Полный текст (694 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الضَّحَّاك بن عَمْرو بن محرق بن النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فَقلت لَهُم فَمن عَمْرو هَذَا فَقَالُوا ابْن عَمها عَمْرو بن كَعْب بن محرق فارتحلت من عِنْدهم فَلَمَّا دخلت الْيَمَامَة سَأَلت عَن عَمْرو هَذَا فَإِذا هُوَ قد دفن فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي قَالَت فِيهِ مَا قَالَت
والفرزدق قد تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
١٨ - (هَذا أَبُو الصَّقْرِ فرْداً فِي مَحاسِنِهِ ... )
قَائِله ابْن الرُّومِي وَتَمَامه
(مِنْ نَسْلِ شَيبَانَ بَيْنَ الضَّالِ والسَّلم ... ) وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة من الْبَسِيط وشيبان بن ذهل وشيبان بن ثَعْلَبَة قبيلتان والضال وَالسّلم شجرتان من شجر الْبَادِيَة وفرداً مَنْصُوب على الْمَدْح أَو الْحَال
وَالْمعْنَى هَذَا الْمشَار إِلَيْهِ صَاحب الِاسْم الْمَشْهُور إِذا ذكر رجلا فَردا فِي محاسنه وفضائله من نسل شَيبَان وَأَوْلَاد هَذِه الْقَبِيلَة المقيمين بالبادية وَالْإِقَامَة بهَا مِمَّا تتمدح بِهِ الْعَرَب لِأَن فقد الْعِزّ فِي الْحَضَر
وَالشَّاهِد فِيهِ تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ بإيراده اسْم إِشَارَة مَتى صلح الْمقَام لَهُ واتصل بِهِ غَرَض وصلاحيته بِأَن يَصح إِحْضَاره فِي ذهن السَّامع بِوَاسِطَة الْإِشَارَة إِلَيْهِ حسا ثمَّ الْغَرَض الْمُوجب لَهُ أَو الْمُرَجح تَفْصِيل يَأْتِي ضمن الشواهد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وتعريفه بِالْإِشَارَةِ هُنَا لتمييزه أكمل تَمْيِيز وَذَلِكَ فِي قَوْله هَذَا أَبُو الصَّقْر لصِحَّة إِحْضَاره فِي ذهن السَّامع بِوَاسِطَة الْإِشَارَة حسا
стр. 107
وَمثله قَول المتنبي
(أولئكَ قَوْم إِن بَنْوا أحْسَنوا البِنا ... وَإِن عاهَدوا أوْفَوْا وَإِن عَقَدوا شَدُّوا) // الطَّوِيل //
وَقَول مادح حَاتِم الطَّائِي
(وَإذا تأمَّل شَخْصَ ضَيفٍ مُقبلٍ ... مُتسربلٍ سِربالَ لَيلٍ أغْبرِ)
(أَوْمَأ إِلى الكَوماءِ هَذَا طارِقٌ ... نَحرَتْنَي الأَعداءُ إِن لم تنحري) // الْكَامِل //
وَابْن الرُّومِي هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْعَبَّاس بن جريج وَقيل هُوَ أَبُو جرجيس الشَّاعِر الْمَشْهُور صَاحب النّظم العجيب والتوليد الْغَرِيب يغوص على الْمعَانِي النادرة فيستخرجها من مَكَانهَا ويبرزها فِي أحسن قالب وَكَانَ إِذا أَخذ الْمَعْنى لَا يزَال يستقصي فِيهِ حَتَّى لَا يدع فِيهِ فضلَة وَلَا بَقِيَّة ومعانيه غَرِيبَة جَيِّدَة
وَحكى ابْن درسْتوَيْه وَغَيره أَن لائماً لامه فَقَالَ لَهُ لم لَا تشبه كتشبيهات ابْن المعتز وَأَنت اشعر مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أَنْشدني شَيْئا من قَوْله الَّذِي استعجزتني عَن مثله فأنشده قَوْله فِي الْهلَال
(انْظُر إليهِ كَزورقٍ من فضَّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ زِدْنِي فأنشده قَوْله فِي الآذريون وَهُوَ زهر أصفر فِي وَسطه خمل أسود وَلَيْسَ بِطيب الرَّائِحَة وَالْفرس تعظمه بِالنّظرِ إِلَيْهِ وفرشه فِي الْمنزل
(كَأَن آذَْريونَها ... والشمسُ فيهِ كالِيَهْ)
(مَدَاهِنٌ من ذهبٍ ... فِيهِ بقايا غاليه) // من مجزوء الرجز //
فصاح واغوثاه تالله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا ذَاك إِنَّمَا يصف ماعون
стр. 108
بَيته لِأَنَّهُ ابْن خَليفَة وَأَنا أَي شَيْء اصف وَلَكِن انْظُر إِذا أَنا وصفت مَا أعرف أَيْن يَقع قولي من النَّاس هَل لأحد قطّ قَول مثل قولي فِي قَوس الْغَمَام وَأنْشد
(وَسَاقٍ صَبيح للصَّبُوح دَعَوتُهُ ... فَقامَ وَفِي أجْفانِه سِنَة الغَمْضِ)
(يطوفُ بكاساتِ العُقارِ كأْنجم ... فمِن بَين مُنقَضّ علينا ومنُفض)
(وَقد نَشَرت أَيدي الجَنوبِ مَطارفاً ... على الجو دكنا والحواشي على الأَرْض)
(يطَرِّزُها قَوس السحابِ بأخضرٍ ... على أحمرٍ فِي اصفرٍ إثرَ مبيض)
(كأذيال خوذ أقبَلَتْ فِي غلائِل ... مُصبَّغة والبَعضُ أقصرُ من بعض) // الطَّوِيل //
وَبَعْضهمْ ينسبها لسيف الدولة ابْن حمدَان مِنْهُم صَاحب الْيَتِيمَة وَقَوْلِي فِي صانع الرقَاق
(إِن أنسَ لَا أنسَ خَبَّازاً مررتُ بِهِ ... يَدْحو الرُّقاقَةَ مِثْلَ اللمح بالبصر)
(مَا بَين رُؤيتها فِي كَفهِ كُرةً ... وَبَين رؤيتها قَوراء كالقَمر)
(إِلَّا بِمِقْدَار مَا تَنْداحُ دائِرة ... فِي لُجَّةِ المَاء يُلْقى فِيه بِالْحجرِ) // الْبَسِيط //
وَقَوْلِي فِي قالي الزلابية
(وَمْستقِرٍ على كرسيِّهِ تَعبِ ... رُوحي الْفِدَاء ُله من منصبٍ نصب)
(رَأيتهُ سَحراً يقلي زَلابيةً ... فِي رقةَ القشر والتجويف كالقصب)
(كَأَنَّمَا زَيتُهُ المقليُّ حينَ بدَا ... كالكيمياء الَّتِي قَالُوا وَلم تصبِ)
стр. 109
(يُلقيِ العَجينَ لُجَيْناً من أنامِلهِ ... فَيستحيلُ شبابيكا مِنَ الذهبِ) // الْبَسِيط //
وَمن مَعَانِيه البديعة قَوْله
(وإِذا امْرؤٌ مدح امرَءَاً لنوالِهِ ... وَأطالَ فِيهِ فقد أرادَ هِجاءهُ)
(لوْ لم يُقدّرْ فِيهِ بُعد المستقَى ... عِندَ الورودِ لما أطالَ رِشاءهُ) // الْكَامِل //
وَقد كرر ابْن الرُّومِي هَذَا الْمَعْنى فِي نظمه فَقَالَ
(إِذا عَزَّ رِفدٌ لُمسترْفِدٍ ... أطالَ المديحَ لَهُ المادحُ)
(وَقِدْ مَا إِذا استبعدَ المُستقِي ... أطالَ الرشاءَ لَهُ المانح) // المتقارب //
وَقد أَخذه السراج الْوراق فَقَالَ
(سامِحْ بِفضلك عَبداً ... مُقصراً فِي الثَّناءِ)
(رأى قلبيا قَرِيبا ... فَلمْ يُطِلْ فِي الرشاء) // المجتث //
وعَلى ذكر أبياته الْمَارَّة فِي صانع الرقَاق ذكرت مَا حُكيَ عَن الأديب أبي عَمْرو النميري أَن هَذِه الأبيات أنشدت فِي حلقته فَقَالَ بعض تلامذته مَا أَظن أَن يقدر على الزِّيَادَة فِيهَا فَقَالَ
(فَكدتُ أضرُطُ إعجاباً لرؤيتها ... وَمَنْ رأى مثلَ مَا أبصرتُ مِنهُ خزي)
فَضَحِك من حضر وَقَالُوا الْبَيْت لَائِق بالقطعة لَوْلَا مَا فِيهِ من ذكر الرجيع فَقَالَ
(إِنْ كانَ بَيتَي هَذَا لَيسَ يُعجبكم ... فَعجلوا محوهُ أوْ فالعقوه طرِي)
وَمن مَعَاني ابْن الرُّومِي البديعة قَوْله يهجو
(لِخَالدٍ شاعرِنا زَوجةٌ ... لَهَا حِرٌ يَبلغُ مِثليها)
(قَوَّامة باللَّيلِ لَكِنَّهَا ... تستغفر الله برجليها) // السَّرِيع //
стр. 110
(وَقَوله فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا
(مَرفوعة تحتَ الدُّجا رِجلاها ... كَأَنَّمَا يَستغفرانِ الله) // الرجز //
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ فَقَالَ من أَبْيَات
(وَلا تَتزوجنَّ لهمْ بِبنتٍ ... فلَلسودانِ عِندهمُ مراحُ)
(بأرْجلهنَّ يَستغفرنَ دأبا ... فأرْجلهنَّ لِلدعواتِ رَاح) // الوافر //
رَجَعَ إِلَى شعر ابْن الرُّومِي فَمِنْهُ قَوْله
(طامن حشاك فَلَا محالةِ وَاقع ... بِكَ مَا تُحبُّ منَ الأمورِ وتَكرهُ)
(وَإذا أتاكَ منَ الأمورِ مُقدْرٌ ... وهربتَ مِنهُ فنحوه تتَوَجَّه) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَوْله يهجو
(غضِبت وظلت من سفه وطيش ... تهزهز لحية فِي قدر رقش)
(فَمَا افْتَرَقت لغضبتك الثريا ... وَلَا اجْتمعت لذاك بَنَات نعش) // الوافر //
وَمِنْه قَوْله أَيْضا
(إِنْ كُنتَ مِن جهَل حَقي غَيْرَ معتذرٍ ... وكنتَ عنْ ردِّ مدحي غيرَ مُنقلب)
(فأعطِني ثمنَ الطِّرسِ الَّذِي كُتبتْ ... فِيهِ القصيدةُ أوْ كَفَّارَة الْكَذِب) // الْبَسِيط //
وَقد تبعه الْفَاضِل عَليّ بن مليك الْحَمَوِيّ وَأخذ غَالب أَلْفَاظه فَقَالَ
(مَدحتكمْ طَمَعا فِيما أؤملهُ ... فَلم أنلْ غيرَ حَظّ الْإِثْم والوصبِ)
(إِن لم تكن صِلةٌ مِنْكُم لذِي أدبِ ... فأجرةُ الْخط أَو كفارةُ الْكَذِب) // الْبَسِيط //
وَلابْن الرُّومِي فِي مثله
(رُدوا عَليّ صَحائفاً سودتها ... فِيكُم بِلا حقٍّ وَلَا اسْتِحْقَاق) // الْكَامِل //
وَقد سبق إِلَى هَذَا الْمَعْنى أَبُو تَمام بقوله فِي الْمطلب الْخُزَاعِيّ
(أقولُ عدْلاً فيكَ فِيمَا أرىَ ... إنكَ لَا تقبلُ قولَ الكذبْ)
стр. 111
(مَدحتكمْ كذبا فجَازيتنِي ... بُخلاً لقد أنصفتَ يَا مطلب) // السَّرِيع //
وَقَالَ ابْن زيدون
(قُل للوزيرِ وَقد قطعتُ بمدحه ... عُمري فكانَ السجنُ منهُ ثوابي)
