← Баляга

Баляга · id 6951

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

أبو الفتح العباسي

Полный текст (694 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي جعل الْعقل مِفْتَاح الْعُلُوم ومدرك مَعَاني الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم ومنشأ بَيَان الْمُحَقق والموهوم ومظهر بديع المنثور والمنظوم أَحْمَده حمد من بجزيل نعمه اعْترف وأشكره شكر من ورد مناهل فَضله واغترف وَأشْهد أَنه الرب الرَّحْمَن الَّذِي خلق الْإِنْسَان وَعلمه الْبَيَان وَأشْهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وحبيبه وخليله الَّذِي تلخص الدّين بإرشاده أحسن تَلْخِيص وتخلص مُتبع هَدْيه من الْجَحِيم أعظم تَخْلِيص فَكَانَت بعثته مِفْتَاح بَاب الْخيرَات وَالطَّرِيق الْموصل إِلَى مَنْهَج المبرات ﷺ وعَلى آله الْكِرَام وَصَحبه الْأَئِمَّة الْأَعْلَام مَا أغرب مبتدئ ببديع النظام وأعجب منته بِحسن الختام وَبعد فَإِن الْفَقِير الحقير الْمُعْتَرف بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير نطر الله إِلَيْهِ بِعَين الْعَفو والغفران وَرَضي عَنهُ أتم الرضْوَان لما كَانَ متحلياً بحلية الْعلمَاء مستشعراً شعار الْفُضَلَاء وَبرد الشبيبة قشيب وغصن الصِّبَا رطيب ومربع الْأَمَانِي خصيب والسعادة تلحظه عيونها وتتوارد عَلَيْهِ أبكارها وعونها لم يزل فِي خدمَة الْعلم وتأليفه وترتيبه وتصنيفه بِقدر مَا يصل إِلَيْهِ

стр. 2

علمه الْقَاصِر وَحسب مَا ينفذ فِيهِ فهمه الفاتر وَكَانَ من جملَة مَا حفظه من الْمُتُون وعلق بخاطره من الْفُنُون كتاب تَلْخِيص الْمِفْتَاح الَّذِي هُوَ فِي بَابه رَاحَة الْأَرْوَاح تغمد الله مُؤَلفه برحمته ورضوانه وَأَسْكَنَهُ بحابح جنانه وَفِيه من الشواهد الشعرية مَا يعزى للأقدمين وَمَا ينْسب للمولدين إِلَّا أَن أَكْثَرهَا مَجْهُول الْأَنْسَاب مغفول الأحساب وَرُبمَا عزاهُ بعض شارحي الْكتاب لغير قائليه وَنسبه إِلَى غير أَبِيه إِمَّا لاشتباه فِي الأوزان أَو تماثل فِي المعان وَلم أر من عمل على تِلْكَ الشواهد شرحاً يشفي العليل أَو يروي الغليل غير أَن شَيخنَا المرحوم الْعَلامَة الْجلَال السُّيُوطِيّ سقى الله من صوب الرَّحْمَة ثراه وَأكْرم منزله ومثواه عمل على بَعْضهَا تَعْلِيقا لطيفاً لم يكمله وَلم يخرج عَن مسودته وَكَثِيرًا مَا كَانَت نَفسِي تنازعني للتصدي لذَلِك وَأَقُول لَهَا لست هُنَالك وأعللها بالمواعيد وَهِي تقرب إِلَى الْبعيد وتسول لي أَنه أقرب إِلَيّ من حَبل الوريد فيقوي الْعَزْم وَيسْتَعْمل الْجَزْم ويهمل الْأَخْذ بالحزم إِلَى أَن آن أَوَانه وحان إبانه فشمرت عَن ساعد الِاجْتِهَاد واستعملت الْجد فِي تَحْصِيل ذَلِك المُرَاد وسلكت فِيهِ مَنْهَج الِاخْتِصَار ومدرج الِاقْتِصَار ونصيت على أبحر تِلْكَ الشواهد العروضية وَوضعت فِي كل شَاهد مِنْهَا مَا يُنَاسِبه من نَظَائِره الأدبية وَذكرت تَرْجَمَة قَائِله إِلَّا مَا لم أطلع عَلَيْهِ بعد

стр. 3

التفتيش فِي كتب الْأَدَب والتحري وَالِاسْتِقْصَاء فِي الطّلب ومزجت فِيهِ الْجد بِالْهَزْلِ والحزن بالسهل وسميته ب معاهد التَّنْصِيص على شَوَاهِد التَّلْخِيص فجَاء بِحَمْد الله غَرِيب الابتداع عَجِيب الاختراع بديع التَّرْتِيب رائع التَّرْكِيب مُفردا فِي فن الْأَدَب كَفِيلا لمن تَأمله بالعجب وَهُوَ وَإِن كَانَ من جنس الفضول الَّذِي رُبمَا يستمل أَو هُوَ بقول الحسود دَاخل فِي قسم المهمل فَهُوَ أُمْنِية كَانَ الخاطر يتمناها وحاجةٌ فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا على أَنه لَا يَخْلُو من فَائِدَة فريدة ونكتة عَن مواطنها شريدة ودرة مستخرجة من قاع البحور وشذرة تزين بهَا قلائد النحور وعجائب تحل لَهَا الحبا وغرائب يَقُول لَهَا الْعقل السَّلِيم مرْحَبًا مرْحَبًا وَلَئِن خالط هَذَا القَوْل هوى النَّفس أَو ظن المغالاة بِهِ صَادِق الحدس (فالمرْءُ مَفتونٌ بِتأليفهِ ... ونَفسهُ فِي مَدْحهِ غَاويهْ) (وَالفضلُ مِنْ ناظره أَن يَرى ... مَا قد حَوى بالمقلةِ الراضيهْ) (وَإِنْ يَجدْ عيَباً يَكن ساتراً ... عَوارهُ بالمنَّةِ الْوافيهْ) وَمن تَأمله بِعَين الْإِنْصَاف والرضى شهد بِصدق هَذَا الْوَصْف وبصحته قضى وَحين سهل الله الْوُصُول ثَانِيًا إِلَى الممالك الرومية لَا زَالَت من المكاره محمية استوطن مِنْهَا قسطنطينة الْعُظْمَى لَا زَالَت من الله وقاية وَحمى

стр. 4

إِذْ هِيَ مَحل الْكَرم وموطن النعم ومحط الرّحال ومنتهى الآمال ومشرق السَّعَادَة وأفق السِّيَادَة وموسم الأدباء وحلبة الخطباء وَدَار الْإِسْلَام ومقر الْعلمَاء الْأَعْلَام وتخت الْملك الْمُعظم الشَّأْن وَمحل الدولة وَالسُّلْطَان لَا زَالَت دَار الْإِسْلَام وَالْإِيمَان ومستقر الْأَمْن والأمان مَا تعاقب الملوان بدوام حَيَاة سُلْطَان الْعَالم وَخير مُلُوك بني آدم سُلَيْمَان الزَّمَان وخاقان الْعَصْر والأوان ومفخر آل عُثْمَان لَا بَرحت دولته مخلدة خُلُود الْأَبْرَار فِي دَار الْقَرار وسعادته مُؤَبّدَة مسلسلة الأدوار مَا دَار الْفلك الْمدَار بتعاقب اللَّيْل وَالنَّهَار وَكَانَ من أعظم خبايا السعد وعطايا الْجد أَن شملته الْعِنَايَة وحفته الرِّعَايَة بِنَظَر فَرد الدَّهْر وَوَاحِد الْعَصْر وَبكر عُطَارِد ونادرة الْفلك وتاريخ الْمجد وغرة الزَّمَان وينبوع الْخَيْر وَالْإِحْسَان الْعَالم الْعَلامَة والحبر الْبَحْر الفهامة جَامع أشتات المفاخر والمتفرد بغايات المآثر سيدنَا ومولانا سعدى قَاضِي الْقُضَاة بتخت الْملك قسطنطينية الْعُظْمَى فَهُوَ مولى تنخفض همم الْأَقْوَال عَن بُلُوغ أدنى فضائله ومعاليه ويقتصر جهد الْوَصْف عَن أيسر فواضله ومساعيه حَضرته مطلع الْجُود ومقصد الْوُفُود وقبلة الآمال ومحط الرّحال وَمجمع الأدباء وحلبة الشُّعَرَاء ذُو همة مَقْصُورَة على مجد يشيده وإنعام يجدده وفاضل يصطنعه وخامل وَضعه الدَّهْر فيرفعه فاق الأقران وساد الْأَعْيَان فَلَا يدانيه مدان وَلَو كَانَ من بني عبد المدان وَلَيْسَ يجاريه فِي مضمار جود جواد وَلَا يباريه فِي ارتياد السِّيَادَة مرتاد

стр. 5

(مَا كل من طلب الْمَعَالِي نافدا ... فِيهَا وَلَا كل الرِّجال فُحولا) لَا زَالَت آي مجده بألسن الأقلام متلوة وأبكار الأفكار بمديح معاليه مجلوة وَحين أَنَاخَ مطايا قَصده بأفناء سعده صَادف مولى حفياً وظلا ضفيا ومرتعا رحيباً ومربعاً خصيباً وبشاشة وَجه تسر الْقُلُوب وطلاقة محياً تفرج الكروب وَتغْفر للدهر مَا جناه من الذُّنُوب مَعَ مَا يُضَاف لذَلِك من منظر وسيم ومخبر كريم وخلائق رقت وراقت وطرائف علت وفاقت وفضائل ضفت مدارعها وشمائل صفت مشارعها وسودد تثنى بِهِ عُقُود الخناصر وتثنى عَلَيْهِ طيب العناصر فَحَمدَ من صباح قَصده السرى وَعلم أَن كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا (إِن الكَريمَ إِذا قَصدتَ جَنابه ... تلَقاه طَلقَ الوَجِهِ رَحبَ المنزلِ) وَهَا هُوَ فِي ظلّ عزه رخي البال متميز الْحَال آمن من صرفان الدَّهْر وحدثان الْقَهْر يرتع فِي رياض فَضله ويجرع من طل جوده ووبله قد عجز عَن الشُّكْر لِسَانه وكل عَن رقم الْحَمد بنانه لم يفقد من مُغنِي رأفته ظلالاً وَلم يقل لصيدح آماله انتجعي بِلَالًا وَبِه حقق قَول الْقَائِل من الْأَوَائِل (ولمَا انْتجعنَا لائذينَ بظلهِ ... أعانَ وَمَا عَنَّي ومَنَّ وَمَا منَّا) (ورَدَنَا عَليهِ مُقترِينَ فَراشنَا ... وردنانداه مُجدبينَ فأخصبنَا)

