Полный текст (301 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْمَوَاضِع المرتفعة وَاحِدهَا عرف وَتسَمى النشز من الأَرْض وَهُوَ الْموضع الْمُرْتَفع عرفا وَمِنْهَا عرف الديك
١٣٧ - أهل الْأَعْرَاف
فَإِذا صَار على تِلْكَ الْمَوَاضِع من الصِّرَاط نقص نورهم وبقوا على أَطْرَاف أنامل أَرجُلهم وَرَأَوا أَن ذَلِك ظلمَة وَذَلِكَ أَن الْخلق على الصِّرَاط على قدر أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا فَمن النَّاس من يكون لَهُ من النُّور مَا يضيء على الصِّرَاط مسيرَة مائَة عَام وَمِنْهُم من يُعْطي من النُّور مَا يضيء لَهُ مسيرَة سنة وَمَا يضير مسيرَة شهر ومسيرة جُمُعَة ومسيرة يَوْم ومسيرة سَاعَة وَمن النَّاس من يُعْطي من النُّور مَا يضيء لَهُ مَوضِع قَدَمَيْهِ
على قدر مَنَازِلهمْ عِنْد الله ﵎ وعَلى قدر أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا فيستبقون فِي الْجَوَاز على قدر أنوارهم الَّتِي مَعَهم فَمن كَانَ لَهُ نور كثير جَازَ فِي السعَة وَمن كَانَ لَهُ نور قَلِيل جَازَ فِي الضّيق على قدر مَا أعْطى الله لكل عبد فَإِذا ثَبت أَصْحَاب الْأَعْرَاف على أنامل أَرجُلهم فِي ذَلِك وَلَا ينظرُونَ إِلَى مَوضِع أَقْدَامهم من شدَّة الظلمَة والظلمة هِيَ شدَّة سَواد جَهَنَّم أعاذنا الله وَإِيَّاكُم مِنْهَا وَسَهل لجميعنا شدائدها وظلمتها وَثَبت على الصِّرَاط أقدامنا بمنه وفضله
والصراط أحد من السَّيْف وأرق من الشعرة وأحر من الْجَمْر عَلَيْهِ من الحسك والكلاليب أَكثر من عدد الْإِنْس وَالْجِنّ قد تعلق بِكُل كَلوب من الزَّبَانِيَة عدد نُجُوم السَّمَاء إِذا تكلم وَاحِد مِنْهُم تناثر النَّار من فِيهِ لَو أَن وَاحِدًا مِنْهُم بَصق فِي الْبحار الزاخرة لجففها وَإِذا تكلم وَاحِد مِنْهُم فزع صَاحبه مِنْهُ وَلَو سمع أهل الدُّنْيَا صَوت وَاحِد يتَكَلَّم بالْكلَام لمات كل من فِيهَا من إنسها وجنها وَجَمِيع مَا خلق الله ﵎ فِيهَا من برهَا وبحرها من فظاعة كَلَامه وَمن شدَّة صَوته وَإِذا صَاح مَالك خَازِن جَهَنَّم على خَزَنَة جَهَنَّم يغشى عَلَيْهِم من شدَّة صَوته
والصراط مَعَ دقته ورقته يضطرب كَمَا تضطرب السَّفِينَة بِأَهْلِهَا إِذا كَانَت الرّيح عَاصِفَة فَإِذا ثَبت الْقَوْم على أناملهم من أَرجُلهم وَلَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَاز وهم ينظرُونَ إِلَى أهل النَّار كَيفَ يُعَذبُونَ فِي النَّار قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا صرفت أَبْصَارهم تِلْقَاء أَصْحَاب النَّار قَالُوا رَبنَا لَا تجعلنا مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ الْأَعْرَاف ٤٧ وهم يستغيثون ويتضرعون إِلَى مَوْلَاهُم ﷻ ويسألونه النجَاة من النَّار وَمن هول مَا هم فِيهِ من صعوبة الصِّرَاط فيمكثون كَذَلِك مَا شَاءَ الله تبَارك
стр. 72
وَتَعَالَى مغمومين مكروبين محزونين لَا يَدْرُونَ أينجون أم يهْلكُونَ مَعَ كل إِنْسَان مِنْهُم حافظاه اللَّذَان كَانَا يكتبان عَلَيْهِ عمله فِي الدُّنْيَا فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ يلقى الله ﵎ ذكرهم فِي قُلُوب إخْوَانهمْ من أهل الْجنَّة وعَلى ألسنتهم فَيَقُول بَعضهم لبَعض يَا لَيْت شعرنَا مَا فعل إِخْوَاننَا من أهل الْأَعْرَاف فَيَقُولُونَ مَا لنا علم بِمَا صَنَعُوا وَلَكنَّا نسْأَل الْحفظَة وَمن مَعَهم حَتَّى يخبرونا مَا فعلوا فينادون من قصورهم يَا معشر الْمَلَائِكَة الَّذين مَعَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف مَا فعل أخواننا من أَصْحَاب الْأَعْرَاف
١٣٨ - شَفَاعَة أهل الْجنَّة فِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف
فَيَقُول الْمَلَائِكَة يَا معشر أهل الْجنَّة أَصْحَاب الْأَعْرَاف لم يدخلوها وهم يطمعون بِدُخُولِهَا قد قل نورهم وطفئ سراجهم وبقوا على أَطْرَاف أناملهم وأرجلهم وهم وقُوف ينتظرون رَحْمَة رَبهم فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَادَوْا أَصْحَاب الْجنَّة﴾ الْأَعْرَاف ٤٦ يَعْنِي نادت الْمَلَائِكَة أَصْحَاب الْجنَّة ﴿أَن سَلام عَلَيْكُم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ الْأَعْرَاف ٤٦
١٣٩ - حَيَاء آدم
فَعِنْدَ ذَلِك يلبس أهل الْجنَّة الْحلِيّ وَالْحلَل ويضعون التيجان على رؤوسهم ثمَّ يمصون بأجمعهم حَتَّى يَأْتُوا آدم ﵊ وَهُوَ فِي قصره فينادون بأجمعهم يَا أَبَانَا أَنْت الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وأسجد لَك كرام مَلَائكَته وأسكنك جنته إِن نَاسا من ولدك محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول آدم ﵇ لست هُنَالك أَنا الَّذِي عصيت رَبِّي وأكلت من الشّجر فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أساله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم يَا بني بِنوح الَّذِي حمله الله فِي الْفلك
١٤٠ - حَيَاء نوح
فَيَأْتُونَ نوحًا ﵇ فينادون بأجمعهم يَا نوح فيشرف عَلَيْهِم من قصره فَينْظر إِلَى جَمَاعَتهمْ فَيَقُول لَهُم نوح يَا أهل الْجنَّة مَا الَّذِي أزعجكم من مَنَازِلكُمْ وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم فَيَقُولُونَ لَهُ يَا نوح أَنْت الَّذِي حملك الله فِي الْفلك إِن نَاسا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم
стр. 73
الدّين فَيَقُول لَهُم نوح لست هُنَالك أَنا الَّذِي خاطبت رَبِّي فِيمَا لَيْسَ لي بِهِ علم فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أسأله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بإبراهيم الَّذِي اتَّخذهُ الله خَلِيلًا وَجعل النَّار عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ فِي قصره فينادون بأجمعهم يَا إِبْرَاهِيم أَنْت الَّذِي اتخذك الله خَلِيلًا إِن نَاسا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول لَهُم لست هُنَالك أَنا الَّذِي كذبت كذبتين وَقيل ثَلَاث فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أسأله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بمُوسَى بن عمرَان كليم الله ونجيه
١٤١ - حَيَاء مُوسَى
فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ فينادونه فيشرف عَلَيْهِم فَيَقُول لَهُ يَا مُوسَى أَنْت الَّذِي كلمك الله بِغَيْر ترجمان وَأنزل عَلَيْهِ التَّوْرَاة وَضرب لَك طَرِيقا يبسا فِي الأَرْض وأراك الْعَجَائِب من قدرته إِن نَاسا من إِخْوَاننَا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول لَهُم مُوسَى لست هُنَالك أَنا الَّذِي وكزت الرجل فَقتلته فغفر لي وَأَنا أستحي أَن أسأله بعد الْمَغْفِرَة شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بِعِيسَى بن مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول الْبكر
١٤٢ - حَيَاء عِيسَى
فَيَأْتُونَ عِيسَى وَهُوَ ﷺ فِي قصره فينادون بأجمعهم يَا عِيسَى فيشرف عَلَيْهِم من قصره فَيَقُول لَهُم يَا أهل الْجنَّة مَا الَّذِي أزعجكم من مَنَازِلكُمْ وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم فَيَقُولُونَ لَهُ يَا عِيسَى أَنْت الَّذِي خلقك الله من غير بشر وَأَنت الَّذِي جعلك الله آيَة للنَّاس وَأَنت ابْن الطاهرة الْبكر الْعَذْرَاء البتول إِن نَاسا محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين فَيَقُول لست هُنَالك أَنا الَّذِي زعمت النَّصَارَى أَنِّي قلت لَهُم اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله فاستحي مِنْهُ أَن أسأله شَيْئا وَلَكِن عَلَيْكُم بِالَّذِي كَانَ آخر الْمُرْسلين وَهُوَ الْيَوْم أَوَّلهمْ عَلَيْكُم بِهِ فَهُوَ إِمَام الْمُتَّقِينَ وَسيد الْعَالمين وَخَاتم النَّبِيين مُحَمَّد ﷺ
١٤٣ - شَفَاعَة مُحَمَّد
فَيَأْتُونَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي قصره خير قُصُور الْجنَّة فيقفون حول الْقصر
стр. 74
وَالْقصر قد أشرق نوره وبهجته على جَمِيع قُصُور أهل الْجنَّة فينادون بأجمهم يَا مُحَمَّد يَا أَبَا الْقَاسِم يَا أَحْمد يَا سيد الْعَالمين يَا إِمَام الْمُتَّقِينَ يَا خَاتم النَّبِيين فيشرف عَلَيْهِم ﷺ من قصره والنور من وَجهه قد أشرق على قُصُور الْجنَّة كلهَا فَيَقُول لَهُم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ مَا الَّذِي أزعجكم من مَنَازِلكُمْ وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْت الَّذِي جعلك الله خَاتم النَّبِيين وَسيد الْعَالمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ إِن نَاسا من أمتك على الصِّرَاط محبوسون قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لَهُم عِنْد ديان يَوْم الدّين
١٤٤ - دُخُوله جنَّة عدن
فَيَقُول النَّبِي ﷺ أَنا لَهَا فيلبس صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ الْحلِيّ وَالْحلَل وَيَضَع على رَأسه التَّاج صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ ويتبعه أهل الْجنَّة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى بَاب جنَّة عدن فيستفتح فَيُقَال من هَذَا قَالَ ﷺ فَأَقُول أَنا أَحْمد فَيفتح لي فَإِذا خلف السرداق ملك يتلألأ نور فيهولني مَا أرى مِنْهُ فيؤنسني ويمسحني فَيَقُول يَا أَحْمد أَنْت عبد وَأَنا عبد مثلك ثمَّ أمضي فأنتهي إِلَى سرداق ثَانِي فأستفتح فَيُقَال من هَذَا فَأَقُول أَنا أَحْمد فَيفتح لي فَإِذا خلف سرداق ملك عَظِيم أعظم خلقا وَأَشد نورا من الَّذِي رَأَيْت فيهولني مَا رَأَيْت من عظمه فيؤنسني ويمسحني وَيَقُول يَا أَحْمد أَنْت عبد وَأَنا عبد مثلك فَلَا أَزَال أَمْشِي فِي عظم الْمَلَائِكَة وَبَعْضهمْ أَشد نورا من بعض حَتَّى أَنْتَهِي إِلَى السرداق السَّابِع فأستفتح فَيُقَال من هَذَا فَأَقُول أَنا أَحْمد فَيفتح لي فَإِذا خلف السرداق جِبْرِيل ﵊ فَيَقُول مرْحَبًا بِهَذَا الصَّوْت لقد كنت إِلَيْهِ مشتاقا فأمضي حَتَّى أَنْتَهِي إِلَى الْحجب فترتفع الْحجب فيتجلى لي رب الْعَالمين ﷻ وعظمت قدرته فَإِذا نظرت إِلَيْهِ خَرَرْت لَهُ سَاجِدا فأحمده بتحميد مَا حَمده بِمثلِهِ ملك من حَملَة الْعَرْش وَلَا من حَملَة الْكُرْسِيّ وَلَا نَبِي مُرْسل حِينَئِذٍ فِي ذَلِك الْمَكَان حَتَّى يَقُول الكروبيون والروحانيون وَأَصْحَاب السرادقات إِن هَذَا لأهل أَن يشفعه الله فِيمَن يشفع
١٤٥ - سُجُوده بَين يَدي الله تَعَالَى
فَيَقُول الْجَبَّار ﷻ وعظمت قدرته يَا أَحْمد ارْفَعْ رَأسك وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع قَالَ رَسُول الله ﷺ فأرفع رَأْسِي من السُّجُود فَإِذا نظرت إِلَى رَبِّي ﷻ خَرَرْت سَاجِدا وأحمده وأثني عَلَيْهِ بِمثل مَا حمدته بِهِ فِي الْمرة الأولى
стр. 75
فأفعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات وربي ﷻ يَقُول لي فِي كل مرّة ارْفَعْ رَأسك وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب نَاسا من أمتِي محبوسون على الصِّرَاط قل نورهم وطفئ سراجهم فأتمم لَهُم نورهم وأضيء سراجهم وهم الَّذين يَقُولُونَ عِنْد ذَلِك ﴿رَبنَا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إِنَّك على كل شَيْء قدير﴾ التَّحْرِيم ٨ مَتى تمْضِي كَمَا مضى اخواننا إِلَى الْجنَّة فيبعث الله ﵎ الْمَلَائِكَة فَيَأْتُونَ بِالنورِ من جنَّة عدن ثمَّ يغمسون غمسا فيحي الله نورهم ويضيء سراجهم ثمَّ تقبل الْمَلَائِكَة على أهل جَهَنَّم فَيَقُولُونَ لَهُم ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة ادخُلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٤٩ وَذَلِكَ أَن أهل جَهَنَّم لما نظرُوا إِلَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف محبوسين على الصِّرَاط قَالَ بَعضهم لبَعض وَالله مَا حبسوا هَؤُلَاءِ إِلَّا ليدخلوا مَعنا فِي جَهَنَّم فَمن أجل ذَلِك قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة﴾ الْأَعْرَاف ٤٩ ثمَّ تقبل الملائمة على أَصْحَاب الْأَعْرَاف ١٤٦
