Полный текст (694 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَتَابَ بعد ذَلِك كُله وَكَانَ أكله العدس وحلاوته التِّين ولباسه الْقطن وفراشه اللباد وحصيره برديه وتصانيفه كَثِيرَة جدا وشعره كثير إِلَى الْغَايَة وَأحسنه سقط الزند
وَمن نظمه فِي الْغَزل
(يَا ظَبْيَة عَلِقَتْني فِي تصيدها ... أشراكُها وَهِي لم تعلق بأشراكي)
(رَعيتِ قَلبي ومَا رَاعيِت حُرمتهُ ... فَلِمْ رَعيتِ ومَا رَاعيت مَرعاكِ)
(أتحرقينَ فُؤاداً قَدْ حَللتِ بهِ ... بِنار حُبكِ عمدا وَهْوَ مأواكِ)
(أسكنتهِ حَيثْ لمْ يَسكنْ بهِ سَكنٌ ... وَليسَ يحسنُ أنْ تَسخَيْ بِسكناكِ)
(مَا بالُ دَاعي غَرامي حِينَ يأمُرني ... بأنْ أكابدَ حُرَّ الْوجِد يَنهاكِ)
(وَكم غدَا الْقلبُ ذَا يأسٍ وَذَا طَمع ... يَرجوكِ أنْ تَرحميهِ وَهْوَ يخشاك) // الْبَسِيط //
وَمن شعره قَوْله
(إِلَى الله أَشْكُو أنني كلَّ لَيلةٍ ... إذَا نِمتُ لمْ أعْدم خَواطرَ أوْهامِ)
(فإِن كانَ شَرّاً فَهوَ لَا شَكَّ وَاقعٌ ... وإنْ كانَ خَيراً فَهوَ أَضغاثُ أَحْلَام) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله
(اضربْ وَليدكَ تَأديباً على رَشدٍ ... ولَا تَقُلْ هُوَ طِفلٌ غيرُ مُحتلم)
(فَربَّ شقّ برأَسٍ جَرْ مَنْفَعَة ... وَقسْ على شِقِّ رأسِ السَّهم والقلم) // الْبَسِيط //
وَمن شعره وَقد أهْدى كتابا من تصانيفه
(قَبولُ الْهَدَايَا سُنةٌ مستحبةٌ ... إِذَا هِيَ لمْ تَسلكْ طَريقَ تحابي)
(ومَا أَنا إلَاّ قَطرةٌ منْ سَحابةٍ ... وَلو أنني صنَّفتُ ألفَ كِتابِ) // الطَّوِيل //
وَمن شعره المؤاخذ بِهِ قَوْله
(إِذا مَا ذَكرنا آدما وفِعالهُ ... وَتزْويجَهُ بنتيه لابْنَيْهِ فِي الخَنا)
стр. 142
(عَلمنا بأنَّ الخَلقَ مِنْ نَسل فاجرٍ ... وَأنَّ جَميعَ الخَلق منْ عُنصر الزِّنى) // الطَّوِيل //
فَأَجَابَهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن اليمني بقوله
(لَعَمْرِيَ أمَّا فِيكَ فالْقولُ صَادقٌ ... وتَكذبُ فِي الباقِينَ منْ شَطَّ أَوْدنا)
(كَذلكَ إِقرارُ الْفَتى لَازمٌ لَهُ ... وَفي غَيرهِ لَغْوٌ كَذا جَاءَ شرعنا) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله
(يدٌ بِخمْس مِئينَ عَسجدٍ وُدِيَتْ ... مَا بالُهَا قُطعتْ فِي رُبعِ دِينارِ)
(تَحكُّمٌ مَا لنا إِلَّا السَّكوتُ لهُ ... وَأنْ نَعُوذ بِمولانا منَ النَّار) // الْبَسِيط //
فَأَجَابَهُ علم الدّين السخاوي بقوله
(عِزُّ الأمانةِ أغْلاها وَأرْخصها ... ذُلُّ الخِيانةِ فافْهمْ حِكمةَ الْباري) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَوْله
(هَفت الحنيفةُ وَالنّصارى مَا اهْتدتْ ... وَمجوسُ حارتْ وَاليهودُ مُضَللَّه)
(اثْنَان أهل الأَرْض ذُو عَقلٍ بلَا ... دينٍ وَآخرُ دَيِّنٌ لَا عَقل لهْ) // الْكَامِل //
فَقَالَ ذُو الْفَضَائِل الاخسيكتي راداً عَلَيْهِ
(الدِّين آخذهُ وَتاركهُ ... لمْ يَخفَ رُشدُهما وَغيهما)
(اثْنَانِ أهْلُ الأَرْض قُلتَ فَقلْ ... يَا شَيخَ سُوءٍ أَنْت أَيهمَا) // الْكَامِل //
وَمِنْه أَيْضا قَوْله
(دِينٌ وَكفرٌ وأنْباء تقال وفرقان ... يُنصُّ وَتوراة وَإنجيلُ)
(فِي كل جِيلٍ أباطيلٌ يُدَان بهَا ... فَهلْ تَفردَ يَوْماً بِالْهدى جيل) // الْبَسِيط //
فَأَجَابَهُ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ بقوله
(نعمْ أَبُو القاسمِ الْهَادِي وأمتُهُ ... فَزَادكَ الله ذُلاًّ يَا دُجَيْجِيلُ) // الْبَسِيط //
стр. 143
وَمِنْه أَيْضا قَوْله وَهُوَ الطامة الْكُبْرَى
(قِرانُ المُشتري زُحَلاً يُرَجىّ ... لإيقاظ النَّواظرِ مِن كرَاها)
(تَقَضَّي النَّاس حيلا بعد جيل ... وخلقت النجومُ كَمَا تَرَاها)
(تَقدمَ صاحبُ التوراةِ مُوسَى ... وأوقعَ فِي الخسارِ مَنِ اقْتراها)
(فقالَ رِجالهُ وحْيٌ أتاهُ ... وقالَ الآخرونَ بلِ افتراها)
(ومَا حَجِّي إِلى أَحْجَار بَيت ... كؤوس الْحمر تُشربُ فِي ذَراهَا)
(إِذا رَجعَ الحكيمُ إِلَى حِجاهُ ... تَهاوَن بالشرائع وازدراها) // الوافر //
لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم اللَّهُمَّ إِنِّي أستغفرك من نَظِير هَذِه الأباطيل الَّتِي تشمئز مِنْهَا الْقُلُوب وتنفر عَنْهَا الخواطر وَأَسْأَلك التَّوْفِيق لي ولسائر الْمُسلمين
وَمن جيد شعره قَوْله
(رَدَدْتُ إِلَى مليك الْخلق أَمْرِي ... فَلم أسألْ مَتى يقعُ الكسوفُ)
) وَكم سلم الجهولُ مِنَ المُنايا ... وعُوجِلَ بالحِمامِ الفيلسوفُ) // الوافر //
وَهُوَ أَخذه من قَول أبي الطّيب المتنبي
(يَموتُ راعي الضأنِ فِي جهلِه ... ميتةَ جالينوسَ فِي طِبِّهِ)
(ورُبَّما زَادَ على عُمْرِهِ ... وَزَاد فِي الأمْنِ على سِربِهِ) // السَّرِيع //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بهجائه وَمِمَّنْ هجاه أَبُو جَعْفَر البجائي الزوزني بقصيدة أَولهَا
(كلبٌ عَوَى بِمَعرَّةِ النعمانِ ... لما خلا عَنْ ربقةِ الإيمانِ)
(أمَعرةَ النُّعمانِ مَا انْجبتِ إذْ ... أخْرجْتِ مِنْكِ مَعرةَ العُميانِ) // الْكَامِل //
وقصته مَعَ وَزِير مَحْمُود بن صَالح صَاحب حلب شهيرة فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بذكرها
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث وَقيل ثَانِي شهر ربيع الأول وَقيل ثَالِث عشره سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
قَالَ ابْن غرس النِّعْمَة وأذكر عِنْد وُرُود الْخَبَر بِمَوْتِهِ وَقد تَذَاكرنَا إلحاده ومعنا غُلَام يعرف بَابي غَالب بن نَبهَان من أهل الْخَيْر والعفة فَلَمَّا كَانَ من الْغَد حكى لنا قَالَ رَأَيْت فِي مَنَامِي البارحة شَيخا ضريرا وعَلى عَاتِقه أفعيان متدليان إِلَى فخديه وكل مِنْهُمَا يرفع فَمه إِلَى وَجهه فَيقطع مِنْهُ لَحْمًا يزدرده وَهُوَ يستغيث فَقلت وَقد هالني من هَذَا فَقيل لي هَذَا المعري الملحد
وَقَالَ القفطي أتيت قَبره سنة خمسين وسِتمِائَة فَإِذا هُوَ فِي ساحة فِي دور أَهله وَعَلِيهِ بَاب فَدخلت فَإِذا الْقَبْر لَا احتفال بِهِ وَرَأَيْت عَلَيْهِ خبازى يابسة والموضع على غَايَة مَا يكون من الشعث والإهمال
قَالَ الذَّهَبِيّ وَقد رَأَيْت أَنا قَبره بعد مائَة سنة من رُؤْيَة القفطي فَرَأَيْت نَحوا مِمَّا حكى انْتهى
وَقَالَ إِنَّه أوصى أَن يكْتب على قَبره
(هَذَا جناه أبي عَليّ وَمَا جنيت على أحد ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَهُوَ أَيْضا مُتَعَلق باعتقاد الْحُكَمَاء فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِيجَاد الْوَلَد وإخراجه إِلَى الْعَالم جِنَايَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يعرض للحوادث والآفات وَالله تَعَالَى أعلم بأَمْره
٢٤ - (مَا كلُّ مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكُهُ ... )
قَائِله المتنبي من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا كافوراً الأخشيدي صَاحب مصر وَلم ينشدها لَهُ وَكَانَ اتَّصل بِهِ أَن قوما نعوه فِي مجْلِس سيف الدولة وأولها
(بِمَ التعّللُ لَا أهلٌ وَلَا وطنُ ... وَلَا نديمٌ وَلَا كأسٌ وَلَا سكنُ)
стр. 144
(أريدُ من زَمني ذَا أَن يبلغَني ... مَا ليسَ يبلغُهُ فِي نَفسه الزمنُ)
(لَا تلقَ دهرَكَ إِلَّا غيرَ مكترثٍ ... مَا دَامَ يَصْحَبُ فِيهِ رُوحَكَ البدنُ)
(فَمَا يدومُ سرورُ مَا سُرِرْتَ بِهِ ... وَلَا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ)
(مِمَّا أضرَّ بِأَهْل العشقِ أنهمُ ... هَوَوْا وَمَا عرَفوا الدُّنْيَا وَمَا فطِنوا)
(تفني عيونُهُم دمعاً وأنفُسُهم ... فِي إثِر كلِّ قَبِيح وجهُه حسَنُ)
(تحمّلوا حملتكم كل ناجيةٍ ... فكلٌّ بَيْنٍ عليّ اليومَ مؤتمنُ)
(مَا فِي هَوادجكم من مُهجتِي عِوَض ... إِن مُتُّ شوقاً وَلَا فِيهَا لَهَا ثمنُ)
(يَا من نُعِيتُ على بعدٍ بمجلسه ... كلٌّ بِما زعم الناعوْنَ مرتَهَنُ)
(كم قد قُتِلت وَكم قد مت عنْدكُمْ ... ثمَّ انتفضت فَزَالَ الْقَبْر والكفنُ)
(قد كَانَ شاهَدَ دفني قبل قَوْلهم ... جماعةٌ ثمَّ مَاتُوا قبل مَنْ دَفنوا)
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تَجري الرِّياحُ بِما لَا تشْتَهي السفنُ) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة بديعة
