Полный текст (694 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
(أشوي قلوبَ الحاسدينَ بهَا وَألسنةَ الوشاة وأعين الرقباء ... ) // الْكَامِل //
وَمن أَمْثِلَة المشاكلة قَول عَمْرو بن كُلْثُوم فِي معلقته
(أَلا لَا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهل فَوقَ جهل الجاهلينَا) // الوافر //
أَرَادَ فنجازيه على جَهله فَجعل لَفْظَة فنجهل مَوضِع فنجازيه لأجل المشاكلة
وَمثل الأول مَا حُكيَ عَن عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر أَنه كَانَ يشرب فِي متنزه وَعِنْده ماني الموسوس فَقَالَ عبيد الله
(أرى غيما تؤلفه جنوبٌ ... وأحسب أَن ستأتينا بهطلِ)
(فحزمُ الرَّأْي أَن تَأتي برطلِ ... فتشربهُ وتأتيني برطل) // الوافر //
فَقَالَ مَا هَكَذَا قَالَ الشَّاعِر وَإِنَّمَا هُوَ
(أرَى غيماً تؤلفهُ جنوبٌ ... أرَاهُ على مساءتنا حَريصَا)
(فَحرم الرَّأْي أَن تَأتي برطلٍ ... فتشربهُ وتكسوني قميصَا)
وَأَبُو الرقعمق هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَنْطَاكِي الشَّاعِر الْمَشْهُور ذكره الثعالبي فِي الْيَتِيمَة فَقَالَ هُوَ نادرة الزَّمَان وَجُمْلَة الْإِحْسَان مِمَّن تصرف بالشعر الجزل فِي أنواح الْجد والهزل وأحرز قصبات الْفضل وَهُوَ أحد المداح المجيدين وَالشعرَاء الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ بِالشَّام كَابْن حجاج بالعرق ومدح مُلُوك مصر ووزراءها فَمن غرر شعره قَوْله يمدح الْوَزير يَعْقُوب بن كلس
стр. 632
(قد سمعنَا مقالهُ واعتذارهُ ... وأقلناهُ ذنبهُ وعثارَهْ)
(والمعاني لمنْ عنيتُ ولكنْ ... بك عرَّضتُ فاسمعي يَا جَاره) // الْخَفِيف // مِنْهَا
(سَحَرتني ألحاظهُ وَكَذَا كلُّ مليحٍ عيونهُ سَحَّارهْ ... )
(مَا عَلىَ مؤثرِ التباعدِ والإعراض لَو آثرَ الرِّضَا والزيارَهْ ... )
وَهِي طَوِيلَة وَأكْثر شعره جيد على هَذَا الأسلوب مثل صريع الدلاء والقصار وَمن شعره على طَرِيق ابْن حجاج قَوْله
(كتبَ الحصيرُ إِلَى السرير ... أَن الفصيلَ ابنُ البعيرِ)
(فلأمنعنَّ حِمَارَتي ... سنتَيْن من أكل الشّعير)
(لاهم إِلَّا أَن تطير ... من الهزَال مَعَ الطُّيُور)
(ولأخبرَنكَ قصتِي ... فلقدْ سَقَطت على الخبيرِ)
(إنّ الَّذين تصافَعُوا ... بالقرعِ فِي زَمن القشُورِ)
(أسِفوا عَلَيَّ لأنهمْ ... حَضَرُوا وَلم أكُ فِي الحضورِ)
(لَوْ كنتُ ثمّ لقيل هَلْ ... منْ آخذٍ بيدِ الضريرِ)
(وَلَقَد دخلت على الصّديق الْبَيْت فِي الْيَوْم المطير ... )
(متشمراً متبختِراً ... للصفع بالدَّلوِ الْكَبِير)
(فأدرت حِين تبَادرُوا ... دلوي فَكَانَ على المدير)
(يَا للرجالِ تَصَافعوا ... فالصفعُ مفتاحُ السرورِ)
стр. 633
(هُوَ فِي الْمجَالِس كالبخور ... وكالقلائدِ فِي النحورِ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَله قصيدة طَوِيلَة مَشْهُورَة أَولهَا
(وقوققى وقوققى ... هَدِيَّة فِي طبقِ)
(أما ترَوْنَ بَيْنكُم ... تيْساً طَوِيل الْعُنُق) // من مجزوء الرجز //
وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَتِسْعين وثلثمائة
١٢٠ - (إِذا مَا نهى النَّاهي فلَج بِي الْهوى ... أصاختْ إِلَى الواشي فلَجَّ بهَا الهجْرُ)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل فِي الْفَتْح بن خاقَان أَولهَا
(مَتى لَاحَ برقٌ أَو بدا طللٌ قفرُ ... جرى مُسْتَهِلٌّ لَا بطىء وَلَا نَزْرُ)
(وَمَا الشوق إِلَّا لوعةٌ بعد لوعةٍ ... وغُزْر من الآماق تتبعُها غزرُ)
(فَلَا تذكرا عهْدَ التصابي فَإِنَّهُ ... تقضَّي وَلم يشعرْ بِهِ ذَلِك الْعَصْر)
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(هَل الْعَيْش إِلَّا أَن تساعفنا النَّوَى ... بوَصْل سُعَاد أَو يساعدَنا الدهرُ)
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
стр. 634
(على أَنَّهَا مَا عِنْدهَا لمُوَاصِلٍ ... وصالٌ وَلَا عَنْهَا لمصطبرٍ صبرُ)
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا فِي المخلص
(لعمرَّكَ مَا الدُّنْيَا بناقصة الْجَدَا ... إِذا بقىَ الفَتحُ بن خاقَان والقطر) // الطَّوِيل //
وَمعنى أصاخت استمعت والواشي النمام الَّذِي يشي حَدِيثه ويزينه وَالشَّاهِد فِيهِ المزاوجة وَهِي أَن يزاوج الْمُتَكَلّم بَين مَعْنيين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فَهُنَا زواج بَين نهي الناهي وإصاختها إِلَى الواشي الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي أَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا لجاج شَيْء
وَمثله قَوْله أَيْضا
(إِذا احتربت يَوْمًا فَفَاضَتْ دماؤُها ... تذكرت الْقُرْبَى فَفَاضَتْ دموعُها) // الطَّوِيل //
فزاوج بَين الاحتراب وتذكر الْقُرْبَى الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي ترَتّب فيضان شَيْء عَلَيْهِمَا
وَمن المزاوجة قَول أبي تَمام
(وَكُنَّا جمعيا شَرِيكي عنان ... رضيعى لبان خليلى صفاء) // المتقارب //
وَفِي معنى صدر الْبَيْت قَول أبي نواس
(دَعْ عَنْكَ لومي فَإِن اللَّوْمَ إغراءُ ... ودَاوِنِي بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن زُرَيْق الْبَغْدَادِيّ
(لَا تَعْذِليه فإنَّ العذل يُولِعُه ... قد قلتِ حَقَّاً وَلَكِن لَيْسَ يسمعهُ) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن شرف القيرواني
(قلْ للعذول لَو اطَّلَعت على الَّذِي ... عاينتهُ لعناكَ مَا يعنيني)
стр. 635
(أتصدُّني أم للغرَام ترُدُّني ... وتلومني فِي الحبّ أمْ تُغْرِينِي)
(دَعنِي فلستَ مُعَاقباً بجنايتِي ... إِذْ ليسَ دينكَ لي وَلَا لَك ديني) // الْكَامِل //
وَقَول الصابي
(أَيهَا اللائم والمضيق صَدْرِي ... لَا تلمني فكثرةُ اللوم تُغْرِي)
(قَدْ أقامَ القَوَامُ حجَّة عشقي ... وأبانَ العذارُ فِي الحبّ عُذْري) // الْخَفِيف //
١٢ - (قِفْ بالديار الَّتِي لم يعفها القدمُ ... بلىَ وغيرَها الأرواحُ والدِّيَمُ)
الْبَيْت من الْبَسِيط وَهُوَ أول قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بهَا هرم بن سِنَان وَبعده
(لَا الدارُ غيرَها بعد ُالأنيسُ ولَا ... بالدارِ لَو كَلَّمَتْ ذَا حَاجَة صممُ)
(دارٌ لأسماء بالغمرَين ماثلةٌ ... كالوحي لي لَهَا من أَهلهَا أرِمُ)
يَقُول مِنْهَا فِي مدحه
(إِن الْبَخِيل ملوم حَيْثُ كَانَ ولكنّ ... الجوادَ على علاته هرم)
стр. 636
(هُوَ الجوادُ الَّذِي يعطيكَ نائلهُ ... عفوا ويظلمُ أَحْيَانًا فيظَّلِمُ)
(فإِن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لَا غَائِب مَالِي وَلَا حرم) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة
والأرواح جمع ريح وَيجمع على أرياح أَيْضا ورياح وريح بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الرُّجُوع وَهُوَ الْعود إِلَى الْكَلَام السَّابِق بِالنَّقْضِ والإبطال لنكتة فَهُنَا دلّ صدر الْبَيْت على أَن تطاول الزَّمَان وتقادم الْعَهْد لم يعف الديار ثمَّ عَاد إِلَيْهِ ونقضه فِي عجز الْبَيْت بِأَنَّهُ قد غيرتها الرِّيَاح والأمطار لنكتة وَهِي هُنَا إِظْهَار الكآبة والحزن والحيرة والدهش كَأَنَّهُ أخبر أَولا بِمَا لم يتَحَقَّق ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ عقله وأفاق بعض الْإِفَاقَة فنقض كَلَامه السَّابِق
وَمثله قَول الشَّاعِر
(فأفٍّ لهَذَا الدَّهْر لَا بلْ لأهلهِ ... ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن الطثرية
(أليسَ قَلِيلا نظرةٌ إِن نظرتها ... إِلَيْك وكلاّ ليسَ مِنْك مِنْك قَلِيل) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْبَيْدَاء
стр. 637
(ووالي انتصارٌ إِن غدَا الدهرُ جائراً ... عليّ بلَى إِن كَانَ من عندكَ النصرُ) // الطَّوِيل //
وَقَول المتنبي