جاه الْمُصْطَفى الْعَظِيم
فَيَقُولُونَ لَهُم ﴿ادخُلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٤٩ أَي لَا تَحْزَنُونَ وَلَا تموتون فِي الْجنَّة أبدا فيمضون والنور الَّذِي جَاءَتْهُم بِهِ الْمَلَائِكَة فِي جنَّة عدن يسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم حَتَّى يجوزوا الصِّرَاط ويدخلوا الْجنَّة ويلحقوا بمنازلهم وإخوانهم ونبيهم مُحَمَّد ﷺ وَإِنَّمَا حَبسهم الْجَبَّار ﷻ وعظمت قدرته ليظْهر جاه مُحَمَّد ﷺ وفضله وحرمته ودرجته ومنزلته ومكانه عِنْد الله ﵎ من الشَّفَاعَة ﷺ صَلَاة تشرف بهَا عقباه وتبلغه بهَا من الشَّفَاعَة الْعُظْمَى رِضَاهُ آمين يَا رب الْعَالمين صَلَاة دائمة مُنْتَهى الآباد طيبَة بَاقِيَة بِلَا انْقِطَاع وَلَا نفاد صَلَاة تنجينا بهَا من حر جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير وتدخلنا الْجنَّة مَعَ صحابته الْأَبْرَار الطيبين آمين يَا رب الْعَالمين
стр. 76
٥ - مجْلِس فِي قَوْله تَعَالَى
(يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا)
١٤٧ - فِي حِسَاب الْمَلَائِكَة وَالرسل واللوح الْمَحْفُوظ
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (تقف للعرض الْأَكْبَر بَين يَدي رب الْعَالمين فيغرقون على قدر أَعْمَالهم)
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ يَقُول الله ﵎ يَوْم الْقِيَامَة يَا بني آدم انصتوا فطالما نصت لكم وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فقد نصت لكم من يَوْم خلقتكم إِلَى يَوْم هَذَا أسمع قَوْلكُم وَأنْظر أَعمالكُم فانظروا الْيَوْم أَعمالكُم تعرض عَلَيْكُم فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه احشروا عَليّ عبَادي فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يجوزني ظلم ظَالِم
فَكيف بك يَا مِسْكين يَا مغرور يَا تَارِك الْحق وَالصَّوَاب يَا مُخَالف السّنة وَالْكتاب يَا ظَالِما لنَفسِهِ يَا غافلا عَن الْحساب يَا من بذل نَفسه لأليم الْعَذَاب يَا من تَمَادى فِي مَعْصِيّة رب الأرباب وَنسي الْجنَّة وَحسن المآب
وأنشدوا
(إِلَى كم لَا تفيق من التصابي ... وَهَذَا الْعُمر يُؤذن بالذهاب)
(ويرضى بِالْقَلِيلِ الْمَرْء حظا ... ويزهد فِي الْكثير من الثَّوَاب)
(فَقدما غرت الدُّنْيَا أُنَاسًا ... كَمَا غر المحين بِالشرابِ)
(تمنيهم غرُورًا باطلات ... وتخدعهم بآمال كَذَّاب)
стр. 77
(كَأَنَّك لَا ترى فِي كل يَوْم ... جنائز تستحث إِلَى الخراب)
(خلقت من التُّرَاب وَعَن قريب ... ستلحق غير شكّ بِالتُّرَابِ)
(وتحيا بعد موتك كي تجازي ... بِمَا قدمت فِي يَوْم الْحساب)
(فَإنَّك تَكُ بالمسيء بقبح فعل ... فحسبك بالعقاب مَعَ الْعَذَاب)
(وَإِن كنت الَّذِي قدمت خيرا ... جزيت بِهِ غَدا حسن المآب)
١٤٨ - تبكيت الله تَعَالَى للجبابرة
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الْجَبَّار ﷻ إِذا اجْتمع الْأَولونَ وَالْآخرُونَ فِي عَرصَة الْقِيَامَة نَادَى أَيْن الْجَبَابِرَة وَأَبْنَاء الْجَبَابِرَة أَيْن الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك قصمت الْجَبَابِرَة بسلطاني وأفنيت الْمُلُوك بعظمتي
ذكر فِي الْخَبَر أَن الْجَبَابِرَة يحشرون يَوْم الْقِيَامَة على صور الذَّر أَصْغَر الْخَلَائق خلقَة لتجبرهم على الْعباد والجبابرة هم الَّذين تجبروا على الْخلق وَعَن اتِّبَاع سنة رَسُول الله ﷺ
وَقيل الْجَبَابِرَة هم الَّذين جبروا الْمَسَاكِين والضعفاء على مَا لم يطيقوا وَهَذَا الِاسْم قد اشْترك فِيهِ الْخَالِق والمخلوق فالخالق ﷻ هُوَ جَبَّار على الْحَقِيقَة
١٤٩ - تَفْسِير الْجَبَّار
وَتَفْسِير الْجَبَّار فِي حق الله تَعَالَى الَّذِي جبر عباده على مَا أَرَادَ وَقيل الَّذِي يجْبر عَن ظلم الْعباد إِن الله تَعَالَى جلّ اسْمه لَا ينْسب إِلَيْهِ الظُّلم لِأَن حد الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه لِأَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ملك الله تَعَالَى والجبار من الْعباد هُوَ الظَّالِم الَّذِي يضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه يَأْخُذ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَق وَيَردهُ إِلَى مَا قد ملكه الله ﵎ وَإِذا قضى الله تَعَالَى على عَبده بِقَضَاء فَهُوَ لَهُ خيرا
стр. 78
لقَوْل رَسُول الله ﷺ (لَا يكمل لِلْمُؤمنِ إيمَانه حَتَّى يرى أَن الَّذِي قَضَاهُ الله عَلَيْهِ أَو لَهُ خير لَهُ من الَّذِي أَرَادَ لنَفسِهِ) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (فِي قَضَاء الله تَعَالَى خيرا إِلَّا قَضَاء النَّار) وَإِذا قضى الله ﵎ على عَبده بالنَّار فَهُوَ عَبده وَهُوَ خلقه لم يعنه أحد على خلقه وَلَا على رزقه وَهُوَ يفعل مَا يُرِيد لَا شريك لَهُ فِي ملكه
ثمَّ يُنَادي الْجَلِيل ﷻ ﴿يَا عباد لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ﴾ الزخرف ٦٩ فَإِذا سمع الْخلق هَذَا النداء رفعوا رؤوسهم وطمعوا كلهم فِي هَذَا النداء وَقَالُوا كلهم نَحن عباد الله ثمَّ يُنَادي ثَانِيَة ﴿الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين﴾ الزخرف فَعِنْدَ ذَلِك ينكس رَأسه كل من لم يكن مُسلما فَتبقى أهل الْأَدْيَان متحيرين ويفرح الْمُسلمُونَ ثمَّ يُنَادي ثَالِثَة ﴿الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يُونُس ٦٣ أَي كَانُوا يَتَّقُونَ الْكَبَائِر فينكس أهل الْكَبَائِر من أهل التَّوْحِيد رؤوسهم وَيرْفَع رؤوسهم سَائِر أهل التَّوْحِيد الَّذين اجتنبوا الْكَبَائِر وتابوا عَنْهَا تَوْبَة نصُوحًا
فَكيف بك يَا مغرور يَا مِسْكين قد ارتكبت الْكَبَائِر والصغائر وعصيت مَوْلَاك فِي الخفيات والظواهر وأيقنت أَنَّك مسئول يَوْم تبلى السرائر ولاق من الْعقُوبَة على ذَلِك الْحَظ الجزيل الوافر
وأنشدوا
(عصيت الله ألوان الْمعاصِي ... كَأَنِّي لست أوقن بِالْقصاصِ)
(فَمَالِي لَا أنوح على ذُنُوبِي ... وأبكي يَوْم يُؤْخَذ بالنواصي)
١٥٠ - نصيحة
فَانْظُر لنَفسك يَا مِسْكين يَا ضَعِيف الْإِيمَان وَالْيَقِين قبل حُلُول النَّدَم وَزَوَال النعم ونزول النقم حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم
فاستعد للسؤال وتهيأ للجدال قَالَ الله الْكَبِير المتعال ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا وَتوفى كل نفس مَا عملت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ النَّحْل ١١١
١٥١ - السَّائِق والشهيد
فَإِذا سمع الْعباد النداء وَعلم كل عبد وَأمة مَنْزِلَته من جَمِيع أهل الْأَدْيَان نشرت الدَّوَاوِين وَوضعت الموازين وَجِيء بالنبيين ونصبت المنابر بالأنبياء وَالرسل فيجلس كل نَبِي على منبره وَأمته قد أحدقت بِهِ ونصبت الكراسي
стр. 79
للصديقين وَالشُّهَدَاء
﴿وَجَاءَت كل نفس مَعهَا سائق وشهيد﴾ ق ٢١ سائق يَسُوقهَا وَشَاهد يشْهد عَلَيْهَا فَالنَّاس ينقسمون فِي السِّيَاقَة على قسمَيْنِ قسم تسوقه الْمَلَائِكَة ببر وإكرام ورق وإجلال وتؤمنهم وتهديء روعاتهم كلما نظر العَبْد إِلَى من يعذب أَو ينكل يَقُول لَهُ سائقه من الْمَلَائِكَة يَا عبد الله مَا أَنْت مثل هَذَا هَذَا عصى الله وَأَنت أطعته
وَالْقسم الثَّانِي يساقون بالانتهار والسطوة والإغلاظ يَسُوقهُ سائقه وَهُوَ يروعه وَيَقُول لَهُ يَا عَدو الله هَذَا الْحساب سَوف تَدْرِي كلما نظر الْمِسْكِين إِلَى من يعذب أَو ينكل قَالَ لَهُ سائقه السَّاعَة تكون أَنْت مثل هَذَا هَذَا عصى الله وَأَنت عصيته أما علمت يَا عَدو الله أَن الْحساب والحشر أمامك
وأنشدوا
(كَأَنِّي بنفسي قد بلغت مدى عمري ... وَأنْكرت مَا قد كنت أعرف من دهري)
(وطالبني من لَا أقوم بِدَفْعِهِ ... وحولت من دَاري إِلَى ظلمَة الْقَبْر)
(وفاز بميراثي أنَاس فشتتوا ... بإفسادهم مَا كنت أجمع من أَمْرِي)
(وأغفلني من كَانَ يُبْدِي محبتي ... فأخلصه ودي ويغمره بري)
(فَلم يسخ لي مِنْهُم صديق بدعوة ... إِذا مَا جرى يَوْمًا بِحَضْرَتِهِ ذكرى)
(وأضحى لبيتي سَاكن مبهج بِهِ ... وَفِي اللَّحْد بَيْتِي لَا أقوم إِلَى الْحَشْر)
(فيا شقوتي إِن لم يجد بنجاته ... إلهي وَلم يجْبر برحمته فقري)
(فقد أثقلت ظَهْري ذنُوب لَو أَنَّهَا ... على ظهر طور أثقلته فِي الْوزر)
فَمَا أعظم مصيبتكم وَمَا أطول حسرتكم إِن لم يعف عَنْكُم مولاكم وَجعل النَّار مأواكم فاغتنموا التِّجَارَة فِي دَار الفناء والذهاب يجازيكم بهَا مولاكم عِنْد مناقشة الْحساب فالحساب عَظِيم عسير والهول وَالله جليل كَبِير والناقد مُمَيّز بَصِير وَالْيَوْم عبوس قمطرير
١٥٢ - اللَّوْح الْمَحْفُوظ
ذكر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ إِذا جمع الله ﵎ الْأَوَّلين والآخرين فِي صَعِيد وَاحِد ونشرت الدَّوَاوِين ونصبت الموازين وأحضرت الْأَنْبِيَاء بأممها وَحضر الصديقيون وَالشُّهَدَاء وَحشر وحوش الأَرْض وهوامها وطيورها وأنعامها وسكان جبالها وبحارها
стр. 80
يُنَادي مُنَاد من قبل الْعَرْش أَيْن اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَيُؤتى باللوح الْمَحْفُوظ فَيُوقف بَين يَدي الْجَبَّار ﷻ خاضعا ذليلا فَيَقُول لَهُ ﵎ مَا صنعت بِالْوَحْي الَّذِي أنزلت فِيك واللوح من درة بَيْضَاء صفحتاه من ياقوتة حَمْرَاء عرضه كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ينظر الله ﵎ فِيهِ فِي كل يَوْم ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ نظرة فيخلق فِي كل نظرة ويحيي وَيُمِيت ويعز ويذل وَيرْفَع أَقْوَامًا وَيفْعل بهم الْخَيْر ويوقفهم بفضله ويخفض أَقْوَامًا ويصدهم عَن منهاج الْهدى بعدله لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون يَوْم الْقِيَامَة لأَنهم مَا قدرُوا الله حق قدره وَلَا عبدوه حق عِبَادَته لِأَنَّهُ ﷻ أجل وَأعظم من أَن يُوفى فِي الْعِبَادَة وَالطَّاعَة والمعرفة حَقه مَا قدر على هَذَا نَبِي مُرْسل وَلَا ملك مقرب فسبحان من لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بِالْعَجزِ عَن مَعْرفَته
قَالَ فيقف اللَّوْح بَين يَدي الْجَبَّار ﷻ وعظمة قدرته فَيَقُول لَهُ أَيهَا اللَّوْح الْمَحْفُوظ مَا صنعت بِالَّذِي أنزلته فِيك فَيَقُول اللَّوْح الْمَحْفُوظ سَيِّدي ومولاي بلغته عَبدك مِيكَائِيل
١٥٣ - رِسَالَة مِيكَائِيل
فينادي أَيْن مِيكَائِيل فَيُؤتى بِهِ ﷺ وَهُوَ ملك عَظِيم لَهُ سِتَّة عشر ألف جنَاح لَو نشر مِنْهَا جنَاحا وَاحِدًا فِي الدُّنْيَا لما وسعته فيقف بَين يَدي الله ﵎ خاضعا ذليلا قد بلغت نَفسه إِلَى حنجرته فَلَا هِيَ تدخل وَلَا هِيَ تخرج خوفًا وجزعا وهيبة من الْجَبَّار ﷻ فَيَقُول الله لَهُ مَا صنعت بِالْوَحْي الَّذِي بلغ إِلَيْك اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهل تشهد لَهُ بالتبليغ وَأَنا أعلم بذلك مِنْك وَلَكِن سبق فِي علمي أَنِّي أَسأَلك الْيَوْم عبَادي وَجَمِيع خلقي وَاسْتشْهدَ بَعضهم على بعض فَيَقُول مِيكَائِيل يَا رب بَلغنِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وبلغته عَبدك إسْرَافيل وَأَنت أعلم
١٥٤ - رِسَالَة إسْرَافيل
فَيبرأ اللَّوْح الْمَحْفُوظ بِشَهَادَة مِيكَائِيل لَهُ ثمَّ يُنَادي أَيْن إسْرَافيل فَيُؤتى بِهِ ﷺ وَهُوَ ملك عَظِيم لَهُ جنَاح بالمشرق وَجَنَاح بالمغرب وَرجلَاهُ تَحت تخوم الأَرْض السَّابِعَة السُّفْلى وَالْعرش على رَأسه فيقف بَين يَدي الله ﵎ وَجل مَعَ عظم خلقه خاضعا ذليلا قد ذهلت نَفسه وَتغَير لَونه وارتعدت فرائصه واضطربت أوصاله واصطكت ركبتاه وَقد بلغت نَفسه إِلَى حلقه فَلَا هِيَ تدخل وَلَا
