← Адаб

Адаб · id 6955

ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (979 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الْحق، وَقد كللت مَحل الصَّيْحَة، ومتنزل النقمَة، ومصرع الفئة الْكَافِرَة الباغية، أَفْوَاج من عصايب الطير، تتداعى الجفايا، وتتنادب للوليمة الْعُظْمَى، وَلَحِقت عمد الدُّخان لأعنان السَّمَاء، وَنَادَتْ أَلْسِنَة الحمية فِي تِلْكَ العرصات يالثارات الأسرى، واستباحت سيوف الله من النسم آلافا عدَّة، وَمن الحماة أولى بَأْس وَشدَّة، أعيا حَدِيثهَا النَّقْل، فاثتمنت علية النَّار، وأعجزت طعمتها الظّهْر، يُوكل بهَا الانتساف والتبار، وألصقت جدرانها بِوَجْه الثرى، وَأهْلك مَا خرب من زَرعهَا ونأى. وَالْخَيْر لَا يَنُوب عنة كل المناب عَن المرأى، أوزع الله شكر النعمى، وَكتب لِلْإِسْلَامِ حسن العقبى. وَظهر الْمُسلمُونَ من الْبَقر على آلَاف مَلَأت السُّرُوج، وغصت ببراذنها ومراقدها الحزون والسهول. وَأما سايمة الْغنم، فعاثوا مِنْهَا فِيمَا لَا يكْتب وَلَا يُحْصى وَلَا يعد، وباء الْمُسلمُونَ بشفاء الصُّدُور وسرور الْقُلُوب، وقرة الْعُيُون، وَقد ... ... ... . . للأخذ بترابهم من لَا ينَام عَن الدمنة ن وَلَا يصانع فِي رعى الذِّمَّة. وجاست خيل الله من أحواز حمص، أَعَادَهَا الله بإمدادكم، ومؤمل جهادكم، الجو الَّذِي لم يطْرق لهَذَا الْوَقْت حماه، وَلَا عرف اسْمه فرضا عَن مُسَمَّاهُ، سوق عصية السوايم وتكتسح المسارح، فَلَا تتْرك لسع هجمة، وَلَا نافخ ضرمة، وتذعر غاراته المشعلة الأسراب، وتتخلل عمرته وسواده الشعاب، وَمن بهَا من الفرسان والأعيان، أولى الْقُدُور الراسبات، والزغب الكاسيات، والأتباع والأشياع، والرطانة والجعجاع، قد لاذوا على وفور عَددهمْ بالأسوار، وأيقنوا بالبوار، وطرقتهم الْغَارة،

стр. 142

اتسعوا فِي عقر الدَّار. وَلَوْلَا أَن الْفضل لم يَأن إِدْرَاك غلاته، وَلم يسْتَدرك خصايص مطعوماته ومقضوماته، لاتخذها النَّاس مجْرى السوابق، ومجر العوالق على التوالي، وَلَو صلوا فِي انتساف النعم وموالات النقم، أيامهم بالليالي. والعزم على التعقيب بِفضل الله متوفر، وَالْعَمَل على الْعود إِن شَاءَ الله متجدد، وَعند الْمُسلمين حاطهم الله وأنجدهم، من الْمُبَادرَة إِلَى الدعْوَة، والمنوب إِلَيّ الهيعة، والاغتباط فِي سَبِيل الله والروحة، مَا يرجي أَن يكون سَببا لظُهُور مَا تَضَمَّنت محجوبه أَلْوَاح الْغَيْب وأسرار الْمَشِيئَة، وَالْقُوَّة بِاللَّه، والعزة لله، وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله، وَلَا حول لنا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. وَمن جعل مقامكم الْكَرِيم رده فِي سَبِيل الله، وتوعد الْكفْر بحميتكم فِي سَبِيل الله، وَمن أجلة فقدحه أَن شَاءَ الله الْمُعَلَّى، وحظه بِالْخَيرِ أَجْدَر وَأولى. حفظ الله مِنْكُم على الْمُسلمين عنصر كلمتهم، ومقدر قوتهم، ومهب ريح نَصرهم، ومفزع شدتهم، وطية ركاب منشرايهم. وَلما عدنا إِلَى حضرتنا بادرنا تعريفكم بِهَذَا الصنع، من قبل أَن تنفض غُبَار الْغَزْو من العمايم واللمم، ونريح الْجِيَاد من اللبود واللجم، وكأننا نَنْظُر من حسن موقعهم من نواديكم الغاصة بالأحراز، الهافية لإدراك الثار، وإجمال الْآثَار، فَإِن لمحركات الحمية، من بَين القبايل المزية، وَإِدْرَاك التراث، ترتاح إِلَيْهِ الهمم الأبية، لَا سِيمَا الهمم المرينية، وذمام الْإِسْلَام، وَالْحَمْد لله، غير واهن السَّبَب، وَلَا دارس الْمَذْهَب. وأكد حبورنا ... ... . لسرورنا، مَا شهد بِهِ العيان من يمن دولتكم، وَظُهُور سعادتكم، فَلم يعْدم مَعهَا وَالْحَمْد لله حضب،

стр. 143

وَظُهُور وَخير مَشْهُور، وَالله يصل لنا وَلكم مَا عود، ويمتع بِمَا حول، ويعين على مَا قلد. وَأَنْتُم وجهة تعريفنا بالمتزيدات، والمنن الوافدات، فَمَتَى استجلينا مِنْهُ شَيْئا، جلوناه عَلَيْكُم، أَو استطلعنا وافدا، أهديناه إِلَيْكُم. وَالله يصل بقاكم , ويعتمد بالصنايع الباهرة علاءكم , وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم , وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته , وَكتب فِي كَذَا من رَمَضَان الْمُعظم من عَام ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ وسبعماية.

стр. 144

وَكَانَت الْحَرَكَة الْكُبْرَى إِلَى مَدِينَة جيان إِحْدَى دَار الْملك وكرسي دَار الْإِمَارَة ولدات الشُّهْرَة , وافتتحها الْمُسلمُونَ عنْوَة فِي أَوَاخِر شهر الله الْمحرم من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وسبعماية فصدرت مُخَاطبَة سُلْطَان الْمغرب من إملائي مَا نَصه: الْمقَام الَّذِي نبادر أبوابه بالبشرى , مردفة أولاها بِالْأُخْرَى , ونستظهر بعزيمته الْكُبْرَى , مَتى أعضل الدَّاء واستشرى , فَهُوَ أولى بالحالتين وَالْأُخْرَى , مقَام مَحل أخينا , الَّذِي أَقَامَت دولته أسواق البشاير والتهاني , وتكلفت سعادته للْإيمَان بتسني الْأمان , وتأتى الْأَمَانِي , السُّلْطَان الكذا أَبُو فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن , ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق , أبقاه الله بالصنايع الجميلة [مَسْرُورا , وبر كايب البشاير العجايب] مزورا , وَفِي الفضايل الجليلة علما منشورا , وَلَا أعدمه فتحا وظهورا , مُعظم قدره , وملتزم بره [الدَّاعِي إِلَى الله باتصال سعده , واتساق نَصره] , الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر , أيد الله أمره وأعز نَصره. سَلام كريم [طيب برعميم] , ينم بِفَتْح الْفتُوح المؤيدة بالملائكه وَالروح عرفه , ويبدي أنفاس ريحَان [الْجنان] . فيعي عبارَة اللِّسَان , وموارد علم الْإِنْسَان وَصفه , يخص مقامكم الْأَعْلَى , ومثابتكم الفضلى , وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

стр. 145

أما بعد حمد الله كَافِي من اسنكفاه، وهادي من استهداه، الَّذِي نصر الْحق وَأَعلاهُ، ودحض الْبَاطِل وأرداه، ووعد من توكل عَلَيْهِ، وفوض أمره إِلَيْهِ، بحسنى عقباه، وَأخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر [فاظنتتم أَن يخرجُوا] ، وظنوا أَن حصونهم مَا نعتهم من الله، فَمَا أوسع رحماه، وأسبغ نعماه. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، سر الْوُجُود وَمَعْنَاهُ، وموحد الْكَمَال ومثناه، ومختار الله من الخليقة ومجتباه، نَبِي الْمَلَاحِم، الَّذِي نصر بِالرُّعْبِ على عداهُ، وزوى لَهُ الأَرْض، فَرَأى ملك أمته بلغ مَا جمع لَهُ مِنْهَا وزواه، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وعترته وأحزابه المخصوصين بمزية قربه، ومنقبة حبه فِي مماته ومحياه، الذادة عَن حماه، النزعة فِي الْهدى إِلَى هدى مرماه، مزعجي الْكفْر عَن مثواه، ووارثي الأَرْض من بعده بذريعة رَضِي الله وتقواه، والدعا لمقامكم، حرس الله جَوَانِب علاهُ، وأعانه وتولاه فِيمَا ولاه، وَحفظ عَلَيْهِ مَا أولاه، كَمَا جعل أَوْصَاف الْكَمَال حلاه، وعرفه عوارف السعد، الرايق مجتلاه، وَذخر لَهُ الْفَتْح الْمُبين وسناه [بتوالي الْعِزّ المشرف سناه] ، والنصر الداني من غصون الرماح الملد جناه، والصنع الَّذِي ينَال بِهِ الدّين الحنيف مَا يتمناه، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم فخرا رايقا رياه، وسعدا مشيدا مبناه، وأطلع من غرر الْفتُوح كل وَافد بشر محياه، ووارد مهما تَلقاهُ، روح الْحَيَاة بوأه وحياه. [من حَمْرَاء غرناطة، أمنها الله] ، وَالدّين قد ساعدته بِمَا يرضيه دُنْيَاهُ، وَنور الله الَّذِي وعد بإتمامه وَإِن كرهه الْكَافِر وأباه، قد دَعَا

стр. 146

بوعد الصَّادِق فلباه، وَالْإِسْلَام بِهَذَا الْقطر قد استمنح مِنْهُ سُبْحَانَهُ، عَادَة اللطف بِهِ والنصر فحياه، وَالْحَمْد لله مبدأ كل أمره ومنتهاه، وَآخر كل كدح وأولاه، فَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله، ومقامكم عدَّة الْإِسْلَام الَّذِي يكْشف جلاه، ونساهمه فِي المسرات الَّتِي تهز نواسمها منتداه، والمبشرات الَّتِي تفوز بقدحها يَدَاهُ. وَإِلَى هَذَا أوزعنا الله وَإِيَّاكُم شكره، من منح أعلت معالم الْإِيمَان، وأعلنت برضى الرَّحْمَن، وعودة الزَّمَان، وأعربت عَن إتاحة الكرة وهبوب الرّيح، وَإِطْلَاق الإدالة، فَإنَّا نجلو عَلَيْكُم خبر الْفَتْح المخبو لزمننا وزمنكم، المذخور من الله سُبْحَانَهُ، فضلا علينا وَعَلَيْكُم، المعرب [عَمَّا بعده] إِن شَاءَ الله، عَن دُيُون فِي الْكفْر تَقْتَضِي، ومعارج للذّكر الْجَمِيل تَرْتَضِي، وسبل السّلف الصَّالح تقتفي، ومساع فِي الْجِهَاد تقرب إِلَى الله زلفى، وتعود مِنْهُ بالجزاء الأوفى، فتح الْفتُوح الَّذِي سمى اسْمه الرفيع ومسماه، أَن يُحِيط النّظم والنثر بِمَعْنَاهُ، إِلَّا أَن الْإِشَارَة تنْزع إِلَى مرماه، وَشرح الْمُجْمل الَّذِي تقصر عَنهُ ألسن الْعبارَة، ويستدل على كنهه بملامح الْإِشَارَة، هُوَ أننا اتَّصل بِنَا، والحي خلوف، وَحكم السّلم مألوف، أَن مَدِينَة جيان، بلغاء الشُّهْرَة، وَغَابَ البسالة، ومنبت الشَّوْكَة، وعقاب الْقَوَاعِد المغتصبة للْمُسلمين، ومختط طَائِفَة الْعَرَب الشاميين من كورة قنسرين، والأمم العديدة الْبَنَات، المستبحرة المنا والجنات، حَيْثُ الزياتين مِنْهَا، تمتار الْبِلَاد والعباد، مدد الْوقُود والكروم، الَّتِي استثمرتها الرّوم، تعبق لَهَا الخوابي الجوب بِدَم العنقود، والجنات الأشب، والوضع المنبت المعجب، حجر الأراقم المختالة، فِي جُلُود الزرود، والليوث الباطشة فَوق فيول الْخُيُول، ومصرخ النواقيس الصايلة، وَنصب التماثيل الهايلة، ولدة دَار الْخلَافَة قرطبة،