(لِجنِّيَّةٍ أم غادةٍ رُفعَ السجفُ ... لِوَحشيةٍ لاما لوحشية شنف) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ فِي شمس الْمَعَالِي قَابُوس بن وشكمير صَاحب جرجان
(لم يبْق فِي الأَرْض من شَيْء أهابُ لهُ ... فَلِمْ أهاب انكسار الجفن ذِي السقمِ)
(أسْتَغْفر الله من قولي غلطتُ بلىَ ... أهابُ شمسُ الْمَعَالِي أمة الْأُمَم) // الْبَسِيط //
وَله فِيهِ أَيْضا
(إذَا مَا ظمئتُ إِلَى ريقهِ ... جعلتُ المدامَةَ منهُ بديلَا)
(وأينَ المدامةُ من ريقهِ ... وَلَكِن أُعللُ قلبا عليلا) // المتقارب //
وبديع قَول السرواندي
(كالبدر بلْ كَالشَّمْسِ بلْ ككليهما ... كالليث بلْ كالغيث هطالِ الديم) // الْكَامِل //
وَمَا ألطف قَول ابْن سناء الْملك
(ومليةٍ بالْحسنِ يسخرُ وجههَا ... بالبدر يهزأ رِيقهَا بالقَرْقَفِ)
(لَا أرتضي بالشمس تَشْبِيها لَهَا ... والبدرِ بل لَا أكتفي بالمكتفي) // الْكَامِل //
وَهُوَ من قَول ابْن المعتز
(واللهِ لَا كلمتها لَو أَنَّهَا ... كالبدر أَو كَالشَّمْسِ أَو كالمكتفى) // الْكَامِل //
стр. 638
١٢٢ - (إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا)
نسب غَالب شارخي التَّلْخِيص هَذَا الْبَيْت لجرير وَهُوَ من قصيدة من الوافر أَولهَا
(أقلي اللومَ عاذِلَ والعتابَا ... وَقَوْلِي إِن أصبتُ لَقد أصابَا)
(أجدَّك مَا تذكر عهدِ نجدٍ ... وحَيّاً طالما انتظروا الإيابَا)
(بلىَ فارفضَّ دمْعُكَ غير نَزْرٍ ... كَمَا عَيَّنْتَ بالسرَب الطبابَا)
(وهاجَ الْبَرْق ليلةَ أذرعاتٍ ... هوى مَا تَسْتَطِيع لهُ طلابا) // الوافر //
وَهِي طَوِيلَة وَالسَّمَاء الْغَيْث
وَنسبه الْمفضل فِي اختياراته لمعاوية بن مَالك بن جَعْفَر معود الْحُكَمَاء وَسَاقه فِي قصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(أجدّ القلبُ من سلمى اجتنابَا ... وأقصرَ بعد مَا شابَتْ وشابَا)
стр. 639
(وشابَ لِدَاتهُ وعدلنَ عنهُ ... كَمَا أنضيتُ من لُبْسٍ ثيابَا)
(فَإِن يكُ نبلها طاشتْ ونبلي ... فقد نرمي بهَا حقباً صيابا)
(فتصطادُ الرجالَ إذَا رمتهمْ ... وأصطادُ المخبأةَ الكعابَا)
مِنْهَا
(وكنتُ إذَا الْعَظِيمَة أفزعَتْهُمْ ... نهضتُ وَلَا أدبُّ لَهَا دبابَا)
(بحمدِ الله ثمَّ عَطاء قَومٍ ... يفكونَ الغنائمَ والرقابَا)
(إذَا نزل السَّمَاء بِأَرْض قومٍ ... رَعيناهُ وَإِن كَانُوا غضابا)
(بِكلّ مُقَلصٍ عَبْلٍ شَوَاهُ ... إذَا وُضعتْ أعنتهنّ ثابا) // الوافر //
وَيدل على أَن هَذَا الْبَيْت من هَذِه القصيدة أَنه لم يُوجد فِي قصيدة جرير على اخْتِلَاف رُوَاة ديوانه
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِخْدَام وَهُوَ أَن يُرَاد بلفظٍ لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا ثمَّ يُرَاد بضميره الآخر أَو يُرَاد بِأحد ضميريه أَحدهمَا ثمَّ يُرَاد بِالْآخرِ الآخر فَالْأول كَمَا فِي الْبَيْت هُنَا فَإِنَّهُ أَرَادَ بالسماء الْغَيْث وبالضمير الرَّاجِع إِلَيْهِ من رعيناه النبت
стр. 640
وَجَرِير هُوَ ابْن عَطِيَّة بن الخطفي وَهُوَ لقبه واسْمه حُذَيْفَة بن بدر بن سَلمَة بن عَوْف بن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم ابْن مرّة يَنْتَهِي نسبه لنزار ويكنى أَبَا حزرة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي وَفتح الرَّاء وَبعدهَا هَاء سَاكِنة وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة من الحزر
هُوَ والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الْإِسْلَام الَّذين لم يدركوا الْجَاهِلِيَّة جَمِيعًا ومختلفٌ فِي أَيهمْ الْمُقدم وَلم يبْق أحد من شعراء عصرهم إِلَّا تعرض لَهُم فافتضح وَسقط
وَكَانَ أَبُو عَمْرو يشبه جَرِيرًا بالأعشى والفرزدق بزهير والأخطل بالنابغة
وَقد حكم مَرْوَان بن أبي حَفْصَة بَين الثَّلَاثَة بقوله
(ذهب الفرَزْدقُ بالفخار وَإِنَّمَا ... خلو الْكَلَام ومرهُ لجرير)
(وَلَقَد هجا فأمَضَّ أَخطلُ تغلبٍ ... وحَوَى الُّلهى بمديحه المشهورِ)
(كلُّ الثلاثةِ قد أبر بمدحه بمدحهِ ... وهجاؤُه قد سارَ كلَّ مسيرِ) // الْكَامِل //
فَهُوَ كَمَا ترَاهُ حكم للفرزدق بالفخار والأخطل بالمدح والهجاء وبجميع فنون الشّعْر لجرير
وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء بن جرير الْعَنْبَري وَكَانَ شَيخا قد جَالس النَّاس إِذا لم يَجِيء الأخطل سَابِقًا فهر سكيتٌ والفرزدق لَا يَجِيء سَابِقًا وَلَا سكيتاً وَجَرِير يَجِيء سَابِقًا ومصلياً وسكيتاً
وَحدث مولى لبني هَاشم قَالَ امترى أهل الْمجْلس فِي جرير والفرزدق أَيهمَا
стр. 641
أشعر فَدخلت على الفرزدق فَمَا سَأَلَني عَن شَيْء حَتَّى نَادَى يَا نوار أدْركْت برنيتك يَا نوار قَالَت قد فعلت أَو كَادَت قَالَ فابعثي بدرهم فاشتري لَحْمًا فَفعلت وَجعلت تشرحه وتلقيه على النَّار وَيَأْكُل ثمَّ قَالَ هَات برنيتك فَشرب قدحاً ثمَّ ناولني وَشرب آخر ثمَّ ناولني ثمَّ قَالَ هَات حَاجَتك يَا ابْن أخي فَأَخْبَرته فَقَالَ أعن ابْن الخطفي تَسْأَلنِي ثمَّ تنفس حَتَّى انشقت حيازيمه ثمَّ قَالَ قَاتله الله فَمَا أحسن نَاجَيْته وأشرد قافيته وَالله لَو تَرَكُوهُ لأبكى الْعَجُوز على شبابها والشابة على أحبابها وَلَكنهُمْ هروه فوجدوه عِنْد الهراش نابحاً وَعند الْجد قادحاً وَلَقَد قَالَ بَيْتا لِأَن أكون قلته أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ
(إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيم ... لقِيت القومَ كلهمُ غضابا) // الوافر //
وَقَالَ إِسْحَاق بن يحيى بن طَلْحَة قدم علينا جرير الْمَدِينَة فحشدنا لَهُ فَبينا نَحن عِنْده ذَات يَوْم إِذْ قَامَ لِحَاجَتِهِ فجَاء الْأَحْوَص فَقَالَ أَيْن هَذَا فَقُلْنَا قَامَ آنِفا مَا تُرِيدُ مِنْهُ قَالَ أخزيه وَالله إِن الفرزدق لأشعر مِنْهُ وأشرف فَأقبل جرير علينا وَقَالَ من الرجل قُلْنَا الْأَحْوَص بن مُحَمَّد بن عَاصِم بن ثَابت ابْن أبي الْأَفْلَح قَالَ هَذَا الْخَبيث بن الطّيب ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فَقَالَ قد قلت
(يقر بعيني مَا يقر بِعَينهَا ... وَأحسن شَيْء مَا بِهِ الْعين قرت) // الطَّوِيل //
فَإِنَّهُ يقر بِعَينهَا أَن يدْخل فِيهَا مثل ذِرَاع الْبكر أفيقر ذَلِك بِعَيْنِك قَالَ وَكَانَ الْأَحْوَص يَرْمِي بالأبنة فَانْصَرف وَأرْسل إِلَيْهِ بِتَمْر وَفَاكِهَة
стр. 642
وَكَانَ راعي الْإِبِل الشَّاعِر يقْضِي للفرزدق على جرير ويفضله وَكَانَ راعي الْإِبِل قد ضخم أمره وَكَانَ من أشعر النَّاس فَلَمَّا أَكثر من ذَلِك خرج جرير إِلَى رجال من قومه فَقَالَ هَل تعْجبُونَ لهَذَا الرجل الَّذِي يقْضِي للفرزدق عَليّ وَهُوَ يهجو قومه وَأَنا أمدحهم قَالَ جرير فَضربت رَأْيِي فِيهِ ثمَّ خرج جرير ذَات يَوْم يمشي وَلم يركب دَابَّة وَقَالَ وَالله مَا يسرني أَن يعلم أحد وَكَانَ لراعي الْإِبِل والفرزدق وجلسائهما حَلقَة بالمربد بِالْبَصْرَةِ يَجْلِسُونَ فِيهَا قَالَ فَخرجت أتعرض إِلَيْهِ لعَلي أَلْقَاهُ على حياله حَيْثُ كنت أرَاهُ يمر إِذا انْصَرف من مَجْلِسه وَمَا يسرني أَن يعلم أحد حَتَّى إِذا هُوَ قد مر على بغلة لَهُ وَابْنه جندل يسير وَرَاءه على مهر لَهُ أحوى مَحْذُوف الذَّنب وإنسان يمشي مَعَه يسْأَله عَن بعض النسيب فَلَمَّا استقبلته قلت مرْحَبًا بك يَا أَبَا جندل وَضربت بشمالي على معرفَة بغلته ثمَّ قلت لَهُ يَا أَبَا جندل إِن قَوْلك يستمع وَإنَّك تفضل الفرزدق عَليّ تَفْضِيلًا قبيحا وَأَنا أمدح قَوْمك وَهُوَ يهجوهم وَهُوَ ابْن عمي دُونك وَيَكْفِيك عَن ذَلِك إِذْ ذكرنَا أَن تَقول كِلَاهُمَا شَاعِر كريم وَلَا تحْتَمل مني وَلَا مِنْهُ لائمة قَالَ فَبينا أَنا مَعَه وَهُوَ كَذَلِك وَاقِفًا عَليّ وَمَا رد عَليّ بذلك شَيْئا حَتَّى لحق ابْنه جندل فَرفع كرمانية مَعَه فَضرب بهَا عجز بغلته ثمَّ قَالَ لَا أَرَاك وَاقِفًا على كلب من كُلَيْب كَأَنَّك تخشى مِنْهُ شرا أَو ترجو مِنْهُ خيرا وَضرب البغلة ضَرْبَة فرمحتني رمحة وَقعت مِنْهَا قلنسوتي فوَاللَّه مَا عرج عَليّ الرَّاعِي فَيَقُول سَفِيه عوى يَعْنِي جندلاً ابْنه وَلَكِن لَا وَالله مَا عاج عَليّ فَأخذت قلنسوتي فمسحتها ثمَّ أعدتها على رَأْسِي ثمَّ قلت