стр. 81
هِيَ تخرج خوفًا وجزعا وهيبة من الله ﵎
فَيَقُول لَهُ الْجَبَّار ﷻ مَا صنعت بِالْوَحْي الَّذِي بلغك مِيكَائِيل وَهل بلغك وَهل تشهد لَهُ بالتبليغ وَأَنا علام الغيوب
فَيَقُول إسْرَافيل ﵇ نعم يَا سَيِّدي ومولاي قد بَلغنِي وَأَنت أعلم وَقد بلغته عَبدك جِبْرِيل ﵇ فَيبرأ مِيكَائِيل بِشَهَادَة إسْرَافيل ﵉
١٥٥ - رِسَالَة جِبْرِيل
ثمَّ يُنَادي أَيْن جِبْرِيل فَيُؤتى بِجِبْرِيل ﵇ وَقد تغير لَونه وتبلبل لبه وارتعدت فرائصه واضطربت أوصاله واصطكت ركبتاه وَقد بلغت نَفسه إِلَى حلقه فَلَا هِيَ تدخل وَلَا هِيَ تخرج جزعا وخوفا من الْجَبَّار ﷻ فَيَقُول الله ﵎ يَا جِبْرِيل مَا صنعت بِالْوَحْي الَّذِي بلغك عَبدِي إسْرَافيل وَهل تشهد لَهُ بالتبليغ فَيَقُول جِبْرِيل ﵇ نعم يَا سَيِّدي ومولاي بَلغنِي وبلغته نبيك نوحًا ﵇ وَأَنت أعلم
فَيبرأ إسْرَافيل بِشَهَادَة جِبْرِيل ١٥٦
شَهَادَة نوح
فَيُؤتى بِنوح ﵇ حَتَّى يُوقف بَين يَدي الْجَبَّار ﷻ وَقد ذهبت نَفسه وَتغَير لَونه وَقد مَاتَ فَزعًا وخوفا من الْجَبَّار ﷻ فَيَقُول الْجَبَّار ﷻ يَا نوح مَا صنعت بِالْوَحْي الَّذِي بلغك عَبدِي جِبْرِيل ﵇ وَهل تشهد لَهُ بالتبليغ فَيَقُول ﵊ نعم يَا سَيِّدي ومولاي قد بَلغنِي عَبدك جِبْرِيل ﵇ وَقد بلغته قومِي وَأَنت أعلم من جَمِيع عِبَادك بذلك
فَيَقُول الله ﵎ صدقت أَنا أعلم من جَمِيع خلقي وَلَكِن قد سبق فِي علمي أَن أسأَل جَمِيع خلقي وأستشهد بَعضهم على بعض وَأَنا الْحَاكِم الْجَبَّار الَّذِي لَا أجور فِي حكمي
ثمَّ يَدعِي بِقوم نوح ﵇ فَيَقُول لَهُم مَا صَنَعْتُم بِالْوَحْي الَّذِي بَلغَكُمْ نوح ﵇ وَهل بَلغَكُمْ وَهل تَشْهَدُون لَهُ بالتبليغ فَيَقُول قوم نوح رَبنَا مَا جَاءَنَا من نَذِير وَلَا رَأَيْنَاهُ يَوْمًا قطّ وَلَا سمعنَا بِهِ وَلَا بلغ إِلَيْنَا رِسَالَة فَإِذا سمع نوح ﵇ كَلَام قومه ذهبت نَفسه وود لَو ابتلعته الأَرْض وَلَو قضى الله ﵎ بِالْمَوْتِ لمات نوح حِين جَحده قومه حَيَاء من الله ﵎ فَيَقُول الله ﵎ يَا نوح هَل تَجِد من يشْهد لَك أَنَّك قد بلغت قَوْمك
стр. 82
الرسَالَة فَينْظر نوح ﵇ فِي الْموقف يَمِينا وَشمَالًا ومشرقا ومغربا يَتَّضِح ويتبصر من بَين سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَبَين كراسي الشُّهَدَاء وَالصديقين فَلَا يرى فِي المنابر أعلا وَلَا أنور وَلَا أحسن وَلَا أزهى من مِنْبَر مُحَمَّد ﷺ
١٥٧ - جاه الرَّسُول الْأَعْظَم
وَلَا يرى فِي الْأَنْبِيَاء أحسن وَجها من وَجه مُحَمَّد ﷺ وَلَا يرى نوح فِي الكراسي أنور وَلَا أحسن من كراسي أمة مُحَمَّد ﷺ وَلَا يرى أبهى وَلَا أنور وَلَا أحسن من كرْسِي أبي بكر الصّديق ﵁
وَلَا يرى فِي الْوُجُوه أحسن وَجها من وُجُوه أمة مُحَمَّد ﷺ وَلَا يرى فِي الصديقين وَالشُّهَدَاء أحسن وَلَا أبهى وَلَا أنور من وَجه أبي بكر الصّديق ﵁
١٥٨ - فضل أبي بكر الصّديق
فَيَقُول لَهُ نوح قد أصبت من يشْهد لي يَا مولَايَ وسيدي فَيَقُول الله ﵎ وَهُوَ أعلم من يشْهد لَك يَا نوح فَيَقُول نوح ﵇ يشْهد لي مُحَمَّد ﷺ وَأمته بِأَنِّي قد بلغت قومِي الرسَالَة فينادي مُنَاد أَيْن النَّبِي الْأُمِّي الْعَرَبِيّ التهامي أَيْن أَحْمد أَيْن سيد الْعَالمين أَيْن خَاتم النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ أَيْن إِمَام الْمُتَّقِينَ فَعِنْدَ ذَلِك يقوم مُحَمَّد ﷺ وَعند ذَلِك يرفع أهل الْجمع رؤوسهم إِذا رَأَوْا رَسُول الله ﷺ فيمضي صلوَات الله عَلَيْهِ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى ربه فَيَقُول لَهُ ربه يَا أَحْمد ونوح قَائِم ينظر مَا تَقول هَل بلغ نوح الرسَالَة إِلَى قومه فَيَقُول مُحَمَّد ﷺ نعم يَا سَيِّدي ومولاي قد بلغ وَأقَام يَدعُوهُم إِلَى الْإِيمَان ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما
فَيَقُول الْجَبَّار ﷻ صدقت يَا أَحْمد
فَعِنْدَ ذَلِك يفرح نوح ﵇ ويتهلل وَجهه
ثمَّ يَقُول الله تَعَالَى يَا مُحَمَّد هَلُمَّ أمتك إِلَى الْحساب وَالشَّهَادَة فَبَيْنَمَا الْخَلَائق فِي الْموقف إِذْ يموج بَعضهم فِي بعض ويفزعون فزعة عَظِيمَة فتجتمع كل أمة حول نبيها وَتنظر أمة مُحَمَّد ﷺ يَمِينا وَشمَالًا فَلَا يرَوْنَ النَّبِي مُحَمَّد ﷺ والأمم قد أحدقت بأنبيائها وَينظر الْأَنْبِيَاء والأمم إِلَى مِنْبَر رَسُول الله ﷺ خَالِيا
١٥٩ - مِنْبَر الرَّسُول والمحشر
فَيَقُول بَعضهم لبَعض لمن هَذَا الْمِنْبَر الَّذِي لَا يرى فِي الْموقف مثله لحسنه
стр. 83
وجماله وَلَا يرى أنور مِنْهُ وَلَا أعلا وَلَا أبهى مِنْهُ ونراه خَالِيا وَلَا نرى لَهُ صاحبا فَبَيْنَمَا هم ينظرُونَ إِلَى مِنْبَر النَّبِي ﷺ إِذْ يُنَادي الْمُنَادِي أَلا إِن هَذَا الْمِنْبَر مِنْبَر مُحَمَّد ﷺ وَأَن مُحَمَّدًا ﷺ يُنَاجِي ربه فِي المذنبين من أمته يشفع لَهُم إِلَى الله تَعَالَى فَبَيْنَمَا هَذِه الْأمة وقُوف مغمومون محزونون بِمَا يَأْتِي النَّبِي ﷺ من عِنْد ربه إِذْ يخرج إِلَيْهِم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ من عِنْد ربه ﷻ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَيْهِم فَيقوم بَينهم فيرفعون رؤوسهم وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَإِذا رَآهُمْ صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ أرسل عَيْنَيْهِ بالبكاء فَإِذا نظرُوا ﴿تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ الْآيَة ذَلِك يَوْم مهول عبوس يَوْم تشيب فِيهِ الرؤوس وتذهل فِيهِ النُّفُوس وتبلو كل نفس مَا أسلفت وَتقدم كل أمة على مَا قدمت وتذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت يجد وَالله كل عبد وَأمة مَا عمل وَقدم من خير ثَوابًا ونعيما وسرورا مُقيما وَربا كَرِيمًا رؤوفا بعباده رحِيما ويجد كل عبد وَأمة مَا عمل من شَرّ خزيا جسيما وَنَارًا وَجَحِيمًا وَعَذَابًا مُقيما ونكالا أَلِيمًا وَربا غضبانا عَظِيما ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت﴾ آل عمرَان ٣٠
١٦٠ - الثَّوَاب وَالْعِقَاب
يجد الطائع الثَّوَاب ويجد الْفَاسِق الْعَذَاب يجد الْمُؤمن لَذَّة الْوِصَال بِالنّظرِ إِلَى الْكَبِير المتعال فِي دَار الْخلد والجلال ويجد الْكَافِر الْعَذَاب والنكال والسلاسل والأغلال والجحيم والخبال وفظاعة الْأَهْوَال ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت﴾ آل عمرَان ٣٠ يجد الْمُؤمن النَّعيم والكرامة والأمن فِي الْقِيَامَة والعافية والسلامة والحلول فِي دَار المقامة ويجد الْكَافِر الخزي والندامة وَالْعَذَاب والملامة ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت﴾ آل عمرَان ٣٠ يجد الْمُؤمن الدَّرَجَات ويجد الْكَافِر الْعُقُوبَات يجد الْمُؤمن السرُور ويجد الْفَاجِر الثبور يجد الْمُؤمن النَّعيم وَالْخُلُود ويجد الْفَاجِر عذَابا غير مَرْدُود ويجد الْمُؤمن مَا قدم من الْإِحْسَان فِي دَرَجَات الْجنان فِي جوَار الرَّحْمَن مَعَ الْخيرَات الحسان ويجد الْفَاجِر مَا عمل من الْعِصْيَان فِي سموم النيرَان فِي جوَار الشَّيْطَان مَعَ الذل والهوان
يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت فِي يَوْم هائل عَظِيم يَوْم تكْثر فِيهِ الغموم وتعظم فِيهِ الهموم ويفصل الرب بَين عباده وَهُوَ الْحَيّ القيوم ﴿يَوْم تَجِد كل نفس﴾ آل عمرَان ٣٠ يَوْم تندم على القبائح وتتأسف عِنْد مُعَاينَة الفضائح وتوجد الْأَعْمَال فِي الصحائف
стр. 84
الصحائح
﴿يَوْم تَجِد كل نفس﴾ آل عمرَان ٣٠ يَوْم ينْدَم الظَّالِم ويخسر الآثم وَيكون الْجَبَّار ﷻ فِي ذَلِك الْيَوْم الْعدْل الْحَاكِم ذَلِك يَوْم الندامة وَالْحَسْرَة والأهوال وَالْعبْرَة
وأنشدوا
(يَا وَاحِدًا صمدا بِغَيْر قرين ... ارْحَمْ ضراعة عَبدك الْمِسْكِين)
(واعطف عَليّ إِذا وقفت مروعا ... حيران بَين يَديك يَوْم الدّين)
(يَا حسرتي بَين الْعباد إِذا همو ... خَافُوا الْحساب فخف عَنْهُم دوني)
(مَا حيليتي فِي يَوْم نشر صحيفتي ... إِذْ قيل لي خُذْهَا بِغَيْر يَمِين)
(مَا حيلتي عِنْد الْحساب وهوله ... إِذْ قصرت بِي قوتي ويقيني)
(لَا حِيلَة عِنْدِي وَلَا لي موثل ... إِن خانني طمعي وَحسن ظنوني)
(يَا رب لَا تتْرك عبيدك هَالكا ... وَارْحَمْ بِفَضْلِك عبرتي وشئوني)
﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ أَي تَجدهُ حَاضرا عتيدا وتسأل عَن أعمالك سؤالا شَدِيدا ﴿وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ آل عمرَان
قيل الأمد الْبعيد الَّذِي يود من عمل سوءا وَعصى مَوْلَاهُ أَن يكون بَينه وَبَين عمله السوء كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب
وَقيل الأمد الْبعيد الْغَايَة فِي الْبعد الَّذِي يتَمَنَّى أَنه تَابَ فِي الدُّنْيَا وتبدل الشَّرّ بِالْخَيرِ حَتَّى يمحي عَنهُ السوء بِالتَّوْبَةِ فَلَا يرَاهُ وَلَا يسمعهُ وَلَا يُعَاقب عَلَيْهِ إِذا رأى التائبين غفر لَهُم بِالتَّوْبَةِ وبدلت سيئاتهم بِالْحَسَنَاتِ والأوبة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ الْفرْقَان ٦٨ الْآيَة
١٦١ - فَائِدَة التَّوْبَة
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (كل بني آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون) فَإِذا رأى الْمِسْكِين الَّذِي عمل السوء وَقد أحاطت بِهِ الكروب وترادفت عَلَيْهِ الهموم
стр. 85
والخطوب وأسود وَجهه من ظلمات الذُّنُوب وَقد غضب عَلَيْهِ علام الغيوب وَرَأى الَّذين تَابُوا من أخوانه وَأَهله وَأَصْحَابه وجيرانه قد فازوا بِالْملكِ الْكَبِير والحساب الْيَسِير ولباس السندس وَالْحَرِير وَالنَّظَر إِلَى وَجه السَّمِيع الْبَصِير وَرَأى نَفسه قد خسر وخاب وَحرم الثَّوَاب ونوقش الْحساب وحجب عَن رب الأرباب وَصَارَ إِلَى أَلِيم الْعَذَاب يود لَو كَانَ تَائِبًا وَلم يكن من الرَّحْمَة خائبا يود لَو كَانَ السوء عَنهُ بَعيدا وَلم يكن حَاضرا عتيدا وَلم يكن الْعَذَاب عَلَيْهِ شَدِيدا
يود لَو كَانَ من التائبين وَلم يكن من المحرومين يود لَو كَانَ من الْآمنينَ وَلم يكن من الْمُخَالفين يود لَو كَانَ من الطائعين وَلم يكن من العاصين يود لَو كَانَ من الْمُحْسِنِينَ وَلم يكن من الظَّالِمين يود لَو كَانَ من أهل الْجنان وَلم يكن من أهل النيرَان يود لَو كَانَ من أهل الثَّوَاب وَلم يكن من أهل الْعقَاب يود لَو كَانَ من أهل النَّعيم وَلم يكن من أهل الْجَحِيم يود لَو كَانَ من الْأَوْلِيَاء وَلم يكن من الأشقياء
يود لَو كَانَ من أهل الْوِفَاق وَلم يكن من أهل النِّفَاق
يود لَو كَانَ من أهل الْفَوْز بِالْجنَّةِ وَلم يكن من أهل الْعَذَاب والمحنة
يود لَو كَانَ سعيدا رشيدا وَلم يكن عَن الله بَعيدا
لَا أبعدنا الله وَإِيَّاكُم من رَحمته وقربنا وَإِيَّاكُم بالفوز لجنته
١٦٢ - عمل العَبْد يلازمه
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن العَبْد إِذا مَاتَ أحضر عمله كُله عِنْد رَأسه حِين يغسل خيرا كَانَ أَو شرا فَإِذا صلى عَلَيْهِ وَمضى إِلَى قَبره وَانْصَرف النَّاس عَنهُ بَقِي عمله مَعَه فِي قَبره وَلَا يزَال مَعَه فِي قَبره إِلَى يَوْم يخرج من قَبره فَإِذا خرج خرج مَعَه فَإِذا قدم إِلَى الْحساب اجْتمع عمله كُله خَيره وشره حَتَّى حركاته وأنفاسه ووفاقه وخلافه يجد الْكل مجموعا لم ينس مِنْهُ شَيْء من الْكَبَائِر وَلَا من الصَّغَائِر وَلَا من الظَّوَاهِر وَلَا من السرائر
١٦٣ - الحض على التَّوْبَة
فَالله الله معشر المذنبين مثلي أبعدوا عَن عمل السوء بِالتَّوْبَةِ إِلَى الرَّحْمَن وَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غرور الشَّيْطَان وَاعْلَمُوا أَن الله ﵎ يمحو عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ بترك الذُّنُوب والعزم على التَّوْبَة ويرحمكم يَوْم الْحساب بِحسن