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت أَن كل إِذا تَأَخَّرت عَن أَدَاة النَّفْي سَوَاء كَانَت معمولة لَهَا أَولا وَسَوَاء كَانَ الْخَبَر فعلا كَمَا فِي الْبَيْت أَو غير فعل توجه النَّفْي إِلَى الشُّمُول خَاصَّة لَا إِلَى اصل الْفِعْل وَأفَاد الْكَلَام ثُبُوت الْفِعْل أَو الْوَصْف لبَعض مَا أضيف إِلَيْهِ كل إِن كَانَت فِي الْمَعْنى فَاعِلا للْفِعْل أَو الْوَصْف الَّذِي حمل عَلَيْهَا أَو عمل فِيهَا أَو تعلق الْفِعْل أَو الْوَصْف بِبَعْض إِن كَانَت كل فِي الْمَعْنى مَفْعُولا للْفِعْل أَو الْوَصْف الْمَحْمُول عَلَيْهَا أَو الْعَامِل فِيهَا
وَمعنى شطر الْبَيْت مَأْخُوذ من قَول طرفَة بن العَبْد الْبكْرِيّ
(فيا لَك من ذِي حاجةٍ حِيلَ دونهَا ... وَمَا كل مَا يهوى امْرُؤ هُوَ نائله) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذه بَعضهم وَضَمنَهُ فِي قصيدة مدح بهَا يزِيد بن حَاتِم فَخرج إِلَيْهِ وَهُوَ بِمصْر ليَأْخُذ جائزته فَوَجَدَهُ قد مَاتَ فَقَالَ
стр. 145
(لَئن مِصرُ فاتتني بِمَا كنتُ أرتجي ... وأخلفني مِنْهَا الَّذِي كنت آمل)
(فيالك مِنْ ذِي حاجةٍ حيل دونهَا ... وَمَا كل مَا يهوى امرُؤ هُوَ نائِل)
(وَمَا كَانَ بَيني لوْ لَقيتُكَ سالما ... وبينَ الغِنى إِلَّا لَيَال قَلَائِل) // الطَّوِيل //
وَهَذَا الْبَيْت بِعَيْنِه للحطيئة فِي عَلْقَمَة بن علاثة وَالظَّاهِر أَنه ضمنه أَيْضا
وَقد تقدم ذكر أبي الطّيب المتنبي فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
٢٥ - (قد أَصبَحت أم الْخِيَار تَدعِي ... عَليّ ذَنبا كُله لم أصنع)
الْبَيْت لأبي النَّجْم الْعجلِيّ الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ أول أرجوزته السَّابِقَة وَأم الْخِيَار هَذِه زَوجته
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن كل إِذا تقدّمت على النَّفْي لفظا وَلم تقع معمولة للْفِعْل الْمَنْفِيّ عبد علم النَّفْي كل فَرد مِمَّا أضيف إِلَيْهِ كل وَأفَاد نفي أصل الْفِعْل عَن كل فَرد وَمن ثمَّ أَتَى بِكُل مَرْفُوعَة عادلاً عَن نصبها الْغَيْر الْمُحْتَاج إِلَى تَقْدِير ضمير لِأَنَّهُ لَا يُفِيد نفي عُمُوم مَا ادَّعَتْهُ أم الْخِيَار عَلَيْهِ وَالله أعلم
٢٦ - (كم عَاقل عَاقل أعْيتْ مذاهبهُ ... وجاهل جَاهِل تلقاهُ مَرْزوقا)
(هَذَا الَّذِي تركَ الأوهامَ حائرةً ... وصَّبر الْعَالم النِّحريرَ زِنديقاً)
البيتان لِابْنِ الراوندي من الْبَسِيط وقبلهما
стр. 146
(سُبحان مَنْ وضع الْأَشْيَاء مَوضِعَها ... وفَرقَ العزَّ والإذْلال تفريقا) // الْبَسِيط //
وعاقل الثَّانِي صفة لعاقل الأول بِمَعْنى كَامِل الْعقل متناهٍ فِيهِ كَمَا يُقَال مَرَرْت بِرَجُل رجل أَي كَامِل فِي الرجولية وَمعنى أعيت مذاهبه أَعْجَزته وصعبت عَلَيْهِ طرق معايشه والنحرير بِكَسْر النُّون الحاذق الماهر الْعَاقِل المجرب المتقن الفطن الْبَصِير بِكُل شَيْء لِأَنَّهُ ينْحَر الْعلم نحراً والزنديق بِكَسْر الزَّاي من الثنوية أَو الْقَائِل بِالنورِ والظلمة أَو من لَا يُؤمن بِالآخِرَة وبالربوبية أَو من يبطن الْكفْر وَيظْهر الْإِيمَان أَو هُوَ مُعرب زن دين أَي دين الْمَرْأَة
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع الْمظهر الَّذِي هُوَ اسْم الْإِشَارَة مَوضِع الْمُضمر لكَمَال الْعِنَايَة بتمييز الْمسند إِلَيْهِ لاختصاصه بِحكم بديع عَجِيب الشَّأْن وَهُوَ هُنَا جعل الأوهام حاثرة والعالم المتقن زنديقاً
وَمَا أحسن قَول الْغَزِّي فِي معنى الْبَيْتَيْنِ
(كم عَالم لم يلج بالقرع بَاب منى ... وجاهل قبل قرع الْبَاب قد ولجا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْحَكِيم أبي بكر الخسروي السَّرخسِيّ وَهُوَ كالرد على قَول ابْن الراوندي
(عجبت من ربّي وربي حَكِيم ... أَن يَحرِم الْعَاقِل فضل النعيمْ)
(مَا ظلَم الْبَارِي وَلكنه ... أَرَادَ أَن يُظْهِرَ عجز الْحَكِيم) // السَّرِيع //
وَقَول أبي الطّيب غَايَة فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ
(وَمَا الْجمع بَين المَاء وَالنَّار فِي يدٍ ... بأصْعَبَ من أَن أجمع الجدّ والفهما) // الطَّوِيل //
وَهُوَ ينظر إِلَى قَول أبي تَمام
(وَلم يجْتَمع شَرق وَغرب لقاصدٍ ... وَلَا الْمجد فِي كف امْرِئ وَالدَّرَاهِم) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي تَمام أَيْضا
(ينَال الْفَتى من دهره وَهْوَ جاهلٌ ... ويُكْدِي الْفَتى من دهره وَهُوَ عَالم)
стр. 147
(وَلَو كَانَت الأرزاق تَأتي على الحِجَا ... إذَنْ هلكتْ من جهلهن الْبَهَائِم) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول أبي الْخَيْر الْمروزِي الضَّرِير
(تنافى العقلُ والمالُ ... فَمَا بَينهمَا شكلُ)
(هما كالورد والنرجس لَا يحويهما فصل ... )
(فعقلٌ حَيْثُ لَا مالٌ ... ومالٌ حَيْثُ لَا عقل) // الهزج //
وَمثله قَول أبي إِسْحَاق الصابي
(إِذا جَمَعتْ بَين امرأيْنِ صِناعَةٌ ... فأحببتَ أَن تَدْرِي الَّذِي هُوَ أحْذَقُ)
(فَلَا تَتَفقَّدْ مِنْهُمَا غيرَ مَا جَرَتْ ... بِهِ لهُما الأرزاق حِين تُفَرَّقُ)
(فحيثُ يكون الجَهلُ فالرزق واسِعٌ ... وحيثُ يكونُ الْعلم فالرزق ضيق) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول عبد الْجَلِيل بن وهبون المرسي
(يَعِزُّ عَليّ العَلياءِ أنيَ خَاملٌ ... وَأَن أبصَرَت مني خُمُودَ شِهابي)
(وَحيثُ ترى زَندَ النجابةِ وارِياً ... فَثَمَّ ترى زند السَّعَادَة كابي) // الطَّوِيل //
ولطيف قَول بَعضهم أَيْضا
(كم من غَبّيٍ غَنيٌ ... وَمن فَقيهٍ فَقير) // المجتث //
وبديع قَول أبي بكر بن مُحَمَّد الْمَازِني
(ثنْتَانِ من سِيَرِ الزَّمَان تحيرتْ ... لهُما عُقُول ذَوي التَّفلُسفِ وَالنَّهْي)
(مُثْرٍ مِن الْأَمْوَال مَبخوس الحِجا ... ومُوفَّر الآدابِ منقُوص الْغنى) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن لنكك
(فعاقل مَا تُبَلُّ أنملُهُ ... وجاهلٌ باليدين يغترف) // المنسرح //
وَقَول الآخر
стр. 148
(زمَان تَحيرتُ فِي أمره ... كثيرُ التَّعدي على حُرهِ)
(فَللوغْدِ مَا شِئْت من نَفعهِ ... وللحُر مَا شِئْت من ضُرهِ)
(وأعجبُ مَا فِي تصاريفه ... صيالُ البعوضِ على صقره) // المتقارب //
وَقَول الآخر
(وَغْدٌ لَهُ نِعمةٌ مُؤثَّلة ... وَسَيدٌ لإَ يزَال يقترض) // المنسرح //
ومدار ذَلِك جَمِيعه على الْحَظ وَعَدَمه وَمَا أحسن قَول ابْن الْخياط الدِّمَشْقِي فِيهِ أَيْضا
(وَما زَالَ شُؤمُ الحْظِّ منْ كلِّ طَالبٍ ... كَفيلاً بِبعدِ المْطلبِ المْتَدَاني)
(وَقد يُحرَمُ الجَلْدُ الحَريصُ مَرامهُ ... وَيُعطَى مُناهُ الْعَاجِز المتواني) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(قَد يُرزقُ المْرءُ لَا مِنْ حُسنِ حِيلتهِ ... وَيُصرَف المَال عَنْ ذِي الحيلةِ الداهي) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ... ألحقت الْعَاجِز بالقادر) // السَّرِيع //
وَمَا أحسن قَول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر
(يَا مِحْنَةَ الدَّهْر كُفِّي ... إِنْ لَمْ تكُفِّي فخفيِّ)
(مَا آنَ أَنْ تَرحَمِينَا ... مِنْ طول هَذَا التَّشفّي)
(فَلَا عُلومِيَ تُجْدِي ... ولَا صناعَة كفيِّ)
(ثَورٌ ينَال الثريَّا ... وعَالِمٌ متحفيِّ)
(ذَهَبْتُ أطلبُ بخْتِي ... فَقيل لي قد توفّي) // المجتث //
وَمن الغايات فِي هَذَا الْبَاب قَول الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى
(لَوْ أنَّ بالحيلِ الْغَنِيّ لوجدتنيِ ... بنجومِ أفلاكِ السَّمَاء تعلُّقي)
(لكنَّ من رُزِق الحجا حُرِمَ الْغنى ... ضدّان مفترقان أَي تفرُّق)
стр. 149
(فَإِذا سمعتَ بأنَّ محروماً أَتَى ... مَاء ليشربه فغاضَ فصدِّق)
(أَو أنّ محظوظاً غَدا فِي كَفه ... عُودٌ فأورَقَ فِي يَدَيْهِ فحقِّقِ)
(ومنَ الدَّلِيل على الْقَضَاء وَكَونه ... بُؤسُ اللبيب وطيبُ عَيْش الأحمق) // الْكَامِل //
ولبعضهم فِي مَعْنَاهُ
(لَو وردتُ البحارَ أطلبُ مَاء ... جفَّ عِنْد الْوُرُود ماءُ البحارِ)
(أَو رُمى باسميَ النجومُ الدراري ... لانزوى ضؤوها عَن الْأَبْصَار)
(أَو لمستُ العودَ النضيرَ بكفي ... لذَوي بعدَ نعمةٍ واخضرارِ)
