمة ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته إن قدر فبالضعف وإلا فبالمثل وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده مع بذل الجزاء له بالشكر وقوله جزاك اللَّه خيرا فمن قال له ذلك عند العدم فكأنه أبلغ في الثناء

стр. 254

ومن الناس من يكفر النعم وكفران النعم يكون من أحد رجلين إما رجل لا معرفة له بأسباب النعم والمجازاة عليها لما لم يركب فيه من التفقد لمراعاة العشرة فإذا كان كذلك وجب الإغضاء عنه وترك المناقشة على فعله والرجل الآخر أن يكون ذا عقل لم يشكر النعمة استخفافا بالمنعم واستحقارا للنعمة وتهاونا في نفسه لهما أو لأحدهما فإذا كان كذلك يجب على العاقل ترك العود إلى فعل مثله والخروج باللائمة على نفسه إذا كان له خبرة بِهِ وأنشدني علي بْن مُحَمَّد ... علامة شكر المرء إعلان حمده ... فمن كتم المعروف منهم فما شكر إذا مَا صديقي نال خيرا فخانني ... فما الذنب عندي للذي خان أو فجر ولكن إذا أكرمته بعد كفره ... فإني ملوم حيث أكرم من كفر ... وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب ... إذا أنا أعطيت القليل شكرتم ... وإن أنا أعطيت الكثير فلا شكر وما لمت نفسي في قضاء حقوقكم ... وقد كان لي فيما اعتذرت به عذر ... قال أَبُو حاتم ﵁ إني لأستحب للمرء أن يلزم الشكر للصنائع والسعي فيها من غير قضائها إذا كان المنعم من ذوي القدر فيه والاهتمام بالصنائع لأن الاهتمام ربما فاق المعروف وزاد على فعل الإحسان إذ المعروف يعمله المرء لنفسه والإحسان يصطنعه إلى الناس وهو غير مهتم به ولا مشفق عليه وربما أفعله الإنسان وهو مكاره والاهتمام لا يكون إلا من فرط عناية وفضل ود فالعاقل يشكر الاهتمام أكثر من شكره للمعروف أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان ... لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المجلوب مصروف ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي

стр. 255

.. بطر النعمة من ضيعها ... ومضيع الشكر مستدعي الغير فاجعل الشكر عليها حارسا ... ربما ابتز الفتى النعمى البطر ... حدثني عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زكريا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الجشمي حَدَّثَنَا علي بْن مُحَمَّد قَالَ مر عمر بْن هبيرة لما انصرف في طريقه فسمع امرأة من قيس تقول لا والذي ينجي عمر بْن هبيرة فقال يا غلام أعطها مَا معك وأعلمها أني قد نجوت ذكر الحث على سياسة الرياسة ورعاية الرعية حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَحْطَبَةَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ ابن إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالَ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عنه قال أَبُو حاتم ﵁ صرحت السنة عَن المصطفى ﷺ بأن كل راع مسئول عَن رعيته فالواجب على كل من كان راعيا لزوم التعاهد لرعيته فرعاة الناس العلماء وراعي الملوك العقل وراعي الصالحين تقواهم وراعي المتعلم معلمه وراعي الولد والده كما أن حارس المرأة زوجها وحارس العبد مولاه وكل راع من الناس مسئول عَن رعيته وأكثر مَا يجب تعاهد الرعية للملوك إذ هم رعاة لها وهم أرفع الرعاة لكثرة نفاذ أمورهم وعقد الأشياء وحلها من ناحيتهم فإذا لم يراعوا أوقاتهم ولم يحتاطوا لرعيتهم هلكوا وأهلكوا وربما كان هلاك عالم في فساد ملك واحد ولا يدوم ملك ملك إلا بأعوان تطيعه ولا يطيعه الأعوان إلا بوزير ولا يتم ذلك إلا أن يكون الوزير ودودا نصوحا ولا يوجد ذلك من الوزير إلا بالعفاف

стр. 256

والرأي لا يتم قوام هؤلاء إلا بالمال ولا يوجد المال إلا بصلاح الرعية ولا تصلح الرعية إلا بإقامة العدل فكأن ثبات الملك لا يكون إلا بلزوم العدل وزواله لا يكون إلا بمفارقته فالواجب على الملك أن يتفقد أمور عماله حتى لا يخفى عَلَيْهِ إحسان محسن ولا إساءة مسيء لأنه إذا جنى عَلَيْهِ أعمال عماله لم يكن قائما بالعدل ولقد أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... إذا أسست قوما فاجعل العدل بينهم ... وبينك تأمن كل مَا تتخوف وإن خفت من أهواء قوم تشتتا ... فبالجود فاجمع بينهم يتألفوا ... حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر بْن حبيب القاضي حَدَّثَنَا الأصمعي قَالَ قال ملك طخارستان لنصر بْن سيار ينبغي للأمير أن يكون له ستة أشياء وزير يثق به ويفضي إليه بسره وحصان يلجأ إليه إذا فزع أنجاه يعني فرسا وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف أن يخونه وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها وامرأة إذا دخل إليها أذهبت همه وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له شيئا يشتهيه قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب للسلطان أن يفرط البشاشة والهشاشة للناس ولا أن يقل منهما فإن الإكثار منهما يؤدي إلى الخفة والسخف والإقلال منهما يؤدي إلى العجب والكبر ولا ينبغي له أن يغضب لأن قدرته من وراء حاجته ولا أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه ولا له أن يبخل لأنه لا عذر له في منع الأموال والجاه معا ولا له أن يحقد لأنه يجب أن يترفع عَن المجازاة فأفضل السلطان مالم يخالطه البطر وأعجزهم آخذهم بالهوينا وأقلهم نظرا في العواقب وخير السلطان من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيف حولها النسور ويجب عَلَيْهِ استبقاء الرياسة وما فيه من نعمه اللَّه عَلَيْهِ بلزوم تقوى اللَّه وتفقد