стр. 6

وَجُمْلَة مَا يَقُوله فِي الْعَجز عَن حَمده وشكره وَالثنَاء على جوده وبره (أما وَجميل الصُّنعَ منِه وإنّها ... ألِيَّةُ برٍ مِثلها لَا يِكفّرُ) (لَو اسْطعتُ حَوَّلتُ البريةَ ألسْناً ... وكنْتُ بهَا أُثني عَلَيْهِ وأشكرُ) (ولَسْتُ أوفيِّ حَقِّ ذاكَ وإنّما ... قيَاما بِحَق الشُّكرِ جَهدِي أُشمِّرُ) وَكَانَ من جملَة دواعي السعد وبواعث الْجد أَن شَمل هَذَا التَّأْلِيف نظره الشريف حِين وصل إِلَى حَضْرَة مجده المنيف فأظهر بِهِ إعجاباً رفع من مقَامه وَنصب فَوق متن المجرة خوافق أَعْلَامه جَريا على عَادَته النفيسة فِي جبر الْقُلُوب وَستر الْعُيُوب فحين طرق السّمع خبر استحسانه لذَلِك الْجمع أحب الْفَقِير أَن يخْدم حَضرته الْعلية وسدته السّنيَّة بنسخة مِنْهُ لتَكون مذكرة بِحَال الْفَقِير مَا دَامَ فِي قيد الْحَيَاة وسبباً باعثاً على الترحم عَلَيْهِ بعد الْمَمَات وعساه يكون وَسِيلَة للانتظام فِي سلكه وذريعة إِلَى الانحياز إِلَى ملكه وَإِلَّا فَهُوَ أقل من أَن يشاع ذكره أَو يشاد قصره وَكَيف يهدي الوشل إِلَى الْبَحْر أَو الطل إِلَى الْقطر غير أَن هواجس الْفِكر وخواطر الأمل متمسكة فِي قبُوله بأذيال عَسى وَلَعَلَّ وَالَّذِي يُقَوي فِي الظَّن بشيمه الزاكية تلقيه بالبشر ولمحة بالمقلة الراضية وَهُوَ يَرْجُو أَن يهب عَلَيْهِ نسيم قبُول الْقُلُوب ويؤمل أَن يسبل ستر الْعَفو عَمَّا فِيهِ من الْعُيُوب وَهَا هُوَ يرفع أكف التضرع والابتهال إِلَى ذِي العظمة والجلال أَن يبلغهُ من ذَلِك أقْصَى غَايَة الآمال بمنه ويمنه

стр. 7

شَوَاهِد الْمُقدمَة

стр. 8

١ - (غَدَا ثره مستشرزات إِلى العُلَا ... ) قَائِله امْرُؤ الْقَيْس وَتَمَامه (تَضلُ العِقاصُ فِي مِثنىُّ ومُرسِل ... ) وَهُوَ من الْبَحْر الطَّوِيل من القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي هِيَ إِحْدَى المعلقات السَّبع وأولها (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بَين الدَّخُولِ فحَوملِ) (فَتوضحَ فالمقراةِ لم يَعفِ رَسمها ... لما نَسجتها من جنوب وشمأل) (وقوفا بهَا صحبي على مطيهم ... يَقُولُونَ لَا تهْلك أسى وتجمَّلِ) (وبَيضَةِ خِدرٍ لَا يرامُ خِباؤها ... تمتعتُ مِنْ لَهو بهَا غيرَ مُعجلِ) (تجاوزتُ أحْراساً إِلَيْهَا ومَعْشَراً ... عَليَّ حِراصاً لَو يُسِرُّون مَقْتِلي) (إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح المْفصلِ) (فَجئتُ وقدْ نَضتْ لِنومٍ ثِيَابهَا ... لَدى السِّتر إلَاّ لِبسةَ المتفضلِ) (فَقَالَت يَميُن اللهِ مَا لَك حِيلةٌ ... وَمَا إِنْ أَرى عَنْك الغوَاية تنَجلِي) (خَرجتُ بهَا أَمْشِي تجرُّ وَرَاءَنَا ... عَلى إثرنا أذيال مرط مرحل) (فَلَمَّا أجَزْنا ساحة الحيِّ وانْتحى ... بِنَا بطن خبت ذِي حِقاف عقَنْقل) (هصرتُ بفوْدَىْ رأسِها فتمايلتْ ... عَليَّ هَضيمِ الكشح ريَّاً المُخلخَلِ) (مُهفهفةٌ بَيضاءُ غَيرُ مُفاضةٍ ... تَرائبها مصقولةٌ كالسَّجنجلِ) (تصد عَن وتبدي أسيلٍ وتَتقي ... بناظرةٍ من وَحْش وَجْرةَ مُطفلِ)

стр. 9

(وجِيد كجيد الرِّيم لَيْسَ بفاحش ... إِذا هِيَ نصته وَلَا بمُعَطَّلِ) (وفَرعٍ يَزينُ المَتن أسودَ فَاحم ... أثيث كقنو النَّخْلَة المتعثكل) // الطَّوِيل // وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة وَسَيَأْتِي طرف مِنْهَا فِي شَوَاهِد الْإِنْشَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى والغدائر جمع غديرة الذوائب والاستشراز الرّفْع والارتفاع جَمِيعًا وَالْفِعْل مِنْهُ لَازم إِن كسرت زايه ومتعدٍّ إِن فتحت والعلا جمع علياء تَأْنِيث الْأَعْلَى وَأَرَادَ الْجِهَات الْعلَا والعقاص جمع عقيصة وَهِي الْخصْلَة من الشّعْر تأخذها الْمَرْأَة فتلويها ثمَّ تعقدها حَتَّى يبْقى فِيهَا التواء ثمَّ ترسلها والمثنى من الشّعْر وَغَيره مَا ثني والمرسل ضِدّه وَمعنى الْبَيْت أَن حبيبته لِكَثْرَة شعرهَا بعضه مَرْفُوع وَبَعضه مثنى وَبَعضه مُرْسل وَبَعضه معقوص ملوي بَين الْمثنى والمرسل وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت التنافر وَهُوَ لَفْظَة مستشزرات لثقلها على اللِّسَان وعسر النُّطْق بهَا وامرؤ الْقَيْس اسْمه حندج بن حجر بن عَمْرو الْمَقْصُور سمي بذلك لِأَنَّهُ اقْتصر بِهِ على ملك أَبِيه حندج والحندج فِي اللُّغَة رَملَة طيبَة تنْبت ألواناً وَأمه فَاطِمَة وَقيل تملك بنت ربيعَة بن الْحَرْث أُخْت كُلَيْب ومهلهل

стр. 10

وكنية امْرُؤ الْقَيْس أَبُو وهب وَأَبُو الْحَرْث ويلقب ذَا القروح لقَوْله (وَبُدِّلتُ قَرحاً دَامياً بعدْ صِحَّةٍ ... لَعلَّ مَنايانْا تحولنَ أبؤُسا) // الطَّوِيل // ويلقب الذائد أَيْضا لقَوْله (أذُودُ القوافيَ عَني ذيادا ... ) // المتقارب // وَيُقَال لَهُ الْملك الضليل وَمعنى امْرِئ الْقَيْس رجل الشدَّة والقيس فِي اللُّغَة الشدَّة وَقيل الْقَيْس اسْم صنم وَلِهَذَا كَانَ الْأَصْمَعِي يكره أَن يروي قَوْله يَا امْرأ الْقَيْس فَانْزِل وَيَرْوِيه يَا امْرأ الله فَانْزِل وَهُوَ الَّذِي روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِيهِ أشعر الشُّعَرَاء وَقَائِدهمْ إِلَى النَّار وَقيل فِي تَأْوِيله إِن المُرَاد شعراء الْجَاهِلِيَّة وَالْمُشْرِكين وَهُوَ أول من لطف الْمعَانِي وَمن استوقف على الطلول وَشبه النِّسَاء بالظباء والمها وَالْبيض وَشبه الْخَيل بالعقبان والعصي وَفرق بَين النسيب وَمَا سواهُ من القصيد وأجاد الِاسْتِعَارَة والتشبيه وَكَانَ من حَدِيثه أَن أَبَاهُ طرده لما قَالَ الشّعْر وَإِنَّمَا طرده من أجل زَوجته وَهِي أم الحويريث الَّتِي كَانَ امْرُؤ الْقَيْس يشبب بهَا فِي شعره وَكَانَ

стр. 11

يتنقل فِي أَحيَاء الْعَرَب ويستتبع صعاليكهم وذؤبانهم وَالْعرب تطلق على اللُّصُوص الذؤبان تَشْبِيها بالذئاب وَكَانَ يُغير بهم وَكَانَ أَبوهُ ملك بني أَسد فعسفهم عسفاً شَدِيدا فتمالأوا على قَتله فَلَمَّا بلغه قتل أَبِيه وَكَانَ يشرب الْخمر قَالَ ضيعني صَغِيرا وحملني ثقل الثأر كَبِيرا الْيَوْم خمر وَغدا أَمر فأرسلها مثلا وَقيل بل قَالَ الْيَوْم قحاف وَغدا نقاف والقحاف من القحف وَهُوَ شدَّة الشّرْب والنقاف من نقف الْهَام إِذا قطعهَا ثمَّ إِنَّه جمع جمعا من بني بكر بن وَائِل وَغَيرهم من صعاليك الْعَرَب وَخرج يُرِيد بني أَسد فَخَبرهُمْ كاهنهم بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِم فارتحلوا وتبعهم امْرُؤ الْقَيْس فأوقع ببني كنَانَة وَكَانُوا بني أَسد قد لجأوا إِلَيْهِم ثمَّ ارتحلوا عَنْهُم فَقَتلهُمْ قتلا ذريعاً وَأَقْبل أَصْحَابه يَقُولُونَ يَا لثارات الْهمام فَقَالَت عَجُوز مِنْهُم وَاللات أَيهَا الْملك مَا نَحن بثأرك وَإِنَّمَا ثأرك بَنو أَسد وَقد ارتحلوا فَرفع الْقَتْل عَنْهُم وَقَالَ (أَلا لَهْفَ نَفسي إِثْر قَومٍ ... هم كَانُوا الشفَاء فَلم يصُابوا) (وَقاهمْ جَدُّهمُ ببني عَليٍّ ... وبالأشْقينَ مَا كانَ العقابُ) (وأفلتهن عِلباء جَريضاً ... وَلَو أدركنهُ صَفِرَ الوِطابُ) // الوافر // وَقيل إِن أَصْحَابه اخْتلفُوا عَلَيْهِ حِين أوقع ببني كنَانَة وَقَالُوا لَهُ أوقعت بِقوم بُرَآء وظلمتهم فَخرج إِلَى الْيمن إِلَى بعض مقاولة حمير واسْمه قرمل فاستجاشه