(وَلَو أَنِّي بعتُ القناديلَ يَوْمًا ... أُدْغمَ الليلُ فِي بياضِ النهارِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول بَعضهم
(وَلما لمستُ الرزق فانجد حبلهُ ... وَلم يصفْ لي من بحره العذب مشربُ)
(خطبت إِلَى الإعدام إِحْدَى بَنَاته ... فزّجنيها الفقرُ إِذْ جئتُ أخطبُ) فأولدتها الحزنَ الشقيّ فمالهُ ... على الأَرْض غَيْرِي والدٌ حِين ينسبُ)
(فَلَو تهتُ فِي الْبَيْدَاء والليلُ مسبلٌ ... عليّ جناحيه لما لَاحَ كوكبُ)
(وَلو خفتُ شِراً فاستترتُ بظلمةٍ ... لأقبلَ ضوءُ الشَّمْس من حَيْثُ تغربُ)
(وَلو جادَ إنسانٌ عليّ بِدرهمٍ ... لَرُحْتُ إِلَى رحلي وَفِي الْكَفّ عقربُ)
(وَلو يُمْطَر الناسُ الدَّنَانِير لم يكنْ ... بشيءٍ سوى الْحَصْبَاء رأسيَ يُحْصَبُ)
(وَإِن يَقْترف ذَنبا ببرقةً مذنبٌ ... فإنَّ برأسي ذَلِك الذنبَ يُعْصَبُ)
(وَإِن أرَ خيرا فِي الْمَنَام فنازحٌ ... وَإِن أرَ شرا فَهْوَ مِنِّي مقرَّبُ)
(أَمَامِي من الحرمان جيشٌ عرمرمٌ ... وَمِنْه ورائي جحفل حينَ أركب) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(وَلَو ركبتُ البحارَ صَارَت فجاجاً ... لَا ترَى فِي متونها أمواجَا)
(وَلَو أَنِّي وضعتُ ياقوتةً حَمْرَاء فِي راحتي لَصَارَتْ زجاجّاً ... )
стр. 150
(وَلَو أَنِّي وردْتُ عذباً فراتاً ... عَاد لَا شكَّ فِيهِ ملحا أجاجا) // الْخَفِيف //
وَمَا أحسن قَول أبي الْأسود الدؤَلِي
(الْمَرْء يحمد سَعْيه من جده ... حَتَّى يُزَيَّن بِالَّذِي لم يَعملِ)
(وَترى الشقي إِذا تكامَلَ جده ... يَرْمِي ويقذفُ بِالَّذِي لم يفعل) // الْكَامِل //
وبديع قَول أبي الْعَلَاء المعري
(سيطلبني رِزْقِي الَّذِي لَو طلبتهُ ... لما زَاد وَالدُّنْيَا حظوظ وإقبالُ)
(إِذا صدقَ الجدُّ افترى العمُّ للفتى ... مَكَارِم لَا تكري وَإِن كذب الْخَال) // الطَّوِيل //
الْجد هُنَا الْحَظ وَالْعم الْجَمَاعَة وتكرى من كرى الزَّاد إِذا نقص افترى كذب وَالْخَال المخيلة
وظريف هُنَا قَول ابْن شرف القيرواني
(إِذا صحبَ الْفَتى سعدٌ وجَدٌّ ... تحامته المكاره والخطوبُ)
(ووافاه الحبيب بغيرِ وعدٍ ... طُفيْليّاً وقادَ لَهُ الرقيبُ)
(وعدّ النَّاس ضرطته غناء ... وَقَالُوا إِن فسا قد فاح طيب) // الوافر //
وَقد أَخذه ابْن النَّقِيب فَقَالَ
(لَو لَحَنَ الْمُوسر فِي مجْلِس ... لقيل عَنهُ إِنَّه يُعْرب)
(وَلَو فَسا يَوْمًا لقالوا لَهُ ... من أينَ هَذَا النَّفَسُ الطّيب) // السَّرِيع //
وَقَول أبي الْعَلَاء المعري غَايَة هُنَا وَهُوَ
(لَا تطلبنّ بآلةٍ لَك رُتْبَة ... قلم البليغ بغيرِ حَظٍ مغزل)
(سكن السما كَانَ السَّمَاء كِلَاهُمَا ... هَذَا لَهُ رمحٌ وَهَذَا أعزل) // الْكَامِل //
وَقد أَخذ أَبُو إِسْحَاق الْغَزِّي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
(الْحسن والقبح قد تحويهما صفةٌ ... شان الْبيَاض وزان الشيب والشنبا)
стр. 151
(ظُبّا الْمُحَارَفِ أقلامٌ مكسرةٌ ... رؤوسهنّ وَأَقْلَام السعيد ظبا) // الْبَسِيط //
وَله أَيْضا
(لَا تعتبنّ الزَّمَان إِن ذهبت ... نيوب لَيْث العَرين منْ نُوَبه)
(فالحول لَوْلَا الجدود مَا قصرت ... أيْدِي جُمَاداه عَن عُلا رجبه) // المنسرح //
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى الصّلاح الصَّفَدِي فَقَالَ
(لئنْ رُحْتُ مَعْ فضلي منَ الْحَظ خَالِيا ... وغيرِي على نقض بِهِ قد غَدا حَالي)
(فَإِنِّي كشهر الصَّوْم أصبح عاطلاً ... وطَوْقُ هِلَال الْعِيد فِي جيد شَوَّال) // الطَّوِيل //
بل رُبمَا أَخذه من قَول ابْن قلاقس فَإِنَّهُ أصرح مِنْهُ حَيْثُ قَالَ
(إِن تأخَّرْتُ فالمحرم عطل ... من حُلي العيدِ وَهِي فِي شَوَّال) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ابْن قلاقس أَيْضا
(لَوْلَا الجُدودُ لما نمت لمسافر ... كفُّ الغنَى وتَعلقت بمقُيم)
(والحظُّ حَتَّى فِي الحُروف مُؤثر ... يُختصُّ بالترقيق والتفخيم) // الْكَامِل //
وَقَالَ مهيار الديلمي
(لَا تْحسَبِ الهمَّةَ العَلياءَ موجِبةً ... رزقا على قِسمةِ الأرزاق لم يجب)
(لَو كانَ أفضَلُ مَا فِي النَّاس أسْعَدَهم ... مَا انحطَّتِ الشَّمْس عَن عالٍ من الشهب)
(أَو كَانَ أيسرُ مَا فِي الْأُفق أسلَمَه ... دامَ الهلالُ فَلم يُمحق وَلم يغب) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الطغرائي
(وأعْظَم مَا بِي أنَّني بِفضائلي ... حُرمتُ وَمَالِي غَيرهنَّ ذَرَائع)
(إِذا لم يزدني مَوردِي غَيْرَ عِلَّةٍ ... فَلا صَدَرتْ بالوارِدين مَشارِعُ) // الطَّوِيل //
стр. 152
وَقَالَ القَاضِي الْفَاضِل
(مَا ضَر جَهلُ الجاهلينَ وَلَا انْتفعتُ أَنا بحِذْقي ... )
(وزيادتي فِي الحِذقِ فَهْيَ زيادةٌ فِي نقص رِزْقِي ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَالَ ابْن دانيال
(قد عَقلنا والعقْلُ أيُّ وثاقِ ... وصَبرنا والصَّبر مُرُّ المذَاقِ)
(كل من كانَ فاضِلاً كَانَ مثلي ... فَاضلا عندَ قسْمَة الأرزاق) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ابْن عنين
(كأنِّي فِي الزَّمَان اسْم صَحيحٌ ... جَرى فَتحكمت فيهِ العواملْ)
(مَزيدٌ فِي بَنِيهِ كواو عَمْرو ... ومُلْغَي الْحَظ فِيهِ كِرَاء وَاصل) // الوافر //
وَقَالَ السراج الْوراق
(يمنَعُنْي باخِلٌ وسمحٌ ... وليسَ لي مِنْهُمَا نَصير)
(وغايتي أَن ألومَ حظي ... وحظَّيَ الْحَائِط الْقصير) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن سناء الْملك
(وربَّ مليحٍ لَا يُحَبُّ وضدُّه ... تُقَبَّلُ مِنْهُ العَينُ والخد والفُم)
(هوَ الجَدُّ خُذْهُ إِن أردتَ مَسلماً ... وَلَا تَطلب التعليلَ فالأمرُ مُبهم) // الطَّوِيل //
وَمَا أرشق قَول ابْن رَشِيق
(أشْقى لعَقلك أَن يكون أدِيباً ... أَو أَن يرى فِيكَ الوَرى تهذيبا)
(مَا دمتَ مستويا فغعلك كلُّه ... عِوَجٌ وَإِن أخطأتَ كنت مصيبا)
стр. 153
(كالنَّقشِ لَيسَ يصحُّ معنى خَتمه ... حَتَّى يكونَ بناؤُهُ مَقلوبَا) // الْكَامِل //
وَمَا ألطف قَول السراج الْوراق
(الباءُ والخَاءُ من بخْتي قد اقترَنا ... بالباءِ والخاءِ من بخلٍ لإنْسانِ)
(واللامُ والتاءُ من هَذَا وَذاكَ هما ... لتَّ المسائلِ عَن أسبابِ حرماني) // الْبَسِيط //
وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدا والاختصار فِيهِ أولى
وَابْن الراوندي هُوَ أَحْمد بن يحيى بن إِسْحَاق أَبُو الْحُسَيْن من أهل مرو الروذ وراوند بِفَتْح الرَّاء وَالْوَاو بَينهمَا ألف وَسُكُون النُّون وَبعدهَا دَال مُهْملَة قَرْيَة من قرى قاسان بِالسِّين الْمُهْملَة بنواحي أَصْبَهَان وَهِي غير قاشان الَّتِي بِالْمُعْجَمَةِ الْمُجَاورَة لقم سكن الْمَذْكُور بَغْدَاد وَكَانَ من متكلي الْمُعْتَزلَة ثمَّ فارقهم وَصَارَ ملحداً زنديقاً وَقَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ التنوخي كَانَ أَبُو الْحُسَيْن ابْن الراوندي يلازم أهل الْإِلْحَاد فَإِذا عوتب فِي ذَلِك قَالَ إِنَّمَا أُرِيد أَن أعرف مذاهبهم ثمَّ أَنه كاشف وناظر وَيُقَال إِن أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيّا فَاسْلَمْ وَكَانَ بعض الْيَهُود يَقُول لبَعض الْمُسلمين ليفسدن عَلَيْكُم هَذَا كتابكُمْ كَمَا أفسد أَبوهُ التَّوْرَاة علينا وَيُقَال عَن أَبَا الْحُسَيْن قَالَ للْيَهُود قُولُوا إِن مُوسَى قَالَ لَا نَبِي بعدِي
وَذكر أَبُو الْعَبَّاس الطَّبَرِيّ أَن ابْن الراوندي كَانَ لَا يسْتَقرّ على مَذْهَب وَلَا يثبت على حَال حَتَّى أَنه صنف للْيَهُود كتاب البصيرة ردا على الْإِسْلَام لأربعمائة دِرْهَم أَخذهَا فِيمَا بَلغنِي من يهود سامراً فَلَمَّا قبض المَال رام نقضهَا حَتَّى أَعْطوهُ مائَة دِرْهَم أُخْرَى فَأمْسك عَن النَّقْض
стр. 154
وَحكى الْبَلْخِي فِي كتاب محَاسِن خُرَاسَان أَن ابْن الراوندي هَذَا كَانَ من الْمُتَكَلِّمين وَلم يكن فِي زَمَانه أحذق مِنْهُ بالْكلَام وَلَا أعرف بدقيقه وجليله وَكَانَ فِي أول أمره حسن السِّيرَة حميد الْمَذْهَب كثير الْحيَاء ثمَّ انْسَلَخَ من ذَلِك كُله لأسباب عرضت لَهُ وَكَانَ علمه أَكثر من عقله فَكَانَ مثله كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وَمن يُطيقُ مُزكي عِنْد صَبوته ... وَمن يَقومُ لمستورٍ إِذا خلعا) // الْبَسِيط //