стр. 147

بدا لأَهْلهَا فِي مُخَالفَة سلطانهم الَّذِي جددنا عَهده، وأبرمنا سلمه، وأكدنا عقده، وأوجبنا لتوفر البواعث نَصره. فأهنبلنا للحين غرَّة، وانتهزناها فرْصَة، وحللنا إِلَيْهَا عقال الفتك، الَّذِي كَانَ قد قَيده الْإِيمَان، وسللنا عَلَيْهَا سيف الله الَّذِي أغمدته الْمُوَادَعَة والآمال، بعد أَن استخرنا الله، الْوَلِيّ فِي الغربة، النَّاصِر فِي الشدَّة، الَّذِي بِيَدِهِ الْقُدْرَة والعزة، والحول وَالْقُوَّة، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خير الناصرين، ومظهر دينه على كره الْكَافرين، ونوينا أَن نرفع بهَا هضم الْإسْكَنْدَريَّة، ونقوم بِفَرْض الْكِفَايَة عَن الكافة، فأثمرت استخارة الله لدينا، وَالْقُوَّة بِهِ، والتوكل عَلَيْهِ، الإستهانة بأسوارها المشيدة، وحماتها البئيسة، وشهرتها الجامحة، فأبرمنا الحزم الَّذِي شحذ التَّوَكُّل غربه، وسدد الاستبصار سَهْمه، وأضفى الصَّبْر جنته، وسهلت الثِّقَة بِاللَّه حزبه. واستدعينا أهل الْجِهَاد [لتصير الْجِهَاد] ، ونفضنا أَطْرَاف الْبِلَاد، عَن أولى الجلادة على الجلاد، وعينا أمدا أضَاف الانحفاز مدَّته وتحيفت البدار فسحته، وعَلى ذَلِك فاستكثرنا من آلَات الْقِتَال، ورفعنا المجانيق على أفلاك الأعجال، وأفضنا العطا الَّذِي تجَاوز شهور الأستحقاق إِلَى مَا وَرَاءَهَا، مِمَّا لم يستهل جَنِين هلاله، وَلَا وسمت خيلان اللَّيَالِي صفحة جماله، وأوصلنا الجيوش إِلَى المطوعة الغازين والمرتزقة المدونين إِلَى حُقُوقهَا فِي الْغنم الْمُتَقَدّم، وَالنَّفْل الْمُبَارك الْمُتَيَقن، فتضاعفت الارتياش، وأزيحت الْعِلَل، وأخلصت الضماير النصفة، وأطابت الْقُلُوب المعدلة، وَلما تكاملت الجموع

стр. 148

وتوالت الحشود، وتعددت بِظَاهِر حضرتنا الرَّايَات والبنود، بَرَزْنَا نهتدي من الرَّأْي الَّذِي تعودنا يمنة بمصباح، وذبال اسصباح، لَا بل بفلق صباح، وخيمنا على بريد من الحضرة، ترفيها على السيقة، ونظرا للفذ وَالْجُمْلَة، مخيما جمع مقادة من النسم، لَا يحصيهم إِلَّا من كتب خطاهم فِي طَاعَته، وأحصى أنفاسهم المطيبة بذكراه، واستحفظ بقع الأَرْض شَهَادَتهم بتوحيده. وَكَانَ إطلالنا عَلَيْهِ، ثَالِث يَوْم البروز، وَهُوَ يَوْم الأثنين الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر الله الْمحرم، مفتتح هَذَا الْعَام السعيد، فِي أحسن التعبية، وأكمل وَأحكم الأهبة. وأمحرت الينا حامية الْعَدو، ذابة عَن الْحَوْزَة، مبلية من دون الْعَرَصَة، متمرسة بسرعان الْمُقدمَات، ورواد منَازِل المحلات، فَلَمَّا كاثرهم السوَاد الْأَعْظَم، وَالْبَحْر الَّذِي لَا يزحم، استجنوا بحمى الأبراج المشيدة، وَفرج الْأَبْوَاب العديدة. وتلاحق أوايل الْأُمَم المحشودة المحشورة، من الجموع المنصورة الموفورة، تموج بهم عَرَفَات موقف الْجِهَاد، [وتعرضهم ساهرة نشر الْبِلَاد] ، ويتراكم مِنْهُم، وفرهم الله، رجل الْجَرَاد. وَكَانَ الْغَرَض يستكمل محمل الطَّرِيق، ويتدارك جُمْهُور النفير، وَيجْرِي حَربًا على مُقَرر التَّرْتِيب ومحكم التَّدْبِير، فشره النَّاس إِلَى الْعَدو، ووجهوا إِلَى حومة الْحَرْب خفوفا. لم يلو فِيهِ الْمُتَقَدّم على الْمُتَأَخر وَلَا انْتظر المسرع لحاق المتلوم. فانهارت مِنْهُم الهضاب وانهالت، وتدافعت الأودية وسالت، وجنحت الرَّايَات إِلَى حومة الربض الْأَعْظَم ومالت، كَأَنَّهُمْ سحايب الخريف. حركتها الزعازع، وَخَربَتْ آباط ركابهَا البروق الخواطف، وَأَحَاطُوا بِهِ من قبل أَن توزع عَلَيْهِم الْآلَات، وتبوأ مقاعد الْقِتَال [كماة الحماة وفره] الرُّمَاة، فقرعوا للحين سوره، واقتحموا مَنَازِله ودوره،

стр. 149

وصدموا حاميته الضخمة، ووالوا عَلَيْهَا الشدَّة، حَتَّى أزعجوهم عَنْهَا عنْوَة، واستلحموا مِنْهُ جملَة. وَشَمل الربض النهب، ورغا فَوق أَهله الْعَذَاب الصعب، وتعلقوا بعده بسور الْبَلَد، وبادرنا الهيعة، وَقد هزت ريَاح النَّصْر عذبات الرَّايَات، وسد مَا بَين الْخَافِقين علو كلمة الشَّهَادَات باخْتلَاف الْأَصْوَات، وصكت الأسماع رعود الطبول، واستنجز الْمُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ من رَبهم مِيقَات الْوَعْد الْمَفْعُول، فَلَا ترى إِلَّا هاويا من ذرى شرفة، تخلفه جملَة، أَو شَهِيدا يتزاحم على مواقفه لمة، أَو ثنية تفرع، أَو شعارا يسمع. وَنزل الصَّبْر، وأنجز الْوَعْد، وَقذف الله الرعب فِي قُلُوب الْكَافرين، وأمد أولياه بالملايكة المسومين. ففرعت أسوار الْمَدِينَة ضَرْبَة، وَدخلت وَالْحَمْد لله عنْوَة، وَجَاز فرسانها فِي السكَك، يطيرون من ضيقَة إِلَى أُخْرَى، والمسلمون يَأْخُذُونَ عَلَيْهِم الفوهات، ويسوقونهم إِلَى المتمنعات، وَقد شرهت السيوف، وتخارقت الرماح، وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل، وأخذتهم الرجفة. وَاخْتَارَ لمة مِنْهُم ميتَة الإيجاز والإعذار لأَنْفُسِهِمْ بالفرار، على الْميتَة بَين الديار، ففتحوا بعض أسوارها وألهبوا الْخَيل ركضا، وأجهدوها خضا، وَركب الْمُسلمُونَ أكتاف مدبرهم، واعترضوا وُجُوه مقبلهم، فبهروهم بِالسُّيُوفِ، وعاجلوهم بالحتوف، واستولوا على أقطار الْمَدِينَة اسْتِيلَاء أعجل المجانيق عَن الرُّكُوع، وصواعق الصخر عَن الْوُقُوع، وجبل الْحَرْب عَن الإحكام، والاعتدال عَنْهَا بالهندام. وَانْطَلَقت الْأَيْدِي على مَالا يَنَالهُ، وَلَا يُدْرِكهُ الْكسْب، من الْأَمْوَال الدرة، والأمتعة الثرة، والذخاير المصونة، وآنية الزِّينَة الثَّقِيلَة، والأسلحة المستجادة، وعاثت فِي الخزاين الطامية، والأقوات الهايلة، ودنان الأدهان

стр. 150

المدخرة، وَالْخُمُور الْمُقدمَة، إبادة ونهبا، وإراقة ونقلا، إِلَّا مَا يكاثر الْحَصَى، واجزاء الهبا، من الْحَيَوَان الْمُخْتَلفَة الْأَجْنَاس، صواهل ضامرة، وسواجع بادية ويعافير فارهة. وغصت الأضبان، ووهنت الأكثاد، بِمَا فِيهِ يرغب، من الماعون والسقط والخرئي، وجلال الْأَسْبَاب، حَتَّى القسى، والسرج الدني [وَمَا يشنفه الْغنى] وَأخذت الدّور والقصور، وَالْبيع وهياكل الْعِبَادَة، والرباع الشهيرة، [والحانات، والديرة الْمَقْصُودَة، والقياسر الميسورة] أَيدي الإثارة، والإبادة، فسلطت النَّار على أعاليها، وَالْهدم على مَا يَليهَا، وجللها الدُّخان، وظللها الخسران، ونادى بهَا لِسَان، الحمية، فِي مرضاة رب الْبَريَّة، بالثارات الْإسْكَنْدَريَّة. وقيدت نواقسها بالحبل الَّتِي حركت جبالها، وقلقلت هضابها، فأبرزت خاسئة صاغرة، وَتركت بعد ثل ألسنتها دامية فاغرة، وجنب من الأسرى، وهم الفل الَّذِي تخطاه الْأَجَل الْمَكْتُوب، وَالْقدر المحتوم، أوشفع فِيهِ الْحسن المرموق طوايف غصت بقطارهم، السبل العريضة. وَضَاقَتْ بواردهم المناهل المفرقة، وَهلك بَين جدرانها من النسم الْكَافِرَة، والطوايف المجانبة للحق المنافرة، بَين بهم مقدم، وشجاع معلم، وَفَارِس مغوار، ومنتجع فلاحة، ومعاني صناعَة، وملتمس تجر وقنية، ومقيم مِلَّة، مَا لم تستأصله الهزايم الشهيرة، والوقايع المبيرة. كفى الله شرهم، وَدفع ضرهم، سُبْحَانَهُ لَا دَافع لنقمته الحانقة بالمعتدين، وَلَا راد لِبَأْسِهِ عَن الْقَوْم الْمُجْرمين. وتخلص من أسرى الْمُسلمين جملَة، طرقهم الْفرج الَّذِي لَا يحْتَسب. واللطف الَّذِي تنجاب بِهِ الكرب، ولجأ الفل المحروب من جمهرها، وهم معشار المعشار من صريعها

