Полный текст (979 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
مصرع وَاحِد، وتركوهم عِبْرَة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إِلَى الْإِسْلَام ثكل الْوَاجِد، وثرة الْمَاجِد. فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لَا يضل وَلَا ينسى. فصبحتها الْخَيل، ثمَّ تلاحق الرجل، كَمَا جن السَّيْل، وحاق بهَا الويل، فأبيح مِنْهَا الذمار، وَأَخذهَا الدمار، ومحقت من مصانعها الْبيض الآهلة، وخسفت الأقمار، وشفيت من دَمًا أَهلهَا الضلوع الجرار، وسلطت على هياكلها النَّار، وَاسْتولى على الْآلَات العديدة من سبيهَا الأسار، وانْتهى إِلَى إشبيلية الثكلى المغار، فجلل وُجُوه من بهَا من وُجُوه كبار النَّصْرَانِيَّة الصغار، واستولت الْأَيْدِي على مَا لَا يَسعهُ الْوَصْف، وَلَا تقله الأوقار. وعدنا وَالْأَرْض تموج سبيا، لم تتْرك بعفرين شبلا، وَلَا بوجرة ظَبْيًا، والعقايل حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى [وصبح السرى قد حمد من بعد بعد المسرى، فسبحان الَّذِي أسرى، ولسان الحمية يُنَادي فِي تِلْكَ الْكَنَائِس المخربة والنوادي، بالثارات الأسرى] .
وَلم يكن إِلَّا أَن نقلت الْأَنْفَال، ووسمت، ورسمت بالإيضاح الأغفال، وتميزت الهوادي والأكفال. وَكَانَ إِلَى غَزْو مَدِينَة جيان الاحتفال، قدنا إِلَيْهَا الجرد تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رَضِي بِمَا عندالله واغتباطا، والمهندة الدلق تسبق إِلَى الرّقاب استلالا واختراطا، والردينية السمر تسترط حَيَاتهَا النُّفُوس استراطا. واستكثرنا من عدد الْقِتَال احْتِيَاطًا، وَأَرِحْنَا الْعِلَل عَمَّن أَرَادَ جهادا، منجيا غباره من نَار جَهَنَّم ورباطا، ونادينا الْجِهَاد الْجِهَاد يَا أمة النَّبِي الْهَاد، الْجنَّة الْجنَّة تَحت ظلال السيوف الْحداد، فهز [النداء] إِلَى الله
стр. 177
كل عَامر وغامر، وائتمر الجم من دَعْوَة الْحق إِلَى أَمر آمُر. وَآتى النَّاس من الفجوج العميقة رجَالًا، وعَلى كل ضامر، وكاثرت الرياض أزهار البطاح لونا وَعدا، وسدت الحشود مسالك الطّرق العريضة سدا وَمد بحرها الزاخر مدا، فَلَا يجد لَهَا النَّاظر وَلَا المناظر حدا. وَهَذِه الْمَدِينَة هِيَ الْأُم الْوَلُود، وَالْجنَّة الَّتِي فِي النَّار لسكانها الخلود، وكرسي الْملك، ومجنبته الْوُسْطَى من ذَلِك السلك، باءت باالمزايا العديدة ونجحت، وَعند الْوزان بغَيْرهَا من أمات الْبِلَاد رجحت، غَابَ الْأسود وجحر الْحَيَّات السود، ومنصب التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس الصايلة. وأدنينا إِلَيْهَا المراحل، وعينا ببحار المحلات المستقلات مِنْهَا على السَّاحِل. وَلما اكتسبنا جوارها، وكدنا نلتمح نارها، تحركنا، ووشاح الْأُفق المرقوم بزهر النُّجُوم، قد دَار دايره، وَاللَّيْل من خوف الصَّباح [على سرحه المستباح] قد شابت غدايره، والنسر يرفرف بِالْيمن طايره، والسماك والرماح يثأر بعز الْإِسْلَام ثائره، والنعايم راعدة [فرائص] الْجَسَد من خوف الْأسد، والقوس يُرْسل سهم السَّعَادَة، بِوتْر الْعَادة، إِلَى أهداب النعم الْمُعَادَة، والجوزاء عابرة نهر المجرة، والزهرة تغار من الشعرى، العبور بالضرة، وَعُطَارِد يسدي فِي حَبل الحروب على الْبَلَد المحروب ويلحم، ويناظر أشكالها الهندمية فيفحم، والأحمر يبهر، وَالْعلم [الْأَبْيَض يفري وينهر] وَالْمُشْتَرِي يُبْدِي فِي فضل الْجِهَاد وَيُعِيد، ويزاحم فِي الحلقات على مَا للسعادة من الصِّفَات وَيزِيد، وزحل عَن الطالع منزحل، وَفِي زلق السُّقُوط وَحل، والبدر يطارح حجر المنجنيق كَيفَ يهوى إِلَى النيق، ومطلع الشَّمْس يرقب، وجدار الْأُفق يكَاد بالعيون عَنْهَا يرقب
стр. 178
وَلما فَشَا سر الصَّباح، واهتزت أعطاف الرَّايَات لتحيات مُبَشِّرَات الرياحٍ، أطلنا عَلَيْهَا إطلال الْأسود على الفرايس، والفحول على العرايس، فَنَظَرْنَا منْظرًا يروع بَأْسا ومنعة، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت معاقله الشم للسحاب ببرود، ووردت من عذر المزن فِي برود , وأسرعت لاقتطاف أزهار النُّجُوم [والذراع بَين النطاق] معاصم رَود , وبلد يعي الماسح والدراع , وينتظم المجاني والأجارح. فَقُلْنَا اللَّهُمَّ نفله أَيدي عِبَادك وبلادك , وأرنا فِيهِ آيَة من آيَات جهادك. فنزلنا بساحتها العريضة الْمُتُون , نزُول الْغَيْث الهتون , وتيمنا من فحصها الأفيح , بِسُورَة التِّين وَالزَّيْتُون , متبرية من أَمَان الرَّحْمَن للبلد الْمفْتُون , وأعجلنا النَّاس بحمية نُفُوسهم النفيسة , وسجية شجاعتهم البييسة، عَن أَن نبوي لِلْقِتَالِ المقاعد، وندني بأسماع شهير النفير مِنْهُم الأباعد. وَقبل أَن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق رَكْعَتي الْقدوم، فدافعوا من أصحر إِلَيْهِم من الفرسان، وَسبق الى حومة الميدان، حَتَّى أحجروهم فِي الْبَلَد، وسلبوهم لِبَاس الْجلد، فِي موقف يذهل الْوَالِد عَن الْوَلَد، صابت السِّهَام فِيهِ غماما، وطارت كأسراب الْحمام تهدي حَماما، وأضحت القنا قصدا بعد أَن كَانَت شهابا رصدا، وماج بَحر القتام بأمواج النصول، وَأخذ الأَرْض الرجفان لزلزال الصَّباح الْمَوْصُول، فَلَا ترى إِلَّا شَهِيدا تظلل مصرعه الْحور، وصريعا تقذف بِهِ الى السَّاحِل تِلْكَ البحور [ونواشب تبأى] بهَا الْوُجُوه الوجيهة عِنْد الله والنحور. فالمقضب فوده يخصب، والأسمر غصنه يستثمر، والمغفر حماه يخفر، وَظُهُور القسى تفصم، وعصم الْجند الكوافر تفصم، ودرق اليلب فِي المنقلب يسْقط،
стр. 179
والبتر يكْتب، والسمر تنقط. فاقتحم الربض الْأَعْظَم لحينه، وَأظْهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشَّيْطَان من خدينه، وبهت الْكفَّار وخذلوا، وكل مصرع جدلوا. ثمَّ دخل الْبَلَد بعده غلابا، وجلل قتلا واستلابا، فَلَا تسل إِلَّا الظبا والأسل عَن قيام سَاعَته، وهول يَوْمهَا وشناعته، وتخريب المبايت والمباني، وغنى الْأَيْدِي من خزاين تِلْكَ المغاني، وَنقل الْوُجُود الأول إِلَى الْوُجُود الثَّانِي، وتخارق السَّيْف فجار بِغَيْر الْمُعْتَاد، ونهلت القنا الردينية من الدما حَتَّى كَادَت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسى وسحت، وأربت حَتَّى بحت، ونفذت موادها فشحت بِمَا ألحت، وسدت المسالك جثت الْقَتْلَى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وَقطع الدابر، وأزلف الشَّهِيد، وأحسب الصابر، وسبقت رسل الْفَتْح الَّذِي لم يسمع بِمثلِهِ فِي الزَّمن الغابر، تنقل الْبُشْرَى من أَفْوَاه المحابر إِلَى أَذَان المنابر.
أَقَمْنَا بهَا أَيَّامًا نعقر الْأَشْجَار، ونستأصل بالتخريب الوجار، ولسان الانتقام من عَبدة الْأَصْنَام يُنَادي يَا لثارات الْإسْكَنْدَريَّة تشفيا من الْفجار، ورعيا لحق الْجَار. وقفلنا وَأَجْنِحَة الرَّايَات برياح العنايات خافقة، وأوفاق التَّوْفِيق الناشية من خطوط الطَّرِيق وأسواق الْعِزّ بِاللَّه نافقة، وحملاء الرِّفْق مصاحبة، وَالْحَمْد لله مرافقة، وَقد ضَاقَتْ ذروع الْجبَال عَن أَعْنَاق [الصب السيال] ، وَرفعت على الأكفال ردفا كرايم الْأَنْفَال، وقلقلت من النواقيس أجرام الْجبَال، بالهندام والاحتيال، وَهَلَكت بِهَلَاك هَذَا الْأُم بَنَات [كن يرتضعن] ثديها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل. وَشَمل التخريب أسوارها، وعجلت النَّار بوادرها.