(لَا تخش لائمتي بِما قدْ جئتهُ ... مِنْ ذاكَ فيَّ وَلَا تَوَقِّ عتابي)
(لَم تُخْطِ فِي أمرِي الصَّوابَ مَوفَّقاً ... هَذَا جزَاءُ الشَّاعِر الْكذَّاب) // الْكَامِل //
وَلابْن مليك وَقد مدح بعض رُؤَسَاء الْعَصْر بقصيدة فريدة فقوبلت بالحرمان
(قَالوا قَصيدكَ بالحرمانِ لِمْ رَجعَتْ ... باللهِ باللهِ خَبرنا عَن السببِ)
(فَقلتُ مَا قُوبلتْ بالمنعِ عنْ خَطإٍ ... إِلَّا لِكثرةِ مَا فِيهَا من الْكَذِب) // الْبَسِيط //
وَمن شعر أبن الرُّومِي يهجو إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَهُوَ قريب من هَذَا الْمَعْنى
(رَددتَ إليّ شِعري بَعدَ مَطلٍ ... وَقَدْ دنَّست مَلبسهُ الجديدَا)
(وَقلتَ امدحْ بهِ منْ شِئتَ بَعدِي ... وَمنْ ذَا يَقبلُ المدْحَ الرديدَا)
(وَلا سيمَا وَقدْ أعلقت فيهِ ... مَخازيكَ اللواتي لنْ تَبيدَا)
(وَهلْ للحيِّ فِي أثْوابِ مَيتٍ ... لَبوسٌ بَعدَ مَا امْتلأت صَديدَا) // الوافر //
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن وضاح فِي أبي الْوَلِيد بن مَالك وَقد قعد عَن بره
(أبلغْ لديْكَ المالِكيَّ رِسالةً ... مَشحوذةٌ مِثلَ السِّنانِ اللهَّذِم)
(ألبِسْتَ أمدَاحي كأزهارِ الرُّبا ... وجزيتني بقطيعة وتجهم)
(فارْددْ عليِّ مَدائحي مَوفورةً ... هذَا السِّوار لِغير ذاكَ المِعصَمِ) // الْكَامِل //
ولطيف قَول أبي المظفر الأبيوردي
(وَمدائحِ تحكي الرِّياضَ أضعتها ... فِي باخل أعْيَتْ بهِ الأحسابُ)
(فَإِذا تناشدها الروَاة وأبْصرُوا الممدوحَ ... قَالُوا سَاحر كَذَّاب) // الْكَامِل //
стр. 112
وَقَول أبي بكر بن مجير الأندلسي
(وَقائلةٍ تقُول وَقدْ رأتني ... أُقاسِي الجدْبَ فِي المرْعى الخصيبِ)
(أَما عَطف الفقيهُ وَأنتَ تشكوُ ... لهُ شَكوى العليل إِلَى الطَّبيب)
(وَقدْ مَرَّ الثناءُ بمعطفيهِ ... كَمَا مر النسيمُ على القضيبِ)
(فَقلتُ عليَّ شُكرٌ وامتداحٌ ... وليسَ عليَّ تقليب الْقُلُوب) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول بشار وَكَانَ قد مدح الْمهْدي بقصيدة فحرمه الثَّوَاب فَقيل لَهُ حَرمك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ وَالله لقد مدحته بِشعر لَو مدح بِهِ الدَّهْر مَا خشِي صرفه على أحد ولكنني كذبت فِي الْعَمَل فَكَذبت فِي الأمل
ولطيف قَول ابْن جكينا الْبَغْدَادِيّ
(تَفضلوا وَاعْذروهُ فِي مُماطلتي ... أَنا أحقُّ وحقِّ اللهِ مَنْ عتبا)
(وَلَا تَلوموهُ فِي وَعدٍ يُرددُهُ ... فِي وَقتٍ مدحي لَهُ عَلَّمتُهُ الكذبا) // الْبَسِيط //
وَلابْن جكينا الْمَذْكُور يعْتَذر عَن بخل الممدوحين لغَرَض عرض لَهُ
(قدْ بانَ لي عُذْرُ الْكِرَام فصدّهم ... عَنْ أَكثر الشعَرَاء ليسَ بِعارِ)
(لم يسأموا بَذْلَ النوال وإنَّما ... جمَدَ الندى لبرودة الْأَشْعَار) // الْكَامِل //
وَقَالَ بَعضهم فِي تمهيد عذر الهجائين
(تدانتْ طُرُقُ اليأسِ ... فَطالتْ طُرقُ النُّجْح)
(وأجدي مكسبُ الغشِّ ... فأكدى مكسبُ النصح)
стр. 113
(وكانَ الإثمُ فِي الهجوِ ... فصارَ الإثمُ فِي الْمَدْح) // الهزج //
وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول ابْن جحظة
(تساوى الناسُ فِي فِعْلَ المساوِي ... فمَا يستحسنونَ سوىَ الْقَبِيح)
(وصَارَ الجودُ عندهمُ جُنوناً ... فمَا يستعقلونَ سِوَى الشحيح)
(وَكانوا يَهربونَ مِنَ الأهاجِي ... فصاروا يَهربونَ مِنَ المديح) // الوافر //
وَمِنْه قَول الآخر
(كانَ الكرامُ وَأبناءُ الْكِرَام إِذا ... تسامعُوا بِكريمٍ مَسَّهُ عدمُ)
(تَسابقوا فَيواسيهِ أخُو كرم ... مِنهمْ وَيرجعُ بَاقيهمْ وَقدْ نَدموا)
(وَاليومَ لَا شكّ قَدْ صَارَ النَّدى سَفهاً ... وَينكرونَ عَلى الْمُعْطِي إِذا علمُوا) // الْبَسِيط //
ومدح أَبُو الْحُسَيْن بن الْفضل أحد الوزراء بمراكش وَكَانَ أَقرع فَلم يثبه فَقَالَ
(أهديتُ مَدحِي لِلوزير الَّذِي ... دَعا بِهِ المجدُ فلمْ يسمعِ)
(فَحامِلُ الشعرِ إليهِ كَمنْ ... يُهدِي بهِ مُشطاً إِلىَ أقرَعِ) // السَّرِيع //
وَمَا أحذق قَول أبي رياش فِي الْوَزير المهلبي وَقد مدحه وتأخرت صلته وَطَالَ تردده إِلَيْهِ
(وَقائلةٍ قدْ مَدْحتَ الوَزِيرَ ... وَهوَّ المؤملُ وَالمستماحُ)
(فَمَاذَا أفادكَ ذاكَ المدِيح ... وَهذا الغدوُّ وَهذا الرواحُ)
(فَقلت لهَا ليسَ يدْرِي امْرُؤ ... بِأي الأمورِ يَكونُ الصلاحُ)
стр. 114
(عَليَّ التقلُّب وَالاضطرابُ ... بجهدِي وَليسَ علَى النجاح) // المتقارب //
وَهُوَ قريب من معنى أَبْيَات ابْن مجير السَّابِقَة قَرِيبا
وَلابْن الرُّومِي فِي ذمّ الخضاب وَهُوَ من مَعَانِيه المخترعة
(إِذا رَئمَ المرءُ الشبابَ وَأخلقتْ ... شَبيبتهُ ظَنَّ السوادَ خِضابَا)
(وَكيفَ يَظنُّ الشيْخُ أنَّ خِضابَه ... يُظن سَواداً أَو يخالُ شبَابًا) // الطَّوِيل //
وَقد ذكرت بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ اعتذار عَبْدَانِ الْمَعْرُوف بالحوزي عَن الخضاب وَهُوَ أحسن شَيْء رَأَيْته فِي مَعْنَاهُ
(فِي مَشيبي شماتةٌ لِعداتي ... وَهوَ ناع منُغَّصٌ لِحَياتي)
(وَيعيبُ الخضابَ قومٌ وَفِيه ... ليَ أنْسٌ إِلَى حُضُور
(لَا وَمنْ يَعلمُ السَّرائرَ مِنِّي ... مَا بهِ رُمتُ خُلَّةَ الغاتيات)
(إِنما رُمتُ أَن ْأغيِّبَ عني ... مَا تُرينيهِ كلّ يَومٍ مِرَاتِي)
(هُوَ ناعٍ إليّ نَفسي وَمنْ ذَا ... سَرّه أنْ يَرَى وُجوهَ النُّعاةِ) // الْخَفِيف //
وعَلى ذكر عَبْدَانِ هَذَا فقد كَانَ مَعَ فَضله وجزالة شعره خَفِيف الْحَال متكلف الْمَعيشَة قَاعِدا تَحت قَول أبي الشيص
(لَيْسَ الْمقل عَن الزَّمَان براض ... ) // الْكَامِل //
стр. 115
وَهُوَ الْقَائِل
(قُلتُ للدَّهر مِنْ فُضوليَ قَولاً ... وَحداني عَليهِ طيبُ الْأَمَانِي)
(أترَاني بخلعةٍ أَنا أُحْبى ... ذَات يَوم وَفاخِرِ الحُمْلانِ)
(قالَ هيهاتَ أَنْت والنَّحسُ تربان ... وَقدْ كنتما رَضيعَيْ لِبانِ)
(لَا تُؤملْ رُكوب شَيء سِوَى النعشِ ... ولَا خِلعةً سوى الأكفان ... ) // الْخَفِيف //
وَله من أَبْيَات
(يكلفني التَّصبر والتَّسلي ... وَهلْ يُسطاعُ إلَّا المُستطاعُ)
(وَقالوا قِسمة نَزلتْ بِعدلٍ ... فَقلنا لَيتهُ جور مشَاع) // الوافر //
وَكَانَ أَبُو الْعَلَاء الْأَسدي عرضه لأهاجيه فَمن ملحه فِيهِ قَوْله
(أَبا الْعَلَاء اسْكتْ وَلَا تُؤذَنا ... بِشينٍ هَذا النسبِ الباردِ)
(وَتدَّعِي مِنْ أسدٍ نِسْبَة ... لَا تثبُت الدَّعْوَى بِلَا شَاهدِ)
(أَقمْ لنا وَالِدَة أَولا ... وَأنتَ فِي حِل من الْوَالِد) // السَّرِيع //
وَقَوله أَيْضا
(قابْل هُدِيتَ أَبَا الْعَلَاء نصيحتي ... بِقبولها وبواجب الشُّكْر)
(لَا تهجونَّ أسنَّ مِنْك فَرُبمَا ... تهَجو أباكَ وأنتَ لَا تدرِي) // الْكَامِل //
وَقَوله
(أَضحىَ الملومُ أبَا العلاءِ يَسبنِي ... وأنَا أبوهُ يَعقني وَيعادِي)
(وَالمنتمونَ إليهِ مِنْ أولادهِ ... الله يَعلمُ أَنهم أَوْلَادِي) // الْكَامِل //
ولنرجع إِلَى شعر ابْن الرُّومِي
قَالَ فِي بَغْدَاد وَقد غَابَ عَنْهَا فِي بعض أَسْفَاره وَهُوَ معنى جيد
(بلد صَحبتُ بهَا الشبيبة والصبَا ... وَلبستُ ثَوبَ اللَّهْو وَهوَ جَديدُ)
стр. 116
(فإِذا تَمثَّلَ فِي الضميرِ رَأيتهُ ... وَعَلِيهِ أغصانُ الشبابِ تميدُ)
ومحاسنه كَثِيرَة وديوان شعره رتبه الصولي على الْحُرُوف وَكَانَ كثير التطير جدا وَله فِيهِ أَخْبَار غَرِيبَة وَكَانَ أَصْحَابه يعبثون بِهِ فيرسلون إِلَيْهِ من يتطير من اسْمه فَلَا يخرج من بَيته أصلا وَيمْتَنع من التَّصَرُّف سَائِر يَوْمه وَأرْسل إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه يَوْمًا بِغُلَام حسن الصُّورَة اسْمه حسن فطرق الْبَاب عَلَيْهِ فَقَالَ من قَالَ حسن فتفاءل بِهِ وَخرج وَإِذا على بَاب دَاره حَانُوت خياط قد صلب عَلَيْهَا درفتين كَهَيئَةِ اللَّام ألف وَرَأى تحتهَا نوى تمر فتطير وَقَالَ هَذَا يُشِير بِأَن لَا تمر وَرجع وَلم يذهب مَعَه
وَكَانَ الْأَخْفَش عَليّ بن سُلَيْمَان قد تولع بِهِ فَكَانَ يقرع عَلَيْهِ الْبَاب إِذا أصبح فَإِذا قَالَ من القارع قَالَ مرّة بن حَنْظَلَة وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْمَاء الَّتِي يتطير بذكرها فَيحْبس نَفسه فِي بَيته وَلَا يخرج يَوْمه أجمع فَكتب إِلَيْهِ ينهاه ويتوعده بالهجاء فَقَالَ
(قثولوا لِنحوِّينَا أبي حَسنٍ ... إنّ حُسامِي مَتى ضَربتُ مَضى)
