Полный текст (694 стр.). Показаны 666–694 · переход к 671.
стр. 666
وَقَالَ ثُمَامَة أَنْشدني أَبُو الْعَتَاهِيَة
(إِذا الْمَرْء لم يُعتِق منَ المَال نفسَهُ ... تمَلّكَهُ المالُ الَّذِي هُوَ مالكُهْ)
(أَلا إِنَّمَا مَالِي الَّذي أَنا مُنفِقٌ ... ولَيسَ ليَ المَالُ الَّذِي أَنا تاركُهْ)
(إِذا كُنتَ ذَا مَال فبادر بِهِ الَّذي ... يحقُّ وَلَا استهلكته مهالكه) // الطَّوِيل //
فَقلت لَهُ من أَيْن قضيت بِهَذَا قَالَ من قَوْله ﷺ (إِنَّمَا لَك من مَالك مَا أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت أَو أَعْطَيْت فأمضيت) فَقلت أتؤمن بِأَن هَذَا قَول رَسُول الله ﷺ وَأَنه الْحق قَالَ نعم قلت فَلم تحبس عنْدك سبعا وَعشْرين بدرة فِي دَارك لَا تَأْكُل مِنْهَا وَلَا تشرب وَلَا تزكي وَلَا تقدمها ذخْرا ليَوْم فقرك وفاقتك قَالَ يَا أَبَا معن وَالله إِن مَا قلت لحق وَلَكِنِّي أَخَاف الْفقر وَالْحَاجة إِلَى النَّاس قلت وَمَا يزِيد حَال من افْتقر على حالك وَأَنت دَائِم الْحزن لَا تَأْكُل وَلَا تشرب مِنْهَا دَائِم الْجمع شحيح على نَفسك لَا تشتري اللَّحْم إِلَّا من عيد إِلَى عيد فَترك جَوَاب كَلَامي كُله ثمَّ قَالَ لي وَالله لقد اشْتريت فِي يَوْم عَاشُورَاء لَحْمًا وتوابله وَمَا يتبعهُ بِخَمْسَة دَرَاهِم فَلَمَّا قَالَ لي هَذَا القَوْل أضحكني حَتَّى أذهلني عَن جَوَابه ومعاتبته وَأَمْسَكت عَنهُ وَعلمت أَنه لَيْسَ مِمَّن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ
وَقيل لَهُ مَا لَك تبخل بِمَا رزقك الله تَعَالَى فَقَالَ وَالله مَا بخلت بِمَا رَزَقَنِي الله قطّ قيل لَهُ فَكيف ذَاك وَفِي بَيْتك من المَال مَا لَا يُحْصى قَالَ لَيْسَ ذَلِك رِزْقِي وَلَو كَانَ رِزْقِي لأنفقته
وَحدث أَبُو الْعَتَاهِيَة قَالَ أخرجني الْمهْدي مَعَه إِلَى الصَّيْد فوقعنا مِنْهُ على شَيْء كثير وتفرق أَصْحَابه فِي طلبه وَأخذ هُوَ فِي طَرِيق آخر غير طريقهم فَلم يلتفتوا وَعرض لنا وادٍ جرار عَظِيم وتغيمت السَّمَاء وبدأت بمطر فتحيرنا وأشرفنا على الْوَادي وَإِذا فِيهِ ملاح يعبر النَّاس فلجأنا إِلَيْهِ وسألناه
стр. 667
عَن الطَّرِيق فَجعل يضعف رَأينَا ويعجزنا فِي بذل أَنْفُسنَا فِي ذَلِك الْغَيْم والمطر للصَّيْد حَتَّى أبعدنا ثمَّ أدخلنا كوخا لَهُ وَكَانَ الْمهْدي يَمُوت بردا فَقَالَ لَهُ أغطيك بجبتي هَذِه الصُّوف فَقَالَ نعم فغطاه بهَا فتماسك قَلِيلا ونام وافتقده غلمانه وتبعوا أَثَره حَتَّى جاؤونا فَلَمَّا رأى الملاح كثرتهم على أَنه الْخَلِيفَة فهرب وتبادر الغلمان فنحوا الْجُبَّة عَنهُ وألقوا عَلَيْهِ الْخَزّ والوشي فَلَمَّا انتبه قَالَ لي وَيحك مَا فعل الملاح فوَاللَّه لقد وَجب حَقه علينا فَقلت وَالله هرب خوفًا مِمَّا خاطبنا بِهِ قَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَالله لقد أردْت أَن أغنيه وَبِأَيِّ شَيْء خاطبنا نَحن وَالله مستحقون لأضعاف مَا خاطبنا بِهِ بحياتي عَلَيْك إِلَّا مَا هجوتني فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ تطيب نَفسِي بِأَن أهجوك قَالَ وَالله لتفعلن فإنني ضَعِيف الرَّأْي مغرم بالصيد فَقلت
(يَا لابِسَ الوَشْي على ثَوبهِ ... مَا أقبَحَ الأشيب بِالرَّاحِ) // السَّرِيع //
فَقَالَ زِدْنِي بحياتي عَلَيْك فَقلت
(لَو شئتَ أَيْضا جُلْتَ فِي خامةٍ ... وَفِي وِشَاحَيْنِ وأوضاحِ)
فَقَالَ وَيلك هَذَا معنى سوء يرويهِ عَنْك النَّاس وَأَنا أستأهل زِدْنِي شَيْئا آخر فَقلت أَخَاف أَن تغْضب فَقَالَ لَا وَالله فَقلت
(كم من عَظِيم القَدْرِ فِي نَفْسهِ ... قد نامَ فِي جُبَّةِ مَلَاّحِ)
فَقَالَ معنى سوء عَلَيْك لعنة الله وقمنا فَرَكبْنَا وانصرفنا
وَعَن الْحسن بن عَابِد قَالَ كَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يحجّ فِي كل سنة فَإِذا قدم أهْدى لِلْمَأْمُونِ بردا قطرياً ونعلاً سَوْدَاء ومساويك أراكٍ فيبعث إِلَيْهِ بِعشْرين ألف دِرْهَم فأهدى لَهُ مرّة كَمَا كَانَ يهدي كل سنة إِذا قدم فَلم يثبه وَلَا بعث إِلَيْهِ بالوظيفة فَكتب إِلَيْهِ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَقُول
(خبروني أنّ مِنْ ضرب السّنة ... حددا بيضًا وصُفْراً حسنهْ)
стр. 668
(أحدثت لكني لم أرَها ... مثلَ مَا كنتُ أرى كل سنة) // الرمل //
قَالَ فَأمر الْمَأْمُون بِحمْل الْعشْرين ألفا إِلَيْهِ وَقَالَ أغفلناه حَتَّى أذكرنا
وَحدث أَبُو عِكْرِمَة قَالَ كَانَ الرشيد إِذا رأى عبد الله بن معن بن زَائِدَة يتَمَثَّل بقول أبي الْعَتَاهِيَة
(أُختُ بني شيبانَ مرّتْ بِنَا ... ممشوطة كوراً على بغلِ) // السَّرِيع //
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لأبي الْعَتَاهِيَة يهجو بهَا عبد الله الْمَذْكُور وَبعده
(تكنى أَبَا الْفضل وَمن ذَا رأى ... جَارِيَة تكنى أَبَا الْفضل)
(قد نقطت فِي وَجههَا نقطةً ... مخافةَ الْعين من الْكحل)
(إِن زُرتموها قَالَ حُجابها ... نحنُ عَن الزُّوَّار فِي شُغلِ)
(مولَاتُنَا مَشْغُولَة عندَها ... بعلٌ وَلَا إِذنَ على البعلِ)
(يَا بنتَ معنِ الخيرِ لَا تجهلِي ... وأينَ تقصيرٌ عَن الجهلِ)
(أتجلدُ الناسَ وأنتَ امرُؤٌ ... تُجلَدُ فِي دُبرِكَ والقبلِ)
(مَا يَنْبَغِي للناسِ أَن ينسُبُوا ... من كانَ ذَا جودٍ إِلَى البخلِ)
(يبذلُ مَا يمنعُ أهلُ الندَى ... هَذَا لعمرِي مُنْتَهَى البذلِ)
(مَا قلتُ هَذَا فيكَ إِلَّا وقَدْ ... جَفَّتْ بهِ الأقلامُ من قبلي) // السَّرِيع //
قَالَ فَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن معن فَأتى بِهِ فَدَعَا بغلمان لَهُ ثمَّ أَمرهم أَن يرتكبوا مِنْهُ الْفَاحِشَة فَفَعَلُوا ذَلِك ثمَّ أجلسه وَقَالَ لَهُ قد جزيتك على قَوْلك فَهَل لَك بعد هَذَا فِي الصُّلْح وَمَعَهُ مركب وَعشرَة آلَاف دِرْهَم أَو تقيم على الْحَرْب وَمَا ترى قَالَ بل الصُّلْح قَالَ فأسمعني مَا تَقوله فِي معنى الصُّلْح فَقَالَ
стр. 669
(مَا لِعذالي ومالِي ... أمرُونِي بالضلاِل)
(عذَلوني فِي اغتفارِي ... لِابْنِ مَعنٍ واحتمالِي)