стр. 86
الأوبة
يَا أخي يَا أخي وَمَا عَسى أَن أَقُول لَك من كرم مَوْلَاك الْجَلِيل ﷻ لَو أَن الذُّنُوب الَّتِي عملت فِي أَيَّام طغيانك وعصيانك كَانَت مثل جبال الدُّنْيَا برمالها وبحارها وأنهارها وتبت تَوْبَة وَاحِدَة بِصدق وحرقة وندامة ليغفرها لَك مَوْلَاك الْكَرِيم بكرمه وفضله وَلَا تسْأَل عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة وأنشدوا
(نهاك الطَّبِيب محيلا على ... مطاعم لَو نلتها لم تمت)
(وخاطبك الله جلّ اسْمه ... بترك الذُّنُوب الَّتِي حرمت)
(فَأَعْرَضت عَن أمره لاهيا ... وَأمنت نَفسك مَا خوفت)
(فأطمعتها أَن تنَال الرِّضَا ... بجهلك فِي فضل من قد عَصَتْ)
(فَمَاذَا تَقول إِذا أزعجت ... لتخرج بالكره فاستسلمت)
(فَلَا نَدم حط أَوزَارهَا ... وَلَا تَوْبَة غسلت مَا جنت)
(وأفردت وَحدك فِي ملحد ... بَكت فِيهِ نَفسك مَا أسلفت)
١٦٤ - مَا تحويه الْآيَة
يَا أهل الذُّنُوب تدبروا هَذِه الْآيَة فَإِن فِيهَا بلاغة لمن تذكر وزجرا لمن اعْتبر وتخويفا لمن تدبر ونهيا لمن تفكر
فالفكرة عبَادَة وَخير وَزِيَادَة لِأَن مولاكم الْكَرِيم قد خوفكم وهددكم وزجركم بهَا زجرا شَدِيدا فَقَالَ ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ آل عمرَان ٣٠ ثمَّ قَالَ ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ آل عمرَان ٣٠ أَي يحذركم عِقَابه وعذابه إِذا عصيتموه ويجزل لكم ثَوَابه إِذا أطعتموه فَلَا يحقرن أحدكُم من الذُّنُوب شَيْئا وَإِن صغر فَرُبمَا كَانَ فِيهِ شدَّة الْعَذَاب وَالْعِقَاب وَلَا يحقرن أحدكُم حَسَنَة يعملها وَإِن قلت فَرُبمَا كَانَ فِيهِ الرِّضَا من الْملك الْوَهَّاب
وَاعْلَمُوا أَن الذَّنب الَّذِي يحقره صَاحبه يكون يَوْم الْقِيَامَة فِي ميزَان فَاعله أثقل من جبال الأَرْض فازجر نَفسك عَن غيها وَقدم فِي حياتك
ليَوْم فقرك
وَالْأَصْل فِي الذَّنب الصَّغِير أَن يكون سَببا لدُخُول صَاحبه فِي النَّار
إِن العَبْد الْمَغْرُور يعْمل الذَّنب ويحقره وَلَا يفكر فِي من قد عَصَاهُ وَهُوَ الْجَبَّار ﷻ فَعِنْدَ ذَلِك
стр. 87
يغْضب عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَيَقُول لَهُ عَبدِي حقر ذَنبه واستخف بحقي وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأعذبنه عَلَيْهِ بالنَّار وَمن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وَغفر لَهُ بِالتَّوْبَةِ
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (إيَّاكُمْ ومحقرات الذُّنُوب فَإِن لَهَا من الله طَالبا) قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت﴾ آل عمرَان ٣٠ الْآيَة
وأنشدوا
(قد ذهب الْحَيّ إِلَى عرسه ... وعذب الْمَيِّت فِي رمسه)
(مُرْتَهن النَّفس بأعمالها ... لَا يَأْمَن الْإِطْلَاق من حَبسه)
(لنَفسِهِ صَالح أَعمالهَا ... وَمَا سوى هَذَا على نَفسه) ١٦٥
حِكَايَة عَن أحد الصَّالِحين
حُكيَ أَن الْمَنْصُور بن عمار ﵀ دخل على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يَا مَنْصُور مَسْأَلَة
وَقد أمهلتك سنة كَامِلَة من أَعقل النَّاس وَمن أَجْهَل النَّاس قَالَ فَخرج مَنْصُور إِلَى بعض الفضاء من الْقصر ليخرج فَإِذا الْجَواب قد حَضَره فَرجع إِلَى عبد الْملك فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يَا مَنْصُور مَا الَّذِي ردك إِلَيْنَا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَعقل النَّاس محسن خَائِف وأجهل النَّاس مسيء آمن
فبكي أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى بل ثِيَابه بدموعه ثمَّ قَالَ أَحْسَنت وَالله يَا مَنْصُور ثمَّ قَالَ لَهُ إقرأ عَليّ شَيْئا من كتاب الله فَهُوَ الشِّفَاء لما فِي الصُّدُور وَهُوَ الدَّوَاء والنور
فَقَرَأَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ الْآيَة
فَقَالَ عبد الْملك قتلتني يَا مَنْصُور ثمَّ غشي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهُ يَا مَنْصُور مَا معنى ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ آل عمرَان ٣٠ قَالَ مَنْصُور عُقُوبَته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبكى عبد الملك ثمَّ أَفَاق فَبكى مرّة أُخْرَى ثمَّ قَالَ يَا مَنْصُور وَمَا معنى ﴿رؤوف بالعباد﴾ آل عمرَان ٣٠ قَالَ رَحِيم غفار لمن تَابَ وأناب قَالَ وَمَا وَمعنى ﴿مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ قَالَ كل صَغِيرَة وكبيرة يجدهَا العَبْد يَوْم الْقِيَامَة لم يغْفر الله مِنْهَا شَيْئا
فَبكى عبد الْملك حَتَّى غشي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ
١٦٦ - رقة عبد الْملك بن مَرْوَان
إِن وَالله من فكر فِي هَذِه الْآيَة وَعصى مَوْلَاهُ بعد ذَلِك لقد ضل ضلالا بَعيدا وأنشدوا
стр. 88
(بَكَيْت على عظم الذُّنُوب وغزرها ... وَمَا قل من يبكي لعظم سُؤَاله)
(تفكر فِي عظم السُّؤَال وهوله ... وتندب دهرا زَاد قبح فعالة)
(لَعَلَّ إِلَه الْعَرْش يرحم عَبده ... ويمنحه فِي الْحَشْر طول وصاله)
(وَيغْفر مَا قد كَانَ فِي طول جَهله ... ويسكنه بِالْعَفو دَار جَلَاله)
(وَإِن نظر الرب الْعَظِيم جَلَاله ... فَذَاك جسيم من جزيل نواله)
﴿تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ تَجِد وَالله كل نفس مَا قدمت فِي الْأَيَّام من الطَّاعَات والإجرام
ذَلِك يَوْم المصائب وَيَوْم النوائب وَيَوْم الْعَجَائِب
يَوْم هتك الأستار يَوْم تسعر فِيهِ النَّار يَوْم يفوز فِيهِ الْأَبْرَار ويندم فِيهِ الْفجار وَتعرض الْعباد على الْوَاحِد القهار
فالعجب كل الْعجب مِمَّن قطع عمره فِي الأغفال وضيع أَيَّامه فِي الْمحَال وأفنى شبابه فِي الضلال وَلم يعْمل بِمَا فِي كتاب ذِي الْمجد والجلال قَالَ الله الْكَبِير المتعال ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ يَقُول الله تَعَالَى يَا ابْن آدم تطلب موعظة سَاعَة وتقيم على الذَّنب سنة وأنشدوا
(مَا بَال قَلْبك باللذات قد شغفا ... وَعَن فَوَات صَوَاب الْفِعْل مَا أسفا)
(وَقد توعده الْجَبَّار خالقنا ... وبالذنوب وبالعصيان قد كلفا)
١٦٧ - توبيخ الله تَعَالَى للعباد
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الله ﵎ يَقُول فِي بعض كتبه الْمنزلَة على أنبيائه يَا عَبدِي مَا الَّذِي زهدك فِي ورغبك فِي غَيْرِي عَبدِي أَنا أَتَقَرَّب إِلَيْك وتهرب عني وأطلبك وتفر مني عَبدِي بسطت لَك غرور الدُّنْيَا فاشتغلت بهَا عني وآثرتها عَليّ وزهدت فِي سَعَة رَحْمَتي أهكذا يفعل المطيعون بأربابهم الْمُحْسِنِينَ إِلَيْهِم عَبدِي من الَّذِي سترك وكلاءك وحفظك ووقاك هَل كَانَت لَك شركَة فِي نَفسك معي أم هَل كَانَت لَك قُوَّة بِنَفْسِك عَليّ عَبدِي مَا الَّذِي قصرك عَن عبادتي مَا الَّذِي زهدك فِي طَاعَتي أَيْن أَنْت من هَادِم اللَّذَّات أَيْن أَنْت من نواح الْآبَاء والأمهات أَيْن أَنْت من المفرق بَين الْبَنِينَ وَالْبَنَات أَيْن أَنْت مِمَّن لَا يسْتَأْذن على أَصْحَاب الْقُصُور وَلَا يستأمر أَرْبَاب الدّور أَيْن أَنْت من قاصم الجبارين الْمُوكل بأرواح المخلوقين عبَادي أَلَيْسَ قد اضمحلت آثَار الماضين ودرست
стр. 89
معالم السالفين وَاتبع اثارهم الْبَاقُونَ
وَمن ذَا الَّذِي يقوم بخلود الدَّهْر غَيْرِي وَمن ذَا الَّذِي ينفع دوَام الْأَبَد غَيْرِي عجزت عَن الخلود الْجبَال الراسيات والأطواد العاليات والبحار الطاميات
أَنا الَّذِي تفردت بِالْبَقَاءِ وحكمت على عبَادي بالفناء أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا لَا شريك معي فِي ملكي وَلَا نَظِير لي فِي حكمي وَلَا ضد لي فِي سلطاني
وأنشدوا
(أما وَالَّذِي لَا خلد إِلَّا لوجهه ... وَمن لَيْسَ فِي الْعِزّ المنيع لَهُ كفو)
(لَئِن كَانَ هَذَا الْعَيْش مرا مذاقه ... لقد يجتني من غثه الثَّمر الحلو) ١٦٨
السُّؤَال لَا يدع ذرة
وَاعْلَمُوا أَن الله ﵎ مسائلكم عَن الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة والخفية والسريرة وَعَن كل مَا قل وَمَا دق وَمَا جلّ لَا يغْفل عَن شَيْء يجد العَبْد مَا عمل حَاضرا وَيجْزِي بِهِ وافرا وَيسْأل عَمَّا عمل سرا وظاهرا ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ تَجِد وَالله الْقَلِيل وَالْكثير والنقير والذرة والقطمير
وأنشدوا
(وَالله لَو بكينا طول الْأَيَّام ... بدمع هامل سجام)
(وفررنا من الْأَهْل والأوطان ... إِلَى الْجبَال والآكام)
خوفًا من ذَلِك الْمقَام لَكِن ذَلِك لنا قَلِيلا خوفًا من سُؤال الْملك العلام
فَكيف وَنحن لَا نفيق من الغفلات وَلَا ننتبه من السكرات وَلَا نَخَاف يَوْمًا نجد فِيهِ الْحَسَنَات والسيئات ونسأل عَن الْمَظَالِم والتبعات كَمَا قَالَ الَّذِي فطر الأَرْض وَالسَّمَوَات ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠
١٦٩ - سُؤال الله تَعَالَى للعباد
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الله تَعَالَى يَخْلُو بِعَبْدِهِ يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ بَينه وَبَينه حجاب وَيَقُول لَهُ عَبدِي عملت كَذَا وَكَذَا فِي يَوْم كَذَا أما علمت أَنِّي مطلع عَلَيْك يَا عَبدِي أفجعلتني أَهْون الناظرين إِلَيْك أما استحييت مني أما استحيت من ملائكتي أما خفت من عقابي عَبدِي أرويتك من المَاء الْبَارِد وقويت جسمك ووسعت عَلَيْك من سَعَة رفدي فعصيتني حَتَّى إِن العَبْد ليذوب حَيَاء من الله ويغمره الْعرق حَتَّى يكَاد يَمُوت من الْفَزع ثمَّ يَقُول العَبْد يَا رب النَّار أَهْون عَليّ من حيائي
стр. 90
مِنْك وَمن الْعباد
فيأمر الله تَعَالَى بِهِ إِلَى النَّار فيمضي العَبْد وَهُوَ يرد رَأسه وَيَقُول يَا رب وَعزَّتك وجلالك مَا عصيت بِهَذَا كُله اسْتِخْفَافًا بحقك وَمَا ظَنَنْت بك إِلَّا أَن تغْفر لي كَمَا سترت عَليّ فِي الدُّنْيَا وَقد أيقنت أَن عصياني ذَلِك لَا يَضرك وَأَن رحمتك ي لَا تنقصك
فَيَقُول الله ﵎ عَبدِي صدقت لم تقطع رجاءك من رَحْمَتي
فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأغفرن لَك الْيَوْم يَا ملائكتي مروا بعبدي إِلَى الْجنَّة
وَمن الْعباد من يَقُول يَا رب الْعَذَاب عَليّ أَهْون من توبيخك لي أرسل بِي إِلَى النَّار كَمَا يفعل بِالْعَبدِ الْآبِق عَن مَوْلَاهُ
فَيَقُول الله ﵎ عَبدِي مَا وبختك إِلَّا لأعرفك أَن ذنوبك بعيني إِذْ عصيني بهَا وَجعلت توبيخي لَك كَفَّارَة لذنوبك وَقد غفرتها لَك وَقد رحمتك وَأَنا أرْحم الرَّاحِمِينَ مروا بعبدي إِلَى الْجنَّة
جعلنَا الله وَإِيَّاكُم من أهل الْجنَّة أَجْمَعِينَ وتوفانا برحمته مُسلمين وَختم لنا عِنْد فِرَاق الدُّنْيَا بِحسن الخاتمة وَكلمَة التَّقْوَى قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وعَلى آله وَشرف وكرم وحشرنا مَعَه فِي الْمقَام الْأَعْظَم مَعَ أَصْحَابه وأزواجه الْكِرَام أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ آمين يَا رب الْعَالمين
стр. 91
٦ - مجْلِس ثَانِي فِي قَوْله ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾
١٧٠ - قَالَ الله ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ يجد الْمُؤمن الْحَسَنَات فِي قَرَار الجنات والقصور العاليات والحور والدرجات وَالنَّظَر إِلَى رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات يجد الطائع الْبُشْرَى ويجد الْفَاجِر النَّار الْكُبْرَى يجد الْمُؤمن الْأمان مَعَ السرُور والرضوان ويجد الْفَاجِر الهوان مَعَ الذل والخسران يجد الْمُؤمن من الْملك الجزيل مَعَ الثَّوَاب والتفضيل وأنهار السلسبيل وَالنَّظَر إِلَى وَجه الْملك الْجَلِيل ويجد الْفَاجِر النوح والعويل والحزن الدَّائِم الطَّوِيل وَالْعَذَاب الشَّديد الثقيل بجد الْمُؤمن الْخَلَاص والتبجيل والاختصاص ويجد الْفَاجِر الْعَذَاب وَشدَّة الْقصاص
الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة مَرْحُوم والفاجر باللعنة مرجوم الْمُؤمن عِنْد الْحساب مَسْتُور والفاجر عِنْد السُّؤَال مَشْهُور
الْمُؤمن عِنْد الْحساب يلاطف والفاجر عِنْد السُّؤَال يكاشف
الْمُؤمن حسابه عتاب والفاجر سُؤَاله عَذَاب
الْمُؤمن يجد من مَوْلَاهُ الرَّحْمَة والفاجر يجد من الله النقمَة
الْمُؤمن حسابه يسير والفاجر حسابه عسير
الْمُؤمن يجد لِبَاسه حَرِير الْجنان والفاجر لِبَاسه سرابيل القطران
الْمُؤمن يجد عمله سُرُورًا والفاجر يجد عمله ويلا وثبورا
الْمُؤمن يجد الِاتِّصَال والفاجر يجد الِانْفِصَال
الْمُؤمن يجد الْخَلَاص والفكاك والفاجر يجد الهوان والهلاك
الْمُؤمن مَعَ مُحَمَّد النَّبِي والفاجر مَعَ الشَّيْطَان الغوي
الْمُؤمن فِي وَجهه نَضرة النَّعيم والفاجر فِي وَجهه ظلمَة الْجَحِيم الْمُؤمن فِي الْحساب رَيَّان والفاجر فِي الْموقف عطشان
وأنشدوا
(أَنْت الْمُخَاطب أَيهَا الْإِنْسَان ... فأصخ إِلَيّ يلح لَك الْبُرْهَان)
(أودعت مَا لَو قلته لَك قلت لي ... هَذَا لعمرك كُله هذيان)
стр. 92
(فَانْظُر لعقلك من بيانك وَاعْتبر ... إتقان صَنعته فثم الشان)
(وجزا محَاسِن فعلهم فِي حشرهم ... عِنْد الْإِلَه وَعِنْده الرضْوَان)
(هَذَا لعمري ظَاهر لَا يختفي ... نطق الرَّسُول وَبَين الْفرْقَان)
١٧١ - حكم قدسية
ذكر فِي بعض الحكم الَّتِي أنزلت على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة السَّلَام عجبا لمن لَا يرحم نَفسه كَيفَ يرحم وعجبا لمن يَدُوم على الْمعْصِيَة كَيفَ يَرْجُو حسن المآب وعجبا لمن يعْمل أَعمال النيرَان وَهُوَ يطْلب نعيم الْجنان كَأَنَّك يَا أخي قد قربت من الْعرض والحساب ووقفت بَين يَدي الْملك الْوَهَّاب فيأمر بك إِلَى الْجنَّة وَحسن المآب أَو إِلَى النَّار وأليم الْعَذَاب تفكر فِي هَذَا كُله يَا مغرور لَعَلَّ الْقَسْوَة تنجلي من قَلْبك والوقر أَن يَزُول عَن سَمعك والغطاء أَن يرْتَفع عَن بصر قَلْبك فَإِنَّهَا لَا تعمي الْأَبْصَار وَلَكِن تعمي الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور
فَانْظُر يَا أخي بِنور فكرتك وَأطلق الموعظة على بَحر عبرتك فَلَعَلَّ الْعين إِن تَدْمَع وَلَعَلَّ الْقلب أَن يرق ويخشع فَإِذا جرت الدُّمُوع وخشعت الْقُلُوب محيت الذُّنُوب وَبَلغت المنى والمرغوب وَيسر حِسَابك علام الغيوب
وأنشدوا
(تذكري الْمكْث فِي التُّرَاب ... حَتَّى أنادي إِلَى الْحساب)
(هون كل الْبلَاء عِنْدِي ... وَهَكَذَا الْفَقْد للشباب)
(فليت شعري وَكم مقَامي ... تَحت الثرى أَو مَتى أيابي)
(لَو كَانَ لي عقل مَا هناني ... نومي وَلَا سَاغَ لي شرابي)
(وَلَا ضحِكت وَلست أَدْرِي ... مَالِي لَدَى الله من حِسَاب)
١٧٢ - النداء بأسماء الْخَلَائق
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الْخَلَائق إِذا وقفُوا فِي أَرض الْقِيَامَة فيقف كل عبد وَأمة إِذْ نَادَى الْمُنَادِي بِاسْمِك يَا مغرور على رُؤُوس الْأَوَّلين والآخرين أَيْن فلَان بن فلَان أَو أَيْن فُلَانَة بنت فلَان هَلُمَّ إِلَى الْحساب بَين يَدي رب الْعَالمين فاستقر فِي سَمعك يَا مِسْكين إِنَّك أَنْت الْمُنَادِي من جَمِيع الْخلق فَقُمْت على قَدَمَيْك قد تغير من الْفَزع لونك وانخلع من الْجزع قَلْبك واضطربت من الْهَلَع مفاصلك وَقد سمع من كَانَ حولك حسيس قَلْبك بالخفقان وأوصالك قد اشتدت فِي
стр. 93
الطيران فَكَادَتْ نَفسك أَن تزهق من خوف الرَّحْمَن فَإِذا نظر الْملك الْمُوكل بسوقك وَقد تغير لونك وتحير لبك علم أَنَّك أَنْت المنادى باسمه فَإِذا كنت من أهل النِّفَاق والعصيان للْملك الخلاق نظر على وَجهك ظلمَة الذُّنُوب فَعلم أَنَّك عَدو لعلام الغيوب فَجمع بَين ناصيتك وقدميك غَضبا لغضب الله عَلَيْك
١٧٣ - أهل الرشاد وَال توفيق
قَالَ الله ﵎ ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام﴾ الرَّحْمَن ٤١ وَإِن كنت من أهل الرشاد والتوفيق والسداد الَّذين وفوا الله بالميعاد وخافوا مَوْلَاهُم رب الْعباد أَخذ بِيَدِك الْملك وقادك يجوز بك بالرفق وَرفع الْخَلَائق أَبْصَارهم إِلَيْك وتمنوا مثل مَا من الله عَلَيْك وَأَنت سَائِر إِلَى رَبك ليجازيك بسعيك ويعدل عَلَيْك بكسبك فَلَمَّا انْتهى بك الْملك إِلَى سُلْطَان العظمة فَإِن كنت من أهل السّير الصَّالح فِي الدُّنْيَا سترك ﷻ بِالنورِ وَأبْدى لَك الْبُشْرَى وَالسُّرُور وقربك وأدناك وفضلك وحاباك فَلم يطلع على حِسَابك ملك وَلَا نَبِي وَلَا رَسُول إِلَّا الْملك الْجَبَّار الَّذِي لَا يحول وَلَا يَزُول فَيَقُول لَك عَبدِي أَنْت الَّذِي كنت تسهر والعباد نائمون وتصوم والعباد يشبعون وتبكي والعباد يَضْحَكُونَ وتحزن والعباد يفرحون وتخافني والعباد آمنون أَنْت الَّذِي كنت تجتهد فِي عبادتي والعباد بطالون وَتَتَصَدَّق والعباد يَبْخلُونَ وتبذل الْمَعْرُوف بَين عبَادي وَالنَّاس يمْنَعُونَ
يَقُول الْمولى ﷻ فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي وملكي ومجدي وكبريائي وعظيم سلطاني وقدرتي على جَمِيع الْعباد لأومنن روعك ولأبيحنك جنتي ولأوسعنك مغفرتي ورحمتي ولأعطينك من جزيل ثوابي وَحسن مآبي مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر
ولأبيحنك النّظر إِلَى وَجْهي ولأرفعن قدرك وجاهك ولأشفعنك فِي إخوانك وَأهْلك وأحبابك وَجِيرَانك من أهل الذُّنُوب والخطايا
١٧٤ - شَفَاعَة العَبْد الْمُؤمن
يَقُول الْمولى ﷻ يَا عَبدِي أخرج إِلَى موقف الْحَشْر فَانْظُر إِلَى من لَقِيَنِي من أهل الذُّنُوب على التَّوْحِيد قد شفعتك فِيهِ خُذ بِيَدِهِ وَانْطَلق بِهِ إِلَى الْجنَّة
стр. 94
بِلَا خوف وَلَا حزن وَالله تَعَالَى أعلم
وأنشدوا
(عني إِلَيْك فَمَا اللَّذَّات من شغلي ... وَلَا سَبِيل الصِّبَا وَاللَّهْو من سبلي)
(حَال التقى دون مَا قد كنت تعرفه ... فلست مِنْهُ على زيغ وَلَا زلل)
(فِي الْحَشْر لي شغل عَن كل مشتغل ... بلذة وَعَن الألحاظ والمقل)
(هَذَا إطار الْكرَى عَن مقلتي وزوى ... عني المنى وطوى الْمَبْسُوط من أملي)
(كم لَيْلَة بت فِيهَا ساهرا أرقا ... أخْشَى الْعقَاب وأخشى سرعَة الْأَجَل)
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا ويحذركم الله نَفسه وَالله رؤوف بالعباد﴾ آل عمرَان ٣٠ رؤوف وَالله بِالْمُؤْمِنِينَ ذُو نقمة على الظَّالِمين رؤوف بِأَهْل الْإِحْسَان وَذُو انتقام من أهل الْعِصْيَان رؤوف بِأَهْل السداد وَذُو انتقام من أهل العناد يَا مغرور تفكر فِي هَذِه الْآيَة فلك فِيهَا من التخويف غَايَة وَمن الزّجر والتقريع نِهَايَة فازجر نَفسك عَن هَواهَا عساك تبلغها يَوْم الْعرض مناها
١٧٥ - حِكَايَة عَن ذِي النُّون الْمصْرِيّ
حُكيَ عَن ذِي النُّون الْمصْرِيّ بن إِبْرَاهِيم الأخميمي رَحمَه الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَنه قَالَ خرجت مرّة من المرات إِلَى نَاحيَة الْأُرْدُن من أَرض الشَّام فَلَمَّا عَلَوْت الْوَادي فَإِذا أَنا بسواد قد اقبل وَهُوَ يَقُول ﴿وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون﴾ الزمر ٤٧ فَلَمَّا قرب مني السوَاد إِذا هُوَ شخص فتأملته فَإِذا هُوَ امْرَأَة عَلَيْهَا جُبَّة صوف وخمار من صوف وبيدها ركوة وبيدها الْأُخْرَى عكاز فَقَالَت لي غير فازعة مني من أَنْت فَقلت لَهَا رجل غَرِيب فَقَالَت يَا هَذَا وَهل يُوجد مَعَ الله غربَة وَهُوَ مؤنس الغرباء ومعين الضُّعَفَاء فاجعله أنيسك إِذا استوحشت وهاديك إِذا ضللت وَصَاحِبك إِذا احتجت
قَالَ ذُو النُّون فَبَكَيْت من كَلَامهَا فَقَالَت مِم بكاؤك قلت لَهَا وَقع دواؤك على دائي وَأَنا أَرْجُو أَن يكون سَببا لشفائي قَالَت فَإِن كنت صَادِقا فِي مَقَالَتك فَلم بَكَيْت قلت لَهَا رَحِمك الله والصادق لَا يبكي قَالَت لَا قلت لَهَا لم لَا يبكي الصَّادِق قلت لِأَن الْبكاء رَاحَة الْقلب وملجأ يلجأ إِلَيْهِ وَمَا كتم الْقلب أحر من الزَّفِير والشهيق وَذَلِكَ ضَعِيف عِنْد أوليائه قَالَ ذُو النُّون فَبَقيت وَالله مُتَعَجِّبا من قَوْلهَا فَقَالَت لي مَالك قلت أَنا وَالله متعجب من قَوْلك قَالَت وَهل نسيت القرحة الَّتِي ذكرتها قَالَ
стр. 95
قلت لَهَا رَحِمك الله إِن رَأَيْت أَن تمني عَليّ الزِّيَادَة
فَقَالَت وَمَا أفادك الْحَكِيم فِي مقامك بَين يَدَيْهِ من الْفَوَائِد مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن طلب الزَّوَائِد قَالَ قلت لَهَا رَحِمك الله مَا أَنا بمستغن عَن طلب الزَّوَائِد قَالَت صدقت يَا مِسْكين حب مَوْلَاك واشتق إِلَيْهِ فَإِن لَهُ يَوْمًا يُذِيق فِيهِ أولياءه كأسا لَا يظمئون بعده أبدا
ثمَّ علا شهيق ثمَّ قَالَت يَا حبيب قلبِي إِلَى كم تخلفني فِي دَار لَا أجد فِيهَا صَادِقا بَرِيئًا من الدَّعَاوَى الكاذبة يسعدني الْبكاء عَن أَيَّام حَياتِي
ثمَّ تَرَكتنِي وانحدرت فِي الْوَادي وَهِي تَقول اللَّهُمَّ إِلَيْك لَا إِلَى النَّار حَتَّى غَابَ شخصها عَن بَصرِي وَانْقطع صَوتهَا عَن سَمْعِي
قَالَ ذُو النُّون فوَاللَّه مَا ذكرت كَلَامهَا قطّ إِلَّا كدر عَليّ أحشائي وعيشي
قَالَ ذُو النُّون فَلَقَد أدبتني واستقام حَالي مذ رَأَيْتهَا
وأنشدوا
(أُرِيد وَأَنت تعلم مَا مرادي ... وَتعلم مَا تلجلج فِي فُؤَادِي)
(فَهَب لي ذلتي واغفر ذُنُوبِي ... وسامحني بهَا يَوْم التنادي)
١٧٦ - رَجَعَ إِلَى الموعظة
يَا أخي مَالك لَا تفكر فِي قَول مَوْلَاك الَّذِي لم يزل عَلَيْك شَهِيدا وَهُوَ يسمعك ويراك قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ آل عمرَان ٣٠ الْآيَة
أَقرع يَا مِسْكين بِهَذَا الْكَلَام بَاب قَلْبك فعساك تزيل عَنهُ الأقفال وترده عَن الغي والمحال وتوقظه عَن السَّهْو والإغفال قَالَ الله الْكَبِير المتعال ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها﴾ مُحَمَّد ٢٤ ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ يَوْم يظْهر الْخَفي من أعمالك يَوْم تبْكي على قَبِيح أفعالك يَوْم يجزن الْمُسِيء من أقوالك يَوْم تنوح على خطاياك وضلالك
١٧٧ - جَهَنَّم وشدتها
ذكر أَن الْخلق إِذا اجْتَمعُوا فِي الْموقف وضاق المتسع وَعظم الْفَزع وَاشْتَدَّ الْجزع وَاخْتلفت الْأَقْدَام وَكثر الازدحام وَجَاءَت جَهَنَّم بالهول الْأَعْظَم وَالْعَذَاب الْمُقِيم الألزم ووقفت بَين يَدي الْجَبَّار خاضعة للْملك القهار أَمر الْجَبَّار ﷻ أَن تفتح أَبْوَابهَا وترفع كل جلال عَلَيْهَا وَهِي سَبْعَة أَبْوَاب على كل بَاب سَبْعمِائة ألف جلال وَهِي الْحجب
وَلَوْلَا تِلْكَ الاجلال لاحترقت السَّمَوَات
стр. 96
وَمن فِيهَا والارضون وَمن عَلَيْهَا غلظ كل جلال خَمْسمِائَة عَام فَإِذا فتح مِنْهَا الْأَبْوَاب رفعت تِلْكَ الْحجب من عَلَيْهَا ورمت النفط والقطران وحجارة الكبريت وَيخرج مِنْهَا عنق من نَار أسود فيلتقط من الْموقف كل ذهب وَفِضة وياقوتة وزبرجدة ولؤلؤة استعدت لزينة الدُّنْيَا
١٧٨ - زِينَة الدُّنْيَا الزائلة
فَيَأْخُذ الْكل ويجمعه والجبار ﷻ يَقُول لَهَا اتركي مَا لم يكن لنا فَكل مَا كَانَ من زِينَة لم يرد بِهِ وَجه الله تَعَالَى أَخَذته النَّار ومناد يُنَادي أَصْحَابهَا هَذِه زينتكم الَّتِي اشتغلتم بهَا عَن طَاعَة الله وآثرتموها على مَا عِنْد الله وَلم تتبعوا سنَن النَّبِيين وَلَا سير الصَّالِحين
ثمَّ يُنَادي الْمُنَادِي اتبعُوا زينتكم فَتخرج عنق من النَّار مرّة أُخْرَى فتلتقط أَصْحَابهَا إِلَّا من رحم الله
١٧٩ - صَاعِقَة جَهَنَّم