стр. 151

ومأسورها، أزوادا تنشر عَلَيْهَا عصي سمر الرماح، وأسرابا تخفق فَوْقهَا أَجْنِحَة الْجراح، من بيض الصفاح، إِلَى حمى القلعات المشيدة، فنراكموا بالقنة القايمة بِأَعْلَى الندوة، وَقد جنح الْأَصِيل، وجاذب القرص المسيل، فرتبنا عَلَيْهِم المسالح والأحراس، ووكلناهم إِلَى غيب الزحام، وَسُوء الْمقَام، وبرح الظما، ورجز السما، وتربصناه بالإجهاز عَلَيْهِم، انقشاع الظلماء، وباكرناهم وطبول الْعِزَّة بِاللَّه هادرة، وَكلمَة الْحق قايمة صاعدة، وعزايم الصدْق مَاضِيَة. فعاطينا تِلْكَ القلعة الشما [فِي السكَك الْمُزَاحمَة لشهب الأفلاك] الْحَرْب الضرسة الَّتِي لم يعْهَد بِمِثْلِهَا، فِي زمَان سالف، ودهر غابر، بلغ فِيهَا الصَّبْر أغياما، تتجاذبه مطولات الْقصاص، وغرايب الأسمار، وَيجمع فِيهَا أَلْسِنَة الْأَخْبَار. فَدخلت القصبة الأولى، وَارْتَفَعت فِي أبراجها البنود، وانتقل من بهَا إِلَى الثَّانِيَة. وَلما افْتقر أمرهَا من بعد المحاولة إِلَى المطاولة، ورأينا بعد ذَلِك أَن لَا مطمع فِي اسْتِبْقَاء الْمَدِينَة، إِذا استخلصنا القصبة الشاهقة، وفتحنا القلعة السامية، لمَكَان العقد، مَعَ ولي قاعتها، ومستحق خربتها، ضنا بالنفوس الْمسلمَة، أَن تفيض من دونهَا لجاجا، أَو تبيد عَلَيْهَا مجَّانا، وَأَن من تحصل بهَا، أشبه شَيْء بِالْعدمِ، قلَّة وذلة، وارتيابا وأشتاتا، وَقد أثبتهم الرُّمَاة، وفشت فيهم الْجراح. ونبا بهم الوطن، واقتطعتهم المحن، أجبناهم إِلَى مَا بذلوا فِي جماجمهم من الفدا على الإفراج عَنْهُم، والإقلاع عَن ساحتهم. فتم ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس من يَوْم المنازلة [بعد أَن] توثقنا فِي شَأْنهمْ، واقتضينا مائَة من متخير

стр. 152

رهائنهم. هَذَا بعد أَن جهر الْمُنَادِي , بعقر الْأَشْجَار , وانتساف تِلْكَ الأقطار , [فأمسى الجناب الْأَخْضَر , لَا يظل ضاحيا وَلَا يقل فراشا هافيا] . وتناولت الأقواس جراثيم الْعقار فعقرتها , وقرأت أَلْسِنَة النَّار سُورَة التِّين وَالزَّيْتُون فجرفتها , وحالت أَيدي الْبَوَار , واستؤصلت عاديات الْأَشْجَار , وفجع بخندق الْجنَّة أهل النَّار , وَطَاف عَلَيْهَا طايف من الله , وأصبحت كالصريم , وطلعت عَلَيْهَا بالصليم , لكتاد غرَّة الْيَوْم العصيب , وتقاسمت الْأَيْدِي تخريب أسوارها , فهشمت أَسْنَان الشرفات , وجدعت آناف الأبراج المشرفات , فَهِيَ الْيَوْم اليباب البلقع , ووهيها الوهي الَّذِي لَا يرقع. وَاتفقَ من تَمام الصنع أَن تلاحق بمحلتنا عَلَيْهَا وَزِير السُّلْطَان صَاحب قشتالة , فِي كَتِيبَة خشنة من قومه , وعددهم من أَتْبَاعه , مستجيرا بِنَا من مُطَالبَة سُلْطَانه , طارحا نَفسه علينا , فِي تكفل أَمَانه , فَرَأى من وفور محلات الْمُسلمين مَا بلد فكره , وحير لحظه , وَشَاهد من عَظِيم أَثَرهم فِي الْبَلَد المستباح , الَّذِي دمروه , وَعدد من استرقوه وأسروه , مَا ضاعف حسرته , وأذرف عبرته. فَكَانَ ذالك طرازا على الْحلَّة السيراء , وتماما للنعمة النعمى , وأملا فِي ظُهُور الدّين , وَالْحَمْد لله تكيف وتأتى. وقفلنا بِالْمُسْلِمين , هنأهم الله بِمَا وهبهم وَقد وسم وُجُوههم الاستبشار , وحلل قِتَالهمْ فِي سَبِيل الله النَّقْع للثار , وَقد فجعوا الْكفْر بِأم من أَمَاتَهُ , وكرسي الْملك مُسْتَقل بذاتة , وتركوها أوحش من القفر , وأخلى من جَوف الْقَبْر , مرصوفة السكَك بالجثث والأشلاء , مظللة بأعنان تبلغ أعنان السَّمَاء , مرفرفة فَوْقهَا عصايب القشاعم , متزاحمة على شعابها ونقابها الضباع الصرامح , والعواسل والكواسر , قد شاه مرآها الْجَمِيل , وأوحش

стр. 153

مربعها الأنيس، قفولا مَلأ بِلَاد الْكفْر رعْبًا، وجاسها ذعرا، وَأقَام لِلْإِسْلَامِ [وَأَهله فِيهَا] وزنا، ويالها من شَوْكَة خضدها الله وأبادها , وأذهب كيادها. وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه , إِن الله بَالغ أمره. وعرجنا فِي هَذَا الإياب الْعَزِيز على مَدِينَة باغة الْحُجْرَة , من بَنَات تِلْكَ الْأُم البائسة , وفروع تِلْكَ الشَّجَرَة المجتثة , فَصَارَت سحيرا للسيل , وملتهم الويل , ومنتهب الرجل وَالْخَيْل , وألفينا قاطنها قد ولى هربا , وَاتخذ اللَّيْل جملا , وبيوتها مشحونة أثاثا وأقوتا , وَنِعما أشتاتا , فَأَخذهَا النهب , وَفَشَا فِي عيصها الأشب العيث , وتعلقت النَّار بزياتينها لمَكَان العلاقة , وأغرت بهَا لأجل السلبط أَلْسِنَة السلاطة , فَقلب الدمار أعيانها رَمَادا , وألبسها الْحَرِيق للثكل حدادا. وانصرفنا عَنْهَا , وَالْعَمَل إِن شَاءَ الله على التعقيب مستوفر , والعزم إِن شَاءَ الله على الْعود إِلَى أبدة الذاهبة مذهبها متجدد. نسْأَل الله أَن يتم علينا النعم , ويجزل من فَضله الْمَوَاهِب وَالْقسم , ويلهمنا الشُّكْر المستدعي للمزيد , فَهُوَ الْوَلِيّ الحميد. وبادرنا تَعْرِيف مقامكم بِمَا سناه الله , قبل حط البنود عَن الْجِيَاد , والحمايل عَن الأكتاد , علما بموقع هَذَا الصنع من دينكُمْ الْأَصِيل , ومجدكم الْعَزِيز , وملككم الْكَبِير , فَهُوَ دينكُمْ وجواركم , ووطنكم الثَّانِي وداركم. وَقد كَانَت هَذِه المكيفات , بشاير ولي الله السُّلْطَان الْمُقَدّس والدكم , الَّذِي لَا يتحف بأسنى مِنْهَا خطرا , وَلَا يهدي أجل مِنْهَا قدرا. وَأَنْتُم وَارِث خلاله الصَّالِحَة , وشيمه الْبرة الطاهرة. وَنَرْجُو الله أَن يكون هَذَا الْفَتْح , تمهيدا لمذخور نصركم , وإرهاصا بَين يَدي جهادكم , ولتتحققوا أَنه لَو جمع الله جمع الْإِسْلَام على الْجِهَاد , لعاد الْفَتْح الأول

стр. 154

جدعا , وتقهقر الْكفْر جزعا , وراجع حُدُوده هربا. وَبِيَدِهِ الْخلق وَالْأَمر , وَمَا أمرنَا إِلَّا بِوَاحِدَة , وَمَا ذالك على الله بعزيز , وَهُوَ سُبْحَانَهُ يهيء لكم وَلنَا من أمرنَا رشدا , ويوفقنا كَمَا يقربنا الله زلفى , بفضله وَرَحمته. وَالسَّلَام الْكَرِيم , الْبر العميم , يعْتَمد كم كثيرا أثيرا , وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. كتب فى آخر شهر الله الْمحرم من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وسبعماية. تمّ السّفر الأول

стр. 155

وَكَانَت الْحَرَكَة بعْدهَا فِي أوايل شهر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة إِلَى مَدِينَة أبدة. فاحتل السُّلْطَان [بِمن لنظره] من جَيش الْمُسلمين بظاهرها، فافتتحها عنْوَة وَاسْتولى على مساكنها التدمير والتئبير، وعفت آثارها، وهدمت كنائسها وأسوارها، وقفل إِلَى حَضرته الْعلية بِجنب نصرا لَا كفاء لَهُ. وصدرت عَنهُ مُخَاطبَة سُلْطَان الْمغرب من إملائي بِمَا نَصه بعد سطر الأفتتاح. الْمقَام الَّذِي نعاطيه أكواس المسرات دراكا، ونجعل لَهُ فِي الْفتُوح وثوابها الممنوح اشتراكا، ونتحفه بالأنباء الشاهدة بخلوص الْوَلَاء على الْوَلَاء سكونا أَو حراكا، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي شَأْنه السرُور بِمَا يفتح الله بِهِ على الْمُسلمين وَالْإِسْلَام، والابتهاج بِمَا اجتلاه الدّين الحنيف من سَعَادَة الْأَيَّام، والمساهمة الَّتِي تلِيق بِمثلِهِ من الْمُلُوك الْأَعْلَام، السُّلْطَان الكذا أبي فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب ابْن عبد الْحق، أبقاه الله، وبابه بالبشاير مَقْصُود، وسعده فِي الْأُفق الْأَعْلَى مرصود، وَملكه بِاللَّه مَعْصُوم معضود، وشمله باتصال الْأمان وَرَضي الرَّحْمَن منضود، وظل عدله وفضله مَمْدُود، وآثاره فِي الْآثَار الصَّالِحَة الْبَاقِيَة مَحْسُوب مَعْدُود، مُعظم قدره العالي الاقتدار، المسرور لهلاله السعيد لصفة الْأَبْرَار، واستقامة الدَّار، الدَّاعِي لَهُ فِي حَالي الْإِيرَاد والإصدار، بالزلفى وعقبي الدَّار، الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد

стр. 156

ابْن نصر. سَلام كريم، ينم فِي جو الخلوص مِنْهُ نسيم، ويتجلى فِي مظهره الود المرصوص لَهُ محيا وسيم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. أما بعد حمد الله معرف العوايد الجميلة، ومعدد العوارف، ومصرف الألطاف الْحَسَنَة، ومحسن المصارف، مُجَدد الْيمن المتعاقب المترادف، ومؤيد الْعِزّ التالد بالطارف، الْجواد الَّذِي أخلصت آراؤه العميمة، ومننه الْكَرِيمَة وصف الواصف، نَاصِر حزب الْإِسْلَام، على معاند دَعوته السامية الْأَعْلَام والمخالف، ومظهر دينه الْحق على الْأَدْيَان، إنجازاً لوعده السَّابِق فِي الزَّمن السالف. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، أَمَان الْعباد عِنْد اشتداد المخاوف، والظل الظليل الوارف، وغمام الرَّحْمَة الواكف، المنقذ بِنور هداه من المتالف، وَالرِّضَا عَن آله الشم الأنوف الغطارف، سَحَاب العوارف، [وبحار الغوارف] ، الَّذين نصروه فِي حَيَاته بالبيض المواضي، والسمر الرواعف، وَقَامُوا بسنته قيام الْوَاصِل العاكف. والمناصح الملاطف، حَتَّى دنت الغصون للقاطف، واختالت الْملَّة من ثِيَاب الْعِزّ فِي أبهى المطارف، وَالدُّعَاء لمقام أخوتكم، أبقاه الله مثابة البادي والعاكف، بالصنع المساعد المساعف. واليمن المتزايد المتضاعف، والنصر الَّذِي تشهد بِهِ أَلْسِنَة المارق من الجهادية والمواقف. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يتكفل بإسعاد الراضي. وتمهيد الراجف، وعدلا تمْضِي فِيهِ أوراق المطالب، حكم أوراق الْمَصَاحِف، والسعد بر المتاحف، وَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، ومقامكم الْعلي وجهة التَّعْرِيف بِمَا يتزيد من منح، أَو يفتح الله ﷻ من فتح، تكل فِي بَحر تَفْسِيره الأقلام، عَن فسح وإسهاب وَشرح، إِذْ الخلوص المجدد، وَالْحق الَّذِي لَا يجْحَد، والود المتوارث الَّذِي عقوده تشهد،