(أجندلُ مَا تقولُ بَنو نميرٍ ... إِذا مَا الأيْرُ فِي استِ أبيكِ غابَا) // الوافر //
стр. 643
فَسمِعت الرَّاعِي قَالَ لِابْنِهِ أما وَالله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة قَالَ جرير وَلَا وَالله مَا القلنسوة بأغيظ أمره لي لَو كَانَ عاج عَليّ فَانْصَرف جرير غَضْبَان حَتَّى إِذا صلى الْعشَاء ومنزله فِي علية لَهُ قَالَ ارْفَعُوا لي باطية من نَبِيذ وأسرجوا لي فأسرجوا لَهُ وأتوه بباطية من نَبِيذ قَالَ فَجعل يهينم فَسمِعت صَوته عَجُوز فِي الدَّار فاطلعت فِي الدرجَة فَنَظَرت إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ يحبو على الْفراش عُريَانا لما هُوَ فِيهِ فانحدرت فَقَالَت ضيفكم مَجْنُون رَأَيْت مِنْهُ كَذَا وَكَذَا فَقَالُوا لَهَا اذهبي لطيتك فَنحْن أعلم بِهِ وَبِمَا يمارس فَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى كَانَ السحر ثمَّ إِذا هُوَ يكبر قد قَالَهَا ثَمَانِينَ بَيْتا يهجو بني نمير فَلَمَّا خَتمهَا بقوله
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا)
كبر ثمَّ قَالَ أخزيته وَرب الْكَعْبَة ثمَّ اصبح حَتَّى علم أَن النَّاس قد أخذُوا مجَالِسهمْ بالمربد وَكَانَ يعرف مَجْلِسه ومجلس الفرزدق دَعَا بدهن فادهن وكف رَأسه وَكَانَ حسن الشّعْر ثمَّ قَالَ يَا غُلَام أَسْرج لي فأسرج لَهُ حصاناً ثمَّ قصد مجلسهم حَتَّى إِذا كَانَ موقع السَّلَام قَالَ يَا غُلَام وَلم يسلم قل لِعبيد بَعَثْتُك نسوتك تكسبهن المَال بالعراق أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لترجعن إلَيْهِنَّ بميرة تسوءهن وَلَا تسرهن ثمَّ انْدفع فِيهَا فأنشدها فَنَكس الفرزدق وراعى الْإِبِل وأزم الْقَوْم حَتَّى إِذا فرغ مِنْهَا وَسَار وثب راعي الْإِبِل ساعتئذ فَركب بغلته وَبشر وعر وخلا الْمجْلس حَتَّى أوفى إِلَى الْمنزل الَّذِي ينزله ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه ركابكم ركابكم فَلَيْسَ لكم هُنَا مقَام فضحكم وَالله جرير فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم ذَاك شؤمك وشؤم ابْنك قَالَ فَمَا كَانَ إِلَّا ترحلهم فَسَارُوا إِلَى أهلهم سيراً مَا ساره أحد وهم بالشريف وَهُوَ أَعلَى دَار بني نمير فَيحلف بِاللَّه راعي الْإِبِل إِنَّا وجدنَا فِي أهلنا
стр. 644
(فغض الطّرف إِنَّك من نُميرٍ ... )
وَأقسم بِاللَّه مَا بلغه إنسي قطّ وَإِن لجرير لأشياعاً من الْجِنّ فتشاءمت بِهِ بَنو نمير وسبوه وَابْنه فهم يتشاءمون بِهِ إِلَى الْآن
وَحدث أَبُو عُبَيْدَة قَالَ التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فَقَالَ الفرزدق لجرير
(فإِنك لاقٍ بالمنازل من مِنىً ... فَخَاراً فخبرني بمَنْ أنتَ فاخر) // الطَّوِيل //
قَالَ لَهُ جرير لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك قَالَ فَكَانَ أَصْحَابنَا يستحسنون هَذَا الْجَواب من جرير ويتعجبون مِنْهُ
وَعَن الْعُتْبِي قَالَ قَالَ جرير مَا عشقت قطّ وَلَو عشقت لنسبت نسيباً فتسمعه الْعَجُوز فتبكي على مَا فاتها من شبابها وَإِنِّي لأروي من الرجز أَمْثَال آثَار الْخَيل فِي الثرى وَلَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن يستفزغني لأكثرت مِنْهُ
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ رَأَتْ أم جرير وَهِي حَامِل بِهِ كَأَنَّهَا ولدت حبلاً من شعر أسود فَلَمَّا خرج مِنْهَا جعل ينزو فَيَقَع فِي عنق هَذَا فيقتله وَفِي عنق هَذَا فيخنقه حَتَّى فعل ذَلِك بِرِجَال كثيرين فانتبهت فزعة فأولت الرُّؤْيَا فَقيل لَهَا تلدين غُلَاما أسود شَاعِرًا ذَا شدَّة وَشر وشكيمة وبلاء على النَّاس فَلَمَّا وَلدته سمته جَرِيرًا باسم الْحَبل الَّذِي رَأَتْ أَنه خرج مِنْهَا قَالَ والجرير الْحَبل
وَحدث بِلَال بن جرير أَن رجلا قَالَ لجرير من أشعر النَّاس قَالَ قُم حَتَّى أعرفك الْجَواب فَأخذ بِيَدِهِ وَجَاء بِهِ إِلَى أَبِيه عَطِيَّة وَقد أَخذ عَنْزًا لَهُ فاعتقلها وَجعل يمص ضرْعهَا فصاح بِهِ اخْرُج يَا أَبَت فَخرج شيخ دميم رث الْهَيْئَة وَقد سَالَ لبن العنز على لحيته فَقَالَ أَتَرَى هَذَا قَالَ نعم قَالَ أَو تعرفه قَالَ لَا قَالَ هَذَا أبي أفتدري لم كَانَ يشرب لبن العنز قلت لَا قَالَ مَخَافَة أَن يسمع صَوت الْحَلب فيطلب مِنْهُ لبن ثمَّ قَالَ أشعر النَّاس
стр. 645
من فاخر بِمثل هَذَا الْأَب ثَمَانِينَ شَاعِرًا وقارعهم بِهِ فَغَلَبَهُمْ جَمِيعًا
وَحدث الْمَدَائِنِي قَالَ كَانَ جرير من أعق النَّاس بِأَبِيهِ وَكَانَ ابْنه بِلَال أعق النَّاس بِهِ فراجع جرير بِلَالًا الْكَلَام فَقَالَ لَهُ بِلَال الْكَاذِب مني ومنك ناك أمه فَأَقْبَلت أمه عَلَيْهِ فَقَالَت لَهُ يَا عَدو الله أَتَقول هَذَا لأَبِيك فَقَالَ جرير دعيه فوَاللَّه لكَأَنِّي أسمعها وَأَنا أقولها لأبي
وَنَظِير ذَلِك مَا حكى عَن يُونُس بن عبد الله الْخياط أَنه مر بِهِ رجل وَهُوَ يعصر حلق أَبِيه وَكَانَ عاقاً بِهِ فَقَالَ لَهُ وَيحك أتفعل هَذَا بأبيك وخلصه من يَده ثمَّ أقبل على الْأَب يعزيه ويسكنه فَقَالَ لَهُ الْأَب أخي لَا تلمه وَاعْلَم أَنه ابْني حَقًا وَالله لقد خنقت أبي فِي هَذَا الْموضع الَّذِي خنقني فِيهِ فَانْصَرف الرجل وَهُوَ يضْحك ولأبيه يَقُول
(مَا زَالَ بِي مَا زَالَ بِي ... طَعْنُ أبي فِي النسبِ)
(حَتَّى تربيتُ وَحَتَّى ... سَاءَ ظَنِّي بأبى) // الرجز //
وَنَشَأ ليونس ولد يُقَال لَهُ دُحَيْم فَكَانَ أعق النَّاس بِهِ فَقَالَ يُونُس فِيهِ
(جلا دُحيمٌ عماية الريبِ ... والشكَّ مني والظنَّ فِي نسبي)
(مَا زَالَ بِي الطن والتشكك حَتَّى عقتى مثل مَا عققت أبي ... ) // المنسرح //
وَقَالَ يُونُس بن عبد الله الْخياط جِئْت يَوْمًا إِلَى أبي وَهُوَ جَالس وَعِنْده أَصْحَاب لَهُ فوقفت عَلَيْهِم لأغيظه وَقلت أَلا أنْشدكُمْ شعرًا قلته بالْأَمْس قَالُوا بلَى فأنشدتهم
(يَا سائليَ مَن أَنا أَو مَن يناسبُني ... أَنا الَّذِي لَا لَهُ أصلٌ وَلَا نسبُ)
(الْكَلْب يختال فَخْراً حِين يُبْصرني ... وَالْكَلب أكرمُ مني حِين ينتسب)
(لَو قَالَ لي النَّاس طرّاً أَنْت أَلأمنا ... مَا وهمَ النَّاس فِي ذاكم وَلَا كذبُوا) // الْبَسِيط //
стр. 646
قَالَ فَوَثَبَ إِلَى أبي ليضربني وعدوت من بَين يَدَيْهِ فَجعل يَشْتمنِي وَأَصْحَابه يَضْحَكُونَ
رَجَعَ إِلَى بَقِيَّة أَخْبَار جرير
حدث أَبُو العراف قَالَ قَالَ الْحجَّاج لجرير والفرزدق وَهُوَ فِي قصره بجرين الْبَصْرَة ائتياني بلباس أبيكما فِي الْجَاهِلِيَّة فَلبس الفرزدق الديباج والخز وَقعد فِي قبَّة وشاور جرير دهاة بني يَرْبُوع فَقَالُوا لَهُ مَا لِبَاس آبَائِنَا إِلَّا الْحَدِيد فَلبس جرير درعاً وتقلد سَيْفا وَأخذ رمحاً وَركب فرسا لعباد بن الْحصين يُقَال لَهُ المنحاز وَأَقْبل فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا من بني يَرْبُوع وَجَاء الفرزدق فِي هيبته فَقَالَ جرير
(لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عَلَيْهِ وشاحاً كُرَّجٍ وجلاجلُهْ)
(أعِدَّ مَعَ الْحلِيّ المَلَابَ فَإِنَّمَا ... جرير لكم بعل وانتم حلائله) // الطَّوِيل //
ثمَّ رجعا فَوقف جرير فِي مَقْبرَة بني حصن ووقف الفرزدق فِي المربد ونعى الفرزدق إِلَى المُهَاجر بن عبد الله وَجَرِير عِنْده فَقَالَ