(إِن يكن مَا كانَ منهُ ... فَبجرْمِي وفعالِي)
(أَنا مِنْهُ كنتُ أسوا ... عِشْرَةً فِي كل حالِ)
(قل لمن يعجبُ من حسن ... رجوعي ومقالِي)
(رُبّ ودّ بعدَ صَدّ وَهوى بعدَ الرِّجَال ... )
(قد رَأينَا ذَا كثيرا ... جَارِيا بَين الرّجالِ)
(إِنما كَانَت يمينِي ... لطمتْ مِني شمَالي) // الرمل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي حداثته يهوى امْرَأَة من أهل الْحيرَة نائحة لَهَا حسن ودماثة يُقَال لَهَا سعدى وَكَانَ مِمَّن يهواها أَيْضا عبد الله بن معن وَكَانَت مولاة لَهُم وَكَانَت صَاحِبَة حبائب وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مُولَعا بِالنسَاء فَقَالَ فِيهَا
(أَلا يَا ذَوَات السحق فِي الغرب والشرقِ ... أفقنَ فَإِن النيكَ أشهى من السحق)
(أفقنَ فإنّ الْخبز بِالْأدمِ يشتهَى ... وَلَيْسَ يسوغُ الْخبز بالخبز فِي الْحلق)
(أراكنَّ ترقعنَ الخرُوق بِمِثْلِهَا ... وأيّ لبيبٍ يرقعُ الْخرق بالخرقِ)
(وَهل يصلحُ المهراسُ إِلَّا بعودهِ ... إذَا احتيجَ مِنْهُ ذَاتَ يَوْم إِلَى الدقّ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِيهَا أَيْضا
(قلتُ للقلب إِذْ طوى وصلَ سُعَدى ... لهواه الْبَعِيدَة الأسبابِ)
стр. 670
(أنتَ مثل الَّذِي يفرُّ من القَطرِ حِذَارَ الندى إِلَى الْمِيزَاب ... ) // الْخَفِيف // فَغَضب ابْن معن لسعدى فَضرب أَبَا الْعَتَاهِيَة مائَة فَقَالَ فِيهِ
(جَلَدَتْنِي بكفها ... بنتُ معن بن زَائِدَة)
(جلدتني بكفها ... بِأبي تِلْكَ جالدهْ)
(وتراها مَعَ الخصيِّ ... على الْبَاب قاعدهْ)
(تتكَنّى كني الرِّجَال ... لعمدٍ مُكايدهْ)
(جَلدَتْنِي وبالغت ... مائَة غير واحده)
(اجلديني اجلدي اجلدي ... إِنَّمَا أنتِ وَالِده) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي ضربه إِيَّاه أَيْضا
(ضربتني بكفها بنتُ معنٍ ... أوجعت كفها وَمَا أوجعتني)
(ولعمري لَوْلَا أَذَى كفها إِذْ ... ضربتني بِالسَّوْطِ مَا تَرَكتنِي) // الْخَفِيف //
وَحدث أَحْمد بن أبي فنن قَالَ كُنَّا عِنْد ابْن الْأَعرَابِي فَذكر قَول يحيى بن نَوْفَل فِي عبد الْملك بن عُمَيْر القَاضِي وَهُوَ
(إِذا كلمتهُ ذاتُ دَلٍّ لحاجةٍ ... فهمَّ بِأَن يقْضِي تنحنح أَو سعل) // الطَّوِيل //
وَأَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ تركني وَالله وَإِن السعلة لتعرض لي فِي الْخَلَاء فأذكر قَوْله فأهاب أَن أسعل قَالَ فَقلت هَذَا ابْن معن بن زَائِدَة يَقُول لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة
стр. 671
(فصُغْ مَا كنت حَلَّيْتَ ... بِهِ سيفكَ خَلخالا)
(فَمَا تصنعُ بالسيفِ ... إِذا لم تَكُ قتالا) // الهزج //
فَقَالَ عبد الله مَا لبست السَّيْف قطّ فلمحني إِنْسَان إِلَّا قلت يحفظ شعر أبي الْعَتَاهِيَة فِي فَينْظر إِلَيّ بِسَبَبِهِ فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي اعجبوا لهَذَا العَبْد يهجو مَوْلَاهُ وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة من موَالِي بني شَيبَان
وَحدث الْمَدَائِنِي قَالَ اجْتمع أَبُو نواس وَأَبُو الشمقمق فِي بَيت ابْن أذين وَجَاء أَبُو الْعَتَاهِيَة وَكَانَ بَينه وَبَين أبي الشمقمق شَرّ فخبأه من أبي الْعَتَاهِيَة فِي بَيت وَدخل أَبُو الْعَتَاهِيَة فَنظر إِلَى غُلَام عِنْدهم فِيهِ تَأْنِيث فَظَنهُ جَارِيَة فَقَالَ لِابْنِ أذين مَتى استظرفت هَذِه الْجَارِيَة قَالَ قَرِيبا يَا أَبَا إِسْحَاق فَقل فِيهَا مَا حضر فَمد أَبُو الْعَتَاهِيَة يَده إِلَيْهِ وَقَالَ
(مددتُ كَفِّي نحوكم سَائِلًا ... مَاذَا تردُّون على السَّائِل) // السَّرِيع //
فَلم يلبث أَبُو الشمقمق حَتَّى ناداه من دَاخل الْبَيْت بِهَذَا الْبَيْت
نرد فِي كفك ذَا فَيْشَةٍ ... يشفي جَوّى فِي استك من دَاخل)
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة أَبُو الشمقمق وَالله وَقَامَ مغضبا
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة حَبَسَنِي الرشيد لما تركت قَول الشّعْر فأدخلت السجْن وأغلق الْبَاب عَليّ فدهشت كَمَا يدهش مثلي لذَلِك الْحَال فَإِذا أَنا بِرَجُل جَالس فِي جَانب الْحَبْس مُقَيّد فَجعلت أنظر إِلَيْهِ سَاعَة ثمَّ تمثل وَقَالَ
(تعوَّدْتُ مَسَّ الضّر حَتَّى ألفتُهُ ... وأسلمني حسنُ العزاء إِلَى الصَّبْر)
(وصيرني يأسي من النَّاسِ راجياً ... لحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي) // الطَّوِيل //
فَقلت لَهُ أعد أعزّك الله هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ لي وَيلك يَا أَبَا الْعَتَاهِيَة مَا أَسْوَأ أدبك وَأَقل عقلك دخلت عَليّ الْحَبْس فَمَا سلمت تَسْلِيم الْمُسلم على الْمُسلم
стр. 672
وَلَا سَالَتْ مَسْأَلَة الْحر للْحرّ وَلَا توجعت توجع المبتلي للمبتلي حَتَّى إِذا سَمِعت بَيْتَيْنِ من الشّعْر الَّذِي لَا فضل فِيك غَيره لم تصبر عَن استعادتهما وَلم تقدم قبل مسألتهما عذرا لنَفسك فِي طلبهما فَقلت يَا أخي إِنِّي دهشت لهَذَا الْحَال فَلَا تعذلني واعذرني متفضلاً بذلك فَقَالَ وَالله أَنا أولى بالدهش والحيرة مِنْك لِأَنَّك حبست فِي أَن تَقول الشّعْر الَّذِي بِهِ ارْتَفَعت وَبَلغت مَا بلغت فَإِذا قلت أمنت وَأَنا مَأْخُوذ بِأَن أدل على ابْن رَسُول الله ﷺ ليقْتل أَو أقتل دونه وَوَاللَّه لَا أدل عَلَيْهِ أبدا والساعة يدعى بِي فأقتل فأينا أَحَق بالدهش فَقلت أَنْت وَالله أولى سلمك الله وَكَفاك وَلَو علمت أَن هَذِه حالك مَا سَأَلتك فَقَالَ لَا نبخل عَلَيْك إِذن ثمَّ أعَاد الْبَيْتَيْنِ حَتَّى حفظتهما فَسَأَلته من هُوَ قَالَ أَنا حَاضر دَاعِيَة عِيسَى بن زيد وَابْنه أَحْمد وَلم نَلْبَث أَن سَمِعت صَوت الأقفال فَقَامَ فسكب عَلَيْهِ مَاء كَانَ عِنْده فِي جرة وَلبس ثوبا نظيفاً وَدخل الحرس والجند مَعَهم الشمع فأخرجنا جَمِيعًا وَقدم قبلي إِلَى الرشيد فَسَأَلَهُ عَن أَحْمد بن عِيسَى فَقَالَ لَا تَسْأَلنِي عَنهُ واصنع مَا أَنْت صانع فَلَو أَنه تَحت ثوبي هَذَا مَا كشفت عَنهُ فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَضربت ثمَّ قَالَ لي أَظُنك ارتعت يَا إِسْمَاعِيل فَقلت دون مَا رَأَيْته تسيل مِنْهُ النُّفُوس فَقَالَ ردُّوهُ إِلَى محبسه فَرددت وانتحلت الْبَيْتَيْنِ وزدت فيهمَا