стр. 180
ثمَّ تحركنا بعْدهَا حَرَكَة الْفَتْح، وَأَرْسَلْنَا الأدلاء قبل الْمنح، فبشرت بالمنح، وقصدنا مَدِينَة أبدة، وَهِي ثَانِيَة الجناحين، وكبرى الْأُخْتَيْنِ، ومساهمة جيان فِي ذِي الْحِين، مَدِينَة أخذت عريض الفضا الأخرق، وتمشت فِيهِ أرباضها تمشي الْكِتَابَة الجامحة فِي المهرق، الْمُشْتَملَة على المتاجر والمكاسب [والوضع المتناسب] والفلح المعي عده على الحاسب، وكورة الدَّيْر اللاسب، المتعددة اليعاسب، فَأَنَاخَ العفا بربوعها العامرة، ودارت عقار كؤوس عقار الحتوف، ببنان السيوف على متديرها المعاقرة، وصبحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول الباقرة. وَدخلت مدينتها عنْوَة السَّيْف، فِي أسْرع من خطرة الطيف، وَلَا تسل عَن الكيف، فَلم يبلغ العفا من مَدِينَة حافلة، وعقيلة فِي حلل المحاسن رافلة، مَا بلغ من هَذِه البائسة الَّتِي سجدت لآلهة النَّار أبراجها [وتضاءل بالرغام معراجها] ، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان.
ثمَّ تأهبنا لغزو أم الْقرى الْكَافِرَة، وخزاين المداين الوافرة، وربة الشُّهْرَة السافرة والأنباء المسافرة، قرطبة، وَمَا أدريك مَاهِيَّة، ذَات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني المباهية، والزهراء المزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حَيْثُ هَالة بدر السما قد استدارت من السُّور المشيد الْبناء دَارا، ونهر المجرة من نهرها الْفَيَّاض، المسلول حسامه من غمد [الْفَيَّاض] قد لصق بهَا جارا، وفلك الدولاب المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، وَرجع
стр. 181
الحنين اشتياقا إِلَى الحبيب الأول وَاد كارا، حَيْثُ الطود كالتاج يَزْدَان بلجين العذب المجاج، فيزري بتاج كسْرَى ودارا، حَيْثُ قسى الجسور المديدة كَأَنَّهَا عوج المطى الغزيرة، تعبر النَّهر قطارا، حَيْثُ آثَار العامري الْمُجَاهِد تعبق من تِلْكَ الْمعَاهد شذا معطارا، حَيْثُ كرايم السحايب تزوره عرايس الرياض الحبايب، فَتحمل لَهَا من الدّرّ نثارا، حَيْثُ شُمُول الشمايل تَدور على الأدواح بِالْغُدُوِّ والرواح، فترى الغصون سكارى وَمَا هِيَ بسكارى، حَيْثُ أَيدي الِافْتِتَاح تفتض من شقايق البطاح أَبْكَارًا، حَيْثُ ثغور الأقاصي البواسم، تقلبها بِالسحرِ زوار النواسم، فتخفق قُلُوب النُّجُوم الغيارا، حَيْثُ الْمصلى الْعَتِيق قد رحب مجالا، وَطَالَ منارا، وأزرى ببلاط الْوَلِيد احتقارا، حَيْثُ الظُّهُور المثارة بسلاح الْفَلاح تجب عَن مثل أسنمة المهارا، والبطون كَأَنَّهَا لتدميث الغمايم بطُون العذارى، والأدواح الْعَالِيَة تخترق أعلامها الهادية بالجداول الحيارا، فَمَا شيت من جو صقيل، ومعرس للخنس ومقيل، وَمَالك لِلْعَقْلِ وَعقيل، وخمايل كم فِيهَا للبلابل من قَالَ وَقيل، وخفيف يُجَاوب بتثقيل، وسنابل تحكى من فَوق سوقها، وقضب بسوقها الهمزات فَوق الألفات، والعصافير البديعة الصِّفَات فَوق الْقَضِيب المؤتلفات، تميل لهبوب الصِّبَا، والجنوب مَالِيَّة الْجُيُوب، وبطاح لَا تعرف [بدرر الْحُبُوب] عين الْمحل فتطلبه بالدحل، وَلَا يصرف فِي خدمَة بيض قباب الأزهار، عِنْد افْتِتَاح السوسن والبهار، غير العبدان من سودان النَّحْل وبحر الفلاحة، الَّذِي لَا يدْرك ساحله، وَلَا يبلغ الْقبَّة الْبَعِيدَة راحله، إِلَى الْوَادي وَسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، المتجاسر على تخطيه عِنْد تمطيه الجسر
стр. 182
العادي، والوطن الَّذِي لَيْسَ من عَمْرو وَلَا زيد، والفرا الَّذِي فِي جَوْفه كل الصَّيْد. أقل كرسيه خلَافَة الْإِسْلَام، وأغار بالرصافة والجسر دَار السَّلَام، وَمَا عَسى أَن تطنب فِي وَصفه أَلْسِنَة الأقلام، أَو تعبر بِهِ عَن ذَلِك الْكَمَال فنون الْكَلَام فأعملنا إِلَيْهَا السرى وَالسير، وَقدمنَا إِلَيْهَا الْخَيل، قد عقد فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر.
وَلما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الْإِعَانَة من منعم مجزل، وتستنزل الْمَلَائِكَة من منجد منزل، والركايب واقفة من خلفنا بمعزل، نتناشد فِي معاهد الْإِسْلَام: وَقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. برز من حاميتها المحامية، ووقود النَّار الحامية، وَبَقِيَّة السَّيْف الوافرة على الْحَصاد النامية، قطع الْغَمَام الهامية، وأمواج الْبحار الطامية. واستجنت بظلال أبطال المجال، أعداد الرِّجَال الناشبة والرامية، وتصدى للنزال من صناديدها الصهب السيال أَمْثَال الهضاب الراسية، يجنها جنن السوابغ الكاسية، ونواميسها المفادية للصلبان يَوْم بوسها بنفوسها الواسية، وخنازيرها الَّتِي عدتهَا عَن قبُول حجج الله وَرَسُوله ستور الظلام الغاشية، وصخور الْقُلُوب القاسية. وَكَانَ بَين الْفَرِيقَيْنِ، إِمَام جسرها الَّذِي فَوق الْبَحْر، وحلا بلجينه ولآلئ زينه مِنْهَا النَّحْر، حَرْب لم ينسج على منوالها، وَلَا أَتَت اللَّيَالِي الحبالي بِمثل أجنة أهوالها، من قاسيها بالفجار أفك وفجر، أَو مثلهَا بِحَفر الهباءة خرف وهجر، وَمن شبهها بداحس والغبراء فَمَا عرف الْخَبَر، فليسأل من جرب وَخبر، من نظرها بِيَوْم شغب جبله، وَهُوَ ذُو بلة، أَو عادلها بِبَطن عَاقل، فَهُوَ غير عَاقل، أَو أحتج بِيَوْم ذِي قار، فَهُوَ إِلَى الْمعرفَة ذُو افتقار أَو ناضل بِيَوْم الكديد، فسهمه غير السديد، إِنَّمَا كَانَ مقَاما غير مُعْتَاد، ومرعى نفوس لم يفت بوصفه لِسَان مرتاد، وزلازل جبال أوتاد [ومتلف مذخور]
стр. 183
لسلطان الشَّيْطَان وعتاد، أعلم فِيهِ البطل الباسل، وَتردد الْأَبْيَض الباتر، وتأود الأسمر العاسل، ودوم الجلمد المتكاسل، وابتعث من حدب الحنية إِلَى هدف الرَّمية الناشر الناسل، وَرويت لمرسلات السِّهَام المراسل. ثمَّ أفْضى أمره الرماح إِلَى التشاجر والأرتباك وتشبثت الأسنة فِي الدروع تشبث السماك فِي الشباك، ثمَّ اخْتَلَط المرعى بالهمل، وعزل الرديني عَن الْعَمَل، وعادت السيوف من فَوق المفارق تيجانا، بعد أَن شقَّتْ غدر السوابغ خلجانا، واتخذت جداول الدروع فَصَارَت بحرا. وَكَانَ التعانق فَلَا ترى إِلَّا نحرا يلازم نحرا، عنَاق وداع، وموقف شَمل ذِي أنصداع، وَإجَابَة مُنَاد إِلَى فِرَاق الْأَبَد وداع، واستكشفت منال الصَّبْر الْأَنْفس الشفافة [وهبت برِيح النَّصْر الطَّلَائِع المبشرة الهفافة] ثمَّ أمد السَّيْل ذَلِك الْعباب، وصقل الاستبصار الْأَلْبَاب، واستخلص الْعَزْم صفوة اللّبَاب، وَقَالَ لِسَان الصَّبْر ادخُلُوا عَلَيْهِم الْبَاب، فَأَصْبَحت طوايف [الْكفَّار] حصايد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار، ورؤوسهم محطوطة فِي غير مقَام الاسْتِغْفَار، وعلت الرَّايَات من فَوق تِلْكَ الأبراج المستطرفة الأسوار، ورفرف على الْمَدِينَة جنَاح الْبَوَار، لَوْلَا الِانْتِهَاء إِلَى الْحَد والمقدار، وَالْوُقُوف عِنْد اختفاء سر الأقدار.