قَالَ وَقد حكى جمَاعَة أَنه تَابَ عِنْد مَوته مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَأظْهر النَّدَم واعترف بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَار إِلَيْهِ حمية وأنفة من جفَاء أَصْحَابه لَهُ وتنحيتهم إِيَّاه من مجَالِسهمْ
وَأكْثر كتبه الكفريات ألفها لأبي عِيسَى الْيَهُودِيّ الْأَهْوَازِي وَفِي منزله هلك وَمِمَّا أَلفه من كتبه الملعونة كتاب التَّاج يحْتَج فِيهِ لقدم الْعَالم وَكتاب الزمردة يحْتَج فِيهِ على الرُّسُل ويبرهن على إبِْطَال الرسَالَة وَكتاب الفريد فِي الطعْن على النَّبِي ﷺ وَكتاب اللؤلؤة فِي تناهي الحركات وَقد نقض هُوَ أَكْثَرهَا وَغَيره وَلأبي عَليّ الجبائي وَغَيره ردود عَلَيْهِ كَثِيرَة فمما قَالَه فِي كتاب الزمردة أَنه إِنَّمَا سَمَّاهُ بالزمردة لِأَن من خاصية الزمرد أَن الْحَيَّات إِذا نظرت إِلَيْهِ ذَابَتْ وسالت أعينها فَكَذَلِك هَذَا الْكتاب إِذا طالعه الْخصم ذاب وَهَذَا الْكتاب يشْتَمل على إبِْطَال الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة والازدراء على النبوات المنيفة فمما قَالَه فِيهِ لَعنه الله وأبعده إِنَّا نجد فِي كَلَام أَكْثَم بن صَيْفِي شَيْئا أحسن من إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر وَإِن الْأَنْبِيَاء كَانُوا يستعبدون النَّاس بالطلاسم وَقَالَ قَوْله يَعْنِي نَبينَا ﵊ لعمَّار ﵁ تقتلك الفئة الباغية كل المنجمين يَقُولُونَ مثل هَذَا وَلَقَد كذب لَعنه الله وأخزاه
стр. 155
وَجعل النَّار مستقره ومثواه فَإِن المنجم إِن لم يسْأَل الْإِنْسَان عَن اسْمه وَاسم أمه وَيعرف طالعه لَا يقدر أَن يتَكَلَّم على أَحْوَاله وَلَا يُخبرهُ بِشَيْء من متجدداته وَخَطأَهُ أَكثر من صَوَابه وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يخبر بالمغيبات من غير أَن يعرف طالعاً أَو يسْأَل عَن اسْم أَو نسب وَلم يعْهَد عَنهُ غير مَا ذكر ﷺ فَبَان الْفرق وَقَالَ فِي كتاب الدامغ إِن الْخَالِق لَيْسَ عِنْده من الدَّوَاء إِلَّا الْقَتْل فعل الْعَدو الحنق الغضوب فَمَا حَاجته إِلَى كتاب وَرَسُول قَالَ وَيَزْعُم أَنه يعلم الْغَيْب فَيَقُول وَمَا تسْقط من ورقه إِلَّا يعلمهَا ثمَّ يَقُول وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم وَقَالَ فِي وصف الْجنَّة فِيهَا أَنهَار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه وَهُوَ الحليب وَلَا يكَاد يشتهيه إِلَّا الجائع وَذكر الْعَسَل وَلَا يطْلب صرفا والزنجبيل وَلَيْسَ من لذيذ الْأَشْرِبَة والسندس يفترش وَلَا يلبس وَكَذَلِكَ الإستبرق وَهُوَ الغليظ من الديباج وَمن تخايل أَنه فِي الْجنَّة يلبس هَذَا الغليظ وَيشْرب الحليب والزنجبيل صَار كعروس الأكراد والنبط ولعمري لقد أعمى الله بَصَره وبصيرته عَن قَوْله تَعَالَى وفيهَا مَا تشْتَهي الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَعَن قَوْله ﴿وَلحم طير مِمَّا يشتهون﴾ وَمَعَ ذَلِك فَفِيهَا اللَّبن وَالْعَسَل وَلَيْسَ هُوَ كلبن الدُّنْيَا وَلَا عسلها وغليظ الْحَرِير يُرِيد بِهِ الصفيق الملتحم النسج وَهُوَ أَفْخَر مَا يلبس وَلَو ذهبت أورد مَا ذكره هَذَا الملعون وتفوه بِهِ من الْكفْر والزندقة والإلحاد لطال الْأَمر والاشتغال بِغَيْرِهِ أولى وَالله تَعَالَى منزه سُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُول الْكَافِرُونَ والملحدون علوا كَبِيرا وَكَذَلِكَ كِتَابه وَرَسُوله ﷺ وَلَقَد سرد ابْن الْجَوْزِيّ من زندقته أَكثر من ثَلَاث وَرَقَات وَأَنا أعوذ بِاللَّه من هَذَا القَوْل وأستغفره مِمَّا جرى بِهِ قلمي مِمَّا لَا يرضاه وَلَا يَلِيق بجنابه وجناب رَسُوله ﷺ وَكتابه الْحَكِيم
وَاجْتمعَ ابْن الراوندي هُوَ وَأَبُو عَليّ الجبائي يَوْمًا على جسر بَغْدَاد فَقَالَ لَهُ
стр. 156
يَا أَبَا عَليّ أَلا تسمع شَيْئا من معارضتي لِلْقُرْآنِ ونقضي لَهُ فَقَالَ أَنا أعلم بمخازي علومك وعلوم أهل دهرك وَلَكِن أحاكمك إِلَى نَفسك فَهَل تَجِد فِي معارضتك لَهُ عذوبة وهشاشة وتشاكلاً وتلازماً ونظماً كنظمه وحلاوةً كحلاوته قَالَ لَا وَالله قَالَ قد كفيتني فَانْصَرف حَيْثُ شِئْت
وَمن شعره
(مِحَنُ الزَّمانِ كَثيرَةٌ لَا تَنْقَضي ... وَسرورُهُ يأتِيكَ كالأعيَادِ)
(مَلَكَ الأكارِمَ فاستَرقّ رِقابَهُمُ ... وَترَاه رِقّاً فِي يَد الأوغاد) // الْكَامِل //
وَمِنْه وَقيل أنْشدهُ لغيره
(أَلَيسَ عَجيباً بأنّ امرَءاً ... لطيفَ الخصَام دَقيقَ الكلمْ)
(يَموتُ وَمَا حَصَّلَتْ نفْسهُ ... سِوَى عِلمهِ أَنهُ مَا علم) // المتقارب //
وَذكر أَبُو عَليّ الجبائي أَن السُّلْطَان طلب ابْن الراوندي وَأَبا عِيسَى الْوراق فَأَما أَبُو عِيسَى فحبس حَتَّى مَاتَ وَأما ابْن الراوندي فهرب إِلَى ابْن لاوى الْيَهُودِيّ وَوضع لَهُ كتاب الدامغ فِي الطعْن على النَّبِي ﷺ وعَلى الْقُرْآن الْكَرِيم ثمَّ لم يلبث إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة حَتَّى مرض وَمَات
وَذكر أَبُو الْوَفَاء بن عقيل أَن بعض السلاطين طلبه وَأَنه هلك وَله سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة مَعَ مَا انْتهى إِلَيْهِ من المخازي
وَذكر ابْن خلكان أَنه هلك فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ برحبة مَالك ابْن طوق وَقيل بِبَغْدَاد وَتَقْدِير عمره أَرْبَعُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه عَاشَ اكثر من ثَمَانِينَ سنة وَقيل إِنَّه هلك سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ ابْن النجار بَلغنِي إِنَّه هلك سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ لَعنه الله وأخزاه إِن كَانَ مَاتَ على اعْتِقَاده هَذَا
стр. 157
٢٧ - (تعَالَلْتِ كَيْ أشْجَى ومَا بِكِ عِلَّةٌ ... تُرِيدينَ قتلِي قَدْ ظَفِرْتِ بذلِكِ)
الْبَيْت لِابْنِ الدمينة من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(قِفي يَا أميم القلبِ نقضِ لبانةً ... وَنشكُو الهَوى ثمَّ افعلِي مَا بدالك)
(سَلِي البانةَ الغنَّاء بالأجْرَعِ الَّذِي ... بهِ المَاء هلْ حيَّيتُ أطلالَ دارِكِ)
(وَهلْ قمتُ فِي أطلَالِهنَّ عَشيَّةَ ... مقامَ أخِي البأساء واخترتُ ذلِكِ)
(وَهَل كَفْكَفَت عينايَ بِالدَّار عَبرةً ... فُرَادَى كنظم اللؤلؤُ المتسالك) // الطَّوِيل //
ويروى أَن أَولهَا
(قفي قبلَ وشْك البينِ يَا ابنةَ مالكِ ... وَلَا تحرمِينا نظرَةً من جمالك)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وقولكِ للعوّاد كيفَ تروْنه ... فَقَالُوا قَتِيلا قلتِ أيسرُ هَالك)
(لَئِن سَاءنِي أَن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرَّني أَنِّي خطرتُ ببالكِ)
(لِيَهنك إمساكي بكفيِّ على الحشا ... ورقْراق دمعي رَهبةً من مطالكِ)
(فَلَو قلتِ طأ فِي النارِ أعلمُ أَنه ... رِضاً لَك أَو مُدنٍ لنا من وِصالكِ)
(لقدَّمْتُ رجْلي نَحْوهَا فَوطئتَها ... هُدى منكِ لي أَو ضلَّة من ضلالك)
(أَرى الناسَ يرجونَ الربيعَ وَإِنَّمَا ... رَجائي الَّذِي أرجوهُ خير نوالكِ)
(أبْيني أَفِي يُمنى يَديك جَعَلتني ... فأفرحَ أمْ صَيَّرتِني فِي شمالكِ) // الطَّوِيل //
وَمعنى أشجى أَحْزَن من شجى يشجى وَمَا شجا يشجو فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَإِنَّمَا قَالَ قد ظَفرت بذلك وَلم يقل بقتلي لادعائه أَن قَتله ظهر ظُهُور المحسوس بالبصر الْمشَار إِلَيْهِ باسم الْإِشَارَة
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع اسْم الْإِشَارَة مَوضِع الْمُضمر لادعاء كَمَال ظُهُوره وَإِن كَانَ من غير بَاب الْمسند إِلَيْهِ
стр. 158
وَابْن الدمينة اسْمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عَامر بن تيم الله والدمينة أمه وَهِي سَلُولِيَّة ويكنى ابْن الدمينة أَبَا السّري وَهُوَ شَاعِر مَشْهُور لَهُ غزل رَقِيق الْأَلْفَاظ دَقِيق الْمعَانِي وَكَانَ النَّاس فِي الصَّدْر الأول يسْتَحلُّونَ شعره ويتغنون بِهِ حدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ كَانَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف إِذا سمع شَيْئا يستحسنه أطرفني بِهِ وَأَنا أفعل مثل ذَلِك فَجَاءَنِي يَوْمًا فَوقف بَين النَّاس وَأنْشد لِابْنِ الدمينة