(مَاتَ الفرزدق بَعْدَمَا جدعنه ... لَيْت الفرزدق كَانَ عَاشَ قَلِيلا) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ المُهَاجر بئس لعمر الله مَا قلت فِي ابْن عمك أتهجو مَيتا أما وَالله لَو رثيته لَكُنْت أكْرم الْعَرَب وأشعرها فَقَالَ إِن رأى الْأَمِير أَن يكتمها عَليّ فَإِنَّهَا سوءة ثمَّ قَالَ من وقته الْبَيْتَيْنِ السَّابِقين فِي تَرْجَمَة الفرزدق فِي شَوَاهِد نجمنا وَاحِدًا وكل وَاحِد منا مَشْغُول بِصَاحِبِهِ وقلما مَاتَ ضد أَو صديق إِلَّا تبعه صَاحبه فَكَانَ كَذَلِك مَاتَ بعد سنة
стр. 647
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَكَانَت وَفَاته بِالْيَمَامَةِ وَعمر نيفاً وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف إِن أمه حملت بِهِ سَبْعَة أشهر
١٢٣ - (فَسقَى اْلغَضَا والساكِنِيهِ وَإِن هُمُ ... شبُّوهُ بينَ جوانِحٍ وقلوبِ)
الْبَيْت للبحتري وَهَكَذَا هُوَ فِي ديوانه وَإِن كَانَ فِي كثير من نسخ التَّلْخِيص بل وَفِي كثير من كتب هَذَا الْفَنّ بِلَفْظ بَين جوانحي وضلوعي وَهُوَ من قصيدة من الْكَامِل أَولهَا
(كم بالكثيب من اعْتِرَاض كثيبِ ... وقوام غصنٍ فِي الثِّيَاب رطيبِ)
(تأبى المنازلُ أَن تجيبَ ومِن جَوَى ... يَوْم الديارِ دعوتُ غير مُجيب) // الْكَامِل //
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة
والغضا شجر مَعْرُوف واحدته غضاة وَأَرْض غضيانة كثيرته
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِخْدَام أَيْضا فَإِنَّهُ أَرَادَ بِأحد الضميرين الراجعين إِلَى الغضا وَهُوَ الْمَجْرُور فِي الساكنيه الْمَكَان وَهُوَ ارْض لبني كلاب وواد بِنَجْد وبالآخر وَهُوَ الْمَنْصُوب فِي شبوه النَّار أَي أوقدوا فِي جوانحي نَار الغضا يَعْنِي نَار الْهوى الَّتِي تشبه نَار الغضا وَخص الغضا دون غَيره لِأَن جمره بطيء الانطفاء
وَقد استخدم كثير من الشُّعَرَاء لَفْظَة الغضا فَقَالَ ابْن أبي حَصِينَة
стр. 648
(أما وَالَّذِي حَجَّ الملَبُّونَ بَيتهُ ... فمِنْ ساجِدٍ لله فِيهِ وراكعِ)
(لقد جَرَّعتني كأس بَيْنٍ مَرِيرةً ... من البُعْد سلمى بَين تلكَ الأجارع)
(وحَلَّتْ بأكنافِ الغَضَا فَكَأَنَّمَا ... حَشَتْ نارهُ بَين الحشى والأضالع) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن جَابر الأندلسي
(إنَّ الغَضَا لسْتُ أنسى أهلَهُ فَهُمُ ... شَبُّوهُ بَين ضلوعي يومَ بيْنِهمِ)
(جَرَى العقيق بقلبي بَعْدَما رَحَلوا ... وَلَو جَرَى من دموع الْعين لم أُلَمِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن قلاقس الاسكندري
(حَلتْ مطاياهم بمُلْتَفِّ الغضا ... فَكَأَنَّمَا شَبُّوهُ فِي الأكباد) // الْكَامِل //
وبديع قَول الْبَدْر بن لُؤْلُؤ الذَّهَبِيّ
(أحمَّامَةَ الْوَادي بشَرْقيِّ الغضا ... إِن كْنِت مُسْعِدَة الكئيب فَرَجعِي)
(وَلَقَد تَقَاسمنا الغضا فَغُصُونُهُ ... فِي راحَتَيْكِ وجمْرُهُ فِي أضلُعي) // الْكَامِل //
ولمؤلفه من قصيدة
(وحقِّكِ إِنِّي للرِّياح لحاسِدٌ ... فَفِي كلِّ حِين بالأحبةِ تخطُرُ)
(تمرُّ الصَّبا عفوا على سَاكِني الغضا ... وَفِي أضلعي نيرانهُ تَتسَعَّرُ)
(فتذكِرني عهْدَ العقيق وأدمُعي ... تُسَاقطهُ وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكَرُ)
(ويورِث عَيْني السَّفْحَ حَتَّى ترى بِهِ ... مَعَالم بالأحْبَابِ تزهو وتزهر) // الطَّوِيل //
وَمن الِاسْتِخْدَام البديع قَول المعري يرثي فَقِيها حنفيا
(وفقيهٌ ألفاظُهُ شِدْنَ للنُّعمان مَا لم يَشدْهُ شعرُ زيادِ ... ) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا يصف درعا
(نثرةٌ من ضَمَانهَا للقنا الخطي عِنْد اللِّقَاء نثر الكعوب ... )
(مثل وَشَيْء الْوَلِيد لانت إِن كَانَت من الصُّنع مثلَ وشي حبيب ... )
стр. 649
(تِلْكَ ماذية وَمَا لذبابِ السيفِ والصيفِ عِنْدهَا من نَصيبِ ... ) // الْخَفِيف //
فاستخدم لفظ الذُّبَاب فِي معنييه الأول طرف السَّيْف وَالثَّانِي الطَّائِر الْمَعْرُوف
وَلابْن جَابر الأندلسي فِيهِ
(فِي القَلب من حبكُمْ بَدْرٌ أَقَامَ بِهِ ... فالطّرّفُ يزدادُ نورا حينَ يُبْصِرُهُ)
(تَشَابه العقد حُسْناً فَوقَ لَبتهِ ... والثَّغْرُ مِنْهُ إِذا مَا لَاحَ جوهره) // الْبَسِيط //
وَمن ظريف الِاسْتِخْدَام قَول السراج الْوراق
(دعِ الهَويني وانتَصبْ واكتَسبْ ... واكدَح فنَفسُ الْمَرْء كدَّاحهْ)
(وَكن عَن الراحةِ فِي مَعْزِلٍ ... فالصَّفْعُ مَوْجُود مَعَ الرَّاحَة) // السَّرِيع //
استخدم الرَّاحَة فِي معنييها الأول من الاسْتِرَاحَة وَالثَّانِي من الْيَد
وبديع قَول الصفى الحلى
(لَئِن لم أُبرقع بالحيا وجْهَ عفتي ... فَلَا أَشْبَهتهُ راحتي فِي التكرمِ)
(وَلَا كنت مِمَّن يكسر الجفن فِي الوغى ... إِذا أَنا لم أغضضه عَن رَأْي محرم) // الطَّوِيل //
وَمن الاستخدامات البديعة قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ يمدح النَّبِي ﷺ
(إِذا لم تفض عَيْني العَقيقَ فَلَا رَأَتْ ... مَنازله بالقُرْبِ تبْهى وتبهرُ)
(وَإِن لم توَاصلْ عادَةَ السفح مُقلتي ... فَلَا عادها عيشٌ بمغناهُ أَخْضَر) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(سَقى الله أكنافَ الغضا سائلَ الحيا ... وَإِن كنتُ أُسْقي أدمعاً تَتَحَدّرُ)
стр. 650
(وعيشاً نَضَى عنهُ الزَّمَان بياضَهُ ... وخلّفهُ فِي الرَّأْس يزهر ويزهَرُ)
(تغيرَ ذَاك اللونُ مَعْ من أُحبُّهُ ... وَمن ذَا الَّذِي يَا عَزُّ لَا يتغيرُ)
(وَكَانَ الصِّبَا لَيْلًا وكنتُ كَحَالم ... فيا أسَفي والشيب كالصُّبْحِ يُسْفِرُ)
(يُعللني تحْتَ العمامَةِ كتْمَهُ ... فَيعتادُ قَلبي جسرة حِين أحْسِرُ)
(وتنكرني لَيْلَى وَمَا خِلتُ أَنه ... إِذا وضع الْمَرْء الْعِمَامَة ينكرُ)
وَمن الِاسْتِخْدَام أَيْضا قَول الْعَلامَة عمر بن الوردي رَحمَه الله تَعَالَى
(وَربَّ غَزالةٍ طَلعتْ ... بِقلبي وَهْوَ مَرعاهَا)
(نَصبتُ لهَا شِباكاً مِنْ ... لُجينٍ ثمّ صِدْناها)
(وقالتْ لِي وقدْ صِرْنا ... إِلَى عَينِ قَصَدْناها)
(بذلْتَ العْينَ فاكْحلها ... بِطلْعتها ومجراها) // من مجزوء الوافر //
وَمِنْه قَول ابْن مليك رَحمَه الله تَعَالَى
(فَكم ردّ مِنْ عَيْنٍ وجادَ بِمثلها ... ولوْلاهُ مَا ضاءَتْ ولمْ تكُ تَعذُبُ) // الطَّوِيل //
стр. 651
وَقَوله من قصيدة أُخْرَى نبوية
(كمْ ردَّ مِنْ عين وجاد بهاوكم ... ضاءَتْ بهِ وَسَقَى بِها منْ صادِي) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول الرشيد الفارقي
(إنَّ فِي عيْنيْكِ معْنَى ... حدَّثَ النَرْجِسُ عنهُ)
(ليتَ لِي منْ غُصنهِ سَهماً فَفِي قلبيَ مِنهُ ... ) // من مجزوء الرمل //
وَقد أَخذه الشهَاب مَحْمُود وَلم يحسن الْأَخْذ فَقَالَ
(نازَعتْ عيناهُ قلبِي حبّةً ... لم تكُنْ تقْبلُ قَبْلُ الإِنْقِساما)
(يالقومي هلْ عَلمتُم قبْلها ... أنَّ للأعينِ فِي الْقلب سهاما) // الرمل //
١٢٤ - (كَيْفَ أسْلُو وَأنْتِ حِقْفٌ وَغُصْنٌ ... وغزَالٌ لْحَظاً وقَدَّاً وَرِدْفَا)
الْبَيْت من الْخَفِيف وَهُوَ مَنْسُوب لِابْنِ حيوس وَلم أره فِي ديوانه وَلَعَلَّه ابْن حيوس الإشبيلي
والحقف بِكَسْر الْحَاء الرمل الْعَظِيم المستدير
وَالشَّاهِد فِيهِ اللف والنشر وَهُوَ ذكر مُتَعَدد على التَّفْصِيل أَو الْإِجْمَال ثمَّ ذكر مَا لكل وَاحِد من آحَاد المتعدد من غير تعْيين ثِقَة بِأَن السَّامع يرد مَا لكل من آحَاد المتعدد إِلَى مَا هُوَ لَهُ ثمَّ الَّذِي على سَبِيل التَّفْصِيل ضَرْبَان لِأَن النشر إِمَّا على تَرْتِيب اللف وَإِمَّا على غير ترتيبه كَمَا فِي الْبَيْت هُنَا وَهُوَ ظَاهر
وَمِمَّا جَاءَ على التَّرْتِيب قَول ابْن الرُّومِي
стр. 652
(آراؤُكمْ وَوُجوهُكمْ وَسيُوفُكمْ ... فِي الحادِثاتِ إذَا دَجوْنَ نُجومُ)
(فِيها مَعالِم لِلهدَى وَمصابحٌ ... تَجلو الدُّجَى والأُخْرَياتُ رجومُ)
وَقَول بَعضهم
