Полный текст (301 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
(وتفضل على عبد مسيء ... لَيْسَ يَرْجُو سواك يَا ذَا الْجلَال)
٧٠ - هَذَا يَوْم الدّين
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِذا جمع الله ﵎ الْأَوَّلين والآخرين نَادَى مُنَاد هَذَا يَوْم الدّين هَذَا يَوْم الْفَصْل الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون فَانْظُر لنَفسك يَا مِسْكين يَا ضَعِيف الْإِيمَان وَالْيَقِين يَا من يَقُول إِنَّه من الْمُؤمنِينَ المصدقين
وَهُوَ يعْمل أَعمال المكذبين الْمُخَالفين التاركين لسنن سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين
مَا أجراك أَن تكون عِنْد الله من الْكَاذِبين لَو خفت من عَذَاب يَوْم الدّين لعملت بِالْقُرْآنِ الْمُبين وَلَو كنت من الْمُؤمنِينَ المصدقين لأطعت رب الْأَوَّلين والآخرين
فسل مَوْلَاك أَن يفرج عَنْك مَا قد نزل بك من دَاء الذُّنُوب وهتك سترك من القبائح والعيوب
وأنشدوا
(يَا طَبِيب الذُّنُوب والآثام ... هَل دَوَاء أَبْرَأ بِهِ من سقامي)
(إِن دَاء الذُّنُوب أَضْعَف جسمي ... ومشيبي مُوكل بحمامي)
(وشفائي أعيا الْأَطِبَّاء إِنِّي ... قد تغذيت مدتي بالحرام)
(وَركبت الذُّنُوب سرا وجهرا ... وَتَبَاعَدَتْ من مَحل الْكِرَام)
(كَيفَ بالطب أَن يعالج سقمي ... وكلامي يزِيد قرح كَلَامي)
(أَيهَا النَّاس قد علمْتُم ذُنُوبِي ... واغتراري وشقوتي واجترامي)
(وَأَنا أَرغب الدُّعَاء فجدوا ... فِي فكاكي من الذُّنُوب الْعِظَام)
(واشتياقي إِلَى الطّواف شَدِيد ... وَإِلَى الرُّكْن والصفا وَالْمقَام)
(وَإِلَى يثرب يحن فُؤَادِي ... كي أَزور النَّبِي خير الْأَنَام)
(فَسَلُوا الله فِي الْوُصُول فَإِنِّي ... ذُو اشتياق لحج بَيت حرَام)
(فَلَعَلَّ الْإِلَه يغْفر جُرْمِي ... وينجي من هول يَوْم الْقيام)
(ويفك المنان عبدا ضَعِيفا ... مَاتَ خوفًا من الْعَذَاب الغرام)
٧١ - موعظة كَعْب الْأَحْبَار
رُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لكعب يَا كَعْب خوفنا
فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ ثمَّ رفع رَأسه وَعَيناهُ تَذْرِفَانِ دموعا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالَّذِي نفس كَعْب بِيَدِهِ أَن جَهَنَّم لتزفر زفرَة فتقطع السلَاسِل الَّتِي بأيدي الزَّبَانِيَة الَّذين يمسكونها بهَا
стр. 37
حَتَّى تفيض على أهل الْجمع وتلقي الزَّبَانِيَة على وُجُوههم وينهزم مَالك خازنها من بَين يَديهَا فَلَو كَانَ لكل آدَمِيّ عمل مائَة ألف نَبِي وَمِائَة ألف صديق وَمِائَة ألف شَهِيد لحقر عمله ولظن أَنه لَا ينجو مِنْهَا
فَعِنْدَ ذَلِك يعرض لَهَا النَّبِي ﷺ وَقد أشرقت الْقِيَامَة من نور وَجهه فَيَأْخُذ بزمامها وَيَقُول لَهَا كفي عَن أمتِي كفي عَن أمتِي ثَلَاثًا
فَتَقول لَهُ يَا أَيهَا النَّبِي الْكَرِيم وَالرَّسُول الرؤوف الرَّحِيم مَا جعل الله لي عَلَيْك وَلَا على أمتك من سَبِيل
فَعِنْدَ ذَلِك يتَعَلَّق العَبْد المذنب إِذا رأى الْأَهْوَال الْعِظَام بِالنَّبِيِّ ﵊ فَيَقُول يَا رَسُول الله أنقذني من عَذَاب الله فَيَقُول لَهُ ألم أبلغك رِسَالَة رَبِّي فَلم عصيت فَيَقُول لَهُ العَبْد المذنب يَا رَسُول الله غلبت عَليّ شقوتي
فَيَقُول ﷺ لَا شقوة على أحد نم أمتِي وَلَا على من قَالَ فِي الدُّنْيَا مخلصا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله
فَيشفع لَهُ إِلَى الله تَعَالَى فَيشفع فِيهِ
وأنشدوا
(أَلا أكْرم بِأَحْمَد ذِي الأيادي ... شَفِيع النَّاس فِي يَوْم التنادي)
(إِذا نشر الْخَلَائق من قُبُور ... عُرَاة يَبْتَغُونَ ندا الْمُنَادِي)
(وَقربت الْجَحِيم لمن يَرَاهَا ... فيا لله من خوف الْعباد)
(وَقد زفرت جَهَنَّم فاستكانوا ... سقوطا كالفراش وكالجراد)
(وَقد بلغت حَنَاجِرهمْ قُلُوب ... وَقد شخصوا بأبصار حداد)
(فيا جَبَّار عفوا مِنْك فالطف ... وَيَا رَحْمَن رفقا بالعباد)
(ونودوا للصراط أَلا هلموا ... فَهَذَا وَيحكم يَوْم الْمعَاد)
(تسوقكم إِلَيْهِ سوق عنف ... مَقَامِع من زَبَانِيَة شَدَّاد)
(أَلا يَا معشر الْإِسْلَام هبوا ... من الإغفال فِي غمر الرقاد)
٧٢ - حَدِيث فِي التَّرْهِيب
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (كل عين باكية يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عين بَكت من خشيَة الله وَعين غضت عَن محارم الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله)
стр. 38
فقدموا عباد الله فِي الْيَسِير من الْأَيَّام مَا يقيكم الْأَهْوَال الْعِظَام والخطوب الجسام والزلازل والطوام وَالْعَذَاب الغرام فَإِن الْعُمر يسير وَالْأَجَل قصير والزاد قَلِيل والهول جليل وَالْعَذَاب طَوِيل وَالْيَوْم مهول ثقيل
فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على من قطع أَيَّامه فِي الْعِصْيَان واستبدل الْجنَّة بالنيران وَالرِّبْح بالخسران وَترك الْعِزّ وَرَضي بالهوان وَعوض عَن الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان ففكر فِيمَا تسمع أَيهَا الْإِنْسَان وَأَنا وَأَنت وكلنَا ذَلِك الْإِنْسَان وأنشدوا
(مقَام المذنبين غَدا ذليل ... وَقدر الطائعين غَدا جليل)
(إِذا مد الصِّرَاط على جحيم ... تصول على العصاة وتستطيل)
(ونادى مَالِكًا خُذ من عَصَانِي ... فَإِنِّي الْيَوْم لست لَهُم أقيل)
٧٣ - سُجُود جَهَنَّم
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن جَهَنَّم أعاذنا الله مِنْهَا وزحزحنا برحمته عَنْهَا تستأذن يَوْم الْقِيَامَة فِي السُّجُود فَيَأْذَن لَهَا فتسجد مَا شَاءَ الله من ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهَا ارفعي فَترفع رَأسهَا وَهِي تَقول الْحَمد لله الَّذِي خلقني لينتقم بِي مِمَّن عَصَاهُ وَلم يَجْعَل شَيْئا من خلقه ينْتَقم بِهِ مني
إلهي قد اشْتَدَّ بلائي وأخمدت نَارِي وغلا حميمي وزقومي وَكثر نتني وغسليني وَأكل بَعْضِي بَعْضًا
إلهي عجل بأهلي فوعزتك لأنتقمن لَك مِمَّن عصاك وَاتبع هَوَاهُ وَجحد آياتك وَكذب رسلك وَجعل مَعَك إِلَهًا غَيْرك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت
فتنادى نِدَاء يسمعهُ أهل الْموقف جَمِيعًا ثمَّ تغتاظ على أهل الْمعاصِي فترمي بشرر كعد النُّجُوم فِي السَّمَاء وزبد الْبَحْر وَرمل الْبر ونبات الأَرْض على رُؤُوس الْخَلَائق فَيَقَع على رُؤُوس العصاة فَمن كَانَ لَهُ عمل صَالح صَار حِجَابا بَينه وَبَين شرر جَهَنَّم وَمن لم يكن لَهُ عمر صَالح صَار رَأسه غَرضا لشرر جَهَنَّم أعاذنا الله مِنْهَا وزحزحنا عَنْهَا برحمته يَا رب الْعَالمين آمين
стр. 39
٣ - مجْلِس فِي ذكر الْمِيزَان والصراط
٧٤ - قَالَ الله ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا﴾ الْأَنْبِيَاء ٤٧ الْآيَة عباد الله مَا لقلوبكم لَا تخشع وَمَا لآذانكم لَا تسمع وَمَا لدعائكم لَا يسمع وَمَا لعيونكم لَا تَدْمَع وَمَا لبطونكم من السُّحت وَالْحرَام لَا تشبع وَمَا لعملكم الْمَحْمُود لَا يرفع إخْوَانِي من شغل نَفسه بِخِدْمَة المعبود الْمَحْمُود من خَافَ من وُرُود النَّاس وَبئسَ الْورْد والمورود
٧٥ - افتخار الوحوش على بني آدم
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الوحوش تَجْتَمِع يَوْم الْقِيَامَة فتخر سَاجِدَة فَيُقَال لَهَا مَا هَذَا يَوْم السُّجُود فَتَقول إِنَّمَا سجدنا شكرا لله الَّذِي لم يجعلنا من ولد آدم وَجَعَلنَا مِمَّن يشْهد فضائح بني آدم
فَالله الله يَا إخْوَانِي اقْبَلُوا النَّصِيحَة قبل يَوْم الخجل والفضيحة
فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَجَاءَت جَهَنَّم بأهوالها يضْرب الصِّرَاط على متنها طوله خَمْسمِائَة عَام وَقد قيل طوله سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألف سنة من سِنِين الدُّنْيَا أرق من الشّعْر وَأحد من الموسى وَقيل أحد من السَّيْف وأحر من الْجَمْر وَقد قيل إِنَّه شَعْرَة من جفن مَالك خَازِن جَهَنَّم يمدها على متن جَهَنَّم عَلَيْهِ حسك وكلاليب قد تعلق بِكُل كَلوب مِنْهَا عدد نُجُوم السَّمَاء من الزَّبَانِيَة لَو أَن وَاحِدًا مِنْهُم أذن الله لَهُ أَن يتنفس فِي الدُّنْيَا لأحرقها بإنسها وجنها وَجَمِيع مَا ذَرأ فِيهَا ولأذاب جبالها وجفف بحارها
٧٦ - صفة الصِّرَاط
والصراط أسود مظلم من شدَّة سَواد جَهَنَّم فَلَا يجوز يَوْمئِذٍ إِلَّا من كَانَ لَهُ
стр. 40
نور وَلَا يكون النُّور يَوْمئِذٍ إِلَّا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَمن عمل عملا صَالحا نجاه من النَّار وَجَاز إِلَى دَار الرَّاحَة والقرار
وَمن لم يقدم فِي الدُّنْيَا عملا صَالحا حجب عَن النّظر إِلَى وَجه الْجَبَّار وَهوى فِي دَار الندامة والبوار
فِي دَار عَذَابهَا سموم وشرابها حميم وظلها لَا بَارِد وَلَا كريم وطعامها الزقوم يتردى وَالله فِي دَار عَذَابهَا أَلِيم ومسكنها جحيم وساكنها أبدا فِي الْعَذَاب مُقيم يتردى وَالله فِي نَار قعرها بعيد وعذابها شَدِيد وشرابها صديد ومقامعها حَدِيد وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد
وأنشدوا
(أما آن يَا أَخ أَن تستفيقا ... وَأَن تتناسى الْحمى والعقيقا)
(وَقد ضحك الشيب فِي عَارِضَيْك ... وَبَانَتْ مساويك فِيهِ بروقا)
(وَركب أَتَاهُم وَقد عرضوا ... على أَتبَاع المنايا طروقا)
(أدارت عَلَيْهِم كؤوس الْحمام ... صَبُوحًا (تلازمهم) أَو غبوقا)
(وَمَا زَالَ فيهم غراب الْحمام ... فَيسْمعهُمْ للمنايا نعيقا)
(ويحجل فِي عرصات الْقُصُور ... وَحَتَّى أعَاد الفسيحات ضيقا)
(أَلا فازجر النَّفس عَن غيها ... عساك تجوز الصِّرَاط الدقيقا)
(مقَام بِهِ تذهل المرضعات ... وتلقى الْحَوَامِل وَعدا صَدُوقًا)
(وتبرز للنَّاس نَار الْجَحِيم ... لَهَا عنق تترامى حريقا)
(شرابهم الْمهل فِي قعرها ... تقطع أمعاءهم والعروقا)
(إِذا طبقت فَوْقهم لم يكن ... لتسمع إِلَّا البكا والشهيقا)
(أذلك خير أم القاصرات ... تخال مباسمهن البروقا)
(قصرن على حب أَزوَاجهنَّ ... فمشتاقة تتلقى مشوقا)
(لقد فَازَ من كَانَ للمصطفى ... بدار المقامة يَوْمًا رَفِيقًا)
٧٧ - حسن الْعَمَل والصراط
فَمثل لنَفسك يَا مِسْكين وَقد جِئْت إِلَى الصِّرَاط وَقد رَأَيْت العاملين وَقد جازوا وأنوارهم تسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم وَرَأَيْت الباطلين فِي ظلمات البطالات وغمرات الجهالات
فَالله الله يَا جمَاعَة الضُّعَفَاء يَا من قطع عمره فِي الْخلاف والجفاء خُذُوا لانفسكم بِالِاحْتِيَاطِ واحذروا الْأَهْوَال الصعبة عِنْد جَوَاز الصِّرَاط
لِأَن الصِّرَاط لَا يجوزه آثم وَلَا ينجو مِنْهُ ظَالِم
والصراط حق رَقِيق لَا
стр. 41
ينجو مِنْهُ من خَالف التَّحْقِيق وَترك السّنة ومنهاج الطَّرِيق الصِّرَاط طَوِيل بعيد لَا يجوز إِلَّا من أَخذ نَفسه بالحزم الشَّديد واستقام على طَاعَة الْوَلِيّ الحميد
الصِّرَاط مهول مخوف وَلَا يجوزه إِلَّا من أغاث الملهوف وأطاع الرَّحِيم الرؤوف الصِّرَاط صَعب مهول وَلَا يجوزه إِلَّا من اتبع سنة مُحَمَّد الرَّسُول وأطاع رَبًّا لَا يحول وَلَا يَزُول الصِّرَاط كثير الزَّبَانِيَة لَا يجوزه إِلَّا من أطَاع مَوْلَاهُ فِي الفانية وراقب الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة
وَذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَنه لَا يجوز الصِّرَاط العَبْد وَالْأمة إِلَّا من بعد نشر الدَّوَاوِين وَوضع الموازين
٧٨ - الموازين يَوْم الْقِيَامَة
ذكر أَن لكل إِنْسَان ميزانا يُوزن بِهِ عمله فَمن عمل عملا سَيِّئًا خفت مَوَازِينه وَهوى فِي النَّار وَقد قيل إِن الْمِيزَان هُوَ مَنْصُوب بَين يَدي عرش الرَّحْمَن يُوزن بِهِ أَعمال الْعباد