(ألَا يَا صبَا نَجْدٍ مَتى هِجْتِ من نجدِ ... لقدْ زادني مَسْرَاكِ وجدا على وجد)
(إِن هَتفتْ وَرْقَاء فِي رونق الضُّحَى ... على فنن عض النَّبَات من الرَّندِ)
(بكيتَ كَمَا يبكي الوليدُ وَلم تَكُنْ ... جَزُوعاً وأبديتَ الَّذِي لم تكن تُبْدِي)
(وقدْ زَعَمُوا أنَّ المحبَّ إِذا دنا ... يملُّ وَأَن النأي يشفي من الوجد)
(بِكُل تَدَاوينا فَلم يُشْفَ مَا بنَا ... على أَن قرب الدّار خيرٌ من الْبعد)
(على أَن قربَ الدَّار لَيسَ بِنافعٍ ... إِذا كَانَ منْ تهواهُ ليسَ بِذِي ود) // الطَّوِيل //
ثمَّ ترنح سَاعَة ترنخ النشوان ودبح أُخْرَى ثمَّ قَالَ أنطح العمود رَأْسِي من
стр. 159
حسن هَذَا فَقلت لَا ارْفُقْ بِنَفْسِك
وَحدث ابْن ربيح راوية ابْن هرمة قَالَ لَقِي ابْن هرمة بعض أَصْحَابه بالبلاط فَقَالَ لَهُ من أَيْن أَقبلت قَالَ من الْمَسْجِد فَقَالَ فَأَي شَيْء صنعت هُنَاكَ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد المَخْزُومِي قَالَ فَأَي شَيْء قَالَ قَالَ أَمرنِي أَن أطلق امْرَأَتي قَالَ فَأَي شَيْء قلت لَهُ قَالَ مَا قلت شَيْئا قَالَ فوَاللَّه مَا قَالَ لَك هَذَا إِلَّا لأمر أظهرته عَلَيْهِ وكتمتنيه أَفَرَأَيْت لَو أَمرته بِطَلَاق امْرَأَته أَكَانَ يطلقهَا قَالَ لَا وَالله قَالَ فَابْن الدمينة كَانَ أنصف مِنْك كَانَ يهوى امْرَأَة من قومه فَأرْسلت إِلَيْهِ إِن أَهلِي قد نهوني عَن لقائك ومراسلتك فَأرْسل إِلَيْهَا يَقُول
(أريت الْآمِر يَك بِقطع حبلي ... مريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ)
(فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وَإِن عاصوك فاعصي من عصاك)
(أَما وَالرَّاقصاتِ بِكُل فجٍ ... وَمَنْ صلى بنُعْمانِ الأرَاكِ)
(لقد أضمرْتُ حبَّك فِي فُؤَادِي ... وَما أضمرْتُ حبّاً مِن سواكِ) // الوافر //
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي قَالَ مَرَرْت بِالْكُوفَةِ وَإِذا أَنا بِجَارِيَة تطلع من جِدَار إِلَى الطَّرِيق وفتى وَاقِف وظهره إِلَيّ وَهُوَ يَقُول أسهر فِيك وتنامين عني وتضحكين مني وأبكي وتستريحين وأتعب وأمحضك الْمحبَّة وتمذقينها وأصدقك وتنافقيني ويأمرك عدوي بهجري فتطيعينه ويأمرني
стр. 160
نصيحي بذلك فأعصيه ثمَّ تنفس وأجهش باكياً فَقَالَت لَهُ إِن أَهلِي يمنعونني مِنْك وينهونني عَنْك فَكيف أصنع فَقَالَ لَهَا
(أريت الْآمِر يَك بِقطع حبلي ... مريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ)
(فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وَإِن عاصوك فاعصي من عصاك) // الوافر //
ثمَّ الْتفت فرآني فَقَالَ يَا فَتى مَا تَقول أَنْت فِيمَا قلت فَقلت لَهُ وَالله لَو عَاشَ ابْن أبي ليلى مَا حكم إِلَّا بِمثل حكمك
وَحدث ابْن أبي السرى عَن هِشَام قَالَ هوى ابْن الدمينة امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا أُمَيْمَة فهاج بهَا مُدَّة فَلَمَّا وصلته تجنى عَلَيْهَا وَجعل يَنْقَطِع عَنْهَا ثمَّ زارها ذَات يَوْم فتعاتبا طَويلا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فَقَالَ وَالشعر لَهَا
(وأنْتَ الَّذِي أخلفتني مَا وَعَدتَنْي ... وأشمَتَّ بِي من كَانَ فِيكَ يَلومُ)
(وأبرزتني للنَّاس ثمَّ تَركتَنْي ... لَهُم غَرضاً أُرْمَى وَأَنت سليمُ)
(فَلوْ أَن قَوْلاً يَكْلَمُ الْجِسْم قد بَدَا ... بجسميَ من قولِ الوشاة كلوم) // الطَّوِيل //
قَالَ فأجابها ابْن الدمينة فَقَالَ
(وأنتِ الَّتِي كَلَّفْتِني دَلَجَ السُّرى ... وَجُونُ القَطا بالجَلهَتين جُثُومُ)
стр. 161
(وأنْتِ الَّتِي قَطَّعتِ قلبِي حَرَارةً ... ومزقت جُرْحَ الْقلب فهوَ كليمُ)
(وَأَنت الَّتِي أحْفَظت قومِي فَكلُّهم ... بعيد الرِّضَا داني الصدود كظيم) // الطَّوِيل //
قَالَ ثمَّ تزَوجهَا بعد ذَلِك وَقتل وَهِي عِنْده كَمَا سَيَأْتِي
وَحدث أَبُو الْحسن الينبعي قَالَ بَينا أَنا وصديق لي من قُرَيْش نمشي بالبلاط لَيْلًا فَإِذا بِظِل نسْوَة فِي الْقَمَر فالتقينا فَإِذا بِجَمَاعَة نسْوَة فَسمِعت وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَقول أهوَ هُوَ فَقَالَت الْأُخْرَى نعم وَالله إِنَّه لَهو هُوَ فدنت مني ثمَّ قَالَت يَا كهل قل لهَذَا الَّذِي مَعَك
(ليسَتْ لياليكَ فِي خَاخ بِعَائدةٍ ... كَمَا عَهدتَ وَلَا أيامُ ذِي سلم) // الْبَسِيط //
فَقلت لَهُ أجب فقد سَمِعت فَقَالَ قد وَالله قطع بِي وأرتج عَليّ فأجب عني فَالْتَفت إِلَيْهَا ثمَّ قلت
(فَقلت لَهَا يَا عز كل مُصِيبَة ... إِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت) // الطَّوِيل //
فَقَالَت الْمَرْأَة أَواه ثمَّ مَضَت ومضينا حَتَّى إِذا كُنَّا بمفرق طَرِيقين مضى الْفَتى إِلَى منزله ومضيت إِلَى منزلي فَإِذا بِجَارِيَة تجذب طرف رِدَائي فَالْتَفت إِلَيْهَا فَقَالَت الْمَرْأَة الَّتِي كلمتك تدعوك فمضيت مَعهَا حَتَّى دخلت دَارا ثمَّ صرت إِلَى بَيت فِيهِ حَصِير وثنيت لي وسَادَة فَجَلَست ثمَّ جَاءَت جَارِيَة بوسادة مثنية فطرحتها ثمَّ جَاءَت الْمَرْأَة فَجَلَست عَلَيْهَا وَقَالَت لي أَأَنْت الْمُجيب قلت نعم قَالَت مَا كَانَ أفظ جوابك وأغلظه قلت وَالله مَا حضرني غَيره فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت لي وَالله مَا خلق الله خلقا أحب إِلَيّ من إِنْسَان كَانَ مَعَك قلت وَأَنا الضَّامِن عَنهُ
стр. 162
لَك مَا تحبين قَالَت أَو تفعل قلت نعم فوعدتها أَن آتيها بِهِ فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة وانصرفت فَإِذا الْفَتى ببالي فَقلت مَا جَاءَ بك قَالَ علمت أَنَّهَا سترسل إِلَيْك وَسَأَلت عَنْك فَلم أجدك فَعلمت أَنَّك عِنْدهَا فَجَلَست أنتظرك فَقلت لَهُ قد كَانَ كل مَا ظَنَنْت ووعدتها أَن آتيها بك فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة فَمضى ثمَّ أَصْبَحْنَا فتهيأنا ورحنا فَإِذا الْجَارِيَة تنتظرنا فمضت أمامنا حَتَّى دَخَلنَا الدَّار فَإِذا برائحة الطّيب وَجَاءَت فَجَلَست مَلِيًّا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فعاتبته طَويلا ثمَّ ذكرت الأبيات الَّتِي أنشدتها امْرَأَة ابْن الدمينة ثمَّ سكتت فَسكت الْفَتى هنيهة ثمَّ قَالَ
(غَدَرتِ وَلم أغدر وخُنْتِ وَلم أخُنْ ... وَفِي دونِ هَذَا للمُحِبِّ عزاءُ)
(جَزيتُكِ ضِعفَ الوُد ثمَّ صَرَمتنِي ... فحبكِ فِي قلبِي إِلَيْك أداءُ) // الطَّوِيل //
فالتفتت إِلَيّ وَقَالَت أَلا تسمع مَا يَقُول قد أَخْبَرتك قَالَ فغمزته فَكف ثمَّ قَالَت
(تجاهَلْتَ وَصْلي حِين لَّجتْ عَمايتي ... فَهَلا صَرَمْتَ الحبْلَ إِذْ أَنا مُبصرُ)
(ولي من قُوَي الحبْلِ الَّذِي قد قَطعتهُ ... نَصيبٌ وَإِذ رَأْيِي جَميع مُوَفِّرُ)
(وَلكنَّما آذنْتُ بِالصبرِ بَغتةً ... ولسْتُ على مثل الَّذِي جئتَ أقدِر) // الطَّوِيل //
فَقَالَ الْفَتى مجيباً لَهَا
(لقد جَعَلَتْ نَفسِي وَأَنت اجتَرمتِه ... وكنْتِ أحَبَّ النَّاس عنكِ تَطيبُ)
فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت أَو قد طابت نَفسك لَا وَالله مَا فِيك خير بعْدهَا فَعَلَيْك السَّلَام ثمَّ التفتت إِلَيّ وَقَالَت قد علمت أَنَّك لَا تفي بضمانك عَنهُ وانصرفنا
وَكَانَ السَّبَب فِي قتل ابْن دمينة أَن رجلا من سلول يُقَال لَهُ مُزَاحم بن عَمْرو كَانَ يَرْمِي بِامْرَأَة ابْن الدمينة وَكَانَ اسْمهَا حماء وَقيل حمادة فَكَانَ
стр. 163
يَأْتِيهَا ويتحدث إِلَيْهَا حَتَّى اشْتهر ذَلِك فَمَنعه ابْن الدمينة من إتيانها وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا فَقَالَ مُزَاحم يذكر ذَلِك
(يَا ابْن الدمينة والأخبارُ يرفَعها ... وَخْدُ النجائب والمحقور يخفيها
(يَا ابْن الدمينة إِن تغْضب لما فَعَلَتْ ... فَطالَ خِزْيُكَ أَو تَغضبْ مَوْاليها)
(أَو تُبغضوني فكم من طعنةٍ نَفَذَتْ ... يَغذو خِلال اختْلاج الجوْفِ غاذيها)
(جاهَدْتُ فِيهَا لكمُ إِنِّي لكم أبدا ... أبغي معايبَكم عَمْداً فآتيها)