(وَإِنّ نَبلِي إِذا هَممتُ بِهِ ... أرْمي غَدا نَصلها بجمر غَضا)
(لَا تحسبنَّ الهجاء يَخمده الرفعُ ... ولَا خَفضُ خافض خفَضا) // المنسرح //
وَمِنْه
(عِندي لهُ السَّوْطُ إِن تَلاءمَ فِي السّير ... وَعندِي اللِّجامُ إنْ رَكضا)
وَكَانَ الْوَزير الْقَاسِم بن عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب وَزِير المعتضد يخَاف
стр. 117
هجوه وفلتات لِسَانه فَدس عَلَيْهِ ابْن فراس فأطعمه خشكنانجة مَسْمُومَة فَلَمَّا أكلهَا أحس بالسم فَقَامَ فَقَالَ لَهُ الْوَزير إِلَى أَيْن تذْهب فَقَالَ إِلَى الْموضع الَّذِي بعثت بِي إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سلم على وَالِدي فَقَالَ لَيْسَ طريقي على النَّار وَخرج من مَجْلِسه وأتى منزله وَأقَام أَيَّامًا وَمَات
وَكَانَ الطَّبِيب يتَرَدَّد إِلَيْهِ ويعالجه بالأدوية النافعة للسم فَزعم أَنه غلط عَلَيْهِ فِي بعض العقاقير قَالَ نفطويه النَّحْوِيّ رَأَيْت ابْن الرُّومِي وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَقلت مَا حالك فَأَنْشد
(غَلطَ الطَّبيبُ عليَّ غَلطةَ مُوردٍ ... عَجزتْ مَواردُهُ عنِ الإِصدار)
(والنَّاسُ يَلْحَوْنَ الطبيبَ وَإِنَّمَا ... غَلطُ الطبيبِ إِصَابَة الأقدار) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الناحم الشَّاعِر دخلت على ابْن الرُّومِي أعوده فَوَجَدته يجود بِنَفسِهِ فَلَمَّا قُمْت من عِنْده قَالَ
(أَبا عُثْمَان أنتَ حَمِيدُ قَوِمكْ ... وَجُودُكَ للعشيرة دون لُؤمِكْ)
(تَزود من أخيكَ فَلَا أرَاهُ ... يَراكَ وَلَا نرَاهُ بعد يَوْمك) // الوافر //
وَكَانَت وِلَادَته بِبَغْدَاد بعد طُلُوع فجر يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين خلتا من رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَقيل أَربع وَثَمَانِينَ وَقيل وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَدفن فِي مَقْبرَة بَاب الْبُسْتَان رَحمَه الله
стр. 118
١٩ - (أَولَئِكَ آبَائِي فَجِئنِي بِمِثْلِهمْ ... إِذَا جَمَعتنا يَا جَريرُ المجَامعُ)
الْبَيْت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل يفتخر بهَا على جرير أَولهَا
(مِنَّا الَّذِي اختيرَ الرِّجالَ سماحَةً ... وَخيراً إِذَا هَبَّ الرِّياحُ الزعازع)
(وَمنا الَّذِي أعْطَى الرَّسولُ عَطيَّةً ... أُسَارَى تَمِيم والعُيون دَوامُع)
(وَمنا الَّذِي يُعطي المِئينَ وَيشَتْري الغَوالي ويعَلو فضْلهُ مَنْ يُدافِعُ ... )
(وَمنا خَطيبٌ لَا يعابُ وحاملٌ ... أغَرُّ إِذا التفَّتْ عَلَيْهِ المجامِعُ)
(وَمنا الَّذِي أحْيا الوَئِيدَ وَغالِبٌ ... وَعَمْرو وَمنا حاجِبٌ والأقارع)
(وَمنا غَدَاة الروع فتيَان غَارة ... إِذا امْتنعت بعد الزّجاج الأشاجع)
(وَمنا الَّذِي قاد الجيَاد على الوجى ... لِنَجران حَتَّى صبَّحتُه الترائع) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة
وَمعنى الْبَيْت التَّعْجِيز لِأَنَّهُ قد تحقق عِنْده أَن لَيْسَ للمخاطب مثل آبَائِهِ
стр. 119
وَالشَّاهِد فِيهِ إِيرَاد الْمسند إِلَيْهِ اسْم إِشَارَة للتعريض بغباوة السَّامع حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يدْرك غير المحسوس وَذَلِكَ ظَاهر فِي الْبَيْت
٢٠ - (هَوَاي مَع الركبِ اليمانينَ مُصعِدْ ... )
قَائِله جَعْفَر بن علبة من أَبْيَات من الطَّوِيل قَالَهَا وَهُوَ مسجون وَتَمَامه (جَنيبٌ وَجُثْماني بِمَكة مُوثَقُ ... )
والأبيات
(عَجبتُ لِمسراها وأنَّي تخلصتْ ... إليَّ وبابُ السجْن بالقُفْل مُغلقُ)
(ألمتْ فحّيتْ ثمَّ ولت فودعتْ ... فَلَمَّا تولَّتْ كَادَت النفسُ تَزهقُ)
(فَلا تحسبي أنِّي تخشَّعتُ بَعدكمْ ... لِشيء وَلَا أنِّي مِنَ الموتِ أفرقُ)
(وَلا أنّ قلبِي يَزدهيه وَعيدُكمْ ... وَلا أنني بِالْمَشْيِ فِي القَيد أخرقُ)
(وَلكنْ عَرَتْني من هواكِ ضمانة ... كَمَا كنتُ ألْقى منكِ إِذْ أَنا مُطلق) // الطَّوِيل //
والركب ركبان الْإِبِل اسْم جمع أَو جمع وهم الْعشْرَة فَصَاعِدا وَقد يكون
стр. 120
للخيل وَيجمع على أركب وركوب والأركوب بِالضَّمِّ أَكثر من الركب وَالركبَة محركة أقل ومصعد من أصعد أَي ذهب فِي الأَرْض وَأبْعد وجنيب أَي مجنوب مستتبع والجثمان الْجِسْم والشخص والجسمان جمَاعَة الْبدن والأعضاء من النَّاس وَسَائِر الْأَنْوَاع الْعَظِيمَة الْخلق وَذكر الْخَلِيل أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد والموثق الْمُقَيد
وَالْمعْنَى فِيهِ هواي منضم إِلَى ركبان الْإِبِل القاصدين إِلَى الْيمن لكَون الحبيب مَعَهم وبدني مأسور مُقَيّد بِمَكَّة
وَالشَّاهِد فِيهِ تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ بإضافته إِلَى شَيْء من المعارف إِذْ هِيَ أخصر طَرِيق إِلَى إِحْضَاره فِي ذهن السَّامع وَهُوَ فِي الْبَيْت قَوْله هواي أَي مهويي وَهُوَ أخصر من قَوْلهم الَّذِي أهواه أَو غير ذَلِك والاختصار مَطْلُوب لضيق الْمقَام وفرط السَّآمَة لكَونه فِي السجْن وحبيبه على الرحيل
وجعفر بن علبة هُوَ ابْن ربيعَة بن عبد يَغُوث بن مُعَاوِيَة بن صَلَاة بن المعقل بن كَعْب بن الْحَرْث بن كَعْب ويكنى أَبَا عَارِم وعارم ابْن لَهُ وَقد ذكره فِي شعره وَهُوَ من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية شَاعِر مقل غزل فَارس مَذْكُور فِي فوارس قومه وَكَانَ أَبوهُ علبة بن ربيعَة شَاعِرًا أَيْضا وَمَات جَعْفَر هَذَا مقتولاً فِي قصاص أختلف فِي سَببه
فَقيل إِن جَعْفَر بن علبة وَعلي بن جعدب الْحَارِثِيّ القناني وَالنضْر بن مضَارب المعاوي خَرجُوا فَأَغَارُوا على بني عقيل وَإِن بني عقيل خَرجُوا فِي طَلَبهمْ وافترقوا عَلَيْهِم فِي الطّرق وَوَضَعُوا عَلَيْهِم الأرصاد فِي المضايق فَكَانُوا كلما
стр. 121
أفلتوا من عصبَة لقيتهم أُخْرَى حَتَّى انْتَهوا إِلَى بِلَاد بني نهد فَرَجَعت عَنْهُم بَنو عقيل وَقد كَانُوا قتلوا فيهم فاستعدت عَلَيْهِم بَنو عقيل السّري بن عبد الله الْهَاشِمِي عَامل مَكَّة لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَأرْسل إِلَى أَبِيه علبة بن ربيعَة فَأَخذه بهم وحبسه حَتَّى دفعهم وَسَائِر من كَانَ مَعَهم إِلَيْهِ فَأَما النَّضر فاستقيد مِنْهُ بجراحة وَأما عَليّ بن جعدب فَأَفلَت من السجْن وَأما جَعْفَر بن علبة فأقامت عَلَيْهِ بَنو عقيل قسَامَة أَنه قتل صَاحبهمْ فَقتل بِهِ
وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَن الَّذِي أثار الْحَرْب بَين جَعْفَر بن علبة وَبني عقيل أَن إِيَاس بن يزِيد الْحَارِثِيّ وَإِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْعقيلِيّ اجْتمعَا عِنْد أمة لشعيب ابْن صَامت الْحَارِثِيّ وَهِي فِي إبل لمولاها فِي مَوضِع يُقَال لَهُ صمعر من بِلَاد بلحرث فتحدثا عِنْدهَا فمالت إِلَى الْعقيلِيّ فدخلتهما مؤاسفة حَتَّى تخانقا بالعمائم فَانْقَطَعت عِمَامَة الْحَارِثِيّ وخنقته الْعقيلِيّ حَتَّى صرعه ثمَّ تفَرقا وَجَاء العقيليون إِلَى الحارثيين فحكموهم فوهبوا لَهُم ثمَّ بَلغهُمْ بَيت قيل وَهُوَ
(ألم تَسألِ العبدَ الزِّيادي مَا رَأَى ... بِصَمْعَرَ والعبدُ الزيَادي قَائِم) // الطَّوِيل //
فَغَضب إِيَاس من ذَلِك فلقي هُوَ وَابْن عَمه النَّضر بن مضَارب ذَلِك الْعقيلِيّ وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد فَشَجَّهُ شجتين وخنقه فَصَارَ الحارثيون إِلَى العقيليين فحكموهم فوهبوا لَهُم ثمَّ لقى العقيليون جَعْفَر بن علبة الْحَارِثِيّ فَأَخَذُوهُ فضربوه وخنقوه وربطوه وقادوه طَويلا ثمَّ أَطْلقُوهُ فَبلغ ذَلِك إِيَاس بن زيد فَقَالَ يتوجع لجَعْفَر
стр. 122
(أَبَا عارِم كَيفَ اغتْررتَ وَلم تكن ... تَغَرُّ إِذا مَا كَانَ أمرٌ تحاذره)
(فَلا صُلْحَ حَتَّى يخفِقَ السَّيفُ خفقةً ... بكفِّ فَتى جرَّت عَلَيْهِ جرائره) // الطَّوِيل //