وَكَانَ الْحسن ﵁ يَقُول لكل إِنْسَان ميزَان يُوزن بِهِ عمله من خير وَشر وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ الْأَنْبِيَاء ٤٧ الْآيَة
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية وَأما من خفت مَوَازِينه﴾ القارعة ٨ فَهُوَ ميزَان الْحَسَنَات وميزان السَّيِّئَات وَقَوله ﴿ثقلت﴾ و ﴿خفت﴾ فَقَوله ﴿ثقلت﴾ بقول لَا إِلَه إِلَّا الله بالإخلاص و ﴿خفت﴾ من الْحَسَنَات بالشرك والنفاق والرياء والسمعة
لِأَن العَبْد قد يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله على مَعْصِيّة وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر على أَخذ مَال مُسلم فَإِنَّمَا ذَلِك نفاق لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا رجح مِيزَانه وَنَجَا من النَّار وَدخل الْجنَّة) فَقيل يَا رَسُول الله وَمَا إخلاصها فَقَالَ أَن تزحزحكم عَمَّا حرم الله عَلَيْكُم
٧٩ - وزن الْأَعْمَال
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَنه يقدم عبد يَوْم الْقِيَامَة لِلْحسابِ فَيخرج لَهُ تِسْعَة
стр. 42
وَتسْعُونَ سجلا مَمْلُوءَة بالسيئات فتوضع فِي كفة الْمِيزَان فيشتد هم العَبْد وكربه فَيَقُول الْجَبَّار ﷻ لعبدي عِنْدِي ذخيرة ادخرتها لَهُ فيأمر الله ﵎ أَن يخرج لَهُ رقْعَة صَغِيرَة فِيهَا مَكْتُوب مَاتَ فلَان وَهُوَ يشْهد وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا
٨٠ - كلمة التَّوْحِيد
فَيَقُول الله تَعَالَى ضعوها فِي ميزَان عَبدِي فتوضع فِي مِيزَانه فتميل الْمِيزَان بهَا وترجح على جَمِيع سيئاته فَعِنْدَ ذَلِك يفرح العَبْد فيأمر الله ﵎ بِهِ إِلَى الْجنَّة وأنشدوا
(أَعدَدْت لله حِين أَلْقَاهُ ... أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله)
(أقولها للإله خَالِصَة ... يرحمني فِي الْقِيَامَة الله)
(لَعَلَّ يَوْم الْحساب أَنْج بهَا ... يَوْم الْعقُوبَة يَوْم زَاد بلواه)
(يَوْم يفوز على الأشهاد قَائِلهَا ... ويخسر الجاحدون نعماه)
(فَهِيَ لدار الخلود قائدة ... وَمن عصى فالجحيم مَأْوَاه)
(من قَالَهَا للإله مخلصة ... فَهُوَ الَّذِي قد أَتَاهُ تقواه)
(وَهُوَ الَّذِي فِي الْخلد مَسْكَنه ... الله قد خصّه فِيهَا وأرضاه)
(قد فَازَ عبد يكون ذاكرها ... بدار عدن جوَار مَوْلَاهُ)
(يحظى بدار الخلود قَائِلهَا ... طُوبَى لمن قَالَهَا وطوباه)
(من كَانَ عِنْد الْمَمَات قَائِلهَا ... فَازَ بدنياه وأخراه)
فَالله لله عباد الله ارغبوا إِلَى مولاكم أَن يثبتكم على الْكَلِمَة الْمُبَارَكَة الْخَفِيفَة فِي اللِّسَان الثَّقِيلَة فِي الْمِيزَان المزينة للديوان بهَا يرضى الْملك الرَّحْمَن وَبهَا يسْخط اللعين الشَّيْطَان وَبهَا ينجو العَبْد المذنب من النيرَان وَبهَا يصل العَبْد إِلَى نعيم الْخلد والآمان
٨١ - فضل الصَّدَقَة
ذكر أَن العَبْد إِذا قدم إِلَى مِيزَانه وأخرجت سجلات سيئاته أعظم من جبال
стр. 43
الدُّنْيَا فَإِذا وجدت لَهُ صَدَقَة طيبَة تصدق بهَا لم يرد بهَا إِلَّا وَجه الله تَعَالَى وَلم يطْلب بهَا جَزَاء من مَخْلُوق وَلَا رِيَاء وَلَا سمعة وَلَا محمدة وَلَا شكر فَإِن تِلْكَ الصَّدَقَة تُوضَع فِي الْمِيزَان بِأَمْر الْملك الخلاق فترجح على جَمِيع سيئاته وَلَو كَانَت سيئاته مثل وزن الْجبَال وأنشدوا
(يَا جَامع المَال يَرْجُو أَن يَدُوم لَهُ ... كل مَا اسْتَطَعْت وَقدم للموازين)
(وَلَا تكن كَالَّذي قد قَالَ إِذْ حضرت ... وَفَاته ثلث مَالِي للْمَسَاكِين)
وَاعْمَلُوا عباد الله أَن الْمِيزَان إِذا نصب للْعَبد فَهُوَ من أعظم الْأَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة لِأَن العَبْد إِذا نظر إِلَى الْمِيزَان انخلع فُؤَاده وَكَثُرت خطوبه وعظمت كروبه فَلَا تهدأ روعة العَبْد حَتَّى يرى أيثقل مِيزَانه أم يخف فَإِن ثقل مِيزَانه فقد سعد سَعَادَة لَا يشقى بعْدهَا أبدا وَإِن خف مِيزَانه فقد خسر خسرانا مُبينًا ولقى من الْعَذَاب أمرا عَظِيما
٨٢ - شَفَاعَة الرَّسُول
ذكر فِي الْأَخْبَار أَن أمة مُحَمَّد ﷺ إِذا قدمُوا إِلَى الْمِيزَان عظمت كروبهم حِين أظهرت لَهُم قبائحهم وعيوبهم ووزنت أوزارهم وذنوبهم وَضَاقَتْ حيلهم وتغيرت أَحْوَالهم فَعِنْدَ ذَلِك يَأْتِيهم النَّبِي الشَّفِيع مُحَمَّد ﷺ فَإِذا نظر إِلَى أمته قد تحيروا عِنْد الْمِيزَان دَعَا الله أَن يثقل موازينهم فيأمره الله تَعَالَى أَن ينظر إِلَى مَوَازِين أمته فَينْظر ﷺ إِلَيْهَا فترجح موازينهم من نظره وَنور وَجهه ﷺ
ذكر أَن الْمِيزَان بيد جِبْرِيل ﵇ وَله كفتان أَحدهمَا بالمشرق وَالْأُخْرَى بالمغرب وَأَن الذّرة والخردلة والحبة من أَعمال الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر لتوضع فِي الكفة فتميل بهَا بقدرة الله تَعَالَى فَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك
فَلَا يحقرن أحدكُم حَسَنَة يعملها وَإِن صغرت فِي عينه فَرُبمَا ثقلت الْمِيزَان وَلَا يحقرن أحدكُم سَيِّئَة يعملها وَإِن صغرت فَرُبمَا خففت الْمِيزَان
لِأَن الذَّنب الصَّغِير فِي عين محتقره يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ فِي الْمِيزَان أعظم من الْجبَال الرواسِي
٨٣ - مَا يثقل الْمِيزَان
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا﴾
стр. 44
الْأَنْبِيَاء ٤٧ الْآيَة
روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم) وَقيل جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله تَعَالَى فَقَالَ يَا رَسُول الله جئْتُك تعلمني علما يدخلني الْجنَّة وينجيني من النَّار
فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (أَلا أدلك على كَلِمَتَيْنِ ثقيلتين فِي الْمِيزَان خفيفتين على اللِّسَان ترضيان الرَّحْمَن وتسخطان الشَّيْطَان تَقول سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله فَإِنَّهُمَا المقربتان يقربان من الْجنَّة ويبعدان من النَّار) فَكل من زعم أَن الْمِيزَان لَيْسَ هُوَ حق فقد رد على الله فِي كِتَابه وعَلى رَسُوله ﷺ فِي سنته
٨٤ - الرَّأْس فِي الْخَيْر وَالرَّأْس فِي الشَّرّ
رُوِيَ عَن الْحسن ﵁ أَنه قَالَ يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بالميزان فتوضع بَين يَدي الله ﵎ ثمَّ يدعى الْعباد لِلْحسابِ فَإِذا كَانَ العَبْد أَو الْأمة رَأْسا فِي الْخَيْر يَدْعُو إِلَيْهِ وَيَأْمُر بِهِ دعِي باسمه ثمَّ يقرب من الْمِيزَان فتوزن حَسَنَاته وسيئاته وَلَو كَانَت حَسَنَة وَاحِدَة وَلَو كَانَت سيئاته أَكثر من حَسَنَاته وأثقل من جبال الدُّنْيَا لِأَن الله ﵎ إِذا تقبل من العَبْد أَو الْأمة حَسَنَة وَاحِدَة غفر لَهُ جَمِيع ذنُوبه وَإِن كثرت ذنُوبه
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لعَائِشَة يَا عَائِشَة لَو قبل الله تَعَالَى من العَبْد سَجْدَة وَاحِدَة لأدخله بهَا الْجنَّة فَقَالَت يَا رَسُول الله فَمَاذَا يصنع بأعمال الْعباد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يأكلها الرِّيَاء والسمعة كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب وَإِذا كَانَ العَبْد أَو الْأمة رَأْسا فِي الشَّرّ يَأْمر بِهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ دعِي باسمه فَقدم إِلَى الْمِيزَان فتوضع حَسَنَاته وسيئاته فترجح سيئاته على حَسَنَاته وَلَو كَانَت سيئاته وَاحِدَة وَلَو كَانَت حَسَنَاته أَكثر وأثقل من جبال الدُّنْيَا لِأَن الله تَعَالَى أحبطها وَلم يتَقَبَّل مِنْهَا حَسَنَة وَاحِدَة وَيَأْمُر بهم ذَات الشمَال إِلَى النَّار
فَقَالَ أَصْحَابه ﵃ يَا رَسُول الله أما كَانُوا مُسلمين فَقَالَ ﷺ كَانُوا يصلونَ كَمَا تصلونَ وَيَصُومُونَ كَمَا تصومون ويزكون كَمَا تزكون ويقومون من اللَّيْل بُرْهَة وَلَكِن كَانُوا إِذا عرض لَهُم دِرْهَم حرَام وَثبُوا
стр. 45
عَلَيْهِ كالذئاب فأحبط الله أَعْمَالهم بذلك وَلم يتَقَبَّل مِنْهُم حَسَنَة وَاحِدَة وَإِذا لم يتَقَبَّل الله من الْعباد حَسَنَة وَاحِدَة فأحرى أَن لَا يُؤثر فِي الْمِيزَان لِأَن الْحَسَنَات لَا تَنْفَع وَلَا تثقل الْمِيزَان إِذا لم يتقبلها الله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يقبل إِلَّا مَا كَانَ لوجهه خَالِصا
فَالله الله عباد الله إِذا عملتم عملا فأخلصوا لله فَإِن الله لَا ينفعكم وَلَا يتَقَبَّل مِنْكُم إِلَّا مَا كَانَ لوجهه خَالِصا
وأنشدوا
(من كَانَ يعلم أَن الله باعثه ... يَوْم الْحساب لَدَى نشر الدَّوَاوِين)
(فَلَا يزدْ بفعال الْبر أجمعها ... إِلَّا الْحساب وتثقيل الموازين)
فقدموا عباد الله للميزان بِلُزُوم طَاعَة الرَّحْمَن
قدمُوا للموازين بطاعتكم لسلطان السلاطين
إخْوَانِي وَأعظم مُصِيبَة وحسرة من خفت مَوَازِينه من الْحَسَنَات وَأمر بِهِ إِلَى الْعَذَاب والعقوبات
وَالْوَيْل ثمَّ الويل لمن خفت مَوَازِينه من صَالح الْأَعْمَال وَغَضب عَلَيْهِ ذُو الْجُود والإفضال وَأمر بِهِ إِلَى الْعَذَاب والنكال وَإِلَى السلَاسِل والأغلال
٨٥ - وزن أَعمال الْعباد
يَا إخْوَانِي فَإِذا وزنت أَعمال الْعباد وخف من خف وَثقل من ثقل أمروا أَن يمضوا إِلَى الصِّرَاط فَيَجِيء كل إِنْسَان إِلَى الصِّرَاط فيقحم الصِّرَاط فَمن النَّاس من يضع عَلَيْهِ قدمه فيزل من أول قدم يَضَعهُ فَيهْوِي فِي النَّار وَمن النَّاس من يمشي الْقَلِيل مِنْهُ ويزل فِي النَّار وَمِنْهُم من يجوزه كالبرق الخاطف وَمِنْهُم من يجوزه كَالرِّيحِ الهبوب وَمِنْهُم من يجوزه كالطير السَّرِيع فِي طيرانه وَمِنْهُم من يُهَرْوِل وَمِنْهُم من يكون كالضعيف إِذا مَشى وَمِنْهُم من يكون كالمبطون الَّذِي يمشي على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَمن النَّاس من يَأْتِي إِلَى الصِّرَاط فَتخرج النَّار فتأخذه فَتَهْوِي بِهِ كل هَذَا على قدر أَعمال الْعباد وأنوارهم ورتبتهم على قدر الْقبُول من الله ﵎ بهَا وعَلى قدر تثقيل الموازين وتخفيفها
فَإِذا أَتَى العَبْد من أمة مُحَمَّد ﷺ إِلَى الصِّرَاط فَمن كَانَ من أهل الذُّنُوب وَلم يكن لَهُ عمل يجوز بِهِ على الصِّرَاط بَقِي متحيرا لَا يقدر على الْجَوَاز
فَبَيْنَمَا هم فِي شدَّة الْفَزع من هول الصِّرَاط إِذْ أقبل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 46
٨٦ - نور الرَّسُول على الصِّرَاط
فَإِذا نظر صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ إِلَيْهِم كساهم نور وَجهه ﷺ مَا يجوزهم الصِّرَاط فَيَأْخُذ كل وَاحِد من نور وَجه الْمُصْطَفى ﷺ على قدر صلَاته عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فيستبق الْعباد فِي الْجَوَاز على قدر مَا أخذُوا من النُّور الَّذِي أَخَذُوهُ من نور وَجه الْمُصْطَفى وَكلما أَخذ الْخلق من نور وَجهه ﷺ زَاد الله ﵎ فِي النُّور فِي وَجه الحبيب مُحَمَّد ﷺ فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة على نَبِيكُم ﷺ فَإِن صَلَاتكُمْ عَلَيْهِ مبلغة إِلَيْهِ
٨٧ - فضل الصَّلَاة على النَّبِي
قَالَ النَّبِي ﷺ (أنجاكم من أهوال يَوْم الْقِيَامَة ومواطنها أَكْثَرَكُم عَليّ صَلَاة وأولاكم بشفاعتي أَكْثَرَكُم عَليّ صَلَاة) فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة عَلَيْهِ يَا معشر المذنبين فَهُوَ شفيعكم يَوْم الْجَزَاء وَالدّين ﷺ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَجَعَلنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ من الْآمنينَ من عِقَابه والفائزين برحمته من عَذَابه إِنَّه منعم كريم
وأنشدوا
(أَلا أكْرم بِأَحْمَد ذِي الْمَعَالِي ... شَفِيع النَّاس فِي يَوْم السُّؤَال)
(إِذا مد الصِّرَاط على جحيم ... تصول على الْعباد باستطال)
(إِذا كَانَ النَّبِي لنا شَفِيعًا ... سننجوا من سلاسلها الطوَال)