ثمَّ عبرنا نهرها، وسددنا بأيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها، وأدرنا بلآلي القباب الْبيض خصرها، وأقمنا بهَا أَيَّامًا، تحوم عقبان البنود على فريستها حياما، ونرمى الأدواح ببوارها، ونسلط النَّار على أقطارها، فلولا عوايق الْمَطَر، لحصلنا من فتح ذَلِك الوطن على الوطر. فَرَأَيْنَا أَن نروضها بالاجتثاث والانتساف،
стр. 184
ونوالي على زروعها وربوعها كرات ريَاح الاعتساف، حَتَّى يتهيأ لِلْإِسْلَامِ لوك طعمتها، ويتهيأ بِفضل الله إِرْث نعمتها. ثمَّ كَانَت عَن موقفها الْإِفَاضَة من بعد نحر النحور، وَقذف جمار الدمار على الْعَدو المذعور، وتدافعت خلفنا السيقات المتسعات، تدافع أمواج البحور , وَبعد أَن ألححنا على جناتها المصحرة، وكرومها المستبحرة إلحاح الْغَرِيم، عوضناها المنظر الكريه [من المنظر الْكَرِيم] وَطَاف عَلَيْهَا طائف من رَبهَا، فَأَصْبَحت كالصريم، وأغرينا خيلان النَّار بحمم الْجَحِيم، وراكنا فِي أَجْوَاف أجوايها غمايم الدُّخان، تذكر طيبَة البان، بِيَوْم الغميم، وَأَرْسَلْنَا ريَاح الغارات، فَمَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم، واستقبلنا الْوَادي يهول مدا، ويردع سَيْفه الصَّقِيل خدا، يسره الله من بعد الإعواز، وَانْطَلَقت على الفرضة بِتِلْكَ العرضة، أَيدي الانتهاز، وَسَأَلنَا من سائله أَسد بن الْفُرَات، فَأفْتى برجحان الْجَوَاز، فَعم الاكتساح والاستباح جَمِيع الاجواز، فأديل المصون، وانتهبت الْقرى، وهدمت الْحُصُون، واجتثت الْأُصُول، وحطمت الغصون، وَلم نرفع عَنْهَا إِلَى الْيَوْم غَارة تصاحبها بالبوس، وتطلع عَلَيْهَا غررها الضاحكة بِالْيَوْمِ العبوس، فَهِيَ إِلَى الْآن مجْرى السوابق، ومجر العوالي على التوالي، والحسرات تتجدد فِي أطلالها البوالي. وَكَأن بهَا قد صرعت، وَإِلَى الدعْوَة المحمدية قد أسرعت [بقدرة من أنزل الْقُرْآن على الْجبَال فخشعت من خشيَة الله وتصدعت] لعزة من أذعنت الْجَبَابِرَة لعزه وخنعت. وعدنا والبنود لَا يعرف الملف نشرها، وَالْوُجُوه المجاهدة لَا يخالط التقطب بشرها، وَالْأَيْدِي بالعروة الوثقى معتلقة، والألسن بشكر الله منطلقة، وَالسُّيُوف فِي مضاجع [الغمود] قلقة، وسرابيل الدروع خلقَة، والجياد من ردهَا إِلَى
стр. 185
[المرابط و] الأواري رد العواري حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إِلَيْنَا نظر العاتب، وتعود من ميادين المراح والاختيال تَحت حلل عود السِّلَاح عود الصّبيان إِلَى الْمكَاتب، والطبل بِلِسَان الْعِزّ هادر، والعزم إِلَى منادى الْعود الحميد مبادر، وَوُجُود نوع الرماح من بعد ذَلِك الكفاح نَادِر، والمقاسم ترَتّب بَين يَدَيْهِ من السَّبي النَّوَادِر. ووارد مناهل الأجور غير المحلا وَلَا المهجور غير صادر، ومناظر الْفضل الْآتِي، عقب أَخِيه الشاني عَن الْمَطْلُوب الْآتِي مصَادر وَالله على تيسير الصعاب، وتخويل المنن الرغاب قَادر، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، فَمَا أجمل لنا صنعه الحفى، وَأكْرم لنا لطفه الخفى، اللَّهُمَّ لَا نحصى منا عَلَيْك، وَلَا نلجأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك، وَلَا نلتمس خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا لديك، فأعد علينا عوايد نصرك يَا مبدي يَا معيد، وأعنا من وَسَائِل شكرك على مَا ننال بِهِ الْمَزِيد، يَا حَيّ يَا قيوم، يَا فعال لما يُرِيد.
وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح بعيد صيته، مشريب ليته، وفخر من فَوق النُّجُوم العوائم مبيته، عجبنا من تَأتي أمله الشارد، وَقُلْنَا الْبركَة، فِي قدم الْوَارِد، وَهُوَ أَن ملك الرّوم، لَا طفنا بجملة من الْحُصُون كَانَت من ملكة الْإِسْلَام قد غصبت، والتماثيل فِي بيُوت الله قد نصبت، أدالها الله بمحاولتنا الطّيب من الْخَبيث، والتوحيد من التَّثْلِيث، وَعَاد إِلَيْهَا الْإِسْلَام عودة الْأَب الغايب إِلَى الْبَنَات الحبايب، يسل عَن شؤونها، وَيمْسَح الرقة عَن جفونها، وَهِي للروم خطة خسف، قَلما ارتكبوها فِيمَا يعلم من العهود، ونادرة من نَوَادِر الْوُجُود، وَإِلَى الله علينا وَعَلَيْكُم عوارف الْجُود، وَجَعَلنَا فِي محاريب الشُّكْر من الركع السُّجُود
عرفناكم بمجملات أُمُور تحتهَا تَفْسِير، ويمن من الله وتيسير، إِذْ اسْتِيفَاء
стр. 186
الجزئيات عسير، لنسركم بِمَا منح الله دينكُمْ، ونتوج بعز الْملَّة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فَإِن دُعَاء الْمُؤمن لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب سلَاح مَاض، وكفيل للمواهب المسئولة من الْمُنعم الْوَاهِب مستفاض. وَأَنْتُم أولى من ساهم فِي بر، وعامل الله بخلوص سر، وَأَيْنَ يذهب الْفضل عَن بَيتكُمْ، وَهُوَ صِفَات حيكم، وتراث ميتكم، وَلكم مزية الْقدَم، ورسوخ الْقدَم. [تَسَاوِي فِي ذَلِك التَّحْرِيم مَعَ الفدم] . والخلافة مقرها إيوانكم، وَأَصْحَاب الإِمَام مَالك ﵁ مستقرها قيروانكم، وتفجير المنابر ذكر إمامكم، والتوحيد إِعْلَام أعلامكم، والوقائع الشهيرة فِي الْكفْر منسوبة إِلَى أيامكم، وَالصَّحَابَة الْكِرَام فَتْحة أوطانكم، وسلالة الْفَارُوق ﵇ وشيجة سلطانكم، وَنحن نَسْتَكْثِر من بركَة خطابكم، ووصلة جنابكم، وَلَوْلَا الْأَعْذَار، لوالينا بالمتزايدات تَعْرِيف أبوابكم. وَالله يتَوَلَّى عَنَّا من شكركم المحتوم، مَا قصر الْمَكْتُوب فِيهِ عَن المكتوم، ويبقيكم لإِقَامَة الرسوم، وَيحل محبتكم من الْقُلُوب، مَحل الْأَرْوَاح من الجسوم، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام [الْكَرِيم الطّيب الزكي الْمُبَارك الْبر العميم يخصكم كثيرا أثيرا] ، مَا أطلع الصَّباح وَجها منيرا، بعد أَن أرسل النسيم سفيرا، وَكَانَ الوميض [الباسم] لأكواس الْغَمَام على أزهار الكمام مديرا، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 187
وَكَانَ مِمَّا زيد فِي آخر الرسَالَة النَّبَوِيَّة فصل فِي استفتاح الجزيرة الخضراء صدر عَنى إملاء على الْكتاب عِنْدَمَا توجه الرَّسُول إِلَى ضريح رَسُول الله ﷺ ، وَفِي آخر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام أحد وَسبعين وَسَبْعمائة، وأغفل ذَلِك عَن مَوْضِعه إِلَى أَن ألحق بِهَذَا الْموضع
وَاسْتولى أهل الثغور لهَذَا الْحَد على معاقل، كَانَت مستغلقة ففتحوها، وشرعوا أرشية الرماح إِلَى قلب قلوبها فمنحوها، وَلم تكد الجيوش المجاهدة تنفض إِلَّا عَن الْأَعْرَاف متراكم الْغُبَار، وترخى عَن أباطيلها شدّ حزم المغار، حَتَّى عاودت النُّفُوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخصت الَّتِي لَا فَوْقهَا، وَذَهَبت، بهَا الآمال إِلَى الْغَايَة القاصية، والمدارك المتعاصية، على الأفكار المتغاصية. فقصدنا الجزيرة الخضراء، بَاب هَذَا الوطن، الَّذِي مِنْهُ طرق وادعه، ومطلع الْحق الَّذِي صدع الْبَاطِل صادعه، وثنية الْفَتْح الَّذِي برق مِنْهَا لامعه، ومثيرة الهجوم الَّذِي لم تكن لتعبر على غَيره مطامعه، وفرضة الْمجَاز الَّذِي لَا تنكر، وَمجمع الْبَحْرين فِي بعض مَا يذكر، حَيْثُ يتقارب الشطان، وتتقاطر ذَوَات الأشطان، وتقارب الحطان، وَكَاد أَن يلتقي حَلقَة البطان، وَقد كَانَ الْكفْر قدر قدر هَذِه الفرضة، الَّتِي طرق مِنْهَا حماه، ورماه الْفَتْح الأول مرماه، وَعلم أَن لَا يتَّصل أَيدي الْمُسلمين من إخْوَانهمْ إِلَّا من تلقائها، وَأَنه لَا يعْدم الْمَكْرُوه مَعَ بَقَائِهَا، فأجلب عَلَيْهَا بخيله وَرجله، وسد أفق الْبَحْر من أساطيله، ومراكب أباطيله بِقطع ليله، وتداعى الْمُسلمُونَ بالعدوتين إِلَى استنقاضها من لهواته، أَو إِِمْسَاكهَا من دون مهواته، فعجز الْحول، وَوَقع إِيَّاهَا بملكة القَوْل، واحتازها قهرا، وَقد صابرت الضّيق مَا يناهز ثَلَاثِينَ شهرا، وأطرق الْإِسْلَام بعْدهَا إطراق