стр. 12

فثبطه قرمل فَذَلِك حَيْثُ يَقُول (وكُنا أُناساً قَبلَ غَزوةِ قَرْمل ... وَرثنَا الغِنَى والمجدَ أكبر أكبرا) // الطَّوِيل // ثمَّ خرج إِلَى قَيْصر بعد أَن أودع أدراعه وكراعه السموءل ابْن عادياء فَذَلِك حَيْثُ يَقُول (بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقن أنَّا لَاحِقانِ بقيصرا) (فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا نحاول ملكا أَو نَموتَ فَنُعذرَا) // الطَّوِيل // وَصَاحبه عَمْرو بن قميئة الشَّاعِر وَهُوَ من بني قيس بن ثَعْلَبَة وَكَانَ قد طوى عَنهُ الْخَبَر حَتَّى جَاوز الدَّرْب فَلَمَّا وصل إِلَى قَيْصر اسْتَغَاثَ بِهِ فوعده أَن يرفده بِجَيْش وَكَانَ امْرُؤ الْقَيْس جميل الْوَجْه وَكَانَ لقيصر ابنةٌ جميلَة فَأَشْرَفت يَوْمًا من قصرهَا فرآها امْرُؤ الْقَيْس فِي دُخُوله إِلَى أَبِيهَا فَتعلق بهَا وراسلها فأجابته إِلَى مَا سَأَلَ فَذَلِك حَيْثُ يَقُول لما وصل إِلَيْهَا (فَقلت يَمِين الله أبْرح قَاعِدا ... وَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالي) // الطَّوِيل // وَقيل إِن أَبَاهَا زوجه إِيَّاهَا وَقد كَانَ سبق إِلَى قَيْصر رجل من بني أَسد يُقَال لَهُ الطماح فوشى بِهِ إِلَى قَيْصر فَوجه مَعَه جَيْشًا ثمَّ أتبعه رجلا مَعَه حلَّة مَسْمُومَة وَقَالَ لَهُ اقْرَأ ﵇ وَقل لَهُ إِن الْملك قد بعث إِلَيْك بحلة قد لبسهَا ليكرمك بهَا وَأدْخلهُ الْحمام فَإِذا خرج فألبسه إِيَّاهَا فَلَمَّا فعل تنفط بدنه وَكَانَ يحمل فِي محفة فَذَلِك حَيْثُ يَقُول (لَقدْ طَمِحَ الطَّماحُ مِنْ بُعْدِ أرضهِ ... لِيْلُبسني مِنْ دائه مَا تلبسا) // الطَّوِيل //

стр. 13

وَكَانَ الطماح قبل ذَلِك قد عَبث بِامْرَأَة من قومه فسعى بِهِ فهرب فَأَرَادَ كَمَا سعى بِهِ أَن يسْعَى بِهِ ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس لما بلغ أنقرة طعن فِي إبطه وَارْفض عَنهُ أَصْحَابه وَكَانَ نُزُوله إِلَى جَانب جبل وإِلى جَانِبه قبر لابنَة بعض الْمُلُوك فَسَالَ عَنهُ فَأخْبر فَقَالَ (أجارتنا إِن الخطوب تَنوبُ ... وَإِنِّي مقُيمٌ مَا أقامَ عَسيبُ) (أجَارتنَا إِنَّا غَريبانِ هَاهُنَا ... وكلُّ غَريبٍ للغريبِ نَسيبُ) (فإِنْ تَصليني تسعدي بمَوَدَّتي ... وإنِ تَقطعيني فالغريب غَرِيب) // الطَّوِيل // ثمَّ مَاتَ هُنَالك فَدفن بأنقرة وَكَانَ آخر مَا تكلم بِهِ (رُبَ طَعنةٍ مُثْعَنجرَه ... وَخطُبةٍ مُسحنَفره) (وَجفنةٍ مُدعترَه ... وَقصيدَةٍ مُحبَّرَهْ) (تَبْقَى غَداً بأنْقَرهْ ... )

стр. 14

٢ - (وفَاحماً وَمرْسِناً مُسَرَّجا ... ) قَائِله رؤبة بن العجاج وَهُوَ من بَحر الرجز من أرجوزة طَوِيلَة أَولهَا (مَا هَاج أشْجاناً وَشجواً قد شجا ... مِنْ طَللٍ كالأتْحمُّى أنهجا) (أَمْسَى لعافي الرَّامساتِ مَدْرَجَاً ... واتّخذتهُ الناثجات منأجا) (مَنازلٌ هَيَّجنَ مَن تَهيجَا ... مِنْ آل لَيلى قد عَفونَ حِجَجَا) (والشحطُ قَطاعٌ رَجاء مَن رَجا ... أزمانَ أبْدتْ وَاضحاً مُفلَّجَا) (أغرَ برَّاقَاً وَطرفاً أبرجَا ... وَمقلةً وحاجباً مُزججَا) // الرجز // وَبعده الْبَيْت وَبعده (وكَفَلاً وَعْثَاً إِذا ترجرجَا ... ) الفاحم الْأسود وَأَرَادَ شعرًا فاحماً فَحذف الْمَوْصُوف وَأقَام الصّفة مقَامه والمرسن بِفَتْح السِّين وَكسرهَا الْأنف الَّذِي يشد بالرسن ثمَّ استعير لأنف الْإِنْسَان ومسرجاً مختلفٌ فِي تَخْرِيجه فَقيل من سَرْجه تسريجا بهجة وَحسنه وَقيل من قَوْلهم سيوف سريجية منسوبة إِلَى قين يُقَال لَهُ

стр. 15

سُرَيج شبه بهَا الْأنف فِي الدقة والاستواء وَقيل من السراج وَهُوَ قريب من قَوْلهم سرِج وَجهه بِكَسْر الرَّاء أَي حَسُنَ والزَّجَجُ دقة الحاجبين وَالْمعْنَى أَن لهَذِهِ الْمَرْأَة الموصوفة مقلة سَوْدَاء وحاجبا مدققا مقوسا وشعرا اسود وأنفاً كالسيف السريجي فِي دقته واستوائه أَو كالسراج فِي بريقه وضيائه وَالشَّاهِد فِيهِ الغرابة فِي مسرجا للِاخْتِلَاف فِي تَخْرِيجه ورؤبة قَائِل هَذَا الْبَيْت هُوَ أَبُو مُحَمَّد رؤبة بن العجاج والعجاج لقبه واسْمه عبد الله بن رؤبة الْبَصْرِيّ التَّمِيمِي السَّعْدِيّ سمي باسم قِطْعَة من الْخشب يشعب بهَا الْإِنَاء وَهِي بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعدهَا هَاء سَاكِنة وَهُوَ وَأَبوهُ راجران مشهوران كلٌّ مِنْهُمَا لَهُ ديوَان رجز لَيْسَ فِيهِ شعر سوى الأراجيز وهما مجيدان فِي رجزهما وَكَانَ رؤبة هَذَا بَصيرًا باللغة قيمًا بحوشياً وغريبها حكى يُونُس بن حبيب النَّحْوِيّ قَالَ كنت عِنْد أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فجَاء شبيل بن عُرْوَة الضبعِي فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرو وَألقى لَهُ لبد بغلته فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثمَّ أقبل عَلَيْهِ يحدثه فَقَالَ شبيل يَا أَبَا عَمْرو سَأَلت رؤبتكم عَن اشتقاق اسْمه فَمَا عرفه يَعْنِي رؤبة قَالَ يُونُس فَلم أملك نَفسِي عِنْد ذكره فَقلت لَعَلَّك تظن أَن معد بن عدنان أفْصح مِنْهُ وَمن أَبِيه أفتعرف أَنْت مَا الرُّوبَةُ والرُّوبة والرُّوبة والرُّوبة والرُّوبة وَأَنا غُلَام رؤبة فَلم يحر جَوَابا وَقَامَ مغضباً فَأقبل عَليّ أَبُو عَمْرو وَقَالَ هَذَا رجلٌ شرِيف يقْصد مجالسنا وَيَقْضِي حقوقنا وَقد أَسَأْت فِيمَا

стр. 16

وَفعلت مِمَّا واجهته بِهِ فَقلت لم أملك نَفسِي عِنْد ذكر رؤبة فَقَالَ أَبُو عَمْرو أَو سلطت على تَقْوِيم النَّاس ثمَّ فسر يُونُس مَا قَالَه فَقَالَ الروبة خميرة اللَّبن والروبة قِطْعَة من اللَّيْل والروبة الْحَاجة يُقَال فلَان مَا يقوم بروبة أَهله أَي بِمَا اسندوا إِلَيْهِ من حوائجهم والروبة جمام مَاء الْفَحْل والرؤبة بِالْهَمْز الْقطعَة الَّتِي يشعب بهَا الْإِنَاء والجميع بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو إِلَّا رؤبة فَإِنَّهُ بِالْهَمْز وَقيل ليونس من أشعر النَّاس فَقَالَ العجاج ورؤبة فَقيل لَهُ لم نعن الرجاز قَالَ هما أشعر أهل القصيد وَإِنَّمَا الشّعْر كَلَام وأجوده أشعره قَالَ العجاج (قد جبر الدّين الْإِلَه فجبر ... ) // الرجز // فَهِيَ نحوٌ من مِائَتي بَيت مَوْقُوفَة القوافي وَلَو أطلقت قوافيها كلهَا لكَانَتْ مَنْصُوبَة وَكَذَلِكَ عَامَّة أراجيزهما وَعَن ابْن قُتَيْبَة قَالَ كَانَ رؤبة يَأْكُل الفأر فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ هِيَ وَالله أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللَّاتِي تَأْكُل الْعذرَة وَهل يَأْكُل الفأر إِلَّا نقي الْبر ولباب الطَّعَام وَحدث أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ النَّحْوِيّ قَالَ دخل رؤبة بن العجاج السُّوق وَعَلِيهِ بركاني أَخْضَر فَجعل الصّبيان يعبثون بِهِ ويغرزون شوك النّخل فِي بركانه ويصيحون بِهِ يَا مردوم يَا مردوم فجَاء إِلَى الْوَالِي فَقَالَ أرسل معي الوزعة فَإِن الصّبيان قد حالوا بيني وَبَين السُّوق فَأرْسل مَعَه أعواناً فَشد عَليّ الصّبيان وَهُوَ يَقُول