(إِذا أَنا لم أقبلْ من الدَّهْر كل مَا ... تَكَرَّهْتُ مِنْهُ طَال عَتْبي على الدَّهْر) // الطَّوِيل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مشتهراً بحب عتبَة جَارِيَة الْمهْدي وَأكْثر نسيبه فِيهَا فَمن ذَلِك قَوْله وَكتب بِهِ إِلَى الْمهْدي يعرض بهَا
стр. 673
(نَفسِي بِشَيْء من الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... وَالله والقائم المهديُّ يَكفْيها)
(إِنِّي لَا يأس مِنْهَا ثمَّ يُطْمعني ... فِيهَا احتقارك للدنيا وَمَا فِيهَا) // الْبَسِيط //
فهم الْمهْدي بِدفع عتبَة إِلَيْهِ فَخرجت وَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ حرمتي وخدمتي أفتدفعني إِلَى قَبِيح المنظر بَائِع جرارٍ ومكتسب بالعشق فأعفاها وَكَانَ قد كتب الْبَيْتَيْنِ على حَوَاشِي ثوب مُطيب وَوَضعه فِي برنية ضخمة فَقَالَ الْمهْدي املأوا لَهُ البرنية مَالا فَقَالَ للْكتاب أَمر لي بِدَنَانِير قَالُوا مَا ندفع إِلَيْك ذَلِك وَلَكِن إِن شِئْت أعطيناك الدَّرَاهِم إِلَى أَن يفصح بِمَا أَرَادَ فَاخْتلف فِي ذَلِك حولا فَقَالَت عتبَة لَو كَانَ عَاشِقًا كَمَا يزْعم لم يكن يخْتَلف مُنْذُ حول فِي التَّمْيِيز بَين الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَقد أضْرب عَن ذكري صفحاً
وَجلسَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا يعذل أَبَا نواس ويلومه على اسْتِمَاع الْغناء ومجالسته لأَصْحَابه فَقَالَ أَبُو نواس
(أَترَانِي يَا عتاهي ... تَارِكًا تِلْكَ الملاهي)
(أَترَانِي مُفْسِدا بالنُّسْكِ عِنْد الْقَوْم جاهي) // من مجزوء الرمل //
فَوَثَبَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ لَا بَارك الله عَلَيْك وَجعل أَبُو نواس يضْحك
وَحدث مُخَارق قَالَ جَاءَنِي أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا فَقَالَ لي قد عزمت على أَن أتزود مِنْك يَوْمًا تهبه لي فَمَتَى تنشط لذَلِك فَقلت مَتى شِئْت قَالَ أَنا أَخَاف أَن تقطع بِي فَقلت لَا وَالله وَلَو طلبني الْخَلِيفَة فَقَالَ يكون ذَلِك فِي غَد فَقلت افْعَل فَلَمَّا كَانَ من الْغَد باكرني رَسُوله فَجِئْته فَأَدْخلنِي بَيْتا لَهُ نظيفاً فِيهِ فرش نظيف ثمَّ دَعَا بمائدة وَعَلَيْهَا خبز سميد سميذ وخل وبقل وملح وجدي مشوي قَالَ فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ دَعَا بسمك مشوي فأصبنا مِنْهُ أَيْضا ثمَّ دَعَا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ أتونا بحلواء فأصبنا مِنْهَا وغسلنا أَيْدِينَا ثمَّ جَاءُونَا بفاكهة وَرَيْحَان وألوان من الأنبذة فَقَالَ
стр. 674
لي اختر مَا يصلح لَك فاخترت وشربت وصب قدحاً ثمَّ قَالَ غن لي قولي
(أحمدٌ قَالَ لي وَلم يَدْرِ مَا بِي ... أتحبُّ الفتاة عتبَة حَقًا) // الْخَفِيف //
فغنيته فَشرب أقداحاً وَهُوَ يبكي أحر بكاء ثمَّ قَالَ غَنِي فِي قولي
(ليسَ لمن ليستْ لهُ حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ) // السَّرِيع //
فغنيته وَهُوَ ينتحب ويبكي ثمَّ قَالَ غنني فديتك فِي قولي
(خليلي مَالِي لَا تزَال مُضرتِي ... تكونُ مَعَ الأقدار حَتْماً من الحتمِ) // الطَّوِيل //
فغنيته إِيَّاه وَمَا زَالَ يقترح عَليّ كل صَوت غَنِي بِهِ فِي شعره وَيَقُول غنني بِهِ فأغنيه وَيشْرب ويبكي ثمَّ صَارَت الْعَتَمَة فَقَالَ لي أحب أَن تصبر حَتَّى ترى مَا أصنع فَجَلَست فَأمر ابْنه وَغُلَامه فكسرا كل مَا كَانَ بَين أَيْدِينَا من النَّبِيذ وآلات الملاهي ثمَّ أَمر بِإِخْرَاج كل مَا كَانَ فِي بَيته من النَّبِيذ وآلاته فَمَا زَالَ يكسرهُ وَيصب النَّبِيذ وَهُوَ يبكي حَتَّى لم يبْق من ذَلِك شَيْء ثمَّ نزع ثِيَابه واغتسل وَلبس ثِيَاب بَيَاض من الصُّوف ثمَّ عانقني وَبكى وَقَالَ عَلَيْك السَّلَام يَا حَبِيبِي وفرحي من النَّاس كلهم سَلام الْفِرَاق الَّذِي لَا لِقَاء بعده وَجعل يبكي وَيَقُول هَذَا آخر عَهْدك بِي فِي حَال تعاشر أهل الدُّنْيَا فَظَنَنْت أَنَّهَا بعض حماقاته فَانْصَرَفت فَمَا لَقيته زَمَانا ثمَّ تشوقته قأتيته فاستأذنت عَلَيْهِ فَأذن لي فَدخلت فَإِذا هُوَ قد أَخذ قوصرتين وثقب إِحْدَاهمَا وَأدْخل رَأسه وَيَديه فِيهَا وأقامها مقَام الْقَمِيص وثقب أُخْرَى وَأخرج رجلَيْهِ مِنْهَا وأقامها مقَام السَّرَاوِيل فَلَمَّا رَأَيْته نسيت مَا كَانَ عِنْدِي من الْغم عَلَيْهِ والوحشة لعشرته وضحكت وَالله ضحكاً مَا ضحِكت مثله قطّ فَقَالَ لي من أَي شَيْء تضحك
стр. 675
لَا ضحِكت فَقلت اسخن الله عَيْنَيْك أَي شَيْء هُوَ من بلغك عَنهُ أَنه فعل مثل هَذَا من الْأَنْبِيَاء أَو الزهاد أَو الصَّحَابَة أَو التَّابِعين أَو المجانين انْزعْ عَنْك هَذَا يَا سخين الْعين فَكَأَنَّهُ استحيا مني ثمَّ بَلغنِي عَنهُ أَنه جلس حجاماً فجهدت أَن أرَاهُ بِتِلْكَ الْحَالة فَلم أره ثمَّ مرض فبلغني أَنه اشْتهى أَن أغنيه فَأَتَيْته عَائِدًا فَخرج إِلَى رَسُوله يَقُول إِن دخلت جددت لي حزنا وتاقت نَفسِي إِلَى سماعك وَإِلَى مَا قد غلبتها عَلَيْهِ وَأَنا أستودعك الله وأعتذر إِلَيْك من ترك الالتقاء ثمَّ كَانَ آخر عهدي بِهِ
وَقيل لأبي الْعَتَاهِيَة عِنْد الْمَوْت مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن يَجِيء مُخَارق فَيَضَع فَمه عِنْد أُذُنِي ثمَّ يغنيني
(ستعرضُ عَن ودي وتنسى مودتِي ... ويحدثُ بعدِي للخليل خليلُ)
(إِذا مَا انْقَضتْ عني من الدَّهْر مدّتي ... فإنَّ غَنَاء الباكيات قَلِيل) // الطَّوِيل //
وَحدث مُحَمَّد بن أبي الْعَتَاهِيَة قَالَ آخر شعر قَالَه أبي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ
(إلهي لَا تعذبني فَإِنِّي ... مقرٌّ بِالَّذِي قد كانَ مني)
(فَمَا ليَ حيلةٌ إِلَّا رجائي ... لعفوكَ إِن عَفَوْت وحُسْنَ ظَنِّي)