ثمَّ إِن جَعْفَر بن علبة تَبِعَهُمْ هُوَ وَابْن أَخِيه جعدب وَالنضْر بن مضَارب وَإيَاس بن يزِيد فَلَقوا الْمهْدي بن عَاصِم وَكَعب بن مُحَمَّد بخبرة وَهُوَ مَوضِع بالقاعة فضربوهما ضربا مبرحاً ثمَّ انصرفوا فضلوا عَن الطَّرِيق فوجدوا العقيليين وهم تِسْعَة نفر فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل جَعْفَر بن علبة رجلا من عقيل يُقَال لَهُ خشينة فاستعدى العقيليون إِبْرَاهِيم بن هِشَام المَخْزُومِي عَامل مَكَّة فرع الحارثيين وهم أَرْبَعَة من نَجْرَان حَتَّى حَبسهم بِمَكَّة ثمَّ أفلت مِنْهُم رجل فَخرج هَارِبا فأحضرت عقيل قسَامَة حلفوا أَن جعفراً قتل صَاحبهمْ فأقاده إِبْرَاهِيم بن هِشَام وَقَالَ إِيَاس وَهُوَ مَحْبُوس الأبيات السَّابِقَة وَقَالَ لِأَخِيهِ يحرضه
(قلْ لأبِي عَوْنٍ إِذا مَا لقيتهُ ... ومِن دونه عَرْضُ الفلاةِ يحولُ)
(تَعلَّم وَعَدَّ الشكَّ أنِّي تشفُّني ... ثلاثةُ أحراسٍ مَعًا وكُبولُ)
(إِذا رُمتُ مشياً أَو تَبوأتُ مضجعاً ... تَبيتُ لَهَا فوقَ الكعاب صَليلُ)
(وَلَوْ بِكَ كَانَت لَا بتعثت مطيتي ... يَعودُ الحفا أخفْافهَا ويجوُلُ)
(إِلى العدلِ حَتى يَصدُر الأَمر مَصدرا ... وتَبرأ مِنكمْ قالةٌ وعُدولُ) // الطَّوِيل //
وَفِي رِوَايَة أَن جَعْفَر بن علبة كَانَ يزور نسَاء من عقيل بن كَعْب وَكَانُوا
стр. 123
متجاورين هم وَبَنُو الْحَرْث بن كَعْب فَأَخَذته عقيل فكشفوا دبر قَمِيصه وربطوه إِلَى جمته وضربوه بالسياط وكتفوه ثمَّ أَقبلُوا بِهِ وأدبروا على النسْوَة اللَّاتِي كَانَ يتحدث إلَيْهِنَّ على تِلْكَ السَّبِيل ليفظوهن ويفضحوه عِنْدهن فَقَالَ لَهُم يَا قوم لَا تَفعلُوا فَإِن هَذَا الْفِعْل مثلَة وَأَنا أَحْلف لكم بِمَا يثلج صدوركم أَن لَا أَزور بُيُوتكُمْ أبدا وَلَا ألجها فَلم يقبلُوا مِنْهُ فَقَالَ لَهُم فَإِن لم تَفعلُوا ذَلِك فحسبكم مَا قد مضى ومنوا على بالكف عني فَانِي أعده نعْمَة لكم ويداً لَا أكفرها أبدا أَو فاقتلوني وأريحوني فَأَكُون رجلا آذَى قومه فِي دَارهم فَقَتَلُوهُ فَلم يَفْعَلُوا وَجعلُوا يكشفون عَوْرَته بَين أَيدي النِّسَاء ويضربونه ويغرون بِهِ سفهاءهم حَتَّى شفوا أنفسهم مِنْهُ ثمَّ خلوا سَبيله فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى عَاد جَعْفَر وَمَعَهُ صاحبان لَهُ فَدفع رَاحِلَته حَتَّى أولجها الْبيُوت ثمَّ مضى فَلَمَّا كَانَ فِي نقرة من الرمل أَنَاخَ هُوَ وصاحباه وَكَانَت عقيل أقفى خلق الله للأثر فتبعوه حَتَّى انْتَهوا إِلَيْهِ وَإِلَى صَاحِبيهِ وَكَانَ العقيليون مغترين لَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم عَصا وَلَا سلَاح فَوَثَبَ عَلَيْهِم جَعْفَر وصاحباه بِالسُّيُوفِ فَقتلُوا مِنْهُم رجلا وجرحوا آخر وافترقوا فاستعدت عَلَيْهِم عقيل السّري بن عبد الله الْهَاشِمِي عَامل الْمَنْصُور على مَكَّة فأحضرهم وحبسهم وأقاد من الْجَارِح ودافع عَن جَعْفَر بن علبة وَكَانَ يحب أَن يدْرَأ عَنهُ الْحَد لخؤلة السفاح فِي بني الْحَرْث وَلِأَن أُخْت جَعْفَر كَانَت تَحت السّري بن عبد الله وَكَانَت حظية عِنْده إِلَى أَن أَقَامُوا عِنْده قسَامَة أَنه قتل صَاحبهمْ وتوعدوه بِالْخرُوجِ إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور والتظلم إِلَيْهِ فَحِينَئِذٍ دَعَا بِجَعْفَر فأقاد مِنْهُ وأفلت عَليّ بن جعدب من السجْن فهرب فَلَمَّا أخرج جَعْفَر للقود قَالَ
стр. 124
لَهُ غُلَام من قومه أسقيك شربة من مَاء بَارِد فَقَالَ اسْكُتْ لَا أم لَك إِنِّي إِذا لمهياف وَانْقطع شسع نَعله فَوقف فأصلحه فَقَالَ لَهُ رجل أما يشغلك عَن هَذَا مَا أَنْت فِيهِ فَقَالَ
(أشدُّ قَبالَ نَعلي أَن يراني ... عَدُوي للحوادث مستكينا) // الوافر //
وَكَانَ الَّذِي ضرب عنق جَعْفَر بن علبة نخبة بن كُلَيْب أَخُو الْمَجْنُون وَهُوَ أحد بني عَامر بن عقيل فَقَالَ فِي ذَلِك
(شَفي النفسَ مَا قَالَ ابنُ عُلبةَ جعفرٌ ... وقَوْلي لَهُ اصبر ليسَ يَنفعكَ الصَّبْر)
(هَوى رأسهُ من حيثُ كَانَ كَمَا هَوى ... عُقابٌ تَدلَّى طَالبا خانهُ الوكرُ)
(أبَا عَارم فينَا عُرامٌ وشِدّةٌ ... وبَسْطةُ أيمانِ سَواعدها شُعُْر)
(هُمُو ضَربوا بِالسَّيْفِ هَامَةَ جَعفرٍ ... وَلم يُنْجهِ برٌّ عَريضَ وَلَا بَحرْ)
(وقدناه قَود الْبِكر قَسراً وَعنوةً ... إِلَى الْقبر حَتَّى ضمّ أثوابه الْقَبْر) // الطَّوِيل //
وَقَالَ علبة يرثي ابْنه جعفرا
(لَممركَ إِنِّي يَومَ أسلمتُ جَعفراً ... وَأصحابه لِلموت لمَّا أقاتِل)
(لمجتنبٌ حُبّ المَّنايا وَإنِما ... يَهيجُ الْمنايا كلُّ حقٍّ وَباطل)
(فَراحَ بهمْ قَومٌ وَلا قَومَ عِندهمْ ... مُغللة أيديهمُ فِي السُّلَاسل)
(وَربٍّ أخٍ لي غابَ لَو كانَ شَاهدا ... رآهُ التّباليونَ لي غير خاذل) // الطَّوِيل //
وَقَالَ علية أَيْضا لامْرَأَته أم جَعْفَر قبل أَن يقتل جَعْفَر
(لَعمركِ إنَّ الَّليلَ يَا أمَّ جَعفرٍ ... عليَّ وَإِنْ عَللتنِي لَطويلُ)
стр. 125
(أحاذرُ أخْباراً مِنَ الْقَوْم قَدْ دَنتْ ... ورَجعةً أنْقاض لهنَّ دَلِيل) // الطَّوِيل //
فأجابته امْرَأَته فَقَالَت
(أَبا جَعفرٍ سَلَّمتَ لِلقومِ جعفراً ... فَمُتْ كمداً أَوْ عِشْ وأنْتَ ذليلٌ)
وَذكر شَدَّاد بن إِبْرَاهِيم أَن بِنْتا ليحيى بن زِيَاد الْحَارِثِيّ حضرت الْمَوْسِم فِي ذَلِك الْعَام لما قتل فكفنته واستجادت لَهُ الْكَفَن وبكته وَجَمِيع من كَانَ مَعهَا من جواريها وجعلن يندبنه بأبياته الَّتِي قَالَهَا قبل قَتله وَهِي
(أَحقّاً عبادَ الله أَنْ لَستُ رائياً ... صحارى والرياح بِنَجْد َالذوارِيا)
(وَلَا زَائِراً شم العرانينِ أنتْمى ... إِلَى عامرٍ يَحلْلنَ رَملاً معاليا)
(إِذا مَا أتيتَ الحارثيات فانعني ... لَهُنّ وَخبرّهُنّ أَن تَلاقِيا)
(وَقوُّد قُلوصِي بَينهُنَّ فَإِنَّهَا ... ستُبرد أكباداً وَتُبكي بَواكِيا)
(أوصيكم إِن مُتُّ يَوْمًا بِعارم ... لَيُغني شيَئاً أَو يكون مكانيا)
(وَلم أتَّرِكْ لي رِيبَة غيرَ أنني ... ودِدتُ مُعَاذاً كَانَ فِيمَن أتانيا) // الطَّوِيل //
أَرَادَ وددت أَن معَاذًا كَانَ أَتَانِي مَعَهم فَقتلته
فَقَالَ معَاذ يجِيبه عَنْهَا بعد قَتله ويخاطب أَبَاهُ ويعرض لَهُ أَنه قتل ظلما لأَنهم أَقَامُوا قسَامَة كَاذِبَة عَلَيْهِ حَتَّى قتل وَلم يَكُونُوا عرفُوا الْقَاتِل من الثَّلَاثَة بِعَيْنِه إِلَّا أَن غيظهم على جَعْفَر حملهمْ على أَن ادعوا الْقَتْل عَلَيْهِ
(أَبا جعفرٍ سَلَّم بِنَجرانَ واحتَسب ... أَبَا عَارِم والمسنَماتِ العواليا)
стр. 126
(وقود قَلُوصاً أتلف السيفُ رَبهَا ... بِغير دم فِي القَوم إِلَّا تماربا)
(إِذا ذَكرتْهُ مُعصرٌ حارثية ... جَرى دَمعُ عينيها على الخدِّ صافيا)
(فَلَا تَحْسبن الدَّين يَا عُلْبَ مُنسأ ... وَلَا الثَّائَرَ الحران يَنْسي التقاضِيا)
(سَنقتلُ مِنْكُم بالقَتيل ثَلَاثَة ... ونُغلي وَإِن كَانَت دمانا غَواليا)
(تَمَّنيتَ أَن تَلْقي مُعاذاً سَفاهة ... سَتلقى مُعاذاً والقضيبَ اليمانيا) // الطَّوِيل //
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ لما قتل جَعْفَر بن علبة قَامَ نسَاء الْحَيّ يبْكين عَلَيْهِ وَقَامَ أَبوهُ إِلَى كل نَاقَة وشَاة فَنحر أَوْلَادهَا وَأَلْقَاهَا بَين أيديها وَقَالَ ابكين مَعنا على جَعْفَر فَمَا زَالَت النوق ترغو والشياه تثغو وَالنِّسَاء يصحن ويبكين وَهُوَ يبكي مَعَهُنَّ فَمَا رُؤِيَ يَوْم أوجع وأحرق مأتماً فِي الْعَرَب من يَوْمئِذٍ
٢١ - (لَهُ حاجبٌ عَنْ كل أمرٍ يَشينهُ ... وَليسَ لهُ عَنْ طالبِ العُرفِ حاجبُ)
الْبَيْت لِابْنِ أبي السمط من أَبْيَات من الطَّوِيل مِنْهَا
(فَتىً لَا يُبالي المدْلجونَ بنورِه ... إِلَى بابِهِ أَن لَا تُضيءَ الكواكبُ)
(يصمّ عَن الْفَحْشَاء حَتَّى كَأَنَّهُ ... إِذا ذُكِرَتْ فِي مَجلِس الْقَوْم غَائِب) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِيهِ تنكير الْحَاجِب الأول للتعظيم وَالثَّانِي للتحقير أَي لَيْسَ لَهُ حَاجِب حقير فَكيف بالعظيم وَمثله قَول الشَّاعِر
(وَللَّه مِني جانبٌ لَا أضيعُهُ ... وللَّهوِ مني والخلاعة جاجب) // الطَّوِيل //
وَابْن أبي السمط
стр. 127
٢٢ - (الأَلمعيُّ الَّذِي يَظنُّ بك الظنَّ كأنْ قد رأى وَقد سمِعَا ... )
الْبَيْت لأوس بن حجر من قصيدة من المنسرح قَالَهَا فِي فضَالة بن كلدة يمدحه بهَا فِي حَيَاته ويرثيه بعد وَفَاته أَولهَا
(أيَّتها النَّفسُ أجْملِي جَزعا ... إِنَّ الَّذِي تحذرينَ قَدْ وَقعا)
(إِنَّ الَّذِي جَمَّع السَّماحةَ والنَّجدةَ وَالبرَّ وَالتُّقى جُمَعا ... ) // المنسرح //
وَبعد الْبَيْت وَبعده
(المُخلفَ المُتلفَ المُرزَّأ لمْ ... يَمنعُ بِضعفٍ وَلم يَمتْ طَبعا)