стр. 17

(أنحى عَلَى أمّكَ بالمَردومِ ... أَعْورُ جَعدٌ من بني تَمِيم) (شراب ألبان خلايا كوم ... ) قَالَ فَجعلُوا يعدون بَين يَدَيْهِ حَتَّى دخلُوا دَارا فِي الصيارفة فَقَالَ لَهُ الشرطي أَيْن هم قَالَ دخلُوا دَار الظَّالِمين فسميت إِلَى الْآن دَار الظَّالِمين لقَوْل رؤبة وَهِي فِي صيارفة سوق الْبَصْرَة وَعَن الْمَدَائِنِي قَالَ قدم الْبَصْرَة راجز من رجاز الْمَدِينَة فَجَلَسَ إِلَى حَلقَة فِيهَا الشُّعَرَاء فَقَالَ أَنا أرجز الْعَرَب أَنا الَّذِي أَقُول (مَروانُ يُعطِي وسَعيدٌ يَمنعُ ... مَروانُ نَبعٌ وَسَعِيد خروع) // الرجز // وددت أَنِّي راهنت من أحب فِي الرجز يدا بيد وَالله وَالله لأَنا أرجز من العجاج فليت الْبَصْرَة جمعت بيني وَبَينه قَالَ والعجاج حَاضر وَابْنه رؤبة مَعَه فَأقبل رؤبة على أَبِيه فَقَالَ قد أنصفك الرجل فَأقبل عَلَيْهِ العجاج فَقَالَ هَا أَنا ذَا العجاج فَهَلُمَّ وزحف إِلَيْهِ فَقَالَ وَأي العجاجين أَنْت قَالَ مَا خلتك تَعْنِي غَيْرِي أَنا أَبُو عبد الله الطَّوِيل وَكَانَ يكنى بذلك فَقَالَ لَهُ الْمدنِي مَا عنيتك وَلَا أردتك قَالَ كَيفَ وَقد هَتَفت باسمي قَالَ أَو مَا فِي الدُّنْيَا عجاج سواك قَالَ مَا علمت قَالَ وَلَكِنِّي أعلم وإياه عنيت قَالَ فَهَذَا ابْني رؤبة قَالَ اللَّهُمَّ غفرا مَا بيني وبينكما عمل وَإِنَّمَا مرادي غيركما قَالَ فَضَحِك أهل الْحلقَة وكفا عَنهُ وَعَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَلْقَمَة قَالَ أخرج شاهين بن عبد الله الثَّقَفِيّ رؤبة مَعَه إِلَى أرضه فقعدوا يَلْعَبُونَ بالنرد فَلَمَّا أَتَوا بالخوان قَالَ رؤبة فِيهِ (يَا إخْوتِي جَاء الخِوانُ فَارفعُوا ... حَنَّانةً كعَابُها تَقَعْقَعُ) (لَم أدْرِ مَا ثَلاثُها والأربعُ ... ) قَالَ فضحكنا ورفعناها وَقدم الطَّعَام وَكَانَ رؤبة مُقيما بِالْبَصْرَةِ فَلَمَّا ظهر بهَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْحسن بن عَليّ

стр. 18

ابْن أبي طَالب كرم الله وَجهه على الْمَنْصُور وَجَرت الْوَاقِعَة الْمَشْهُورَة خَافَ رؤبة على نَفسه وَخرج إِلَى الْبَادِيَة ليجتنب الْفِتْنَة فَلَمَّا وصل إِلَى النَّاحِيَة الَّتِي قَصدهَا أدْركهُ أَجله بهَا فَتوفي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ يَعْقُوب بن دَاوُد قَالَ لقِيت الْخَلِيل بن أَحْمد يَوْمًا بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله دفنا الشّعْر واللغة والفصاحة الْيَوْم فَقلت لَهُ كَيفَ ذَلِك قَالَ حِين انصرفت من جَنَازَة رؤبة بن العجاج وَكَانَ قد أسن ﵀ وَقد سمع أَبَاهُ وَأَبوهُ سمع أَبَا هُرَيْرَة ﵁ وَقَالَ النَّسَائِيّ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ وَقد روى رؤبة بن العجاج عَن أبي الشعْثَاء عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر وحاد يَحْدُو (طافَ الخَيالانِ فَهاجا سَقماً ... خَيالُ لبُنْيَ وَخيالُ تَكُتماَ) (قَامتْ تُريك خَشيةً أَن تَصْرما ... ساقاً بَخنْداةً وكعبا ادرما) // الرجز // وَالنَّبِيّ ﷺ يسمع وَلَا يُنكر وَحدث أَبُو عُبَيْدَة الْحداد قَالَ حَدثنَا رؤبة بن العجاج قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول السِّوَاك يذهب وضر الطَّعَام وَهَذَا الْخَبَر يدل على أَنه سمع من أبي هُرَيْرَة ﵁ وَالله أعلم وَمن شعره (أَيهَا الشامت الْمُعير بالشّيب أقِلّنّ بالشبّابِ افْتخارّا ... ) (قَدْ لَبستُ الشّبابَ غَضَّاً طَريّا ... فَوجدتُ الشّبابَ ثوبا معارا) // الْخَفِيف // ٣ - (الْحَمد لله الْعلي الأجْلَلِ ... ) قَائِله أَبُو النَّجْم وَهُوَ من بَحر الرجز من أرجوزة طَوِيلَة وَبعده (الوَاهب الفَضلِ الوَهوب المُجزِل ... أعْطَى فَلمْ يَبخلْ وَلم يُبخَّلِ) // الرجز // وَالشَّاهِد فِيهِ مُخَالفَة الْقيَاس اللّغَوِيّ فِي قَوْله الأجلل إِذْ الْقيَاس الْأَجَل بِالْإِدْغَامِ

стр. 19

وَأَبُو النَّجْم اسْمه الْفضل بن قدامَة بن عبيد الله الْعجلِيّ وَهُوَ من رجاز الْإِسْلَام والفحول الْمُتَقَدِّمين فِي الطَّبَقَة الأولى مِنْهُم وَفد على هِشَام بن عبد الْملك وَقد طعن فِي السن فَقَالَ يَا أَبَا النَّجْم حَدثنِي قَالَ أَعنِي أَو عَن غَيْرِي قَالَ بل عَنْك قَالَ إِنِّي لما كَبرت عرض لي الْبَوْل فَوضعت عِنْد رجْلي شَيْئا أبول فِيهِ فَقُمْت من اللَّيْل أبول فَخرج مني صَوت فتشددت ثمَّ عدت فَخرج مني صَوت آخر فأويت إِلَى فِرَاشِي وَقلت يَا أم الْخِيَار هَل سَمِعت شَيْئا قَالَت لَا وَالله وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا فَضَحِك هِشَام وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ مَا زَالَت الشُّعَرَاء تقصر بالرجاز حَتَّى قَالَ أَبُو النَّجْم (الْحَمد لله الْعلي الأجلل ... ) وَقَالَ العجاج (قد جبر الدّين الإلهُ فجبر ... ) وَقَالَ رؤبة (وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... ) فانتصفوا مِنْهُم وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ قَالَ فتيانٌ من عجلٍ لأبي النَّجْم هَذَا رؤبة بالمربد يجلس فَيسمع شعره وينشد النَّاس ويجتمع إِلَيْهِ فتيَان بني تَمِيم قَالَ أَو تحبون ذَلِك قَالُوا نعم قَالَ فائتوني بِشَيْء من نَبِيذ فَأتوهُ بِهِ فشربه ثمَّ انتفض فَقَالَ (إِذا اصطبحت أَرْبعا عَرفتني ... ثمَّ تَجَشمتُ الَّذِي جشمتني) // الرجز //

стр. 20

فَلَمَّا رَآهُ رؤبة أعظمه وَقَامَ لَهُ عَن مَكَانَهُ وَقَالَ هَذَا رجاز الْعَرَب وسألوه أَن ينشدهم فأنشدهم (الحمدُ لله العليِّ الأجلل ... ) وَكَانَ من أحسن النَّاس إنشاداً فَلَمَّا فرغ مِنْهَا قَالَ لَهُ رؤبة هَذِه أتم الرجز ثمَّ قَالَ يَا أَبَا النَّجْم قربت مرعاها إِذْ جَعلتهَا بَين رجل وَابْنه يُوهم عَلَيْهِ أَنه حَيْثُ قَالَ (تَبقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التبَّقِّلِ ... بَينَ رِماحَيْ مَالك ونهشل) // الرجز // أَنه يُرِيد نهشل بن مَالك بن حَنْظَلَة بن زيد بن مَنَاة فَقَالَ لَهُ أَبُو النَّجْم هَيْهَات الكمر تتشابه أَي إِنَّمَا أُرِيد مَالك بن ضبيعة بن قيس ونهشل قَبيلَة من ربيعَة وَعَن أبي بَرزَة المربدي قَالَ خرج العجاج محتفلاً عَلَيْهِ جُبَّة من خَز وعمامة من خَز على نَاقَة لَهُ قد أَجَاد رَحلهَا حَتَّى وقف بالمربد وَالنَّاس مجتمعون عَلَيْهِ وأنشدهم (قد جبر الدّين الإلهُ فَجَبرْ ... ) وَذكر فِيهَا ربيعَة فهجاهم فجَاء رجل من بني بكر بن وَائِل إِلَى أبي النَّجْم وَهُوَ فِي بَيته فَقَالَ أَنْت جَالس وَهَذَا العجاج يهجونا فِي المربد قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ صف لي حَاله وزيه الَّذِي هُوَ فِيهِ فوصف لَهُ فَقَالَ ابغني جملا طحاناً قد أَكثر عَلَيْهِ من الهناء فجَاء بالجمل فَأخذ سَرَاوِيل لَهُ فَجعل إِحْدَى

стр. 21

رجلَيْهِ فِي السَّرَاوِيل واتزر بِالْأُخْرَى وَركب الْجمل وَدفع خطامه إِلَى من يَقُودهُ فَانْطَلق حَتَّى أَتَى المربد فَلَمَّا دنا من العجاج قَالَ اخلع خطامه فخلعه وَأنْشد (تذكرَّ القلبُ وجهلاً مَا ذكر ... ) فَجعل الْجمل يدنو من النَّاقة ويتشممها ويتباعد عَنهُ الْحجَّاج لِئَلَّا يفْسد ثِيَابه ورحله بالقطران حَتَّى بلغ قَوْله (شَيْطَانه أُنْثَى وشيطاني ذكر ... ) فعلق النَّاس هَذَا الْبَيْت وهرب العجاج مِنْهُ وَورد أَبُو النَّجْم على هِشَام بن عبد الْملك فِي الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُم هِشَام صفوا إبِلا فقيظوها وأوردوها وأصدروها حَتَّى كأنني أنظر إِلَيْهَا فأنشدوه وأنشده أَبُو النَّجْم (الْحَمد لله الْعلي الأجْلِلِ ... ) حَتَّى إِذا بلغ إِلَى ذكر الشَّمْس فَقَالَ (فِهيِ عِلى الأُفقِ كِعين ... . . ... ) فَأَرَادَ أَن يَقُول الْأَحول ثمَّ ذكر حول هِشَام فَلم يتم الْبَيْت وأرتج عَلَيْهِ فَقَالَ هِشَام أجز فَقَالَ كعين الْأَحول وَأمر القصيدة فَأمر هِشَام بوجء عُنُقه وإخراجه من الرصافة وَقَالَ لصَاحب شرطته يَا ربيع إياك وَأَن أرى هَذَا فَكلم وُجُوه النَّاس صَاحب شرطته أَن يقره فَفعل فَكَانَ يُصِيب من فضول أَطْعِمَة النَّاس ويأوي الْمَسَاجِد قَالَ أَبُو النَّجْم وَلم يكن بالرصافة أحد يضيف إِلَّا سليم بن كيسَان الْكَلْبِيّ وَعَمْرو بن بسطَام التغلبي فَكنت آتِي سليما فأتغذى عِنْده وَآتى عمرا فأتعشى عِنْده وَآتى الْمَسْجِد فأبيت قَالَ فاهتم هِشَام لَيْلَة وَأمسى لقس النَّفس وَأَرَادَ مُحدثا يحدثه فَقَالَ لخادم ابغني مُحدثا أَعْرَابِيًا أهوج شَاعِرًا يروي الشّعْر فَخرج الْخَادِم إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بِأبي النَّجْم فَضَربهُ