стр. 257

أمور الرعية وإنصاف بعضهم بعضا لأنه مَا من قوي في الدنيا إلا وفوقه أقوى منه فمتى مَا عرف السلطان فضل قوته على الضعفاء فغره ذلك من قوة الأقوياء كانت قوته حينا عَلَيْهِ وهلاكا له والضعيف المحترس أقرب إلى السلامة من القوي المغتر لأن صرعة الاسترسال لا تكاد تستقال ولا يجب أن يعجل في سلطانه بعقاب من يخاف أن يندم عَلَيْهِ ولا يثقن بمن عاقبه من غير جرم وما أشبه السلطان إلا بالنار إن قصرت بطل نفعها وإن جاوزت عظم ضرها فخير السلطان من أشبه الغيث في أحيائه في نفع من يليه لا من أشبه النار في أكلها مَا يليها والسلطان إذا كان عادلا خير من المطر إذا كان وابلا وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم والناس إلى عدل سلطانهم أحوج منهم إلى خصب زمانهم ولقد حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مرجي بْن المؤمل بْن المثنى المري عَن أبيه قَالَ قَالَ الأحنف بْن قيس الولي من الرعية مكان الروح من الجسد الذي لا حياة له إلا به وموضع الرأس من أركان الجسد الذي لا بقاء له إلا معه وأنشدني ابن زنجي البغدادي للأفوه الأودي ... لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وساكن أدركوا الأمر الذي كادوا تهدى الأمور بأهل الرأي مَا صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد ... قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على السلطان قبل كل شيء أن يبدأ بتقوى اللَّه وإصلاح سريرته بينه وبين خالقه ثم يتفكر فيما قلده اللَّه من أمر إخوانه ورفعه عليهم ليعلم أنه مسئول عنهم في دق الأمور وجلها ومحاسب على قليلها وكثيرها ثم يتخذ وزيرا صالحا عاقلا عفيفا نصوحا وعمالا صالحين

стр. 258

بررة راشدين وأعوانا مستورين وخدما معلومين ثم يقلد عماله مالا غنى له عنهم ويشترط عليهم تقوى اللَّه وطاعته وأخذ المال من حله ويفرقه في أهله ثم يتفقد أمر بيت المال بأن لا يدخله حبة فما فوقها من قهر أو جور أو سلب أو نهب أو رشوة فإنه مسئول عَن كل ذرة منه ومحاسب على كل حبة فيه ثم لا يخرجه إلا في المواضع التي أمر اللَّه جل وعلا في سورة الأنفال ثم يتفقد أمور الحرمين وطريق الحاج ومجاوري بيت الله وقبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثم يتفقد ثغور المسلمين ولا يولى على الثغور من عماله إلا من يعلم أن القتل في سبيل اللَّه يكون آثر عنده من البقاء في الدنيا ليغزي الناس ولا يعطل الثغر ثم يتفقد ثغور المسلمين ومراقبهم والأبرجة التي بين المسلمين وبين عدوهم بأن يعمرها ويقيم فيها أعينا من المسلمين تتجسس أخبار العدو ويجري عليهم من بيت مالهم ثم يتفقد أولاد المهاجرين والأنصار بعطاياهم ويعرف فضيلتهم وسابقة آبائهم وأنه إنما نال مَا نال بهم ثم يتفقد أمور الحكام بأن لا يولى أحدا على قضاء المسلمين إلا من يعلم منه العفاف والعلم وترك الميل إلى الهوى والحكم بغير مَا يوجبه العلم ثم يتفقد أهل العلم والقراء والمؤذنين والصالحين وضعفاء المسلمين وليكن لمن هو أصغر سنا منه أبا ولمن هو أكبر منه ابنا ولأترابه أخا فيكون في تفقد أمورهم ولصلاح أسبابهم أكثر من تفقدهم بأنفسهم

стр. 259

ثم يختار من الرعية أقواما أمناء يبعث بهم في كل سنة إلى المدن ليشرفوا على العمال والحكام ويتفقدوا أسبابهم وسيرهم ويخبروه بها فيعزل من استحق منهم العزل ويقر من اتبع الحق ثم يجعل لنفسه موضعا لا يمنع منه لطرح القصص ويبرز للرعية في كل يوم مرة أو في كل ثلاثة أيام أو في كل أسبوع ليرفعوا إليه حوائجهم وليجتنب الحدة وليلزم الحلم الدائم فيما يرد عليه من أسبابهم ولقد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن قحطبة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زنبور حدثنا أبو بكر ابن عياش أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسودون عليهم أحدا لشجاعة ولا لسخاء إنما كانوا يسودون من إذا شتم حلم وإذا سئل حاجة قضاها أو قام معهم فيها وأنشدني الأبرش ... وقد يبغض الحيات أولاد آدم ... وأبغض مَا فيها إليهم رءوسها وما ابتليت يوما بشر قبيلة ... أضر عليها من سفيه يسوسها ... قال أَبُو حاتم ﵁ لا يستحق أحد اسم الرياسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء العقل والعلم والمنطق ثم يتعرى عَن ستة أشياء عَن الحدة والعجلة والحسد والهوى والكذب وترك المشاورة ثم ليلزم في سياسته على دائم الأوقات ثلاثة أشياء الرفق في في الأمور والصبر على الأشياء وطول الصمت فمن تعرى عَن هذه الأشياء وهو ذو سلطان عمي عَلَيْهِ قلبه وتشتتت عَلَيْهِ أموره ومن لم يكن فيه خصلة من هذه الخصال نقص من ضوء بصر قلبه مثلها الخلل في أموره نحوها وإنما مثل الرئيس والرعية كمثل جماعة ليس فيهم إلا قائد واحد فإن لم يكن