(وَلَو كَانَت خطايانا جِسَامًا ... تشبه بالثقال من الْجبَال)
(لجزنا فِي الصِّرَاط بِغَيْر حزن ... إِلَى دَار الخلود مَعَ الْجلَال)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (يمر النَّاس على الصِّرَاط فالزالون والزالات كثير وَأكْثر مَا تزل النِّسَاء ذكر أَن الصِّرَاط عَلَيْهِ زَبَانِيَة ينظرُونَ إِلَى وُجُوه الْعباد فَمن رَأَوْا فِي وَجهه نورا تَرَكُوهُ أَن يتَحَوَّل وَيجوز وَمن لم يرَوا فِي وَجهه نورا كبكبوه فِي النَّار وَلَا يكون النُّور يَوْمئِذٍ إِلَّا من الْعَمَل الصَّالح
٨٨ - جسور جَهَنَّم
روى بعض الْعلمَاء عَن التَّابِعين وَعَن بعض الصَّحَابَة أَنهم قَالُوا إِن جَهَنَّم أعاذنا الله مِنْهَا عَلَيْهَا سَبْعَة جسور وَهِي القناطر ثَلَاثَة دون الرب الرَّابِعَة الْوُسْطَى عَلَيْهَا الرب ﷻ لأحد وَلَا كَيفَ تَسْلِيمًا وإيمانا وَتَصْدِيقًا
стр. 47
٨٩ - القنطرة الأولى
والصراط أحد من السَّيْف فَيَقُول الله ﵎ حِين يبلغون القنطرة الأولى وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون مَا لكم لَا تناصرون فيحبسون فيحاسبون على الصَّلَاة فَمن وجدت صلَاته تَامَّة نجا من تِلْكَ القنطرة وَمن لم تُوجد لَهُ صَلَاة تَامَّة هوى فِي النَّار فينجو من نجا وَيهْلك من هلك
٩٠ - القنطرة الثَّانِيَة
ثمَّ يحبسون على القنطرة الثَّانِيَة فيحاسبون على الْأَمَانَة وَهِي أَمَانَة الْخَالِق وَأَمَانَة الْخلق وَإِذا أَرَادَ بِعَبْدِهِ خيرا جعل الْغنى فِي قلبه وَجعله أَمينا لله وأعانه على أَدَاء الْأَمَانَات الَّتِي افْترض عَلَيْهِ ﷻ من الْوضُوء والاغتسال وَالصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَإِعْطَاء كل ذِي حق حَقه وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْحِفْظ لحدود الله فَذَلِك العَبْد الَّذِي ألهمه الله تَعَالَى رشده وبصره عُيُوب نَفسه وَجعل غناهُ فِي قلبه
تأدية الْأَمَانَة وتضييعها وَإِذا أَرَادَ بِعَبْدِهِ شرا جعل فقره بَين عَيْنَيْهِ وَفِي قلبه وكسله عَن إداء الْأَمَانَات من المفترض الَّذِي افْترض عَلَيْهِ وعَلى جَمِيع عباده وغيب عَنهُ رشده وسلط عَلَيْهِ الشَّيْطَان فزين لَهُ سوء عمله وحبب إِلَيْهِ عيوبه
فَإِذا كَانَ العَبْد كَذَلِك فَلَا يُبَالِي عَمَّا قَالَ وَلَا عَمَّا قيل فِيهِ وَلَا يكون همه إِلَّا فِي دُنْيَاهُ وإصلاحها وَلَا يُبَالِي بتلاف دينه فَذَلِك العَبْد الَّذِي قد سخط عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وأبعده عَن أَبْوَاب الْخَيْر كلهَا وقربه من أَبْوَاب الشَّرّ كلهَا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ الْأَنْفَال ٢٧ ٩١
تَضْييع الْأَمَانَة
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَنه يُؤْتى بمضيع الْأَمَانَة فَيُقَال لَهُ أد مَا ضيعت فَيَقُول يَا رب ذهبت عني الدُّنْيَا فَمن أَيْن أؤديها فيخلق لَهُ مثلهَا فِي قَعْر جَهَنَّم أعاذنا الله مِنْهَا فَيُقَال إنزل إِلَيْهَا وأخرجها إِلَى صَاحبهَا فَينزل العَبْد الْمِسْكِين إِلَيْهَا فيرفعها على كتفه فَهِيَ أثقل من جبال الدُّنْيَا كلهَا فَإِذا صَار الشقي الْمِسْكِين إِلَى أعلا جَهَنَّم وَقعت من كتفه إِلَى قَعْر جَهَنَّم فَيُقَال لَهُ انْزِلْ إِلَيْهَا فَينزل مرّة أُخْرَى ويرفعها فَإِذا صَار إِلَى أعلا جَهَنَّم وَقعت مِنْهُ فَلَا يزَال هَذَا عَذَابه إِلَى مَا شَاءَ الله تَعَالَى من ذَلِك
هَذَا كُله عِنْد جَوَاز الصِّرَاط وَالله أعلم
وَهَذَا العَبْد وَالله أعلم الَّذِي ضيع أمانات النَّاس
وأنشدوا
стр. 48
(خرجت من الدُّنْيَا وَقد خُنْت أَهلهَا ... وصرت إِلَى النيرَان بالوزر وَالْإِثْم)
(وطالبني الْجَبَّار بِالصّدقِ والوفا ... وَبَان لأهل الْجمع مَا كَانَ من جُرْمِي)
(وَقيل لكل الْخلق هَذَا مضيع ... أَمَانَة رب الْعَرْش وَالذكر وَالْحكم)
٩٢ - القنطرة الثَّالِثَة
ثمَّ يحاسبون على القنطرة الثَّالِثَة وَهِي أدنى من الرب ﷻ بِلَا تكييف وَلَا تَحْدِيد فيحاسبون على صلَة الرَّحِم كَيفَ وصلوها
٩٣ - صلَة الرَّحِم
وَلم قطعوها وَالرحم يَوْمئِذٍ تنادي اللَّهُمَّ من وصلني فَصله وَمن قطعني فاقطعه
فينجو من نجا وَيهْلك من هلك
٩٤ - القنطرة الرَّابِعَة
ثمَّ يَمرونَ على القنطرة الرَّابِعَة فيحاسبون على بر الْوَالِدين فينجو من نجا وَيهْلك من هلك وَهُوَ السُّؤَال الْعَظِيم لِأَن الله تَعَالَى قد قرن شكره ب شكر الْوَالِدين فَقَالَ جلّ اسْمه وَعز وَجهه ﴿أَن اشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير﴾ لُقْمَان ١٤ فَالله تَعَالَى يَقُول فِي بعض كتبه الْمنزلَة
٩٥ - شكر الْوَالِدين
أَرض والديك فَإِن رضائي فِي رضَا الْوَالِدين وسخطي فِي سخط الْوَالِدين فَلَو أَن عبدا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بِعَمَل ألف صديق وَكَانَ عاقا لوَالِديهِ مَا نظر الله ﵎ فِي شَيْء من عمله وَكَانَ مصيره إِلَى النَّار وَمَا من عبد مُسلم أَو أمة مسلمة ضحك فِي وَجه وَالِديهِ أَو أَحدهمَا إِلَّا غفر الله لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ من الذُّنُوب والخطايا وَكَانَ مصيره إِلَى الْجنَّة
وأنشدوا
(الْوَالِدَان إِلَى شكر الْإِلَه وُصُول ... والوالدان إِلَى دَار السَّلَام سَبِيل)
(صل والديك وَلَا تقطع حبالهما ... ليجزينك فِي دَار الْبَقَاء جليل)
٩٦ - القنطرة الْخَامِسَة
ثمَّ يحبسون على القنطرة الْخَامِسَة فيحاسبون على حفظ اللِّسَان من الْغَيْبَة والنميمة وَشَهَادَة الزُّور فينجو من حفظ لِسَانه وَيهْلك من سرح لِسَانه بِمَا لَا يعنيه
стр. 49
لِأَنَّهُ لَيْسَ من جوارح العَبْد أَشد ذَنبا من اللِّسَان لِأَن كلمة يتَكَلَّم بهَا العَبْد أَو الْأمة تكون سَببا لدُخُول النَّار
٩٧ - ترك الْغَيْبَة والنميمة
وَقد كَانَ بعض الْخَائِفِينَ إِذا أصبح أَخذ لوحا ودواة وجعلهما بجواره فَإِذا تكلم كلمة كتبهَا فِي اللَّوْح وَيَقُول لنَفسِهِ هَكَذَا أثبتها عَلَيْك الْملك بِأَمْر الْملك فَإِذا غربت الشَّمْس وَصلى صَلَاة الْمغرب وضع اللَّوْح بَين يَدَيْهِ وَجعل يقْرَأ ويبكي وَيَقُول فِي بكائه ونحيبه وَتَقْرِيره لنَفسِهِ يَا نفس كَأَنِّي بك وَقد سُئِلت عَن هَذَا عِنْد جَوَاز الصِّرَاط يَا نفس تراك بِأَيّ كلمة من هَذِه تدخليني النَّار فَلَا يزَال يبكي حَتَّى لَا يجد بكاء وتفرغ دُمُوعه فيغشى عَلَيْهِ فَإِذا أَفَاق مِمَّا هُوَ فِيهِ أخرج اللَّوْح وَكتب مَا فِيهِ بقرطاس وَهُوَ يَقُول متضرعا يَا الله عفوا ورفقا ولطفا بعبدك
فَلم يزل هَذَا دأبه حَتَّى مَاتَ فَرَآهُ بعض الصَّالِحين فِي الْمَنَام فِي حَالَة حَسَنَة فَسَأَلَهُ عَمَّا لَقِي من الله تَعَالَى فَقَالَ مَا يلقى من الْكَرِيم إِلَّا الْكَرم جعل محاسبتي لنَفْسي فِي الدُّنْيَا بَدَلا عَن الْحساب فِي الْآخِرَة وَجعل دموعي الَّتِي بَكَيْت فِي الدُّنْيَا أَنهَارًا ترويني يَوْم الْعَطش الْأَكْبَر وتفضل الْكَرِيم عَليّ بِدُخُول الْجنَّة وبجواز الصِّرَاط وَمن عَليّ بالفضيلة الْعَظِيمَة والزيارة الْكُبْرَى إِلَى وَجهه الْكَرِيم
٩٨ - كلمة الشَّرّ وعذابها
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ فَينزل بهَا فِي النَّار بعد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب فَإِذا أَرَادَ الله ﵎ بِعَبْدِهِ خيرا أَعَانَهُ على حفظ لِسَانه وشغله بعيوب نَفسه عَن عُيُوب غَيره
قيل مر رجل على رجل فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الرجل الَّذِي سلم عَلَيْهِ يَا أخي لَو كشفت لَك عَن حَالي مَا سلمت عَليّ فَقَالَ لَهُ الرجل الَّذِي سلم عَلَيْهِ يَا أخي لَو كشفت لي عيوبك لَكَانَ فِي عيوبي مَا يشغلني عَن جَمِيع عيوبك
فَجَلَسَ كل مِنْهُمَا يبكي فِي نَاحيَة حَتَّى بل كل وَاحِد مِنْهُمَا الأَرْض بدموعه ثمَّ تفَرقا
стр. 50
٩٩ - شَهَادَة الزُّور
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (من شهد شَهَادَة زور على ذمِّي أَو مُسلم أَو من كَانَ من النَّاس علق بِلِسَانِهِ فِي الدَّرك الْأَسْفَل من جَهَنَّم
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن شَهَادَة الزُّور من أعظم الْكَبَائِر عِنْد الله تَعَالَى وَشَاهد الزُّور يعلق بِلِسَانِهِ بِكُل كلمة فِي شَهَادَة الزُّور وَبِكُل حرف كتب فِيهَا شَهَادَته ألف عَام على الصِّرَاط عِنْد القنطرة الْخَامِسَة
وَلَو أَن شَاهد الزُّور جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بِعَمَل سبعين نَبيا مَا نظر الله إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ صَاحب الْغَيْبَة والنميمة لَا يجوز من هَذَا الصِّنْف الصِّرَاط إِلَّا أَن يعْفُو الله أَو تُدْرِكهُ الشَّفَاعَة
وأنشدوا
(إِذا ازْدحم الْعباد لكَي يجوزوا ... تساقط كل جَبَّار أثيم)
(بقعر النَّار لَيْسَ لَهُم مغيث ... وَلَا للعاصي يَوْمًا من حميم)
(وَمن يطع الْإِلَه فَسَوف ينجو ... من التعذيب فِي قَعْر الْجَحِيم)
(إِذا نصب الصِّرَاط على جحيم ... فيالله من هول عَظِيم)
(أَلا يَا معشر الْإِسْلَام تُوبُوا ... من الْعِصْيَان للرب الرَّحِيم)
إخْوَانِي أطِيعُوا الله فِي السِّرّ والإعلان وَاعْمَلُوا بِالسنةِ وَالْقُرْآن واتركوا الأوزار والعصيان واحذروا من هول الصِّرَاط الْمَنْصُوب على سموم النيرَان
١٠٠ - القنطرة السَّادِسَة
ثمَّ يحبسون على القنطرة السَّادِسَة فيحاسبون على حفظ الْجَار فينجو من حفظ جَاره وَأكْرم ضَيفه وَيهْلك من خَان جَاره وَلم يكرم ضَيفه
١٠١ - إكرام الضَّيْف
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه)
стр. 51
وكرامته أَن يُكرمهُ لوجه الله وَتَكون ضيافته من حَلَال وَأما من أنْفق على ضَيفه من حرَام فَإِنَّهُ لَا ثَوَاب لَهُ
فَمَا أنْفق على الضَّيْف فِي الْخمر أَو مِمَّا لَا يرضى الله تَعَالَى بِهِ فَإِن ذَلِك الضَّيْف يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يتَعَلَّق هَذَا بِهَذَا ويلعن هَذَا بِهَذَا ثمَّ يأتيان إِلَى الصِّرَاط وكل وَاحِد مِنْهُمَا يلوم صَاحبه وَيَقُول لَهُ لعنك الله الَّذِي ساعدتني على الْإِنْفَاق فِي غير الله ثمَّ يُقَال لَهما جوزوا الصِّرَاط فَفِي أول قدم يضعان على الصِّرَاط يهويان فِي النَّار
١٠٢ - الْبركَة مَعَ الضَّيْف
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الضَّيْف إِذا دخل بَيت الْمُؤمن دخلت مَعَه ألف بركَة وَألف رَحْمَة وَيكْتب الله تَعَالَى لصَاحب الْمنزل بِكُل لقْمَة يأكلها الضَّيْف حجَّة وَعمرَة)
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ دِرْهَم يُنْفِقهُ الرجل على ضَيفه أفضل من ألف دِينَار ينفقها فِي سَبِيل الله وَمن أكْرم الضَّيْف لوجه الله أكْرمه الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة بِأَلف كَرَامَة وخلصه من النَّار وَأدْخلهُ الْجنَّة
وَقد جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول لَهَا يَا عَائِشَة لَا تتكلفي للضيف فتمليه وَإِنَّمَا أَرَادَ ﷺ مداومتها على إكرام الضَّيْف
وَفِي حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا عَليّ إِذا جَاءَك الضَّيْف فَاعْلَم أَن الله تَعَالَى قد من عَلَيْك إِذْ بَعثه إِلَيْك ليغفر لَك ذَنْبك بذلك
١٠٣ - ينزل الضَّيْف برزقه
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَيهَا النَّاس لَا تكْرهُوا الضَّيْف فَإِنَّهُ إِذا نزل نزل برزقه وَإِذا رَحل رَحل بذنوب أهل الْمنزل)
стр. 52