стр. 22

بِرجلِهِ وَقَالَ قُم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ إِنَّنِي رجل أَعْرَابِي غَرِيب فَقَالَ إياك أبغي هَل تروي الشّعْر قَالَ نعم وأقوله فَأقبل بِهِ حَتَّى أدخلهُ الْقصر وأغلق الْبَاب قَالَ فأيقن أَبُو النَّجْم بِالشَّرِّ ثمَّ مضى بِهِ فَأدْخلهُ على هِشَام فِي بَيت صَغِير بَينه وَبَين نِسَائِهِ ستر رَقِيق والشمع بَين يَدَيْهِ يزهر فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ هِشَام أَبُو النَّجْم قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ طريدك قَالَ اجْلِسْ فَسَأَلَهُ وَقَالَ لَهُ أَيْن كنت تأوي وَأَيْنَ مَنْزِلك فَأخْبرهُ قَالَ وَكَيف اجْتمعَا لَك قَالَ كنت أتغذى عِنْد هَذَا وأتعشى عِنْد الآخر قَالَ فَأَيْنَ كنت تبيت قَالَ فِي الْمَسْجِد حَيْثُ وجدني رَسُولك قَالَ وَمَا لَك من الْوَلَد وَالْمَال قَالَ أما المَال فَلَا مَال لي وَأما الْوَلَد فلي ثَلَاث بَنَات وَبني يُقَال لَهُ شَيبَان فَقَالَ هَل أخرجت من بناتك أحدا قَالَ نعم زوجت اثْنَتَيْنِ وَبقيت وَاحِدَة تجمز فِي أبياتها كَأَنَّهَا نعَامَة قَالَ وَمَا أوصيت بِهِ الأولى وَكَانَت تسمى برة بالبراء فَقَالَ (أوِصيتُ مِنْ بِرِّةِ قِلباً حُرّا ... بِالكلبِ خِيراً وِالحماةِ شِرّا) (لَا تِسأِمي ضِرباً لهِا وِجِرِا ... حِتى ترى حُلوِ الحياةِ مُرّا) (وِإنْ كِستكِ ذِهباً وِدرّا ... وِالحيُّ عمُيِّهمْ بشرٍّ طُرّا) // الرجز // فَضَحِك هِشَام وَقَالَ فَمَا قلت لِلْأُخْرَى قَالَ قلت (سُبِّي الحِماةِ وابْهتيِ عِليها ... وِإنْ دِنتْ فازْدَلِفي إِليْهَا) (وَأوْجعِي بالنَّهزِ رُكبتيهَا ... وَمِرفقيهَا واضْرِبي جَنبيهَا)

стр. 23

(وَظَاهري الْبَدِيِّ لَهَا عَلَيْهَا ... لَا تُخْبِرِي الدَّهرَ بِهِ ابْنتيهَا) // الرجز // قَالَ فَضَحِك هِشَام حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَسقط على قَفاهُ وَقَالَ وَيحك مَا هَذِه وَصِيَّة يَعْقُوب ﵇ وَلَده فَقَالَ وَلَا أَنا كيعقوب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَمَا قلت للثالثة قَالَ قلت (أوصِيكِ يَا بِنْتي فَإِنِّي ذَاهبُ ... أُوصِيكِ أَن تَحْمَدكِ الأقاربُ) (والجارُ والضَّيفُ الكريمُ الساغب ... وَيرجع الْمِسْكِين وهوَ خائبُ) (ولَا تَني أظْفارُكِ السَّلاهبُ ... لَهن فِي وجهِ الحماة كاتبُ) (والزوْجِ إنَّ الزوجَ بئس الصاحب ... ) // الرجز // قَالَ فَكيف قلت هَذَا وَلم تتَزَوَّج وَأي شَيْء قلت فِي تَأَخّر تَزْوِيجهَا قَالَ قلت (كَأَن ظَلَاّمةَ أخْتَ شَيبانْ ... يَتيمةٌ ووالداها حَيَّانْ) (الرَّأسُ قملٌ كُلُّهُ وصِئْبان ... ولَيسَ فِي السَّاقين إِلَّا خَيطانْ) (تِلكَ الَّتِي يَفْزَعُ مِنْهَا الشَّيطانْ ... ) // الرجز // قَالَ فَضَحِك هِشَام حَتَّى ضحك النِّسَاء لضحكه وَقَالَ للخصي كم بَقِي من نَفَقَتك قَالَ ثَلَاثمِائَة دِينَار قَالَ أعْطه إِيَّاهَا ليجعلها فِي رجل ظلامة مَكَان الْخَيْطَيْنِ

стр. 24

وَدخل أَبُو النَّجْم يَوْمًا على هِشَام وَقد مَضَت لَهُ سَبْعُونَ سنة فَقَالَ لَهُ هِشَام مَا رَأْيك فِي النِّسَاء قَالَ إِنِّي لأنظر إلَيْهِنَّ شزراً وينظرن إِلَى حذرا فوهب لَهُ جَارِيَة وَقَالَ لَهُ اغْدُ عَليّ فَأَخْبرنِي مَا كَانَ مِنْك فَلَمَّا أصبح غَدا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا صنعت شَيْئا وَلَا قدرت على شَيْء وَقلت فِي ذَلِك أبياتاً (نَظرتْ فأعجبها الذِي فِي دِرْعِها ... مِن حُسنه ونظرتُ فِي سرباليا) (ظيقا يَعضُّ بكلِّ عَردٍ نَالهُ ... كالصدغِ أَو صدع يرى متجافيا) (فرأت لَهَا كَفلاً ينوء بخَصْرها ... وَعْثاً رَوادفُه وأجثْمَ نابيا) (وَرَأَيْت منتشر العَجانِ مُقلّصاً ... رخْواً مَفاصلهُ وجلداً باليَا) (أُدِنى لهُ الرِّكبَ الحَليقَ كأنَّما ... أُدنى إِلَيْهِ عقَارباً وأفَاعيَا) (إِن الندامة والسدامة فاعلمن ... لَو قد خبرتك للمواسي حاليا) (مَا بالُ رأسكَ من ورائي طالعاً ... أظَننتَ أنَّ حِرَ الفَتاةِ وَرائِيا) (فاذهبْ فإِنكَ مَيِّتٌ لَا تَرُتّجَي ... أبَد الأبيد وَلو عمرت لَياليَا) (أنْتَ الْغرُور إِذا خبرت وربَّما ... كَانَ الْغرُور لمن رجاه شَافيَا) (لَكنّ أيْرِي لَا يُرجَّى نَفعُه ... حَتَّى أعُودَ أخَا فتَاءٍ ناشيا) // الْكَامِل // فَضَحِك هِشَام وَأمر لَهُ بجائزة أُخْرَى وَحدث أَبُو الْأَزْهَر ابْن بنت أبي النَّجْم عَن أبي أمه أَنه كَانَ عِنْد عبد الْملك ابْن مَرْوَان وَيُقَال عِنْد سُلَيْمَان بن عبد الْملك يَوْمًا وَعِنْده جمَاعَة من

стр. 25

الشُّعَرَاء وَكَانَ أَبُو النَّجْم فيهم والفرزدق وَجَارِيَة واقفة على رَأس سُلَيْمَان أَو عبد الْملك تذب عَنهُ فَقَالَ من صحبني بقصيدة يفتخر فِيهَا وَصدق فِي فخره وهبته هَذِه الْجَارِيَة قَالَ فَقَامُوا على ذَلِك ثمَّ قَالُوا إِن أَبَا النَّجْم يغلبنا بمقطعاته يعنون الرجز فَقَالَ أَلا أَقُول إِلَّا قصيداً فَقَالَ من ليلته قصيدته الَّتِي فَخر فِيهَا وَهِي (عَلقَ الْفُؤَاد حَبائِل الشعْثَاء ... ) // الْكَامِل // ثمَّ أصبح وَدخل عَلَيْهِ وَمَعَهُ الشُّعَرَاء فأنشده حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله (منَّا الذِي رَبعَ الجيوشَ لِصُلبهِ ... عِشرونَ وَهْوَ يُعدُّ فِي الأحْياء) قَالَ لَهُ عبد الْملك أَو سُلَيْمَان قف إِن كنت صدقت فِي هَذَا الْبَيْت فَلَا تزد مَا وَرَاءه فَقَالَ الفرزدق أَنا أعرف مِنْهُم سِتَّة عشر وَمن ولد وَلَده أَرْبَعَة كلهم قد ربع فَقَالَ عبد الْملك أَو سُلَيْمَان ولد وَلَده هم وَلَده ادْفَعْ إِلَيْهِ الْجَارِيَة يَا غُلَام قَالَ فَغَلَبَهُمْ يَوْمئِذٍ وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ أَبُو النَّجْم للعديل بن الفرخ أَرَأَيْت قَوْلك

стр. 26

(فَإِن تَكُ مِنْ شَيبانَ أمَّي فإنَّني ... لأَبْيضَ مجليّ عَريض المفارق) // الطَّوِيل // أَكنت شاكاً فِي نسبك حَتَّى قلت مثل هَذَا فَقَالَ العديل أشككت فِي نَفسك أَو فِي شعرك حِين قلت (أنَا أبُو النَّجم وَشِعرِي شِعرِي ... لله دَرّى مَا يِجنِّ صَدْرِي) // الرجز // فَأمْسك أَبُو النَّجْم واستحيا وَكَانَت وَفَاته آخر دولة بني أُميَّة ٤ - (كَريمُ الجِرِشَّي شَرِيفُ النَّسَبْ ... ) قَائِله أَبُو الطّيب المتنبي من قصيدة من بَحر المتقارب وَكَانَ سيف الدولة ابْن حمدَان صَاحب حلب قد أنفذ إِلَيْهِ كتابا بِخَطِّهِ إِلَى الْكُوفَة بِأَمَان وَسَأَلَهُ الْمسير إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ بِهَذِهِ القصيدة (فَهمتُ الكِتابَ أبَرَّ الكتَبْ ... فَسمعاً لأمْرِ أَمير العَربْ) (وطَوعاً لَهُ وابتهاجاً بهِ ... وَإِن قَصَّرَ الفِعلُ عمَّا وَجبْ) (وَمَا عَاقنِي غيَرُ خَوفِ الوُشاة ... فإِن الوشاة طريقُ الكِذبْ) (وَتكثيرُ قومٍ وتَقليلهم ... وتقَريبهُم بَيْننَا والخَبَبْ) (وَقَد كَانَ ينصرهم سَمعهُ ... وينصرُنِي قلبه والحَسبْ) (وَمَا قُلتُ للبدر أنتَ اللجَينُ ... وَلَا قلتُ للشمس أنْتِ الذَهبْ) (فَيقْلقَ مِنهُ البَعيدُ الأناةِ ... ويغَضبَ مِنْهُ البَطيءُ الغَضبْ) (ومَا لاقنيِ بَعدكُم بَلدةُ ... وَلا اعتْضْتُ مِنْ رَبٍّ نُعماىَ رَب)