стр. 188
الواجم، واسودت الْوُجُوه بخبرها الهاجم، وبكتها دموع الْغَيْث الساجم، وَانْقطع المدد إِلَّا من رَحْمَة من ينفس الكروب، ويغرى بالإدالة الشروق والغروب. وَلما شككنا بشبا الله نحرها، وأغصصنا بجيوش المَاء وجيوش الأَرْض تكاثر نُجُوم السما برهَا وبحرها، ونازلناها نضيقها شَدِيد النزال، وتحجها بِصدق الْوَعيد فِي غير سَبِيل الاعتزال، رَأينَا بأوا لَا يظاهر إِلَّا بِاللَّه وَلَا يطال، ومنبعه يتحامى شبا الْأَبْطَال، وخبايا رَوْضَة الْغَيْث الهطال. أما اسوارها فَهِيَ الَّتِي أخذت النجد والغور، واستعدت بجدال الْبِلَاد عَن الجلاد، فارتكبت الدّور تجوز بحرا من الاعتمار ثَانِيًا، وتشكك أَن يسكون لَهَا الْإِنْس بانيا. وَأما أبراجها فصفوف وصنوف , تزين صفحات المسايف مِنْهَا أنوف، وأذان لَهَا من دوامع الصخر شقوف. وَأما خندقها فصخر مجلوب، وسور مقلوب، وصدقها الْمُسلمُونَ الْقِتَال بِحَسب محلهَا من نُفُوسهم، واقتران اغتصابها ببوسهم، وأفول شموسهم، فرشقوها من النبال بظلال تحجب الشَّمْس، فَلَا يشرق سناها، وعرجوا فِي المراقي الْبَعِيدَة، يفرعون مبناها، ونقبوا أنقابا، وحصبوها عقَابا، ودخلوا مَدِينَة البنية بنتهَا غلابا، وأحسبوا السيوف أسلابا، وَالْأَيْدِي استلابا، واستوعب الْقَتْل مقاتلتها، السابغة الجنن، الْبَالِغَة المنن، فَأَخذهُم الهول المتفاقم، وجدلوا كَأَنَّهُمْ الأراقم، لم تفلت مِنْهُم عين تطرف، وَلَا لِسَان تنبى من يستطلع الْخَبَر أَو يستشرف. ثمَّ سمت الهمم الإيمانية إِلَى الْمَدِينَة الْكُبْرَى، فَدَارُوا سوارا على سورها، وتجاسروا على اقتحام أَوديَة الفنا من فَوق جسورها، ودنوا إِلَيْهَا بالضروب من خيل الحروب بروجا مشيدة، ومجانيق توثق حبالها مِنْهَا بِشدَّة، وخفقت بنصر الله عذبات الاعلام، وأهدت الْمَلَائِكَة مدد السَّلَام، فخذل الله كفارها ... شفارها، قلم بيد قدرته أظفارها، فالتمس الْأمان لِلْخُرُوجِ
стр. 189
ونزلوا عَن مراقى العروج، إِلَى الأباطح والمروج، عَن سمائها ذَات البروج، فَكَانَ بروزهم إِلَى العراء من الأَرْض، تذكرة بِيَوْم الْعرض، قد جلل الْمُقَاتلَة الصغار، وَتعلق بالأمهات الصغار، وبودرت الْمَدِينَة وكفارها بالتطهير، ونطقت المآذن الْعَالِيَة بِالْأَذَانِ الشهير، وَالذكر الجهير، وطردت كفار التماثيل عَن الْمَسْجِد الْكَبِير، وأنزلت عَن الصروح أجراسها، يعي الهندام مرامها، وألفى مِنْبَر الْإِسْلَام بهَا مجفوا، فأنست غربته، وأعيد إِلَيْهِ قربه وقربته، وتلا واعظ الْجمع الْمَشْهُود، قَول منجز الوعود، ومورق الْعود: " وَمَا ظلمناهم وَلَكِن ظلمُوا أنفسهم، لآيَة " فكاد الدمع يغرق الآماق، والوجد يستأصل الأزماق، وَارْتَفَعت الزعقات، وعلت الشهقات. وجئ بأسرى الْمُسلمين يرسفون فِي الْقُيُود الثقال، وينسلون من أجداث الاعتقال، ففكت عَن أسوقهم أَسْوِدَة الْحَدِيد، وَعَن أَعْنَاقهم ملكات الْبَأْس الشَّديد، وظللوا بجناح اللطف العريض المديد. وترتبت فِي المقاعد الحامية، وأزهرت بِذكر الله المآذن السامية، فَعَادَت الْمَدِينَة لأحسن أحوالها، وشكنت من بعد أهوالها، وعادت الحالية إِلَى أموالها وَرجع إِلَى الْقطر شبابه، ورد على دَار هِجْرَة الْإِسْلَام بَابه، واتصلت بِأَهْل لَا إِلَه إِلَّا الله أَسبَابه. فَهِيَ فِي بِلَاد الْإِسْلَام قلادة النَّحْر. أبقى الله عَلَيْهَا، وعَلى مَا وَرَاءَهَا من بيُوت أمتك، وودائع الله فِي ذِمَّتك، ظلال عنايتك الوافية، وأمتعنا إِلَى أَن يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا بِكَلِمَة دينك الصَّالِحَة الْبَاقِيَة، وسبل عَلَيْهَا أَسْتَار عصمتك الواقية. وعدنا إِلَى الحضرة، وَالصَّلَاة عَلَيْك يَا رَسُول الله، شعار البدور والقفول، وهجير الشروق والطفول، وَالْجهَاد الشاق الْمُعْتَمد، مَا امْتَدَّ بالأمل الأمد، والمستعان الْوَاحِد الْفَرد الصَّمد.
" كمل الْجُزْء الثَّانِي من " رَيْحَانَة الْكتاب ونجعة المنتاب " يتلوه الْجُزْء الثَّالِث "
стр. 190
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وعَلى آله وصحبة وَسلم تَسْلِيمًا
وَصدر عني فِي مُخَاطبَة صَاحب مَكَّة شرفها الله:
وَتوجه الرَّسُول بهَا عَن السُّلْطَان ﵁ صُحْبَة الرسَالَة لقبر الرَّسُول [ ﷺ ، مُعَرفا بجملة الْفتُوح الَّتِي فتح الله بهَا على الْمُسلمين بالأندلس لهَذَا الْعَهْد، وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول من عَام أحد وَسبعين وَسَبْعمائة.
الْمقر الْأَشْرَف، الَّذِي فضل الْمحَال الدِّينِيَّة بحله، وكرم فِي بِئْر زَمْزَم، مهبط إِسْمَاعِيل ﷺ ، نهله وعله، وَخَصه بإمرة الْحرم الشريف الْأمين من بِيَدِهِ الْأَمر كُله، فأسفر عَن صبح النَّصْر فَضله، واشتمل على خَواص الشّرف الوضاح حَسبه وفضله، وَطَابَتْ فروعه لما استمد من ريحانتي الْجنَّة أَصله، مقرّ السُّلْطَان الْجَلِيل، الْكَبِير الشهير الظَّاهِر الطَّاهِر، الأمجد الأسعد الأوحد الأسمى، الشهير الْبَيْت، الْكَرِيم الْحَيّ وَالْمَيِّت، الموقر الْمُعظم [ابْن الْحُسَيْن] ذِي الحسنيين، وحافد سيد الثقلَيْن، تَاج الْمَعَالِي، وَعز الدُّنْيَا وَالدّين، أبي الْحسن عجلَان، ابْن السُّلْطَان الْكَبِير الشهير الرفيع الخطير الْجَلِيل، المثيل الظَّاهِر الطَّاهِر، الشريف الْأَصِيل، الْمُعظم الأرضى، الْمُقَدّس [الْمُنعم، أَسد الدّين أبي الْفضل رميثة بن مُحَمَّد بن أبي سعيد الْحُسَيْنِي، أبقاه
стр. 191
الله، وأفيدة من النَّاس تثوب إِلَى فاطمي مثواه، على بعد الدَّار، ويتقرب فِيهِ إِلَى الله بالتثام التُّرَاب، واستلام الْجِدَار، وتجيب أَذَان نبيه إِبْرَاهِيم بِالْحَجِّ إِجَابَة البدار، وهناه المزية الَّتِي خصّه بهَا من بَين مُلُوك الأقطار، وأولي الْمَرَاتِب فِي عباده والأخطار، كَمَا رفع قدره على الأقدار، وسجل لَهُ بسقاية الْحَج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام عقد النجار، ينْهَى إِلَيْهِ أكْرم التَّحِيَّات تتأرج عَن شذا الرَّوْضَة المعطار، عقب الأمطار، مُعظم مَا عظم الله من شَعَائِر مثواه، وملتمس الْبركَة من أَبْوَاب مفاتحته، وَلكُل أمرئ مَا نَوَاه، وَمُوجب حَقه الَّذِي يَلِيق بِمن كَانَ البتول، والرضى، الَّذِي واخاه الرَّسُول، أمه وأباه، الشيق إِلَى الْوِفَادَة عَلَيْهِ وَإِن مطله الدَّهْر ولواه، الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد، ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج، أبن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، كَانَ الله لَهُ فِي غربته عَن جرثومة الْإِسْلَام وانفراده، وَتَوَلَّى عونه على الْجِهَاد فِيهِ حق جهاده