стр. 260

ذلك القائد أحد الناس بصرا وألطفهم نظرا كان خليقا أن يوقعهم وإياه في وهدة تندق أعناقهم وعنقه معهم والواجب على السلطان أن لا يغفل عَن الأشياء الأربعة التي صلاحه في دينه ودنياه فيها وهي مَا حَدَّثَنَا به عمرو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيُّ حَدَّثَنَا المدائني قَالَ خرج الزهري يوما من عند هشام بْن عَبْد الملك فقال مَا رأيت كاليوم ولا سمعت به كأربع كلمات تكلم بهن رجل آنفا عند هشام بْن عَبْد الملك فقيل له وما هن قَالَ قَالَ له رجل يا أمير المؤمنين احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك قَالَ هاتهن قَالَ لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا واعلم أن للأعمال جزاءا فاتق العواقب وأن للأمور بغتات فكن على حذر وأنشدني المنتصر بْن بلال ... بلاء الناس مذ كانوا ... إلى أن تأتي الساعه بحب الأمر والنهي ... وحب السمع والطاعه ... قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب للعاقل طلب الإمارة لأن من أوتيها عَن مسألة وكل إليها ومن أعطيها من غير مسألة أعين عليها ومن اشتهر بالرياسة فليحترز لأن الريح الشديدة لا تحطم الكلأ وهي تحطم دوح الشجر ومشيد البنيان وليلزم المشورة فإن في المشورة صلاح الرعية ومادة الرأي وليصنع إلى الناس كافة في الوقت الذي يقدر على الصنائع والمعروف قبل أن يجيئه الوقت الذي يفقد فيه القدرة عليها وليعتبر بمن كان قبله من الملوك والأمراء والسادة والوزراء لأن من ظفر بأمر جسيم فأضاعه فاته ومن أمكنته الفرصة فأخر العمل فيها لا تكاد تعود إليه

стр. 261

والسلطنة إنما هي قول الحق والعمل بالعدل لا التفاخر في الدنيا واستعمال البذل ولقد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا خطاب بْن عَبْد الرحمن الجندي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سليمان قَالَ قَالَ أَبُو عمرة بْن العلاء كانو لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال وتمامهن في الإسلام السابعة السخاء والنجدة والصبر والحلم والبيان والتواضع وتمامهن في الإسلام الحياء وأنشدني الكريزي ... إذا نلت الإمارة فاسم فيها ... إلى العلياء بالعمل الوثيق بمحض خليقة لا عيب فيها ... وليس المحض كاللبن المذيق ولا تك عندها حلوا فتحسى ... ولا مرا فتنشب في الحلوق وكل إمارة إلا قليلا ... مغيرة الصديق عن الصديق ... قال أَبُو حاتم ﵁ من صحب السلطان فلا يجب أن يكتمه نصيحته لأن من كتم السلطان نصيحته والأطباء مرضه والإخوان بشه فقد خان نفسه ومن يصحب السلطان لا ينجو من الآثام كما أن راكب العجل لا يأمن العثار ولا يجب أن يأمن غضب السلطان إن صدقه ولا عقوبته إن كذبه ولا يجتريء عَلَيْهِ وإن أدناه لأن الحازم العاقل لا يشرب السم اتكالا على مَا عنده من الترياق والأدوية وإني لأستحب لمن امتحن بصحبة السلطان أن يعلمه لزوم تقوى اللَّه والعمل الصالح كأنه يتعلم منه ويؤدبه كأنه يتأدب به ويتقي سخطاته والسخط إذا كان من علة كان الرضا عنه موجودا وإذا كان من غير علة ينقطع حينئذ الرجاء ولا يجب أن يعلم كل مَا تأتي الملوك من أمورها لأن في معرفتهم إياها بعض الفتنة