(ألستَ أنتَ الَّذِي مِن ْوِرْدِ نعمتهِ ... وَوِرْدِ رَاحتهِ أَجني وأغترف) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَول ابْن شرف القيرواني
(جاوِرْ عَليّاً ولَا تَحْفلْ بِحادثةٍ ... إذَا ادرعيت فلَا تَسألْ عنِ الأسَلِ)
(سلْ عنهُ وانْطقْ بهِ وانْظرْ إليهِ تَجدْ ... مِلء الْمَسَامِع والأفوَاهِ والمُقلِ) // الْبَسِيط //
(وَقد أَخذه تَاج الدّين الذَّهَبِيّ فَقَالَ
(بدْرٌ سمَا للمُجتلي ثَمرٌ نَمَا ... للمُجتني بَحْرٌ طَما للمُجتدِي)
(سلْ عنهُ وادْنُ إليهِ واستْمسِكَ تَجدْ ... مِلءَ المسَامِع والنَّواظرِ وَالْيَد) // الْكَامِل //
وَمَا أَزْهَر قَول الْبَهَاء زُهَيْر
(ولي فيهُ قلبٌ بالغَرَامِ مقيدٌ ... لهُ خَبَرٌ يرويهِ طرفىَ مطلقَا)
(ومنْ فرط وجدى فِي لمَاهُ وثغرهِ ... أعللُ قلبِي بالعُذَيْبِ وبالنَّقَا) // الطَّوِيل //
وَمَا أحلى قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ مَعَ زِيَادَة التورية
(لَا تخَفْ عَيْلَةً وَلَا تخش فقرا ... يَا كثيرَ المحاسن المختالهْ)
(لكَ عينٌ وقامةٌ فِي البرايا ... تلكَ غَزَّالةٌ وذى عساله) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا
(سألتهُ عَن قومهِ فانْثنى ... يعجبُ من إسرافِ دَمعي السخِي)
(وأبصَرَ المسكَ وبدرَ الدُّجى ... فقالَ ذَا خَالِي وَهَذَا أخي) // السَّرِيع //
وبديع قَول ابْن مكنسة
(والسكرُ فِي وجنتهِ وطرفهِ ... يفتحُ وَرْداً ويغض نرجسا) // الرجز //
стр. 653
وَقد جَاءَ اللف والنشر بَين ثَلَاثَة فَأكْثر فَمِنْهُ قَول ابْن حيوس
(ومُقَرْطقٍ يَغْنَى النديمُ بوجههِ ... عَن كأسهِ الملأى وَعَن إبريقهِ)
(فعلُ المدام ولونهَا ومذَاقُهَا ... من مقلتيهِ ووجنتيه وريقه) // الْكَامِل //
وَقَول حمدة الأندلسية
(وَلما أَبى الوشوان إلاّ فرَاقَنَا ... وَمَا لهُمُ عِنْدِي وعندكَ من ثارِ)
(وشَنّوا على أسماعنا كلّ غارَةٍ ... وقَلّ حُمَاتي عِنْد ذاكَ وأنصارِي)
(غَزَوْتُهُمُ من مقلتيكَ وأدمُعِي ... وَمن نَفَسي بِالسَّيْفِ والسيلِ والنارِ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن نباتة وأجاد إِلَى الْغَايَة
(عَرْجَ عَلَى حرم المحبوب منتصباً ... لقبلة الحسنِ واعذرنِي على السهرِ)
(وَانْظُر إِلَى الْخَال فوقَ الثغْر دُونَ لمىً ... تَجِد بلَالاً يُراعي الصبحَ فِي السحر) // الْبَسِيط //
وبديع قَول بَعضهم
(وَرْدٌ وَمسكٌ وَدُرٌّ ... خدٌّ وخالٌ وثغرُ)
(الْحَظ وجفنٌ وغنجٌ ... سيفٌ ونبل وسحر)
(غُصْن وَبدر وليل ... قد وَوجه وَشعر) // المجتث //
وَمِنْه بَين أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة قَول الشَّاعِر
(ثغْرٌ وخدٌّ ونهدٌ واحمرَارُ يدٍ ... كالطلعِ والوَرد والرّمان والبلَحِ) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول الشَّاب الظريف مُحَمَّد بن الْعَفِيف
(رَأى جَسَدِي والدّمعَ والقلبَ والحشى ... فأضنَى وأفنىَ واستمالَ وَتَيَّمَا) // الطَّوِيل //
стр. 654
وَلأبي جَعْفَر الأندلسي الغرناطي بَين خَمْسَة وَخَمْسَة
(ملكٌ يَجيءُ بِخَمْسَة من خمسةٍ ... لقى الحسودَ بهَا فماتَ لما بهِ)
(منْ وَجههُ وَوَقارهِ وجوادهِ ... وَحسامه بيديهِ يومَ ضِرَابهِ)
(قمرٌ على رضوى تسيرُ بهِ الصِّبَا ... وَالبرقُ يلمَعُ من خلال سحَابهِ) // الْكَامِل //
وَلابْن جَابر الأندلسي بَين سِتَّة وَسِتَّة
(إِن شئتَ ظَبْيًا أَو هلَالاً أَو دُجى ... أَو زهرَ غُصْن فِي الْكَثِيب الأملدِ)
(فللَحظهَا ولِوَجههَا ولشَعْرهَا ... ولخدّها والقدّ والردف اقصد) // الْكَامِل //
ولنجم الدّين الْبَارِزِيّ بَين سَبْعَة وَسَبْعَة
(يُقَطِّعُ بالسكين بطيخةً ضحى ... على طبقٍ فِي مجلسٍ لأصَاحِبهْ)
(كبدرٍ ببرقٍ قَدَّ شمْساً أهِلَّةً ... لدَى هَالة فِي الْأُفق بَين كواكبه) // الطَّوِيل //
وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن قلاقس فَقَالَ
(أتانَا الغلامُ ببطيخةٍ ... وسكينة أحكموها صقالَا)
(فقسَّمَ بالبرْق شمسَ الضُّحَى ... وَأعْطى لكلّ هِلَال هلالا) // المتقارب //
وَمثله قَول محَاسِن الشواء وأجاد
(وَغُلَام يحزُّ بطيخةً فِي اللَّوْن مثلي وَفِي المذَاقة مثلَهْ ... )
(لأنَاسٍ غُرٍّ عَلى طبقٍ فِي ... مجلسٍ مشرقٍ يشابهُ أهلَهْ)
(قَدّ بدرٌ شمساً بأفقٍ شهدتُ الليلَ فِي هَالة ببرقٍ أَهله ... ) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
стр. 655
(وَلما بدا مَا بَيْننَا منية النَّفس ... يحززُ بالسكين صفراء كالْوَرْسِ)
(توَّهْمُت بدر التِّمِّ قدّ أهلةً ... على أنجم بالبرق من كرَةِ الشمسِ) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(خلنَاهُ لما حزّزَ البطيخَ فِي ... أطباقه بصقيلةِ الصفحاتِ)
(بَدْرًا يقدُّ من الشموس أهلةً ... بالبرْقِ بَين الشُّهْبِ فِي الهالاتِ) // الْكَامِل //
وَقَول البديع الدِّمَشْقِي فِي غُلَام يقطع بطيخاً بسكين نصابها اسود
(انظرْ بعينكَ جوهراً متلالئاً ... سحرًا لفرط بَيَانه وجمالهِ)
(قمرُّ يقدُّ من الشموس أهلةً ... بظلامِ هجْرَته وفجر وصاله) // الْكَامِل //
وَالسَّابِق إِلَى فتح هَذَا الْبَاب العسكري حَيْثُ يَقُول
(وجامعةٍ لأصناف الْمعَانِي ... صلحنَ لوقت إكثارٍ وَقلَّهْ)
(فَمن أُدمٍ ورَيحانٍ ونَقْلٍ ... فَلم يُرَ مثلُها سَدّاً لخلَّهْ)
(فَمِنْهَا مَا تَشَبهُهُ بُدُوراً ... فإِن قَطَّعتها رجعت أهلهْ) // الوافر //
وَلابْن مقَاتل بَين ثَمَانِيَة وَثَمَانِية
(خدُودٌ وأصداغ وقدٌّ ومقلةٌ ... وثغرٌ وأرياقٌ ولحنٌ ومعربُ)
(وُرُودٌ وسوسانٌ وبانٌ ونرجسٌ ... وكأسٌ وجِرْيَالٌ وجَنكٌ ومطرب) // الطَّوِيل //
وللصفي الْحلِيّ
(وظبي بقفرٍ فوقَ طِرْفٍ مُفَوّقٌ ... بقوسٍ رمى النَّقْع وحشاً بأسهمِ)
(كَبدرٍ بأفقِ فوْقَ برْقٍ بكفهِ ... هلالٌ رمى فِي اللَّيْل جنا بأنجم) // الطَّوِيل //
ولبعضهم بَين عشرَة وَعشرَة
(شَعْرٌ جَبِينٌ محيّاً معطفٌ كَفَلٌ ... صدغٌ فمٌ وجناتٌ ناظرٌ ثَغْرُ)
стр. 656
(ليلٌ صباحٌ هلالٌ بانةٌ ونَقاً ... آسٌ أقاحِ شقيقٌ نرجسٌ در) // الْبَسِيط //
وَلابْن جَابر بَين اثْنَي عشر واثني عشر
(فرُوعٌ سنَا قدٌّ كلامٌ فمٌ لَمىً ... حُلىً عُنُقٌ ثغرٌ شَذاً مقلةٌ خَدُّ)
(دُجىً قمرٌ غصنٌ جَنىً خَاتم طلاً ... نجومٌ رشَاً دُرٌّ صبا نرجسٌ وردُ) // الطَّوِيل //
وَجل الْقَصْد هُنَا أَن يكون اللف والنشر فِي بَيت وَاحِد خَالِيا من الحشو وعقادة التَّرْكِيب جَامعا بَين سهولة اللَّفْظ والمعاني المخترعة
وَابْن حيوس بحاء مُهْملَة وياء تحتية مُشَدّدَة مَضْمُومَة وواو سَاكِنة بعْدهَا سين مُهْملَة هُوَ أَبُو الفتيان مُحَمَّد بن سُلْطَان بن مُحَمَّد بن حيوس الملقب بمصطفى الدولة الشَّاعِر الْمَشْهُور وَهُوَ أحد الشُّعَرَاء الشاميين الْمُحْسِنِينَ وفحولهم المجيدين وَله ديوَان شعر كَبِير لَقِي جمَاعَة من الْمُلُوك والأكابر ومدحهم وَأخذ جوائزهم وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بني مرداس أَصْحَاب حلب وَله فيهم القصائد الفائقة وقصته مَعَ الْأَمِير جلال الدولة وصمصامها نصر بن مَحْمُود بن شبْل الدولة نصر بن صَالح بن مرداس مَشْهُورَة فَإِنَّهُ كَانَ قد مدح أَبَاهُ مَحْمُودًا فَأَجَازَهُ ألف دِينَار فَلَمَّا مَاتَ وَقَامَ مقَامه وَلَده نصرٌ الْمَذْكُور قَصده ابْن حيوس الْمَذْكُور بقصيدة رائية يمدحه بهَا ويعزيه عَن أَبِيه أَولهَا
(كفَى الدينَ عِزّاً مَا قضاهُ لكَ الدهرُ ... فَمن كَانَ ذَا نذرٍ فقد وَجب النّذر) // الطَّوِيل //
стр. 657
مِنْهَا
(صَبرنَا على حكم الزَّمَان الَّذِي سطَا ... على أنهُ لولاكَ لم يكنِ الصبرُ)
(غزَانا ببؤسي لَا يماثلها الأسى ... تقارنُ نعمى لَا يقومُ بهَا الشكرُ)
(تَباعدتُ عَنْكُم حِرْفَة لَا زهادةً ... وسرتُ إِلَيْكُم حِين مَسَّنِيَ الضرُّ)
(فلَاقيتُ ظلّ الْأَمْن مَا عنهُ حاجزٌ ... يصدّ وَبَاب الْعِزّ مَا دونهُ سترُ)