وَفِي حَدِيث معَاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَا من منزل ينزل فِيهِ ضيف إِلَّا بعث الله ﵎ إِلَى ذَلِك الْمنزل قبل نزُول الضَّيْف بِهِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا ملكا على صُورَة طَائِر يُنَادي يَا أهل الْمنزل فلَان بن فلَان ضيفكم فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا وَالْخلف من الله من بَاب كَذَا وَكَذَا فَتَقول الْمَلَائِكَة الَّذين وكلوا بِأَهْل الدَّار وَبعد الْخلف مَا يكون فَيخرج لَهُم ذَلِك الْملك كتابا فِيهِ مَكْتُوب قد غفر الله لأهل الْمنزل وَلَو كَانُوا فِي ألف
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ مَا من عبد من عباد الله الْمُؤمنِينَ أكْرم ضيفا لوجه الله الْكَرِيم إِلَّا نظر الله إِلَيْهِم إِن كَانُوا جمَاعَة فَإِن كَانَ الضَّيْف من أهل الْجنَّة وَكَانَ رب الْمنزل من أهل النَّار جعله الله تَعَالَى من أهل الْجنَّة بإكرامه ضَيفه
وَفِي حَدِيث آخر أَن الضَّيْف وَرب الْمنزل وأرباب الْمنزل إِن كَانُوا جمَاعَة يأْتونَ الصِّرَاط فَيَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُم بيد صَاحبه فَيجوز الصِّرَاط أسْرع من الْبَرْق اللامع فَإِن لم يكن فيهم من لَهُ عمل يجوز الصِّرَاط أَمر الله الْملك الْمُوكل بِنَفَقَة الضَّيْف أَن يَأْخُذ بيدهم وَيجوز الصِّرَاط وَلَو كَانُوا مئة ألف
١٠٤ - إطْعَام الطَّعَام
وإطعام الطَّعَام يَنْقَسِم على ثَلَاثَة أوجه مخلوف ومسلوف ومتلوف فالمخلوف الَّذِي يطعم لوجه الله لَا يُرِيد بِهِ غير الله تَعَالَى وَلَا يطْلب بِهِ جَزَاء من مخلوف والمسلوف الَّذِي تضيفه مرّة ويضيفك أُخْرَى
والمتلوف كل مَا كَانَ إطعامه على الْمعاصِي
والمخلوف والمسلوف فيهمَا الْأجر إِلَّا أَن المخلوف أعظم أجرا والمتلوف هُوَ حسرة وندامة يَوْم الْقِيَامَة
وأنشدوا
(يَا مكرم الضَّيْف للرحمن خالقنا ... عِنْد الصِّرَاط ستلقى الْخَيْر موفورا)
(أكْرم ضيوفك كي ترجو الْجَوَاز غَدا ... على الصِّرَاط وترجو الْخلد مجبورا)
١٠٥ - حفظ الْجَار
وَأما حفظ الْجَار فَإِن العَبْد أَو الْأمة يسْأَل عَن حفظه فَمن حفظ جَاره جَازَ
стр. 53
الصِّرَاط وَنَجَا من الْعَذَاب الْأَلِيم وَصَارَ إِلَى جنَّة الْخلد وَدَار النَّعيم
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من بَات شبعان وجاره جوعان أَو بَات رَيَّان وجاره عطشان) وَمن كَرَامَة حفظ الْجَار أَن توقظه من الغفلات تلهمه إِلَى الطَّاعَات وتأمره بِإِقَامَة الصَّلَوَات
١٠٦ - تعلق الْجَار بالجار
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الْجَار يتَعَلَّق بجاره يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول يَا رب جاري هَذَا خانني فِي الدُّنْيَا
فَيَقُول الله ﵎ لم خُنْت جَارك فَيَقُول وَعزَّتك وجلالك مَا خنته لَا فِي مَال وَلَا فِي أهل وَأَنت أعلم بذلك
فَيَقُول لَهُ جَاره مَا فعلت ذَلِك وَلَكِن رَأَيْتنِي على الْمعاصِي فَلم تزجرني عَنْهَا فَيُؤْمَر بِهِ وبصاحبه إِلَى النَّار وَلَا يغْفر الله لَهما
وَمَا من عبد مُسلم أَو أمة مسلمة حفظ جَاره وَأمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَن الْمُنكر إِلَّا جوزه الله ﵎ على الصِّرَاط قبل الْعباد بِخَمْسِمِائَة عَام
١٠٧ - الْوَصِيَّة بِحِفْظ الْجَار
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لقد أَوْصَانِي رَبِّي لَيْلَة أسرِي بِي بِحِفْظ الْجَار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) وَبَعض الْعلمَاء يرى شَفَاعَة الْجَار
فَكل من حفظ الْجِيرَان فقد أطَاع الرَّحْمَن وأسخط الشَّيْطَان وَعمل بِالسنةِ وَالْقُرْآن
رُوِيَ أَن الرجل الصَّالح وَالْمَرْأَة الصَّالِحَة يشفعان يَوْم الْقِيَامَة فِي سبعين من جيرانهما ويجوزانهم على الصِّرَاط
عباد الله من حفظ الْجَار نجا من النَّار وَجَاز الصِّرَاط إِلَى دَار الْقَرار وَمن حفظ الْجَار فقد عمل بِالسنةِ وَالْكتاب وأطاع الْملك الْوَهَّاب وأسخط الشَّيْطَان اللعين الْكذَّاب وَمَا من جَار يلقى جَاره الْمُسلم فَيسلم عَلَيْهِ إِلَّا غفر الله لجاره وَلَو كَانَ لَهُ ألف جَار
حفظ الْجَار قربَة ووسيلة ودرجة عِنْد الله وفضيلة
وأنشدوا
стр. 54
(يَا حَافظ الْجَار ترجو أَن تنَال بِهِ ... عَفْو الْإِلَه وعفو الله مذخور)
(الْجَار يشفع للجيران كلهم ... يَوْم الْحساب وذنب الْجَار مغْفُور)
١٠٨ - القنطرة السَّابِعَة
ثمَّ يحبسون على القنطرة السَّابِعَة فَيسْأَلُونَ عَن الصدْق فَمن حفظ لِسَانه عَن الْكَذِب نجا من الصِّرَاط وَنَجَا من النَّار وَصَارَ إِلَى الْجنَّة مَعَ الْأَبْرَار
١٠٩ - الصدْق وَالْكذب
وَمن كذب فقد خَالف الْكتاب وَالسّنة وَقد حرم نعيم الْجنَّة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِذا كذب الْمُؤمن كذبة من غير عذر تبَاعد مِنْهُ الْملكَانِ مسيرَة سنة من نَتن مَا جَاءَ بِهِ وَكتب الله ﵎ عَلَيْهِ بكذبة ثَمَانِينَ خَطِيئَة أقلهَا كمن يَزْنِي بِأُمِّهِ) ١١٠
كذبة الْمُؤمن بِثَمَانِينَ خَطِيئَة
وَإِذا كذب الْمُؤمن من غير عذر يخرج من فِيهِ شَيْء منتن حَتَّى يبلغ الْعَرْش فتلعنه حَملَة الْعَرْش ويلعنه ثَمَانُون ألف ملك وَيكْتب عَلَيْهِ ثَمَانُون خَطِيئَة أقلهَا مثل جبل أحد
الْكَذِب نفاق وَالْكذب من الْكَبَائِر وَإِذا اسْتحلَّ العَبْد الْكَذِب فقد اسْتحلَّ الْمَحَارِم كلهَا وَإِذا لم يسْتَحل العَبْد الْكَذِب لم يقدر أَن يُبَاشر شَيْئا من محارم الله وَأَن الصَّادِق إِذا جَاءَ الصِّرَاط سبقه نور وَجهه مسيرَة مئة عَام يَعْنِي على الصِّرَاط وَمن صدق عمل بِكِتَاب الله وَاتبع سنة رَسُول الله والصادق أسْرع جَوَازًا على الصِّرَاط وأسرع النَّاس دُخُولا الْجنَّة
والكاذب فِي أول قدم يَضَعهَا على الصِّرَاط يهوي فِي النَّار فَلَا ينجو من الجسر السَّابِع وَهُوَ أصعبها إِلَّا من صدق وَيهْلك من كذب جعلنَا الله وَإِيَّاكُم برحمته مِمَّن صدق فنجا
وأنشدوا
(أصدق يُرِيك إِلَه الْعَرْش جنته ... يَوْم الْمعَاد وَلَا تولع بتكذيب)
(إِن الصدوق لَدَى الرَّحْمَن منزله ... دَار الخلود بِلَا موت وتعذيب)
стр. 55
(يَوْم الْجَزَاء على متن الصِّرَاط إِلَى ... دَار النَّعيم بِلَا حزن وتكئيب)
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الصَّادِق يجوز على الصِّرَاط وَهُوَ لَا يشْعر بِهِ وَلَا يهوله فَالله الله عباد الله كونُوا من الصَّادِقين وَلَا تَكُونُوا من الْكَاذِبين وتأسوا بِخَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
١١١ - نجاة الصَّادِقين
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّاس الَّذين ينجون من الصِّرَاط وهوله يحبسون بقنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار يتقاصون مظالم كَانَت بَينهم فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذا نقوا وهذبوا أذن لَهُم بِدُخُول الْجنَّة
قَالَ رَسُول الله ﷺ (فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن أحدهم مَسْكَنه فِي الْجنَّة أدل مِنْهُ لمسكنه الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا) يَا لَهَا من كَرَامَة وَيَا لَهَا من نعْمَة وَيَا لَهَا من منَّة وَيَا لَهَا من فرحة
فقدموا عباد الله فِي الْيَسِير من الْأَوْقَات والقليل من السَّاعَات مَا يجوزكم الصِّرَاط ويقيكم الْآفَات
الصِّرَاط على متن جَهَنَّم مَمْدُود لَا يجوزه إِلَّا من خَافَ من أهوال الْيَوْم الْمَوْعُود وأطاع الْملك المعبود الغفور الْوَدُود
١١٢ - الصَّلَاة تجوز على الصِّرَاط
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن من صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وَقَامَ فِي لَيْلَة من لياليها يُصَلِّي عشر رَكْعَات يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَقل هُوَ الله أحد ثَلَاث مَرَّات فَإِذا فرغ من صلَاته صلى على مُحَمَّد ﷺ عشر مَرَّات ثمَّ يَقُول سُبْحَانَ من كَانَ وَلَا مَكَان سُبْحَانَ الْمَوْجُود بِكُل حِين وَأَوَان سُبْحَانَ المعبود فِي كل أَوَان سُبْحَانَ المسبح بِكُل لِسَان سُبْحَانَ المنجي من الهلكات سُبْحَانَ خَالق الْأَرْضين وَالسَّمَوَات جوزه الله ﵎ على الصِّرَاط أسْرع من الْبَرْق الخاطف وَلَا يُؤْذِيه حر النَّار ويمضي إِلَى الْجنَّة مَعَ أول زمرة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ويشفعه الله تَعَالَى فِي سبعين من أَهله وجيرانه
وَهِي أفضل مَا يصام من الشَّهْر وَهِي يَوْم ثَلَاثَة عشر وَأَرْبَعَة عشر وَخَمْسَة عشر
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (يمر النَّاس على الصِّرَاط فالزالون والزالات كثير وَأكْثر مَا يزل النِّسَاء وَجِبْرِيل ﵇ آخذ بحجزتي إِذا عصفت الرّيح بأمتي فصاحوا يَا محمداه فلولا أَن جِبْرِيل ﵇ آخذ بحجزتي لأغثت أمتِي
стр. 56
فيبادرون جَوَازًا فَلَا يجوزه ظَالِم فيبقون متحيرين ثمَّ يتداركهم الله برحمته وبفضل دعائي لَهُم فَيَقُول جوزوا على الصِّرَاط بعفوي فيجوزوا اللَّهُمَّ اغْفِر لنا جَمِيعًا بِرَحْمَتك
وأنشدوا
(لَو علم الْخلق مَا يُرَاد بهم ... وَأَيّمَا مورد غَدا يردوا)
(مَا استعذبوا لَذَّة الْحَيَاة وَلَا ... طَابَ لَهُم عَيْش إِذا رقدوا)
(خوفًا من الْعرض والصراط على ... نَار تلظى وحرها يقد)
(وَالنَّاس فِي هول موقف عسر ... قد عاينوا هوله الَّذِي وعدوا)
(يَا لَك من موقف يفوز بِهِ ... قوم هم للجنان قد وفدوا)
(مَعَ النَّبِي قد اصطفاه خالقنا ... صلى عَلَيْهِ الْمُهَيْمِن الصَّمد)
عباد الله اشْتَروا أَنفسكُم من مولالكم باليسير من الْأَعْمَال وبالقليل من الْأَفْعَال وبالطيب من الْأَقْوَال من قبل حبسكم على الصِّرَاط لشدَّة الْأَهْوَال يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال بَين يَدي الْكَبِير المتعال
١١٣ - كَيْفيَّة الْجَوَاز على الصِّرَاط
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّاس ينقسمون فِي جَوَاز الصِّرَاط سَبْعَة أَقسَام فَيجوز أول قسم من الرِّجَال وَالنِّسَاء كطرفة عين وَالْقسم الثَّانِي كالبرق الخاطف وَالْقسم الثَّالِث كَالرِّيحِ العاصف وَالْقسم الرَّابِع كالطير الْمجد وَالْقسم الْخَامِس كالخيل فِي جريها وَالْقسم السَّادِس كالماشي وَالْقسم السَّابِع كالمهرول
١١٤ - أَقسَام الناجين على الصِّرَاط
فَأَما الْقسم الأول فهم أَصْحَاب الصَّدقَات وقوام اللَّيْل وَالْعُلَمَاء يقدمونهم
وَالْقسم الثَّانِي هم الَّذين استقاموا على أَدَاء الْفَرَائِض وَلم يفرطوا فِيهَا وأدوها فِي أَوْقَاتهَا
وَالْقسم الثَّالِث هم الَّذين أَدّوا الزَّكَاة ولزموا صُحْبَة الْعلمَاء وأحبوهم
وَالْقسم الرَّابِع هم الَّذين وصلوا أرحامهم وطلبوا بصلتها رِضَاء مَوْلَاهُم
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه أوصى عِنْد مَوته بصلَة الرَّحِم وَمَا من عبد وصل رَحمَه بِنَفسِهِ أَو مَاله إِلَّا جعله الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة على الصِّرَاط كَالَّذي يمشي فِي
стр. 57
رياض الْجنَّة وَلَا يرى من أهوال الصِّرَاط شَيْئا وَيدخل الْجنَّة مَعَ أول زمرة تجوز الصِّرَاط وأنوارهم تسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم
وَالْقسم الْخَامِس هم الَّذين غضوا أَبْصَارهم عَن محارم الله وصانوا فروجهم عَن الْفَوَاحِش وحفظوا أَزوَاجهم عَمَّا لَا يحل لَهُنَّ وحجبوهن ولاطفوهن ورفقوا بِهن كَمَا قَالَ ﷺ
١١٥ - حَدِيث فِي الْعِنَايَة بِالنسَاء
النِّسَاء ودائع الْأَحْرَار وَلَا يعزهن إِلَّا عَزِيز وَلَا يذلهن إِلَّا ذليل والذليل عِنْد الله فِي النَّار وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة إِذا عزت زَوجهَا وأطاعته فِيمَا يُرْضِي الله تَعَالَى
وَالْقسم السَّادِس هم الَّذين تجنبوا الرِّبَا وَالْحرَام وتجنبوا الْخِيَانَة فِي الْمِكْيَال وَالْمِيزَان
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (كل مَال خالطه الرِّبَا فَهُوَ زَاد صَاحبه إِلَى النَّار)