стр. 262

وهيهات من ذا صحب السلطان فلم يفتتن ومن اتبع الهوى فلم يعطب إن الشجرة الحسنة ربما كان سبب هلاكها طيب ثمرتها وربما كان ذنب الطاووس الذي في جماله سبب حتفه لأنه يثقله حتى يمنعه من الهرب ومن صحب السلطان لم يأمن التغيير على نفسه لأن الأنهار إنما تكون عذبة مَا لم تنصب الى البحور فإذا وقعت في البحور ملحت على أن قعود العلماء عَن أبواب الملوك زيادة في نور علمهم وكثرة غشيانهم إياهم غشاوة على قلوبهم ومن صحب الملوك لم يأمن تغيرهم ومن زايلهم لم يأمن تفقدهم وإن قطع الأمور دونهم لم يأمن فيها مخالفتهم وإن عزم على شيء لم يجد بدا من مؤامرتهم وأسمج شيء بالملوك الحدة ولقد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الحسن بْن عَبْد الجبار الصوفي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن معين حَدَّثَنَا المبارك بْن سَعِيد الثوري قَالَ كان يقال خمس خلال هن أقبح شيء بمن كن فيه الحدة في السلطان والكبر في ذي الحسب والبخل في الغنى والحرص في العالم والفتوة في الشيخ قال أَبُو حاتم ﵁ رؤساء القوم أعظمهم هموما وأدومهم غموما وأشغلهم قلوبا وأشهرهم عيوبا وأكثرهم عدوا وأشدهم أحزانا وأنكاهم أشجانا وأكثرهم في القيامة حسابا وأشدهم إن لم يعف اللَّه عنهم عذابا ومن أحسن مَا يستعين به السلطان على أسبابه اتخاذ وزير عفيف ناصح على مَا تقدم ذكرنا له فإن الوزير إذا غفل الأمير ذكره وإن ذكر أعانه وإن سولت له نفسه سيئة صده وإن أراد طاعة نشطه فهو المحبب له الى الناس والمستجلب له دعائهم ولقد أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... إذا نسى الأمير قضاء حق ... فإن الذنب فيه للوزير لأن على الوزير إذا تولى ... أمور الناس تذكير الأمير ... قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على كل من يغشى السلطان وامتحن

стр. 263

بصحبته أن لا يعد شتمه شتما ولا إغلاظه إغلاظا ولا التقصير في حقه ذنبا لأن ريح العزة بسطت لسانه ويده بالغلظة فإن أنزله الوالي منزلة رفيعة من نفسه فلا يثقن بها وليجانب معه كلام الملق والإكثار من الدعاء في كل وقت وكثرة الانبساط فرب كلمة أثارت الوحشة بل يجتهد في توقيره وتعظيمه عند الناس فإن غضب فليحتل في تسكين غضبه باللين والمداراة ولا يكون سببا لتهييجه ولقد حَدَّثَنَا عمرو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابن عائشة عَن أبيه قَالَ بعث أَبُو جعفر إلى جعفر بْن مُحَمَّد قَالَ إني أستشيرك في أمر إني قد تأنيت أهل المدينة مرة بعد أخرى فلا أراهم يرجعون ولا يعتبون وقد رأيت أن أبعث فأحرق نخلها وأغور عيونها فما ترى فسكت جعفر فقال مالك لا تكلم قَالَ إن أذنت لي تكلمت قَالَ قل قَالَ يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر وإن أيوب أبتلى فصبر وإن يُوسُف قدر فغفر وقد جعلك الله من النسل الذي يعفون ويصفحون قال فطفيء غضبه وسكن حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بن سعيد عن محمد ابن حميد بْن فروة عَن أبيه قَالَ لما استقرت للمأمون الخلافة دعا إبراهيم بن مهدي المعروف بابن شكلة فوقف بين يديه فقال أنت المتوثب عليها تدعي الخلافة فقال إِبْرَاهِيم يا أمير المؤمنين أنت ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك اللَّه فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن أخذت أخذت بحق وإن عفوت عفوت بفضل ولقد حضرت أَبِي وهو جدك أتي برجل كان جرمه أعظم من جرمي فأمر الخليفة بقتله وعنده المبارك بْن فضالة فقال المبارك بْن فضالة إن رأى أمير المؤمنين أن يستأنى في أمر هذا الرجل حتى أحدثه بحديث سمعته من الحسن يحدث به عَن رَسُول اللَّهِ

стр. 264

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إيه يا مبارك قَالَ حدثني الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إذا كان يوم القيامة نادى مناد مناد من بطنان العرش الاليقم العافون من الخلفاء فلا يقوم إلا من عفا فقال الخليفة له يا مبارك قد قبلت الحديث وعفوت عنه أخرج أيها الرجل فلا سبيل لأحد عليك فقال المأمون يا عم ههنا يا عم ها هنا قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على من ملك أمور المسلمين الرجوع إلى اللَّه جل وعلا في كل لحظة وطرفة لئلا يطغيه مَا هو فيه من تسلطه بل يذكر عظمة اللَّه وقدرته وسلطانه وأنه هو المنتقم ممن ظلم والمجازي لمن أحسن فليلزم في إمرته السلوك الذي يؤديه إلى اكتساب الخير في الدارين وليعتبر بمن كان قبله من أشكاله فإنه لا محالة مسئول عَن شكر مَا هو فيه كما هو لا محالة مسئول عَن حسابه إذا المصطفى ﷺ قَالَ يقول اللَّه ﵎ يوم القيامة ألم أحملك على الخير ورزقتك النساء وجعلتك ترأس وتربع فيقول بلى فيقول فأين شكر ذلك وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... يدبر أسباب الرجال مؤمر ... إذا صلحت في الصدر أشفى وأبين من العقل أن تحتاط فيما وليته ... وتحسم مَا تخشاه والأمر ممكن ... ذكر الدنيا وتقلبها بأهلها حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ حَدَّثَنَا عبد الله بن هانيء بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا يَا ابْنَ