стр. 157

تأبى أَن يقطع مِنْهُ الإغفال جنابا، أَو تفقد مِنْهُ منابا، أَو [تسد الشامتة] مِنْهُ بَابا، أَو يكدر صفوا، أَو يشرب لبابا. وبحسب ذَلِك يُنْهِي إِلَيْكُم كل رَاجِعَة تتبعها رادفة، وسالفة تعقبها خالفة، إِشَاعَة لمنن الله بَين عباده، وإشادة فِي الْجِهَاد بثمر جهاده، وعلما بمواقع ذَلِك من مقامكم الَّذِي يعلم صدق وداده، وَجَمِيل اعْتِقَاده، وسيره فِي الْمَقَاصِد الْبرة، على سنَن الْكِرَام أجداده. وَقد كُنَّا عرفناكم فِي هَذَا الْكتاب قبل هَذَا، أننا على ركاب جِهَاد، واستيناف احتشاد، إِلَى مَدِينَة أبدة، لنهيض مِنْهَا ثَانِي جنحي الْكفْر، ونؤمن الْجِهَات الشرقية بِفضل الله عَادِية الضّر، ونفجع الشّرك بحبيبته، ونصيبه من بعد يسراه بِيَمِينِهِ، فاستعنا بِاللَّه الْقوي الْمعِين، واستنجدناه على فتح معقلها، وَهُوَ خير الفاتحين، واستدعينا كَافَّة أهل الْإِسْلَام، لمأدبة الْجِهَاد الْوَاضِح الْإِشْهَاد، فَهموا طايعين، وَفِي فوز أَيْديهم بِإِحْدَى الحسنيين طامعين، واستكثرنا من الْآلَات والأسباب واستبحرنا من معارج التسورات، وخزاين النشاب، وَلم نَدع حِيلَة تبقر سورا، وَلَا تهويلا يذعر محصورا، وَلَا آلَة تحط وقاية مَنْصُوبَة، وَلَا نكاية تكظم بَلْدَة مخروبة، إِلَّا استزدنا من أَنْوَاعهَا وأجناسها، وتممنا مَا نقص من قياسها، بعد أَن اعتقدنا أَن لَا غَالب إِلَّا الله وَحده، وَأَنه الَّذِي يظْهر دينه وينجز وعده. وَإِلَّا فَمَا يُغني الْعدَد، إِذا لم يكن مِنْهُ الْإِعَانَة والمدد، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالق الْخلق وَمَا يعْملُونَ، ومتمم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ.

стр. 158

وأفضنا الْعَطاء فِي المرتزقة، وفتحنا الدَّوَاوِين الملتحفة، وحملنا من نفق فِي سَبِيل الله جَوَاده، وأعنا من قصر عَن مُؤْنَته زَاده. وَخَرجْنَا والتوكل على الدَّلِيل، والمواكب الظَّن الْجَمِيل، ومتعود الصنع للظل الظليل، وَكلمَة الله الْعليا الْعلم الَّذِي لَا يمِيل، فخيمنا على أَمْيَال من الحضرة، مخيما بَادِي الوفور، محفوفا بالعز الْمَشْهُور، والنصر الرايق الشُّعُور. ثمَّ دَخَلنَا بعد مراحل ضفة الْوَادي الْكَبِير من أحوازها المستباحة، وعمالتها المخروبة الساحة، والعدو بعرصة جسر عَال، مثل فَوْقه حصن حُصَيْن يمْنَع العابر، ويصد الْوَارِد والصادر، فألفيناه وَقد قد ضَابِط دربه، وقيوم سلمه وحربه، فأغنانا الله [عَن فض] غلقه واقتحمناه تجْرِي فَوْقه سيول الحشود، وَنشر النَّمْل غير المحصور وَلَا الْمَمْدُود، لَا بل قطايع الليوث الغلب وَالْأسود. وَلما صبحنا ساحتها وأزمعنا بعزة الله استباحتها، نَظرنَا إِلَى مَدِينَة هايلة، عمارتها فِي الأَرْض الفضاجايلة، وأدواحها الأشبة مايلة، ومحاسنها متبرجة متخايلة، ومنعتها دون من اعْتصمَ بهَا إِلَّا من الله حايلة، بنت جبان فِي ملأتها سَعَة جناب، وتبحر فلح وأعناب، بلد التِّجَارَة الَّتِي يعْمل إِلَيْهَا سير الرفاق، من نازح الْآفَاق، والمآرب الآمنة مساعيها من الإخفاق، والمصر الشهير الْعِمَارَة، الفسيح الإثارة، فَإِذا ذكرت الأمات فإليها يشار، وَإِذا تشوقت المعاطن. فلهَا تحن العشار. فَقُلْنَا اللَّهُمَّ سهل صعبها، وأسفل كعبها، وَاجْعَلْهَا لِعِبَادِك أنفالا، واترك معالمها إغفالا لرمي النَّصْر ثقالا، واقطع عمالتها ليدي الخراب، واصرع آناف مبانيها السامية فِي التُّرَاب، وصيرها عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب. ثمَّ نهدنا فأدرنا الجموع بالأسوار دور السوار، بعد أَن عممنا بكتايب الدَّار ظُهُور النجادة، وبطون الأغوار، وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا طيور المنيات من أوكار الْحَيَّات، ورجعنا بذوات الأدراج إِلَى الأبراج، وعاطينا حَربًا تبرجت لأبطالها

стр. 159

الْحور، وتحلت بشذور , النجيع مِنْهَا النحور , وعلت بِالشَّهَادَةِ الْأَصْوَات , وحامت عَن موارد الكماة , وبيعت من الله النُّفُوس , ودارت للآجال الكؤوس , حَتَّى أثمر النَّصْر ثمراته الْمَعْهُودَة , فافترعت الشرفات المفترشات , وأصبحت المسافات تطأها الْآفَات , وَدخلت الْمَدِينَة , وَالْقُدْرَة لله غلابا , وتقسمتها أَيدي الْإِسْلَام، قتلا واستلابا، فَأخذت جذل الرماح على كفارها بِوَجْه الْأَزِقَّة، واقتطعوا بَين عياث الْأَيْدِي المستهلكة والمسترقة فاستبيحت المقاصير والقصور، واقتحمت الديرة والدور، وخسفت فِي مطالع بروجها الْكَافِرَة البدور، وانتسفت الأقوات، وأوقع بالْكفْر الْفَوات، وأخليت من سروج فرسانهم الصهوات، وأيمت من آبايها الإخوان وَالْأَخَوَات، وَكَانَ مسورها الَّذِي تعاصي عَن الذرع والمساحة فوره، وتعدى حُدُود الْمَدِينَة الرحيبة طوره، قد اسْتوْدعت أقصيته، تعم مسارحها الَّتِي أخافها الْخلاف، وأمم فحوصها الفيح الَّتِي يخْشَى عَلَيْهَا الْإِتْلَاف، فألفاها الْمُسلمُونَ ألوفا لَا تحصى، وحملا عسر إبرازه على الْجَبَل واستعصى، فَتَنَاولهَا الانتهاب والاقتسام، وأمهلت هضابها الجسام، وأقيمت لَهَا فِي هَذَا الميلاد الْكَرِيم المواسم الوسام. وَأما الْأَمْوَال الموصلة، والخزاين المجملة المفصلة، فأعيا نقلهَا الظُّهُور، واستغرق الْأَيَّام بل الشُّهُور. ولجأ الفل من أَهلهَا إِلَى القصبة الَّتِي تسع الْجُمْلَة، وتوهم المعتصم بهَا الْعَطف والمهلة، واستماتوا من وَرَاء سورها العَاصِي الْبناء، وأبلوا من دون الْحَرِيم وَالْأَبْنَاء. وزحف إِلَيْهِم الرِّجَال، حَتَّى ضَاقَ بهم المجال، ورشقتهم السِّهَام بمالا تتصوره الأوهام، وأمطرت عَلَيْهِم السَّمَاء حِجَارَة الْقَذْف، وشرعت إِلَى أسمائهم عوامل الْحَذف، وأسفوا على المتالف، وَرَأَوا فِي أنفسهم،

стр. 160

مواقع الرماح من النحور، وَالسُّيُوف من السوالف، إِلَّا أننا رَأينَا أَنَّهَا قَصَبَة مستعدة، قد تحصل بهَا من الناشبة والرامحة عدَّة، فَلَا يتَوَصَّل إِلَى افتتاحها إِلَّا بمهج ونفوس من الْمُسلمين عَلَيْهَا تسيل، وحماة لَهَا فِي الْإِسْلَام الْغناء الْجَمِيل، وَفِي سلامتها التأميل، وَأَن الْبَلَد قد استوصل معموره، وألصقت بالرغام دوره، وسد دكه، ودك سوره، وتعدد قتيله ومأسوره، بِحَيْثُ لَا يفِيق أبدا من بواره، وَلَا يجْبر كَسره إِلَّا بعد انْقِضَاء أدوار، وَأَن القصبة لَا تبدي فِي اعتماره وَلَا تعيد، وَأَيْنَ يَقع ساكنها مِمَّا تُرِيدُ. وشرعنا فِي الإياب والسكك بالأوقار قد ضَاقَتْ، وَالْأَيْدِي قد حملت فَوق مَا أطاقت [والمناصل قد أنهرت وأراقت، ونقمة الله بعدوه قد حاقت، ونعمه قد بهرت لدينا وراقت] . وتخلفنا قُصُورهَا السامية قيعانا، وكنايسها الحافلة أثرالاعيانا، وَقد أَخذ الله صلبانها، واستعجل النيرَان رهبانها، وأتى الله بيوتها من الْقَوَاعِد فخرت، وزلزل مصانعها الْعَالِيَة، فاستوت على وَجه الصَّعِيد واستقرت. فَمَا أَظن أَن مَدِينَة بلغ من معمورها، واستأصل العفا من حجرات دورها، مَا بلغ فِي هَذِه البايسة البائدة، والغوية المكايدة، غير الله محاسنها [وشرد قاطنها] . وَلما فرغت الْأَيْدِي المجاهدة من داخلها الهايل تدميرا وتخريبا، وتهيأت هَنَات الله ﷻ نصرا عَزِيزًا، وفتحا قَرِيبا، انْطَلَقت على مَا بخارجها عقرا للأشجار، وتعفية للآثار، وتغويرا للأنهار، وتسليط أَلْسِنَة النَّار، وأغرينا بِهَذَا العياث أَيَّامًا سَبْعَة، تسبي النعم، وتبث فِي جهاتها النقم، فتركنا مرابع الْبَيْت الأوانس أوحش من الرمس، ومغاني الغانيات كَأَن لم تغن بالْأَمْس، قد أذلّ الله بعز الْإِسْلَام طغيانها، وكف بكف الْقُدْرَة عدوانها، وشان بالدمار شَأْنهَا. فكم أجلبت على ثغور الْإِسْلَام بخيلها ورجلها وَكم عظم الْفَرح فِي