стр. 27

(ومنْ رَكبَ الثَّوْرَ بعد الْجواد ... أنكرَ أظلافهُ وَالغبَبْ) (ومَا قِستْ كلَّ مُلوِك البلادِ ... فَدعْ ذِكرَ بَعضِ بِمنْ فِي حَلبْ) (وَلو كنُتُ سَميّتهمْ باسمهِ ... لَكانَ الحديدَ وكانوُا الخشبْ) (أَفِي الرَّأْي يُشْبَهُ أمْ فِي السخاء ... أمْ فِي الشجاعةِ أمْ فِي الأدبِّ) (مُباركُ الاسِم أغرُّ اللقَّبْ ... كَريمُ الجرشيَّ شَريفُ النسبْ) (أَخُو الحربِ يُخدمُ مِمَّا سَبَى ... قَناهُ وَيخْلعُ مِمَّا سَلبْ) (إِذَا حازَ مَالا فَقدْ حَازهُ ... فَتى لَا يُسرُّ بِما لَا يهب) // المتقارب // والجرشي بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء مَقْصُورا النَّفس وَأَشَارَ بقوله مبارك اللاسم إِلَى أَن اسْم الممدوح عَليّ وَهُوَ اسْم مبارك يتبرك بِهِ لمَكَان عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَلِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الْعُلُوّ والعلو مبارك وَمعنى أغر اللقب مَشْهُور لِأَنَّهُ سيف الدولة والأغر من الْخَيل الَّذِي فِي وَجهه غرَّة وَهِي الْبيَاض استعير لكل وَاضح مَعْرُوف وَالشَّاهِد فِيهِ كَرَاهَة السّمع للفظة تكون فِي الْبَيْت كالجرشي هُنَا وَأَبُو الطّيب اسْمه أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عبد الصَّمد الْجعْفِيّ الْكِنْدِيّ الْكُوفِي المتنبي الشَّاعِر الْمَشْهُور وَإِنَّمَا قيل لَهُ المتنبي لِأَنَّهُ ادّعى النُّبُوَّة فِي بادية السماوة وَتَبعهُ خلق كثير من بني كلب وَغَيرهم فَخرج إِلَيْهِ لُؤْلُؤ

стр. 28

أَمِير حمص نَائِب الأخشيدية فَأسرهُ وتفرق أَصْحَابه وحبسه طَويلا ثمَّ استتابه وَأطْلقهُ وَكَانَ قد قَرَأَ على الْبَوَادِي كلا مَا ذكر أَنه قُرْآن أنزل عَلَيْهِ فَمِنْهُ والنجم السيار والفلك الدوار وَاللَّيْل وَالنَّهَار إِن الْكَافِر لفي أخطار امْضِ على سننك وَاقِف أثر من كَانَ قبلك من الْمُرْسلين فَإِن الله قامع بك زيغ من ألحد فِي الدّين وضل عَن السَّبِيل وَكَانَ إِذا جلس فِي مجْلِس سيف الدولة وَأَخْبرُوهُ عَن هَذَا الْكَلَام فينكره ويجحده وَلما أطلق من السجْن الْتحق بالأمير سيف الدولة بن حمدَان ثمَّ فَارقه وَدخل مصر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وثلاثمائة ومدح كافوراً الأخشيدي وأنوجور بن الأخشيد وَكَانَ يقف بَين يَدي كافور وَفِي رجلَيْهِ خفان وَفِي وَسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بِالسُّيُوفِ والمناطق وَلما لم يرضه هجاه وفارقه لَيْلَة عيد النَّحْر سنة خمسين وثلاثمائة فَوجه كافور خَلفه عدَّة رواحل فَلم يلْحق وَقصد بِلَاد فَارس ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي فأجزل صلته وَلما رَجَعَ من عِنْده عرض لَهُ فاتك بن أبي جهل الْأَسدي فِي عدَّة من أَصْحَابه فقاتله فَقتل المتنبي وَابْنه محسد وَغُلَامه مُفْلِح بِالْقربِ من النعمانية فِي مَوضِع يُقَال لَهُ الصافية من الْجَانِب الغربي من سَواد بَغْدَاد وَيُقَال إِنَّه قَالَ شَيْئا فِي عضد الدولة فَدس عَلَيْهِ من قَتله لِأَنَّهُ لما وَفد عَلَيْهِ وَصله بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَثَلَاثَة أَفْرَاس مسرجة محلاة وَثيَاب مفتخرة ثمَّ دس عَلَيْهِ من سَأَلَهُ أَيْن هَذَا الْعَطاء من عَطاء سيف الدولة فَقَالَ هَذَا أجزل إِلَّا أَنه عَطاء متكلف وَسيف الدولة كَانَ يُعْطي طبعا فَغَضب عضد الدولة فَلَمَّا انْصَرف جهز عَلَيْهِ قوما من بني ضبة فَقَتَلُوهُ بعد أَن قَاتل قتالاً

стр. 29

شَدِيدا ثمَّ انهزم فَقَالَ لَهُ غُلَامه أَيْن قَوْلك (الخيلُ واللَّيلُ وَالبَيدَاءُ تَعرفُنْيِ ... وَالطَّعنُ والضَّربُ والقرطاس والقلم) // الْبَسِيط // فَقَالَ قتلتني قَتلك الله ثمَّ قَاتل فَقتل وَيُقَال إِن الخفراء جَاءُوهُ وطلبوا مِنْهُ خمسين درهما ليسيروا مَعَه فَمَنعه الشُّح وَالْكبر فتقدموه فَوَقع لَهُ مَا وَقع وَكَانَ قَتله يَوْم الْأَرْبَعَاء لست بَقينَ وَقيل لثلاث بَقينَ وَقيل لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان سنة أَربع وَخمسين وثلثمائة ومولده كَانَ فِي سنة ثَلَاث وثلثمائة بِالْكُوفَةِ فِي محلّة تسمى كِنْدَة وَلَيْسَ هُوَ من كِنْدَة الَّتِي هِيَ قَبيلَة بل هُوَ جعفي وَقيل إِن أَبَاهُ كَانَ سقاء بِالْكُوفَةِ وَكَانَ يلقب بعبدان ثمَّ انْتقل إِلَى الشَّام بولده وإِلى هَذَا أَشَارَ بعض الشُّعَرَاء فِي هجوه فَقَالَ (أيُّ فَضلٍ لِشاعرٍ يطْلب الْفضل ... مِنَ النَّاسِ بُكرةً وَعشيَّا) (عَاشَ حِيناً يَبيعُ فِي الكُوفةِ المَاء ... وَحيناً يَبيعُ ماءَ الْمحيا) // الْخَفِيف // وَلَقَد أولع بعض شعراء عصره بهجوه حسداً لَهُ على فَضله وتمكنه من الْمُلُوك ومراعاة لتيهه وتكبره وَمِمَّنْ أفحش فِي ذَلِك ابْن حجاج فَقَالَ جَارِيا على عَادَته فِي السخف والمجون (يَا ديمةَ الصَّفع صُبيٍّ ... علَى قَفا المُتنبُّي) (وَيَا قَفاهُ تَقدَّمْ ... حَتَّى تَصيرَ بْجَنْبِي) (وَأنتَ يَا ريحَ بَطنِي ... عَلَى سباليه هبي) // المجتث // وَيَقُول فِيهَا (إِنْ كُنت أنتَ نَبياً ... فَالقِرِدُ لَا شكَّ رَبيِّ) وَقَالَ فِيهِ أَيْضا من قصيدة

стр. 30

(قل لي وطر طورك هذَا الّذي ... فِي غَايةِ الحُسنِ شَوابيرهُ) (مَا ضرهُ إِذْ جَاء فَصلُ الشِّتَا ... لَوْ أنَّ شَعَرَ استي سموره) // السَّرِيع // وَلَقَد كَانَ المتنبي من المكثرين من نقل اللُّغَة والمطلعين على غريبها وحوشيها وَلَا يسال عَن شَيْء إِلَّا وَيسْتَشْهد فِيهِ بِكَلَام الْعَرَب من النّظم والنثر حَتَّى قيل إِن الشَّيْخ أَبَا عَليّ الْفَارِسِي قَالَ لَهُ يَوْمًا كم لنا من الجموع على وزن فِعْلى فَقَالَ المتنبي فِي الْحَال حِجلى وظربي قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ فطالعت كتب اللُّغَة ثَلَاث لَيَال على أَن أجد لهذين الجمعين ثَالِثا فَلم أجد وحسبك من يَقُول أَبُو عَليّ فِي حَقه هَذِه الْمقَالة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح بن جني قَرَأت ديوَان المتنبي عَلَيْهِ فَلَمَّا بلغت إِلَى قَوْله فِي كافور الأخشيدي (أَلَا لَيتَ شِعري هَلْ أقُولُ قَصيدةً ... فَلَا أَشْتكي فِيها وَلَا أَتَعَتَّبُ) (وَبيِ مَا يذُودُ الشِّعرَ عَنيِّ أقَلُّهُ ... وَلكنَّ قَلبي يَا ابنةَ الْقَوْم قلب) // الطَّوِيل // قلت لَهُ يعز عَليّ كَون هَذَا الشّعْر فِي غير سيف الدولة فَقَالَ حذرناه وأنذرناه فَمَا نفع أَلَسْت الْقَائِل فِيهِ (أخَا الجُودِ أعطِ النَّاسَ مَا أنتَ مالِكٌ ... وَلا تُعطينَّ النَّاسَ مَا أَنا قَائِله) // الطَّوِيل // فَهُوَ الَّذِي أَعْطَانِي كافوراً بِسوء تَدْبيره وَقلة تَمْيِيزه وَالنَّاس فِي شعره على طَبَقَات فَمنهمْ من يرجحه على أبي تَمام وَمن بعده وَمِنْهُم من يرجح أَبَا تَمام عَلَيْهِ ورزق فِي شعره السَّعَادَة واعتنى الْعلمَاء بديوانه

стр. 31

فشرحوه حَتَّى قيل إِنَّه وجد لَهُ مَا يزِيد على أَرْبَعِينَ شرحاً وَمن شعره مِمَّا لَيْسَ فِي ديوانه بل رَوَاهُ الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ بِسَنَد صَحِيح مُتَّصِل بيتان وهما (أَبِعَين مُفتقرٍ إِليكَ نَظَرْتَنِي ... فَأهنتني وَقذَفتني مِنْ حاَلقِ) (لَستَ الملُومَ أَنا الملُومُ لأنني ... أنْزَلتُ آمَالي بِغَيْر الْخَالِق) // الْكَامِل // وَلما قتل رثاه أَبُو الْقَاسِم المظفر بن عَليّ الطبسي بقوله (لَا رعَى اللهُ سِربَ هَذا الزَّمان ... إِذ دَهانَا فِي مِثلِ ذاكَ اللَّسانِ) (مَا رَأى النَّاسُ ثانيَ المُتنبيّ ... أَيُّ ثَانٍ يُرَى لبكْر الزّمانِ) (كانَ مِنْ نَفسهِ الكَبيرة فِي جَيش ... وَفي كِبرياءِ ذِي سُلطانِ) (هُوَ فِي شِعرهِ نَبيٌّ ولكنْ ... ظَهرتْ مُعجزاتهُ فِي الْمعَانِي) // الْخَفِيف // ويحكى أَن الْمُعْتَمد بن عباد اللَّخْمِيّ صَاحب قرطبة وإشبيلية أنْشد يَوْمًا فِي مَجْلِسه بَيت المتنبي الَّذِي هُوَ من جملَة قصيدته الْمَشْهُورَة وَهُوَ (إذَا ظَفَرْت مِنكَ العُيونُ بِنظرةٍ ... أثَابَ بهَا مُعيي المَطيِّ ورارمه) // الطَّوِيل // وَجعل يردده اسْتِحْسَانًا لَهُ وَفِي مَجْلِسه أَبُو مُحَمَّد عبد الْجَلِيل بن وهبون الأندلسي فَأَنْشد ارتجالاً (لَئِن جَادَ شِعُر ابْن الحُسينِ فَإِنَّمَا ... تُجيدُ العَطايَا واللُّها تَفتحُ اللَّهَا)