стр. 265

جُعْشُمٍ يَكْفِيكَ مِنْهَا مَا سَدَّ جَوْعَتَكَ وَوَارَى عَوْرَتَكَ فَإِنْ يَكُنْ ثَوْبًا تَلْبَسُهُ فَذَاكَ وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً تَرْكَبُهَا فَبَخٍ فِلَقُ الْخُبْزِ وما الحب وَمَا فَوْقَ الإِزَارِ حِسَابٌ عَلَيْكَ قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وزهرتها وحسنها وبهجتها فيشتغل بها عَن الآخرة الباقية والنعم الدائمة بل ينزلها حيث أنزلها اللَّه لأن عاقبتها لا محالة تصير إلى فناء يخرب عمرانها ويموت سكانها وتذهب بهجتها وتبيد خضرتها فلا يبقى رئيس متكبر مؤمر ولا فقير مسكين محتقر إلا ويجري عليهم كأس المنايا ثم يصيرون إلى التراب فيبلون حتى يرجعون إلى مَا كانوا عَلَيْهِ في البداية إلى الفناء ثم يرث الأرض ومن عليها علام الغيوب فالعاقل لا يركن إلى دار هذا نعتها ولا يطمئن إلى دنيا هذه صفتها وقد ادخر له مَا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيضن بترك هذا القليل ويرضى بفوت ذلك الكثير حدثنا مُحَمَّد بْن المسيب بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا يعقوب بْن إِبْرَاهِيم الدورقي قَالَ سمعت بشر بْن الحارث يقول ... لا تأس في الدنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافية إن فات أمر كنت تسعى له ... ففيهما من فائت كافيه ... وأنشدني الكريزي أنشدني شعيب بْن أَحْمَد لسليمان بْن يزيد العدوى ... ألم تر أن المرء يودي شبابه ... وأن المنايا للرجال تشعب فمن ذائق كأسا من الموت مرة ... وآخر أخرى مثلها يترقب لها منهم زاد حثيث وسائق ... وكل بكأس الموت يوما سيشرب وما وارث إلا سيورث ماله ... ولا سالب إلا وشيكا سيسلب ...

стр. 266

.. ولا آلف إلا سيتبع إلفه ... ولا نعمة إلا تبيد وتذهب وما من معان والمصائب جمة ... يعاورها العصران إلا سيعطب أرى الناس أصنافا أقاموا بعربة ... تقلبهم أيامها وتقلبوا بدار غرور حلوة يعمرونها ... وقد عاينوا فيها زوالا وجربوا يذمون دنيا لا يريحون درها ... فلم أر كالدنيا تذم وتحلب تسرهم طورا وطورا تذيقهم ... مضيض مكاو حرها يتلهب ... حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه قَالَ عاد رجل مريضا فسمع قائلا يقول من ناحية البيت ... ناد رب الدار ذا المال الذي ... جمع الدنيا بحرص مَا فعل ... فأجابه مجيب ... كان في الدار سوها داره ... عللته بالمنى ثم انتقل لم يمتع بالذي كان حوى ... من حطام المال إذا حل الأجل إنما الدنيا كظل زائل ... طلعت شمس عَلَيْهِ فاضمحل ... قال أَبُو حاتم ﵁ رأيت على حجر بطبرستان مكتوب ... العيش لونان فحلو ومر ... والدهر نصفان فريف وضر والنطق جزآن فبعر ودر ... والناس اثنان فنذل وحر يومك يومان فخير وشر ... نهار يزول وليل يكر وكذاك الزمان على من مضى ... وكل السنين على ذا تمر ... وأنشدني الأبرش ... إنما الدنيا نهار ... ضوئها ضوء معار بينما غصنك عض ... ناعم فيه اخضرار ...

стр. 267

.. إذ رماه زمناه ... فإذا فيه اصفرار وكذلك الليل يأتي ... ثم يمحوه النهار ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... يا لائم الدهر إذا مَا نبا ... لا تلم الدهر على غدره الدهر مأمور له آمر ... ينصرف الدهر إلى أمره كم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم ... يزداد إيمانا على فقره لا خير فيمن لم يكن عاقلا ... يبسط رجليه على قدره ... وأنشدني الكريزي ... ما الدهر إلا ليلة ويوم ... والعيش إلا يقظة ونوم يعيش قوم ويموت قوم ... والدهر قاض مَا عَلَيْهِ لوم ... أنبأنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن سلم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي الحواري حَدَّثَنَا إِسْحَاق الموصلي قَالَ قَالَ أَبُو حازم بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثر منها في أوان كسادها فإنه لو جاء أوان نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير قال أَبُو حاتم ﵁ الدنيا بحر طفاح والناس في أمواجها يعومون وفي أمثال تضربها الأيام للأنام وما أكثر أشباهها منها لأن كل مَا يصير إلى فناء منها يشبهها فمن أوتي من الدنيا أشياء ثلاثة فقد أوتي الدنيا بحذافيرها الأمن والقوت والصحة لا يغتر بشيء منها إلا كل خداع ولا يركن إليها إلا كل مناع فالعاقل يعلم أن مَا لم يبقى لغيره عَلَيْهِ غير باق وأن مَا سلب عَن غيره لا يترك عَلَيْهِ فالقصد إلى مَا يعود بالنفع في الآخرة للعاقل من الدنيا أحرى من السلوك في قصد الضن بها والجمع لها من غير تقديم ما يقدم عَلَيْهِ في الآخرة من الأعمال الصالحة وتركك الاغترار بها والاعتبار بتقلبها بأهلها ولا شيء أعظم خطرا من