فَعِنْدَ ذَلِك يَقُول كل عبد وَأمة يَا لَيْت هَذَا كُله جعلته فِي جنب الله يَا ليته لم يكن معي يَا ليته بعد عني ثمَّ يَأْمر الله تَعَالَى أَن ترْتَفع صَاعِقَة من جَهَنَّم سَوْدَاء فتسود وُجُوه أَقوام من الرِّجَال وَالنِّسَاء وتعمى أبصار قوم من الرِّجَال وَالنِّسَاء وتختم على أَفْوَاه قوم من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَذَلِك قَول الله ﴿يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه﴾ آل عمرَان ١٠٦ يَا أخي يَا مِسْكين يَا ضَعِيف الْيَقِين مثلي أتراك من أَي الْفَرِيقَيْنِ تكون أَمن الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الْملك الرَّحِيم أَو من الَّذِي اسودت وُجُوههم فِي الْعَذَاب الْأَلِيم أفهل تكون من الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم بِالرَّحْمَةِ أم من الَّذين اسودت وُجُوههم بالنقمة فَكل من اسود وَجهه قد أَيقَن بالنَّار وكل من ابيض وَجهه قد أَيقَن أَنه من أهل دَار الْقَرار فيا لَهَا من فرحة مَا أعظمها وَيَا لَهَا من مُصِيبَة مَا أدومها فَإِذا نزل السوَاد فِي وَجه من شَاءَ الله ﵎ صَار ذَلِك السوَاد حِجَابا بَينه وَبَين النّظر إِلَى وَجه مَوْلَاهُ وَإِذا نزل الْبيَاض فِي وَجه من أَرَادَ الله ﵎ يبيض وَجهه رفع ذَلِك النُّور حجاب الذُّنُوب الَّذِي يحجب العَبْد عَن النّظر إِلَى وَجه علام الغيوب
١٨٠ - من ابيض وَجهه
وَذَلِكَ أَن الْبيَاض نور الْمَغْفِرَة وَهُوَ نور الرَّحْمَة وَهُوَ نور الْقرب وَهُوَ نور
стр. 97
الْوِصَال والسواد أَيْضا هُوَ سَواد الْبعد وَهُوَ سَواد الِانْفِصَال وَهُوَ سَواد النكال وَهُوَ سَواد النقمَة وَهُوَ سَواد الحجبة قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ المطففين ١٥ فالحجاب يَا مِسْكين يَا مغرور فِي الدُّنْيَا وَقع على قَلْبك باكتساب السَّيِّئَات ودوامك على الخطيئات واشتغالك عَن رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات قَالَ الله ﵎ ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ آل عمرَان ٣٠ فيا معشر المذنبين أبعدوا السوء وأبدلوه بِالْإِحْسَانِ وارغبوا فِي نعيم الْجنان وَارْجِعُوا عَن الأوزار والعصيان فَإِنَّهَا تزيدكم من عَذَاب النيرَان
يَا أخي أبعد السوء وأبغضه بغضا شَدِيدا وَكن على إبعاده بِالتَّوْبَةِ جلدا جليدا من قبل أَن يَأْتِي يَوْم تود أَن لَو كَانَ السوء عَنْك بَعيدا وَلم تتبع شَيْطَانا غويا مرِيدا
وأنشدوا
(يَا من إِلَيْهِ جَمِيع الْخلق يبتهلوا ... وكل حَيّ على رحماه يتكل)
(يَا من نأى فَرَأى مَا فِي الغيوب وَمَا ... تَحت الثرى وحجاب اللَّيْل منسدل)
(يَا من دنا فنأى عَن أَن تحيط بِهِ ... الافكار طرا أَو الأوهام والعلل)
(أَنْت الملاذ إِذا مَا أزمة شملت ... وَأَنت ملْجأ من ضَاقَتْ بِهِ الْحِيَل)
(أَنْت المنادى بِهِ فِي كل حَادِثَة ... أَنْت الْإِلَه وَأَنت الذخر والأمل)
(أَنْت الغياث لمن سدت مذاهبه ... أَنْت الدَّلِيل لمن ضلت بِهِ السبل)
(إِنَّا قصدناك والآمال وَاقعَة ... عَلَيْك وَالْكل ملهوف ومبتهل)
(فَإِن غفرت فَعَن طول وَعَن كرم ... وَإِن سطوت فَأَنت الْحَاكِم الْعدْل)
١٨١ - حِكَايَة ذِي النُّون عَن الراهب الصَّامِت
قَالَ ذُو النُّون ﵀ ذكر لي عَن رَاهِب بِالشَّام أَنه لم يكلم أحدا مُدَّة أَرْبَعِينَ سنة فَنَهَضت إِلَيْهِ فَلم أزل أنادي تَحت صومعته وَأقسم أَن يشرف عَليّ حَتَّى أشرف من أعلا صومعته فراودته على الْكَلَام فَأبى عَليّ فَقلت لَهُ بِالَّذِي سكت من أَجله وَمن خَوفه إِلَّا أجبتني عَمَّا أَسأَلك عَنهُ فَقَالَ لي قل وَلَا تطيل الْكَلَام عَليّ قلت لَهُ مُنْذُ كم أَنْت فِي هَذَا الْموضع فَقَالَ مُنْذُ يَوْم وَاحِد فَقلت لَهُ وَكَيف ذَلِك قَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ أمس وَالْيَوْم وَغدا فَأَما أمس فقد فَاتَ وَأما الْيَوْم فلي وَأما الْغَد فَلَا أَدْرِي أبلغه أم لَا ثمَّ أَدخل رَأسه فَمَا كلمني وَهُوَ
стр. 98
يبكي وَيَقُول لَا صَبر لي على النَّار
وأنشدوا
(أيا نفس لَا صبرا على النَّار فاعلمي ... وكوني على خوف من النَّار مَا عِشْت)
(ودومي على الأحزان مَا دمت حَيَّة ... عَسى تذْهب الأحزان عَنْك إِذا مت)
(يَقُولُونَ فِي طول الْكَلَام بلاغة ... وَقد علمُوا أَن البلاغة فِي الصمت)
(إِذا العَبْد لم يلْعَب هَوَاهُ بعقله ... عصى ربه وازداد مقتا على مقت)
١٨٢ - تَقْسِيم الْعُمر على الْأَعْمَال
معشر المذنبين اجعلوا أعماركم ثَلَاثَة أَيَّام يَوْم مضى يَوْم أَنْتُم فِيهِ يَوْم تنتظرونه لَا تَدْرُونَ بِمَا يأتيكم من صَلَاح أَو فَسَاد ولعلكم لَا تبلغونه فأصلحوا الْيَوْم الَّذِي مضى بالندم على مَا فاتكم فِيهِ من الطَّاعَة وَالْإِحْسَان وَمَا اقترفتم فِيهِ من الذُّنُوب والعصيان وَالْيَوْم الَّذِي مضى إِنَّمَا تصلحونه فِي الْيَوْم الَّذِي أَنْتُم فِيهِ بالبكاء والندامة وذم النَّفس مَعَ الْمَلَامَة
وأنشدوا
(حَتَّى مَتى نَحن وَالْأَيَّام نحسبها ... وَإِنَّمَا نَحن فِيهَا بَين يَوْمَيْنِ)
(يَوْم تولى وَيَوْم أَنْت تَأمله ... لَعَلَّه أجلب الْأَيَّام للحين)
آنس الله روعتي وروعتكم يَوْم النشور وآنس وحشني ووحشتكم فِي الْقُبُور إِنَّه على ذَلِك قدير وَهُوَ عَلَيْهِ يسير وأماتنا وَإِيَّاكُم على هَذِه الْكَلِمَة شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله غير مبدلين وَلَا مغيرين وَلَا مبتدعين آمين رب الْعَالمين
стр. 99
٧ - مجْلِس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ﴾ الْآيَة
١٨٣ - يَا أخي يَا مِسْكين يَا حيران من الذُّنُوب والعصيان يَا من تعرض لسخط الْملك الديَّان يَا من أقرّ عين عدوه الشَّيْطَان بتماديه على الخذلان والضلال والبهتان والأوزار والطغيان يَا مغرور إِنَّك آخذ كتابا ووارد حسابا ونازل ثَوابًا أَو عذَابا
فَقدم يَا غافل فِي دَار الْغرُور مَا تَجدهُ فِي الْكتاب المنشور من الثَّوَاب والحبور والفرح وَالسُّرُور والضياء والنور من رَحْمَة الْعَزِيز الغفور
١٨٤ - أَيْن الْكتب يَوْم الْقِيَامَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الْكتب كلهَا تَحت الْعَرْش فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بعث الله ﵎ ريحًا تطيرها بِالْإِيمَان وبالشمائل أول حرف فِي الْكتاب ﴿اقْرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا﴾ الْإِسْرَاء ١٤ مَا أعدل الْملك الْوَهَّاب إِذْ جعل الْإِنْسَان حسيب نَفسه فِي قِرَاءَة الْكتاب
يَا مِسْكين يَا مغرور إِن أخذت الْكتاب بالشمال فحسبك الْعَذَاب والنكال والمحن والأهوال والسلاسل والأغلال وَالْحَمِيم والخبال واللعنة والانفصال من ذِي الْجُود والجلال
وَإِن أخذت الْكتاب بِالْيَمِينِ فحسبك الْمقَام الْأمين فِي أعلا عليين مَعَ الْولدَان والحور الْعين والاتصال بِرَبّ الْعَالمين وَبِمُحَمَّدٍ خَاتم النَّبِيين صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
وَإِن أصررت فِي الدُّنْيَا على جرمك وَلم تتب إِلَى مَوْلَاك عَن قَبِيح ذَنْبك فَسَوف تَأْخُذ كتابك من وَرَاء ظهرك فتجد فِيهِ مَا يحزن قَلْبك ويعظم حزنك وَيكثر كربك فيا معشر المذنبين اعلموا أَنما جعل الله الدُّنْيَا ابتلاء واختبارا وَأوجب عَلَيْكُم فِيهَا حقوقا كبارًا فَمَتَى ضيعتموها فقد أودعتم كتبكم آثاما وأوزارا وَمَتى وفيتم بهَا فقد ملأتم كتبكم سُرُورًا وأنوارا
وَمَا من عبد وَلَا
стр. 100
أمة إِلَّا وَله كتاب يَقْرَؤُهُ يَوْم الْعرض والحساب وَإِنَّمَا مثل النَّاس عِنْد قراءتهم الْكتاب كَمثل الزَّارِع إِن زرع طيبا رفع طيبا وَإِن زرع خبيثا رفع خبيثا
يَا أخي فكأنك أَنْت كتبته بأقوالك وملأته بأفعالك وسودته بالقبائح من أعمالك
وأنشدوا
(كَأَنِّي بنفسي فِي الْقِيَامَة وَاقِف ... وَقد فاض دمعي حِين أعطي كتابيا)
(لعلمي بأفعالي وَسُوء مناقبي ... وَأَن كتابي سَوف يُبْدِي المساويا)
فيا أهل الذُّنُوب مثلي اعلموا أَن الْأَعْمَال قد أَثْبَتَت عَلَيْكُم فِي الدِّيوَان من الْإِحْسَان والعصيان وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والنفاق وَالْإِيمَان وَأَنت غافل فِي سكرة الْغرُور وكتابك مَمْلُوء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور فبادروا إِلَى الصحائف وأمحوا مَا فِيهَا من القبائح ومحصوا مَا قد ثَبت عَلَيْكُم من الفضائح وَذَلِكَ باكتساب الْحَسَنَات كَمَا قَالَ رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ هود ١١٤
١٨٥ - أول النَّاس حسابا
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن أول مَا يُحَاسب الله من الْأُمَم أمة مُحَمَّد ﷺ فَإِذا اجْتمع الْأَولونَ وَالْأَخِرُونَ فِي أَرض الْقِيَامَة وقفت أمة مُحَمَّد ﷺ فَأول من يَدعِي مِنْهُم إِلَى الْحساب رجل من قُرَيْش من بني مَخْزُوم يُقَال لَهُ عبد الله بن عبد الْأسد وَله أَخ يُقَال لَهُ الْأسود بن عبد الْأسد وَفِيهِمَا نزلت هَاتَانِ الْآيَتَانِ ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ﴾ الحاقة ١٥ إِلَى قَوْله ﴿فِي الْأَيَّام الخالية﴾ الحاقة ٢٤ نزلت هَذِه الْآيَة فِي عبد الله بن عبد الْأسد ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ﴾ الحاقة ٢٥ وَهُوَ الْأسود بن عبد الْأسد فَأَما عبد الله وَهُوَ الْمُؤمن فَيدْخل من وَرَاء الْحجب فَيُوقف بَين يَدي الله فترعد فرائصه وتنفك أوصاله وتذهل نَفسه من شدَّة الْخَوْف من الله تَعَالَى فَبَيْنَمَا هُوَ على أَشد الْأَحْوَال من الْخَوْف بَين يَدي الْجَبَّار ﷻ إِذْ يَأْتِيهِ ملك من عِنْد الله تَعَالَى وَبِيَدِهِ صحيفَة بَيْضَاء مختومة بِخَاتم الْخلد فَيَقُول لَهُ الْملك
١٨٦ - كتاب الْحَسَنَات
هَذَا كتابك فَيتَنَاوَل الْكتاب بِيَمِينِهِ وكل من كَانَ من أهل الشقاوة إِذا أُوتِيَ كِتَابه يروم أَن يمد الْيَمين لأَخذه فَلَا يقدر لِأَنَّهُ يجد يَمِينه كَأَنَّمَا علقت فِيهَا جبال
стр. 101
الدُّنْيَا فَلَا يُطيق أَن يرفعها من الثّقل وَقيل إِنَّهَا تغل يَده وَقيل إِنَّهَا تلصق بجسده وَقيل إِن الْملك يَقُول لَهُ يَا عَدو الله خُذ كتابك بشمالك فَإنَّك من أَصْحَاب الشمَال جعلنَا الله وَإِيَّاكُم من أَصْحَاب الْيَمين
فَيتَنَاوَل عبد الله أَخُو الْأسود كِتَابه بِيَمِينِهِ وَيُقَال لَهُ إقرأ مَا عملت من خير وَشر وَلَا تلومن إِلَّا نَفسك فيفض خَاتم الْكتاب فينشر كِتَابه فَإِذا هُوَ مَكْتُوب بِخَط أَبيض فِي بَاطِن الْكتاب السَّيِّئَات وَفِي ظَاهره الْحَسَنَات فَيُقَال لَهُ إقرأ سيئاتك فَأول حرف يجد فِي الْكتاب أَصْغَر ذَنْب عمله فِي الدُّنْيَا فَإِذا رأى ذَلِك الذَّنب ميل رَأسه ونكسه حَيَاء من الله تَعَالَى وسال مِنْهُ من الْعرق مَا لَو أَن مِائَتَيْنِ من الْإِبِل أكلت حمضا والتهبت عطشا ووردت على عرقه لشربت كلهَا وَرجعت وَقد رويت وَمَا نقص من عرقه شَيْء
١٨٧ - كَيْفيَّة السُّؤَال
هَذَا كُله حَيَاء من الله فَيَقُول الْجَبَّار ﷻ عَبدِي فَيَقُول لبيْك رَبِّي وَسَعْديك فَيَقُول ارْفَعْ رَأسك أتعرف ذَنْبك هَذَا فَيَقُول مولَايَ وسيدي وَعزَّتك وجلالك إِنِّي لأعرفه فَيَقُول عَبدِي أَتَذكر يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا وَأَنت على هَذَا الذَّنب فَيَقُول نعم وَعزَّتك وجلالك
فَيَقُول لَهُ الْجَبَّار جلب جَلَاله عَبدِي إِنَّك إِذا أخفيت ذَلِك من الْخَلَائق لقد علمت أَنِّي كنت مطلعا عَلَيْك فَيَقُول بلَى يَا سَيِّدي ومولاي وَعزَّتك وجلالك لقد علمت ذَلِك فَيَقُول لَهُ ﷻ أما استحيت مني أما راقبتني أما علمت أَن مرجعك إِلَيّ