(والحافظَ النَّاسَ فِي تحوطَ إِذا ... لمْ يُرسلوا تحتَ عَائِذ رُبعا)
(وَعزتِ الشمألُ الرِّياحَ وقدْ ... أَمْسَى كميع الْقَنَاة فلتفا) // المنسرح //
الألمعي واليلمعي الذكي المتوقد ذكاء وَسُئِلَ الْأَصْمَعِي عَن معنى الألمعي فَأَنْشد
стр. 128
الْبَيْت وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَهُوَ إِمَّا مَرْفُوع خبر إِن أَو مَنْصُوب صفة لاسمها أَو بِتَقْدِير أَعنِي وخبرها فِي قَوْله بعد أَبْيَات
(أوْدَى فَمَا تَنفعُ الإِشاحةُ مِنْ ... أَمْرٍ لمنْ قَدْ يُحاولُ البِدَعا)
وَالشَّاهِد فِيهِ كَون جملَة قَوْله الَّذِي يظنّ بك الظَّن وَصفا كاشفاً عَن معنى الألمعي لَا كَونه وَصفا للمسند إِلَيْهِ
وَبَيت أَوْس هَذَا تداول مَعْنَاهُ الشُّعَرَاء قَالَ أَبُو تَمام
(ولذاك قيل مِنَ الظنونِ جِبلةً ... عِلْمٌ وَفِي بعض القلوبِ عُيُون) // الْكَامِل //
وَقَالَ المتنبي
(مَاضي الجَنَانِ يُريهِ الحزمُ قبل غدٍ ... بِقلبهِ مَا ترى عَيناهُ بعد غدِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَيْضا
(ذكيٌّ تظنِّيهِ طليعةُ عينهِ ... يَرى قَلبهُ فِي يومهِ مَا يرى غَدا) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَيْضا
(وَيعرفُ الأمرَ قَبلَ موقعهِ ... فمالهُ بعْد فغله نَدم) // المنسرح // وَقَالَ أَيْضا
(مُستنبطٌ من علمه مَا فِي غَد ... فكأنَّ مَا سيكونُ فِيهِ دونا) // الْكَامِل //
وَهَذَا الْمَعْنى يقرب مِنْهُ قَول أبي نواس
(مَا تنطوي عَنهُ القلوبُ بنجوةٍ ... إِلَاّ تُحدِّثهُ بِهِ العينانِ) // الْكَامِل //
(وَقَول عَليّ بن الْخَلِيل
(كَلَّمني لحظُكَ عَن كلِّ مَا ... أضمرهُ قلبُكَ من غدِر) // السَّرِيع //
وَقَول الخليع
стр. 129
(أما تقرأُ فِي عينيَّ عُنوانَ الَّذِي عِنْدِي ... ) // الهزج //
وَقد سبق إِلَيْهِ المتقدمون قَالَ الثَّقَفِيّ
(تُخَبِّرُني العينانِ مَا القلبُ كاتمٌ ... وَلَا حُبَّ بالبغضاءِ وَالنَّظَر الشزر) // الطَّوِيل //
وَقَالَ يزِيد بن الحكم الثَّقَفِيّ
(تُكاشِرُني كرْهاً كَأَنَّك نَاصح ... وعينكَ تُبدي أنَّ قلبكَ لي دوِي) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَوْله بعده
(عَدُوِّيَ يَخشى صَولتي إِن لقيتهُ ... وأنتَ عَدُوِّي لَيْسَ هَذَا بُمستوي)
(تُصافحُ مَنْ لاقَيتَه ذَا عَدَاوَة ... صفاحا وعني بينَ عَيْنَيْك مُنْزَوِي)
وَقَالَ المتنبي فِي مَعْنَاهُ
(تُخفِي العداوةَ وَهِي غيرُ خفيةٍ ... نَظرُ العدوُّ بِمَا أسرّ يبوح) // الْكَامِل //
وَقَالَ غَيره
(عَيناكَ قد دلَّتا عينيَّ مِنْك على ... أَشْيَاء لَوْلَا هما مَا كنتُ أدُّرِيها)
(والعينُ تعلمُ من عَيْنَيْ محدِّثِها ... إِن كَانَ من حِزْبِها أَو من أعاديها) // الْبَسِيط //
ولمؤلفه من أَبْيَات
(ويُظهُر وُداً تشهدُ العينُ زُوَرهُ ... وَيَقْضِي بِذَاكَ القلبُ وَالْقلب اخبر) // الطَّوِيل //
وَله فِي مَعْنَاهُ
(من كَانَ فِي لُقياهُ لَا يتودَّدُ ... فَأَنا الَّذِي فِي وُدِّهِ أَتَردّدُ)
(فالقلْبُ عَما قد أجنَّ ضَميرُهُ ... لصديقهِ عِندَ التلاقي يُرشدُ)
(وإِذا خَفِي حالٌ وأشكل أمرُه ... فالعينُ تُخبر بالخفي وَتشهد) // الْكَامِل //
стр. 130
وَمَا أحسن قَول أبي نصر بن نَبَاته
(أَلا إنّ عينَ الْمَرْء عُنوانُ قلبهِ ... تُخِّبرُ عَن أسرارِه شَاءَ أمْ أبىَ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول عمَارَة بن عقيل
(تُبدي لَك العينُ مَا فِي نَفسِ صَاحبهَا ... مِن الشَّناءةِ والْوُدّ الذَّي كَانَا)
(إنَّ البغيضَ لهُ عينٌ يَصُدُّ بهَا ... لَا يستطيعُ لِما فِي القلبِ كِتْمَانا)
(وعينُ ذِي الوُدِّ لَا تنفكُّ مقبلةً ... تَرى لَهَا محجراً بَشّاً وإِنسانا)
(وَالعينُ تنطقُ والأفواهُ صامتةٌ ... حَتَّى ترى من ضمير الْقلب تِبيانا) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(تُريكَ أعينُهُم مَا فِي صُدُورهمْ ... إِن الصُّدور يُؤَدِّي غَيبَها الْبَصَر) // الْبَسِيط //
وَقَول الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب الأندلس
(تَمَيَّزُ البغضَ فِي الألفاظِ إِن نطقوا ... وتعرفُ الحقدَّ فِي الألحاظِ إِن نظرُوا) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(ستُبدي لَك العينان فِي اللحظ مَا الَّذِي ... يُجنُّ ضميرُ المرءِ والعينُ تَصدُقُ) // الطَّوِيل //
وَقَول مُحَمَّد بن أيدمر صَاحب كتاب الدّرّ الفريد
(صديقُك مِن عَدوك لَيْسَ يخفي ... وعنوانُ الدعاوَى فِي الْعُيُون)
(تُخبرُك العيونُ بِمَا أجَنَّتُ ... ضمائرها من السِّرّ المصون) // الوافر //
وَقَول مُحَمَّد بن شبْل من قصيدة
(فالعينُ تقْرَأ من لِحاظِ جليسها ... مَا خُطَّ مِنه فِي ضمير الخاطرِ)
(وَلكم قُطوبٍ عَن وِدادِ خالصٍ ... وتبسمٍ عَن غل صدرٍ واغرِ) // الْكَامِل //
стр. 131
وَمَا أحسن قَوْله فِيهَا
(مَا إِن أريدُ بصدقِ قولي شَاهدا ... حسبي بِسرِّك عَالما بسرائرِي)
(وَإِذا تعارفَت القلوبُ تألفت ... ويصُدّ مِنْهَا نافرٌ عَن نافِرِ)
(فَتَوَقّ منْ يأباه قلبْك إنَّهُ ... سيَبْينُ باطنُه بأمرٍ ظاهرِ)
وَقَول الْعَيْنِيّ
(كَأَنَّك مُطَّلعٌ فِي القلوبِ ... إِذا مَا تناجتْ بأسرارِها)
(فكرَّاتُ طرْفِكَ مُرْتَدَةٌ ... إِلَيْك بغامض أَخْبَارهَا) // المتقارب //
وَمثله قَول المتنبي
(كَأنك ناظرٌ فِي كل قلبٍ ... فَمَا يخفى عَلَيْك محلُّ غاش) // الوافر //
وَقد قَالَ مُضرس بن ربعي فِي عكس ذَلِك
(كَأن على ذِي الظَّن عينا بَصِيرَة ... بمنطقهِ أَو منظرٍ هُوَ ناظرُه)
(يحاذِر حَتَّى يحسَبَ الناسَ كلهُمْ ... من الخوفِ لَا تخفى عَلَيْهِم سرائره) // الطَّوِيل //
وبديع قَول المتنبي فِي معنى مَا سبق
(ووكل الظنَّ بالأسرارِ فَانْكَشَفَتْ ... لَهُ ضمائر أهل السهلِ والجبلِ) // الْبَسِيط //
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الأول وَإِنَّمَا فرق بَينهمَا أَن ذَلِك فِي العواقب وَهَذَا فِي الْأَسْرَار والضمائر وَالْمرَاد مِنْهُمَا صِحَة الحدس وجودة الظَّن
وبديع قَول الآخر فِي مَعْنَاهُ
(كَأَنَّمَا رأيهُ فِي كل مُشْكلة ... عينٌ على كل مَا يخفى ويستتر) // الْبَسِيط //
وَأَوْس بن حجرٍ هَذَا هُوَ ابْن مَالك بن حزن بن عقيل بن خلف بن نمير
стр. 132
يَنْتَهِي نسبه لتميم بن مرّة مَعَ اخْتِلَاف فِيهِ وَكَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفحولها وَعَن أبي عَمْرو قَالَ كَانَ أَوْس بن حجر شَاعِر مُضر حَتَّى أسْقطه النَّابِغَة وَزُهَيْر فَهُوَ شَاعِر بني تَمِيم فِي الْجَاهِلِيَّة غير مدافع وَقَالَ الْأَصْمَعِي أَوْس أشعر من زُهَيْر وَلَكِن النَّابِغَة طاطأ مِنْهُ قَالَ أَوْس
(ترى الأرضَ مِنَّا بالفضاءِ مَرِيضَة ... مُعَضِّلةً مِنَّا بجميعِ عَرَمْرَمِ) // الطَّوِيل // وَقَالَ النَّابِغَة
(جيشٌ يَظَلُّ بِهِ الفضاءُ مُعضّلاً ... يَدَعُ الإكامَ كأنهنّ صحارِي) // الْكَامِل //
فجَاء بِمَعْنَاهُ وَزَاد وَقَالَت الشُّعَرَاء فِي نفار النَّاقة وفزعها فَأَكْثَرت وَلم تعد ذكر الهر المقرون بهَا وَابْن آوى وَقَالَ أَوْس
(كأنَّ هرّاً جنيباً عِنْد غُرْضَتِها ... والتفَّ ديكٌ برجليها وخِنْزيرُ) // الطَّوِيل //
قَالُوا وَجمع ثَلَاثَة أَلْفَاظ أَعْجَمِيَّة فِي بَيت وَاحِد فَقَالَ
(وفارَقَت وهْيَ لم تَجْرَب وَبَاعَ لَهَا ... من الفَصَافِص بالنُّمِّيِّ سِفْسِيرُ)
الفصافص الرّطبَة وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ أسبست والنمي الْفُلُوس بالرومية والسفسير السمسار
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ أَوْس بن حجر غزلاً مغرماً بِالنسَاء فَخرج فِي سفر
стр. 133
حَتَّى إِذا كَانَ بِأَرْض بني أَسد بَين شرج وناظرة فَبينا هُوَ يسير ظلاماً إِذْ جالت بِهِ نَاقَته فصرعته فاندقت فَخذه فَبَاتَ مَكَانَهُ حَتَّى إِذا أصبح غَدَتْ جواري الْحَيّ يجتنين الكمأة وَغَيرهَا من نَبَات الأَرْض وَالنَّاس فِي ربيع فَبَيْنَمَا هن كَذَلِك إِذْ أبصرن نَاقَته تجول وَقد علق زمامها بشجرة وأبصرنه ملقى ففزعن مِنْهُ وهربن فَدَعَا بِجَارِيَة مِنْهُنَّ فَقَالَ لَهَا من أَنْت قَالَت أَنا حليمة بنت فضَالة بن كلدة وَكَانَت أصغرهن فَأَعْطَاهَا حجرا وَقَالَ لَهَا اذهبي إِلَى أَبِيك فَقولِي إِن ابْن هَذَا يُقْرِئك السَّلَام فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرته فَقَالَ يَا بنية لقد أتيت أَبَاك بمدح طَوِيل أَو هجاء طَوِيل ثمَّ احْتمل هُوَ وَأَهله حَتَّى بني عَلَيْهِ بَيْتا حَيْثُ صرع وَقَالَ لَا أتحول أبدا حَتَّى تَبرأ وَكَانَت حليمة تقوم عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَقل فَقَالَ أَوْس فِي ذَلِك