стр. 268

الحياة ولا غبن أعظم من إفنائها لغير حياة الأبد ومن اشتهى أن يكون حرا فليجتنب الشهوات وإن كانت لذيذة وليعلم أن كل لذيذ ليس بنافع ولكن كل نافع هو الذيذ وكل الشهوات مملولة إلا الأرباح فإنها لا تمل وأعظم الأرباح الجنة والاستغناء بالله عَن الناس ولقد أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... فأعظم بصبر للزمان فإنه ... على حالة المكروه ليس بدائم تدور لنا أفلاكه بعجائب ... إذا مَا انقضت كانت كأحلام نائم سرور وهم وانتعاش وسقطة ... إلى أجل دان لذلك هادم وبالله دون الناس فاستغن واستعن ... إذا أنزلت إحدى الأمور العظائم ... وأنشدني وأنشدني المنتصر بْن بلال ... فيوم علينا ويوم لنا ... ويوما نساء ويوما نسر كذاك التقارض بين الأنام ... فخير بخير وشر بشر ... أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن الجنيد حَدَّثَنَا عَبْد الوارث بْن عَبْد اللَّه عَن عَبْد الله من مسعر عَن معن بْن عون قَالَ كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومنتظر غدا لا يدركه لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره قال أَبُو حاتم ﵁ السبب المؤدي للعاقل إلى إنزاله الدنيا منزلتها ترك الركون إليها مع تقديم مَا قدر منها للعيش الدائم والنعيم المقيم هو ترك طول الأمل وراقبة ورود الموت عَلَيْهِ في كل لحظة وطرفة لأن طول الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب أخلف من رجاه وخاب من رآه فالعاقل يلزم تركها مع الاعتبار الدائم بمن مضى من الأمم السالفة والقرون

стр. 269

الماضية كيف عفت آثارهم واضمحلت أنباؤهم فما بقى منهم إلا الذكر ولا من ديارهم إلا الرسم فسبحان من هو قادر على بعثهم وجمعهم للجزاء والعقاب ولقد أنشدنا عمرو بْن مُحَمَّد قال أنشدنا الغلابي قَالَ أنشدني مهدي بْن سابق ... كنا على ظهرها والعيش ذو مهل ... والدهر يجمعنا والدار والوطن ففرق الدهر ذو التصريف ألفتنا ... فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن كذلك الدهر لا يبقى على أحد ... تأتي بأقداره الأيام والزمن ... وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد الله البغدادي ... حتى متى يبقى حليف الأسى ... مستشعرا للدهر أحزانا فلا يرد الحزن شيئا ... ولا يعتب هذا الدهر إنسانا قد يقبل الدهر بسرائه ... طورا وقد يدبر أحيانا فاصبر على مَا جر من حادث ... مَا زال غدارا وخوانا وأحسن الظن بمن لم يزل ... عليك مفضالا ومنانا وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد قَالَ أنشدنا الغلابي لابن أَبِي عيينة المهلبي ... ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيها إن اعتبرا ولا أتت ساعة في الدهر فانصرفت ... حتى توثر في قوم لها غيرا إن الليالي والأيام أنفسها ... عَن غيب أنفسها لم تكتب الخبرا ... أنبأنا علي بْن سَعِيد العسكري حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد حَدَّثَنَا الحسن بْن سَعِيد الجرجاني قَالَ سمعت أبا مريم الصلت بْن كلثم يقول كانت امرأة من بني إسرائيل متعبدة وكانت تفطر كل سبت فبينما هي ذات يوم قد وضعت إفطارها بين يديها جعلت تقول محب يحب حبيبه يتشاغل بالأكل عَن خدمة محبه فيوشك أن يقدم عَلَيْهِ رَسُول حبيبه وهو متشاغل بأكله عَن خدمته فلا تقر عينه في لقائه فمكثت كذلك مدة لا تفطر قَالَ ثم وضعت إفطارها بين يديها وجعلت تقول مثل مَا كانت تقول وإذا شاب من ناحية البيت جميل

стр. 270

الوجه طيب الريح فقال سلام عليك ورحمة اللَّه يا حبيبة الله أو يا ولية الله قالت وعليك السلام من أنت قَالَ أنا ملك الموت قالت يا ملك الموت أتأذن لي أن أسجد سجدة أناجي فيها ربي فإذا رأيتني قد فعلت ذلك قبضت روحي قَالَ لك ذلك قَالَ فنحت إفطارها ثم وثبت فسجدت فقبض روحها في اجتهادها رضى الله عنها ذكر الحث على لزوم ذكر الموت وتقديم الطاعات حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ ومحمود ابن غَيْلانَ قَالا حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يضم إلى رعاية مَا ذكرنا من شعب العقل في كتابنا هذا لزوم ذكر الموت على الأوقات كلها وترك الاغترار بالدنيا في الأسباب كلها إذ الموت رحى دوارة بين الخلق وكأس يدار بها عليهم لا بد لكل ذي روح أن يشربها ويذوق طعمها وهو هاذم اللذات ومنغص الشهوات ومكدر الأوقات ومزيل العاهات ولقد أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان ... أيا هاذم اللذات ما منك مهرب ... تحازر نفسي منك ما سيصيبها أرأيت المنايا قسمت بين أنفس ... ونفسي سيأتي بعدهن نصيبها ... وأنشدني الكريزي ... إن من عاش آمنا في سرور ... قاعد من سروره في غرور ما لمن يذكر المقابر والموت ... إذا كان عاقلا من سرور ... حدثنا عمرو بن محمد الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق قال قرىء على قصر هذه الأبيات