стр. 161

الدّين لأَجلهَا، ووفاه الله وَله الْحَمد، بمحلها. وقفلنا والأولوية بالنصر خافقة، وأسواق الظُّهُور نافقة، وألسنة الْحَمد وَالشُّكْر ناطقة، والظنون فِي فضل الصَّادِق صادقه، وَالْكفْر قد ذل واستكان، وَدخل ثغره فِي خبر كَانَ، وَعز الْإِسْلَام قد ظهر واستبان، ورسى كَمَا رسى رضوى وَأَبَان، وَالْخَيْل تلاعب الطلال مرحا ونشاطا، وَالْوُجُوه تتلألأ اغتباطا، والجياد الجرد تتدافع وتمطر، والأسال السمر تتهاود وتتأطر، والجهات بشذا الْفَتْح تتعطر، وَقد أقفر هَذَا الصقع الْعَظِيم من عمرانه، وأطاع الاشتمال بالمنحسة حكم قرانه، وأناخ عَلَيْهِ العفا بجرانه. وَمن الله نسل أَن يصل الْإِسْلَام عوايد النعم الجسام، ويلهمنا الشُّكْر المستدعي للمزيد من هَذِه الْأَقْسَام، وَإِن كَانَ هَذَا الموطن الَّذِي يغبط من الْكفَّار، يَدْفَعهُ الله ويكتبه، ويعلق الثَّوَاب الجزيل ويرقبه، فَكيف لَا نحمد الله على تخريب هَذَا الْمصر الشهير، والقطر الخصيب الخطير، بِحَيْثُ تمْضِي الأحقاب، وَهُوَ عِبْرَة للمعتبرين، وواعظ للمبصرين، وَحَدِيثه لِسَان صدق فِي الآخرين. ومقامكم وجهة الْمُبَشِّرَات مهما يسرها الله وكيفها، والصنايع إِذا أولاها ﷻ وَعرفهَا، عَلَيْكُم نجلو صورها، ولديكم نتلو سورها، علما من دينكُمْ الَّذِي علمت مساهمته ونصحه، وأشرق فِي أفق الْفضل صبحه، وَلما لسلفكم من أثر بِهَذِهِ الْبِلَاد لَا يخفي، وإعانة حُقُوقهَا المرعبة لَا تخفي، وأجورها عِنْد الله توفّي. وَأَنْتُم وَارِث [خلدا بِهَذِهِ الْبِلَاد] إِلَّا عَن كَلَالَة، وَولى مَا تخلفه من مجد وجلالة. وَإِنَّا لنَرْجُو أَن يكون لكم فِي الْجِهَاد بِهَذِهِ الْبِلَاد الْقدح المعلي، والأثر الَّذِي يتلي، فِيمَن نقيبتكم قد أشرف وتجلى، وعَلى ميادين الظُّهُور قد استولى. وَالله يُحَقّق الآمال، وينجح الْأَعْمَال. وَأوجب تَعْجِيل التَّعْرِيف بِهِ،

стр. 162

ود فِي سَبِيل الله أطيب من العذب الزلَال، وخلوص يتضاعف على مر الْأَيَّام والليال. وَنحن نشرع فِي إِعْمَال الْحَرَكَة إِلَى قرطبة، دمرها الله، واثقين بِذِي الْعِزَّة والجلال، مستظهرين بنيتكم الْكَرِيمَة، الكفيلة بسعادة المنال، وَدُعَاء من لديكم من الْمُسلمين، بِمَا يقْضِي ببلوغ وَإجَابَة السُّؤَال. وَالله يصل لكم سَعْدا مديد الظلال، بامتداد الْبكر وَالْآصَال. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

стр. 163

وكتبت لصَاحب تونس بِمَجْمُوع هَذِه الْفتُوح عَن السُّلْطَان ﵁، وَقد أهدي خيلا وعتاقا وأصنافا من الرَّقِيق والفتيان وَغير ذَلِك صُحْبَة الرَّسُول الْفَقِيه أبي الْحسن الْبَنَّا وبتاريخ الْيَوْم الثَّالِث من شهر ربيع الآخر من عَام سبعين وَسَبْعمائة الْخلَافَة الَّتِي ارْتَفع فِي عقائد فَضلهَا الْأَصِيل الْقَوَاعِد الْخلاف، واستقلت مباني فخرها الشَّائِع وعزها الذائع، على مَا أسسه الأسلاف، وَوَجَب لحقها الْجَازِم وفرضها اللَّازِم الِاعْتِرَاف، ووسعت الآملين لَهَا الجوانب الرحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها المنيف، وولائها الشريف، كَمَا امتزج المَاء والسلاف، وثناؤنا على مجدها الْكَرِيم، وفضلها العميم، كَمَا تأرجت الرياض الأفواف، لما زارها الْغَمَام الوكاف، ودعاؤنا بطول بَقَائِهَا واتصال علائها، يسمو بِهِ إِلَى قرع أَبْوَاب السَّمَوَات [الْعلَا] الاستشراف، وحرصنا على تَوْفِيَة حُقُوقهَا الْعَظِيمَة، وفواضلها العميمة، لَا تحصره الْحُدُود، وَلَا تُدْرِكهُ الْأَوْصَاف. وَإِن عذر فِي. التَّقْصِير عَن نيل ذَاك المرام الْكَبِير، الْحق والإنصاف، خلَافَة وجهة تعظيمنا إِذا تَوَجَّهت الْوُجُوه، وَمن نوثره إِذا أهمنا مَا نرجوه، ونفديه ونبيديه إِذا استمنح المحبوب، واسترفع الْمَكْرُوه. الْخَلِيفَة [الكذا أَبُو إِسْحَق ابْن الْخَلِيفَة الكذا أبي يحيى أبي بكر ابْن السُّلْطَان أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان الكذا أبي إِسْحَاق ابْن

стр. 164

الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي عبد الله بن أبي زَكَرِيَّا بن عبد الْوَاحِد ابْن أبي حَفْص] أبقاه الله. ومقامه مقَام إِبْرَاهِيم رزقا وأمانا، لَا يخص جلب الثمرات إِلَيْهِ وقتا وَلَا يعين زَمَانا. وَكَانَ على من يتخطف النَّاس من حوله مؤيدا بِاللَّه معانا، مُعظم قدره العالي على الأقدار، وَمُقَابل دَاعِي حَقه بالابتدار، الْمثنى على معاليه المخلدة الْآثَار، فِي أصونة النظام والنثار، ثَنَاء الرَّوْضَة المعطار، على الأمطار، الدَّاعِي إِلَى الله بِبَقَائِهِ فِي عزة منسدلة الأستار، وعصمة ثَابِتَة المركز مُسْتَقِيمَة الْمدَار، وَأَن يخْتم لَهُ بعد بُلُوغ غايات الْآجَال، ونهايات الْأَعْمَار، بالزلفى وعقبى الدَّار. سَلام كريم كَمَا حملت نسمات الأسحار، أَحَادِيث الأزهار، وروت ثغور الأقاحي والبهار، عَن مسلسلات الْأَنْهَار [وتجلي على منصة الاشتهار، وَجه عروس النَّهَار] يخص خلافتكم الْكَرِيمَة النجار، العزيزة الْجَار، وَرَحْمَة الله الله وَبَرَكَاته. أما بعد حمد الله الَّذِي أخْفى حكمته الْبَالِغَة عَن أذهان الْبشر، فعجزت عَن قياسها، وَجعل الْأَرْوَاح، كَمَا ورد فِي الْخَبَر تحن إِلَى أجناسها، منجد هَذِه الْملَّة، من أوليائه الجلة، بِمن يروض الآمال بعد شماسها، وييسر الْأَغْرَاض قبل التماسها، وَيَعْنِي بتجديد المودات فِي ذَاته وابتغاء مرضاته، على حِين إخلاق

стр. 165

لباسها، الْملك الْحق، وَاصل الْأَسْبَاب بحوله، بعد انتكاب أمراسها، وَمُغْنِي النُّفُوس بِطُولِهِ بعد إفلاسها، حمدا يدر أخلاف النعم، بعد إبساسها، وينثر رمم الآمال من أرماسها، ويقدس النُّفُوس بِصِفَات مَلَائِكَة السَّمَوَات بعد إيلاسها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، سراج الْهِدَايَة ونبراسها، عِنْد اقتناء الْأَنْوَار واقتباسها، مطهر الأَرْض من أوضارها وأدناسها، ومصطفى الله من بَين ناسها، وَسيد الرُّسُل الْكِرَام مَا بَين شيثها وإلياسها، والآتي مهيمنا على آثارها فِي حِين فترتها، وَمن بعد [استياسها] ، مرغم الضراغم فِي أخياسها بعد افترارها وافتراسها، ومعفر أجرام الْأَصْنَام، ومصمت أجراسها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وعترته وأحزابه، حماة شرعته الْبَيْضَاء وحراسها، وملقحى غراسها، لُيُوث الوغى عِنْد احتدام مراسها، وَرُهْبَان الدجا، تتكفل مُنَاجَاة السَّمِيع الْعَلِيم، فِي وَحْشَة اللَّيْل البهيم بإيناسها، وتفاوح نواسم الأسحار عِنْد الاسْتِغْفَار بِطيب أنفاسها. وَالدُّعَاء لخلافتكم الْعلية المستنصرية، بالصنايع الَّتِي تشعشع الْعِزَّة القعساء من أكواسها، وَلَا زَالَت الْعِزَّة الإلهية كفيلة [باحتراسها وامتراسها] وأنباء الْفتُوح المؤيدة بِالْمَلَائِكَةِ وَالروح، ريحَان جلاسها، وآيات المفاخر الَّتِي ترك الأول للْآخر، مكتتبة على الأسطار بأطراسها. وميادين الْوُجُود مجالا لجياد جودها وبأسها. والعز وَالْعدْل منسوبين [لفسطاطها وقسطاسها] . وصحيفة النَّصْر الْعَزِيز تفيض كفها المؤيدة بِاللَّه، على رياسها عِنْد اهتياج أضدادها وسرة انتكاسها، لانتهاب الْبِلَاد وانتهابها، وهبوب ريَاح رياحها، وتمرد مرداسها. [فَإنَّا كتبناه

стр. 166

إِلَيْكُم، كتب الله لكم من كتايب نَصره أمدادا، تذعن أَعْنَاق الْأَيَّام لطاعة ملككم الْمَنْصُور الْأَعْلَام عِنْد إحساسها، وأتاكم من آيَات العنايات آيَة تضرب الصَّخْرَة الصماء مِمَّن عصاها بعصاها، فتبادر بانبحاسها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَأَيَّام الْإِسْلَام، بعناية الْملك العلام، تحتفل وُفُود الْمَلَائِكَة الْكِرَام لولايمها وأعراسها، وطواعن الطعان [فِي عَدو الدّين المعان] تجدّد عريدها بعام عمواسها. وَالْحَمْد لله حمدا معادا، يُقيد شوارد النعم، ويستدر مواهب الْجُود وَالْكَرم، ويؤمن من انتكاب الجدود وانتكاسها، ولي الآمال ومكاسها. وخلافتكم هِيَ [المثابة] الَّتِي تزهي الْوُجُود بمحاسن مجدها، زهو الرياض بوردها وآسها، ونستمد أضواء الْفَضَائِل من مقياسها، وتروي رُوَاة الإفادة والإبادة عَن ضحاكها وعباسها. وَإِلَى هَذَا أَعلَى الله معارج قدركم، وَقد فعل، وأنطق بحجج مجدكم، من احتفى وأنتعل، فَإِنَّهُ وصلنا كتابكُمْ الَّذِي حسبناه على صنائع الله تَمِيمَة لَا تلتمع بعْدهَا عين، وجعلناه على حلل مواهبه، قلادة لَا يحْتَاج مَعهَا زين، ودعوناه من [جيب الكنانة] آيَة بَيْضَاء للكتابة، لم يبْق مَعهَا شكّ وَلَا مين، وقرأنا مِنْهُ وَثِيقَة ود، هضم فِيهَا عَن غَرِيم الزَّمَان دين، ورأينا مِنْهُ إنْشَاء، خدم اليراع بَين يَدَيْهِ مشاء، وسيل عَن مَعَانِيه الاختراع، فَقَالَ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء فأهلا بِهِ من عَرَبِيّ أبي يصف السانح والبانة، وَيبين فَيحسن الْإِبَانَة، أدّى الْأَمَانَة. وسيل عَن حيه فَانْتهى إِلَى كنَانَة، وأفصح وَهُوَ لَا ينبس، وتهللت قسماته، وليل حبره يعبس، وَكَأن خَاتمه المقفل على صوانه، المتحف بباكر الْورْد فِي غير أَوَانه، رعف من مسك عنوانه، وَللَّه من قلم دبج تِلْكَ الْحلَل ونقع بمجاج الدواة