(فَذَاك عِنْدِي لكم حَتَّى تُغَيِّبَنِي ... غَبراء مظلمَةٌ هارٍ نَوَاحِيهَا)
(أَغْشى نِساءَ بني تَمِيم إِذا هَجَعَتْ ... عنِّي العُيُونُ وَلَا أبغي مقاريها)
(كم كاعِبٍ من بني تَمِيم قَعَدْتُ لَهَا ... وعانسٍ حِين ذاق النومَ حامِيها)
(كقعدةِ الأعسر العُلفوف منتحياً ... مَتينة مِنْ متين النبل يَرميها)
(علامةٌ كَيَّةٌ مَا بينَ عانَتها ... وَبينَ سُبتها لَا شلّ كلويها)
(وشَهقةٌ عِنَد حِس الماءِ تشهقُها ... وقولُ رُكبتها قِضْ حِين تثنيها)
стр. 164
(وَتعدلُ الأير إنْ زَاغَتْ فتبعثهُ ... حتىَّ يُقيمَ برِفقٍ صدْرَهُ فِيها)
(بَين الصفوقين فِي مُستهدف وَمِدٍ ... ذِي حَرّة ذاق طعمَ الموتِ صاليها)
(مَاذَا تَرى يَا عبيد الله فِي امْرَأةٍ ... ليستْ بِمُحصنةٍ عَذراء حاويها)
(أيامَ أنتَ طَريدٌ لَا تُقاربُها ... وَصادفَ القوسَ فِي الغرَّاتِ باريها)
(ترَى عَجوزَ بَني تَمِيم مُلفعةً ... شُمطاً عوارِضُها رُبْداً دَواهيها)
(إِذ تجْعَل الدفنس الورهاء عذرتها ... قشارة من أدِيم الأرضِ تفريها)
(حتىَّ يظل هَذَانِ الْقَوْم يحسبها ... بكر أَو قبل هوى فِي الدَّار هاويها) // الْبَسِيط //
وَلما بلغ ابْن الدمينة شعر مُزَاحم أَتَى امْرَأَته فَقَالَ لَهَا قد قَالَ فِيك هَذَا الرجل مَا قَالَ وَقد بلغك قَالَت وَالله مَا رأى مني ذَلِك قطّ قَالَ فَمن أَيْن لَهُ العلامات قَالَت وصفتهن لَهُ النِّسَاء قَالَ هَيْهَات وَالله أَن يكون ذَلِك كَذَلِك ثمَّ أمسك مُدَّة وصبر حَتَّى ظن أَن مزاحماً قد نسي الْقِصَّة ثمَّ أعَاد عَلَيْهَا القَوْل وأعادت الْحلف أَن ذَلِك مِمَّا وَصفه لَهُ النِّسَاء فَقَالَ لَهَا وَالله لَئِن لم تمكنيني مِنْهُ لأَقْتُلَنك فَعلمت أَنه سيفعل ذَلِك فَبعثت إِلَيْهِ وواعدته لَيْلًا وَقعد لَهُ ابْن الدمينة وَصَاحب لَهُ فَجَاءَهَا للموعد فَجعل يكلمها وَهِي مَكَانهَا فَلم تكَلمه فَقَالَ لَهَا يَا حماء مَا هَذَا الْجفَاء اللَّيْلَة قَالَ فَتَقول لَهُ هِيَ بِصَوْت ضَعِيف ادخل فَدخل فَأَهوى بِيَدِهِ ليضعها عَلَيْهَا فوضعها على ابْن الدمينة فَوَثَبَ عَلَيْهِ هُوَ وَصَاحبه وَقد جعل لَهُ حصاً فِي ثوب فَضرب بن كبده حَتَّى قَتله وَأخرجه فطرحه مَيتا فجَاء أَهله فاحتملوه وَلم يَجدوا بِهِ أثر السِّلَاح فَعَلمُوا أَن ابْن الدمينة قَتله وَقد قَالَ ابْن الدمينة فِي تَحْقِيق ذَلِك
стр. 165
(قَالُوا هَجتكُ سَلولُ الْيَوْم مخيفة ... فاليومَ أهجو سَلولاً لَا أخافِيها)
(قَالُوا هَجاكَ سَلوليٌّ فقلتُ لهمْ ... قد أنصفَ الصَّخْرَة الصماء رامِيها)
(رِجَالهمْ شرُّ مَنْ يَمشي ونسوتُهم ... شرُّ البريَّةِ اسْتَاذلّ حامِيها)
(يَحككْنَ بالصخر أستاها لَهَا نَقبٌ ... كَمَا يَحك نقابَ الجرْبِ طاليها) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَيْضا يذكر دُخُول مُزَاحم وَوضع يَده عَلَيْهِ
(لكَ الخيرُ إِن وَاعدت حماء فالقها ... نَهَارا وَلَا تُدْلج إِذا الَّليلُ أظْلما)
(فإنَّكَ لَا تَدري أبَيْضَاء طَفْلةً ... تُعانقُ أَمْ ليثاً مِنَ الْقَوْم قَشْعمَا)
(فَلما سرى عَن ساعِديَّ ولحيتي ... وَأيقنَ أنِّي لست حماء جمجما) // الطَّوِيل //
ثمَّ أَتَى ابْن الدمينة امْرَأَته فَطرح على وَجههَا قطيفة ثمَّ جلس عَلَيْهَا حَتَّى قَتلهَا فَلَمَّا مَاتَت قَالَ
(إِذا قَعدْتُ على عِرْنينِ جاريةٍ ... فوقَ القطيفةِ فَادعوا ليَ بحفار) // الْبَسِيط //
فَبَكَتْ بنت لَهُ مِنْهَا فَضرب بهَا الأَرْض فَقَتلهَا أَيْضا وَقَالَ متمثلاً
(لَا تغدوا مِنْ كَلْبِ سَوْءِ جَرْوَا ... )
فَخرج جنَاح أَخُو الْمَقْتُول إِلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل فاستعداه على ابْن الدمينة فَبعث إِلَيْهِ فحبسه وَقَالَت أم أبان وَالِدَة مُزَاحم الْمَقْتُول وَهِي من بني خثعم ترثي ابْنهَا وتحرض مصعباً وجناحا أَخَوَيْهِ
стр. 166
(بأهلي وَمَالِي بَل بِجُلِّ عَشيرتي ... قَتِيل بني تَمِيم بِغيرِ سِلاح)
(فَهلَاّ قتلتُمْ بِالسِّلَاحِ ابْنَ أختِكم ... فتظهرَ فيهِ للشهودِ جِراحُ)
(فَلَا تطمعوا فِي الصُّلْح مَا دُمت حيَّةً ... وَما دَامَ حيّاً مُصعبٌ وَجناحُ)
(أَلمْ تعلمُوا أنَّ الدوَائِر بَيْننَا ... تَدور وَأَن الطالبين شحاح) // الطَّوِيل //
وَلما طَال حبس ابْن الدمينة وَلم يجد عَلَيْهِ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل سَبِيلا وَلَا حجَّة خلاه وَقتلت بَنو سلول من خثعم رجلا مَكَان الْمَقْتُول وَقتلت خثعم بعد ذَلِك نَفرا من سلول وَلَهُم قصَص وأخبار كَثِيرَة ثمَّ إِن ابْن الدمينة أقبل حَاجا بعد مُدَّة فَنزل بتبالة فَعدا عَلَيْهِ مُصعب أَخُو الْمَقْتُول لما رَآهُ وَكَانَت أمه حرضته وَقَالَت لَهُ اقْتُل ابْن الدمينة فَإِنَّهُ قتل أَخَاك وهجا قَوْمك وذم أختك وَقد كنت أعذرك قبل هَذَا لِأَنَّك كنت صَغِيرا والآن قد كَبرت فَلَمَّا أكثرت عَلَيْهِ خرج من عِنْدهَا وبصر بِابْن الدمينة وَاقِفًا ينشد النَّاس فغدا إِلَى جزار فَأخذ شفرته وَعدا على ابْن الدمينة فجرحه بهَا جراحتين فَقيل إِنَّه مَاتَ لوقته وَقيل بل سلم من تِلْكَ الدفعة وَمر بِهِ مُصعب بعد ذَلِك وَهُوَ فِي سوق العبلاء ينشد أَيْضا فعلاه بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتله وَعدا وَتَبعهُ النَّاس حَتَّى اقتحم دَارا وأغلقها عَلَيْهِ فَجَاءَهُ رجل من قومه فصاح بِهِ يَا مُصعب إِن لم تضع يدك فِي يَد السُّلْطَان قتلتك الْعَامَّة فَاخْرُج فَلَمَّا عرفه قَالَ لَهُ أَنا فِي ذِمَّتك حَتَّى تسلمني إِلَى السُّلْطَان فقذفه السُّلْطَان فِي سجن تبَالَة قَالَ وَمكث ابْن الدمينة جريحاً لَيْلَة ثمَّ مَاتَ فِي غَد وَقَالَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة يحرض قومه ويوبخهم
стр. 167
(هتفتَ بأكلبٍ ودعوتَ قيسا ... فَلَا خُذُلاً دَعوْتَ وَلَا قليلَا)
(ثَأرْتَ مُزاحِما وَسررت قيسا ... وَكنتَ لِما هممْتَ بِهِ فَعولَا)
(فَلَا تَشْلَلْ يدَاكَ وَلا تَزَالا ... تُفيدانِ الغنائِمَ وَالجزيلا)
(فلوْ كَانَ ابْن عبدِ اللهِ حيّاً ... لَصبَّحَ فِي منازِلِها سَلولَا) // الوافر //
وَبلغ مصعباً أَخا الْمَقْتُول أَن قوم ابْن الدمينة يُرِيدُونَ أَن يقتحموا عَلَيْهِ سجن تبَالَة فيقتلوه فَقَالَ يحرض قومه
(لقيتُ أَبَا السَّريّ وَقد تكالا ... لهُ حقُّ العداوةِ فِي فُؤَادِي)
(فكادَ الغيظُ يَفْرِطُني إليهِ ... بطعنٍ دُونهُ طعنُ الشدادِ)
(إِذا نبحَتْ كِلابُ السجْن حَولي ... طمعت هَشاشةً وَهفا فُؤَادِي)
(طماعاً أنْ يدُقّ السجنَ قومِي ... وَخوفاً أَن تُبَيِّتني الأعادي)
(فَمَا ظَنِّي بِقومي شرّ ظنّ ... وَلا أَن يُسلموني فِي البلادِ)
(وَقدْ جدَّلتُ قاتلَهمْ فأمسى ... يَمجُّ دَمَ الوتين على الوساد) // الوافر //
فَجَاءَت بَنو عقيل إِلَيْهِ لَيْلًا فكسروا السجْن وأخرجوه مِنْهُ فهرب إِلَى صنعاء
وَمن شعر أبن الدمينة الأبيات الْمَشْهُورَة
стр. 168
(أَقضي نَهاري بالحديثِ وبالمنى ... ويَجْمعُنْي وَالهمَّ بِاللَّيْلِ جامعُ)
(نَهاري نَهارُ النَّاس حَتَّى إِذا بدا ... ليَ الليلُ شاقتني إليكِ المضاجعُ)
(لَقدْ ثَبتَتْ فِي القلبِ مِنكِ مَحَبة ... كَمَا ثبتَتْ فِي الراحتينِ الأصابِع) // الطَّوِيل //
وَهِي من قصيدة طَوِيلَة يخلطها النَّاس كثيرا بقصيدة لمَجْنُون ليلى لِأَنَّهَا توافقها فِي الْوَزْن والقافية
٢٨ - (إِلهي عَبْدُكَ العَاصيِ أتَاكاَ ... )
هُوَ من الوافر وَلَا أعلم قَائِله وَتَمَامه
(
(مُقِرّاً بالذنُوبِ وقدْ دَعاكَا ... )
(فإنْ تغفرْ فأنتَ لِذاكَ أهلٌ ... وَإنْ تطرُدْ فمنْ يَرْحَمْ سواكا) // الوافر //
والطرد الأبعاد
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع الْمظهر وَهُوَ عَبدك مَوضِع الْمُضمر وَهُوَ أَنا للاستعطاف وَهُوَ طلب الْعَطف وَالرَّحْمَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمظهر من اسْتِحْقَاق الرَّحْمَة وترقب الرأفة وَإِن كَانَ من غير بَاب الْمسند إِلَيْهِ أَيْضا
٢٩ - (تَطَاوَلَ لَيلَك بِالأثمُدِ ... )
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ أول
стр. 169
قصيدة من المتقارب وَتَمَامه
(ونامَ الخلِيُّ وَلمْ تَرْقُدِ ... )
وَبعده