стр. 271

.. هذى منازل أقوام عهدتهم ... في ظل عيش عجيب ماله خطر صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر ... حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ الْخَالِدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد حدثني إبراهيم ابن عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ الْحَلَبِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ أَنَا وَاللَّهِ مِنْ زَرْعٍ قَدِ اسْتُحْصَدَ وَنُعِيَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْهُ وَالآخَرُ دُونَهُ فَقَالَ ... إِذَا سَارَ من خلف امريء وَأَمَامَهُ ... وَأُفْرِدَ مِنْ إِخْوَانِهِ فَهْوَ سَائِرُ ... حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مصعب الشافعي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ سمعت عُبَيْد اللَّه بْن مسلم بْن زياد الهمداني قَالَ سمعت عمر بْن ذر يقول ورث فتى من الحي دارا عَن آبائه وأجداده فهدمها ثم ابتناها وشيدها فأتى في منامه فقيل له ... إن كنت تطمع في الحياة فقد ترى ... أرباب دارك ساكنوا الأموات أني تحس من الأكرام ذكرهم ... خلت الديار وبادت الأصوات ... قال فأصبح الفتى مغتاظا قد أمسك عَن كثير مما كان يصنع وأقبل على نفسه حدثنا عمر ن حفص البزاز حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الضيف حَدَّثَنَا جعفر بْن عون قَالَ سمعت مسعرا يقول ... ومشيد دارا ليسكن داره ... سكن القبور وداره لم يسكن ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... لوأنني أعطيت سؤلي لما ... سألت إلا العفو والعافيه فكم فتى قد بات في نعمة ... فسل منها الليلة الثانية ... حدثنا حمزة بْن داود بن سليان بالأبلة حدثنا ذهل بْن أَبِي شراعة القيسي قال حدثتني سكينه وكانت علامة قالت قَالَ لي أَبُو العتاهية دخلت

стр. 272

على هارون أمير المؤمنين فلما بصر بي قَالَ أَبُو العتاهية قلت أَبُو العتاهية قَالَ الذي يقول الشعر قلت الذي يقول الشعر قَالَ عظني بأبيات شعر وأوجز فأنشدته ... لا تأمن الموت في طرف ولا نفس ... ولو تمنعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مدرع منا ومترس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس ... قال فخر مغشيا عَلَيْهِ أو كما قَالَ حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا أَبُو جعفر البغدادي قَالَ قرأت على باب قصر بالسند ... نزل الموت منزلا ... سلب القوم وارتحل ... فقلت مَا هذا فقالوا مات أهل القصر كلهم فأصبحوا وهذا الكتاب على الباب لا يدري من كتبه وأنشدني البسامي ... قد يصح المريض بعد إياس ... كان منه ويهلك العواد يصاد القطا فينجو سليما ... بعد هلك ويهلك الصياد ... قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا ينسى ذكر شيء هو مترقب له ومنتظر وقوعه من قدم إلى قدم ومن لحظة إلى شزرة فكم من مكرم في أهله معظم في قومه مبجل في جيرته لا يخاف الضيق في المعيشة ولا الضنك في المصيبة إذ ورد عَلَيْهِ مذلل الملوك وقاهر الجبابرة وقاصم الطغاة فألقاه صريعا بين الأحبة وجيرانه مفارقا لأهل بيته وإخوانه لا يملكون له نفعا ولا يستطيعون عنه دفعا فكم من أمة قد أبادها الموت وبلدة قد عطلها وذات بعل قد أرملها وذي أب أيتمه وذي إخوة أفرده فالعاقل لا يغتر بحالة نهايتها تؤدي إلى مَا قلنا ولا يركن إلى عيش مغبته مَا ذكرنا ولا ينسى حالة لا محالة هو مواقعها وما لا شك يأتيه إذ الموت طالب لا يعجزه المقيم ولا ينفلت منه الهارب

стр. 273

ولقد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْخَالِدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد حدثني سلمة ابن شبيب حَدَّثَنَا سهل بْن عاصم قَالَ سمعت الوضاح بْن حسان يقول سمعت ابن السماك يحدث قَالَ بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك إذ رمى بشبكة في البحر فخرج فيها جمجمة إنسان فجعل الصياد ينظر إليها ويبكي ويقول عزيز فلم تترك لعزك غني فلم تترك لغناك فقير فلم تترك لفقرك جواد فلم تترك لجودك شديد فلم تترك لشدتك عالم فلم تترك لعلمك يردد هذا الكلام ويبكي وأنشدني الكريزي ... أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة فيها ترك مَا فيها فلا الإقامة تنجي النفس من تلف ... ولا الفرار من الأحداث ينجيها وكل نفس لها زور يصبحها ... من المنية يوما أو يمسيها ... حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي قَالَ سمعت ابن واقد المديني قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد المنعم الرياحي قَالَ فقد مالك بْن دينار يوما فقالوا أين كنت يا أبا يَحْيَى قَالَ خرجت إلى الأبلة قالوا مَا أحسن مَا رأيت قَالَ مَا رأيت شيئا أعجبت به إلا أني رأيت امرأة تصلى فقالوا له يا أبا يَحْيَى فما أعجب شيء رأيت قَالَ رأيت بالبحرين قصرا مشيدا وإذا على بابه مكتوب ... طلبت العيش أسعد ناعميه ... وعشت من المعايش والنعيم فلم ألبث ورب الناس طورا ... سلبت من الأقارب والحميم ... وأنشدني الأبرش ... وللنفوس وإن كانت على وجل ... من المنية آمال تقويها والمرء يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها ... أنبأنا حمزة بْن داود بن سليمان بالأبلة حدثنا الهاديء حَدَّثَنَا جليس الكلبي