أما بعد حمد الله ولي الْحَمد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ومطمح النُّفُوس الْعَالِيَة والهمم الفاخرة، مؤيد العزايم المتصارخة [فِي سَبيله] المتناصرة، ومعز الطَّائِفَة المؤمنة، ومذل الطَّائِفَة الْكَافِرَة، ومنفل خَزَائِن القياصرة الغلب والأكاسرة، وتارك أرْضهَا عِبْرَة للآذان الواعية والعيون الباصرة، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، عَبده وَرُسُله، نَبِي الرَّحْمَة [الهامية الهامرة] والبركات [الْبَاطِنَة و] الظَّاهِرَة، الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله بالعزايم الْمَاضِيَة والظبا الباترة، مخمد
стр. 192
الشقاشق الهادرة، ومرغم الضَّلَالَة المكابرة، الْمَنْصُور بِالرُّعْبِ من جُنُوده الناصرة، المحروس بحراسة [الْمَلَائِكَة] الواقية الوافرة، الْمَوْعُود ملك أمته بِمَا زوى لَهُ من أَطْرَاف البسيطة العامرة، حَسْبَمَا ثَبت بالدلائل المتواترة، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وعترته وأحزابه، المجاهدة الصابرة، أولى الْقُلُوب المراقبة، والألسنة الذاكرة، والآداب الحريصة على الاهتداء بهداه المثابرة، الَّذين جاهدوا فِي الله حق جهاده، يَخُوضُونَ لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا، فِي بحار الروع الزاخرة، ويقدمون بالجموع القليلة على الآلاف المتكاثرة، حَتَّى قرت [بِظُهُور الْإِسْلَام] الْعُيُون الناظرة، وجلت فِي الْعَدو الفاقرة، فَكَانُوا فِي الذب عَن أمته كالأسود الخادرة وَفِي الْهِدَايَة بسنا مِلَّته، كَالنُّجُومِ الزاهرة، والدعا لشرفكم الْأَصِيل ذِي الْمُنَاسب الطاهرة، والمكارم الزاهية، ببنوة الزهراء البتول، بضعَة الرَّسُول الزاهرة، بالصنع الَّذِي يتبلج عَن الْغرَر المشرقة السافرة، والعز الَّذِي يضفو مِنْهُ الْجنَاح على الْوُفُود الزائرة، والفضلاء الْمُجَاورَة، وَلَا زَالَ ذكركُمْ بالجميل هجير الركائب الْوَارِدَة والصادرة، وَالثنَاء على مكارمكم يخجل أنفاس الرياض العاطرة، عِنْد الغمائم الماطرة. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عناية تحجب الأسوأ بجننها الساترة، ورعاية تجمع الْأَهْوَاء الْمُخْتَلفَة، وتضم الْقُلُوب المنافرة. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله دَار ملك الْإِسْلَام بِجَزِيرَة الأندلس، وفر الله جموع حاميتها المثاغرة، ورم بيد قدرته مَا هم بهَا من أَفْوَاه العدا الفاغرة، وَلَا زَالَت سحائب الرحمات السانحة إِلَيْهَا الغامرة، تظلل جموع جهادها الظافرة، وتجود
стр. 193
رمم شهدائها الناخرة وَنعم الله تحط ركائب الْمَزِيد فِي نواديها الحامدة الشاكرة، وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله فَلَا فضل إِلَّا فَضله، وجانبكم موفى حَقه، من التَّعْظِيم الَّذِي أناف وأربى، وقدركم يعرفهُ من صَامَ وَصلى، فضلا عَمَّن حج مَعَ ذَلِك وأبلى، ومستند ودكم، ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ وَإِلَى هَذَا حرس الله [مجدكم و] مقركم الْأَشْرَف كَمَا سحب على بَيته الْعَتِيق ظلكم الأورف، فَإِن الْجِهَاد وَالْحج أَخَوان يرتضعان ثدي الْمُنَاسبَة [ويكاد أَن يتكافآن فِي المحاسبة] سفرا وَزَادا [وَنِيَّة واستعدادا وإتلافا لمصون المَال وإنفادا، وخروجا إِلَى الله لَا يُؤثر أَهلا وَلَا دلوا] ويفترقان محلا، ويجتمعان جهادا، ويرفعان للملة منارا ساميا وعمادا. ووطننا وَالْحَمْد لله على هَذَا الْعَهْد، هُوَ الْمَخْصُوص بِكَمَال هَذِه المزية، وَالْقِيَام بكفايتها الْبَريَّة والبحرية، السليمة من الضلال الْبَريَّة، وَهَذَا نسب واشجة عروقه، وذمام صَادِقَة بروقه، ومتات لَا يفضله متات وَلَا يفوقه. وَنحن نعرفكم بأحوال هَذَا الْقطر المتمسكة فروعه بِتِلْكَ الجرثومة الراسية، الممدودة أيديه إِلَى مثابتها، المتصدقة بِالدُّعَاءِ المواسية. فاعلموا أَن الْإِسْلَام بِهِ مَعَ الْحَيَّات فِي سفط حرج وَأمر مرج، وَطَائِفَة الْحق قَلِيل عَددهَا، مُنْقَطع إِلَّا من الله مددها، مُسْتَغْرق يَوْمهَا فِي الشدَّة وغدها، والطلائع فِي قنن الْجبَال تنور، والمصحر من بَيته مغرر، والصيحة مَعَ الأحيان مسموعة، والأعدا لرد مَا جازه الْفَتْح الأول مَجْمُوعَة، وَالصَّبْر قد لبست مدارعه، والنصر قد التمست مشارعه، وَالشُّهَدَاء تنوش أشلاءهم القشاعم، وتحتفل لَهَا
стр. 194
مِنْهُم المطاعم، وَالصبيان تدرب على السِّلَاح، وَتعلم المدافعة كَمَا يعلم فِي الْقُرْآن الألواح، وآذان الْخَيل مستشرفة للصياح، ومفارق الطايحين فِي سَبِيل الله تفلي بأيدي الرِّيَاح، والمآذن تجيبها النواقيس مناقضة، وتكافحها مُكَابَرَة مُعَارضَة [وَعدد الْمُسلمين] لَا يبلغ من عدد الْكفَّار [عِنْد الانتثار] معشار المعشار [وَلَا برة فِي جُلُود العشار] إِلَّا أَن الله ، حل بولايتنا المخنق المشدود، وَفتح إِلَى الْيُسْر المهيع الْمَعْهُود، وأضفى ظلّ الْأَمْن الْمَمْدُود، وألهم، وَله الشُّكْر على الإلهام، وتسديد السِّهَام، وَالْحَمْد لله الَّذِي يَقُود مدارك الأفهام إِلَى اجْتِهَاد قرن بِهِ التَّوْفِيق، وَجِهَاد فتح بِهِ إِلَى التِّجَارَة المنجية الطَّرِيق، سُبْحَانَهُ من رَحِيم يجتبي إِلَيْهِ من يشا، وَيهْدِي إِلَيْهِ من ينيب، وكريم يلهم ليثيب، ولطيف يَأْمر بِالدُّعَاءِ ليجيب، فتحركت لهَذَا حركات ساعدها، وَالْحَمْد لله، السعد، وَتَوَلَّى أمرهَا، ونصرها من لَهُ الْأَمر من قبلهَا وَمن بعد. ففتحنا مَدِينَة برغة الفاصلة كَانَت بَين الْبِلَاد الْمسلمَة، والشجي الْمُعْتَرض فِي نحر الْكَلِمَة. [وتبعتها بَنَات كن يرتضعن أحلاف درتها ويتعلقن فِي الْحَرْب وَالسَّلَام بارزتها] ثمَّ نازلنا حصن أشر، ركاب الغارات الْكَافِرَة، ومستقر الشَّوْكَة الوافرة، فَرفع الله إصره الثقيل، وَكَانَ من عثرته المقيل. ثمَّ قصدنا مَدِينَة أطريرة بنت حَاضِرَة الْكفْر، وعرين الْأسود الغلب وكناس الظبا القفر، ففتحناها عنْوَة أضرمت الْبَلَد نَارا، واستأصلت أَهله قتلا وأسارا، وملأت الْبِلَاد سَببا تعدّدت
стр. 195
آلافه، وَغنما شذت عَن الْعبارَة أَوْصَافه. ونازلنا مَدِينَة جيان وشهرتها فِي الْمَعْمُور، تغنى عَن بسط مَالهَا من الْأُمُور، فَفَتحهَا الله عنْوَة، وَجعل سبيهَا للاسترقاق، ومقاتلتها للبيض الرقَاق. وغزونا بعده مَدِينَة أبدة، فَكَانَت أُسْوَة لَهَا فِي التدمير والعفا الميير. ثمَّ نازلنا مَدِينَة قرطبة، وَهِي أم هَذِه الْبِلَاد الْكَافِرَة، وَدَار النعم الوافرة، وكدنا نستبيح حماها المنيع، ونشتت شملها الْجَمِيع، لَوْلَا عايق أمطار، وَأجل مَخْصُوص بِمِقْدَار. ورحلنا عَنْهَا بعد انتهاك زلزل الطود، ووعدنا بِمَشِيئَة الله الْعود، ونأمل من الله إيفاد الْبُشْرَى بِفَتْحِهَا على بِلَاد الْإِسْلَام، ومتاحفة من بهَا بالإخبار بِهِ والإعلام. ثمَّ فتحنا بعْدهَا ثغورا مقفلة الْأَبْوَاب، ومعاقل مُتَعَلقَة بالسحاب، كحصن روط، وحصن الحوار، وحصن قنبيل، أَمن الْإِسْلَام جوارها، وَعمر بالمجاهدين أقطارها. وَخرج لنا ملك الرّوم فِي مشارطات أردناها، وفرص لعز الْإِسْلَام ابتدرناها عَن حصون أَرْبَعَة، طهرنا بيُوت الله بهَا، من دنس الْأَوْثَان، وعوضنا النواقيس بِكَلِمَة