стр. 167

المستمدة من عين الْحَيَاة الغلل , فَلَقَد تخارق فِي الْجُود , مقتديا بالخلافة , الَّتِي خلد فخرها فِي الْوُجُود , فجاد بسر الْبَيَان ولبابه , وسمح فِي سَبِيل الْكَرم [حَتَّى بِمَاء شبابه] وجمح لفرط بشاشته وفهامته , بعد شَهَادَة السَّيْف بشهامته، فَمشى من الترحيب فِي الطرس الرحيب، على أم هامته، وَأكْرم بِهِ من حَكِيم أفْصح بملغوز الإكسير، فِي اللَّفْظ الْيَسِير، وَشرح بِلِسَان الْخَبِير، سر صناعَة التَّدْبِير، كَأَنَّمَا خدم الملكة الساحرة بِتِلْكَ الْبِلَاد، قبل استنجاز الجلاد، فآثرته بالطارف من سجرها والتلاد، أَو غير بالمعلقة، وَتلك الْقَدِيمَة الْمُطلقَة، [من قنية] دَار، أَو كنز تَحت جِدَار، أَو ظفر لمباني الحنايا، قبل أَن تَنْقَطِع بِهِ عَن أمانيه المنايا، ببديعه، أَو خلف جرجير الرّوم، قبل منازلة القروم على وديعه، أَو أسهمه ابْن " أبي سرح فِي نشب لِلْفَتْحِ وسرح، أَو ختم لَهُ روح بن حَاتِم ببلوغ الْمطلب، أَو غلب الحظوظ بِخِدْمَة آل الْأَغْلَب، أَو خصّه زِيَادَة الله بمزيد، أَو شَارك الشِّيعَة فِي أَمر أبي يزِيد، أَو سَار على منهاج فِي مناصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كل هاج، وأعجب لَهُ، وَقد عزز مِنْهُ مثنى الْبَيَان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق الطباع، بَين مثاني الإبداع، ومثالث كَيفَ اقتدر [على هَذَا المحيد] وناصح مَعَ التَّثْلِيث مقَام التَّوْحِيد، نَسْتَغْفِر الله، ولي العون على الصمَّة والصون، فالقلم هُوَ الموحد قبل الْكَوْن، والمتصف من صِفَات السَّادة أولى الْعِبَادَة، بضمور الْجِسْم، وصفرة اللَّوْن، إِنَّمَا هِيَ كَرَامَة فاروقية، وَإِشَارَة من حَدِيث سَارِيَة، وَبَقِيَّة سفر وَجههَا فِي الأعقاب،

стр. 168

بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب عَن كريم جناب، وإصابة السهْم لسواه محسوبة، وَإِلَى الرَّامِي الَّذِي سدده منسوبة، وَلَا تنكر على الْغَمَام بارقة، وَلَا على الْمُحَقِّقين بمقام التَّوْحِيد كَرَامَة خارقة، فَمن شَاءَ الْفضل من غرايب بر وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشُّكْر فِيهَا وَسجد. حديقة بَيَان استثارت نواسم الْإِيدَاع من مهبها، واستنارت غمايم الطباع من مصبها، فَأَتَت أكلهَا مرَّتَيْنِ بِإِذن رَبهَا، لَا بل كَتِيبَة عز طاعنت بقنا الألفات سطورها، فَلَا يرومها النَّقْد وَلَا يطورها، ونزعت عَن قسي النونات خطوطها، واصطفت من بَيَاض الطرس، وَسَوَاد النَّفس. فلق تحوطها، فَمَا كاس المدير على الغدير، بَين الخورنق والسدير، تغامر بِبرد الْحباب، عقول أولي الْأَلْبَاب، وتغرق كسْرَى فِي القباب، وتهدي وَهِي الشمطا نشاط الشَّبَاب، وَقد أَسْرج ابْن سريح وألجم، وأفصح للقريض بعد مَا جمجم، وأعرب الناي الْأَعْجَم، وَوَقع معبدًا بالقضيب، وشرعت فِي حِسَاب العقد بنان الْكَفّ الخضيب، وَكَأن الأنامل فَوق مثالث الْعود ومثانيه، وَعند إغراء الثقيل بثانيه، وَإجَابَة صدا الْغناء بَين مغانيه. المراود تشرع فِي الوشي، أَو العناكب تسرع فِي الْمَشْي، وَمَا الْمخبر بنيل الرغايب، أَو قدوم الحبيب الغايب، لَا بل إِشَارَة البشير [بكم المشير] على العشير، بأجلب للسرور من زايرة الْمُلْتَقى بالبرور، وأدعى للحبور من سفيره الْمُبْهِج للسفور، فَلم ير مثله من كَتِيبَة كتاب تجنب الجرد [تمرح] فِي الأرسان. وتتشوف مجالي ظُهُورهَا إِلَى عرايس الفرسان، وتهز معاطف الأرتياح من صهيلها الصراح بالنغمات الحسان إِذا أوجست. الصَّرِيخ بارحت إثناء الأعنة، وكاثرت بأسنة آذانها

стр. 169

مشرعة الأسنة، فَإِن ادّعى الظليم إثكالها، فَهُوَ ظَالِم، أَو نَازع الظبي هواديها وأكفالها فَهُوَ هاد أَو حالم. وَإِن سُئِلَ الْأَصْمَعِي عَن عُيُوب الْغرَر والأوضاح، قَالَ مُشِيرا إِلَى وجوهها الصَّباح، " جلدَة بَين الْأنف وَالْعين سَالم "، من كل عبل الشوى، مسابق النَّجْم إِذا هوى، سامي التليل، عريض مَا تَحت الشليل، ممشوقة أعطافه بمنديل النسيم البليل، من أَحْمَر كالمدام، تجلي على الندام عقب الْفِدَام أتحف لَونه بالورد، فِي زمن الْبرد، وَحيا أفق محياه بكوكب السعد، وتشوف الواصفون إِلَى عد محاسنه، فأعيت عَن الْعد، بَحر يساجل الْبَحْر عِنْد الْمَدّ، وريح تباري الرّيح عِنْد الشد بالذراع الأشد، حكم لَهُ مُدبر الْفلك باعتدال فصل الْقد، وميزه قدره الْمُمَيز يَوْم الاستباق بقصب السباق، عِنْد اعْتِبَار الْجد. وَولد مختط غرته أشكال الْجمال على الْكَمَال، بَين الْبيَاض والحمرة، ونقا الخد، وَحفظ رِوَايَة الْخلق الْوَجِيه عَن جده الْوَجِيه. وَلَا تنكر الرِّوَايَة عَن الْحَافِظ بن الْجد. وأشقر ذهبي الْخلق وَالْوَجْه الطلق، أَن يحقر كَأَنَّمَا صِيغ عَن العسجد، وطرف بالدر، وأنعل بالزبرجد، ووسم فِي الحَدِيث بسمة [الْيمن و] الْبركَة، واختص بفلج الْخِصَام عِنْد استنجاز المعركة وَانْفَرَدَ بمضاعف السِّهَام المنكسرة، على الْهَام فِي الْفَرَائِض الْمُشْتَركَة. واتصل فلك كفله، بحركتي الإدارة، والطبع من أَصْنَاف الْحَرَكَة. أصغي إِلَى السما بِإِذن الملهم، وأغرى لِسَان الصميل. عِنْد التباس مَعَاني المهمز، والتسهيل بِبَيَان الْمُبْهم. وفتنت الْعُيُون من ذهب جِسْمه، ولجين نجمه، بحب الدنير وَالدِّرْهَم، فَإِن انقض فرجم، أَو ريح لما هجم، اعْترض فشفق لَاحَ بِهِ للنجم نجم، واصفر

стр. 170

قيد الأوابد الْحرَّة، وَأمْسك المحاسن، وَأطلق الْغرَّة، وسيل من أَنْت فِي قواد الكتايب وَأولى الْأَخْبَار العجايب، فَقَالَ أَنا الْمُهلب بن أبي صفرَة، نرجس هَذِه الألوان فِي رياض الأكوان، تحيا بِهِ محيا الْحَرْب الْعوَان، أغار بنخوة الصايل، على معصفرات الأصايل، فارتداها، وَعمد إِلَى خيوط [شُعَاع] الشَّمْس، عِنْد جانحة الأمس، فألجم مِنْهَا حلته وأسداها، واستعدت عَلَيْهِ تِلْكَ المحاسن فَمَا أعداها، فَهُوَ أصيل تمسك بذيل اللَّيْل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من القتام ليله، فيحسده فرقد الْأُفق وسهيله. وَأَشْهَب سني من لَونه مفاضة، [وتسربل مِنْهُ] لَامة فضفاضة، قد احتفل زينه لما رقم بالنبال لجيه، فَهُوَ الأشمط الَّذِي حَقه لَا يغمط، والدارع المسارع، والأعزل الذارع، وراقي الهضاب الفارع. ومكتوب الكتيبة البارع. وَأكْرم بِهِ من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السَّابِقين متهالك، وَأَشْهَب يروي من الْخَلِيفَة ذِي الشيم المنيفة عَن مَالك. وحباري كلما سَابق وبارى، اسْتعَار جنَاح الخبارى، فَإِذا أعملت الْحِسْبَة، قيل من هَذَا جَاءَت النِّسْبَة، طرد [النمر لما عظم] أمره وَأمره، فنسخ وجوده بِعَدَمِهِ، [وابتزه الفروة] ملطخة بدمه. وَكَأن مضاعف الْورْد نثر عَلَيْهِ من طبقه، أَو الْفلك لما ذهب الحلك، مزج بَيَاض صبحه بحمرة شفقه، وقرطاسى حَقه لَا يجهل، مَتى مَا ترقى الْعين فِيهِ تسهل، إِن نزع عَنهُ جله، فَهُوَ نجم كُله، انْفَرد بمادة الألوان، قبل أَن [تثريها] الأكوان، وتمزقها أَقْلَام الملوان. تتقدم مِنْهُ الكتيبة المقفلة لِوَاء ناصع، أَو أَبيض مماصع،