стр. 32

(تَنبأ عُجباً بالقَريض وَلَو درَى ... بأنَّكَ تَروِي شِعرهُ لَتألَّهَا) // الطَّوِيل // وَهَذَا مثل قديم قَالَه أَبُو سعيد الْقصار فِي جَعْفَر بن يحيى (لابْنِ يَحيى مآثرٌ ... بلغت بِي إِلَى السُّها) (جادَ شِعرِي بجودهِ ... واللُّها تَفتحُ اللها) // من مجزوء الْخَفِيف // واللها بِالضَّمِّ العطايا وبالفتح جمع لهاة الْحلق ورثاه أَيْضا مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاتِب النصيبي بقصيدة يستجيش فِيهَا عضد الدولة على مدحضي قدمه ومريقي دَمه فَمِنْهَا (قَرتْ عُيونُ الأَعادي يَومَ مَصرعهِ ... وطالما سَخِنتْ فِيهِ مِنَ الْحَسَد) // الْبَسِيط // وَمِنْهَا (أبَا شُجاعٍ فتَى الهَيجا وَفَارسها ... وَمُشترِي الشُّكر بالإِنفاقِ والصفَّدِ) (هذي بنَو أسدٍ جَاءَت بُمؤيدةٍ ... صَماء نائحة هَدَّت ذُرَى أحُد) (سَطتْ عَلَى المتنبي مِنْ فوارسها ... سبَعونَ جَاءَتْهُ فِي مَوْج من الزَّردِ) (حَتَّى أَتَت وَهُوَ فِي أمنٍ وَفِي دعةٍ ... يسيرُ فِي سِتَّة إِن تحص لم تزد) (كَرَّتْ عَلَيْهِ سِراعاً غيرَ وانيةٍ ... فَغادرته قرينَ التُّرب والثَّأْدِ) (من بعد مَا أعملت فيهم أسنَّتهُ طَعنا يُفرق بَين الرَّوحِ والجسدِ) (فَاطْلبْ بثأر فَتى مَا زِلتَ تَعضُدُهُ ... لله دَركَ منْ كَهفٍ وَمِنْ عَضُدِ)

стр. 33

(أزْكِ العُيون عَليهم أيَّةً سَلكوا ... وضَيَّقِ الأرضَ والأقْطارَ بالرَّصدِ) (شَردْهمُ بجُيوش لَا قَوامَ لَهَا ... تَأتِي عَلى سَبدِ الأَقوامِ واللبد) // الْبَسِيط // ورثاه أَيْضا ثَابت بن هَارُون الرقي النَّصْرَانِي بقصيدة يستشير فِيهَا عضد الدولة على فاتك وَبني أَسد يَقُول فِي أَولهَا (الدهرُ أنْكى واللَّيالي أنْكَدُ ... مِنْ أَنْ تعيشَ لأهلهَا يَا أحمَدُ) (قصَدَتْكَ لمَّا أَن رأتْكَ نَفيسها ... بُخْلاً بمثلكَ والنَّفائَسُ تُقصدُ) (ذُقْتَ الكرِيهة بَغْتَةً وفقَدْتَها ... وكريهُ فقدِكَ فِي الوَرى لَا يفقدُ) (قلْ لي إِن اسطعْتَ الْجَواب فإِنني ... صبُّ الفؤادِ إِلَى خطابِكَ مكمد) // الْكَامِل // وَمِنْهَا (أَتركْتَ بعدكَ شَاعِرًا وَالله لَا ... لمْ يَبقَ بَعدَك فِي الزَّمانِ مُقصَّدُ) (أَمَّا العُلومُ فإِنَّها يَا رَبَّهَا ... تَبكي عليكَ بأدَمُعٍ لَا تَجمُدُ) (يَا أَيُّها الملكُ المؤيَّدُ دعْوَةً ... مِمَّن حَشاهُ بالأسى يتوقَّدُ) (هذِي بَنو أَسد بضيفِكَ أوقعَتْ ... وحَوَتْ عطاءك إذَّ حَوَاهُ الفرقَدُ) (وَلهُ عليكَ بقصدِهِ يَا ذَا العُلَا ... حَقّ التحرَّمِ والذَّمامُ الأوكَدُ) (فارع الذِّمامَ وكُنْ لضيفِكَ طالِباً ... إِنَّ الذّمامَ على الكرِيم مُؤبَّدُ) وأخبار المتنبي وَمَا جرى لَهُ كَثِيرَة وَسَيَأْتِي طرف مِنْهَا وَمن شعره فِي أثْنَاء هَذَا الْكتاب

стр. 34

٥ - (وقَبْر حَرْبٍ بِمكَانٍ قَفْرِ ... ولَيْس قُرْبَ قبر حَرْب قبر) الْبَيْت من الرجز وَلَا يعرف قَائِله وَيُقَال أَنه من شعر الْجِنّ قَالُوهُ فِي حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس لما قَتَلُوهُ بثأر حيةٍ مِنْهُم قَتلهَا القفل الَّذِي كَانَ فِيهِ وَدفن ببادية بعيدَة وَكَانَ حربٌ الْمَذْكُور مصافياً لمرداس السّلمِيّ أبي الْعَبَّاس الصَّحَابِيّ فَقَتَلَهُمَا الْجِنّ جَمِيعًا وَهَذَا شَيْء قد ذكرته الروَاة فِي أَخْبَارهَا وَالْعرب فِي أشعارها ذكر أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَن حَرْب بن أُميَّة لما انْصَرف من حَرْب عكاظ هُوَ وإخواته مر بالقرية وَهِي إِذْ ذَاك غيضة شجر ملتف لَا يرام فَقَالَ لَهُ مرداس بن أبي عَامر أما ترى هَذَا الْموضع قَالَ بلَى فَمَا لَهُ قَالَ نعم المزدرع هُوَ فَهَل لَك أَن تكون شَرِيكي فِيهِ ونحرق هَذِه الغيضة ثمَّ نزرعه بعد ذَلِك قَالَ نعم فأضرما النَّار فِي الغيضة فَلَمَّا استطارت وَعلا لهبها سمع من الغيضة أنينٌ وضجيج كثير ثمَّ ظَهرت مِنْهَا حياتٌ بيض تطير حَتَّى قطعتها وَخرجت مِنْهَا فَقَالَ مرداس فِي ذَلِك (إِنِّي انْتَخَبْتُ لَهَا حَرْباً وإِخوَتَهُ ... إنِّي بحبلٍ وَثيقِ العْهَدْ دسَّاسُ) (إِنِّي أُقوِّمُ قبل الأَمرِ حُجَّتَهُ ... كَيما يُقَال وَلِيّ الْأَمر مرداس) // الْبَسِيط // قَالَ فَسَمِعُوا هاتفاً يَقُول لما احترقت الغيضة (وَيلٌ لحرْبٍ فارِسَا ... مُطاعِناً مُخالسَا) (وَيلٌ لحرْبٍ فارِسَا ... إِذْ لبِسُوا القوانسَا) (لنَقْتُلَنْ بقَتلهِ ... جَحاجِحاً عنَابِسَا) // من مجزوء الرجز // وَلم يلبث حَرْب ابْن أُميَّة ومرداس أَن مَاتَا فَأَما مرداس فَدفن بالقرية ثمَّ ادَّعَاهَا بعد ذَلِك كُلَيْب بن عَمْرو السّلمِيّ ثمَّ الظفري فَقَالَ فِي ذَلِك عَبَّاس بن مرداس

стр. 35

(أكُلَيبُ مَالك كلَّ يومٍ ظَالماً ... وَالظُّلمُ أنكدُ وَجْههُ ملعُونُ) (عجبا لقوْمِكَ يَحسبونك سيِّداً ... وَإِخالُ أَنَّك سيِّد مغيُونُ) (فإِذا رَجعتَ إِلَى نسائكَ فادَّهنْ ... إِنَّ المسالمَ رَأسُه مَدهونُ) (وَافعلْ بِقومكَ مَا أَرَادَ بوائلٍ ... يومَ الغَدير سَميُّكَ المطعونُ) (وَإِخالُ أَنَّك سَوف تلقى مثلهَا ... فِي جانِبيكَ سنانها المسنونُ) (إنَّ القرَّيةَ قد تبيَّنَ أَمرُهَا ... إنْ كَانَ ينفعُ عنْدك التبْيِينُ) (حِينَ انْطَلَقت تخطها ظَالماً ... وَأبو يَزيدَ بجوها مدفون) // الْكَامِل // وَقد روى الْبَيْت بِلَفْظ (ومَا بقُربِ قبر حَرْب قبر ... ) وَيُقَال إِنَّه لَا يتهيأ لأحد أَن ينشده ثَلَاث مَرَّات مُتَوَالِيَات فَلَا يتتعتع وَقرب وَقع خَبرا لليس وَكَانَ من حَقه أَن يَقُول قرب قَبره فَأتي بِالظَّاهِرِ مَوضِع الْمُضمر ليدل على لُزُوم التوجع وَالشَّاهِد فِيهِ التنافر لما فِي هَذِه الْأَلْفَاظ من ثقل النُّطْق بهَا وَلذَلِك هرب أَرْبَاب الفصاحة من اللَّفْظَيْنِ المتقاربين إِلَى الْإِدْغَام لانتقال اللِّسَان فِيهِ إِلَيْهِمَا انتقالةً وَاحِدَة وشبهوا النُّطْق بالمتقاربين بمشي الْمُقَيد ٦ - (كَرِيمٌ مَتّى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرَى ... ) قَائِله أَبُو تَمام الطَّائِي وَتَمَامه (مَعِي وَإذَا مَا لمتهُ لمُتهُ وَحدِي ... )