الْإِيمَان. وَالْحَمْد لله على الْمَوَاهِب الامتنان، وَمِنْه نسل الْمَزِيد من الْإِحْسَان. وَأقرب الْمَدَائِن بافتتاحها، الجزيرة الخضراء، وَهِي بَاب الْإِسْلَام، الَّتِي مِنْهَا دخل الْفَتْح، وَعظم عَلَيْهَا بِكَلِمَة الله الْمَنّ والمنح، وقدرها الْكَبِير أعظم من أَن يَسْتَوْفِي وَصفه التَّعْبِير. فانبسطت الآمال، وضفت على الْإِسْلَام ملابس الْيمن والإقبال. وَهَذِه المجملات تحْتَمل شرحا، تسبح فِيهِ الأقلام سبحا، من أَوْصَاف مَغَانِم شذت عَن الْحصْر، ومعاقب لنزول السكينَة، وهبوب النَّصْر، وَمَا ظهر من جد الْمُسلمين فِي افْتِتَاح تِلْكَ المعاقل المنيعة، ومقارعة الجموع الكثيفة، وبركة الحزم فِي كل حَال مَوْجُودَة، والوسائل بأَهْله فِي الْقَدِيم والْحَدِيث لَا مخيبة وَلَا مَرْدُودَة، فَهُوَ الأَصْل والغمد، الَّذِي سهل مِنْهُ هَذَا النصل، حَتَّى بلغ النُّجُوم القاصية، وقاد من استعصى بالناصية. وَقد ظهر لنا أَن وجهنا إِلَى الْمَدِينَة المقدسة، صلوَات الله على من بهَا وَسَلَامه. نعرفه بِهَذِهِ البركات الهامية من سما عنايته. المعدودة خوارقها من آيَته. فَكلهَا
стр. 196
جناه. وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله بهداه، وأصحبنا شخاصا من نواقيس الفرنج مِمَّا تَأتي حمله، وَأمكن نَقله، وَمَا عداهُ فَكَانَت جبالا، لَا تقبل فِي نقلهَا اختبالا، فَتَنَاول درعها التكسير، وشفي بذهاب رسومها الْإِقَامَة وَالتَّكْبِير. ومرادنا أَن تعرض بمجتمع الْوُفُود تذكرة، تستدعي الْإِمْدَاد بِالدُّعَاءِ، وتقتضى بِتِلْكَ الْمعَاهد الشَّرِيفَة النَّصْر على الْأَعْدَاء، ثمَّ نصحب ركاب الزِّيَارَة إِلَى أَبْوَاب النُّبُوَّة ومطالع الإنارة. وَأَنْتُم تَعْمَلُونَ فِي تَوْفِيَة هَذِه الْأَحْوَال ورعايتها، وإبلاغها إِلَى غايتها، مَا يَلِيق بحسبكم الوضاح ومجدكم الصراح، وشرفكم المتبلج تبلج الصَّباح، فَأنْتم خير من ركب المطايا، وأندى الْعَالمين بطُون رَاح، وَلكم بذلك الْحَظ الرغيب، فِي هَذِه الْأَعْمَال الْبرة، وَالله سُبْحَانَهُ لَا يضيع مِثْقَال ذرة، وَهُوَ يتولاكم بِمَا يتَوَلَّى من أعز شعائره وعظمها، ورعى وسائله واحترمها، ويصل أَسبَاب سعدكم، وينفعكم بقصدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم الطّيب الْبر العميم، يخص معاهدكم الْكَرِيمَة على الله عهودها الهامية، بغمائم الرحمات والبركات عهودها، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 197
(وكتبت فِي مثل هَذَا الْغَرَض إِلَى أَمِير الْمَدِينَة المقدسة على ساكنها من الله أفضل الصَّلَاة وَأطيب السَّلَام)
يعْتَمد الْمقر الْأَشْرَف الَّذِي طَابَ بِطيبَة نشره، وَجل بإمارتها الشَّرِيفَة أَثَره، وَقدر فِي الْآفَاق شرفه، وَشرف قدره، وَعظم بخدمته ضريح [سيد ولد] آدم فخره، الْأَمِير الشريف الكذا أَبَا فلَان، أبقاه الله منشرحا بجوار رَوْضَة الْجنَّة صَدره، مشرقا بذلك الْأُفق الْأَعْلَى بدره، ذائعا على الألسن المادحة فِي الأقطار النازحة حَمده وشكره، مزريا بشذا الْمسك الأذفر ذكره، تَحِيَّة مُعظم مَا عظم الله من دَار الْهِجْرَة، دَاره ومطلع أبداره، الملتمس بركَة آثاره، المتقرب إِلَى الله بحبه وإيثاره. فلَان، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي فضل البقع [بخصائها الْكَرِيمَة] ومزاياها، كَمَا فضل الأزاهر برياها، وَجعلهَا مثابة رَحْمَة تضرب إِلَيْهَا الْعباد آباط مطاياها. مؤملة من الله غفران زلاتها، وَحط خطاياها، وَخص طيبَة الْمَدِينَة الأمينة بضريح سيد الْمُرْسلين، فأسعد مماتها ومحياها، وَرفع علياها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، مطلع وُجُوه السَّعَادَة يروق محياها، وموضح أسرار النجَاة ومبين خباياها، الَّذِي تدارك الخليقة بهديه، فكشف بلاياها، ورعى بِسنة الله رعاياها، وَجمع بَين مصَالح دينهَا ودنياها، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، وعترته وَحزبه، الَّذين كرمت سجاياها , وعظمت ألطافها الهادية وهداياها، وجاهدت بعده طوائف الْكفَّار تشعشع لَهَا فِي أكواس الشفار مناياها، وتطلع عَلَيْهَا فِي اللَّيْل
стр. 198
البهيم، سنا الصَّباح الوسيم من غرر سراياها، وتسد بغمام الأسنة، وعواصف ريَاح الأعنة ثناياها. وَالدُّعَاء لمقر أصالتكم الشَّرِيفَة حياها الله وبياها، كَمَا شرفها بِوِلَادَة الْوَصِيّ الَّذِي قرر وصاياها، وسلالة النَّبِي الَّذِي أعظم الله بهَا مواهب فخره وعطاياها، بالسعادة الَّتِي تبرز أكف الأقدار على مُرُور الْأَعْصَار خباياها، والعز الَّذِي يزاحم فرقد السما وثرياها. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من مواهب الصنع الْجَمِيل أغناها، كَمَا طيب بذكركم أَطْرَاف البسيطة وزواياها، وَجعل فَخر الْجوَار الْكَرِيم فِي عقبكم كلمة بَاقِيَة لَا تخْتَلف قضاياها مَا مَرضت الرِّيَاح مورسات غشاياها، فَجعلت من النواسم مشمومها، وَمن الأزهار النواسم حشاياها. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله [وَنعم الله يحوك حللها الْجِهَاد، وَالسُّيُوف الْحداد، وتلبسها الْبِلَاد والعباد، وملوك الْكفْر ناكصة على الأعقاب. من بعد شدّ الوثاق وَضرب الرّقاب، خزاياها] وبركات الْحرم الْوَجِيه يستظلها الْإِسْلَام ويتفياها، وينقع الغلل برواياها، وَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، ولمعاهدكم الْكَرِيمَة الارتياح، كلما وَمَضَت البروق وخفقت الرِّيَاح، ولسنى عناياتكم الإلتماح، إِذا اشتجرت الرماح، وَفِي تأميل المثول بهَا تعْمل الأفكار، وَإِن هيض الْجنَاح، وبهداها الاستنارة إِذا جلي للمراشد الصَّباح، وبالاعتمال فِي مرضاة من ضمه مِنْهَا الثرى الفواح، والصفايح الَّتِي تراثها العوامل المجاهدة والصفاح، وَالْجهَاد الصراح، يعظم فِي الصُّدُور الانشراح ويعز المغدا فِي سَبِيل الله والمراح. وَإِلَى هَذَا، أجزل الله مسرتكم بِظُهُور الدّين، واعتلاء صبحه الْمُبين، فإننا نعرفكم أننا فتح الله علينا وعَلى إخْوَانكُمْ الْمُؤمنِينَ بِهَذِهِ الثغور الغريبة الماتة إِلَيْكُم على الآماد الْبَعِيدَة، بالأمم الْعَرَبيَّة، فتوحا حررت
стр. 199
الْبِلَاد، ونقلت الطارف والتلاد حَسْبَمَا تقصه مخاطبتنا إِلَى نَبينَا الْكَرِيم، الَّذِي شرفكم لله بِخِدْمَة لحده، واستخلفكم على دَار هجرته من بعده، إِذْ لَا حَاجَة إِلَى التّكْرَار، بعد مَا شرحت بِهِ الصُّدُور من الْأَخْبَار فِي الْإِيرَاد والإصدار، ووجهنا صحبتهَا من النواقيس الَّتِي كَانَت تشيع ندا الضلال، وتعارض الْأَذَان بجلاد الْجِدَال، وتبادر أَمر التمثال بالامتثال، مَا يكون تذكرة، تحن بِهِ الْقُلُوب إِذا رأتها، وتلتمس الْإِعَانَة من الله كلما نظرتها، وتتصور الْأَيْدِي المجاهدة الَّتِي هصرتها، وَهَذَا كُله لَا يحصل على التَّمام، إِلَّا بمشاركة مِنْكُم تسوغه، وإعانة تُؤَدِّيه وتبلغه، تشيع لكم عِنْد تعرفها الثَّنَاء الدَّائِم الترداد، وَالدُّعَاء الْحسن الْمُكَافَأَة من رب الْعباد، ويسهمكم فِي أجر الْجِهَاد، وَأَنْتُم تَعْمَلُونَ فِي ذَلِك مَا يُنَاسب مثلكُمْ من الشرفاء الأمجاد، وَالله يواليكم بنعمه الثرة التعهاد، ويعرفكم عوارف الإسعاد فِي الدُّنْيَا، وَيَوْم قيام الْإِشْهَاد.