(وَكم مِنْ زَلْةٍٍ لي فِي الْخَطَايَا ... وَأَنت عليَّ ذُو فضل ومَنِّ)
(إِذا فكرتُ فِي نَدَمي عَلَيْهَا ... عضضت أناملي وقَرَعْتُ سني)
(أجنُّ بزهرة الدُّنْيَا جنوناً ... وأقطعُ طولَ عمري بالتمني)
(وَلَو أنِّي صدقتُ الزهدَ عَنْهَا ... قلبتُ لأَهْلهَا ظهرَ المجنِّ)
(يظنُّ الناسُ بِي خيرا وَإِنِّي ... لَشَرُّ النَّاس إِن لم تعف عني) // الوافر //
ومحاسنه كَثِيرَة
وَكَانَ الْأَصْمَعِي يستحسن قَوْله
стр. 676
(أنتَ مَا استغنيتَ عَن صَاحبك ... الدهرَ أخوهُ)
(فَإِذا احتجتَ إِلَيْهِ ... سَاعَة مجك فوه) // من مجزوء الرمل //
وَحدث ابْن الْأَنْبَارِي أَبُو بكر قَالَ أرْسلت زبيدة أم الْأمين إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة أَن يَقُول على لسانها أبياتاً بعد قتل الْأمين يستعطف بهَا الْمَأْمُون فَأرْسل إِلَيْهَا هَذِه الأبيات
(أَلا إنّ صرف الدَّهْر يُدْنِي ويُبْعِدُ ... ويمتع بالآلاف طوراً ويفقدُ)
(أصَابت بريبِ الدَّهْر مني يَدي يدِي ... فسلمتُ للأقدار واللهَ أَحمدُ)
(وقلتُ لريب الدّهر إنْ هلكَتْ يدٌ ... فقد بقيت والحمدُ لله لي يدُ)
(إذَا بَقِي المأمونُ لي فالرّشيدُ لي ... ولي جعفرٌ لم يفتقد ومحمدُ) // الطَّوِيل //
قَالَ فَلَمَّا قَرَأَهَا الْمَأْمُون استحسنها وَسَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَعطف على زبيدة وَزَاد فِي تكرمتها وَقضى حوائجها جَمِيعًا
وَحدث عمر بن أبي شيبَة قَالَ مر عَابِد براهب فِي صومعة فَقَالَ لَهُ عظني قَالَ أعظك وَعَلَيْكُم نزل الْقُرْآن ونبيكم مُحَمَّد ﷺ قريب الْعَهْد بكم قلت نعم قَالَ فاتعظ بِبَيْت من شعر شاعركم أبي الْعَتَاهِيَة حَيْثُ يَقُول
(تجرّد من الدُّنيا فَإنَّكَ إِنَّمَا ... وقعْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنت مُجَرّد) // الطَّوِيل //
وَمن شعر أبي الْعَتَاهِيَة قَوْله
(بَادر إِلَى اللذّات يَوْمًا أمكنت ... بحلولهنّ بَوَادِر الآفاتِ)
(كم من مُؤَخِّرِ لذةٍ قد أمكنتْ ... لغدٍ وَلَيْسَ غدٌ لهُ بِمُوَاتِ)
(حَتَّى إِذا فَاتَت وفاتَ طلابها ... ذَهبت عَلَيْهَا نفسهُ حسرَاتِ)
стр. 677
(تَأتي المكارهُ حِين تَأتي جملَة ... وَأرى السُّرور يَجِيء فِي الفلتات) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول بَعضهم
(أيُّ شَيْء يكونُ أعجبَ أمرا ... إِن تنكرتَ من صُرُوف الزمانِ)
(عارضاتُ السُّرُور توزنُ فيهِ ... والبلايَا تكال بالقفزان) // الْخَفِيف //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(وإذَا انْقَضى هَمُّ امْرِئ فقد انْقَضى ... إنّ الهموم أشدُّهنّ الأحدث) // الْكَامِل //
ويومئ إِلَى هَذَا الْمَعْنى قَوْله أَيْضا وَهُوَ عَجِيب فِي مَعْنَاهُ
(إِنَّمَا أنتَ طولَ عمركَ مَا عمرتَ فِي السَّاعَة الَّتِي أَنْت فِيهَا ... ) // الْخَفِيف //
وَمن هَذَا قَول من قَالَ
(وكما تبلىَ وُجوهٌ فِي الثرَى ... فَكَذَا يبلىَ عليهنَّ الحَزَنْ) // الرمل //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(كأنّ عائبكم يُبْدِي محاسنكمْ ... مِنْكُم فيمدحكمْ عِنْدِي فيغرينِي)
(إِنِّي لأعجبُ من حبِّ يقرِّبني ... مِمَّا يباعدني عَنهُ ويقصيني) // الْبَسِيط //
وَمثل الأول قَول عُرْوَة بن أذينة
(كَأَنَّمَا عائبها جاهداً ... زينها عِنْدِي يتزيين) // السَّرِيع //
وَكَذَا قَول أبي نواس
(كَأَنَّهُمْ أْثَنْوا وَلم يعلَمُوا ... عليكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابوا) // السَّرِيع //
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة لابنته رقية فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا قومِي يَا بنية فارثي أَبَاك واندبيه بِهَذِهِ الأبيات فَقَامَتْ فندبته بقوله
(لعب البلا بمعالمي ورسومي ... وقُبِرْتُ حَيا تحتَ رَدم همومِي)
(لزمَ البلَا جسمي فأوهى قوَّتي ... إنَّ البلَا لموكَّلٌ بلزومي) // الْكَامِل //
стр. 678
وَكَانَ مولده سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة ووفاته فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان من جُمَادَى الأولى وَقيل لثلاث من جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة ثَلَاث عشرَة وَدفن حِيَال قنطرة الزياتين فِي الْجَانِب الغربي بِبَغْدَاد وَأمر أَن يكْتب على قَبره
(إنَّ عَيْشًا يكونُ آخِره الْمَوْت ... لَعيشٌ معجَّلُ التنغيصِ) // الْخَفِيف //
وَقيل أوصى أَن يكْتب عَلَيْهِ
(أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي ... واسمعي ثمَّ عِي وَعِي)
(أَنا رهنٌ بمضجعي ... فاحذروا مثل مَصْرَعي)
(عِشْت تسعين حِجَّةً ... أسلمَتْنِي لمضجعي)
(كم ترى الْحَيّ ثَابتا ... فِي ديار التزعزُع)
(لَيْسَ زادٌ سوى التقى ... فَخذي مِنْهُ أَو دَعِي) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَلما مَاتَ رثاه ابْنه مُحَمَّد فَقَالَ
(يَا أبي ضَمَّكَ الثرى ... وطوى الموتُ أجْمَعَكْ)
(لَيْتَني متُّ يَوْم صرت ... إِلَى حُفْرَة مَعَك)
(رحم الله مصرعك ... بَرَّدَ الله مضجعك) // من مجزوء الْخَفِيف //
١٢٦ - (مَا نوالُ الْغَمَام وَقْتَ رَبيعٍ ... كنوالِ الْأَمِير يَوْم سخاءِ)
(فنوالُ الْأَمِير بدْرَةُ عَيْنٍ ... ونوالُ الْغَمَام قَطْرَةُ ماءِ)
البيتان لرشيد الدّين الوطواط الشَّاعِر من الْخَفِيف
والنوال الْعَطاء والبدرة كيس فِيهِ ألف دِينَار أَو عشرَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِينَار وَالْعين هُنَا المَال
стр. 679
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّفْرِيق وَهُوَ إِيقَاع تبَاين بَين أَمريْن من نوع فِي الْمَدْح أَو فِي غَيره فَمن ذَلِك قَول بَعضهم
(حسبْتُ جمالَهُ بَدْرًا منيراً ... وَأَيْنَ الْبَدْر من ذَاك الْجمال) // الوافر //
وَقَول قَوْله الآخر
(قاسوك بالغصن فِي التَّثَنِّي ... قياسَ جهل بِلَا انتصاف)
(هذاك غُصْن الْخلاف يُدْعَى ... وَأَنت غُصْن بِلَا خلاف) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْموصِلِي مَعَ تَسْمِيَة النَّوْع