١١٦ - آكل الرِّبَا
وَقد ذكر أَن آكل الرِّبَا يَأْتِي الصِّرَاط فَيجْعَل الله ﵎ كل دِرْهَم وكل حَبَّة وكل ثوب وكل لقْمَة وكل شَيْء أكل أَو اكْتسبت يَدَاهُ من الرِّبَا ثعبانا من نَار يخطفه من على الصِّرَاط يهوي بِهِ فِي قَعْر جَهَنَّم مَعَ الْيَهُود وَمن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وَغفر لَهُ مَا جنى
وَالْقسم السَّابِع هم الَّذين بروا الْوَالِدين وبروا الْأزْوَاج وبروا الْجِيرَان وبروا الإخوان ولزموا الْمَسَاجِد وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وحفظوا حُدُود الله وَلم تأخذهم فِي الله لومة لائم وَعمِلُوا بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ
وأنشدوا
(أتطمع بالنجاة وَكَيف تنجو ... وَلست على نجاتك بالحريص)
(وَلَو فِي نيلها أعملت حرصا ... لَنِلْت الْفَوْز بِالثّمن الرخيص)
(وَلَكِنِّي أَرَاك تُرِيدُ عزا ... وحالك حَال ممتهن نقيص)
(وَلَيْسَ لمن تعرض للمعاصي ... هديت عَن الضَّلَالَة من مَحِيض)
١١٧ - المتصدقين سرا وَعَلَانِيَة
يَا أحبابي إِذا جَازَ النَّاس الصِّرَاط وجدوا خلقا كثيرا نسَاء ورجالا قد سَبَقُوهُمْ إِلَى الْجنَّة فَيَقُولُونَ من هَؤُلَاءِ الَّذين سبقُونَا فَتَقول لَهُم الْمَلَائِكَة هَؤُلَاءِ الرِّجَال
стр. 58
الَّذين تصدقوا فِي السِّرّ ابْتِغَاء وَجه الله وتصدقوا فِي الْعَلَانِيَة ليحببوا الصَّدَقَة إِلَى عباد الله هَؤُلَاءِ الَّذين فَرجوا عَن المكروبين
وَهَؤُلَاء النسْوَة اللواتي أطعن أَزوَاجهنَّ وحفظن فروجهن وحفظن ألسنتهن عَن أَذَى الزَّوْج وَعَن أَذَى الْجِيرَان وتصدقن فِي السِّرّ والإعلان تسبق هَذِه الزمرة جَمِيع النَّاس إِلَى الصِّرَاط وجوازه بِخَمْسِمِائَة عَام
وَمن كَانَ من إخْوَانهمْ من أهل الذُّنُوب جازوا فِي شفاعتهم فَإِذا جَازَت أول زمرة من الْأَوَّلين السَّابِقين وزمرة الْمُتَأَخِّرين يبْقى رجل وَاحِد فَيَضَع قدمه الْوَاحِدَة فتنزل فَيبقى بالقدم الْأُخْرَى فيركب الصِّرَاط على بَطْنه وَالنَّار تصيبه على قدر ذنُوبه
١١٨ - آخر من يبْقى على الصِّرَاط
فَلَا يزَال يحبو ويتدرج ويبكي ويتضرع إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى يجوز فَإِذا جَازَ وَنَجَا رد رَأسه وَنظر إِلَى الصِّرَاط وأهواله وأهوال أهل النَّار وعواء أهل النَّار فِي النَّار فَيَقُول سُبْحَانَ الَّذِي خلصني مِنْك ونجاني من أهوال النَّار
فَبَيْنَمَا هُوَ ينظر إِلَى الصِّرَاط وَيَقُول هَذَا القَوْل يبْعَث الله تَعَالَى إِلَيْهِ بِلُطْفِهِ ملكا من مَلَائكَته فيأتيه فَيَأْخذهُ بِيَدِهِ وَيَقُول لَهُ قُم يَا عبد الله فَينْطَلق إِلَى غَدِير من مَاء على بَاب الْجنَّة فَيَقُول لَهُ الْملك اغْتسل من هَذِه المَاء واشرب مِنْهُ فيغتسل العَبْد وَيشْرب كَمَا أمره الْملك فَيَعُود كَالْقَمَرِ الطالع لَيْلَة التَّمام وتعود رَائِحَته كرائحة أهل الْجنَّة ولونه كألوان أهل الْجنَّة ثمَّ ينْطَلق بِهِ إِلَى قرب جَهَنَّم فَيَقُول لَهُ قف هَا هُنَا حَتَّى يَأْتِيك إِذن من رَبك فَينْظر إِلَى أهل النَّار وَيسمع عواءهم كعواء الْكَلْب يستغيثون من شدَّة الْعَذَاب فَإِذا سمع العَبْد أهل النَّار وَمَا هم فِيهِ بَكَى وَقَالَ يَا رب اصرف وَجْهي عَن أهل النَّار حَتَّى لَا أنظر إِلَيْهِم وَلَا أسمع صوتهم وَلَا أَسأَلك غير هَذَا فيأتيه ذَلِك الْملك من عِنْد رب الْعَالمين فيحول وَجهه عَن أهل النَّار إِلَى أهل الْجنَّة فَينْظر إِلَى نَاحيَة أهل الْجنَّة فَيرى بَينه وَبَين بَاب الْجنَّة رَوْضَة خضراء مَا رأى أحد قطّ مثلهَا ثمَّ ينظر إِلَى بَاب الْجنَّة وجماله وَعرضه مسيرَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا للطير المسرع وَالله أعلم من أَي الأعوام يَقُول يَا رب قد أَحْسَنت إِلَيّ الْإِحْسَان كُله جوزتني الصِّرَاط وأنجيتني من النَّار وأدنيتني من بَاب الْجنَّة هَذِه الرَّوْضَة أَسأَلك أَن تبلغني إِلَيْهَا وَلَا أَسأَلك غير ذَلِك فيأتيه ذَلِك الْملك فَيَقُول لَهُ يَا ابْن آدم مَا أكذبك أَلَسْت قد عزمت أَنَّك لَا تسْأَل غير هَذَا الْمقَام فَيَأْخُذ بِيَدِهِ وينطلق بِهِ للروضة فيدخله فِيهَا
стр. 59
١١٩ - بَاب الْجنَّة
فَينْظر إِلَى بَاب الْجنَّة وَإِلَى بهجة تِلْكَ الْقُصُور وأطرافها من الجندل الْأَخْضَر وحصباؤها من الْيَاقُوت الْأَحْمَر فيستنشق نسيم طيب الكافور والمسك وَيسمع حسن تغريد الأطيار وخرير تِلْكَ الْأَنْهَار وَمَا لَا تصفه أَلْسِنَة الواصفين وَلَا يخْطر ببال المتفكرين فَإذْ ١ اسْمَع العَبْد ذَلِك كُله استخفه الطَّرب فَيَقُول يَا مولَايَ لقد أَنْعَمت عَليّ نعمنا أكمل النعم جوزتني الصِّرَاط وأنجيتني من النَّار وصرفت وَجْهي عَن أهل النَّار حَتَّى لَا أَرَاهُم وَلَكِن أَسأَلك يَا سَيِّدي ومولاي أَن تدخلني الْجنَّة فَاجْعَلْ هَذَا الْبَاب بيني وَبَين أهل النَّار حَتَّى لَا أسمع حسيسهم وَلَا أرى عَذَابهمْ فيأتيه ذَلِك الْملك فَيَقُول لَهُ ابْن آدم مَا أكذبك أَلَسْت قد زعمت أَنَّك لَا تسْأَل غير مَا قد سَأَلت فَيَقُول وَعزَّتك يَا رب لَا سَأَلتك غَيره
فَيَأْخُذ الْملك بِيَدِهِ فيدخله الْبَاب فَينْظر العَبْد عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله مسيرَة سنة فَلَا يرى إِلَّا الشّجر المثمر مَا رأى قطّ مثلهَا وَلَا خطر على قلب آدَمِيّ وَلَا جني فَينْظر إِلَى أدنى شَجَرَة فَيرى عِنْدهَا رَوْضَة فِيهَا شَجَرَة أَصْلهَا ذهب وَأَغْصَانهَا فضَّة وورقها حُلْو مَا رأى مثلهَا قطّ آدَمِيّ وَلَا جني وَلَا خطر على قلب بشر وَثَمَرهَا أَلين من الزّبد وأحلا من الْعَسَل فَيَقُول العَبْد يَا رب لقد أَنْعَمت عَليّ عَبدك وتفضلت نجيتني من النَّار وأدخلتني الْجنَّة وأعطيتني وأرضيتني وَإِنَّمَا بيني وَبَين هَذِه الرَّوْضَة قَلِيل فبلغني إِلَيْهَا فوعزتك لَا سَأَلتك غَيرهَا
فيأتيه ذَلِك الْملك فَيَقُول لَهُ يَا ابْن آدم مَا أكذبك أَلَسْت قد زعمتا أَنَّك لَا تسْأَل غير مَا سَأَلت يَا ابْن آدم أَيْن أَقْسَمت بِهِ أما تَسْتَحي من الله
١٢٠ - منَازِل الْجنَّة
فَيَأْخُذ بِيَدِهِ فَينْطَلق بِهِ إِلَى أدنى منزل من منازلها فَإِذا هُوَ بقصر من لؤلؤة بَيْضَاء بَين يَدَيْهِ فَلَا يملك نَفسه حِين ينظر إِلَيْهِ فَيَقُول يَا رب أَسأَلك هَذَا الْمنزل وَلَا أَسأَلك غَيره
فيأتيه الْملك من عِنْد الله سُبْحَانَهُ فَيَقُول لَهُ لله يَا ابْن آدم مَا أكذبك أَلَسْت أَنَّك قد زعمت أَنَّك لَا تسْأَل غير مَا أَنْت فِيهِ فَينْظر بَين يَدَيْهِ فَإِذا بمنزل كَأَنَّمَا الْمنزل الأول وَالثَّانِي وَجَمِيع مَا خلق وَرَآهُ حلما فيسأله فَيعْطى فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يعْطى مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَلَو نزل فِي أدنى قصر من قُصُور الْجِنّ وَالْإِنْس لَكَانَ عِنْده من الكراسي مَا يَجْلِسُونَ ويتكئون عَلَيْهَا ولكان عِنْده من الموائد مَا يفضل عَنْهُم ولكان عِنْدهم من الطَّعَام وَالشرَاب
стр. 60
مَا يَأْكُلُون وَإِذا أكلُوا وَشَرِبُوا لم ينقص من الطَّعَام وَالشرَاب إِلَّا بِقدر مَا أصَاب رجل وَاحِد ﴿وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى للَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ الشورى ٣٦ وأنشدوا
(مقَام الْمُتَّقِينَ غَدا جليل ... يطيب لَهُم مَعَ الْحور المقيل)
(وأنوار عَلَيْهِم مشرقات ... إِذا ناداهم الْملك الْجَلِيل)
١٢١ - فَائِدَة للْجُوَاز على الصِّرَاط
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن العَبْد أَو الْأمة إِذا ذكر الصِّرَاط وهوله وصعوبته ورقته وَطوله وَبعد مسافته ثمَّ بَكَى ثمَّ قَامَ فصلى عشر رَكْعَات يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة الْكتاب مرّة وَقل هُوَ الله أحد ثَلَاث مَرَّات وَيسلم عَن كل رَكْعَتَيْنِ فَإِذا فرغ من الْعشْر رَكْعَات صلى على لنَبِيّ ﷺ وَشرف وكرم مائَة مرّة ثمَّ قَالَ سُبْحَانَ الله من خلق مَا شَاءَ وَقضى بِمَا شَاءَ وَالْحَمْد لله على كل شَيْء ثَلَاث مَرَّات ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ جوزني الصِّرَاط ونجني من هوله الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت لَا شريك لَك وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله
فَمن صلى هَذِه الصَّلَاة وَقَالَ هَذَا القَوْل جوزه الله ﵎ الصِّرَاط وَهُوَ لَا يشْعر بِهِ وَلَا يهوله مَعَ أول زمرة تمر إِلَى الْجنَّة
فاغتنموا رحمكم الله هَذَا الثَّوَاب وتحصنوا بِهِ من أَلِيم الْعَذَاب يَا أولي الْعُقُول والألباب لِأَن الصِّرَاط حاد رَقِيق وَطَرِيقه أبعد الطَّرِيق يَا لَهُ من طَرِيق مَا يعين على جَوَازه أَخ وَلَا صديق إِلَّا عمل صَالح وَرب رَفِيق
وَاعْلَمُوا وفقنا الله وَإِيَّاكُم أَن الْعُمر يذهب وَالدُّنْيَا تفنى وتخرب وَالنَّفس تَمُوت والمرد إِلَى الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت
فَاسْتَعدوا بِكَثْرَة الْأَنْوَار وبالصلاة وَفعل الْخَيْر فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وبالطاعة للنَّبِي السَّيْف الْمُخْتَار وبالعمل بِكِتَاب الْملك الْوَاحِد القهار وابكوا على هول الصِّرَاط الْمَنْصُوب على متن النَّار يسره الله لنا وهونه علينا آمين رب الْعَالمين إِنَّه قريب مُجيب
١٢٢ - شَفَاعَة النَّاس بَعضهم لبَعض
ذكر أَن العَبْد إِذا جَاوز الصِّرَاط وخلص ذكر فِي ذَلِك الْموقف أَبَاهُ وأبناءه وإخوانه وجيرانه فَعِنْدَ ذَلِك يسْأَل الصّديق فِي صديقه وَالْوَالِد فِي وَلَده وَالْجَار فِي جَاره وَالرجل فِي زَوجته وَالْمَرْأَة فِي زَوجهَا وَالْإِمَام فِي جماعته الَّتِي كَانَ
стр. 61
يُصَلِّي بهَا فَيشفع كل وَاحِد مِنْهُم على قدر عمله ومنزلته عِنْد ربه
روى قَتَادَة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ بعض أَهله يَا رَسُول الله هَل يفكر الرجل يَوْم الْقِيَامَة فِي حميمه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة مَوَاطِن لَا يذكر فِيهَا أحد أحدا عِنْد الْمِيزَان حَتَّى ينظر أيثقل مِيزَانه أم يخف وَعند الصِّرَاط حَتَّى ينظر أَيجوزُ أم لَا وَعند الصُّحُف حَتَّى ينظر أبيمينه يَأْخُذ الصَّحِيفَة أم بِشمَالِهِ فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَوَاطِن لَا يذكر فِيهَا أحد حميمه وَلَا صديقه وَلَا حَبِيبه وَلَا قَرِيبه وَلَا بنيه وَلَا وَالِديهِ وَذَلِكَ قَول الله ﵎ ﴿لكل امْرِئ مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه﴾ عبس ٣٧ هُوَ مَشْغُول بِنَفسِهِ عَن غَيره من شدَّة الْأَهْوَال الْعِظَام أسأَل الله أَن يسهلها لنا برحمته ويهونها علينا بمنه ولطفه وأنشدوا
(بَكَيْت على هول الصِّرَاط وَذكره ... وَهُوَ زفير النَّار من أعظم الذّكر)
(وَكَيف يُطيق الصَّبْر من كَانَ عَاصِيا ... لخالق كل الْخلق فِي السِّرّ والجهر)
(وَمن يَك ذَا خوف شَدِيد لهوله ... فَإِن لَهُ أمنا من الهول فِي الْحَشْر)
(فَلَيْسَ لمن يبكي لهول صراطه ... جَزَاء سوى دَار النَّعيم مَعَ الْفَخر)
(فيا لَهُ من هول فظيع يجوزه ... رجال أطاعوا الله فِي سالف الْعُمر)
عباد الله تَفَكَّرُوا فِي هول الصِّرَاط الرَّقِيق الْبعيد وَأَشْفَقُوا من الهول الْعَظِيم الشَّديد وَأَطيعُوا الْجَبَّار الْوَلِيّ الحميد
١٢٣ - لَا تقبل صَلَاة شراب الْخمر