стр. 200
التهاني بالصنايع المكيفات
صدر عني جَوَاب للسُّلْطَان الْكَبِير الشهير أبي عنان عَن كِتَابه الَّذِي وَجهه إِلَى سُلْطَان الأندلس أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج بن نصر، رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا، يعرفهُ فِيهِ بِمَا أتاح الله لَهُ من الظُّهُور على بني زيان، واستيلائه على ملكهم بِمَدِينَة تلمسان، وَذَلِكَ فِي وسط شهر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام اثْنَيْنِ وَخمسين وسبعمائه.
الْمقَام الَّذِي مُقَدّمَة سعده تسلم وَلَا تمنع، وَحجَّة مجده لَا ترد وَلَا تدفع، ونوافل فتوحه المؤيدة بالملايكة وروحه، توثر وَتشفع، والصنايع الالهية فِي دولته الفارسية، تثنى وَتجمع، وَيحمل مِنْهَا مَا يُقَاس على مَا يسمع. مقَام مَحل أخينا الَّذِي تَبَسم النَّصْر عَن ثغور نصوله، واحتفل الْفَخر فِي تدوين محصوله، وَشهِدت مخايله الطاهرة بكرم أُصُوله، [وتألقت خدود] الْمجد سَالِمَة من النَّقْد بَين أجناسه وخواصه وفصوله. السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله يورق أَعْوَاد المنابر كلما سقتها من أنباء فتوحه الغيوث، وتفرق أسود السثرى، كلما زأرت من أبطال حماته الليوث، وتأمن فِي ظلّ إيالته العادلة وخلافته الفاضلة، السهول من الأَرْض والوعوث، ويتعاضد بالمكسوب من فخره الْمَوْرُوث، وينضى إِلَى استلام ركن يَمِينه، ومشاهدة نور جَبينه الركاب المحثوث. مُعظم مقَامه، الَّذِي تَعْظِيمه مفترض، [القايم بِحَق بره، الَّذِي لَا يقدم عَلَيْهِ غَرَض] فلَان، سَلام كريم [طيب بر عميم] كَمَا حسر وَجه الْفجْر [فِي أعقابه] عَن
стр. 201
نقابه، وتقدمته طلائع نسيمه، وشهب الصُّبْح فِي أعقابه، يخص مقامكم [الْأَعْلَى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الفتاح الْعَلِيم، مطلع غرر المسرات المستمرات، أوضح من فلق الصَّباح، وميسر الآمال السّنيَّة وفْق الأمنية، وَحسب الاقتراح، مورث الأَرْض كَمَا وعد أيمة الْهدى وَالصَّلَاح، المتكفل لَهُم بِحسن العواقب وَفَوْز القداح. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، نور الْهدى الوضاح، ذُو الْقدر الرفيع والجاه المنيع وَالْمجد الصراح، الْمُؤَيد بِالرُّعْبِ، الْمَنْصُور بهبوب الرِّيَاح، حَتَّى أشرقت أنوار دَعوته السمحة فَوق الرِّبَا والبطاح، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه لُيُوث الباس وغيوث السماح [الَّذين راضوا صعاب النَّصْر من بعد الجماح، وَرفعُوا سَمَاء قبَّة الْإِسْلَام على عمد الرماح] وَلم يشغلهم ليل التبتل عَن يَوْم الكفاح، فَكَانُوا لأمته أهْدى من الْقَمَر اللياح، وعَلى أعدائه أعدى من الْحِين المتاح. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بالنصر، الَّذِي ترتسم آثاره فِي صحف الصفاح، وتسطر أخباره فِي صفحات الحسان الصِّحَاح، والعز الَّذِي تبدى لَهُ الْحِيَل بسيما الخيلا والمراح، فَإنَّا كتبنَا إِلَيْكُم، كتب الله لكم فتوحات منظومة الْعُقُود، معقودة النظام، وآلاء دائمة الِاتِّصَال، مُتَّصِلَة الدَّوَام، وسعودا مَعْلُومَة الوضوح وَاضِحَة الْأَعْلَام، ونصرا يرتاح بِهِ قد الْقَنَاة، وَتَبَسم لَهُ ثغر الحسام، وصنايع تبهر حلاها على لبات المنن الجسام، ويروق مجتلاها فِي غرر النعم الوسام. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله [جلّ وَتَعَالَى] ثمَّ مَا عود من آلائه الَّتِي تترادف وتتوالى، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي أنجزت وَعوده،
стр. 202
[٠٠٠ والنصر الَّذِي صدقت بروقه ورعوده] والصنع الَّذِي تألقت فِي أفق الدّين الحنيف سعوده، وَالْفَتْح الَّذِي تفتح بِهِ زهره وأورق عوده، جعلنَا الله مِمَّن اسْتمرّ فِي مقَام الشُّكْر قِيَامه وقعوده [فَكلما اعتلت قوى إِدْرَاكه جَاءَهُ الْإِمْدَاد من الله يعودهُ] وَنحن من السرُور بِمَا يسنيه الله لكم بِحَيْثُ لَا تلبسُونَ حلَّة فَخر إِلَّا لبسنا مثالها، وَلَا تجتلون غرَّة فتح إِلَّا استجلينا جمَالهَا، [وَلَا تنالون سَبَب نعْمَة إِلَّا حمدنا منالها] نشرب من ذَلِك فضل شربكم، ونرده عقب وردكم، ويمت إِلَى الله بِمثل متات مجدكم، فَكلما امْتَدَّ لدولتكم الْعلية ظلّ عز، انفسحت آمالنا وامتدت، واشتدت لملككم عُرْوَة نصر، قويت أعضادنا واشتدت. وَإِلَى هَذَا أيدكم الله بنصره، وَحكم لملككم الرفيع بأعلا أمره، فَإِنَّكُم جئتمونا بزهرة الْفَتْح الأول أظلال فَضله، وأتحفنا ملككم ببواكر نَصره قريبَة الْعَهْد باقتطاف نصله، وعرفتمونا بِمَا كَانَ من الظُّهُور الَّذِي خَفَقت عَلَيْكُم رايته، والنصر الَّذِي أنزلت عَلَيْكُم آيَته، وَالْفَخْر الَّذِي ذخرت لملككم غَايَته، وَأَن عَدوكُمْ لما ضَاقَتْ عَلَيْهِ المسالك [وفغرت أفواهها إِلَيْهِ المهالك] ، أقدم إقدام من استعجل الْحمام، وَلم تمطل بِهِ الْأَيَّام، وأمل انتهاز فرْصَة كَانَت وقاية الله من دونهَا، واغتنام غرَّة كَانَ مدد الْحَرَام يغض عيونها، وَأَقْبل والمحلات تخيم بيوتها تخييم الْحساب، وتطفو قبابها الْبيض طفو الْحباب، فناشب حاميتها الْحَرْب، وأعمل الطعان وَالضَّرْب، وسولت لَهُ الأطماع خطة انْتِهَاء قُلُوب قد
стр. 203
خلصت، وأبطال من بعد الْإِقْدَام مَا نكصت، وأقدام ثبتَتْ فِي موقف الهول واستقرت، وقبائل من مرين عَاهَدت الله، فوفت وبرت. وَإِنَّكُمْ لما عقدت الْحَرْب حباها، ورجمت الظنون الكاذبة فِي عقباها، فديتم من دونكم من الْخَلِيفَة بِالنَّفسِ الْحُرِّيَّة بالمجد الخليقة، واقتديتم بأنصار رَسُول الله، ﷺ فِي يَوْم الحديقة، وَأَنَّهُمْ ﵃ لما ارْتَابُوا بأوشابهم، وعولوا على أديانهم وأحسابهم، وتبوؤا من الصَّبْر حصونا، ونادى أمراؤهم أَخْلصُوا، فحصلت مِنْهُم كَتِيبَة كَانَت الحملات لَا تهزها، والأهوال لَا تستفزها، حَتَّى علت أيديها، وحيعل بِالْفَتْح الْقَرِيب مناديها، فَمَا كَانَت إِلَّا أَن طلعت شمس غرتكم يحملهَا من الطّرف الْعَتِيق فلك، وخفق مَنْصُور علمكُم يتبعهُ ملك، ويقدمه ملك، ونهد موكبكم يهديه من الرَّأْي صبح، ويحجبه من القتام حلك، وتراكمت من النَّقْع جون السحائب، وَمَاجَتْ على الأَرْض بحور الْكَتَائِب، وضحكت النصول فِي الْيَوْم العبوس، ودارت بَين الرِّجَال للآجال الكؤوس، وأخفرت حرمات المغافر، وتجلت وقاح الْحَرْب بِالْحَدِّ السافر، واشتبهت الطّرق، ورمدت من الأسنة الْعُيُون الزرق، وأجرى الله مقامكم من النَّصْر على عَادَته، وَأثبت فِي دَرَجَة ذَلِك الِاجْتِمَاع سهم سعادته , فَكَذبت من مناويكم الْعَزِيمَة، وصدقت عَلَيْهِ الْهَزِيمَة، وَأدبر إدبار أمسه، وَمضى وهمه نجاة نَفسه، وانقلب مَغْلُوبًا مغلولا يرى الْبَرْق سَيْفا مسلولا، ويحسب الشعاب خيولا، ويظن حمرَة الشَّفق دَمًا مطلولا، وَخلف أنصاره حصيدا، ودياره طلولا، وأنكم ثنيتم الأعنة، والنصر لِوَاء بِكُل ثنية، وعَلى كل راية عناية ربانية، وَالْوُجُوه بادية السفور، وَالْخَيْل دامية النحور، وَالسُّيُوف موردة الخدود، والرماح مختصرة القدود، ومحابر الكنائن خاوية من أقلامها، وموارد السوابغ خَالِيَة بعد أزدحامها، وَالْفَتْح قد فتح لكم بَابه، والنصر حَوْلكُمْ كتائبه، وَفِي يدكم كِتَابه، فَلم نكد نعطي السرُور بِهَذَا النبإ حَقه من الابتهاج والارتياح، وَالشُّكْر لله على فوز القداح، وَتَأْتِي