(قَالُوا هُوَ الْبَحْر والتفريق بَينهمَا ... إِذْ ذَاك غَمٌّ وَهَذَا فَارق الغمم) // الْبَسِيط //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بِمَعْنى الْبَيْتَيْنِ المستشهد بهما فللوأواء الدِّمَشْقِي
(من قَاس جدواك بالغمام فَمَا ... انصف فِي الحكم بَين شكلين)
(أَنْت إِذا جُدْتَ ضَاحِك أبدا ... وَهُوَ إِذا جاد باكي الْعين) // المنسرح //
ولبعضهم فِيهِ أَيْضا وأجاد جدا
(من قَاس جَدْوَاكَ يَوْمًا ... بالسُّحْب أَخطَأ مدحك)
(السحبُ تُعْطِي وتبكي ... وَأَنت تُعْطِي وتضحك) // المجتث //
وَلأبي الْفَتْح البستي وأجاد
(يَا سيد الْأُمَرَاء يَا مَنْ جُودُه ... أوْفَى على الْغَيْث الْمَطير إِذا هَمَى)
(الغيثُ يُعْطي باكياً متجهِّماً ... ونراك تُعْطِي ناصرا مُتَبَسِّمًا) // الْكَامِل //
وَمثله لأبي مَنْصُور البوشنجي
(وذلكَ ضاحكٌ أبدا بجُودٍ ... وَجودك لَيْسَ يمطرُ غيرَ باكي) // الوافر //
وَقَول الأديب يَعْقُوب النَّيْسَابُورِي فِي الْأَمِير أبي الْفضل الميكالي
стр. 680
(رأيتُ عُبيدَ الله يضحكُ معطياًُ ... ويبكي أخُوهُ الغيثُ عِنْد عطائهِ)
(وَكم بينَ ضَحُاكٍ يجُودُ بمالهِ ... وآخَرَ بكَّاءٍ يَجودُ بمائه) // الطَّوِيل //
ولشرف الدّين السنجاري فِي مَعْنَاهُ
(مَا قستُ بالغيث العطايا منكَ إِذْ ... يبكي وتضحك أَنْت إِذْ تُولى النّدَا)
(وَإِذا أَفَاضَ على الْبَريَّة جودُهُ ... مَاء تفيضُ لنا يَمِينك عسجدا) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول البديع الهمذاني مَعَ زِيَادَة الْمَعْنى وَالْمُبَالغَة فِي الغلو
(يكادُ يحكيكَ صوبُ الْغَيْث منسكباً ... لَو كَانَ طَلْقَ المحيَّا يمطرُ الذهَبَا)
(والدهرُ لَو لم يخنْ وَالشَّمْس لَو نطقتْ ... والليثُ لَو لم يُصَدْ والبحرُ لَو عذبا) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن بابك يمدح نظام الْملك
(يقولونَ إنّ المزن يحكيك صوبهُ ... مجاملةً هَا قد شهِدت وَغابَا)
(وَكم عزمةٍ عمّ البريةَ بؤسها ... فَهَل نَاب فِيهَا عَن نداك مَنابَا)
(هَمَتْ ذَهَبا فِيهَا يداك عَلَيْهِم ... وضنت يَدَاهُ أَن ترش ذَهَابًا) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن اللبانة فِي الْمُعْتَمد على الله بن عباد
(سألتُ أخاهُ الْبَحْر عنهُ فَقَالَ لِي ... شقيقيَ إِلَّا أَنه الباردُ العذبُ)
(لنا دِيمَتَاً مَاء وَمَال فديمتي ... تَمَاسَكُ أحيانَاً وديمَتُه سَكْبُ)
(إِذا نشأت بَرِّية فلهُ الندَى ... وَإِن نشأت بحريّة فلي السحبُ) // الطَّوِيل //
وَينظر إِلَى مَعَاني مَا مر وَلم يكن بَعيدا مِنْهَا قَول بَعضهم
(يَا عيونَ السَّمَاء دمعُكِ يفنى ... عَن قَريب وَمَا لدمعي فناءُ)
(أَنا أبْكِي طَوْعًا وتبكين كرها ... ودموعي دِماً ودمعك ماءُ) // الْخَفِيف //
стр. 681
وَلم أَقف على تَرْجَمَة الوطواط الشَّاعِر لَكِن رَأَيْت ابْن فضل الله ذكره فِي المسالك فِي معرض تراجم فَاثْبتْ مَا رَأَيْته قَالَ فِي تَرْجَمَة الشَّمْس بن دانيال إِنَّه كَانَ بَينه وَبَين الوطواط مَا يكون بَين الأدباء ويدب بَين الأحباء فعرضت للوطواط رمدة تكدر بهَا صفيحه وتكنى لَهُ فِيهَا صَرِيحه فَقيل لَهُ لَو طلبت ابْن دانيال فَقَالَ ذَاك لَا يسمح بذرة يَعْنِي من كحله فَبلغ ابْن دانيال فَقَالَ فِي ذَلِك
(وَلم أَقطع الوطواط بُخْلاً بِكَحْلِهِ ... وَلَا أَنا من يعييه يَوْمًا تردد)
(وَلكنه ينبو عَن الشَّمْس طرفه ... فَكيف بِهِ لي قدرَة وَهُوَ أرمد) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي تَرْجَمَة شَافِع بن عَليّ بن عَبَّاس الْكَاتِب وَمن قَوْله فِي الوطواط الشَّاعِر
(كم على دِرْهَم يلوح حَرَامًا ... يَا لئيم الطباع سرّاً تواطى)
(دَائِما فِي الظلام تمشي مَعَ النَّاس ... وهذي عوائد الوطواط) // الْخَفِيف //
وَقَوله فِيهِ
(قَالُوا نرى الوطواط فِي شدَّة ... من تَعب الكد وَمن ويل)
(فَقلت هَذَا دأبه دَائِما ... يسْعَى من اللَّيْل إِلَى اللَّيْل) // السَّرِيع //
ثمَّ إِنِّي رَأَيْت المرحوم الْجلَال السُّيُوطِيّ ذكره فِي طَبَقَات النُّحَاة فَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْجَلِيل بن عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن يحيى بن مرْدَوَيْه بن سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ
стр. 682
الْمَعْرُوف بالرشيد الوطواط قَالَ ياقوت كَانَ من نَوَادِر الزَّمَان وعجائبه وأفراد الدَّهْر وغرائبه أفضل أهل زَمَانه فِي النّظم والنثر وَأعلم النَّاس بدقائق كَلَام الْعَرَب وأسرار النَّحْو وَالْأَدب طَار فِي الْآفَاق صيته وَسَار فِي الأقاليم ذكره وَكَانَ ينشئ فِي حَالَة وَاحِدَة بَيْتا بِالْعَرَبِيَّةِ من بَحر وبيتاً بِالْفَارِسِيَّةِ من آخر ويمليها مَعًا وَله من التصانيف حدائق السحر فِي دقائق الشّعْر أَسْفَاره رِسَالَة بالعربي ورسالة بالفارسي وَغير ذَلِك مولده ببلخ وَمَات بخوارزم سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة
فَتبين بِهَذَا أَن الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا لَيْسَ هُوَ
وَمن رسائله مَا كتبه إِلَى الْعَلامَة جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ ليستأذنه فِي حُضُور مَجْلِسه والاستفادات من سؤالاته
(لقد حَاز جَار الله دَامَ جماله ... فَضَائِل فِيهَا لَا يشق غُبَاره)
(تجدّدَ رسم الْفضل بعد اندراسه ... بأيام جَار الله فَالله جَاره) // الطَّوِيل //
أَنا مُنْذُ لفظتي الأقدار من أوطاني ومعاهد أَهلِي وجيراني إِلَى هَذِه الخطة الَّتِي هِيَ الْيَوْم بمَكَان جَار الله أدام الله جماله جنَّة للكرام وجنة من نكبات الْأَيَّام كَانَت قصوى منيتي وقصارى بغيتي أَن أكون أحد الملازمين لسدته الشَّرِيفَة الَّتِي هِيَ مجثم السِّيَادَة ومقبل أَفْوَاه السَّادة فَمن ألْقى بهَا عَصَاهُ حَاز فِي الدَّاريْنِ مناه ونال فِي المحلين مبتغاه وَلَكِن سوء التَّقْصِير أَو مَانع التَّقْدِير حرمني مُدَّة تِلْكَ الْخدمَة وَحرم تِلْكَ النِّعْمَة والآن أَظن وَظن الْمُؤمن لَا يُخطئ أَن آفل جدي هم بالإشراق وذابل إيراقي