стр. 274

عَن سَعِيد بْن أَبِي عروبة عَن قَتَادَة قَالَ لقيني عمران بْن حطان فقال لي يا أعمى إنني عالم بخلافك ولكنك رجل تحفظ فاحفظ عني هذه الأبيات ... حتى متى تسقى النفوس بكأسها ... ريب المنون وأنت لاه ترتع أفقد رضيت بأن تعلل بالمنى ... وإلى المنية كل يوم تدفع أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع فتزودن ليوم فقرك دائبا ... واجمع لنفسك لا لغيرك تجمع ... حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ نَوْفَلٍ المروزي قَالَ سمعت أبا داود السنجي يقول خرج أَبُو معاذ النحوي يوما مع أصحابه فقال إنه قد نعيت إلى نفسي البارحة أتاني آت فقال ... يا أيها الإنسان إنك ميت ... عما قليل ثم لنفسك واقعد فكأن مَا قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن مَا هو كائن فكأن قد ... حدثنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حرملة بْن يَحْيَى قَالَ سمعت الشافعي كثيرا مَا ينشد ... تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد ... حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الشافعي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن محمد حدثني إسماعيل ابن عَبْد اللَّه العجلي قَالَ أنشدنا رجل ونحن في المقابر ... ألا يا عسكر الأحياء ... هذا عسكر الموتى أجابوا الدعوة الصغرى ... وهم منتظروا الكبرى يحثون على الزاد ... وما زاد سوى التقوى يقولون لكم جدوا ... فهذا آخر الدنيا ... قال أَبُو حاتم ﵁ إن اللَّه جل وعلا خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها فأكلوا من ثمارها وشربوا من أنهارها ثم لا محالة تنزل

стр. 275

المنية بهم وتغنيهم عَن السعي والحركات مع تعطل الجثث والآلات ثم تعيدهم إلى الأرض التي منها خلقهم حتى تأكل لحومهم كما أكلوا أثمارها وتشرب دماءهم كما شربوا من أنهارها وتقطع أوصالهم كما مشوا على ظهرها فالقبر أول منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من منازل الدنيا فطوبى لمن مهد في دنياه لقبره وقدم منها لآخرته فكم عفرت الأرض من عزيز وأفقدت الغير من أنيس حدثني مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الخالدي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد حدثني مُحَمَّد بْن عباس حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن يزيد قَالَ رأيت أعرابيا وقف على مقبرة وهو يقول ... لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد وما إن ترى دارا لحي قد أقفرت ... وقبرا لميت بالفناء جديد فهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما المتقى فبعيد ... وأنشدني أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه الكرجي لعمر بْن شبة في نفسه ... يا ابن سبعين وعشر ... وثمان كاملات غرضا للموت مشغولا ... بخد منى وهات ويك لا تعلم ماتلقى ... به بعد الممات من صغار موبقات ... وكبار مهلكات يا ابن من قد مات ... من آبائه والأمهات هل ترى من خالد ... من ذي طغاة وعتاة إن من يبتاع ... بالدين خسيسات الحياة لغبي الرأي محفوف ... بطول الحسرات ... حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا شعيب بْن واقد المري عَن عَبْد المنعم الرياحي قال سمعت صالح المري يقول دخلت المقابر يوما في شدة الحر فنظرت إلى القبور خامدة كأنهم قوم صموت فقلت يا سبحان اللَّه من يجمع بين أرواحكم وأجسامكم بعد إفتراقها ثم يحييكم وينشئكم من طول البلى قَالَ

стр. 276

فناداني مناد من بين تلك الحفر يا صالح (٣٠ ٢٥) ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ قَالَ فسقطت والله مغشيا علي قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرنا اليسير من الكثير من الآثار والقليل من الجسيم من الأخبار في كتابنا هذا بما نرجوا أن القاصد إلى سلوك سبيل ذوي الحجى والسالك مقصد سبيل أولي النهى يكون له فيها غنية إن تدبرها واستعملها وإن كنا تنكبنا طرق المسانيد وتخريج الحكايات وأناشيد الأشعار إلا مَا لم نجد بدا من إخراجها كالإيماء إلى الشيء والإشارة إلى القصد جعلنا اللَّه ممن دعته تباشير التوفيق الى القيام بحقائق التحقيق إنه منتهى الغاية عند رجاء المؤمنين والمان على أوليائه بمنازل المقربين وصلى اللَّه على مُحَمَّد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين الطيبين والحمد لله رب العالمين وجد في النسخة الأصلية ما صورته فرغ من نسخه بعون الله ورحمته العبد الفقير إلى عفو ربه أحمد بن محمد ابن سالم بن جناب المنبجى بالرها المحروسة يوم الثلاثاء حادى عشر المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة ختم الله بخير ولوالديه ولجميع المسلمين