وَالْعَبْد فِي هَذَا التوبيخ قد علاهُ الْعرق وذاب من شدَّة الْغَرق فَيَقُول مولَايَ وسيدي لِأَن ترسل بِي إِلَى النَّار أَهْون عَليّ من هَذَا التوبيخ فَيَقُول الله ﵎ عَبدِي أَلَيْسَ قد سترتها عَلَيْك فِي الدُّنْيَا فَيَقُول العَبْد مولَايَ لقد فعلت ذَلِك بِي فَيَقُول ﷻ عَبدِي وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ومجدي وجودي وكرمي لقد محوتها من قُلُوب الْمَلَائِكَة وَقُلُوب الْآدَمِيّين وابقيتها بيني وَبَيْنك حَتَّى تعلم نعمتي عَلَيْك وأفضالي لديك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
١٨٨ - غفران الذُّنُوب
فَلَا يزَال ﷻ يفعل بِهِ ذَلِك فِي كل ذَنْب حَتَّى يقْرَأ جَمِيع مَا فِي كِتَابه من الذُّنُوب فَإِذا أُتِي على آخر الْكتاب وجد فِيهِ عَبدِي هَذِه سيئاتك قد غفرتها لَك
فَعِنْدَ ذَلِك يبيض وَجهه وتحسن بَشرته وَيذْهب عَنهُ الْحزن والهم والجزع
ثمَّ يَقُول الله ﷻ قلب كتابك فاقرأ حَسَنَاتك فيقلب العَبْد كِتَابه فَيقْرَأ حَسَنَاته كلما
стр. 102
مر على حَسَنَة ازْدَادَ قلبه فَرحا وسرورا وازداد بَيَاضًا وحسنا ونورا ثمَّ يُؤْتى بتاج من نور فَيُوضَع على رَأسه لَو أخرج ذَلِك التَّاج إِلَى الدُّنْيَا لكسف نوره ضوء الشَّمْس وَالْقَمَر
١٨٩ - لِبَاس الْمُكرمين
وَيُؤْتى بحلتين من حلل الْجنَّة شبر مِنْهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مائَة ألف مرّة فيلبسها ويحلى كل مفصل مِنْهُ بحلى الْجنَّة وَيُقَال لَهُ أخرج على النَّاس وَأخْبرهمْ وبشرهم أَن لكل عبد وَأمة من الْمُؤمنِينَ مثل ذَلِك فَعِنْدَ ذَلِك يخرج عبد الله بن عبد الْأسد وَكتابه بِيَمِينِهِ وَقد أشرق وَجهه نورا وَقَلبه قد امْتَلَأَ سُرُورًا قد جرت على وَجهه نَضرة نعيم الْجنان وَتلك عَلامَة لأهل الْإِيمَان وَالْملك آخذ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يُنَادي عَلَيْهِ نِدَاء الْبُشْرَى أَلا إِن فلَانا لأهل الْإِيمَان وَالْملك آخذ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يُنَادي عَلَيْهِ نِدَاء الْبُشْرَى أَلا إِن فلَانا قد سعد سَعَادَة لَا يشقى بعْدهَا أبدا وَالْخَلَائِق قد رفعوا أَبْصَارهم إِلَيْهِ وتمنوا مثل مَا من الله بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ يقْرَأ ﴿هاؤم اقرؤوا كِتَابيه﴾ لَيْسَ فِيهِ سَيِّئَة وَاحِدَة قد غفر الله ﵎ جَمِيع ذُنُوبِي ومحاها عني ﴿إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي ملاق حسابيه﴾ إِنِّي أيقنت فِي الدُّنْيَا أَنِّي ألْقى هَذَا الْيَوْم وَكنت خَائفًا من هوله وَمن قراءتي كتابي وَمن حِسَاب رَبِّي ﷻ فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى أَصْحَابه فَيَقُولُونَ من هَذَا العَبْد الَّذِي أكْرمه الله وَرَضي عَنهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ من أحبابنا وقربه منا حَتَّى نَنْظُر إِلَى مَا قد فَضله مَوْلَانَا بِهِ فَإِذا قرب مِنْهُم سلم عَلَيْهِم فَيَقُولُونَ لَهُ من أَنْت يَا عبد الله فَيَقُول أَو مَا تعرفوني فَيَقُولُونَ لَهُ يَا عبد الله لقد زينتك كَرَامَة الْمولى ﷻ حَتَّى لَا نعرفك فَمن أَنْت فَيَقُول لَهُم أَنا عبد الله بن عبد الْأسد أَلا وَإِن لكل وَاحِد مِنْكُم مثل هَذَا وَهَكَذَا يفعل الله ﵎ بِكُل مُؤمن يكون رَأْسا فِي الْخَيْر يَدْعُو إِلَيْهِ وَيَأْمُر بِهِ ثمَّ يشفعه الله ﵎ فِي كل من شَاءَ من أهل الذُّنُوب فَعِنْدَ ذَلِك يفرح أَصْحَابه بِمَا قد بشرهم بِهِ من الْمَغْفِرَة والفوز بِالْجنَّةِ والنجاة من النَّار ﴿فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ قد رضى ورضيت نَفسه وَرَضي مَوْلَاهُ عَنهُ وَهُوَ رَاض بِتِلْكَ العيشة والعيشة الْجنَّة ﴿فِي جنَّة عالية﴾ فِي غرفَة ارتفاعها مسيرَة مائَة عَام من لؤلؤة بَيْضَاء أَو من ياقوتة حَمْرَاء ملاطها الْمسك الأذفر والعنبر الْأَشْهب والكافور الْأَبْيَض ﴿قطوفها دانية﴾ يَعْنِي ثمارها دانية مِنْهُم إِذا
стр. 103
اشتهوها نزلت عَلَيْهِم حَتَّى تدخل عَلَيْهِم فِي مَنَازِلهمْ فتدنو مِنْهُم فَيَأْكُلُونَ من ثمارها مَا يشتهون وهم نيام أَو قعُود أَو قيام على أَي حَال أَرَادوا ثمَّ ترجع إِلَى أماكنها وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ الحاقة ٢٤ لَا موت فِيهَا وَلَا حزن ﴿بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾ الحاقة ٢٤ يَعْنِي الْأَيَّام االماضية وَهِي أَيَّام الدُّنْيَا الَّتِي أطاعوا الله ﵎ فِيهَا واستقاموا وَلم يزوغوا عَن طَاعَته
وأنشدوا
(ببابك عبد من عبيدك مذنب ... كثير الْخَطَايَا جَاءَ يَسْأَلك العفوا)
(فَأنْزل عَلَيْهِ الْعَفو يَا من بمنه ... على قوم مُوسَى أنزل الْمَنّ والسلوى)
(أَنا عَبدك الْمِسْكِين فَارْحَمْ تضرعي ... وَلَا تجْعَل النيرَان يَا رب لي مثوى)
(وخفف من الْعِصْيَان ظَهْري إِنَّنِي ... بلغت من الأوزار غايتها القصوى)
فَهَذَا عبد الله بن عبد الْأسد الَّذِي أنزل الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة وعَلى سيرته فِي الْحساب تجْرِي سير الْمُؤمنِينَ من أمة ﷺ على قدر أَحْوَالهم واجتهادهم فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْر والاستقامة على طَاعَة الله
١٩٠ - أَشد النَّاس عذَابا
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ﴾ الحاقة ٢٥ فَهُوَ الْأسود بن عبد الْأسد المَخْزُومِي وَهُوَ أَخُو عبد الله بن عبد الْأسد وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يَدْعُو بِهِ على أثر أَخِيه عبد الله فَيدْخل الْأسود حَتَّى يُوقف وَبَينه وَبَين الله حجاب السخط فَيكون من وَرَاء الْحجاب لِأَن الله ﵎ لَا يرَاهُ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ وَأما الْكفَّار فَلَا يرونه قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ المطففين ١٥ فَيُوقف الْأسود بَين يَدي الْمَلَائِكَة يرتعد من خوف الْعَذَاب وَالْمَلَائِكَة الَّذين مَعَه هم مَلَائِكَة الْعَذَاب فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ يَأْتِيهِ ملك من مَلَائِكَة السخط فَيَأْخُذ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثمَّ يهزها فيخلعها من موضعهَا فيعلقها من صلبه بجلده ثمَّ يَأْخُذ بِرَأْسِهِ فيلوي عُنُقه فيحول وَجهه فِي قَفاهُ
١٩١ - كتاب السَّيِّئَات
ثمَّ يَأْتِيهِ ملك من وَرَاء ظَهره فِي يَده صحيفَة سَوْدَاء فِيهَا كتاب بِخَط أسود فِي بَاطِن الْكتاب حَسَنَاته وَفِي ظَاهره سيئاته وَالْكتاب مختوم فَيُقَال لَهُ هَذَا كتابك خُذْهُ
стр. 104
فَلَا يقدر أَن يتَنَاوَلهُ بِيَمِينِهِ لِأَن يَمِينه مخلوعة من مَنْكِبه فَيتَنَاوَل كِتَابه بِشمَالِهِ فَيُقَال لَهُ فض خَاتم الْكتاب فيفضه وَيُقَال لَهُ انشر كتابك اقْرَأ فينشر الصَّحِيفَة وَهِي سَوْدَاء فَيبْدَأ بباطن الْكتاب فتستقبله حَسَنَاته فَيَقْرَؤُهَا ويفرح ويظن أَنه سينجو من عَذَاب الله ﵎ حَتَّى إِذا بلغ آخر الصَّحِيفَة وجد فِيهَا هَذِه حَسَنَاتك قد ردَّتْ عَلَيْك لِأَنَّك لم ترد بهَا وَجه الله تَعَالَى وَالدَّار الْآخِرَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لَا يبخسون﴾ هود ١٥ أَي لَا ينقصُونَ تعجل لَهُم فِي الدُّنْيَا أجور أَعْمَالهم وَلَا يثابون فِي الْآخِرَة بِشَيْء من أَعْمَالهم وَلَا تجَاوز عَنْهُم فِي شَيْء من أَعْمَالهم السَّيئَة حَتَّى يعذبهم الله تَعَالَى عَلَيْهَا وأعمالهم الْحَسَنَة أحبطها الله بالْكفْر والأعمال الصَّالِحَة الَّتِي يُرَاد بهَا وَجه الله ﵎ يجازي الله تَعَالَى أَصْحَابهَا بالثواب الْبَاقِي وَهُوَ نعيم الْجنَّة وَالنَّظَر إِلَى وَجه الله الْكَرِيم فَوجه الله بَاقٍ ونعيم الْجنَّة بَاقٍ لِأَن الله تَعَالَى خلق الْجنَّة ثَوابًا لأهل الْأَعْمَال الصَّالِحَة الَّتِي يُرَاد بهَا وَجه الله تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ الْقَصَص ٨٨ وكل عمل يُرَاد بِهِ وَجه الله لَا يهْلك يبْقى ثَوَابه لصَاحبه وثوابه الْجنَّة فَإِن الله ﵎ يثيب على الْعَمَل الْبَاقِي بالنعيم الدَّائِم الْبَاقِي ويثيب على الْعَمَل الفاني وَهُوَ مَا يعْمل للدنيا وَزينتهَا بِالْعرضِ الفاني وَهُوَ حطام الدُّنْيَا وَالْمُؤمن لَا يرضى الله أَن يثيبه على عمله الصَّالح بِعرْض الدُّنْيَا وَإِن وسع عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّمَا يُعْطِيهِ ذَلِك زِيَادَة مَعُونَة يَسْتَعِين بهَا على طَاعَته وَأجر عمله أدخره لَهُ ليَوْم فقره إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ ثمَّ يُقَال للأسود بن عبد الأسد إقلب كتابك فاقرأ فيقلب ظَاهره فتستقبله سيئاته مثل الْجبَال الرواسِي وَهِي سود بِخَط أسود لِأَنَّهَا محبوطة بالْكفْر غير مَقْبُولَة فَأول سَيِّئَة يقْرؤهَا يسود وَجهه ويسمج لَونه كلما قَرَأَ سَيِّئَة ازْدَادَ سماجة وقبحا فَإِذا بلغ آخر الصَّحِيفَة وجد فِيهَا هَذِه سيئاتك قد أضعفت إِنِّي قد أَضْعَف عَلَيْك الْعَذَاب بعملك السَّيِّئَات
١٩٢ - صفة الْعَذَاب للْكَافِرِ
فَيرجع وَجهه أَشد سوادا من القار وَهُوَ الزفت ويعظم جسده للنار حَتَّى يكون مَا بَين مَنْكِبَيْه مسيرَة شهر وَغلظ كل فَخذ من فخديه مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا بَين شَفَتَيْه الْعليا والسفلى أَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَقد خرجت أنيابه وأضراسه من بَين شَفَتَيْه
стр. 105
بادية وَعَيناهُ زرق وحدقتاه قد وقعتا على وَجهه من شدَّة مَا هُوَ فِيهِ من الْعَذَاب وكل ضرس من أَضْرَاسه أعظم من جبل أحد شعره كآجام الْقصب وَله سَبْعَة جُلُود غلظ كل جلد مِنْهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعا مَا بَين الْجلد إِلَى الْجلد مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فِيهَا ديدان لَهَا جلبة كجلبة الوحوش فِي الْبَريَّة فِي جسده من الشّعْر مَا لَا يحصي عدده إِلَّا الله تَعَالَى فِي أصل كل شَعْرَة من الآلام والوجع وَالْعَذَاب مَا لَو قسم على أهل الدُّنْيَا من يَوْم خلقهمْ الله تَعَالَى إِلَى يَوْم يَبْعَثهُم لماتوا كلهم فِي أسْرع من طرفَة عين
ثمَّ يُؤْتى بسلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فتغل بهَا يَدَاهُ وعنقه وَيدخل طرفها فِي فِيهِ وَتخرج من دبره ثمَّ يلف مَا بَقِي مِنْهَا على عُنُقه يتوقد ويشتعل نَارا ثمَّ يُؤْتى بصخرة من كبريت أعظم من الْجَبَل الْعَظِيم لَو وضعت على جبال الدُّنْيَا لذابت من حرهَا فَتعلق فِي عُنُقه وَهِي تشتعل نَارا ثمَّ يُؤْتى بتاج من نَار فَيُوضَع على رَأسه فيصعد حر الصَّخْرَة إِلَى وَجهه وَينزل حر التَّاج إِلَى وَجهه ويجتمع مَعَ حر الصَّخْرَة وَلَا يقدر أَن يرفع عَن وَجهه بيدَيْهِ لِأَنَّهُمَا مغلولتان إِلَى عُنُقه قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة﴾ الزمر ٢٤ وَقَالَ ﴿وتغشى وُجُوههم النَّار﴾ إِبْرَاهِيم ٥٠ تغشى وُجُوه الْكفَّار
ثمَّ يُؤْتى بسربال من قطران وَهُوَ نُحَاس جَهَنَّم قد انْتهى فِي شدَّة الْحر فيلبسه لَو أَن ذَلِك السربال ألقِي فِي الدُّنْيَا لَصَارَتْ الدُّنْيَا من مشرقها إِلَى مغْرِبهَا جَمْرَة وَاحِدَة أسْرع من لمح الْبَصَر ثمَّ يقرن مَعَ شَيْطَان يكون ذَلِك الشَّيْطَان عَلَيْهِ أَشد من كل عَذَاب يعذب بِهِ ثمَّ يُقَال لَهُ أخرج على النَّاس وَأخْبر أَصْحَابك أَن لكل وَاحِد مِنْهُم مثل هَذَا الْعَذَاب
فَيخرج الْأسود على أقبح الْأَحْوَال وَكتابه بِشمَالِهِ لَيْسَ فِيهِ حَسَنَة وَاحِدَة وسيئاته ظَاهِرَة لِلْخلقِ وَالْملك يُنَادي على الْأسد بن عبد الْأسود يَا أهل الْموقف قد شقي الْأسود شقاوة لَا يسْعد بعْدهَا أبدا