стр. 683
تحرّك للإيراق فقد أجد فِي نَفسِي نورا مجددا يهديني إِلَى جنته وَمن شوق دَاعيا موفقاً يدعوني إِلَى عتبته ويقرع سَمْعِي كل سَاعَة لِسَان الدولة أَن اخلع نعلك واطرح بالواد الْمُقَدّس رحلك وَلَا تحفل بِقصد قَاصد وحسد حَاسِد فَإِن حَضْرَة جَار الله أوسع من أَن تضيق على رَاغِب فِي فَوَائده وَأكْرم من أَن تستثقل وَطْأَة طَالب لعوائده وَمَعَ هَذَا أَرْجُو إِشَارَة تصدر عَن مَجْلِسه المحروس إِمَّا بِخَطِّهِ الشريف فَإِن فِي ذَلِك شرفاً لي يَدُوم مدى الدَّهْر وَالْأَيَّام وفخراً يبْقى على مر الشُّهُور والأعوام وَإِمَّا على لِسَان من يوثق بِصدق مقَالَته ويعتمد على تَبْلِيغ رسَالَته من المنخرطين فِي سلك خدمته والراتعين فِي رياض نعْمَته ورأيه فِي ذَلِك أَعلَى وأصوب
وَكتب إِلَيْهِ يهنئه بالعيد الأعياد عرف الله سيدنَا جَار الله بركَة قدومها وورودها وَجعل لَهُ الْحَظ الْأَكْمَل والقسط الأجزل من ميامنها وسعودها فرائد قلائد الْأَيَّام وغرر جبهات الأعوام لَكِنَّهَا رَاحِلَة لَا تقوم وزائلة لَا تدوم ولقاء جَار الله أدام الله مجده لنا معشر خدمه والمرتضعين در فَضله وَكَرمه عيدٌ لَا زَالَ الْعِيد لَهُ كتصحيفه بَاقِيَة محاسنه دائمة ميامنه يهدي كل سَاعَة إِلَى أبصارنا نورا وَإِلَى أَرْوَاحنَا رَاحَة وسروراً فَكيف نهنئ عيداً هَذِه حَاله بعيد لَا يُؤمن زَوَاله
стр. 684
(أَتَى العيدُ جارَ الله وَهُوَ مجدّدٌ ... بخدمته عهدَ الْمُهَيْمِن تجديداً)
(فلستُ بعيدٍ لَا يدومُ مهنئاً ... لصدر محياه يدومُ لنا عيدا) // الطَّوِيل //
١٢٧ - (وَلَا يقيمُ على ضَيْمٍ يرادُ بهِ ... إِلَّا الأذلان غير الْحَيّ والْوَتِدُ)
(هَذَا على الخسفِ مربوطٌ برُمَّتِهِ ... وذَا يُشجُّ فَلَا يَرْثِي لهُ أحدُ)
البيتان من الْبَسِيط وقائلهما المتلمس من أَبْيَات وَهِي
(إنَّ الهوَانَ حمارُ الْأَهْل يعرفهُ ... وَالْحر ينكرهُ والرسلة الأجدُ)
(كونُوا كَسَامَة إِذْ ضنك منازلهُ ... إِذْ قيل جيشٌ وجيشٌ حافظٌ عتدُ)
(شدَّ المطية بالأنْسَاعِ فانْحَرَفَتْ ... عَرض التَّنُوفَةِ حَتَّى مَسهَا النَّجَدُ)
(كونُوا كبكر كَمَا قد كَانَ أولكم ... وَلَا تَكُونُوا كَعبد الْقَيْس إِذْ قعدُوا)
(يُعْطُونَ مَا سئلوا والبحرُ محتدُهم ... كَمَا أكبَّ على ذِي بَطْنِهِ الفهد) // الْبَسِيط //
стр. 685
وَبعده البيتان وبعدهما قَوْله
(وَفِي الْبِلَاد إِذا مَا خِفْتَ ثائرة ... مَشْهُودَة عَن وُلاة السوء تنتقدُ)
والضيم الظُّلم وَالْعير بِفَتْح الْمُهْملَة الْحمار وَغلب على الوحشي وَالْمُنَاسِب هُنَا الأهلي والخسف النقيصة والإذلال تحميل الْإِنْسَان مَا يكره وَحبس الدَّابَّة بِلَا علف والرمة بِضَم الرَّاء وتكسر قِطْعَة من حَبل والشج الْكسر والدق وَالِاسْتِثْنَاء فِي إِلَّا الأذلان اسْتثِْنَاء مفرغ وَقد أسْند إِلَيْهِ فعل الْإِقَامَة فِي الظَّاهِر وَإِن كَانَ مُسْندًا فِي الْحَقِيقَة إِلَى الْعَام الْمَحْذُوف
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّقْسِيم وَهُوَ ذكر مُتَعَدد ثمَّ إِضَافَة مَا لكل إِلَيْهِ على التَّعْيِين فَإِنَّهُ ذكر العير والوتد ثمَّ أضَاف إِلَى الأول الرَّبْط مَعَ الْخَسْف وَإِلَى الثَّانِي الشج على التَّعْيِين
وَمِمَّا ورد فِي التَّقْسِيم قَول زُهَيْر بن أبي سلمى السَّابِق فِي شَوَاهِد الإيجاز والإطناب
(وَأعلم علم الْيَوْم والأمْس قبلهُ ... ولكنني عَن علم مَا فِي غَدِ عَمِي) // الطَّوِيل //
وَقد نقل أَبُو نواس هَذَا التَّقْسِيم من الْجد إِلَى الْهزْل فَقَالَ
(أمرُ غدٍ أنتَ منهُ فِي لَبْسِ ... وأمس قد فاتَ فالهُ عَن أمْسِ)
(وَإِنَّمَا الشأنُ شأنُ يَوْمك َذَا ... فبَاكِر الشَّمْس بابنةِ الشمسِ) // المنسرح //
وَقد نَقله بَعضهم أَيْضا فَقَالَ
(تمتّع من الدُّنْيَا بِساعتكَ الَّتِي ... ظفرتَ بهَا مَا لم تَعُقْكَ العوائقُ)
стр. 686
(فَلَا يومكَ الْمَاضِي عليكَ بعائدٍ ... وَلَا يومكَ الْآتِي بِهِ أَنْت واثق) // الطَّوِيل //
وَمن التَّقْسِيم قَول بشار بن برد
(وراحوا فريقٌ فِي الإسَارِ ومثلهُ ... قتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربه) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول الصفي الْحلِيّ
(أفنى جيوش العدا غزواً فلست ترى ... سوى قتيلٍ ومأسورٍ ومنهزم) // الْبَسِيط //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول عمر بن الْأَيْهَم
(اشربا مَا شربتما فَهُدَيلٌ ... من قتيلٍ أَو هاربٍ أَو أَسِير) // الْخَفِيف //
وَمِنْه وَزعم قومٌ أَنه أفضل بَيت وَقع فِيهِ تَقْسِيم قَول نصيب
(فقالَ فريقُ الْقَوْم لَا وفريقهم ... نعم وفريقٌ أيمنُ الله مَا نَدْرِي) // الطَّوِيل //
وَزعم أَبُو العيناء أَن خير تَقْسِيم قَول عمر بن أبي ربيعَة
(تهيمُ إِلَى نعم فَلَا الشملُ جامعٌ ... وَلَا الحبلُ موصولٌ وَلَا القلبُ مُقْصِرُ)
(وَلَا قربُ نعم إِن دَنت لكَ نافعٌ ... وَلَا نأيها يُسْلِي وَلَا أَنْت تصبر) // الطَّوِيل //
وَاخْتَارَ آخَرُونَ قَول الحاركي وَقَالُوا إِنَّه أفضل
(فَلَا كمدى يفني وَلَا لَكِ رقةٌ ... وَلَا عَنْك إقصارٌ وَلَا فيكِ مطمعُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْأَمِير السُّلَيْمَانِي
(وصلتَ فَلَمَّا أَن مَلَكْتَ حُشَاشتي ... هجرت فجد وَارْحَمْ فقد مسني الضرُّ)
(فليت الَّذِي قد كَانَ لي منكَ لم يكن ... وليتكَ لَا وصلٌ لديكَ وَلَا هجرُ)
(فَلَا عَبْرَتِي ترقَا وَلَا فيكَ رقة ... وَلَا مِنْك إِلْمَام وَلَا عنكَ لي صَبر) // الطَّوِيل //
وَقد ألم بِنَحْوِ هَذَا التَّقْسِيم الشهَاب مَحْمُود حَيْثُ قَالَ
(وَإِنِّي لفي نَظَرِي نحوهَا ... وَقد ودَّعَتْنِي قُبَيْلَ الفراقِ)
(وَلَا صبرَ لي فأطيقَ الْهوى ... وَلَا طمعٌ إِن نأت فِي اللحاق)
стр. 687
(وَلَا أملٌ يرتَجى فِي الرُّجُوع ... وَلَا حكم فِي ردّ تِلْكَ النياقِ)
(كمُضْنيً يودّعُ رُوحاً غَدَتْ ... يَراها على رغمه فِي السِّيَاق) // المتقارب //