(وطَالَ مُقامي فِي إسار جميلكم ... فَدامت معاليكم ودام ليَ الأسْرُ)
(وأنجزَ لي ربُّ السَّمَوَات وعدهُ الكريمَ بأنَّ الْعسر يتبعهُ اليسرُ ... )
(فجاد أَبُو نصر بِأَلف تصرمت ... وَإِنِّي عليم أَن سيخلفها نصر)
(لقدْ كنتَ مأمولاً ترجى لمثلهَا ... فَكيف وطوعاً أَمرك النهيُ وَالأمرُ)
(وَمَا بِي إِلَى الإِلحاح والحرص حَاجَة ... وَقد عرف المبتاعُ وانفصل السعرُ)
(وَإِنِّي بآمالي لديكم مخيم مخيمٌ ... وَكم فِي الورى ثاوٍ وآمالهُ سَفْرُ)
(وعهدكَ مَا أبغي بِقَوْلِي تصنعاً ... بأيسرِ مَا توليهِ يستبعد الْحر) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا فرغ من إنشادها قَالَ الْأَمِير نصر وَالله لَو قَالَ عوض قَوْله سيخلفها نصر سيضعفها لأضعفتها لَهُ وَأَعْطَاهُ ألف دِينَار فِي طبق فضَّة
وَكَانَ اجْتمع على بَاب الْأَمِير نصر جمَاعَة من الشُّعَرَاء وامتدحوه وتأخرت صلته عَنْهُم وَنزل بعد ذَلِك الْأَمِير نصر إِلَى دَار بولص النَّصْرَانِي وَكَانَت لَهُ عَادَة بغشيان منزله وَعقد مجْلِس الْأنس عِنْده فَأَتَت الشُّعَرَاء الَّذين تَأَخَّرت
стр. 658
جوائزهم إِلَى بَاب بولص وَفِيهِمْ ابْن الدويدة المعري الشَّاعِر الْمَعْرُوف فَكَتَبُوا ثَلَاثَة أَبْيَات اتَّفقُوا على نظمها وَقيل بل نظمها ابْن الدويدة المعري الْمَذْكُور وصيروا الورقة إِلَيْهِ وفيهَا الأبيات وَهِي
(عَلى بابِكَ المَحْرُوسِ مِنّا عِصَابةٌ ... مَفاليسُ فانْظُرْ فِي أُمُور المَفَاليس)
(وَقدْ قَنعتْ مِنك َالجَمَاعةُ كُلُّها ... بِعُشْرٍ الَّذِي أعطَيْتَهُ لِابْنِ حَيُّوس)
(وَمَا بَيْنَنا هذَا التَفَاوُتُ كُلُّهُ ... ولكِنْ سَعيدٌ لَا يُقاسُ بِمنحوس) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا الْأَمِير نصر أطلق لَهُم مائَة دِينَار وَقَالَ وَالله لَو قَالُوا بِمثل الَّذِي أَعْطيته لِابْنِ حيوس لأعطيتهم مثله
وَكَانَ الْأَمِير نصر سخياً وَاسع الْعَطاء تملك حلب بعد وَفَاة أَبِيه مَحْمُود سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَلم تطل مدَّته حَتَّى ثار عَلَيْهِ جمَاعَة من جنده فَقَتَلُوهُ ثَانِي شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَكَانَ ابْن حيوس الْمَذْكُور قد أثرى وحصلت لَهُ نعْمَة ضخمة من بني مرداس فَبنى دَارا بِمَدِينَة حلب وَكتب على بَابهَا من شعره
(دارٌ بَنيْنَاها وعِشْنا بِها ... فِي نِعمةٍ مِنْ آلِ مِرْداس)
(قَومٌ نَفواْ بُؤْسي وَلم يتْركُوا ... عَليّ للأَيام مِنْ باسِ)
(قُلْ لِبني الدُّنيا أَلا هكذَاَ ... فَليفْعِل الناسُ مَعَ الناسِ) // السَّرِيع //
وَقيل إِن الأبيات لِابْنِ أبي حَصِينَة الْحلَبِي وَهُوَ الصَّحِيح
وَحكى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق قَالَ أنشدنا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن
стр. 659
إِبْرَاهِيم الْعلوِي من حفظه سنة سبع وَخَمْسمِائة قَالَ أَخذ الْأَمِير أَبُو الفتيان ابْن حيوس بيَدي وَقَالَ أروعني هَذَا الْبَيْت وَهُوَ فِي شرف الدولة مُسلم ابْن قُرَيْش
(أَأَنْت الَّذِي نفق الثنَاءُ بِسُوقهِ ... وَجَرَى النَّدَى بِعرُوقهِ قَبْلَ الدَّم) // الْكَامِل //
وَهَذَا الْبَيْت فِي غَايَة الْمَدْح
وَمن غرر قصائده السائرة قَوْله
(هُو ذاكَ رَبعُ العَامرية فارْبَعِ ... واسأَلْ مَصيفاً عافياً عَنْ مَرْبع)
(وَاستَسْقِ لِلدِّمَن الخَوالي بِالحمى ... غُرَّ السحَائب واعْتَذرْ عَن أَدْمُعِي)
(فَلَقد غدوتُ أمامَ دَانٍ هَاجرٍ ... فِي قُرْبه وَوَراءَ ناءٍ مُزْمع)
(لَوْ تُخبرُ الرُّكبَانُ عنِّي حدّثُوا ... عَنْ مُقلةٍ عَبْرَى وقَلبٍ مُوجعَ)
(رُدِّى لنا زَمنَ الكَثيبِ فإنّهُ ... زَمنٌ مَتى يَرْجع وصالُك يَرْجع)
(لوْ كنت عَالِمَة بأذني لَوْعتي ... لرَدَدْتِ أقْصَى نيلكِ المُسْتَرْجَعِ)
(بَل لوْ قَنعتِ منَ الغرَام بمُظْهر ... عَنْ مُضمر بينَ الحَشى والأضلُعِ)
(أُعْتَبْتِ إِثْرَ تعتُّبٍ وَوصلْتِ ... غِبَّ تجنُّبٍ وبذلْتِ بَعْدَ تمنّع)
(وَلَو أنني أنْصَفتُ نَفسِي صُنتُها ... عَنْ أَن أكُونَ كَطَالبٍ لم يَنْجَع)
(إِنِّي دعَوْتُ نَدَى الغرام فلَم يُجب ... فَلَا شُكْرَنَّ نَدَى أجَاب وَمَا دُعى)
стр. 660
(ومنَ العَجَائبِ والعجائبُ جمَّةٌ ... شكْرٌ بَطيءٌ عَنْ ندَى مُتَسرّع)
وَمن شعره يمدح سَابق بن مَحْمُود
(يزْدادُ إِن قَصُرَ الخَطْىُّ عَن غَرض ... طُولاً وَيمضي إِذا حد الحسام نبا)
(حلّ السِّماكَ وَمَا حُلّتْ تَمائِمهُ ... عَنْ جِيدِه وحبَا العافِينَ مُنذُ حَبَا)
(حوَى منَ الفَضْل موْلوداً بِلَا طلب ... أَضْعَاف مَا أعجَزَ الطُّلَاّبَ مُكتَسبا)
(طلْقُ المحيّا إِذا مَا زُرْتَ مجْلِسهُ ... حُزْتَ الْغنى والعُلَا والبأس والأدبا) // الْبَسِيط //
ومحاسنه كَثِيرَة
وَكَانَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْخياط الشَّاعِر قد وصل إِلَى حلب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَبهَا يَوْمئِذٍ ابْن حيوس الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ ابْن الْخياط يَقُول
(لم يبْقَ عِندِي مَا يُباعُ بدرْهَم ... وكَفَاكَ مِنِّي مَنظَري عنْ مَخْبَري)
(إِلَا بَقيَّةُ ماءِ وَجهٍ صنتها ... عَن أَن تُبَاعَ وأينَ أينَ المُشْتَرِي) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَو قَالَ وَنعم أَنْت المُشْتَرِي لَكَانَ أحسن
وَكَانَ مولد ابْن حيوس سنة أَربع وَتِسْعين وثلثمائة بِدِمَشْق وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
وَابْن حيوس الإشبيلي ذكره ابْن فضل الله فَقَالَ لَا يخف لَهُ ضرع خاطر
стр. 661
وَلَا يجِف لَهُ نوء سَحَاب ماطر لَو مس بقريحته الصلد لتفجر أَو الجهام لَا ثعنجر وحسبك من مرمى غَرَضه الْبعيد مَا ذكره لَهُ ابْن سعيد وَأورد لَهُ فِي المرقص قَوْله فِي أشتر الْعين لَا تُفَارِقهُ الدمعة
(شترت فقُلنا زوْرقٌ فِي لُجَّةٍ ... مَالت بإِحدَى دفّتيهِ الرِّيحُ)
(فكأنمَا إنسانُهَا ملاّحهُا ... قد خافَ مِنْ غرقٍ فظل يميح) // الْكَامِل //
١٢٥ - (إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغَ والْجِدَهْ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ)
الْبَيْت لأبي الْعَتَاهِيَة من أرجوزته المزدوجة الَّتِي سَمَّاهَا ذَات الْأَمْثَال يُقَال إِن لَهُ فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف مثل فَمِنْهَا
(حسبُكَ مِمَّا تبتفيه القُوتُ ... مَا أكثَرَ القُوتَ لِمنْ يمُوتُ)
(الفقرُ فيمَا جاوزَ الكَفافا ... مِن اتّقى اللهَ رَجا وَخافا)
(هيَ المَقَاديُر فلُمني أَو فذرْ ... إِن كنْتُ أخطأتُ فَمَا أخطا القَدَر)
(لِكُلّ مَا يُؤذي وَإِن قَلّ ألم ... مَا أطوَل اللَّيْلَ على مَنْ لم ينم)
(مَا انتَفَعَ المرءُ بِمثلْ عقلهِ ... وخيْرُ ذُخْرِ المرءِ حُسْنُ فِعلهِ)
(إِن الفَساد ضدّهُ الصَلَاحُ ... ورُبّ جدٍّ جَرّهُ المُزَاحُ)
(مَنْ جعلَ النَّمَّامَ عبنأً هلكاَ ... مُبلغُكَ الشّرّ كباغيهِ لَكا)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(يُغْنِيك عَن كل قَبِيح تَركُهُ ... يرتهن الرأيَ الأصيلَ شكّهُ)
(مَا عَيْشُ مَنْ آفته بَقَاؤُهُ ... نغض عَيشاً كلَّهُ فناؤُهُ)
(يَا رب من أسخطنَا بِجْهدِهِ ... قد سرَّنا الله بغيرِ حَمْدِهِ)
стр. 662
(مَا تطلعُ الشَّمْسُ وَلَا تعيب ... إِلَّا لأمرٍ شأنهُ عَجيبُ)
(لِكلِّ شَيْء قدرٌ وجوهرُ ... وأوسط وأصغر وأكبرُ)
(فكلُّ شَيْء لاحقٌ بجوهرهْ ... أصغرهُ متّصِلٌ بأكبرهْ)
(مَنْ لكَ بالمحْضْ وكلُّ مُمتزجْ ... وساوسٌ فِي الصَّدْر مِنْك تختلج)
(مَا زالتِ الدُّنيا لنا دارَ أَذَى ... مَمزُوجةَ الصفوِ بأنواع القَذَى)
(الخيْرُ والشّرُّ بِها أزواجُ ... لذَا نتاجٌ ولِذَا نِتاجُ)