(خذلتَ عَليّ لَيْلَة ساهرة ... بصحراء شَرْج إِلَى نَاظرَهْ)
(تُزَادُ لياليَّ مِنْ طولهَا ... فليستْ بِطَلقٍ وَلَا شاكرهْ)
(أنُوءُ بِرجلٍ بهَا وهيْهُا ... وأعْيتْ بِها أخْتها العاثره) // المتقارب //
وَقَالَ فِي حليمة
(لَعمْرُك مَا ملَّتْ ثواء ثويها ... حليمة إِذْ أَلْقَت فِرَاشِي ومقعدي)
(ولكنْ تلقتْ باليدينِ ضمانتي ... ومل بشرج مالقبائل عودي)
(وَلَو تُلهها تِلْكَ التكاليفُ إنَّها ... كَمَا شِئتَ من أكرومةٍ وتخرد)
(سأجزيك أَو يجْزِيك عني مثوّب ... وقصرك أَن يثني عَلَيْك وتحمدي) // الطَّوِيل //
ثمَّ مَاتَ فضَالة بن كلدة وَكَانَ يكنى أَبَا دليجة فَقَالَ فِيهِ أَوْس يرثيه
(يَا عينُ لَا بدَّ منْ سكبٍ وتَهمال ... على فضالةَ جَلَ الرُّزءُ والعالي) // الْبَسِيط //
стр. 134
وَهِي طَوِيلَة وَله فِيهِ عدَّة قصائد وَمِمَّا يستجاد من شعره قَوْله
(وإنّي رأيتُ الناسَ إِلَّا أقلهمْ ... خفافَ العهود يُكثرون التنقلا)
(بَني أمِّ ذِي المالِ الْكثير يَرونهُ ... وَإِن كانَ عَبداً سَيدَ الْأَمر جحفلا)
(وهم لِمُقلّ المالِ أوْلادُ عَلَّةِ ... وَإِن كَانَ مَحْضاً فِي العمومةِ مُخْوِلا)
(وَلَيْسَ أَخُوك الدَّائِم الْعَهْد بِالَّذِي ... يَسوءك إِن ولّى ويرضيك مُقبلا)
(وَلَكِن أخوكَ النَّاِء مَا كنتَ آمِناً ... وصاحبُكَ الْأَدْنَى إِذا الْأَمر أعضلا) // الطَّوِيل //
ويستجاد لَهُ من هَذِه القصيدة قَوْله فِي السَّيْف
(كَأَن مَدَبَّ النَمل تَتَّبعُ الرُّبا ... ومَدْرَجَ ذَرٍّ خَافَ بَرْداً فأسْبَلا)
٢٣ - (والَّذِي حَارَتِ البريةُ فِيه ... حَيَوانٌ مُسْتَحدَثٌ من جَمَادِ)
الْبَيْت لأبي الْعَلَاء المعري من قصيدة من الْخَفِيف يرثي بهَا فَقِيها حنفياً أَولهَا
(غَيرُ مُجْدٍ فِي ملَّتي واعتقادي ... نَوحُ باكٍ وَلا ترنُّم شادي)
(وشبيهٌ صَوْتُ النَّعيُّ إِذا قيسَ بصوتِ البشير فِي كل نَادِي ... )
(أبكَتْ تلكمُ الْحَمَامَة أم غَنَّتْ عَلى فرع غُصنُها الميَّاد ... )
(صاحِ هدى قُبورُنا تملأُ الرُّحبَ فَأَيْنَ القُبورُ من عهَد عَاد ... )
(خَفِّفِ الْوَطْء مَا أَظن أَدِيم الأَرْض ... إِلَّا من هَذِه الأجْساد)
(وقَبيحٌ بِنَا وَإِن قَدُم العَهْدُ هَوانُ الآباءِ والأجداد)
(سِرْ إنِ اسْطَعْتَ فِي الْهَوَاء رُوَيداً ... لَا اخْتيالاً على رفات الْعباد)
(رُبَّ لحدٍ قد صارَ لحداً مرَارًا ... ضاحِكٍ من تَزاحُم الأضداد)
(وَدفينٍ عَليّ بقايا دفينٍ ... فِي طَوِيل الْأَزْمَان والآباد)
(فاسألِ الفَرقدين عَمَّن أحسَّا ... من قَبيلٍ وآنسا من بِلَاد)
стр. 135
(كم أَقَامَا على زَوالِ نَهارٍ ... وَأنارَا لِمُدلج فِي سَواد)
(تَعبٌ كلُّها الحَياةُ وَمَا أعْجبُ إِلَاّ مِنْ رَاغبٍ فِي ازْدياد ... )
(إنَّ حُزناً فِي ساعةِ الْمَوْت أَضْعَاف ... سُرورٍ فِي ساعةِ المِيلاد)
(خُلقَ النَّاسُ لِلبقاء فَضلَّتْ ... أمُةٌ يَحسبونهمْ لِلنفاد)
(إِنَّمَا ينقلون من دَار أَعمال ... إِلَى دَار شقوة أَو رشاد) // الْخَفِيف //
وَهِي طَوِيلَة وَمِنْهَا
(بانَ أمْر الإِلهِ وَاخْتلف النَّاس ... فَدَاعِ إِلَى ضَلَالٍ وَهادِي)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(فاللَّبيبُ اللَّبيبُ مَنْ لَيسَ يَغترُّ ... بِكونٍ مَصيرهُ لِلفسادِ)
يَقُول تحيرت الْبَريَّة فِي الْمعَاد الجسماني والنشور الَّذِي لَيْسَ بنفساني وَفِي أَن أبدان الْأَمْوَات كَيفَ تحيا من الرفات وَبَعْضهمْ يَقُول بِهِ وَبَعْضهمْ يُنكره وَبِهَذَا تبين أَن المُرَاد بِالْحَيَوَانِ المستحدث من الجماد لَيْسَ آدم ﵇ وَلَا نَاقَة صَالح وَلَا ثعبان مُوسَى ﵉ إِذْ لَا يُنَاسب السِّيَاق وَقَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد بن السَّيِّد البطليوسي حِين شرح سقط الزند فِي هَذَا الْبَيْت يُرِيد أَن الْجِسْم مواتٌ بطبعه وَإِنَّمَا يصير حساساً متحركاً باتصال النَّفس بِهِ فَإِذا فارقته عِنْد الْمَوْت عَاد إِلَى طبعه فالحياة للنَّفس جوهرية وللجسم عرضية فَلذَلِك يعْدم الْجِسْم الْحَيَاة إِذا فارقته النَّفس وَلَا تعدمها النَّفس
وَالشَّاهِد فِيهِ تَقْدِيم الْمسند إِلَيْهِ على الْمسند لتمكن الْخَبَر فِي ذهن السَّامع لِأَن فِي المبتدإ تشويقاً إِلَيْهِ
وَأَبُو الْعَلَاء هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن سُلَيْمَان المعري التنوخي من أهل
стр. 136
معرة النُّعْمَان الْعَالم الْمَشْهُور صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة ولد يَوْم الْجُمُعَة عِنْد مغيب الشَّمْس لثلاث بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلثمائة بالمعرة وجدر فِي السّنة الثَّالِثَة من عمره فَعميَ مِنْهُ وَكَانَ يَقُول لَا أعرف من الألوان إِلَّا الْأَحْمَر لِأَنِّي ألبست فِي الجدري ثوبا مصبوغاً بالعصفر لَا أَعقل غير ذَلِك
وَعَن ابْن غَرِيب الأيادي أَنه دخل مَعَ عَمه على أبي الْعَلَاء يزوره فَوَجَدَهُ قَاعِدا على سجادة لبد وَهُوَ شيخ فانٍ قَالَ فَدَعَا لي وَمسح على رَأْسِي قَالَ وَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ السَّاعَة وَإِلَى عَيْنَيْهِ إِحْدَاهمَا نادرة وَالْأُخْرَى غائرة جدا وَهُوَ مجدور الْوَجْه نحيف الْجِسْم
وَعَن المصِّيصِي الشَّاعِر قَالَ لقِيت بمعرة النُّعْمَان عجبا من الْعجب رَأَيْت أعمى شَاعِرًا ظريفاً يلْعَب بالشطرنج والنرد وَيدخل فِي كل فن من الْهزْل وَالْجد يكنى أَبَا الْعَلَاء وسمعته يَقُول أَنا أَحْمد الله على الْعَمى كَمَا يحمده غَيْرِي على الْبَصَر
وَهُوَ من بَيت علم وَفضل ورياسة لَهُ جمَاعَة من أَقَاربه قُضَاة وعلماء وشعراء قَالَ الشّعْر وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة ورحل إِلَى بَغْدَاد ثمَّ رَجَعَ إِلَى المعرة وَكَانَ رحيله إِلَيْهَا سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة وَأقَام بهَا سنة وَسَبْعَة أشهر وَدخل على المرتضى أبي الْقَاسِم فعثر برجلٍ فَقَالَ من هَذَا الْكَلْب فَقَالَ أَبُو الْعَلَاء الْكَلْب من لَا يعرف للكلب سبعين اسْما وسَمعه المرتضى وَأَدْنَاهُ واختبره فَوَجَدَهُ عَالما مشبعاً بالفطنة والذكاء فَأقبل عَلَيْهِ إقبالاً كثيرا وَله مَعَه نُكْتَة تَأتي فِي التلميح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 137
وَلما رَجَعَ المعري إِلَى بَلَده لزم بَيته وَسمي نَفسه رهين المحبسين يَعْنِي حبس نَفسه فِي منزله وَحبس بَصَره بالعمى
وَكَانَ عجيبا فِي الذكاء المفرط والحافظة ذكر تِلْمِيذه أَبُو زَكَرِيَّا التبريزي أَنه كَانَ قَاعِدا فِي مَسْجده بمعرة النُّعْمَان بَين يَدي أبي الْعَلَاء يقْرَأ شَيْئا من تصانيفه قَالَ وَكنت قد أَقمت عِنْده سِنِين وَلم أر أحدا من أهل بلدي فَدخل الْمَسْجِد بعض جيراننا للصَّلَاة فرأيته فعرفته وتغيرت من الْفَرح فَقَالَ لي أَبُو الْعَلَاء أَي شَيْء أَصَابَك فحكيت لَهُ أَنِّي رَأَيْت جاراً لي بعد أَن لم ألق أحدا من أهل بلدي سِنِين فَقَالَ لي قُم فَكَلمهُ فَقلت حَتَّى أتمم النسق فَقَالَ لي قُم وَأَنا انْتظر لَك فَقُمْت وكلمته بِلِسَان الأذربيجانية شَيْئا كثيرا إِلَى أَن سَأَلت عَن كل مَا أردْت فَلَمَّا رجعت وَقَعَدت بَين يَدَيْهِ قَالَ لي أَي لِسَان هَذَا قلت هَذَا لِسَان أذربيجان فَقَالَ لي مَا عرفت اللِّسَان وَلَا فهمته غير أَنِّي حفظت مَا قلتما ثمَّ أعَاد عَليّ اللَّفْظ بِعَيْنِه من غير أَن ينقص مِنْهُ أَو يزِيد عَلَيْهِ بل جَمِيع مَا قلت وَمَا قَالَ جاري فتعجبت غَايَة الْعجب من كَونه حفظ مَا لم يفهمهُ
وَلِلنَّاسِ حكايات يضعونها فِي عجائب ذكائه وَهِي مَشْهُورَة وغالبها مُسْتَحِيل وَكَانَ قد رَحل أَولا إِلَى طرابلس وَكَانَ بهَا خَزَائِن كتب مَوْقُوفَة فَأخذ مِنْهَا مَا أَخذ من الْعلم واجتاز باللاذقية وَنزل ديراً كَانَ بِهِ رَاهِب لَهُ علم بأقاويل الفلاسفة فَسمع كَلَامه فَحصل لَهُ شكوك وَكَانَ إطلاعه على اللُّغَة وشواهدها أمرا باهراً
وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي أمره وَالْأَكْثَرُونَ على إلحاده وإكفاره وَأورد لَهُ الرَّازِيّ فِي الْأَرْبَعين قَوْله
(قُلْتُمْ لنَا صَانعٌ قَديم ... قُلنا صَدقتمْ كَذَا تَقولُ)
(ثُمَّ زَعمتمْ بِلَا مَكانٍ ... وَلَا زَمانِ أَلَا فقَولوا)
стр. 138
(هذَا كلامٌ لَهُ خَبِئٌ ... مَعناهُ لَيستْ لنا عقول) // من مخلع الْبَسِيط //
ثمَّ قَالَ الرَّازِيّ وَقد هذي هَذَا فِي شعره وَقَالَ ياقوت كَانَ مُتَّهمًا فِي دينه يرى رَأْي البراهمة لَا يرى إِفْسَاد الصُّورَة وَلَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يُؤمن بالرسل وَلَا الْبَعْث وَلَا النشور انْتهى
وَمكث مُدَّة خمس وَأَرْبَعين سنة لَا يَأْكُل اللَّحْم تديناً وَلَا مَا تولد من الْحَيَوَان رَحْمَة لَهُ وخوفاً من إزهاق النُّفُوس وإِلى ذَلِك أَشَارَ عَليّ بن همام حِين رثاه فَقَالَ من قصيدة طَوِيلَة
(إِنْ كنتَ لم تُرِقِ الدِّمَاء زَهادةً ... فَلَقَد أرقْتَ اليومَ مِن عَيني دَما)
(سَيرتَ ذِكرك فِي الْبِلَاد كأنهُ ... مِسكٌ فسامِعةَ يُضَمِّخُ أَو فَمَا)
(وَأرى الحجيجَ إِذا أرادُوا لَيْلَة ... ذِكراكَ أوْجبَ فِديةً من أحرما) // الْكَامِل //
ولقيه رجل فَقَالَ لَهُ لم لم تَأْكُل اللَّحْم فَقَالَ أرْحم الْحَيَوَان قَالَ فَمَا تَقول فِي السبَاع الَّتِي لَا طَعَام لَهَا إِلَّا لُحُوم الْحَيَوَان فَإِن كَانَ كَذَلِك خَالق فَمَا أَنْت بأرأف مِنْهُ وَإِن كَانَت الطبائع المحدثة لذَلِك فَمَا أَنْت بأحذق مِنْهَا وَلَا أتقن فَسكت
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يُوسُف عبد السَّلَام الْقزْوِينِي قَالَ لي المعري لم أهج أحدا قطّ قلت لَهُ صدقت إِلَّا الْأَنْبِيَاء ﵈ فَتغير لَونه أَو قَالَ وَجهه
وَدخل عَلَيْهِ القَاضِي المنازي فَذكر لَهُ مَا يسمعهُ عَن النَّاس من الطعْن عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ مَالِي وَلِلنَّاسِ وَقد تركت دنياهم فَقَالَ لَهُ القَاضِي وأخراهم فَقَالَ
стр. 139
يَا قَاضِي وأخراهم وَجعل يكررها
وَعَن أبي زَكَرِيَّا الرَّازِيّ قَالَ قَالَ لي المعري مَا الَّذِي تعتقد فَقلت فِي نَفسِي الْيَوْم يتَبَيَّن لي اعْتِقَاده فَقلت لَهُ مَا أَنا إِلَّا شَاك فَقَالَ لي وَهَكَذَا شيخك
وَحكي عَن الشَّيْخ كَمَال الدّين الزملكاني أَنه قَالَ فِي حَقه هُوَ جَوْهَرَة جَاءَت إِلَى الْوُجُود وَذَهَبت
وَعَن الشَّيْخ فتح الدّين بن سيد النَّاس أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد كَانَ يَقُول فِي حَقه هُوَ فِي حيرة
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي وَهَذَا أحسن مَا يُقَال فِي أمره لِأَنَّهُ قَالَ
(خلق النَّاس للبقاء فَضلَّتْ ... أمُةٌ يَحسبونهمْ لِلنفاد)
(إِنَّمَا يُنقلونَ من دَار أَعمال ... إِلَى دَار شقوة أَو رشاد) // الْخَفِيف //
ثمَّ قَالَ
(ضَحكنا وَكَانَ الضِّحك مِنا سفاهةً ... وحقَّ لِسكانِ البسيطةِ أَن يَبكوا)
(تُحطِّمنا الأيامُ حتىَّ كأنَّنا ... زُجاج ولكنّ لَا يُعادُ لناسبك) // الطَّوِيل //
وَهَذِه الْأَشْيَاء كَثِيرَة فِي كَلَامه وَهُوَ تنَاقض مِنْهُ وإِلى الله ترجع الْأُمُور
قَالَ السلَفِي وَمِمَّا يدل على صِحَة عقيدته مَا سَمِعت الْحَافِظ الْخَطِيب حَامِد ابْن بختيار النميري يحدث بالسمسمانية مَدِينَة بالخابور قَالَ سَمِعت القَاضِي أَبَا الْمُهَذّب عبد الْمُنعم بن أَحْمد السرُوجِي يَقُول سَمِعت أخي القَاضِي أَبَا الْفَتْح يَقُول دخلت على أبي الْعَلَاء التنوخي بالمعرة ذَات يَوْم فِي وَقت خلْوَة بِغَيْر علم مِنْهُ وَكنت أتردد إِلَيْهِ وأقرأ عَلَيْهِ فَسَمعته ينشد من قيلة
(كم بُودرتْ غادةٌ كعَابٌ ... وَعمِّرَتْ أمُّها الْعجوزُ)
стр. 140
(أحْرَزها الوَالدانِ خَوفاً ... والقبرُ حِرزٌ لَهَا حريز)
(يَجوزُ أنْ تُبْطئَ المنايا ... وَالْخُلْد فِي الدّهرِ لَا يَجوزُ) // من مخلع الْبَسِيط //
ثمَّ تأوه مَرَّات وتلا إِن فِي ذَلِك لآيَة لمن خَافَ عَذَاب الْآخِرَة ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود وَمَا نؤخره إِلَّا لأجل مَعْدُود يَوْم يَأْتِي لَا تكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمنهمْ شقي وَسَعِيد ثمَّ صَاح وَبكى بكاء شَدِيدا وَطرح وَجهه وَقَالَ سُبْحَانَ من تكلم بِهَذَا فِي الْقدَم سُبْحَانَ من هَذَا كَلَامه فَصَبَرت سَاعَة ثمَّ سلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ وَقَالَ مَتى أتيت فَقلت السَّاعَة ثمَّ قلت يَا سَيِّدي أرى فِي وَجهك أثر غيظ فَقَالَ لَا يَا أَبَا الْفَتْح بل أنشدت شَيْئا من كَلَام الْمَخْلُوق وتلوت شَيْئا من كَلَام الْخَالِق فلحقني مَا ترى فتحققت صِحَة دينه وَقُوَّة يقينه
وَقَالَ السلَفِي أَيْضا سَمِعت أَبَا المكارم بأبهر وَكَانَ من أَفْرَاد الزَّمَان ثِقَة مالكي الْمَذْهَب قَالَ لما توفّي أَبُو الْعَلَاء اجْتمع على قَبره ثَمَانُون شَاعِرًا وَختم عِنْد قَبره فِي أُسْبُوع وَاحِد مِائَتَا ختمة
وَعَن أبي الْيُسْر المعري أَن أَبَا الْعَلَاء كَانَ يرْمى من أهل الْحَسَد لَهُ بالتعطيل وَيعْمل تلامذته وَغَيرهم على لِسَانه الْأَشْعَار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه وإيثاراً لإتلاف نَفسه وَفِي ذَلِك يَقُول
(حاوَلَ إهوانيَ قَوْمٌ فَمَا ... وَاجَهتْهُمْ إِلَّا بأهْوَان)
(يحرّشوني بِسعَاياتِهمْ ... فَغَيَّروا نِيَّة إِخوانِي)
(لوِ اسْتطاعوا الوَشَوْا بِي إِلَى المرِّيخِ والشهب وكيوان ... ) // السَّرِيع //
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي أما الْمَوْضُوع على لِسَانه فَلَعَلَّهُ لَا يخفى على ذِي لب وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي دونهَا وَقَالَهَا فِي لُزُوم مَا يلْزم وَفِي اسْتغْفر واستغفري فَمَا فِيهِ حِيلَة وَهُوَ كثير من القَوْل بالتعطيل واستخفافه بالنبوات وَيحْتَمل أَنه أرعوي
стр. 141
وَتَابَ بعد ذَلِك كُله وَكَانَ أكله العدس وحلاوته التِّين ولباسه الْقطن وفراشه اللباد وحصيره برديه وتصانيفه كَثِيرَة جدا وشعره كثير إِلَى الْغَايَة وَأحسنه سقط الزند
وَمن نظمه فِي الْغَزل
(يَا ظَبْيَة عَلِقَتْني فِي تصيدها ... أشراكُها وَهِي لم تعلق بأشراكي)
(رَعيتِ قَلبي ومَا رَاعيِت حُرمتهُ ... فَلِمْ رَعيتِ ومَا رَاعيت مَرعاكِ)
(أتحرقينَ فُؤاداً قَدْ حَللتِ بهِ ... بِنار حُبكِ عمدا وَهْوَ مأواكِ)
(أسكنتهِ حَيثْ لمْ يَسكنْ بهِ سَكنٌ ... وَليسَ يحسنُ أنْ تَسخَيْ بِسكناكِ)
(مَا بالُ دَاعي غَرامي حِينَ يأمُرني ... بأنْ أكابدَ حُرَّ الْوجِد يَنهاكِ)
(وَكم غدَا الْقلبُ ذَا يأسٍ وَذَا طَمع ... يَرجوكِ أنْ تَرحميهِ وَهْوَ يخشاك) // الْبَسِيط //
وَمن شعره قَوْله
(إِلَى الله أَشْكُو أنني كلَّ لَيلةٍ ... إذَا نِمتُ لمْ أعْدم خَواطرَ أوْهامِ)
(فإِن كانَ شَرّاً فَهوَ لَا شَكَّ وَاقعٌ ... وإنْ كانَ خَيراً فَهوَ أَضغاثُ أَحْلَام) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله
(اضربْ وَليدكَ تَأديباً على رَشدٍ ... ولَا تَقُلْ هُوَ طِفلٌ غيرُ مُحتلم)
(فَربَّ شقّ برأَسٍ جَرْ مَنْفَعَة ... وَقسْ على شِقِّ رأسِ السَّهم والقلم) // الْبَسِيط //
وَمن شعره وَقد أهْدى كتابا من تصانيفه
(قَبولُ الْهَدَايَا سُنةٌ مستحبةٌ ... إِذَا هِيَ لمْ تَسلكْ طَريقَ تحابي)
(ومَا أَنا إلَاّ قَطرةٌ منْ سَحابةٍ ... وَلو أنني صنَّفتُ ألفَ كِتابِ) // الطَّوِيل //
وَمن شعره المؤاخذ بِهِ قَوْله
(إِذا مَا ذَكرنا آدما وفِعالهُ ... وَتزْويجَهُ بنتيه لابْنَيْهِ فِي الخَنا)
стр. 142
(عَلمنا بأنَّ الخَلقَ مِنْ نَسل فاجرٍ ... وَأنَّ جَميعَ الخَلق منْ عُنصر الزِّنى) // الطَّوِيل //
فَأَجَابَهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن اليمني بقوله
(لَعَمْرِيَ أمَّا فِيكَ فالْقولُ صَادقٌ ... وتَكذبُ فِي الباقِينَ منْ شَطَّ أَوْدنا)
(كَذلكَ إِقرارُ الْفَتى لَازمٌ لَهُ ... وَفي غَيرهِ لَغْوٌ كَذا جَاءَ شرعنا) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله
(يدٌ بِخمْس مِئينَ عَسجدٍ وُدِيَتْ ... مَا بالُهَا قُطعتْ فِي رُبعِ دِينارِ)
(تَحكُّمٌ مَا لنا إِلَّا السَّكوتُ لهُ ... وَأنْ نَعُوذ بِمولانا منَ النَّار) // الْبَسِيط //
فَأَجَابَهُ علم الدّين السخاوي بقوله