стр. 36

وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا أَبَا الْغَيْث مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَيعْتَذر إِلَيْهِ وأولها (شهدتُ لقد أقْوتْ مَعالمكم بَعدِي ... ومَحْت كَمَا مَحتْ وشائعُ مِنْ بُرد) (وأنجدتُمُ من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على سَاكِني نجدِ) (لعمري لقد أخلقتمُ جِدّةَ البكا ... بكاءَ وجَدَّدتم عليّ بِلَى الْوجدِ) إِلَى أَن قَالَ فِي مديحها (أَتانِي مَعَ الركْبَان ظن ظننته ... نَكسْتُ لهُ رَأْسِي حَياءَ من المجدِ) (لَقد نكب الْغدرُ الْوَفَاء بساحتي ... إِذا وَسرحتُ الذَمَّ فِي مَسرح الحْمدِ) (وَهتَّكْتُ بالقولِ الخَنا حُرمةَ العلَا ... وأسْلكت حُرَّ الشِّعر فِي مسلكِ الْبعد) (نسيت إِذا كم من يَد لَك شاكلت ... يدَ الْقرب أعدت مستهاما على الْبعد) (وَمنْ زَمنٍ ألْبستنيهِ كأنهُ ... إِذا ذُكرتْ أيَّامه زمنُ الوردِ) (وَإنكَ أحكمتَ الَّذِي بينَ فِكرتِي ... وبَينَ القوافِي منْ ذِمامِ ومنْ عَهْدِ) (وأصْلتَّ شِعرِي فَاعتلى رَونقَ الضُّحى ... ولولاكَ لم يَظهرْ زَماناً من الغِمدِ) (وَكيفَ وَمَا أخْللتُ بَعدَك بالحِجا ... وَأنتَ فَلم تُخلِلْ بِمكرمةٍ بعدِي) (أسَرْبِلُ هُجرَ القولِ مَنْ لوْ هَجوتهُ ... إِذاً لهجانِي عنهُ مَعروفهُ عِندِي)

стр. 37

وَبعده الْبَيْت وَبعده (ولوْ لم يَزعنِي عنَكَ غَيركَ وَازعٌ ... لأعديتنِي بالحِلم إنَّ العُلا تُعدِي) وَمعنى الْبَيْت هُوَ كريم إِذا مدحته وَافقنِي النَّاس على مدحه فيمدحونه لإسداء إحسانه إِلَيْهِم كإشسدائه إِلَيّ وَلَا أمدحه بِشَيْء إِلَّا صدقني النَّاس فِيهِ أَو أَن النَّاس وافقوني على وجود مَا يُوجب الْمَدْح للْإنْسَان من صِفَات الْكَمَال فِيهِ وَإِذا لمته لَا يوافقني أحد على لومه لعدم وجود الْمُقْتَضِي لَهُ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر (وَإذَا شكوتك لم أجد لي مُسعداً ... وَرُمِيتُ فِيمَا قُلتُ بالبهتان) // الْكَامِل // وَقد نَاقض هَذَا الْمَعْنى ابْن أبي طَاهِر بقوله (يَشركُنيِ الْعَالم فِي ذَمِّهِ ... لَكننِي أمدحُهُ وحدي) // السَّرِيع // وطاهر العتابي الْمَعْرُوف بالمعتمد الْبَغْدَادِيّ بقوله (مَدحتهمُ وَحدِي فلمَّا هَجوتهمْ ... هَجوتهمُ والنَّاسُ كلهم معي) // الطَّوِيل // وَالشَّاهِد فِيهِ التنافر أَيْضا لما فِي قَوْله أمدحه من الثّقل لقرب مخرج الْحَاء من مخرج الْهَاء لِأَن المخارج كلما قربت كَانَت الْأَلْفَاظ مكدودة قلقة غير مُسْتَقِرَّة فِي أماكنها وَإِذا بَعدت كَانَت بعكس الأول وَلِهَذَا لم يُوجد فِي كَلَام الْعَرَب الْعين مَعَ الْغَيْن وَلَا مَعَ الْحَاء وَلَا مَعَ الْخَاء وَلَا الطَّاء مَعَ التَّاء حذرا مِمَّا مر وَأَيْضًا فِيهِ ثقل من جِهَة التّكْرَار فِي أمدحه ولمته وَمن قَبِيح التّكْرَار قَول الشَّاعِر (وأزورَّ مَنْ كَانَ لهُ زَائِرًا ... وعاف عافي العُرْفِ عرْفانهُ) // السَّرِيع //

стр. 38

وَأَبُو تَمام اسْمه حبيب بن أَوْس بن الْحَرْث بن قيس بن الْأَشَج بن يحيى ابْن مَرْوَان يَنْتَهِي إِلَى طَيء قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن بشر الْآمِدِيّ وَالَّذِي عِنْد أَكثر النَّاس فِي نسب أبي تَمام أَن أَبَاهُ كَانَ نَصْرَانِيّا من أهل جاسم قَرْيَة من قرى الجيدور من أَعمال دمشق يُقَال لَهُ تدوس الْعَطَّار فجعلوه أَوْسًا وَولد أَبُو تَمام بالقرية الْمَذْكُورَة سنة تسعين وَقيل سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَنَشَأ بِمصْر وَقيل إِنَّه كَانَ يسْقِي المَاء بالجرة فِي جَامع مصر وَقيل كَانَ يخْدم حائكاً وَيعْمل عِنْده ثمَّ اشْتغل وتنقل إِلَى أَن صَار وَاحِد عصره فِي ديباجة لَفظه وفصاحة شعره وَحسن أسلوبه وَكَانَ لَهُ من المحفوظات مَا لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ يحفظ أَرْبَعَة عشر ألف أرجوزة للْعَرَب غير المقاطيع والقصائد وَله كتاب الحماسة الَّذِي دلّ على غزارة فَضله وإتقان مَعْرفَته وَحسن اخْتِيَاره وَله مَجْمُوع آخر سَمَّاهُ فحول الشُّعَرَاء جمع فِيهِ طَائِفَة كَثِيرَة من شعراء الْجَاهِلِيَّة والمخضرمين والإسلاميين وَله كتاب الاختيارات من شعر الشُّعَرَاء ومدح الْخُلَفَاء وَأخذ جوائزهم وَكَانَ فِي لِسَانه حبسة وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن المعذل أَو أَبُو العميثل

стр. 39

(يَا نبيَّ الله فِي الشِّعرِ ويَا عِيسَى ابْن مريَمْ ... ) (أنْتَ من أشعرِ خلْقِ الله مَا لم تَتَكَلَّم ... ) // من مجزوء الرمل // وَهَذَا نوع من البديع يُسمى الهجاء فِي معرض الْمَدْح وَمن مليح مَا جَاءَ فِيهِ قَول ابْن سناء الْملك فِي قواد (لي صاحبٌ أفْديه من صاحبٍ ... حُلْو التّأتِّي حسنِ الاحتيَالِ) (لَو شاءَ منْ رقةِ ألفاظهِ ... ألَّفَ مَا بَين الهدَى والضلالِ) (يكْفيكَ منهُ أنَّه ربُما ... قادَ إِلَى المهجورِ طيْفَ الخيال) // السَّرِيع // وَمِنْه قَول ابْن أبي الإصبع يهجو فَقِيها ذَا ابْنة (ابنُ فُلَانِ أكرمُ النَّاس لَا ... يَمنعُ ذَا الحاجةِ منْ فلْسهِ) (وَهوَ فقيهٌٌ ذُو اجتهادٍ وقدْ ... نَصَّ على التَّقليدِ فِي دَرسهِ) (يستحسنُ البحْثَ على وَجههِ ... ويوجبُ الفِعلَ على نَفسه) // السَّرِيع // ووفد أَبُو تَمام إِلَى الْبَصْرَة وَبهَا عبد الصَّمد بن المعذل الشَّاعِر فَلَمَّا سمع بوصوله وَكَانَ فِي جمَاعَة من أَتْبَاعه وغلمانه خَافَ من قدومه أَن يمِيل النَّاس إِلَيْهِ ويعرضوا عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ قبل دُخُوله الْبَلَد (أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ تبرز للنَّاس ... وتلقاهُم بوجهٍ مُذالِ) (لَستَ تنفكُّ راجياً لوصَالِ ... منْ حَبيبٍ أَو رَاغِبًا فِي نَوال) (أيُّ ماءٍ يَبْقَى لوَجهكَ هذَا ... بَعدَ ذلِّ الهوَى وذل السُّؤَال) // الْخَفِيف // فَلَمَّا وقف على الأبيات أعرض عَن مقْصده وَرجع وَقَالَ قد شغل هَذَا مَا يَلِيهِ فَلَا حَاجَة لنا فِيهِ وَقد تبعه الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم بقوله

стр. 40

(أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ يَا نجل يَعْقُوب ... وكِلتاهمَا مَقرُّ السِّيادهْ) (لَستَ تنفكُّ رَاكِبًا أيْرَ عَبدٍ ... مُسبطِرّاً أَو حَامِلا خُفَّ غادهْ) (أيُّ ماءٍ لحرِّ وَجهَكَ يَبقى ... بَينَ ذلِّ البغَا وذل القيادة) // الْخَفِيف // وَلما أنْشد أَبُو تَمام أَبَا دلف الْعجلِيّ قصيدته البائية الَّتِي أَولهَا (على مثلهَا من أَربع وملاعب ... أُذِيلتْ مَصونْاتُ الدُّموع السواكب) // الطَّوِيل // استحسنها وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِرْهَم وَقَالَ وَالله إِنَّهَا لدوّنَ شعرك ثمَّ قَالَ وَالله مَا مثل هَذَا القَوْل فِي الْحسن إِلَّا مَا رثيت بِهِ مُحَمَّد بن حميد الطوسي فَقَالَ أَبُو تَمام وَأي ذَلِك أَرَادَ الْأَمِير قَالَ قصيدتك الرائية الَّتِي أَولهَا (كَذَا فليجل الْخطب وليفدح الْأَمر ... وَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر) // الطَّوِيل // وددت وَالله أَنَّهَا لَك فيَّ فَقَالَ بل أفدي الْأَمِير بنفسي وَأَهلي وأكون الْمُقدم قبله فَقَالَ إِنَّه لم يمت من رثي بِهَذَا الشّعْر وَحدث الرياشي قَالَ كَانَ خَالِد الْكَاتِب مغرماً بالغلمان المرد ينْفق عَلَيْهِم كل مَا يُفِيد فهوى غُلَاما يُقَال لَهُ عبد الله وَكَانَ أَبُو تَمام الطَّائِي يهواه أَيْضا فَقَالَ فِيهِ خَالِد (قَضيبُ بَان جنَاهُ وَرْدُ ... يحملهُ وَجْنةٌ وَخَدُّ) (أثْنِ طرْفِي إلَيهِ إِلَاّ ... مَاتَ عَزَاءٌ وَعاشَ وَجْدُ) (مُلِّكَ طوْعَ النفوسِ حَتَّى ... عَلمه الزَّهوَ حِين يَبْدو) (فَاجْتمع الصدُّ فِيه حَتَّى ... لَيْسَ لخلقٍ سواهُ صد) // من مخلع الْبَسِيط // وَبلغ أَبَا تَمام ذَلِك فَقَالَ فِيهِ أبياتاً مِنْهَا قَوْله
следующие страницы →