(وباتَ وَباتَتْ لهُ لَيلةٌ ... كلَيْلَةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَد)
(وذلكَ مِنْ نبأ جاءنِي ... وأنبئتُهُ عَن أبي الأسوَدِ)
(ولوْ عنْ نَثَا غيرهِ جَاءنِي ... وَجُرْحُ اللسانِ كَجُرْحِ الْيَد)
(لَقُلْتُ مِنَ القَوْل مَالا يزَال ... يُؤْثَرُ عني يَدَ المسنَدِ)
(بِأَيّ عَلاقتنَا ترْغبونَ ... أعَنْ دَمِ عَمْرٍو على مَرْثَدِ)
(فإنْ تَدْفنوا الدَّاء لَا نُخفهِ ... وإنْ تَبْعَثوا الدَّاء لَا نَقعُدِ)
(وَإِن تَقتُلونَا نُقاتِلكُمْو ... وإِنْ تقصدوا لدمٍ نَقصدِ)
(مَتىَ عهدنا بطعان الكماة ... والمَجدِ والحمدِ والسودَدِ)
(وَبني القباب وملء الجفان ... والنَّارِ والحَطَبِ المُوَقَدِ) // المتقارب //
والأثمد بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْمِيم وَرُوِيَ بكسرهما اسْم مَوضِع والعائر بِالْمُهْمَلَةِ هُوَ القذي يَقع فِي الْعين وَقيل هُوَ نفس الرمد
وَالشَّاهِد فِيهِ الِالْتِفَات وَهُوَ فِي قَوْله ليلك لِأَنَّهُ خطاب لنَفسِهِ وَمُقْتَضى الظَّاهِر ليلى بالتكلم
стр. 170
وامرؤ الْقَيْس هُوَ ابْن عانس بنُون وسين مُهْملَة ابْن الْمُنْذر ابْن امرىء الْقَيْس بن السمط بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن الْحَرْث يَنْتَهِي نسبه لكندة الْكِنْدِيّ الشَّاعِر لَهُ صُحْبَة وَشهد ﵁ فتح النُّجَيْر بِالْيمن وَهُوَ حصن قرب حَضرمَوْت ثمَّ حضر الكنديين حِين ارْتَدُّوا فَثَبت على إِسْلَامه وَلم يكن فِيمَن ارْتَدَّ ثمَّ نزل الْكُوفَة وَلما خَرجُوا ليقتتلوا وثب على عَمه فَقَالَ لَهُ وَيحك يَا امْرأ الْقَيْس أتقتل عمك فَقَالَ لَهُ أَنْت عمي وَالله رَبِّي وَهُوَ الَّذِي خَاصم إِلَى رَسُول الله ﷺ ربيعَة بن عيدَان بِكَسْر الْعين وَالْيَاء التَّحْتِيَّة وَيُقَال فِيهِ عَبْدَانِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَكْسُورَة مَعَ تَشْدِيد الدَّال وَيُقَال بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء وَكَانَت الْمُخَاصمَة فِي ارْض فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ بينتك قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة فَقَالَ ﷺ يَمِينه وَهُوَ الْقَائِل ﵁
(قف بالديار وقُوف حَابِسْ ... وَتأنَّ إنّكَ غيرُ آيِسْ)
(لَعبتْ بِهن العاصفات ... الرائحَاتُ إِلَى الروامِس)
(مَاذَا عَلَيْك من الْوُقُوف ... بهَامِدِ الطللينِ دَارسْ)
(يَا رُبَّ باكيةٍ عَليَّ ... وَمُنْشِدٍ لِي فِي المجالِسْ)
(أوْ قَائِلٍ يَا فَارِسًا ... مَاذَا رُزِئتَ مِنَ الفَوارسْ)
(لَا تَعجبوا أنْ تسمعُوا ... هَلكَ امْرُؤ الْقَيْس بن عانس) // من مجزوء الْكَامِل //
стр. 171
وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا امْرُؤ الْقَيْس بن أبي الْأصْبع الْكلابِي وامرؤ الْقَيْس ابْن الفاخر بن الطماع الْخَولَانِيّ
٣٠ - (طَحَا بِكَ قلب فِي الحسان طروب ... بعيد الشَّبَاب عصر حَان مشيب)
(يُكلّفنِي لَيلىَ وقدْ شطّ ولْيُهَا ... وعَادَتْ عَوَادٍ بينَنَا وخُطُوبُ)
البيتان لعلقمة بن عَبدة الْفَحْل من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا الْحَارِث بن جبلة بن أبي شمر الغساني وَكَانَ أسر أَخَاهُ شاساً فَرَحل إِلَيْهِ يطْلب فكه وَبعد الْبَيْتَيْنِ
(منعَّمةٌ لَا يستطَاعُ كلامَهَا ... على بابهَا من أَن تزارَ رَقيبُ)
(إِذا غابَ عنهَا البعْلُ لم تفش شَره ... وتُرْضى إيابَ البعل حِين يؤبُ)
(فَلا تَعْدلِي بيني وَبَين مُغَمّرٍ ... سقتك روايَا المزنِ حِين تصوبُ)
(سقاك يمانِ ذُو حنينٍ وعارضٍ ... تروحُ بِهِ جنْحَ الْعشي جَنوبُ)
(وَمَا أنتَ أمْ مَا ذكرُها رَبعَيةً ... يخط لَهَا من ثَرمدَاء قليبُ)
(فَإِن تسألولني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأدواء النِّسَاء طبيبُ)
стр. 172
(إِذا شابَ رأسُ المَرء أَو قل مالُهُ ... فَليسَ لَهُ مِنْ وُدهِنَّ نصيبُ)
(يُرِدْنَ ثراء المَال حَيْثُ عَلمته ... وشَرْخُ شبابٍ عِنْدهن عَجِيب) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِي غَرَضه مِنْهَا
(وَفِي كل حَيّ قد خبَطْتَ بِنِعْمَة ... فَحق لشَاسٍ من ندَاكَ ذَنوبُ)
فَلَمَّا سمع الْحَارِث هَذَا الْبَيْت قَالَ نعم وأذنبه وَلما سمع قَوْله فِي وصف النِّسَاء قَالَ صدق فوك لله أَبوك أَنْت طبيبهن والخبير بأدوائهن وَقد أَخذه من قَول امرىء الْقَيْس
(أراهن لَا يحببن من قل مَاله ... وَلَا من رأين الشيب فِيهِ وقوَّسَا) // الطَّوِيل //
وَمن لطيف مَا يذكر من كَرَاهَة النِّسَاء للشيب قَول مُحَمَّد بن عِيسَى المَخْزُومِي
(قالتْ أحبك قلتُ كَاذِبَة ... غُرى بذا مَنْ لَيْسَ ينتقدُ)
(لَو قلتِ لي أشناكَ قلتُ نعمْ ... الشيب لَيْسَ يحبُّهُ أحد) // الْكَامِل //
وَمعنى طحابك أَي اتَّسع وَذهب بك كل مَذْهَب وطروب مَأْخُوذ من الطَّرب وَهُوَ استخفاف الْقلب فِي الْفَرح أَي لَهُ طرب فِي طلب الحسان ونشاط فِي مراودتهن وَمعنى بعيد الشَّبَاب حِين ولي وَكَاد ينصرم وَمعنى عصر حَان مشيب أَي زمَان قرب المشيب وإقباله على الهجوم وَمعنى شط بعد وَالْوَلِيّ الْقرب والعوادي الصوارف وعوادي الدَّهْر عوائقه والخطوب جمع خطب وَهُوَ الْأَمر الْعَظِيم
وَالشَّاهِد فِيهِ الِالْتِفَات من الْخطاب فِي طحابك إِلَى التَّكَلُّم فِي يكلفني وفاعله ضمير الْقلب وليلى مَفْعُوله الثَّانِي وَرُوِيَ بِالتَّاءِ الفوقانية على أَنه مُسْند إِلَى ليلى وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي تكلفني شَدَائِد فراقها أَو على أَنه خطاب للقلب فَفِيهِ الْتِفَات آخر من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب وَفِي طحابك الْتِفَات آخر عِنْد السكاكي لَا عِنْد الْجُمْهُور
стр. 173
وَأَشَارَ عَلْقَمَة بصدر الْبَيْت الَّذِي قبل الْأَخير هُنَا إِلَى أَن المَال يستر شين الشيب وَيحسن قبيحه كَمَا قَالَ بَعضهم
(وخودٌ دعَتني إِلَى وصْلها ... وعصرُ الشَّبيبةِ مني ذَهَبْ)
(فقلتُ مشيي مَا يَنطلي ... فَقَالَت بَلى يَنْطلي بالذَّهبْ) // المتقارب //
وَذكرت بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَاقعَة ظريفة وَهِي أَنَّهُمَا أنشدا فِي مجْلِس كَانَ فِيهِ بعض ظرفاء الأدباء فَقَالَ مَا أعرف القافية فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ إِلَّا بِحرف الرَّاء فَقَالَ لَهُ المنشد كَيفَ فَقَالَ وعصرُ الشَّبيبةِ مني سرى فَقَالَ وَكَيف تصنع فِي الْبَيْت الثَّانِي فَقَالَ فَقَالَت بلَى ينطلي بالخرا فاستحى المنشد وَانْصَرف من الْمجْلس خجلاً
وعلقمة بن عَبدة بن عبد الْمُنعم النعماني يَنْتَهِي نسبه إِلَى نزار وَكَانَ يُقَال لَهُ الْفَحْل لِأَنَّهُ خلف على امْرَأَة امرىء الْقَيْس لما حكمت لَهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أشعر مِنْهُ وَكَانَ من خبر ذَلِك مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ كَانَ تَحت امرىء الْقَيْس امْرَأَة من طييء تزَوجهَا حِين جاور فيهم فَنزل بهم عَلْقَمَة الْفَحْل التَّمِيمِي فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه أَنا أشعر مِنْك فتحا كَمَا إِلَيْهَا فأنشدها امْرُؤ الْقَيْس قَوْله
стр. 174
(خليلي مرا بِي على أم جُنْدُب ... لنَقضي لُباناتِ الْفُؤَاد المعذب) // الطَّوِيل //
حَتَّى مر بقوله مِنْهَا
(فللسوطِ أُلهُوبٌ وللساقِ درَّةٌ ... وَللزَّجْرِ مِنهُ وَقْعُ أهوجَ مِنْعَب)
وأنشدها عَلْقَمَة قَوْله
(ذَهبتَ مِنَ الهجرانِ فِي غير مَذْهَبِ ... ) // الطَّوِيل //
حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله
(فأدركهن ثَانِيًا من عنانه ... يَمُرّ كغيثٍ رائح مُتَحَلِّبِ)
فَقَالَت لَهُ عَلْقَمَة أشعر مِنْك قَالَ وَكَيف قَالَت لِأَنَّك زجرت فرسك وحركته بساقك وضربته بسوطك وَإنَّهُ جَاءَ هَذَا للصَّيْد ثَانِيًا من عنانه فَغَضب امْرُؤ الْقَيْس وَقَالَ لَيْسَ كَمَا قلت وَلَكِنَّك هويته فَطلقهَا فَتَزَوجهَا عَلْقَمَة بعد ذَلِك فَسمى عَلْقَمَة الْفَحْل وَمَا زَالَت الْعَرَب تسميه بذلك قَالَ الفرزدق
(والفحلُ علقمةُ الَّذِي كانتْ لهُ ... حُلَلُ الْمُلُوك كلامَهُ نتنحَّلُ) // الْكَامِل //