ذكر أَن شراب الْخمر إِذا أَتَوا على الصِّرَاط تخطفهم الزَّبَانِيَة فَتَهْوِي بهم إِلَى عين الخبال وَهِي قيح أهل النَّار فيسقون بِكُل كأس شربوا من الْخمر فِي الدُّنْيَا شربة من الخبال لَو أَن تِلْكَ الشربة تصب من السَّمَاء السَّابِعَة لأحرقت السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِمن فِيهِنَّ وَمن عَلَيْهِنَّ وَالْأَصْل فِي شَارِب الْخمر أَنه يخطف من على الصِّرَاط لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَجهه نور لِأَن النُّور لَا يكون من الْعَمَل الصَّالح وشارب الْخمر لَيْسَ لَهُ عمل صَالح وَالْأَصْل فِيهِ أَن الْأَعْمَال كلهَا لَا تقبل إِلَّا مِمَّن صلى لِأَن الصَّلَاة هِيَ رَأس الْأَعْمَال وشارب الْخمر لَا تقبل مِنْهُ صَلَاة مَا دَامَ مصرا على شرب الْخمر فَإِذا لم تقبل مِنْهُ صَلَاة فَلم لَا يقبل مِنْهُ سَائِر عمله فَيَأْتِي إِلَى الصِّرَاط وَوَجهه أسود وَقد عهد إِلَى الزَّبَانِيَة الَّذين على الصِّرَاط أَن لَا يتْركُوا أَن يجوز إِلَّا
стр. 62
من لَهُ وَمن لَيْسَ لَهُ نور أَن يكبوه فِي النَّار إِلَّا من تَابَ وَترك الْخمر وَرجع إِلَى الله تَعَالَى
١٢٤ - التَّوْبَة من الْخمر وثوابها
يَا إخْوَانِي اعلموا أَن شَارِب الْخمر إِذا تَابَ وَترك الْخمر لوجه الله تَعَالَى كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أفضل وَأكْثر نورا على الصِّرَاط وأسرع جَوَازًا مِمَّن لم يشْربهَا فَالله الله يَا معشر المذنبين تُوبُوا إِلَى مولاكم أسْرع الحاسبين يغْفر لكم ذنوبكم أَجْمَعِينَ
١٢٥ - فضل المؤذنين
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن المؤذنين إِذا أَتَوا إِلَى الصِّرَاط يَجدونَ نَجَائِب من نور مسرجة بسرج الْيَاقُوت والزبرجد فيركبونها فتطير بهم على الصِّرَاط ويشفع كل وَاحِد مِنْهُم عِنْد جَوَاز الصِّرَاط فِي أَرْبَعِينَ ألفا كلهم قد استوجبوا النَّار وَيجوز فِي نور الْمُؤَذّن ألف رجل وَألف امْرَأَة وَفِي حَدِيث آخر أَن الْمُؤَذّن إِذا جَاءَ إِلَى الصِّرَاط سبقه نور الآذان وَنور لَا إِلَه إِلَّا الله وَنور مُحَمَّد رَسُول الله وَنور الدُّعَاء الَّذِي يَدْعُو النَّاس إِلَى تَوْحِيد الله ﵎ فَيجوز الصِّرَاط فِي نور الْمُؤَذّن أَرْبَعُونَ ألفا مِمَّن لَيْسَ لَهُم نور وهم أهل الذُّنُوب والخطايا
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا من عبد مُسلم حَان عَلَيْهِ وَقت الصَّلَاة فِي أَرض قفراء أَو مَوضِع لَيْسَ فِيهِ جمَاعَة فَقَامَ فَأذن ثمَّ أَقَامَ فصلى إِلَّا وَأم من جنود الأَرْض مَا لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله ﵎ وَيكْتب الله لَهُ بعددهم حَسَنَات ويمحو بعددهم سيئات وَيرْفَع لَهُ بعددهم فِي الْجنَّة دَرَجَات لَو دخل فِي أدنى دَرَجَة من درجاته الْجِنّ وَالْإِنْس لوسعتهم ولكان فِيهَا من الْفرش والأسرة والموائد وَالطَّعَام وَالشرَاب والخدم مَا يفضل عَنْهُم وَإِن لم يُؤذن وَاقْتصر على الْإِقَامَة وَحدهَا لم يصل خَلفه إِلَّا ملكاه اللَّذَان يكتبان)
وَفِي حَدِيث آخر إِذا أذن العَبْد الْمُسلم فِي فلاة من الأَرْض ثمَّ أَقَامَ فصلى جعل الله ﵎ خَلفه سبع صُفُوف من الْمَلَائِكَة المقربين أحد طرفِي الصَّفّ بالمشرق وَالْآخر بالمغرب فَإِذا فرغ من صلَاته ودعا أمنُوا على دُعَائِهِ وَيكْتب الله ﵎ لَهُ بعددهم حَسَنَات ويمحو عَنهُ جلّ وَعلا بعددهم سيئات وَيرْفَع لَهُ تَعَالَى بعددهم دَرَجَات كل دَرَجَة أعظم من الدُّنْيَا سَبْعُونَ ألف مرّة فِيهَا من النَّعيم مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن
стр. 63
سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر
فَإِذا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الصِّرَاط جَاءَ مَعَه أَصْحَابه من الْمَلَائِكَة الَّذين صلوا خَلفه كل ملك مِنْهُم مَعَه نور من نور الْجنَّة فَيَأْخُذُونَ بِيَدِهِ وبأيدي أَهله وبأيدي إخوانه الَّذين صحبوه وأحبوه فِي الله فيفرقون عَلَيْهِم من تِلْكَ الْأَنْوَار ويجوزونهم الصِّرَاط فِي شَفَاعَته ويمضون مَعَه إِلَى الْجنَّة وَلَا يرَوْنَ من هول الصِّرَاط وَلَا من حره وَلَا صعوبته شَيْئا
١٢٦ - فضل الْعلمَاء
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الْعلمَاء إِذا أَتَوا إِلَى الصِّرَاط تكون وُجُوههم كَالشَّمْسِ الضاحية وأنوارهم بَين أَيْديهم وبيد كل عَالم مِنْهُم لِوَاء من نور الْجنَّة يضيء لَهُ مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَتَحْت لِوَاء الْعَالم كل من اقْتدى بِعِلْمِهِ وكل من أحبه فِي الله ومناد يُنَادي هَؤُلَاءِ أحباء الله هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاء الله هَؤُلَاءِ الَّذين خلفوا الْأَنْبِيَاء هَؤُلَاءِ الَّذين علمُوا عباد الله هَؤُلَاءِ الَّذين دعوا إِلَى الله هَؤُلَاءِ الَّذين حفظوا حُدُود الله هَؤُلَاءِ مصابيح الدجى هَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْهدى
فَإِذا دنوا من الصِّرَاط يوضع على رَأس كل وَاحِد مِنْهُم تَاج من نور الْجنَّة لَو وضع ذَلِك التَّاج فِي السَّمَاء السَّابِعَة الْعليا لخرق نوره إِلَى الأَرْض السَّابِعَة السُّفْلى ويكسى كل وَاحِد مِنْهُم حلَّة من حلل الْجنَّة لَو نشرت تِلْكَ الْحلَّة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لغطى نورها نور الشَّمْس ولمات الْخَلَائق كلهم عشقا إِلَى رؤيتها ولملأت الأَرْض والبحار من رَائِحَة الْمسك وَينزل على رَأس كل وَاحِد مِنْهُم غمامة من نور تقيه من حر شرر جَهَنَّم وَمن حر الشَّمْس
وأنشدوا
(يَا طَالب الْعلم ترجو أَن تنَال بِهِ ... عَفْو الْإِلَه وعفو الله مَوْجُود)
(اطلب بعلمك وَجه الله خالقنا ... إِن الصِّرَاط على النيرَان مَمْدُود)
(عَفْو الْإِلَه لأهل الْعلم نائلهم ... وعفوه عِنْد أهل الْجَهْل مَفْقُود)
(فاحرص هديت على التَّعْلِيم مُجْتَهدا ... وَأَنت عِنْد إِلَه الْعَرْش مَحْمُود)
(فاعمل بِعلم رَسُول الله سيدنَا ... وَأَنت بَين عباد الله مَسْعُود)
وَاعْلَمُوا أَن الله ﵎ لَا يقبل عملا بِلَا علم
قَالَ الله ﵎ ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ فاطر ٢٨ فَالْعُلَمَاء قد أثبت لَهُم الْجَبَّار الخشية والتقى
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ الْمَائِدَة ٢٧ وَمن لَا يعلم لَا يَتَّقِي وَكَيف يَتَّقِي من لَا يدْرِي مَا يَتَّقِي
وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 64
(تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة وَطَلَبه عباده ومدارسته تَسْبِيح والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه لمن لَا يُعلمهُ صَدَقَة بِهِ يعرف الله ويعبد وَبِه يحمد الله ويوحد) هُوَ إِمَام الْعَمَل وَالْعَمَل تَابعه يرفع الله بِالْعلمِ أَقْوَامًا فيجعلهم للخير قادة وأئمة يقْتَدى بهم وَيَنْتَهِي إِلَى رَأْيهمْ
فقد بَين رَسُول الله ﷺ أَن الْعِبَادَة لَا تكون إِلَّا بِالْعلمِ لقَوْله ﷺ (بِهِ يعرف الله ويعبد) ويستوفي ذكر فضل الْعلم فِي قَول الله ﵎ ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ وَالْمَقْصُود فِي هَذَا الْموضع ذكر الصِّرَاط وَالْجَوَاز عَلَيْهِ
١٢٧ - فضل حَملَة الْقُرْآن
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن حَملَة الْقُرْآن يحشرون يَوْم الْقِيَامَة على كُثْبَان من مسك أسود وأنوار وُجُوههم تغشى بالأبصار فَإِذا أَتَوا إِلَى الصِّرَاط تلقتهم الْمَلَائِكَة الَّذين وكلوا بحملة الْقُرْآن فتأخذ بِأَيْدِيهِم وتضع التيجان على رؤوسهم وَالْحلَل على أجسامهم وتقرب إِلَيْهِم خيلا من نور الْجنَّة عَلَيْهِ سرج من الْمسك الأذفر والعنبر الْأَشْهب ألجمها من اللُّؤْلُؤ والياقوت يركبونها فتطير بهم على الصِّرَاط وَيجوز فِي شَفَاعَة كل وَاحِد مائَة ألف مِمَّن قد اسْتوْجبَ النَّار ومناد يُنَادي هَؤُلَاءِ أحباب الله هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاء الله الَّذين قرءوا كتاب الله وَعمِلُوا بِهِ فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ
وهم أهل الله وهم أحباب الله من أحبهم فِي الدُّنْيَا أحبه الله فجاوزا الصِّرَاط وخلفوه بِلَا هول وَلَا هم وَلَا حزن وَلَا غم
وَهَذَا إِذا عمِلُوا بِالْقُرْآنِ ووقفوا عِنْد أوامره ونواهيه وَأَحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه وآمنوا بمحكمه ووقفوا عِنْد متشابهه وسارعوا إِلَيْهِ ﴿أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون﴾ المجادلة ٢٢ ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ الْأَنْعَام ٩٠ أُولَئِكَ أَوْلِيَاء الله الصالحون أُولَئِكَ الَّذين ﵃ ووفقهم وهداهم وآتاهم تقواهم
١٢٨ - من لم يعْمل بِالْقُرْآنِ
وَأما حَامِل الْقُرْآن إِذا لم يعْمل بِهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي إِلَى الصِّرَاط فتستقبله الزَّبَانِيَة بمقامع الْحَدِيد وأرازب النَّار وَتسود وُجُوههم على قدر مَا ضيعوا من الْعلم فَمن تعلم علما للتجبر والمباهاة أَو الرِّيَاء أَو السمعة وَلم يرد بِهِ وَجه الله تَعَالَى وَطلب
стр. 65
عَلَيْهِ الرشا والبراطيل وكتمه وَلم ينصح بِهِ عباد الله وَطلب بِهِ الرياسة وصحبة الْمُلُوك وَمَشى بِهِ إِلَى أَبْوَاب أَبنَاء الدُّنْيَا وَإِلَى دور الظلمَة وَأهل الْجور وَحكم بِهِ بِغَيْر الْعدْل ألْجم بلجام من نَار جَهَنَّم وَكَانَ عمله عَلَيْهِ حجَّة وغمة ومحنة وحسرة وندامة وظلمة على الصِّرَاط
ثمَّ يكون الْعلم لِلْعَامِلِ نورا وفرحة وسرورا وجنة وحبورا ينظر الْمَغْرُور الْمِسْكِين إِلَى وُفُود الْعلمَاء وزمر الْأَوْلِيَاء وألويتهم على رؤوسهم منشورة وَقُلُوبهمْ مِمَّا بشروا بِهِ من الْفَوْز بالجنان مسرورة وأنوارهم تسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم وَالْمَلَائِكَة تنادي أدخلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ وَأَنت فِي ظلمك حيران أيقنت بالحلول فِي سموم النيرَان إِلَّا أَن يتداركك بعفوه الْملك الديَّان
وَقد أَخذ الْملك بِيَدِك وَهُوَ يُنَادي عَلَيْك ولجام النَّار فِي فمك لَو كَانَ ذَلِك اللجام فِي الدُّنْيَا لأحرقها من مشرقها إِلَى مغْرِبهَا وينادي عَلَيْك هَذَا الَّذِي ضيع حُدُود الله هَذَا الَّذِي خَالف أوَامِر الله هَذَا الَّذِي بدل عهد الله وَخَالف كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ وآثر حب الدُّنْيَا على مَا عِنْد هَؤُلَاءِ
يَا مِسْكين أخذت على الْعلم أُجْرَة وبرطيلا واشتريت بِهِ ثمنا قَلِيلا وَلم تراقب مولى كَرِيمًا جَلِيلًا وَتركت وَرَاءَك يَوْمًا هائلا ثقيلا وخسرت يَا مغرور ملكا كَبِيرا دَائِما جزيلا
١٢٩ - فسقة حَملَة الْقُرْآن
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الزَّبَانِيَة أسْرع إِلَى فسقة حَملَة الْقُرْآن مِنْهُم إِلَى عَبدة الْأَوْثَان والنيران فَيَقُولُونَ وَيبدأ بِنَا قبل عَبدة الْأَوْثَان والنيران فَتَقول لَهُم الْمَلَائِكَة لَيْسَ من يعلم كمن لَا يعلم وَفِي حَدِيث آخر إِن الْمَلَائِكَة الَّذين جعلهم الله على الصِّرَاط إِذا نظرُوا إِلَى حَملَة الْقُرْآن الْفُسَّاق أخذوهم
стр. 66
وزجوا فِي أقفيتهم وألقوهم فِي جَهَنَّم أَو يعف الله تَعَالَى عَنْهُم
اللَّهُمَّ اعْفُ عَنَّا وَعَن جَمِيع إِخْوَاننَا الْمُسلمين وَاجعَل الْقُرْآن حجَّة لنا لَا تَجْعَلهُ حجَّة علينا يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
وأنشدوا
(عظمت مُصِيبَة حَامِل الْقُرْآن ... إِن كَانَ ملجأه إِلَى النيرَان)
(فَهُوَ الْجَزَاء لمن عصى رب الْعلَا ... دَار الْعَذَاب وموقف الخسران)
(عظمت خسارته وَجل مصابه ... عِنْد الصِّرَاط بظلمة وهوان)
(يَا رب عفوا عَن قَبِيح فعالنا ... أَنْت الدَّلِيل لجنة الرضْوَان)
فَاتَّقُوا الله معشر أهل الْقُرْآن فِي كِتَابه وَأَشْفَقُوا من أَلِيم عَذَابه وَاعْمَلُوا بِالْقُرْآنِ وارغبوا فِي جزيل ثَوَابه لِأَن الْقُرْآن هُوَ لكم وَهُوَ عَلَيْكُم إِن تعملوا بِهِ ويل وثبور ﴿فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾ لُقْمَان ٣٣