(مَنْ لكَ بالمحْضْ وَلَيْسَ مَحْضُ ... يخبُثُ بَعضٌ وَيطيبُ بعضُ)
(لِكُلِّ إنسانٍ طبيعتَانِ ... خيْرٌ وشَرٌّ وُهما ضِدَّانِ)
(والخيرُ والشرُّ إِذا مَا عُدّا ... بَينهُما بَوْنٌ بعيدٌ جدَّا)
(إنّكَ لَو تَستنشقُ الشحيحا ... وَجدتَهُ أنتنَ شَيءٍ ريحًا)
(عجِبْتُ حَتَّى ضمَّني السُّكوتُ ... صِرْتُ كأنِّي حائرٌ مَبْهُوتُ)
(كذَا قَضى اللهُ فكَيْفَ أصنعُ ... والصمْتُ إِن ضاقَ الكلامُ أوسعُ)
وَهِي طَوِيلَة جدا وَهَذَا الأنموذج كَاف مِنْهَا
وَالْجدّة الِاسْتِغْنَاء والمفسدة الْخلَّة الداعية إِلَى الْفساد
وَالشَّاهِد فِيهِ الْجمع وَهُوَ الْجمع بَين مُتَعَدد فِي حكم وَهُوَ ظَاهر فِي الْبَيْت وَمَا أحسن قَول الصفي الْحلِيّ فِيهِ
(أرَاؤُهُ وَعَطاياهُ ونِعمتُهُ ... وعفوُهُ رحمَةٌ للنَّاس كلهم) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَول ابْن حجَّة مَعَ تَسْمِيَة النَّوْع
(آدابهُ وعَطاياه ورأفَتُهُ ... سجيةٌ ضمن جَمْع فِيهِ ملتئم) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن جَابر الأندلسي
(قد أحْرَز السَّبق والإحسانَ فِي نَسقٍ ... والعِلم والحِلم قَبلَ الدَّرك للحلم) // الْبَسِيط //
стр. 663
وَأَبُو الْعَتَاهِيَة هُوَ إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم بن سُوَيْد بن كيسَان مولى عنزة وكنيته أَبُو إِسْحَاق وَأَبُو الْعَتَاهِيَة كنية غلبت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يحب الشُّهْرَة والمجون فكنى لعتوه بذلك وَقيل إِن الْمهْدي قَالَ لَهُ يَوْمًا أَنْت إِنْسَان متعته متحذلق فاستوت لَهُ من ذَلِك كنيته وَيُقَال للرجل المتحذلق عتاهية وَفِيه يَقُول أَبُو قَابُوس النَّصْرَانِي وَقد بلغه أَنه فضل عَلَيْهِ العتابي
(قُلْ لِلْمُكني نَفْسهُ ... مُتخيراً بِعتاهِيةْ)
(والمُرْسلِ الْكَلم القَبيح وعنهُ أذنٌ وَاعيهْ ... )
(إِن كنتَ سِرّاً سؤتني ... أَو كانَ ذَاكَ عَلَانِيهْ)
(فَعليك لعنَةُ ذِي الْجلَال ... وأُمُّ زيدٍ زانيهْ) // الْكَامِل //
وَأم زيد هِيَ أم أبي الْعَتَاهِيَة ومنشأه بِالْكُوفَةِ وَكَانَ فِي أول أمره يتخنث وَيحمل زاملة المخنثين ثمَّ كَانَ يَبِيع الفخار بِالْكُوفَةِ ثمَّ قَالَ الشّعْر فبرع فِيهِ وَتقدم وَيُقَال أطبع النَّاس بالشعر بشار وَالسَّيِّد الْحِمْيَرِي وَأَبُو الْعَتَاهِيَة وَمَا قدر
стр. 664
أحد قطّ على جمع شعر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بأسره لكثرته وَكَانَ غزير الْبَحْر كثير الْمعَانِي لطيفها سهل الْأَلْفَاظ كثير الافتنان قَلِيل التَّكَلُّف إِلَّا أَنه كثير السَّاقِط المرذول مَعَ ذَلِك وَأكْثر شعره فِي الزّهْد والأمثال وَكَانَ قوم من أهل عصره ينسبونه إِلَى القَوْل بِمذهب الفلاسفة مِمَّن لَا يُؤمن بِالْبَعْثِ والنشور ويحتجون بِأَن شعره إِنَّمَا هُوَ فِي ذكر الْمَوْت والفناء دون النشور والمعاد
وَحدث الْخَلِيل بن أَسد النوشجاني قَالَ أَتَانَا أَبُو الْعَتَاهِيَة إِلَى منزلنا فَقَالَ زعم النَّاس أنني زنديق وَالله مَا ديني إِلَّا التَّوْحِيد فَقُلْنَا لَهُ قل شَيْئا نتحدث بِهِ عَنْك فَقَالَ
(أَلا إِنَّنَا كلَّنا بائدُ ... وأيُّ بني آدمٍ خالِدُ)
(وبَدؤُهُم كانَ من رَبِّهم ... وكُلٌّ إِلَى رَبِّهِ عَائدُ)
(فَيا عَجَباً كيفَ يُعصي الإلهُ أم كيفَ يجحدهُ الجاحد ... )
(وَفِي كلِّ شَيْء لَهُ آيةٌ ... تَدُلُّ على أَنهُ وَاحِد) // المتقارب //
وَكَانَ من أبخل النَّاس مَعَ يسَاره وَكَثْرَة مَا جمعه من الْأَمْوَال
وَحدث مُحَمَّد بن عِيسَى الْخرقِيّ قَالَ وقف عَلَيْهِ ذَات يَوْم سَائل من العيارين الظرفاء وَجَمَاعَة من جِيرَانه حواليه فَسَأَلَهُ دونهم فَقَالَ لَهُ صنع الله لَك فَأَعَادَ السُّؤَال فَرد عَلَيْهِ فَأَعَادَ الثَّالِثَة فَغَضب وَقَالَ لَهُ أَلَسْت الَّذِي يَقُول
(كلُّ حَيّ عِنْد ميتتهِ ... حظُّهُ من مَاله الْكَفَن) // المديد //
قَالَ نعم قَالَ فبالله عَلَيْك أَتُرِيدُ أَن تعد مَالك كُله لثمن كفنك قَالَ لَا قَالَ فبالله كم قدرت لكفنك قَالَ خَمْسَة دَنَانِير قَالَ فاعمل على أَن دِينَارا من الْخَمْسَة وضيعته قِيرَاط وادفع إِلَيّ قيراطاً وَاحِدًا وَإِلَّا فَوَاحِدَة أُخْرَى قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ الْقُبُور تحفر بِثَلَاث دَرَاهِم فَأعْطِنِي درهما وأقيم لَك كَفِيلا بِأَن أحفر لَك بِهِ
стр. 665
قبرك مَتى مت وتربح دِرْهَمَيْنِ لم يَكُونَا فِي حِسَابك فَإِن لم أحفر رَددته على وَرثتك أَو رده كفيلي عَلَيْهِم فَخَجِلَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ اغرب لعنك الله وَغَضب عَلَيْك وَضحك جَمِيع من حضر وَمر السَّائِل يضْحك فَالْتَفت إِلَيْنَا أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقد اغتاظ فَقَالَ من أجل هَذَا وَأَمْثَاله حرمت الصَّدَقَة فَقُلْنَا لَهُ وَمن حرمهَا وَمَتى حرمت فَمَا رَأَيْت أحدا ادّعى أَن الصَّدَقَة حرمت قبله وَلَا بعده
وَقَالَ قلت لأبي الْعَتَاهِيَة أتزكى مَالك فَقَالَ وَالله مَا أنْفق على عيالي إِلَّا من زَكَاة مَالِي فَقلت لَهُ سُبْحَانَ الله إِنَّمَا يَنْبَغِي لَك أَن تخرج زَكَاة مَالك للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فَقَالَ لي لَو انْقَطَعت عَن عيالي زَكَاة مَالِي لم يكن فِي الأَرْض أفقر مِنْهُم
وَحدث أَيْضا قَالَ كنت جاراً لأبي الْعَتَاهِيَة وَكَانَ لَهُ جَار يلتقط النَّوَى ضَعِيف سيء الْحَال متجمل عَلَيْهِ ثِيَاب فَكَانَ يمر بِأبي الْعَتَاهِيَة طرفِي النَّهَار فَيَقُول أَبُو الْعَتَاهِيَة اللَّهُمَّ أعنه على مَا هُوَ بسبيله شيخ ضَعِيف سيءالحال عَلَيْهِ ثِيَاب متجمل اللَّهُمَّ اصْنَع لَهُ اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ فَبَقيَ على هَذَا إِلَى أَن مَاتَ الشَّيْخ نَحوا من عشْرين سنة لَا وَالله إِن تصدق عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ وَلَا دانق قطّ وَمَا كَانَ زَاده على الدُّعَاء شَيْئا فَقلت لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاق إِنِّي أَرَاك تكْثر الدُّعَاء لهَذَا الشَّيْخ وتزعم أَنه فَقير معيل فَلم لَا تَتَصَدَّق عَلَيْهِ بِشَيْء فَقَالَ أخْشَى أَن يعْتَاد الصَّدَقَة وَهِي آخر مكاسب العَبْد وَإِن فِي الدُّعَاء خيرا كثيرا
وَقَالَ الجاحظ حَدثنِي ثُمَامَة بن أَشْرَس قَالَ دخلت يَوْمًا على أبي الْعَتَاهِيَة فَإِذا هُوَ يَأْكُل خبْزًا بِلَا شَيْء فَقلت لَهُ كالمنكر كَأَنَّك رَأَيْته يَأْكُل خبْزًا وَحده فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي رَأَيْته يتأدم بِلَا شَيْء فَقلت وَكَيف ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت قدامه خبْزًا يَابسا من دقاق فطير وَقَدحًا فِيهِ حليب فَكَانَ يَأْخُذ الْقطعَة من الْخبز فيغمسها فِي اللَّبن ويخرجها فَلم تتَعَلَّق مِنْهُ بِقَلِيل وَلَا كثير فَقلت لَهُ كَأَنَّك اشْتهيت أَن تتأدم بِلَا شَيْء وَمَا رَأَيْت أحدا قبله تأدم بِلَا شَيْء
стр. 666
وَقَالَ ثُمَامَة أَنْشدني أَبُو الْعَتَاهِيَة
(إِذا الْمَرْء لم يُعتِق منَ المَال نفسَهُ ... تمَلّكَهُ المالُ الَّذِي هُوَ مالكُهْ)
(أَلا إِنَّمَا مَالِي الَّذي أَنا مُنفِقٌ ... ولَيسَ ليَ المَالُ الَّذِي أَنا تاركُهْ)
(إِذا كُنتَ ذَا مَال فبادر بِهِ الَّذي ... يحقُّ وَلَا استهلكته مهالكه) // الطَّوِيل //