وَعَن حَمَّاد الراوية قَالَ كَانَت الْعَرَب تعرض أشعارها على قُرَيْش فَمَا قبلوا
стр. 175
مِنْهُ كَانَ مَقْبُولًا وَمَا ردوا مِنْهُ كَانَ مردوداً فَقدم عَلَيْهِم عَلْقَمَة بن عَبدة فأنشدهم قصيدته الَّتِي أَولهَا
(هلْ مَا عَلمتَ وَمَا استْودعْتَ مَكْتُوم ... أمْ حَبلها إِذْ نأتْكَ الْيَوْم مصروم) // الْبَسِيط //
فَقَالُوا هَذَا سمط الدَّهْر ثمَّ عَاد إِلَيْهِم فِي الْعَام الْقَابِل فأنشدهم قَوْله
(طحا بك قلب فِي الحسان طروب ... بعيد الشَّبَاب عصر حَان مشيب) // الطَّوِيل //
فَقَالُوا هَذَانِ سمطا الدَّهْر
وَعَن حَمَّاد بن إِسْحَاق قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سرق ذُو الرمة قَوْله
(يطفو إِذا مَا تَلَقَّتْهُ الجراثيم ... ) // الْبَسِيط //
من قَول العجاج
(إِذا تلقتهُ العقاقيلُ طفا ... ) // الرجز //
وَسَرَقَهُ العجاج أَيْضا من عَلْقَمَة بن عَبدة حَيْثُ يَقُول
(يطفو إِذا مَا تَلَقَّتْهُ العرانين ... ) // الْبَسِيط //
وَحدث الْعمريّ عَن لَقِيط قَالَ تحاكم عَلْقَمَة بن عَبدة التَّمِيمِي والزبرقان ابْن بدر السَّعْدِيّ والمخبل وَعَمْرو بن الْأَهْتَم إِلَى ربيعَة بن جدان الْأَسدي فَقَالَ أما أَنْت يَا زبرقان فشعرك كلحم لَا أنضج فيؤكل وَلَا ترك فينتفع بِهِ وَأما أَنْت يَا عَمْرو فشعرك كبرد حبرَة يتلألأ فِيهِ الْبَصَر فَكلما أعدته نقص وَأما أَنْت
стр. 176
يَا مخبل فَإنَّك قصرت عَن الْجَاهِلِيَّة وَلم تدْرك الْإِسْلَام وَأما أَنْت يَا عَلْقَمَة فَإِن شعرك كمزادة أحكم خرزها فَلَيْسَ يقطر مِنْهَا شَيْء
٣١ - (ومَهْمَةٍ مُغْبرة أرْجاؤهُ ... كأنَّ لونَ أرضه سَماؤهُ)
الْبَيْت لرؤبة بن العجاج من الرجز
والمهمة الْمَفَازَة الْبَعِيدَة والبلد المقفر وَالْجمع مهامة والمغبرة المتلونة بالغبرة والأرجاء الْأَطْرَاف والنواحي جمع رجا مَقْصُورا
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقلب وَهُوَ أَن يَجْعَل أحد أَجزَاء الْكَلَام مَكَان الآخر وَالْآخر مَكَانَهُ وَهُوَ هُنَا فِي المصراع الثَّانِي وَمَعْنَاهُ كَأَن لون سمائه لغبرتها لون أرضه وَفِيه من الِاسْتِعَارَة مَا لَيْسَ فِي تَركه لإشعاره بَان لون السَّمَاء قد بلغ من الغبرة إِلَى حَيْثُ يشبه بِهِ لون الأَرْض فِيهَا
وَمن الْقلب قَول الشَّاعِر
(كَانَت فَريضَة مَا تقُولُ كَمَا ... كانَ الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْم) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول أبي تَمام يصف قلم الممدوح
(لُعابُ الأفاعي القاتِلات لُعابهُ ... وأرْىُ الجَني اشْتارتْهُ أيْدٍٍ عواسِلُ) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(فَدَيت بنَفسه نَفسِي وَمَالِي ... ) // الوافر //
وَقَول الآخر
(يمشي فَيُقْعِسُ أَو يكب فيعثر ... ) // الْكَامِل //
ورؤبة بن العجاج تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
стр. 177
٣٢ - (كَمَا طينت بالفدن السَّياعا ... )
قَائِله الْقطَامِي من قصيدة من الوافر يمدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي حِين أحاطت بِهِ قيس بنواحي الجزيرة وَأَرَادُوا قَتله فحال زفر بَينه وَبينهمْ وحماه وَمنعه وكساه وَأَعْطَاهُ مائَة نَاقَة وخلى سَبيله فَقَالَ يمدحه وَأول القصيدة
(قفي قَبلَ التَّفرق يَا ضُباعا ... وَلَا يَكُ موْقِفٌ مِنْك الوَداعا)
(قفي فافْدي أسيرَكِ إِن قومِي ... وقوْمَكِ لَا أرَى لهُم اجتماعا) // الوافر //
إِلَى أَن قَالَ يمدح زفر بن الْحَارِث
(وَمن يَكُنِ استَلَام إِلَى ثَويٍّ ... فَقَدْ أحسنْتَ يَا زُفَرُ المتاعا)
(أكُفراً بعد ردِّ الموتِ عني ... وبعْدَ عَطائك المائَةَ الرِّتاعا)
(فَلما أَن جرَى سِمَنٌ عَلَيْهَا ... كَمَا طينت بالفدن السياعا)
(أمَرْتُ بهَا الرِّجَال ليأخُذُوها ... ونحنُ نظُن أَن لن تُستَطاعا)
(فَلأْياً بعد لأيٍ أَدرَكوها ... على مَا كَانَ إِذ طَرَحُوا الرِّقاعا)
(فَلَو بِيَدَيْ سِواكَ غَدَاةً زلَّتْ ... بِيَ القدمانِ لم أرجُ اطِّلاعا)
стр. 178
(إِذن لَهلكتُ لَو كَانَت صغَارًا ... من الْأَخْلَاق تُبْتَدعُ ابتداعا)
(فَلم أرَ مُنْعِمِينَ أقلَّ منا ... وأكرَمَ عِنْدَمَا اصطنعوا اصطناعا)
(مِنَ البيضِ الوجوهِ بني نُفَيْلٍ ... أبَتْ أخْلاقُهُمْ إِلَّا اتساعا) // الوافر //
وَهِي طَوِيلَة
والفدن محركة الْقصر المشيد والسياع بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة الطين بالتبن يطين بِهِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقلب أَيْضا وَمَعْنَاهُ كَمَا طينت الفدن بالسياع وَهَذَا من قبيل الْقلب الْمَرْدُود لِأَن الْعُدُول عَن مُقْتَضى الظَّاهِر من غير نُكْتَة تَقْتَضِيه خُرُوج عَن تطبيق الْكَلَام لمقْتَضى الْحَال
والقطامي بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا اسْمه عُمَيْر بن شييم والقطامي لقب غلب عَلَيْهِ وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَأسلم قَالَه ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق وَهُوَ شَاعِر إسلامي مقل فَحل مجيد
وَعَن الشّعبِيّ ﵀ قَالَ قَالَ عبد الْملك وَأَنا حَاضر للأخطل يَا أَبَا مَالك أَتُحِبُّ أَن لَك بشعرك شعر شَاعِر من الْعَرَب قَالَ اللَّهُمَّ لَا إِلَّا شَاعِرًا منا مغدف القناع خامل الذّكر حَدِيث السن إِن يكن فِي أحد خير فسيكون فِيهِ ولوددت أَنِّي سبقته إِلَى قَوْله
стр. 179
(وَإِنِّي لَصبَّارٌ على مَا ينوبني ... وحسبك أَن الله أثنى على الصَّبْر) // الطَّوِيل //
وَرَوَاهُ صَاحب الدّرّ الفريد لأبي سعيد المَخْزُومِي يُخَاطب بِهِ امْرَأَته وَأول الأبيات
(ثِقِي بجميل الصبرِ مني على الهجر ... وَلَا تثقي بِالصبرِ مني على الهجر) // الطَّوِيل //
وَأَرَادَ بالغنى مسببه أَعنِي الرَّاحَة وبالفقر المحنة يَعْنِي أَن السِّيَادَة مَعَ التَّعَب وَالْمَشَقَّة أحب إِلَيْهِ من الرَّاحَة والدعة بِدُونِهَا
وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإطناب بِالنِّسْبَةِ إِلَى مصراع أبي تَمام لِأَنَّهُ مساوٍ لَهُ فِي أصل الْمَعْنى مَعَ قلَّة حُرُوفه
وَمثل ذَلِك قَول الشماخ
(إِذَا مَا رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ... تلقَاهَا عرابة بِالْيَمِينِ) // الوافر //
وَقَول بشر بن أبي خازم
(إِذا مَا المكرماتُ رُفعن يَوْمًا ... وقصَّرَ مُبْتَغُوها عَن مَداهَا)
(وَضاقَتْ أذرُعُ الْمُثْرِينَ فِيهَا ... سما أوسٌ إِلَيْهَا فاحتواها) // الوافر //
والمعذل هُوَ ابْن غيلَان بن الحكم بن البحتري وَكَانَ أَبوهُ غيلَان شَاعِرًا أَيْضا
حدث عمَارَة قَالَ مر المعذل بن غيلَان بِعَبْد الله بن سوار الْعَنْبَري القَاضِي فاستنزله عبد الله وَكَانَ من عَادَة المعذل أَن ينزل عِنْده فَأبى وأنشده
(أمِنْ حق الْمَوَدَّة أَن نُقضِّي ... ذِمامكُم وَلَا تقضوا ذِمامَا)
стр. 180
(يقتلنني بحديثٍ ليسَ يُعلمهُ ... من يتقين وَلَا مكنونه بَادِي)
(فهن ينبذن من قَول يصبن بِهِ ... مواقع المَاء من ذِي الْغلَّة الصادي) // الْبَسِيط //
وَحدث مُحَمَّد بن صَالح بن النطاح قَالَ الْقطَامِي أول من لقب صريع الغواني بقوله
(صريعُ غَوَانٍ راقَهُنّ ورُقنَهُ ... لَدُنْ شبّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذوائب) // الطَّوِيل //
وَنزل الْقطَامِي فِي بعض أَسْفَاره بِامْرَأَة من محَارب قيس فنسبها فَقَالَت أَنا من قوم يشتوون الْقد من الْجُوع قَالَ وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك قَالَت محَارب وَلم تقره فَبَاتَ عِنْدهَا بأسوإ لَيْلَة فَقَالَ فِيهَا قصيدة أَولهَا
(نَأتْكَ بليلي نيةٌ لم تقاربِ ... وَمَا حُبُّ ليلى من فُؤَادِي بذاهب) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(وَلَا بدْ أَن الضيفَ يُخبرُ مَا رأى ... مُخَبِّرُ أهْلٍ أَو مخبرُ صاحبِ)
(سأخبرْكَ الأنباء عَن أُمّ منزِلٍ ... تَضيفْتُهَا بَين العُذَيْبِ فَراسبِ)
(تَلفَّفْتُ فِي طلّ وريح تلفني ... وَفِي طِرْ مِسَاء غيرِ ذاتِ كواكِبِ)
(إِلى حَيزَبونٍ تُوقدُ النَّار بَعْدَمَا ... تلفَّعَتِ الظلمَاء من كل جَانبِ)
(تصلى بهَا بردَ العشاءِ وَلم تكن ... تخالُ وميض النَّار يَبْدُو لراكبِ)
следующие страницы →