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (عرضت عَليّ الذُّنُوب كلهَا فَلم أر فِيهَا ذَنبا أعظم من ذَنْب حَامِل الْقُرْآن وتاركه)
وَمعنى تَاركه تَارِك الْعَمَل بِهِ الْعَمَل مَعَ قلَّة الْعلم أفضل من كَثْرَة الْعلم وَقلة الْعَمَل
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (يسْأَل حَامِل الْقُرْآن عَمَّا يسْأَل عَنهُ الْأَنْبِيَاء) وَإِذا غضب حَامِل الْقُرْآن يَقُول لَهُ الْقُرْآن أما تَسْتَحي أَنا مَعَك وَأَنت تغْضب اقتد بِي تنجو وأكرمني بِالطَّاعَةِ أنجيك من الْأَهْوَال وأجوزك الصِّرَاط وأدخلك الْجنَّة
ويروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا من شَفِيع أفضل منزلَة عِنْد الله من الْقُرْآن نَبِي وَلَا ملك وَلَا غَيره) فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على من لَا يعْمل بِالسنةِ وَالْقُرْآن كَيفَ اخْتَار النَّار على الْجنان وَعصى مَوْلَاهُ وأطاع الشَّيْطَان لقد ضل ضلالا بَعيدا وتبوأ عذَابا شَدِيدا وَبَقِي من الْخَيْر فريدا وحيدا
فيا لَهَا من مُصِيبَة مَا أعظمها وَمن حسرة مَا أدومها
١٣٠ - مَا خلف الصِّرَاط
رُوِيَ الْحسن عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (خلف الصِّرَاط جسر عَلَيْهِ الْأَمَانَة وجسر عَلَيْهِ الرب ﷻ وجسر عَلَيْهِ الرَّحْمَة فيا أَيهَا السَّامع لما جَاءَ من أَحَادِيث الصِّفَات والْآثَار المشكلات سلم الْأُمُور لباريها واترك تَأْوِيلهَا إِن كنت تَالِيهَا وقاريها وَعَلَيْك بخويصة نَفسك واعمل ليَوْم رمسك وَذَلِكَ الجسر عَلَيْهِ
стр. 67
السُّؤَال ذَلِك الْوَقْت يَقُول الله ﷻ وتقدست أسماؤه عَبدِي عملت كَذَا وَفِي يَوْم كَذَا فَيَقُول العَبْد نعم يَا رب فَلَا يزَال الرب ﷻ يعرف العَبْد وَالْعَبْد يعْتَرف وَيَقُول نعم حَتَّى يَقُول العَبْد لإرسالك بِي إِلَى النَّار أَهْون عَليّ من هَذَا التوبيخ فَيَقُول لَهُ جلّ وَتَعَالَى يَا عَبدِي بعيني إِذا كنت عملت ذَلِك وَكنت عَلَيْك شَهِيدا وملائكتي وأرضي وَلَكِن سترت عَلَيْك بحلمي وجودي يَا عَبدِي أَنا سترتها فِي الدُّنْيَا عَلَيْك وَأَنا أغفرها الْيَوْم لَك
غفر الله لنا أَجْمَعِينَ وأماتنا برحمته مُسلمين تَائِبين على السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 68
٤ - مجْلِس فِي قَوْله وتقدست أسماؤه ﴿وعَلى الْأَعْرَاف رجال يعْرفُونَ كلا بِسِيمَاهُمْ﴾
١٣١ - هَؤُلَاءِ الَّذين ذكرهم الْمولى ﷻ بقوله ﴿وعَلى الْأَعْرَاف رجال﴾ الْأَعْرَاف ٤٦ هم قوم اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم فحبسوا على الْأَعْرَاف والأعراف هِيَ مَوَاضِع مُرْتَفعَة على الصِّرَاط لِأَن الصِّرَاط سبع قناطر وَهِي الجسور بَعْضهَا أصعب من بعض وَبَعضهَا أَشد سؤالا من بعض وَبَعضهَا أَكثر ارتفاعا من بعض وَعند كل جسر يسْأَل العَبْد فِيهَا عَن عِبَادَته الَّتِي افترضها الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
فنسأل الله التَّوْفِيق فِي الدُّنْيَا والتسهيل فِي الْآخِرَة فِي تِلْكَ المقامات
١٣٢ - سُؤال الْعباد يَوْم الْقِيَامَة
فَأول مَا يسْأَل عَنهُ العَبْد الصَّلَاة ثمَّ الزَّكَاة ثمَّ الصّيام ثمَّ الْحَج ثمَّ الْأَمَانَة ثمَّ بر الْوَالِدين ثمَّ حفظ اللِّسَان ثمَّ حفظ الْجَار ثمَّ صلَة الرَّحِم وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا أَمر الله عزو وَجل بِهِ وَجَمِيع مَا نهى عَنهُ فَكل من جَاءَ إِلَى جسر من جسور الصِّرَاط سُئِلَ عَن عِبَادَته فَإِن أجابها جَازَ وَصَارَ إِلَى الْجنَّة وَنور الْإِيمَان يسْعَى بَين يَدَيْهِ وَعَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَإِن لم يَأْتِ بهَا نقص نوره وَهُوَ نور الْإِيمَان لِأَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص يزِيد بِطَاعَة الله وَينْقص بِمَعْصِيَة الله فَكل من نقص ثَوَابه بالمعصية نقص نوره على الصِّرَاط
فَمن أَرَادَ مَوْلَاهُ أَن يعذبه أتم لَهُ النُّور فِي بعض جسور الصِّرَاط وطفأ النُّور عَنهُ فِي بعضه والصراط أسود مظلم من شدَّة سَواد جَهَنَّم لَو أَن قَطْرَة من ظلمَة الصِّرَاط وضعت فِي الدُّنْيَا لأظلم مشرق الدُّنْيَا وَمَغْرِبهَا ولمات الْخلق من شدَّة الظلمَة وَإِنَّمَا حبس الله تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم على أعراف الصِّرَاط ليبين لأهل الْجنَّة وَالْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَلِجَمِيعِ مَا خلق الله ﵎ فضل نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وليظهر فخره وجاهه وَقدره وحرمته عِنْد رَبنَا ﷻ وَذَلِكَ أَن الله ﵎ يَأْمر الْعباد يمضون على الصِّرَاط
стр. 69
مَنْصُوب على متن جَهَنَّم وَتَأْتِي الْخَلَائق إِلَى الصِّرَاط الْمُؤْمِنُونَ والكافرون فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فيمضون وأنوارهم تسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم أَي عَن أَيْمَانهم
١٣٣ - ظلمات الْكفْر وَالْمَعْصِيَة
وَأما الْكَافِرُونَ فَإِنَّهُم يمضون فِي ظلمات الْكفْر وظلمات أَعْمَالهم الَّتِي عمِلُوا فِي حَال الْكفْر فِي دَار الدُّنْيَا فَإِذا أَتَوا إِلَى الصِّرَاط فَأول قدم يضعونها على الصِّرَاط يهوون فِي النَّار فتخطفهم الْمَلَائِكَة بالكلاليب فتلقيهم فِي قَعْر جَهَنَّم فَإِذا مضى الْمُؤْمِنُونَ بنورهم مضى المُنَافِقُونَ فِي آثَارهم يتبعونهم وينادونهم انظرونا نقتبس من نوركم فنمشي فِي ضوئكم فَيُقَال ارْجعُوا وراءكم فالتمسوا نورا
وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله وَهُوَ خادعهم﴾ النِّسَاء ١٤٢ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا فِي الدُّنْيَا إِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا وأظهروا لَهُم الْإِيمَان بألسنتهم واعتقدوا الْكفْر بقلوبهم وَالله تَعَالَى يُعَامل الْعباد على عقائد قُلُوبهم والمنافقون كَانُوا يتربصون بِالْمُؤْمِنِينَ الدَّوَائِر فَإِذا كَانُوا على الصِّرَاط على آثَار الْمُؤمنِينَ ليمشوا فِي نورهم قَالُوا للْمُؤْمِنين انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارْجعُوا وراءكم فالتمسوا نورا فيظنون أَن وَرَاءَهُمْ نورا يلتمسونه فيرجعون وَرَاءَهُمْ فيرفع لَهُم سرداب فيظنون أَن فِي السرداب نورا يجوزهم على الصِّرَاط فيقتحم بهم إِلَى أَبْوَاب جَهَنَّم فَإِذا رأى الْمُؤْمِنُونَ الْمُنَافِقين قد تساقطوا وتهافتوا فِي النَّار فزعوا مِمَّا حل بالمنافقين فَعِنْدَ ذَلِك يُقَال لَهُم بشراكم الْيَوْم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَهَذَا الْعَذَاب الَّذِي فزعتم مِنْهُ هُوَ لِلْمُنَافِقين الَّذين عصوا الله وَرَسُوله وجحدوا بآيَات الله وخالفوا كِتَابه فَعِنْدَ ذَلِك يضْرب بَينهم بسور لَهُ بَاب
١٣٤ - السُّور الحاجز بَين الْجنَّة وَالنَّار
والسور هُوَ الْحَائِط لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة وَهُوَ حَائِط بَين الْجنَّة وَالنَّار بَاطِن ذَلِك الْحَائِط فِي الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب يَعْنِي جَهَنَّم وَالْبَاطِن فِيهِ الرَّحْمَة يَعْنِي الْجنَّة فَإِذا رأى المُنَافِقُونَ الْمُؤمنِينَ لم يعرجوا عَلَيْهِم وَلم يلتفتوا إِلَيْهِم ورأوهم فِي حَال السَّلامَة والفوز فَيَقُول لَهُم المُنَافِقُونَ ألم نَكُنْ مَعكُمْ فِي الدُّنْيَا على التَّوْحِيد وَكُنَّا نصلي مَعكُمْ فَيَقُول لَهُم الْمُؤْمِنُونَ بلَى وَلَكِنَّكُمْ فتنتم أَنفسكُم أَي عذبتم وأحرقتم أَنفسكُم بالنَّار بخلافكم لرَسُول الله ﷺ وقولكم
стр. 70
بألسنتكم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبكُمْ وتكذيبكم بلقاء الله ﵎ وكذبتم بِهَذَا الْيَوْم وتربصتم برَسُول الله ﷺ وَبِالْمُؤْمِنِينَ الدَّوَائِر وغرتكم الْأَمَانِي حَتَّى جَاءَ أَمر الله وغركم بِاللَّه الْغرُور فِيمَا فَعلْتُمْ برَسُول الله ﷺ وَبِالْمُؤْمِنِينَ فاليوم لَا يُؤْخَذ مِنْكُم فديَة وَلَا من الَّذين كفرُوا يَعْنِي لَا يُؤْخَذ من كَافِر وَلَا مُنَافِق فدَاء
١٣٥ - صفة الْمُنَافِق
فالكافر هُوَ الَّذِي كفر فِي السِّرّ والإعلان وَالْمُنَافِق الَّذِي كفر فِي السِّرّ وآمن فِي الإعلان وآمن بِلِسَانِهِ وَكفر بِقَلْبِه وَقَوله مأواكم النَّار أَي مرجعكم إِلَيْهَا ومستقركم فِيهَا هَذَا كُله غرور الشَّيْطَان بكم حَتَّى جَاءَكُم الْمَوْت ومتم على النِّفَاق فَإِذا رجعُوا وَرَاءَهُمْ ليلتمسوا النُّور رَأَوْا سردابا فَيدْخلُونَ ذَلِك السرداب ويظنون أَن النُّور فِيهِ فيهجم بهم على أَبْوَاب جَهَنَّم فتخطفهم الْمَلَائِكَة بالكلاليب فتقذفهم فِي جَهَنَّم حَتَّى يجاوزن الْبَاب الأول من جَهَنَّم ثمَّ يلقون فِي الْبَاب الثَّانِي حَتَّى يجاوزونه فَلَا يزالون من بَاب إِلَى بَاب حَتَّى يجاوزن الْبَاب الأول من جَهَنَّم ثمَّ يلقون فِي الْبَاب الثَّانِي حَتَّى يجاوزنه فَلَا يزالون من بَاب إِلَى بَاب حَتَّى ينْتَهوا إِلَى الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار فينتهي بهم إِلَى جب يُقَال لَهُ جب الْحزن فِي ذَلِك الْجب بِئْر يُقَال لَهَا الهبهب فِيهَا توابيت من نَار وَعَلَيْهَا أقفال من نَار
١٣٦ - بِئْر الهبهب
على تِلْكَ الْبِئْر صَخْرَة من كبريت فِي تِلْكَ الْبِئْر بَاب إِذا رفعت تِلْكَ الصَّخْرَة استغاثت نيران جَهَنَّم من تِلْكَ النَّار الَّتِي تخرج مِنْهَا فتأكل تِلْكَ النَّار الَّتِي تخرج من تِلْكَ الْبِئْر نيران جَهَنَّم وَمَا فِيهَا أسْرع من طرفَة الْعين فَيُؤتى بالمنافقين فيلقون فِي تِلْكَ الْبِئْر وتوضع عَلَيْهِم تِلْكَ الصَّخْرَة فَلَا يخرجُون مِنْهَا أبدا كلما أكلت تِلْكَ النَّار لحومهم جدد الله لَهُم لحوما غَيرهَا فَلَا يخرجُون من تِلْكَ الْبِئْر أبدا فَذَلِك قَوْله ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا﴾ النِّسَاء ١٤٥ وَقَوله ﴿إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله وَهُوَ خادعهم﴾ النِّسَاء ١٤٢ يَعْنِي بقوله ارْجعُوا وراءكم فالتمسوا نورا
وَأما الْمُؤْمِنُونَ الَّذين اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم فَإِنَّهُم يَمْشُونَ على الصِّرَاط وأنوارهم تسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم حَتَّى إِذا كَانُوا على جسر الصِّرَاط وَهُوَ أعلا الجسور من الصِّرَاط وَهِي الْأَعْرَاف وَهِي
стр. 71
الْمَوَاضِع المرتفعة وَاحِدهَا عرف وَتسَمى النشز من الأَرْض وَهُوَ الْموضع الْمُرْتَفع عرفا وَمِنْهَا عرف الديك
١٣٧ - أهل الْأَعْرَاف
فَإِذا صَار على تِلْكَ الْمَوَاضِع من الصِّرَاط نقص نورهم وبقوا على أَطْرَاف أنامل أَرجُلهم وَرَأَوا أَن ذَلِك ظلمَة وَذَلِكَ أَن الْخلق على الصِّرَاط على قدر أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا فَمن النَّاس من يكون لَهُ من النُّور مَا يضيء على الصِّرَاط مسيرَة مائَة عَام وَمِنْهُم من يُعْطي من النُّور مَا يضيء لَهُ مسيرَة سنة وَمَا يضير مسيرَة شهر ومسيرة جُمُعَة ومسيرة يَوْم ومسيرة سَاعَة وَمن النَّاس من يُعْطي من النُّور مَا يضيء لَهُ مَوضِع قَدَمَيْهِ
على قدر مَنَازِلهمْ عِنْد الله ﵎ وعَلى قدر أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا فيستبقون فِي الْجَوَاز على قدر أنوارهم الَّتِي مَعَهم فَمن كَانَ لَهُ نور كثير جَازَ فِي السعَة وَمن كَانَ لَهُ نور قَلِيل جَازَ فِي الضّيق على قدر مَا أعْطى الله لكل عبد فَإِذا ثَبت أَصْحَاب الْأَعْرَاف على أنامل أَرجُلهم فِي ذَلِك وَلَا ينظرُونَ إِلَى مَوضِع أَقْدَامهم من شدَّة الظلمَة والظلمة هِيَ شدَّة سَواد جَهَنَّم أعاذنا الله وَإِيَّاكُم مِنْهَا وَسَهل لجميعنا شدائدها وظلمتها وَثَبت على الصِّرَاط أقدامنا بمنه وفضله