(عِزُّ الأمانةِ أغْلاها وَأرْخصها ... ذُلُّ الخِيانةِ فافْهمْ حِكمةَ الْباري) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَوْله
(هَفت الحنيفةُ وَالنّصارى مَا اهْتدتْ ... وَمجوسُ حارتْ وَاليهودُ مُضَللَّه)
(اثْنَان أهل الأَرْض ذُو عَقلٍ بلَا ... دينٍ وَآخرُ دَيِّنٌ لَا عَقل لهْ) // الْكَامِل //
فَقَالَ ذُو الْفَضَائِل الاخسيكتي راداً عَلَيْهِ
(الدِّين آخذهُ وَتاركهُ ... لمْ يَخفَ رُشدُهما وَغيهما)
(اثْنَانِ أهْلُ الأَرْض قُلتَ فَقلْ ... يَا شَيخَ سُوءٍ أَنْت أَيهمَا) // الْكَامِل //
وَمِنْه أَيْضا قَوْله
(دِينٌ وَكفرٌ وأنْباء تقال وفرقان ... يُنصُّ وَتوراة وَإنجيلُ)
(فِي كل جِيلٍ أباطيلٌ يُدَان بهَا ... فَهلْ تَفردَ يَوْماً بِالْهدى جيل) // الْبَسِيط //
فَأَجَابَهُ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ بقوله
(نعمْ أَبُو القاسمِ الْهَادِي وأمتُهُ ... فَزَادكَ الله ذُلاًّ يَا دُجَيْجِيلُ) // الْبَسِيط //
стр. 143
وَمِنْه أَيْضا قَوْله وَهُوَ الطامة الْكُبْرَى
(قِرانُ المُشتري زُحَلاً يُرَجىّ ... لإيقاظ النَّواظرِ مِن كرَاها)
(تَقَضَّي النَّاس حيلا بعد جيل ... وخلقت النجومُ كَمَا تَرَاها)
(تَقدمَ صاحبُ التوراةِ مُوسَى ... وأوقعَ فِي الخسارِ مَنِ اقْتراها)
(فقالَ رِجالهُ وحْيٌ أتاهُ ... وقالَ الآخرونَ بلِ افتراها)
(ومَا حَجِّي إِلى أَحْجَار بَيت ... كؤوس الْحمر تُشربُ فِي ذَراهَا)
(إِذا رَجعَ الحكيمُ إِلَى حِجاهُ ... تَهاوَن بالشرائع وازدراها) // الوافر //
لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم اللَّهُمَّ إِنِّي أستغفرك من نَظِير هَذِه الأباطيل الَّتِي تشمئز مِنْهَا الْقُلُوب وتنفر عَنْهَا الخواطر وَأَسْأَلك التَّوْفِيق لي ولسائر الْمُسلمين
وَمن جيد شعره قَوْله
(رَدَدْتُ إِلَى مليك الْخلق أَمْرِي ... فَلم أسألْ مَتى يقعُ الكسوفُ)
) وَكم سلم الجهولُ مِنَ المُنايا ... وعُوجِلَ بالحِمامِ الفيلسوفُ) // الوافر //
وَهُوَ أَخذه من قَول أبي الطّيب المتنبي
(يَموتُ راعي الضأنِ فِي جهلِه ... ميتةَ جالينوسَ فِي طِبِّهِ)
(ورُبَّما زَادَ على عُمْرِهِ ... وَزَاد فِي الأمْنِ على سِربِهِ) // السَّرِيع //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بهجائه وَمِمَّنْ هجاه أَبُو جَعْفَر البجائي الزوزني بقصيدة أَولهَا
(كلبٌ عَوَى بِمَعرَّةِ النعمانِ ... لما خلا عَنْ ربقةِ الإيمانِ)
(أمَعرةَ النُّعمانِ مَا انْجبتِ إذْ ... أخْرجْتِ مِنْكِ مَعرةَ العُميانِ) // الْكَامِل //
وقصته مَعَ وَزِير مَحْمُود بن صَالح صَاحب حلب شهيرة فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بذكرها
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث وَقيل ثَانِي شهر ربيع الأول وَقيل ثَالِث عشره سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
قَالَ ابْن غرس النِّعْمَة وأذكر عِنْد وُرُود الْخَبَر بِمَوْتِهِ وَقد تَذَاكرنَا إلحاده ومعنا غُلَام يعرف بَابي غَالب بن نَبهَان من أهل الْخَيْر والعفة فَلَمَّا كَانَ من الْغَد حكى لنا قَالَ رَأَيْت فِي مَنَامِي البارحة شَيخا ضريرا وعَلى عَاتِقه أفعيان متدليان إِلَى فخديه وكل مِنْهُمَا يرفع فَمه إِلَى وَجهه فَيقطع مِنْهُ لَحْمًا يزدرده وَهُوَ يستغيث فَقلت وَقد هالني من هَذَا فَقيل لي هَذَا المعري الملحد
وَقَالَ القفطي أتيت قَبره سنة خمسين وسِتمِائَة فَإِذا هُوَ فِي ساحة فِي دور أَهله وَعَلِيهِ بَاب فَدخلت فَإِذا الْقَبْر لَا احتفال بِهِ وَرَأَيْت عَلَيْهِ خبازى يابسة والموضع على غَايَة مَا يكون من الشعث والإهمال
قَالَ الذَّهَبِيّ وَقد رَأَيْت أَنا قَبره بعد مائَة سنة من رُؤْيَة القفطي فَرَأَيْت نَحوا مِمَّا حكى انْتهى
وَقَالَ إِنَّه أوصى أَن يكْتب على قَبره
(هَذَا جناه أبي عَليّ وَمَا جنيت على أحد ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَهُوَ أَيْضا مُتَعَلق باعتقاد الْحُكَمَاء فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِيجَاد الْوَلَد وإخراجه إِلَى الْعَالم جِنَايَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يعرض للحوادث والآفات وَالله تَعَالَى أعلم بأَمْره
٢٤ - (مَا كلُّ مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكُهُ ... )
قَائِله المتنبي من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا كافوراً الأخشيدي صَاحب مصر وَلم ينشدها لَهُ وَكَانَ اتَّصل بِهِ أَن قوما نعوه فِي مجْلِس سيف الدولة وأولها
(بِمَ التعّللُ لَا أهلٌ وَلَا وطنُ ... وَلَا نديمٌ وَلَا كأسٌ وَلَا سكنُ)
стр. 144
(أريدُ من زَمني ذَا أَن يبلغَني ... مَا ليسَ يبلغُهُ فِي نَفسه الزمنُ)
(لَا تلقَ دهرَكَ إِلَّا غيرَ مكترثٍ ... مَا دَامَ يَصْحَبُ فِيهِ رُوحَكَ البدنُ)
(فَمَا يدومُ سرورُ مَا سُرِرْتَ بِهِ ... وَلَا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ)
(مِمَّا أضرَّ بِأَهْل العشقِ أنهمُ ... هَوَوْا وَمَا عرَفوا الدُّنْيَا وَمَا فطِنوا)
(تفني عيونُهُم دمعاً وأنفُسُهم ... فِي إثِر كلِّ قَبِيح وجهُه حسَنُ)
(تحمّلوا حملتكم كل ناجيةٍ ... فكلٌّ بَيْنٍ عليّ اليومَ مؤتمنُ)
(مَا فِي هَوادجكم من مُهجتِي عِوَض ... إِن مُتُّ شوقاً وَلَا فِيهَا لَهَا ثمنُ)
(يَا من نُعِيتُ على بعدٍ بمجلسه ... كلٌّ بِما زعم الناعوْنَ مرتَهَنُ)
(كم قد قُتِلت وَكم قد مت عنْدكُمْ ... ثمَّ انتفضت فَزَالَ الْقَبْر والكفنُ)
(قد كَانَ شاهَدَ دفني قبل قَوْلهم ... جماعةٌ ثمَّ مَاتُوا قبل مَنْ دَفنوا)
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تَجري الرِّياحُ بِما لَا تشْتَهي السفنُ) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة بديعة
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت أَن كل إِذا تَأَخَّرت عَن أَدَاة النَّفْي سَوَاء كَانَت معمولة لَهَا أَولا وَسَوَاء كَانَ الْخَبَر فعلا كَمَا فِي الْبَيْت أَو غير فعل توجه النَّفْي إِلَى الشُّمُول خَاصَّة لَا إِلَى اصل الْفِعْل وَأفَاد الْكَلَام ثُبُوت الْفِعْل أَو الْوَصْف لبَعض مَا أضيف إِلَيْهِ كل إِن كَانَت فِي الْمَعْنى فَاعِلا للْفِعْل أَو الْوَصْف الَّذِي حمل عَلَيْهَا أَو عمل فِيهَا أَو تعلق الْفِعْل أَو الْوَصْف بِبَعْض إِن كَانَت كل فِي الْمَعْنى مَفْعُولا للْفِعْل أَو الْوَصْف الْمَحْمُول عَلَيْهَا أَو الْعَامِل فِيهَا
وَمعنى شطر الْبَيْت مَأْخُوذ من قَول طرفَة بن العَبْد الْبكْرِيّ
(فيا لَك من ذِي حاجةٍ حِيلَ دونهَا ... وَمَا كل مَا يهوى امْرُؤ هُوَ نائله) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذه بَعضهم وَضَمنَهُ فِي قصيدة مدح بهَا يزِيد بن حَاتِم فَخرج إِلَيْهِ وَهُوَ بِمصْر ليَأْخُذ جائزته فَوَجَدَهُ قد مَاتَ فَقَالَ
стр. 145
(لَئن مِصرُ فاتتني بِمَا كنتُ أرتجي ... وأخلفني مِنْهَا الَّذِي كنت آمل)
(فيالك مِنْ ذِي حاجةٍ حيل دونهَا ... وَمَا كل مَا يهوى امرُؤ هُوَ نائِل)
(وَمَا كَانَ بَيني لوْ لَقيتُكَ سالما ... وبينَ الغِنى إِلَّا لَيَال قَلَائِل) // الطَّوِيل //
وَهَذَا الْبَيْت بِعَيْنِه للحطيئة فِي عَلْقَمَة بن علاثة وَالظَّاهِر أَنه ضمنه أَيْضا
وَقد تقدم ذكر أبي الطّيب المتنبي فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
٢٥ - (قد أَصبَحت أم الْخِيَار تَدعِي ... عَليّ ذَنبا كُله لم أصنع)
الْبَيْت لأبي النَّجْم الْعجلِيّ الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ أول أرجوزته السَّابِقَة وَأم الْخِيَار هَذِه زَوجته
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن كل إِذا تقدّمت على النَّفْي لفظا وَلم تقع معمولة للْفِعْل الْمَنْفِيّ عبد علم النَّفْي كل فَرد مِمَّا أضيف إِلَيْهِ كل وَأفَاد نفي أصل الْفِعْل عَن كل فَرد وَمن ثمَّ أَتَى بِكُل مَرْفُوعَة عادلاً عَن نصبها الْغَيْر الْمُحْتَاج إِلَى تَقْدِير ضمير لِأَنَّهُ لَا يُفِيد نفي عُمُوم مَا ادَّعَتْهُ أم الْخِيَار عَلَيْهِ وَالله أعلم
٢٦ - (كم عَاقل عَاقل أعْيتْ مذاهبهُ ... وجاهل جَاهِل تلقاهُ مَرْزوقا)
(هَذَا الَّذِي تركَ الأوهامَ حائرةً ... وصَّبر الْعَالم النِّحريرَ زِنديقاً)
البيتان لِابْنِ الراوندي من الْبَسِيط وقبلهما
следующие страницы →