فَقلت لَهُ من أَيْن قضيت بِهَذَا قَالَ من قَوْله ﷺ (إِنَّمَا لَك من مَالك مَا أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت أَو أَعْطَيْت فأمضيت) فَقلت أتؤمن بِأَن هَذَا قَول رَسُول الله ﷺ وَأَنه الْحق قَالَ نعم قلت فَلم تحبس عنْدك سبعا وَعشْرين بدرة فِي دَارك لَا تَأْكُل مِنْهَا وَلَا تشرب وَلَا تزكي وَلَا تقدمها ذخْرا ليَوْم فقرك وفاقتك قَالَ يَا أَبَا معن وَالله إِن مَا قلت لحق وَلَكِنِّي أَخَاف الْفقر وَالْحَاجة إِلَى النَّاس قلت وَمَا يزِيد حَال من افْتقر على حالك وَأَنت دَائِم الْحزن لَا تَأْكُل وَلَا تشرب مِنْهَا دَائِم الْجمع شحيح على نَفسك لَا تشتري اللَّحْم إِلَّا من عيد إِلَى عيد فَترك جَوَاب كَلَامي كُله ثمَّ قَالَ لي وَالله لقد اشْتريت فِي يَوْم عَاشُورَاء لَحْمًا وتوابله وَمَا يتبعهُ بِخَمْسَة دَرَاهِم فَلَمَّا قَالَ لي هَذَا القَوْل أضحكني حَتَّى أذهلني عَن جَوَابه ومعاتبته وَأَمْسَكت عَنهُ وَعلمت أَنه لَيْسَ مِمَّن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ
وَقيل لَهُ مَا لَك تبخل بِمَا رزقك الله تَعَالَى فَقَالَ وَالله مَا بخلت بِمَا رَزَقَنِي الله قطّ قيل لَهُ فَكيف ذَاك وَفِي بَيْتك من المَال مَا لَا يُحْصى قَالَ لَيْسَ ذَلِك رِزْقِي وَلَو كَانَ رِزْقِي لأنفقته
وَحدث أَبُو الْعَتَاهِيَة قَالَ أخرجني الْمهْدي مَعَه إِلَى الصَّيْد فوقعنا مِنْهُ على شَيْء كثير وتفرق أَصْحَابه فِي طلبه وَأخذ هُوَ فِي طَرِيق آخر غير طريقهم فَلم يلتفتوا وَعرض لنا وادٍ جرار عَظِيم وتغيمت السَّمَاء وبدأت بمطر فتحيرنا وأشرفنا على الْوَادي وَإِذا فِيهِ ملاح يعبر النَّاس فلجأنا إِلَيْهِ وسألناه
стр. 667
عَن الطَّرِيق فَجعل يضعف رَأينَا ويعجزنا فِي بذل أَنْفُسنَا فِي ذَلِك الْغَيْم والمطر للصَّيْد حَتَّى أبعدنا ثمَّ أدخلنا كوخا لَهُ وَكَانَ الْمهْدي يَمُوت بردا فَقَالَ لَهُ أغطيك بجبتي هَذِه الصُّوف فَقَالَ نعم فغطاه بهَا فتماسك قَلِيلا ونام وافتقده غلمانه وتبعوا أَثَره حَتَّى جاؤونا فَلَمَّا رأى الملاح كثرتهم على أَنه الْخَلِيفَة فهرب وتبادر الغلمان فنحوا الْجُبَّة عَنهُ وألقوا عَلَيْهِ الْخَزّ والوشي فَلَمَّا انتبه قَالَ لي وَيحك مَا فعل الملاح فوَاللَّه لقد وَجب حَقه علينا فَقلت وَالله هرب خوفًا مِمَّا خاطبنا بِهِ قَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَالله لقد أردْت أَن أغنيه وَبِأَيِّ شَيْء خاطبنا نَحن وَالله مستحقون لأضعاف مَا خاطبنا بِهِ بحياتي عَلَيْك إِلَّا مَا هجوتني فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ تطيب نَفسِي بِأَن أهجوك قَالَ وَالله لتفعلن فإنني ضَعِيف الرَّأْي مغرم بالصيد فَقلت
(يَا لابِسَ الوَشْي على ثَوبهِ ... مَا أقبَحَ الأشيب بِالرَّاحِ) // السَّرِيع //
فَقَالَ زِدْنِي بحياتي عَلَيْك فَقلت
(لَو شئتَ أَيْضا جُلْتَ فِي خامةٍ ... وَفِي وِشَاحَيْنِ وأوضاحِ)
فَقَالَ وَيلك هَذَا معنى سوء يرويهِ عَنْك النَّاس وَأَنا أستأهل زِدْنِي شَيْئا آخر فَقلت أَخَاف أَن تغْضب فَقَالَ لَا وَالله فَقلت
(كم من عَظِيم القَدْرِ فِي نَفْسهِ ... قد نامَ فِي جُبَّةِ مَلَاّحِ)
فَقَالَ معنى سوء عَلَيْك لعنة الله وقمنا فَرَكبْنَا وانصرفنا
وَعَن الْحسن بن عَابِد قَالَ كَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يحجّ فِي كل سنة فَإِذا قدم أهْدى لِلْمَأْمُونِ بردا قطرياً ونعلاً سَوْدَاء ومساويك أراكٍ فيبعث إِلَيْهِ بِعشْرين ألف دِرْهَم فأهدى لَهُ مرّة كَمَا كَانَ يهدي كل سنة إِذا قدم فَلم يثبه وَلَا بعث إِلَيْهِ بالوظيفة فَكتب إِلَيْهِ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَقُول
(خبروني أنّ مِنْ ضرب السّنة ... حددا بيضًا وصُفْراً حسنهْ)
стр. 668
(أحدثت لكني لم أرَها ... مثلَ مَا كنتُ أرى كل سنة) // الرمل //
قَالَ فَأمر الْمَأْمُون بِحمْل الْعشْرين ألفا إِلَيْهِ وَقَالَ أغفلناه حَتَّى أذكرنا
وَحدث أَبُو عِكْرِمَة قَالَ كَانَ الرشيد إِذا رأى عبد الله بن معن بن زَائِدَة يتَمَثَّل بقول أبي الْعَتَاهِيَة
(أُختُ بني شيبانَ مرّتْ بِنَا ... ممشوطة كوراً على بغلِ) // السَّرِيع //
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لأبي الْعَتَاهِيَة يهجو بهَا عبد الله الْمَذْكُور وَبعده
(تكنى أَبَا الْفضل وَمن ذَا رأى ... جَارِيَة تكنى أَبَا الْفضل)
(قد نقطت فِي وَجههَا نقطةً ... مخافةَ الْعين من الْكحل)
(إِن زُرتموها قَالَ حُجابها ... نحنُ عَن الزُّوَّار فِي شُغلِ)
(مولَاتُنَا مَشْغُولَة عندَها ... بعلٌ وَلَا إِذنَ على البعلِ)
(يَا بنتَ معنِ الخيرِ لَا تجهلِي ... وأينَ تقصيرٌ عَن الجهلِ)
(أتجلدُ الناسَ وأنتَ امرُؤٌ ... تُجلَدُ فِي دُبرِكَ والقبلِ)
(مَا يَنْبَغِي للناسِ أَن ينسُبُوا ... من كانَ ذَا جودٍ إِلَى البخلِ)
(يبذلُ مَا يمنعُ أهلُ الندَى ... هَذَا لعمرِي مُنْتَهَى البذلِ)
(مَا قلتُ هَذَا فيكَ إِلَّا وقَدْ ... جَفَّتْ بهِ الأقلامُ من قبلي) // السَّرِيع //
قَالَ فَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن معن فَأتى بِهِ فَدَعَا بغلمان لَهُ ثمَّ أَمرهم أَن يرتكبوا مِنْهُ الْفَاحِشَة فَفَعَلُوا ذَلِك ثمَّ أجلسه وَقَالَ لَهُ قد جزيتك على قَوْلك فَهَل لَك بعد هَذَا فِي الصُّلْح وَمَعَهُ مركب وَعشرَة آلَاف دِرْهَم أَو تقيم على الْحَرْب وَمَا ترى قَالَ بل الصُّلْح قَالَ فأسمعني مَا تَقوله فِي معنى الصُّلْح فَقَالَ
стр. 669
(مَا لِعذالي ومالِي ... أمرُونِي بالضلاِل)
(عذَلوني فِي اغتفارِي ... لِابْنِ مَعنٍ واحتمالِي)
(إِن يكن مَا كانَ منهُ ... فَبجرْمِي وفعالِي)
(أَنا مِنْهُ كنتُ أسوا ... عِشْرَةً فِي كل حالِ)
(قل لمن يعجبُ من حسن ... رجوعي ومقالِي)
(رُبّ ودّ بعدَ صَدّ وَهوى بعدَ الرِّجَال ... )
(قد رَأينَا ذَا كثيرا ... جَارِيا بَين الرّجالِ)
(إِنما كَانَت يمينِي ... لطمتْ مِني شمَالي) // الرمل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي حداثته يهوى امْرَأَة من أهل الْحيرَة نائحة لَهَا حسن ودماثة يُقَال لَهَا سعدى وَكَانَ مِمَّن يهواها أَيْضا عبد الله بن معن وَكَانَت مولاة لَهُم وَكَانَت صَاحِبَة حبائب وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مُولَعا بِالنسَاء فَقَالَ فِيهَا
(أَلا يَا ذَوَات السحق فِي الغرب والشرقِ ... أفقنَ فَإِن النيكَ أشهى من السحق)
(أفقنَ فإنّ الْخبز بِالْأدمِ يشتهَى ... وَلَيْسَ يسوغُ الْخبز بالخبز فِي الْحلق)
(أراكنَّ ترقعنَ الخرُوق بِمِثْلِهَا ... وأيّ لبيبٍ يرقعُ الْخرق بالخرقِ)
(وَهل يصلحُ المهراسُ إِلَّا بعودهِ ... إذَا احتيجَ مِنْهُ ذَاتَ يَوْم إِلَى الدقّ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِيهَا أَيْضا
(قلتُ للقلب إِذْ طوى وصلَ سُعَدى ... لهواه الْبَعِيدَة الأسبابِ)
стр. 670
(أنتَ مثل الَّذِي يفرُّ من القَطرِ حِذَارَ الندى إِلَى الْمِيزَاب ... ) // الْخَفِيف // فَغَضب ابْن معن لسعدى فَضرب أَبَا الْعَتَاهِيَة مائَة فَقَالَ فِيهِ
(جَلَدَتْنِي بكفها ... بنتُ معن بن زَائِدَة)
(جلدتني بكفها ... بِأبي تِلْكَ جالدهْ)
(وتراها مَعَ الخصيِّ ... على الْبَاب قاعدهْ)
(تتكَنّى كني الرِّجَال ... لعمدٍ مُكايدهْ)
(جَلدَتْنِي وبالغت ... مائَة غير واحده)
(اجلديني اجلدي اجلدي ... إِنَّمَا أنتِ وَالِده) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي ضربه إِيَّاه أَيْضا
(ضربتني بكفها بنتُ معنٍ ... أوجعت كفها وَمَا أوجعتني)
(ولعمري لَوْلَا أَذَى كفها إِذْ ... ضربتني بِالسَّوْطِ مَا تَرَكتنِي) // الْخَفِيف //
وَحدث أَحْمد بن أبي فنن قَالَ كُنَّا عِنْد ابْن الْأَعرَابِي فَذكر قَول يحيى بن نَوْفَل فِي عبد الْملك بن عُمَيْر القَاضِي وَهُوَ
(إِذا كلمتهُ ذاتُ دَلٍّ لحاجةٍ ... فهمَّ بِأَن يقْضِي تنحنح أَو سعل) // الطَّوِيل //
وَأَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ تركني وَالله وَإِن السعلة لتعرض لي فِي الْخَلَاء فأذكر قَوْله فأهاب أَن أسعل قَالَ فَقلت هَذَا ابْن معن بن زَائِدَة يَقُول لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة
следующие страницы →