والصراط أحد من السَّيْف وأرق من الشعرة وأحر من الْجَمْر عَلَيْهِ من الحسك والكلاليب أَكثر من عدد الْإِنْس وَالْجِنّ قد تعلق بِكُل كَلوب من الزَّبَانِيَة عدد نُجُوم السَّمَاء إِذا تكلم وَاحِد مِنْهُم تناثر النَّار من فِيهِ لَو أَن وَاحِدًا مِنْهُم بَصق فِي الْبحار الزاخرة لجففها وَإِذا تكلم وَاحِد مِنْهُم فزع صَاحبه مِنْهُ وَلَو سمع أهل الدُّنْيَا صَوت وَاحِد يتَكَلَّم بالْكلَام لمات كل من فِيهَا من إنسها وجنها وَجَمِيع مَا خلق الله ﵎ فِيهَا من برهَا وبحرها من فظاعة كَلَامه وَمن شدَّة صَوته وَإِذا صَاح مَالك خَازِن جَهَنَّم على خَزَنَة جَهَنَّم يغشى عَلَيْهِم من شدَّة صَوته
والصراط مَعَ دقته ورقته يضطرب كَمَا تضطرب السَّفِينَة بِأَهْلِهَا إِذا كَانَت الرّيح عَاصِفَة فَإِذا ثَبت الْقَوْم على أناملهم من أَرجُلهم وَلَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَاز وهم ينظرُونَ إِلَى أهل النَّار كَيفَ يُعَذبُونَ فِي النَّار قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا صرفت أَبْصَارهم تِلْقَاء أَصْحَاب النَّار قَالُوا رَبنَا لَا تجعلنا مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ الْأَعْرَاف ٤٧ وهم يستغيثون ويتضرعون إِلَى مَوْلَاهُم ﷻ ويسألونه النجَاة من النَّار وَمن هول مَا هم فِيهِ من صعوبة الصِّرَاط فيمكثون كَذَلِك مَا شَاءَ الله تبَارك
стр. 72
وَتَعَالَى مغمومين مكروبين محزونين لَا يَدْرُونَ أينجون أم يهْلكُونَ مَعَ كل إِنْسَان مِنْهُم حافظاه اللَّذَان كَانَا يكتبان عَلَيْهِ عمله فِي الدُّنْيَا فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ يلقى الله ﵎ ذكرهم فِي قُلُوب إخْوَانهمْ من أهل الْجنَّة وعَلى ألسنتهم فَيَقُول بَعضهم لبَعض يَا لَيْت شعرنَا مَا فعل إِخْوَاننَا من أهل الْأَعْرَاف فَيَقُولُونَ مَا لنا علم بِمَا صَنَعُوا وَلَكنَّا نسْأَل الْحفظَة وَمن مَعَهم حَتَّى يخبرونا مَا فعلوا فينادون من قصورهم يَا معشر الْمَلَائِكَة الَّذين مَعَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف مَا فعل أخواننا من أَصْحَاب الْأَعْرَاف
١٣٨ - شَفَاعَة أهل الْجنَّة فِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف
فَيَقُول الْمَلَائِكَة يَا معشر أهل الْجنَّة أَصْحَاب الْأَعْرَاف لم يدخلوها وهم يطمعون بِدُخُولِهَا قد قل نورهم وطفئ سراجهم وبقوا على أَطْرَاف أناملهم وأرجلهم وهم وقُوف ينتظرون رَحْمَة رَبهم فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَادَوْا أَصْحَاب الْجنَّة﴾ الْأَعْرَاف ٤٦ يَعْنِي نادت الْمَلَائِكَة أَصْحَاب الْجنَّة ﴿أَن سَلام عَلَيْكُم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ الْأَعْرَاف ٤٦
١٣٩ - حَيَاء آدم
فَعِنْدَ ذَلِك يلبس أهل الْجنَّة الْحلِيّ وَالْحلَل ويضعون التيجان على رؤوسهم ثمَّ يمصون بأجمعهم حَتَّى يَأْتُوا آدم ﵊ وَهُوَ فِي قصره فينادون بأجمعهم يَا أَبَانَا أَنْت الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وأسجد لَك كرام مَلَائكَته وأسكنك جنته إِن نَاسا من ولدك محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول آدم ﵇ لست هُنَالك أَنا الَّذِي عصيت رَبِّي وأكلت من الشّجر فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أساله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم يَا بني بِنوح الَّذِي حمله الله فِي الْفلك
١٤٠ - حَيَاء نوح
فَيَأْتُونَ نوحًا ﵇ فينادون بأجمعهم يَا نوح فيشرف عَلَيْهِم من قصره فَينْظر إِلَى جَمَاعَتهمْ فَيَقُول لَهُم نوح يَا أهل الْجنَّة مَا الَّذِي أزعجكم من مَنَازِلكُمْ وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم فَيَقُولُونَ لَهُ يَا نوح أَنْت الَّذِي حملك الله فِي الْفلك إِن نَاسا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم
стр. 73
الدّين فَيَقُول لَهُم نوح لست هُنَالك أَنا الَّذِي خاطبت رَبِّي فِيمَا لَيْسَ لي بِهِ علم فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أسأله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بإبراهيم الَّذِي اتَّخذهُ الله خَلِيلًا وَجعل النَّار عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ فِي قصره فينادون بأجمعهم يَا إِبْرَاهِيم أَنْت الَّذِي اتخذك الله خَلِيلًا إِن نَاسا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول لَهُم لست هُنَالك أَنا الَّذِي كذبت كذبتين وَقيل ثَلَاث فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أسأله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بمُوسَى بن عمرَان كليم الله ونجيه
١٤١ - حَيَاء مُوسَى
فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ فينادونه فيشرف عَلَيْهِم فَيَقُول لَهُ يَا مُوسَى أَنْت الَّذِي كلمك الله بِغَيْر ترجمان وَأنزل عَلَيْهِ التَّوْرَاة وَضرب لَك طَرِيقا يبسا فِي الأَرْض وأراك الْعَجَائِب من قدرته إِن نَاسا من إِخْوَاننَا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول لَهُم مُوسَى لست هُنَالك أَنا الَّذِي وكزت الرجل فَقتلته فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أسأله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بِعِيسَى بن مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول الْبكر
١٤٢ - حَيَاء عِيسَى
فَيَأْتُونَ عِيسَى وَهُوَ ﷺ فِي قصره فينادون بأجمعهم يَا عِيسَى فيشرف عَلَيْهِم من قصره فَيَقُول لَهُم يَا أهل الْجنَّة مَا الَّذِي أزعجكم من مَنَازِلكُمْ وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم فَيَقُولُونَ لَهُ يَا عِيسَى أَنْت الَّذِي خلقك الله من غير بشر وَأَنت الَّذِي جعلك الله آيَة للنَّاس وَأَنت ابْن الطاهرة الْبكر الْعَذْرَاء البتول إِن نَاسا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول لست هُنَالك أَنا الَّذِي زعمت النَّصَارَى أَنِّي قلت لَهُم اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله فاستحي مِنْهُ أَن أسأله شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بِالَّذِي كَانَ آخر الْمُرْسلين وَهُوَ الْيَوْم أَوَّلهمْ عَلَيْكُم بِهِ فَهُوَ إِمَام الْمُتَّقِينَ وَسيد الْعَالمين وَخَاتم النَّبِيين مُحَمَّد ﷺ
١٤٣ - شَفَاعَة مُحَمَّد
فَيَأْتُونَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي قصره خير قُصُور الْجنَّة فيقفون حول الْقصر
стр. 74
وَالْقصر قد أشرق نوره وبهجته على جَمِيع قُصُور أهل الْجنَّة فينادون بأجمهم يَا مُحَمَّد يَا أَبَا الْقَاسِم يَا أَحْمد يَا سيد الْعَالمين يَا إِمَام الْمُتَّقِينَ يَا خَاتم النَّبِيين فيشرف عَلَيْهِم ﷺ من قصره والنور من وَجهه قد أشرق على قُصُور الْجنَّة كلهَا فَيَقُول لَهُم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ مَا الَّذِي أزعجكم من مَنَازِلكُمْ وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْت الَّذِي جعلك الله خَاتم النَّبِيين وَسيد الْعَالمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ إِن نَاسا من أمتك على الصِّرَاط محبوسون قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين
١٤٤ - دُخُوله جنَّة عدن
فَيَقُول النَّبِي ﷺ أَنا لَهَا فيلبس صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ الْحلِيّ وَالْحلَل وَيَضَع على رَأسه التَّاج صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ ويتبعه أهل الْجنَّة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى بَاب جنَّة عدن فيستفتح فَيُقَال من هَذَا قَالَ ﷺ فَأَقُول أَنا أَحْمد فَيفتح لي فَإِذا خلف السرداق ملك يتلألأ نور فيهولني مَا أرى مِنْهُ فيؤنسني ويمسحني فَيَقُول يَا أَحْمد أَنْت عبد وَأَنا عبد مثلك ثمَّ أمضي فأنتهي إِلَى سرداق ثَانِي فأستفتح فَيُقَال من هَذَا فَأَقُول أَنا أَحْمد فَيفتح لي فَإِذا خلف سرداق ملك عَظِيم أعظم خلقا وَأَشد نورا من الَّذِي رَأَيْت فيهولني مَا رَأَيْت من عظمه فيؤنسني ويمسحني وَيَقُول يَا أَحْمد أَنْت عبد وَأَنا عبد مثلك فَلَا أَزَال أَمْشِي فِي عظم الْمَلَائِكَة وَبَعْضهمْ أَشد نورا من بعض حَتَّى أَنْتَهِي إِلَى السرداق السَّابِع فأستفتح فَيُقَال من هَذَا فَأَقُول أَنا أَحْمد فَيفتح لي فَإِذا خلف السرداق جِبْرِيل ﵊ فَيَقُول مرْحَبًا بِهَذَا الصَّوْت لقد كنت إِلَيْهِ مشتاقا فأمضي حَتَّى أَنْتَهِي إِلَى الْحجب فترتفع الْحجب فيتجلى لي رب الْعَالمين ﷻ وعظمت قدرته فَإِذا نظرت إِلَيْهِ خَرَرْت لَهُ سَاجِدا فأحمده بتحميد مَا حَمده بِمثلِهِ ملك من حَملَة الْعَرْش وَلَا من حَملَة الْكُرْسِيّ وَلَا نَبِي مُرْسل حِينَئِذٍ فِي ذَلِك الْمَكَان حَتَّى يَقُول الكروبيون والروحانيون وَأَصْحَاب السرادقات إِن هَذَا لأهل أَن يشفعه الله فِيمَن يشفع
١٤٥ - سُجُوده بَين يَدي الله تَعَالَى
فَيَقُول الْجَبَّار ﷻ وعظمت قدرته يَا أَحْمد ارْفَعْ رَأسك وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع قَالَ رَسُول الله ﷺ فأرفع رَأْسِي من السُّجُود فَإِذا نظرت إِلَى رَبِّي ﷻ خَرَرْت سَاجِدا وأحمده وأثني عَلَيْهِ بِمثل مَا حمدته بِهِ فِي الْمرة الأولى
стр. 75
فأفعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات وربي ﷻ يَقُول لي فِي كل مرّة ارْفَعْ رَأسك وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب نَاسا من أمتِي محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فأتمم لَهُم نورهم وأضيء سراجهم وهم الَّذين يَقُولُونَ عِنْد ذَلِك ﴿رَبنَا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إِنَّك على كل شَيْء قدير﴾ التَّحْرِيم ٨ مَتى تمْضِي كَمَا مضى اخواننا إِلَى الْجنَّة فيبعث الله ﵎ الْمَلَائِكَة فَيَأْتُونَ بِالنورِ من جنَّة عدن ثمَّ يغمسون غمسا فيحي الله نورهم ويضيء سراجهم ثمَّ تقبل الْمَلَائِكَة على أهل جَهَنَّم فَيَقُولُونَ لَهُم ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة ادخُلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٤٩ وَذَلِكَ أَن أهل جَهَنَّم لما نظرُوا إِلَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف محبوسين على الصِّرَاط قَالَ بَعضهم لبَعض وَالله مَا حبسوا هَؤُلَاءِ إِلَّا ليدخلوا مَعنا فِي جَهَنَّم فَمن أجل ذَلِك قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة﴾ الْأَعْرَاف ٤٩ ثمَّ تقبل الملائمة على أَصْحَاب الْأَعْرَاف ١٤٦
جاه الْمُصْطَفى الْعَظِيم
فَيَقُولُونَ لَهُم ﴿ادخُلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٤٩ أَي لَا تَحْزَنُونَ وَلَا تموتون فِي الْجنَّة أبدا فيمضون والنور الَّذِي جَاءَتْهُم بِهِ الْمَلَائِكَة فِي جنَّة عدن يسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم حَتَّى يجوزوا الصِّرَاط ويدخلوا الْجنَّة ويلحقوا بمنازلهم وإخوانهم ونبيهم مُحَمَّد ﷺ وَإِنَّمَا حَبسهم الْجَبَّار ﷻ وعظمت قدرته ليظْهر جاه مُحَمَّد ﷺ وفضله وحرمته ودرجته ومنزلته ومكانه عِنْد الله ﵎ من الشَّفَاعَة ﷺ صَلَاة تشرف بهَا عقباه وتبلغه بهَا من الشَّفَاعَة الْعُظْمَى رِضَاهُ آمين يَا رب الْعَالمين صَلَاة دائمة مُنْتَهى الآباد طيبَة بَاقِيَة بِلَا انْقِطَاع وَلَا نفاد صَلَاة تنجينا بهَا من حر جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير وتدخلنا الْجنَّة مَعَ صحابته الْأَبْرَار الطيبين آمين يَا رب الْعَالمين
следующие страницы →