وَمن مليح التَّقْسِيم قَول دَاوُد بن مُسلم
(فِي بَاعه طولٌ وَفِي وجههِ ... نورٌ وَفِي العِرْنِينِ منهُ شمم) // السَّرِيع //
وَكَانَ مُحَمَّد بن مُوسَى المنجم يحب التَّقْسِيم فِي الشّعْر وَكَانَ معجباً بقول الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف
(وصالكم صرمٌ وحبكم قِلاً ... وعطفكم صد وسلمكم حَرْب) // الطَّوِيل //
وَيَقُول أحسن وَالله فِيمَا قسم حَيْثُ جعل حِيَال كل شَيْء ضِدّه وَالله إِن هَذَا التَّقْسِيم لأحسن من تقسيمات إقليدس
وَمن جيد التَّقْسِيم قَول أبي تَمام
(فَمَا هُوَ إِلَاّ الْوَحْي أوحدُّ مرهفٍ ... تميلُ ظبَاهُ الحدَّ عَن كل مائلِ)
(فَهَذَا دواءُ الدَّاء من كل عالمٍ ... وَهَذَا دواءُ الدَّاء من كل جاهلِ) // الطَّوِيل //
وَذكر الجاحظ أَن قُتَيْبَة بن مُسلم لما قدم خُرَاسَان خطب النَّاس فَقَالَ من كَانَ فِي يَده من مَال عبد الله بن حَازِم شيءٌ فلينبذه وَإِن كَانَ فِي فَمه فليلفظه وَإِن كَانَ فِي صَدره فلينفثه قَالَ فَعجب النَّاس من حسن مَا فصل وَقسم
ووقف أَعْرَابِي على حَلقَة الْحسن فَقَالَ رحم الله من تصدق من سَعَة أَو واسى من كفاف أَو آثر من قوت
وَلَقَد أَجَاد ابْن حيوس فِي التَّقْسِيم بقوله
(ثمانيةٌ لم تَفْتَرِق مُذْ جمعتها ... فَلَا افْتَرَقت مَا ذبَّ عَن ناظرٍ شَفْرُ)
(ضَميرُك وَالتَّقوى وكفك والندى ... ولفظك وَالْمعْنَى وسيفك والنصر) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي ربيعَة المَخْزُومِي
(وهَبْهَا كشيء لم يكن أَو كنازح ... عَنِ الدَّار أَو من غيبته الْمَقَابِر) // الطَّوِيل //
стр. 688
وَعَجِيب هُنَا قَول أبي تَمام فِي مَجُوسِيّ أحرق فِي النَّار
(صَلَّى لَهَا حيّاً وَكَانَ وقودَها ... مَيتا ويدخلها مَعَ الفجّارِ) // الْكَامِل //
وَمَا أعذب قَول الشَّيْخ شرف الدّين بن الفارض
(يَقُولُونَ لي صِفْهَا فأنتَ بوصفها ... خبيرٌ أجلْ عِنْدِي بأوصافها علمُ)
(صفاءٌ وَلَا ماءٌ ولُطْفٌ وَلَا هوَى ... ونورٌ وَلَا نَار وروحٌ وَلَا جسم) // الطَّوِيل //
وَقَول مُحَمَّد بن دراج القسطلي وأجاد
(عطاءٌ بِلَا منّ وَحكم بِلَا هوَى ... وَملك بِلَا كبرٍ وعزٌّ بِلَا عجب) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر أَيْضا
(بَنِي جعفرٍ أَنْتُم سَمَاء رياسةٍ ... مناقِبكمْ فِي أُفقها أنجمٌ زهرُ)
(طريقتكمْ مثلى وهديكمُ رِضىً ... ومذهبكم قصدٌ ونائلكم غَمْرُ)
(عطاءٌ وَلَا منٌّ وحكمٌ وَلَا هوى ... وحلمٌ وَلَا عجزٌ وعزٌ وَلَا كبرُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول بَعضهم أَيْضا
(قوسٌ وَلَا وتَرٌ سهمٌ وَلَا قودٌ ... عينٌ وَلَا نظر نحلٌ وَلا عسلُ) // الْبَسِيط //
وَقَول بَعضهم أَيْضا
(تسربْلَ وَشْياً من خُزُوزٍ تطرَّزتْ ... مطارفهَا طرزاً من الْبَرْق كالتبرِ)
(فوشْيٌ بِلَا رقمٍ ورقمٌ بِلَا يدٍ ... ودمعٌ بِلَا عينٍ وضحكٌ بِلَا ثغر) // الطَّوِيل //
وَقَول الرستمي
(فَتى خازرق المجدِ من كل جانبٍ ... إليهِ وخَلَّى كاهلَ الشكرِ ذَا ثُقْلٍ)
(بِعَفْوٍ بِلَا كدٍّ وصفوٍ بِلَا قَذىً ... ونقدٍ بِلَا وعدٍ ووعدٍ بِلَا مطل) // الطَّوِيل //
وَمَا أشرف قَول ابْن شرف
(لمختلفي الحاجاتِ جمعٌ ببَابهِ ... فَهَذَا لهُ فنٌّ وَهَذَا لهُ فنُّ)
(فللخامل العليَا وللمعدمٍ الغنىَ ... وللمذنبِ الْعُتْبِي وللخائف الْأَمْن) // الطَّوِيل //
стр. 689
وَقَول بَعضهم أَيْضا
(نرجو سُلُوا فِي رسُومٍ بَيْنها الأغصانُ ... سكْرَى والحمامُ مُتَيَّمُ)
(هَذِي تميلُ إِذا تَنَسَّمَتِ الصِّبَا ... والوُرقُ تذكُرُ شَجْوَها فترَنَّمُ) // الْكَامِل //
وَلابْن جَابر الأندلسي
(لقد عَطَفَتني على حُبِّهَا ... بوَجْهٍ تبدَّى على عَطْفِهِ)
(فَهَذَا هُوَ البدرُ فِي أُفْقِهِ ... وَهَذَا هُوَ الغُصْنُ فِي حِقْفِهِ) // المتقارب //
وَلأبي الْحُسَيْن الجزار
(وزيرٌ مَا تَقَلَد قطُّ وزْرَاً ... وَلَا داناهُ فِي مَثْوَى أنامُ)
(وجُلُّ فعالهِ صاداتُ برّ ... صِلَاتٌ أَو صَلَاةٌ أَو صِيَام) // الوافر //
ولشيخ شُيُوخ حماة
(لنا مَلِكٌ واجدٌ مَا اشْتَهَى ... ولكنهُ لم يجِدْ مثلَهُ)
(ملاذي بِهِ ومثولي لديهِ ... ومَيْلي إِلَيْهِ ومدحي لَهُ) // المتقارب //
وَمثله قَول بَعضهم مجونا
(وبديعُ الجمالِ مُعتَدِلُ الْقَامَة ... كالغصنِ حنَّ قلبِي إليهِ)
(أشتهى أَن يكونَ عنْدِي وَفِي بَيْتي وبَعْضي فيهِ وكلي عَلَيْهِ ... ) // الْخَفِيف //
وَمن المضحك فِيهِ قَول السراج الْوراق
(رأتْ حَالي وقَدْ حالَتْ ... وَقد غال الصِّبَا فَوْتُ)
(فَقَالَتْ إِذْ تَشاجَرْنا ... وَلم يُخْفَضْ لنا صَوْتُ)
(أشيخ مفلسٌ يهْوَى ... ويَعْشَقُ فاتكَ الفَوْتُ)
(فَلَا خيرٌ وَلَا ميرٌ ... وَلَا إيرٌ فَذا موت) // من مجزوء الوافر //
ولطيف قَول بَعضهم
стр. 690
(وَفِي أَربع منِّي حَلَتْ منكَ أرْبَعٌ ... فَمَا منهُ أَدْرِي أيُّها هاجَ لي كربي)
(أوجهنك فِي عَيْني أم الرِّيقُ فِي فمي ... أم النُّطْق فِي سمْعي أم الحُبُّ فِي قلبِي) // الطَّوِيل //
وَقد سمع يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنْدِيّ هَذَا فَقَالَ هُوَ تَقْسِيم فلسفي وَقد أَخذه الحمايني الْعلوِي فَجعله خَمْسَة فَقَالَ
(وَفِي خمسَةٍ مني حَلَتْ مِنْك خمسَةٌ ... فريقكَ مِنْهَا فِي فمي طَيِّبُ الرَّشْف)
(ووجهكَ فِي عَيْني ولمسكَ فِي يَدي ... ونُطْقكَ فِي سَمْعِي وعَرْفُك فِي أنفي) // الطَّوِيل //
والمتلمس أُسَمِّهِ جرير بن عبد الْمَسِيح الضبعِي وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة المقلين الَّذين اتّفق الْعلمَاء بالشعر على أَنه أشعرهم وهم المتلمس وَالْمُسَيب بن علس وحصين بن الْحمام ولقب بالمتلمس لقَوْله
(وذاكَ أوانُ العِرْض طَنَّ ذبابُهُ ... زنابيرُهُ والأزرق المتلمس) // الطَّوِيل //
وَكَانَ هُوَ وطرفة بن العَبْد يتنادمان مَعَ عَمْرو بن هِنْد ملك الْحيرَة وَكَانَ سيء الْخلق شديده وَكَانَ قد حرق من تَمِيم مائَة رجل فهجوه وَكَانَ مِمَّا هجاه بِهِ المتلمس قَوْله