إلعنوه فَإِن الله تَعَالَى قد لَعنه وَسخط عَلَيْهِ فينادي بأعلا صَوته نِدَاء يسمعهُ أهل الْجمع ﴿يَا لَيْتَني لم أوت كِتَابيه﴾ الحاقة ٢٥ أَي يَا لَيْتَني لم أعْط كتابي بشمالي وَلَا يحل بِي هَذَا الْبلَاء الَّذِي أَنا فِيهِ ﴿وَلم أدر مَا حسابيه﴾ الحاقة ٢٦ أَي يَا لَيْتَني تبت وَآمَنت وَلم أحاسب بِهَذَا الْحساب وَلَا نزل بِي هَذَا الْعَذَاب ﴿يَا ليتها كَانَت القاضية﴾ الحاقة ٢٧ أَي يَا لَيْت الْمَوْت عَاد إِلَيّ حَتَّى يريحني من هَذَا الْعَذَاب ﴿مَا أغْنى عني ماليه﴾ الحاقة ٢٨ يَعْنِي المَال الَّذِي كَانَ مَعَه فِي الدُّنْيَا وَكَانَ يُنْفِقهُ فِي غير الله وَيبْخَل بِهِ فِي ذَات الله ﵎ ﴿هلك عني سلطانيه﴾ الحاقة ٢٩ أَي انْقَطَعت عني حجتي واضمحلت
ثمَّ يَأْمر الله تبَارك
стр. 106
وَتَعَالَى أَن يخرج لَهُ مِنْبَر من جَهَنَّم من نَار فينصب لَهُ ويصعد عَلَيْهِ وتبدو كل قبيحة عَملهَا فِي الدُّنْيَا ويلعنه كل من فِي الْموقف ويعبره حَتَّى يود لَو أَمر بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول الله ﵎ للْمَلَائكَة ﴿خذوه فغلوه ثمَّ الْجَحِيم صلوه ثمَّ فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه﴾ الحاقة ٣٠، ٣١،، ٣٢ فيبتدره سَبْعُونَ ألف ملك خلقُوا من نَار السمُوم مَعَ كل ملك مِنْهُم من الْعَذَاب خلاف مَا مَعَ الآخر فيأخذونه بَينهم فيلقونه فِي الهاوية من النَّار الحامية ويدخلون بسلسلة فِي فِيهِ وَيخرجُونَ طرفها من دبره كَمَا تصنع الخرزة فِي السلك ثمَّ يطعم الغسلين وَهُوَ شَيْء أسود نَتن لَو أَن قَطْرَة من الغسلين أخرجت إِلَى الدُّنْيَا لمات جَمِيع أَهلهَا من النتن
١٩٣ - طَعَام أهل النَّار
وَإِنَّمَا يطعم أهل النَّار الغسلين لأَنهم كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يرَوْنَ أَن يغتسلوا من الْجَنَابَة وَلَا يتوضؤوا للصَّلَاة فيحرق الغسلين مَوَاضِع الْوضُوء والاغتسال وَمَا سقط مِنْهُ أطعموه إِيَّاه جَزَاء بِمَا ضيعوا فِي الدُّنْيَا من حُقُوق الله تَعَالَى وَهَذَا الْعَذَاب كُله للأسود بن عبد الْأسد وَكَذَلِكَ لكل من كَانَ فِي الشَّرّ رَأْسا يَأْمر بِهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ يفعل بِهِ كَمَا فعل بالأسود بن عبد الْأسد وكل من كَانَ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْر رَأْسا يَأْمر بِهِ إِلَيْهِ يفعل بِهِ كَمَا بالأسود بن عبد الْأسد وكل من كَانَ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْر رَأْسا يَأْمر ويدعوا إِلَيْهِ يفعل بِهِ كَمَا فعل بِعَبْد الله ابْن عبد الْأسد يَجْزِي الله تَعَالَى النَّاس كلهم على هَذَا الْمِنْهَاج فِي الْخَيْر وَالشَّر وَالله يفعل مَا يَشَاء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل فنعوذ بِاللَّه من أَعمال أَصْحَاب الشمَال
стр. 107
٨ - مجْلِس فِي قَوْله ﵎ ﴿وَوضع الْكتاب﴾ الْآيَة
١٩٤ - يَا أهل الذُّنُوب مثلي يَا أهل الْعُيُوب مثلي يَا من يَعْصِي وَلَا يَتُوب يَا من ألغي والمحال لَهُ صحوب يَا من ضيع غَايَة المنى والمرغوب يَا من سود كِتَابه بِمَعْصِيَة علام الغيوب اعلموا عصمنا الله وَإِيَّاكُم أَن للعباد غَدا صَحَائِف يقرؤون فِيهَا الْحَسَنَات والقبائح فَمن كتب لَهُ حافظاه خيرا فِي الدَّار الفانية فَهُوَ خير لَهُ فِي الدَّار الْبَاقِيَة وَمن كَانَ خَائفًا فِي الدُّنْيَا من الْعَذَاب متحفظا مِمَّا يثبت عَلَيْهِ فِي الْكتاب متجنبا لمعصية رب الأرباب وَفقه الله مَوْلَاهُ للحق وَالصَّوَاب وَيسر عَلَيْهِ برحمته الْحساب ومحيت أوزاره من الْكتاب وَرَضي عَنهُ الْملك الْوَهَّاب وَأمر بِهِ إِلَى الْجنَّة وَحسن المآب وَمن علم أَن عمله يثبت عَلَيْهِ فِي الدِّيوَان وَهُوَ يَقْرَؤُهُ لَا محَالة بَين يَدي الرَّحْمَن فَكيف يألف الْعِصْيَان وَكَيف يَتَحَرَّك مِنْهُ اللِّسَان بالزور والبهتان وَمُخَالفَة كتاب الْملك الديَّان
١٩٥ - الْفرق بَين الْحَسَنَة والسيئة
ذكر فِي بعض الحكم أَن رجلا كَانَ يَسُوق دَابَّته فَعَثَرَتْ فَقَالَ الرجل: تعست الدَّابَّة يَعْنِي عثرت فَقَالَ ملك الْيَمين لملك الشمَال: لَيست بحسنة فاكتبها فَأُوحي الله تعالي لملك الشمَال مَا ترك صَاحب الْيَمين فاكتبه أَنْت فَكتب صَاحب الشمَال قَول الرجل تعست الدَّابَّة واعظم من هَذَا انه مَا من عبد وَلَا أمة يتنفس نفسا إِلَّا اثْبتْ عَلَيْهِ فِي الْكتاب فان خرج النَّفس فِي طَاعَة الله تَعَالَى أثْبته صَاحب الْيَمين وان خرج النَّفس فِي غير طَاعَة الله أثْبته صَاحب الشمَال حَتَّى يحكم الله تبَارك وتعالي يَوْم الْحساب فِيهِ بِحكمِهِ فَمن علم هَذَا يَقِينا فَلَا يحْتَاج أَن تمر عَلَيْهِ سَاعَة من ساعاته وَلَا وَقت من أوقاته وَلَا لَحْظَة من لحظاته إِلَّا فِي ذكر الله وَفِي الفكرة فِي عَظمَة الله
стр. 108
١٩٦ - النجَاة فِي ذكر الله
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَيْسَ شَيْء أنجى لِلْمُؤمنِ من عَذَاب الله من ذكر الله وَأكْثر مَا يجد الْمُؤمن فِي صَحِيفَته يَوْم الْقِيَامَة الاسْتِغْفَار فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فَكل من كَانَ فِي الدُّنْيَا من قِرَاءَة كِتَابه خَائفًا مشفقا كَانَ الله ﵎ بِهِ عِنْد قِرَاءَته إِيَّاه رحِيما مرفقا وَمن كَانَ فِي الدُّنْيَا من الغافلين كَانَ عِنْد قِرَاءَته من النادمين فَلَو رَأَيْتُمْ يَا أهل الذُّنُوب مَا قد أثبت عَلَيْكُم فِي الدُّيُون من الْخَطَايَا والعصيان والزور والبهتان وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والغفلة وَالنِّسْيَان لعظمت مِنْكُم المصائب وَكَثُرت مِنْكُم النوائب ولسارعتم إِلَى الثَّوَاب والرغائب ولثبتم إِلَى رب الْمَشَارِق والمغارب وأنشدوا
(مَا بَال عَيْنك لَا تبْكي لما سلفا ... ذكر الذُّنُوب وَخَوف النَّار والتلفا)
(يَا أَيهَا المذنب المحصى جرائمه ... لَا تنس ذَنْبك وَاذْكُر مِنْهُ مَا سلفا)
(من الذُّنُوب الَّتِي لم تبل جدَّتهَا ... كَيفَ تبلى وَقد أودعتها صحفا)
(أما تخَاف أما تخشى فضائحها ... إِذا الغطاء انجلى عَنْهُن وانكشفا)
اعلموا معاشر المذنبين لَو أَن الله تَعَالَى اطلع بَعْضنَا على صَحَائِف بعض وكشف لَهُ مَا فِيهَا من الذُّنُوب لَكَانَ النَّاس يشتغلون عَن مَعَايشهمْ بتعيير بَعضهم لبَعض ولعنة بَعضهم لبَعض فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
١٩٧ - حِكَايَة عَن رقة بن وَاسع
حُكيَ عَن مُحَمَّد بن وَاسع ﵀ أَنه مَا رَآهُ أحد قطّ ضَاحِكا وَإِن كَانَ ليبكي حَتَّى ترحمه النَّاس فَذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ يَا أحبائي وَكَيف يضْحك من لَا يدْرِي مَا أثبت عَلَيْهِ فِي كِتَابه وَلَا يدْرِي بِمَا يخْتم لَهُ
اللَّهُمَّ اختم لنا بِخَير وَكَانَ رجل يكلم مُحَمَّد بن وَاسع فِي حَاجَة فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن وَاسع ادن مني فَلَو كَانَت للذنوب رَائِحَة لما قدرت أَن تَدْنُو مني فيا معشر المذنبين مثلي وَنَفْسِي أَعنِي وكلنَا مذنب لَا تغتروا بستر الله تَعَالَى عَلَيْكُم فَإِن لَهُ يَوْمًا يهتك فِيهِ الأستار وَيُحَاسب عباده على مَا عمِلُوا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فقوم إِلَى الْجنَّة وَقوم إِلَى النَّار فالخير وَالشَّر قد حصل عَلَيْكُم الْكتاب الَّذِي يوضع لكم يَوْم الْعرض والحساب بَين يَدي رب الأرباب قَالَ الْملك الْوَهَّاب ﴿وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ﴾
стр. 109
) الْكَهْف ٤٩ وضع الْكتاب للْمُؤْمِنين وَوضع الْكتاب للمجرمين وضع الْكتاب لأهل الْإِيمَان وَوضع الْكتاب لأهل الضلال والطغيان وَوضع الْكتاب لأهل الْجنان وَوضع الْكتاب لأهل النيرَان وَوضع الْكتاب لأهل الثَّوَاب وَوضع الْكتاب لأهل الْعقَاب وَوضع الْكتاب للطائعين وَوضع الْكتاب للعاصين وَوضع الْكتاب لأهل الْإِخْلَاص والوفاق وَوضع الْكتاب لأهل الرِّيَاء والنفاق وَوضع الْكتاب لأهل الْوَفَاء وَوضع الْكتاب لأهل الْجفَاء وَوضع الْكتاب للعاملين وَوضع الْكتاب للباطلين وَوضع الْكتاب للقائمين وضع الْكتاب للنائمين وَوضع الْكتاب للمستغفرين وَوضع الْكتاب للغافلين وضع الْكتاب للسعداء وضع الْكتاب للأشقياء وضع الْكتاب لأهل الْجنَّة وضع الْكتاب لأهل المحنة وَوضع الْكتاب للأبرار وضع الْكتاب للفجار وضع الْكتاب لأهل التَّوْبَة وَوضع الْكتاب لأهل الحوبة وضع الْكتاب لأهل الْكَرَامَة وضع الْكتاب لأهل الندامة وَوضع الْكتاب لأهل الرشاد وَوضع الْكتاب لأهل الْفساد وضع الْكتاب لأهل الْحَسَنَات وضع الْكتاب لأهل السَّيِّئَات وضع الْكتاب لأهل النَّعيم وَالسُّرُور وضع الْكتاب لأهل الويل وَالثُّبُور فَكتب تبشر بِالْجنَّةِ وَكتب آخرهَا باللعنة والمحنة جعلنَا الله وَإِيَّاكُم مِمَّن يبشره كِتَابه بِالْجنَّةِ برحمته
١٩٨ - إحاطة الْكتاب بِكُل شَيْء
وَاعْلَمُوا يَا معشر المذنبين أَن الله تَعَالَى لم يدع شَيْئا من القَوْل إِلَّا وَقد فسره لِعِبَادِهِ وَأنزل بذلك كِتَابه الْعَزِيز فَقَالَ فِيهِ ﵎ ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ الْإِسْرَاء ٣٨ وَقد أعلمنَا إلهنا ومولانا أَن ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره﴾ الْإِسْرَاء ١٣ وَأَن كل إِنْسَان لَا بُد لَهُ من السُّؤَال وَلَا بُد لَهُ من حِسَاب وَلَا بُد من ثَوَاب أَو عَذَاب ومولانا قد أمرنَا بِالْعَمَلِ الصَّالح ووعدنا عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ ونهانا عَن الْمعاصِي وتوعدنا عَلَيْهَا بالنَّار وَمَا قدمتم من خير وَشر قد أثبت عَلَيْكُم فِي كتاب مَكْتُوب بِالْحَسَنَاتِ والذنُوب
١٩٩ - حِكَايَة فِي كِتَابَة الْكتب
رُوِيَ عَن الْحسن ﵀ أَنه قَالَ مَا من عبد وَلَا أمة يدْفن إِلَّا دخل عَلَيْهِ ملك فِي قَبره مَعَه دَوَاة وَقِرْطَاس فَيَأْخُذ الْملك بِرَأْس الْمَيِّت ويقعده وَيرْفَع إِلَيْهِ
стр. 110
ذَلِك القرطاس ويناوله قَلما وَيَقُول لَهُ اكْتُبْ جَمِيع مَا عملت فِي عمرك الَّذِي وَجَبت عَلَيْك فِيهِ الْحُدُود من خير وَشر فَيَأْخُذ الْمَيِّت الْقَلَم فَيكْتب وَإِن لم يكن فِي الدُّنْيَا كَاتبا فَإِن كَانَ العَبْد من أهل السَّعَادَة فَأول مَا يجْرِي الْقَلَم بِيَدِهِ بِإِذن الله ﵎ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لِأَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لَا تكون فِي كتاب الشقاوة وَإِنَّمَا تكون فِي كتاب أهل الْإِيمَان وَالسّنة والأمان والغفران لِأَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هِيَ آيَة الْإِيمَان وَهِي إِخْبَار عَن رَحْمَة الله ولطفه ﷻ يَا أهل السّنة من هَذِه الْأمة فَإِذا ثَبت العَبْد فِي كِتَابه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فقد أَمن فِي قَبره من الْعَذَاب والضيقة
٢٠٠ - الْبَسْمَلَة وبركتها
وَإِذا لم يثبت فِي كِتَابه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فقد حل بِهِ الْعَذَاب فِي قَبره فَإِذا كتب العَبْد مَا عمل من خير وَشر شقيا كَانَ أَو سعيدا يطوي الْملك الْكتاب ويعلقه فِي عُنُقه فَإِذا خرج العَبْد من قَبره يَوْم الْقِيَامَة جَاءَهُ ذَلِك الْملك فَأخذ الْكتاب وناوله إِيَّاه وَقَالَ يَا ولي الله أَو يَا عَدو الله أتعرف هَذَا فَيَقُول نعم أَنا كتبته وَأَنا عملته فَيَقُول لَهُ فاقرأه فيستقبله مِنْهُ مَا سبق لَهُ من سَعَادَة أَو شقاوة
فَالله الله معشر المذنبين مثلي الْمُؤمنِينَ لَا تضيعوا أيامكم بالقبائح وَلَا تهملوا أعماركم فِي الذُّنُوب والفضائح فَإِن جَمِيع أَعمالكُم قد حصيت عَلَيْكُم فِي الصحائف والصحائح وستقرؤوها بَين يَدي مولاكم وَتشهد عَلَيْكُم الْجَوَارِح بالقبيح وَالْحسن من أَعمالكُم
وأنشدوا
(سَوف يَأْتِي عَلَيْك سَاعَة خوف ... حِين تُعْطى صَحَائِف الْأَعْمَال)
(وَكَأَنِّي أرى فضائح قوم ... قد تجلى لكشفها ذُو الْجلَال)
(لَيْت شعري إِذا قَرَأت كتابي ... بيميني أعطَاهُ أم بشمالي)
следующие страницы →