стр. 171

لبس وقار الشيب فِي ريعان الْعُمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إِلَى نَغمَة الْخَطِيب. وَإِن تعتب مِنْهُ التَّأْخِير المقتب، قُلْنَا الْوَاو لَا ترَتّب، مَا بَين فَحل وحرة، وبهرمانة ودرة، ويالله من ابتسام غرَّة، ووضوح يمن فِي طرة، وبهجة للعين وقرة. وَإِن ولع النَّاس بامتداح الْقَدِيم، وطمح إِلَى رُتْبَة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثرى بالعديم، وبخس فِي سوق الكسد الْكَيْل، ودجا اللَّيْل، وَظهر فِي فلك الْإِنْصَاف الْميل، لما تذوكرت الْخَيل، فجيء بالوجيه والخطار، والزايد وَذي الْحمار، وداحس والسكب، والأبحر وَزَاد الركب، والجموح واليحموم، والكميت ومكتوم، والأعوج والحلوان، ولاحق والغضبان، وعفروز والزعفران، والمحبر واللعاب، والأغر والغراب، وشقلة وَالْعِقَاب، والفياض واليعبوب، وَالْمذهب واليعسوب، والصحون والقطيب، وهيدب والصبيب، وأهلوب وهداج، والحرون والحراج، وعلوي والجناح، والأحوى ومحاح، والعصا والنعامة، والمبلقا والحمامة، وسكاب والجرادة، وخبوصا والعرادة. وَكم بَين الشَّاهِد والغايب، والفروض والرغايب، وَفرق مَا بَين الْأَثر والعيان، غَنِي عَن الْبَيَان، وشتان مَا بَين الصَّرِيح والمشتبه، وَللَّه در القايل " خُذ مَا ترَاهُ، ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ "، والناسخ يخْتَلف بِهِ الحكم، وَشر الدَّوَابّ عِنْد التَّفْضِيل الصم والبكم، إِلَّا مَا رَكبه نَبِي، أَو كَانَ لَهُ يَوْم الافتخار برهَان مرعى، ومفضل مَا سمع على مَا رأى غبي. فَلَو أنصفت محاسنها الَّتِي وصفت، لأقضمت حب الْقُلُوب علفا، وأوردت مَاء الشبيبة نطفا، وتخذت لَهَا من عذر الخدود الملاح عذر موشية، وعللت بصفير ألحان القيان كل عَشِيَّة، وأهلت بِالْأَهِلَّةِ، وغطيت بالرياض بدل الأجلة إِلَى

стр. 172

الرَّقِيق، الخليق بالْحسنِ الْحقيق، تسوقه إِلَى مثوى الرِّعَايَة روقة الفتيان رعاته، وتهدي عقيقها من سبحه أشكالا، تشهد للمخترع سُبْحَانَهُ، بإحكام مخترعاته، وقفت نَاظر الِاسْتِحْسَان لَا يريم لما بهرها منظره الْكَرِيم، وتحامل الظليم، وتضاءول الريم. وأخرص مفوه اللِّسَان [بملكة التِّبْيَان] الحفيظ الْعَلِيم. وناب لِسَان الْحَال عَن لِسَان الْمقَال عِنْد الاعتقال. فَقَالَ يُخَاطب الْمقَام، الَّذِي أطلعن أزهارها غمايم جوده، واقتضت اخْتِيَارهَا بركَة وجوده. لَو علمنَا أَيهَا الْملك الْأَصِيل، الَّذِي كرم مِنْهُ الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، أَن الثَّنَاء يوازيها، لكلنا لَك بكيلك. أَو الشُّكْر يعادلها أَو يجازيها، لتعرضنا بالوشل إِلَى نيل نبلك، أَو قُلْنَا هِيَ الَّتِي أَشَارَ أَشَارَ إِلَيْهَا مستصرخ سلفك الْمُسْتَنْصر بقوله: " أدْرك بخيلك "، حِين شَرق بدمعه الشرق، وَانْهَزَمَ الْجمع، وَاسْتولى الْفرق، واتسع فِيهِ، وَالْحكم لله، الْخرق، وَرَأى أَن مقَام التَّوْحِيد بالمظاهرة على التليث , وَحزبه الْخَبيث , هُوَ الأولى والأحق. والان قد أغْنى الله بِتِلْكَ النِّيَّة , عَن الأمداد اتِّخَاذ الطوَال الردينية , وبالدعاء من تِلْكَ المثابة الدِّينِيَّة , إِلَى رب البنية عَن الأمداد السّنيَّة , والأجواد تخوض بَحر المَاء " لى بَحر الْمنية , وَعَن الجرد الْعَرَبيَّة فِي مقاود الليوث الأبية , فجدد برسم هَذِه الْهَدِيَّة , مراسم العهود الودية , والذمم الموحدية , لتَكون عَلامَة على الأَصْل , ومكذبة لدعوى الْوَقْف والفصل , وإشعارا بالألفة الَّتِي لاتزال ألفها بحول الله , ألف الْوَصْل , لامها حَرَامًا على النصل. وَحضر بَين يدينا رَسُولكُم فلَان , فقرر من فَضلكُمْ , مَا لَا يُنكره من عرف علو مقداركم , وأصالة داركم , وفلك أبداركم , وقطب مداركم , واجبنا عَنهُ بِجهْد مَا كُنَّا لنقنع من جناه المهتصر , بالمقتضب الْمُخْتَصر , وَلَا لنقابل طول طوله بِالْقصرِ , لَوْلَا طروء الْحصْر. وَقد كَانَ بَين الأسلاف , رضوَان الله عَلَيْهِم ود أبرمت من أجل الله

стр. 173

معاهدة ووثرت للخلوص الجلى الْمَنْصُوص , مضاجعه القارة ومراقده [وتعاهد بالجميل] توجع لفقده فِيمَا سلف فاقده , أَبى الله إِلَّا أَن يكون لكم الْفضل فِي تجديده , والعطف بتوكيده. فَنحْن الْآن لَا نَدْرِي أَي مكارمكم تذكر , أَو أَي فواضلكم تشرح أَو تشكر. أمفاتحتكم الَّتِي هِيَ عندنَا فِي الْحَقِيقَة فتح , أم هديتكم , وَفِي وصفهَا للأقلام سبح , ولعدو الْإِسْلَام بحكمة حكمتها كبح. إِنَّمَا نكل الشُّكْر لمن يُوفي جَزَاء الْأَعْمَال الْبرة , وَلَا يبخس مِثْقَال ذرة , وَلَا أدنى من مِثْقَال الذّرة , ذى الرَّحْمَة الثرة , والألطاف المستمرة , لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. وَإِن تشوفتم إِلَى الْأَحْوَال الراهنة , وَأَسْبَاب الْكفْر الواهنة , فَنحْن نطرفكم بطرفها , وَهُوَ أننا كَمَا أعادنا الله من التمحيص , إِلَى مثابة التَّخْصِيص , من بعد المرام العويص , كحلنا بِتَوْفِيق الله بصر البصيرة , ووقفنا على سَبيله مساعي الْحَيَاة القصيرة , ورأينا كَمَا نقل إِلَيْنَا , وَكرر من قبلنَا وعلينا , أَن الدُّنْيَا وَإِن غر الْغرُور , وَأقَام على سرر الْغَفْلَة السرُور , فَلم ينفع الخطور على أجداث الزَّمَان. والمرور جسر يعبر ومتاع لَا يغبط , من حبى بِهِ وَلَا يجْبر , إِنَّمَا هُوَ خبر فِيهِ يخبر , وَأَن الْأَعْمَار أَحْلَام , وَأَن النَّاس نيام ووربما رَحل الراحل عَن الخان قد جلله بالأذى وبالدخان , أَو ترك بعده طيبا وثنا يقوم بعده للآتي خَطِيبًا. فَجعلنَا الْعدْل فِي الْأُمُور ملاكا , والتفقد للثغور مسواكا , وضجيع المهاد , حَدِيث الْجِهَاد , وَأَحْكَامه منَاط الِاجْتِهَاد , وَقَوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم﴾ دَلِيل الْإِشْهَاد. وبادرنا رَمق الْحُصُون المضاعة , وجنح

стр. 174

التقية دامس، وعوراته لَا ترد يَد لامس، وساكنها بايس، والأعصم فِي شعباتها من الْعِصْمَة آيس. فرتبنا ببيض الشرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الْفُرَات ركاياها، وغشينا بالصفيح المضاعف أَبْوَابهَا، واحتسبنا عِنْد موفي الأجور ثَوَابهَا، وبيضنا بناصع الكلس أثوابها. فَهِيَ الْيَوْم توهم حسن العيان أَنَّهَا قطع من بيض الْعَنَان، تكَاد تنَاول قرص الْبَدْر بالبنان، متكفلة لِلْمُؤمنِ من قرع الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدونة الْجَيْش عرضا، وفرضنا أنصافه مَعَ الْأَهِلّة فرضا، واستندنا من التَّوَكُّل على الله الْغَنِيّ الحميد إِلَى ظلّ لِوَاء، ونبذنا إِلَى الطاغية عَهده على سَوَاء، وَقُلْنَا رَبنَا أَنْت الْعَزِيز، وكل جَبَّار لعزك ذليل، وحزبك هُوَ الْكثير، وَمَا سواهُ فقليل، أَنْت الْكَافِي، وَوَعدك الْوَعْد الوافي، فأفض علينا مدارع الصابرين، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظافرين. [وَثَبت اقدامنا، وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين] . فتحركنا أولى الحركات، وفاتحة مصحف البركات، فِي خف من الحشود، واقتصار على من بحضرتنا من العساكر المظفرة والجنود، إِلَى حصن أشر السَّامِي المطل، وركاب الْعَدو الضال المضل، ومهدي نفثات الصل، على لمتناعه وارتفاعه، وَسمر يفاعه، وَمَا بذل الْعَدو فِيهِ من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، فصلينا عَلَيْهِ بنفسنا ناره، وزاحمنا عَلَيْهِ الشُّهَدَاء نصابر أواره، ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه [المسمومة وجلاسده] الملومة وأحجاره، حَتَّى فرعنا بحول الله،

стр. 175

من لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ، أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عَن الْعباد والبلاد أضراره، بعد أَن أضفنا إِلَيْهِ حصن السهلة جَاره، ورحلنا عَنهُ بعد أَن شحناه رابطة وحامية، [وأوسعناه] أزوادا نامية، وعملنا بيدنا فِي رم مَا ثلم الْقِتَال، وبقر من بطُون مسابقه الرِّجَال، واقتدينا بنبينا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، فِي الخَنْدَق، لما حمى ذَلِك المجال، وَوَقع الارتجاز الْمَنْقُول خَبره والارتحال، وَمَا كَانَ لِيُقِر الْإِسْلَام مَعَ تَركه الْقَرار، وَقد كتب الْجوَار، وتداعي الدعْوَة وتعاون الشرار. وَقد كُنَّا أغزينا الْجِهَة الغربية من الْمُسلمين، مَدِينَة برغة، الَّتِي سدت بَين القاعدتين رندة ومالقة الطَّرِيق، وألبست ذل الْفِرَاق، ذَلِك الْفَرِيق، ومنعتهما أَن يسيغا الرِّيق، فَلَا سَبِيل إِلَى الْإِلْمَام لطيف الْمَنَام إِلَّا فِي الأحلام، وَلَا رِسَالَة إِلَّا فِي أَجْنِحَة هدى الْحمام، فيسر الله فتحهَا، وَعجل منحها، بعد حَرْب انبتت فِيهَا النحور، وتزينت الْحور. وَتبع هَذِه الْأُم بَنَات شهيرة، وبقع للزَّرْع والضرع خيرة، فشفى الثغر من بوسه، وتهلل وَجه الْإِسْلَام بِتِلْكَ النَّاحِيَة بعد عبوسه. ثمَّ أعملنا الْحَرَكَة إِلَى مَدِينَة أطريرة على بعد المدا، وتغلغلها فِي بِلَاد العدا، واقتحام هول البلا وغول الردى، مَدِينَة تبنتها حمص فَأَوْسَعْت الدَّار، وأغلت الشوار، وراعت الاستكثار، وَبسطت الاعتمار. رجح إِلَيْنَا قَصدهَا على الْبعد، وَالطَّرِيق الْجَعْد، مَا أسفت بِهِ الْمُسلمين، من استيصال طايفة من أَسْرَاهُم، مروا بهَا آمِنين، وبظاهرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم الاعتقال والقيود الثقال، وأضرعهم الأسار، وجللهم الانكسار، فجدلوهم فِي