(إِن الخيانَةَ والمغَالةَ والخنا ... والغَدْرَ نترُكه ببَلَدةِ مُفْسِدِ)
стр. 691
(ملكٌ يلاعبُ أمهُ وقَطينَهَا ... رِخْوُ المفاصل بطْنُهُ كالمزْوَدِ)
(فَإِذا حَللتُ فَدُونَ بَيْتِي غَارةٌ ... فابرُقْ بأرْضِك مَا بدا لَك وأرعد) // الْكَامِل //
وهجاه طرفَة بِمَا تقدم فِي تَرْجَمته فِي شَاهد التَّكْمِيل فاستحيا أَن يقتلهما بِحَضْرَتِهِ وَبَينه وَبَينهمَا إدلال المنادمة فَكتب لَهما صحيفتين وختمهما لِئَلَّا يعلمَا مَا فيهمَا وَهُوَ أول من ختم الْكتاب وَقَالَ لَهما اذْهَبَا إِلَى عَامِلِي بِالْبَحْرَيْنِ فقد أَمرته أَن يصلكما بالجوائز فذهبا فمرا فِي طريقهما بشيخ يحدث وَيَأْكُل من خبز بِيَدِهِ ويتناول الْقمل من ثِيَابه فيقصعه فَقَالَ المتلمس مَا رَأَيْت شَيخا كَالْيَوْمِ أَحمَق من هَذَا فَقَالَ الشَّيْخ مَا رَأَيْت من حمقي أخرج الدَّاء وَأدْخل الدَّوَاء وأقتل الْأَعْدَاء ويروى أطرح خبيثاً وَأدْخل طيبا وأقتل عدوا أَحمَق وَالله مني من يحمل حتفه بِيَدِهِ فاستراب المتلمس بقوله فطلع عَلَيْهِمَا غُلَام من أهل الْحيرَة من كتاب الْعَرَب فَقَالَ لَهُ المتلمس أَتَقْرَأُ يَا غُلَام قَالَ نعم ففك حِينَئِذٍ الصَّحِيفَة فَإِذا فِيهَا إِذا أَتَاك المتلمس فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَقَالَ لطرفة ادْفَعْ إِلَيْهِ صحيفتك فَإِن فِيهَا مثل هَذَا فَقَالَ طرفَة كلا لم يكن ليجترىء عَليّ وَكَانَ غراً صَغِير السن فقذف المتلمس بصحيفته فِي نهر الْحيرَة وَقَالَ
(قَذَفْتُ بهَا بالثني من جَنْبِ كافرٍ ... كَذَلِك أفتى كلَّ قِطٍّ مُضَلّلٍ)
стр. 692
٤ - (رضيتُ بهَا لما رأيْتُ مدادها ... يجولُ بِهِ التيارُ فِي كل جدول) // الطَّوِيل //
وَأخذ نَحْو الشَّام وَقَالَ
(ألْقَي الصحيفَة كي يخفِّفَ رَحْلهُ ... والزَّادَ حَتَّى نعْلُه أَلْقَاهَا) // الْكَامِل //
يُرِيد أَنه تخفف للفرار وَألقى مَا يثقل وَمَا لَا بُد للسَّفر مِنْهُ
وَأما طرفَة فَإِنَّهُ وصل الى الْبَحْرين وَقتل كَمَا مر فِي تَرْجَمته وَهلك المتلمس فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ ابْن فضل الله فِي حَقه هُوَ رجل نبيه الذّكر مَعْرُوف بِصِحَّة الْفِكر وَهُوَ الَّذِي يضْرب الْمثل بصحيفته وَمن شعره
(ألم تَرَ أَن المرْءَ رَهْنُ مَنيةٍ ... صَرِيعاً لعافي الطّيرِ أَو سَوْفَ يرْمَسُ)
(فَلَا تقبلَنْ ضَيماً حِذاَر منيةٍ ... ومُوتَنْ بهَا خُرَّاً وجلدُك أملسُ)
(فَمن حذر الأوتار مَا حزَّ أنفهُ ... قصيرٌ وخاض الموْت بِالسَّيْفِ بيهسُ)
(وَمَا النَّاس إِلَّا مَا رأوْا وتحدثوا ... وَمَا الْعَجز إِلَّا أَن يُضاموا فيجلسوا)
(فَاتَ تُقْبِلوا بالود نُقْبِلْ بِمثلِهِ ... وإلاّ فَإنَّا نَحن آبى وأشمسُ) // الطَّوِيل //
وَمن شعره أَيْضا
(تعيرني أُمِّي رجال وَلَا أرى ... أَخا كَرَمٍ إِلَّا بِأَن يتكرما)
стр. 693
(أحارِثُ إنَّا لَو تُسَاط دماؤُنا ... تزَيَّلْنَ حَتَّى لَا يمسَّ دمٌ دَمًا)
(لذِي الْحلم قبل الْيَوْم مَا تُقْرَعُ الْعَصَا ... وَمَا عُلِّمَ الإنسانُ إِلَّا ليعلْمَا)
(وَمَا كُنتُ إِلَّا مثلَ قَاطع كفهِ ... بكَفٍّ لَهُ أُخْرَى فَأصْبح أجْذَما)
(يَدَاهُ أصابَتْ هَذِه حتْفَ هَذِه ... فَلم تجدِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا مُقَدَّما)
(فأطْرَقَ إطراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يرى ... مسَاغاً لنابهِ الشُّجاعُ لصممَا)
(إِذَا مَا أديمُ القومِ أنَهَجهُ البِلَى ... تفرِّي وَإِن كَتَّبْتَهُ وتخرما) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا يتَمَثَّل بِهِ من شعره قَوْله
(وَأعلم عِلم حق غير ظنٍّ ... لَتقوَى اللهِ مِنْ خير العَتادِ)
(وَحِفظُ المالِ خيرٌ مِن ضَياع ... وضَرْبٍ فِي البِلَاد بِغَيْر زادِ)
(وإصلَاحُ القَليلِ يَزيدُ فيهِ ... وَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) // الوافر //
وَهَذِه الأبيات من قصيدة لَهُ مطْلعهَا
(صَبَا من بَعدِ سلوتِهِ فُؤادي ... وأسمَحَ للقَرِينةِ بِالقيادِ)
وَقد ضمنه بَعضهم فِي الهجاء فَقَالَ
(يُحصِّنُ زادهُ عَن كلِّ ضِرْس ... ويُعملُ ضِرسَهُ فِي كلِّ زَاد)
(وَلَا يَرْوى منَ الأشعارِ شَيْئا ... سِوى بيتٍ لأبْرَهة الإِيادي)
(قليلُ المالِ تُصلحُهُ فَيبقى ... وَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) // الوافر //
стр. 694
وَشطر هَذَا الْبَيْت رِوَايَة فِي شطر الْبَيْت السَّابِق وَأَخذه ابْن وَكِيع فَقَالَ
(مالٌ يخلفُهُ الْفَتى ... للشامتينَ منَ العِدَا)
(خيرٌ لَهُ مِنْ قَصْده ... إخوانهُ مُستَرْفدا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَيُقَال إِن حاتماً الطَّائِي لما سمع قَول المتلمس هَذَا قَالَ مَاله قطع الله لِسَانه يحمل النَّاس على الْبُخْل والتباخل أَلا كَانَ يَقُول
(وَمَا البذْلُ يُفني المالَ قبلَ فنائهِ ... وَلَا البُخلُ فِي مَال الشحيح يَزيدُ)
(فلَا تلتَمسْ فَقْراً بِعيْش فإِنهُ ... لكلِّ غدٍ رزْقٌ يَعُودُ جديدُ)
(ألم تَدْر أنَّ المالَ غادٍ ورَائحٌ ... وأنَّ الَّذِي يُعطيك لَيْسَ يبيدُ) // الطَّوِيل //
انْتهى
وَقد قَالَ البلغاء فِي معنى الأول إِن فِي إصْلَاح مَالك جمال وَجهك وَبَقَاء عزك ونقاء عرضك وسلامة دينك وَطيب عيشك وَبِنَاء مجدك فأصلحه إِن أردْت هَذَا كُله وَفِي الْمثل احفظ مَا فِي الْوِعَاء بشد الوكاء يضْرب فِي الْحَث على أَخذ الْأَمر بالحزم وَقيل من أصلح مَاله فقد صان الأكرمين الدّين وَالْعرض وَقيل التَّدْبِير يُثمر التَّيْسِير والتبذير يبرد الْكثير وَلَا جود مَعَ تبذير وَلَا بخل مَعَ اقتصاد والاعتدال فِي الْجُود أحسن من الاعتداء على الْمَوْجُود والرزق مقسوم مَحْدُود فمرزوق ومحدود وَالله أعلم بالوجود
قد تمّ بِحَمْد الله تَعَالَى وعونه الْجُزْء الثَّانِي من معاهد التَّنْصِيص ويليه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّالِث مفتتحا بشواهد الْجمع مَعَ التَّفْرِيق نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ الْإِعَانَة على إكماله والتوقيق إِلَى إِتْمَامه