стр. 176

مصرع وَاحِد، وتركوهم عِبْرَة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إِلَى الْإِسْلَام ثكل الْوَاجِد، وثرة الْمَاجِد. فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لَا يضل وَلَا ينسى. فصبحتها الْخَيل، ثمَّ تلاحق الرجل، كَمَا جن السَّيْل، وحاق بهَا الويل، فأبيح مِنْهَا الذمار، وَأَخذهَا الدمار، ومحقت من مصانعها الْبيض الآهلة، وخسفت الأقمار، وشفيت من دَمًا أَهلهَا الضلوع الجرار، وسلطت على هياكلها النَّار، وَاسْتولى على الْآلَات العديدة من سبيهَا الأسار، وانْتهى إِلَى إشبيلية الثكلى المغار، فجلل وُجُوه من بهَا من وُجُوه كبار النَّصْرَانِيَّة الصغار، واستولت الْأَيْدِي على مَا لَا يَسعهُ الْوَصْف، وَلَا تقله الأوقار. وعدنا وَالْأَرْض تموج سبيا، لم تتْرك بعفرين شبلا، وَلَا بوجرة ظَبْيًا، والعقايل حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى [وصبح السرى قد حمد من بعد بعد المسرى، فسبحان الَّذِي أسرى، ولسان الحمية يُنَادي فِي تِلْكَ الْكَنَائِس المخربة والنوادي، بالثارات الأسرى] . وَلم يكن إِلَّا أَن نقلت الْأَنْفَال، ووسمت، ورسمت بالإيضاح الأغفال، وتميزت الهوادي والأكفال. وَكَانَ إِلَى غَزْو مَدِينَة جيان الاحتفال، قدنا إِلَيْهَا الجرد تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رَضِي بِمَا عندالله واغتباطا، والمهندة الدلق تسبق إِلَى الرّقاب استلالا واختراطا، والردينية السمر تسترط حَيَاتهَا النُّفُوس استراطا. واستكثرنا من عدد الْقِتَال احْتِيَاطًا، وَأَرِحْنَا الْعِلَل عَمَّن أَرَادَ جهادا، منجيا غباره من نَار جَهَنَّم ورباطا، ونادينا الْجِهَاد الْجِهَاد يَا أمة النَّبِي الْهَاد، الْجنَّة الْجنَّة تَحت ظلال السيوف الْحداد، فهز [النداء] إِلَى الله

стр. 177

كل عَامر وغامر، وائتمر الجم من دَعْوَة الْحق إِلَى أَمر آمُر. وَآتى النَّاس من الفجوج العميقة رجَالًا، وعَلى كل ضامر، وكاثرت الرياض أزهار البطاح لونا وَعدا، وسدت الحشود مسالك الطّرق العريضة سدا وَمد بحرها الزاخر مدا، فَلَا يجد لَهَا النَّاظر وَلَا المناظر حدا. وَهَذِه الْمَدِينَة هِيَ الْأُم الْوَلُود، وَالْجنَّة الَّتِي فِي النَّار لسكانها الخلود، وكرسي الْملك، ومجنبته الْوُسْطَى من ذَلِك السلك، باءت باالمزايا العديدة ونجحت، وَعند الْوزان بغَيْرهَا من أمات الْبِلَاد رجحت، غَابَ الْأسود وجحر الْحَيَّات السود، ومنصب التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس الصايلة. وأدنينا إِلَيْهَا المراحل، وعينا ببحار المحلات المستقلات مِنْهَا على السَّاحِل. وَلما اكتسبنا جوارها، وكدنا نلتمح نارها، تحركنا، ووشاح الْأُفق المرقوم بزهر النُّجُوم، قد دَار دايره، وَاللَّيْل من خوف الصَّباح [على سرحه المستباح] قد شابت غدايره، والنسر يرفرف بِالْيمن طايره، والسماك والرماح يثأر بعز الْإِسْلَام ثائره، والنعايم راعدة [فرائص] الْجَسَد من خوف الْأسد، والقوس يُرْسل سهم السَّعَادَة، بِوتْر الْعَادة، إِلَى أهداب النعم الْمُعَادَة، والجوزاء عابرة نهر المجرة، والزهرة تغار من الشعرى، العبور بالضرة، وَعُطَارِد يسدي فِي حَبل الحروب على الْبَلَد المحروب ويلحم، ويناظر أشكالها الهندمية فيفحم، والأحمر يبهر، وَالْعلم [الْأَبْيَض يفري وينهر] وَالْمُشْتَرِي يُبْدِي فِي فضل الْجِهَاد وَيُعِيد، ويزاحم فِي الحلقات على مَا للسعادة من الصِّفَات وَيزِيد، وزحل عَن الطالع منزحل، وَفِي زلق السُّقُوط وَحل، والبدر يطارح حجر المنجنيق كَيفَ يهوى إِلَى النيق، ومطلع الشَّمْس يرقب، وجدار الْأُفق يكَاد بالعيون عَنْهَا يرقب

стр. 178

وَلما فَشَا سر الصَّباح، واهتزت أعطاف الرَّايَات لتحيات مُبَشِّرَات الرياحٍ، أطلنا عَلَيْهَا إطلال الْأسود على الفرايس، والفحول على العرايس، فَنَظَرْنَا منْظرًا يروع بَأْسا ومنعة، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت معاقله الشم للسحاب ببرود، ووردت من عذر المزن فِي برود , وأسرعت لاقتطاف أزهار النُّجُوم [والذراع بَين النطاق] معاصم رَود , وبلد يعي الماسح والدراع , وينتظم المجاني والأجارح. فَقُلْنَا اللَّهُمَّ نفله أَيدي عِبَادك وبلادك , وأرنا فِيهِ آيَة من آيَات جهادك. فنزلنا بساحتها العريضة الْمُتُون , نزُول الْغَيْث الهتون , وتيمنا من فحصها الأفيح , بِسُورَة التِّين وَالزَّيْتُون , متبرية من أَمَان الرَّحْمَن للبلد الْمفْتُون , وأعجلنا النَّاس بحمية نُفُوسهم النفيسة , وسجية شجاعتهم البييسة، عَن أَن نبوي لِلْقِتَالِ المقاعد، وندني بأسماع شهير النفير مِنْهُم الأباعد. وَقبل أَن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق رَكْعَتي الْقدوم، فدافعوا من أصحر إِلَيْهِم من الفرسان، وَسبق الى حومة الميدان، حَتَّى أحجروهم فِي الْبَلَد، وسلبوهم لِبَاس الْجلد، فِي موقف يذهل الْوَالِد عَن الْوَلَد، صابت السِّهَام فِيهِ غماما، وطارت كأسراب الْحمام تهدي حَماما، وأضحت القنا قصدا بعد أَن كَانَت شهابا رصدا، وماج بَحر القتام بأمواج النصول، وَأخذ الأَرْض الرجفان لزلزال الصَّباح الْمَوْصُول، فَلَا ترى إِلَّا شَهِيدا تظلل مصرعه الْحور، وصريعا تقذف بِهِ الى السَّاحِل تِلْكَ البحور [ونواشب تبأى] بهَا الْوُجُوه الوجيهة عِنْد الله والنحور. فالمقضب فوده يخصب، والأسمر غصنه يستثمر، والمغفر حماه يخفر، وَظُهُور القسى تفصم، وعصم الْجند الكوافر تفصم، ودرق اليلب فِي المنقلب يسْقط،

стр. 179

والبتر يكْتب، والسمر تنقط. فاقتحم الربض الْأَعْظَم لحينه، وَأظْهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشَّيْطَان من خدينه، وبهت الْكفَّار وخذلوا، وكل مصرع جدلوا. ثمَّ دخل الْبَلَد بعده غلابا، وجلل قتلا واستلابا، فَلَا تسل إِلَّا الظبا والأسل عَن قيام سَاعَته، وهول يَوْمهَا وشناعته، وتخريب المبايت والمباني، وغنى الْأَيْدِي من خزاين تِلْكَ المغاني، وَنقل الْوُجُود الأول إِلَى الْوُجُود الثَّانِي، وتخارق السَّيْف فجار بِغَيْر الْمُعْتَاد، ونهلت القنا الردينية من الدما حَتَّى كَادَت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسى وسحت، وأربت حَتَّى بحت، ونفذت موادها فشحت بِمَا ألحت، وسدت المسالك جثت الْقَتْلَى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وَقطع الدابر، وأزلف الشَّهِيد، وأحسب الصابر، وسبقت رسل الْفَتْح الَّذِي لم يسمع بِمثلِهِ فِي الزَّمن الغابر، تنقل الْبُشْرَى من أَفْوَاه المحابر إِلَى أَذَان المنابر. أَقَمْنَا بهَا أَيَّامًا نعقر الْأَشْجَار، ونستأصل بالتخريب الوجار، ولسان الانتقام من عَبدة الْأَصْنَام يُنَادي يَا لثارات الْإسْكَنْدَريَّة تشفيا من الْفجار، ورعيا لحق الْجَار. وقفلنا وَأَجْنِحَة الرَّايَات برياح العنايات خافقة، وأوفاق التَّوْفِيق الناشية من خطوط الطَّرِيق وأسواق الْعِزّ بِاللَّه نافقة، وحملاء الرِّفْق مصاحبة، وَالْحَمْد لله مرافقة، وَقد ضَاقَتْ ذروع الْجبَال عَن أَعْنَاق [الصب السيال] ، وَرفعت على الأكفال ردفا كرايم الْأَنْفَال، وقلقلت من النواقيس أجرام الْجبَال، بالهندام والاحتيال، وَهَلَكت بِهَلَاك هَذَا الْأُم بَنَات [كن يرتضعن] ثديها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل. وَشَمل التخريب أسوارها، وعجلت النَّار بوادرها.

стр. 180

ثمَّ تحركنا بعْدهَا حَرَكَة الْفَتْح، وَأَرْسَلْنَا الأدلاء قبل الْمنح، فبشرت بالمنح، وقصدنا مَدِينَة أبدة، وَهِي ثَانِيَة الجناحين، وكبرى الْأُخْتَيْنِ، ومساهمة جيان فِي ذِي الْحِين، مَدِينَة أخذت عريض الفضا الأخرق، وتمشت فِيهِ أرباضها تمشي الْكِتَابَة الجامحة فِي المهرق، الْمُشْتَملَة على المتاجر والمكاسب [والوضع المتناسب] والفلح المعي عده على الحاسب، وكورة الدَّيْر اللاسب، المتعددة اليعاسب، فَأَنَاخَ العفا بربوعها العامرة، ودارت عقار كؤوس عقار الحتوف، ببنان السيوف على متديرها المعاقرة، وصبحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول الباقرة. وَدخلت مدينتها عنْوَة السَّيْف، فِي أسْرع من خطرة الطيف، وَلَا تسل عَن الكيف، فَلم يبلغ العفا من مَدِينَة حافلة، وعقيلة فِي حلل المحاسن رافلة، مَا بلغ من هَذِه البائسة الَّتِي سجدت لآلهة النَّار أبراجها [وتضاءل بالرغام معراجها] ، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان. ثمَّ تأهبنا لغزو أم الْقرى الْكَافِرَة، وخزاين المداين الوافرة، وربة الشُّهْرَة السافرة والأنباء المسافرة، قرطبة، وَمَا أدريك مَاهِيَّة، ذَات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني المباهية، والزهراء المزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حَيْثُ هَالة بدر السما قد استدارت من السُّور المشيد الْبناء دَارا، ونهر المجرة من نهرها الْفَيَّاض، المسلول حسامه من غمد [الْفَيَّاض] قد لصق بهَا جارا، وفلك الدولاب المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، وَرجع
следующие страницы →