стр. 204
الاقتراح، والإشادة بِهِ فِي النواح، ونفرغ من مُرَاجعَة ذَلِك الْمجد الوضاح حَتَّى اتَّصل بِنَا الصنع، الَّذِي عمر مَا قبله، وَشرح مُجمل السعد، وأوضح سبله، من أَنكُمْ ملكتم مَدِينَة تلمسان، فاستأثرتم بالسعد الهني الْمُعَجل، ودخلتموها فِي الْيَوْم الْأَغَر المحجل، وحصلتم عَلَيْهَا من غير سلَاح أعمل، وَلَا حق أهمل، وَلَا نفس ريعت، وَلَا حُرْمَة للدّين أضيعت، وَأَن بناتها من المعاقل الشم الأنوف، والمصانع السافرة عَن حواجب القسي، المبتسمة عَن ثغور السيوف، والمعاقل الَّتِي تعد أهلة السما من الأسورة وجوزايها من الشنوف، رَأَتْ رأى أمهَا فِي تَعْجِيل الطَّاعَة، وحملت الْأَمر على الْفَوْر بِجهْد الِاسْتِطَاعَة، وبادرت التَّوْبَة النصوح، قبل قيام تِلْكَ السَّاعَة، فانتظمها سلك الْأَمر السعيد، واتصل الْقَرِيب مِنْهَا بالبعيد، واحتجت معتزلتها، بإنجاز الْوَعْد وإخلاف الْوَعيد، وَكَانَ لسابقها حق التَّكَلُّم، وللاحقها حق المعيد، فَأَقَمْنَا فَرِيضَة الشُّكْر وَالْحَمْد لوَقْتهَا، وتلونا فِي بِسَاط الِاعْتِبَار بِالنعَم " وَمَا نريهم من آيَة إِلَّا هِيَ أكبر من أُخْتهَا " وَقُلْنَا هَذَا هُوَ النبأ الَّذِي ارتقبنا طُلُوع البشائر من ثنايا تلاعه، وأجزنا تلقى الركْبَان لرخصة استطلاعه. هَذَا هُوَ الصنع السّني، وَالْفَتْح الهنى، والنصر الْمثنى، والعز المتمنى، نصر من الله وَفتح قريب، وتكييف لملك الغرب غَرِيب، هَذَا هُوَ الْيمن الَّذِي أصَاب قبيصى النَّصْر وَالْفَتْح بِسَهْم فتح تلمسان، وَمَا أدريك مَا تلمسان، قَاعِدَة الْملك، وواسطة السلك، وقلادة النَّحْر، وحاضرة الْبر وَالْبَحْر، أسندت إِلَى التل ظهرا، وأفصحت بالفخر جَهرا، وأصبحت للغرب بَابا، ولركاب الْحَج ركابا، ولسهام الآمال هدفا، ولدر الْعلم صدفا. حسناء تسبى الْعُقُول، بَين التقنع والسفور، والأطماع والنفور. شمخت بأنف الحصانة والابابة، وتبجحت
стр. 205
بوفور الْعِمَارَة، ودرور الجباية، ولبست حلَّة الجناب الخصيب، وفازت من الِاعْتِدَال وأوصاف الْكَمَال بأوفى نصيب. فيالها من غادة، كلما مرت عَلَيْهَا الْأَيَّام، استجد شبابها، وأينع جنابها، وضفى من الْحسن جلبابها، حَتَّى كَأَن عين أم يحيى سقتها من عين الْحَيَاة، فنورها الدَّهْر باهر الْآيَات، ومحاسنها راثقة الْغرَر والشياه، تخدع بِاللَّفْظِ الخلوب، وتغلب على لظى الأشواق أفلاذ الْقُلُوب. حركت الْمُلُوك الصَّيْد وسكنت، فَمَا بذلت من قيادها وَلَا أمكنت. ضَاقَ بِعَبْد الْمُؤمن طوقها، فَبعد لأي مَا مزقه، وَرجع مِنْهَا إِلَى السعيد سَهْمه الَّذِي فَوْقه. وَلم تزل أَحْوَال محبيها من بعد ذَلِك مُخْتَلفَة، وَقُلُوبهمْ بهواها كلفة، فَمنهمْ من حياها على الْبعد، وقنع من وَصلهَا بالوعد، وَاقْتصر مِنْهَا على الْإِلْمَام، وإهداء السَّلَام. وَمِنْهُم من جد الْجد وَهِي تسخر، ولان لَهَا القَوْل مِنْهُ وَهِي تبأى وتفخر، وَلم يجد مُتَقَدما عَنْهَا وَلَا مُتَأَخّر، حَتَّى غلب الْيَأْس، وخاب الْقيَاس. وَمِنْهُم من بَاعَ الْكرَى بالسهد، وَوجد مرَارَة الصَّبْر أحلى من الشهد، وبذل لَهَا فِي المجال نثار رُؤُوس الرِّجَال، وسخى عَلَيْهَا حَتَّى بالأعمار والآجال، وَنَازع الْحَرْب إِلَى الغلاب والسجال. فالجنبات يلوى ضلوعها الزَّفِير، والمجانيق يدمى أنوفها السُّجُود والتعفير، [فالجياد] تَشْكُو من بَاب جهادها إِلَى غير رَاحِم، وتظمأ فتسقى من نجيع الْمَلَاحِم، حَتَّى أذعنت إذعان الْقَهْر، ورضيت بِمَا بذل لَهَا من الْمهْر، وجاذب رداءها من أردى لَهُ أوداءها، وأماط قناعها من غلب بِالصبرِ امتناعها. ثمَّ ضرب الدَّهْر ضرباته، وَأقَام للقدر برهانه، فَرَاجعهَا من كَانَ يهواها، وَأثبت فِي الْإِكْرَاه دَعْوَاهَا، بعد أَن حصلت لَهَا بمقامكم علاقَة
стр. 206
كامنة بَين الضلوع، ورسي بجوانحها رسيس هوى [يجل عَن الولوع] وتملكها بِهِ غرام ظَاهر ومستكن، ولسان حَالهَا يَتْلُو [قَوْله] إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن. وَرب مغلوب سمح بالرغم قياده، وَملك ظَاهره وَلم يملك فُؤَاده، فَلَمَّا علمت الْآن من حبيبها بِقرب الدَّار، وَأدنى ركابه مِنْهَا مساعف الْمِقْدَار، هَمت وهامت، وتطارحت وترامت، وتهللت من بعد الإطراق، وضحكت من حن اللقا كَمَا بَكت من ألم الْفِرَاق، وأمكنت من وصالها عفوا، وأوردت العذب من زلالها صفوا، وَأَلْقَتْ الْيَد طَوْعًا، وَخير النعم مَا لم تقع عَن كد، وأسنى الْمنح، مَا لم تَجِيء فِي حِسَاب وَلَا وعد، فَكَأَنَّهَا لقطَة اسْتحقَّهَا سيفكم من بعد التَّعْرِيف، ونقطة اسْتَدَارَ علها مُحِيط ذَلِك الْملك الشريف، ونكرة أدخلت عَلَيْهَا أَدَاة التَّعْرِيف، وقبلة عدلت من بعد التحريف، وَلَفْظَة ردَّتْ إِلَى الأَصْل الصَّحِيح عِنْد التصريف. وَمَا كَانَ الْبَلَد الَّذِي عدلت نصبة ملككم السعيد بمطالعه، واقترت السُّعُود على درجتي عاشره وطالعه، ليكذبكم وعده، وَلَا يتخلفكم سعده، فَمَا بَرحت بروق السَّعَادَة تبدو فِي خلال مَا رمتموه، والتوفيق يشد أواخي الْعَزْم الَّذِي أبرمتموه، وَالْحَرَكَة الَّتِي أزمعتم، تتضام عَلَيْهَا الْأَسْبَاب المشتركات، [وتسنح على غروسها الزكية سحايب البركات] وتجد النُّفُوس لَهَا خفَّة، وحركة الْفَتْح أخف الحركات. فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الْقيَاس صَادِقا [والتوفيق مُوَافقا، والنصر للنصل مرافقا] وَالْحَمْد لله الَّذِي ألبسكم حلتها السيرا، لم يوهنها طول المجاذبة والمجاورة، وَلَا اختلقتها أَيدي المسارقة والمساورة،
стр. 207
وخولكم وَصلهَا، لم يقْدَح فِيهِ ملل الْمُجَاورَة، وليهن مقامكم الَّذِي أقَال العثار، وخلد الْآثَار، وَأخذ الثار، مَا منحه الله من الغر الصَّادِق والبرق، وَالْفَتْح الَّذِي وصل يَد الغرب إِلَى الشرق، فَلَقَد جمع حسامكم الْمَاضِي المضرب، من مدينتي تلمسان وفاس، بَين عقيلتي الْمغرب، للأولى مِنْهُمَا الْأَصَالَة والمجادة، وَالثَّانيَِة العلاقة والودادة، وَكِلَاهُمَا الْحسنى وَالزِّيَادَة. فَإِن فخرت هَذِه بنصبة الْملك. فخرت تِلْكَ بنصبة الْولادَة. وَيَا بشرى لهَذَا الْقطر الْغَرِيب، الَّذِي يمد إِلَى عَزمَات جهاتكم يَد الرَّاغِب، ويرتقب ارْتِفَاع الشواغل والشواغب، بِمَا استروحه من صرف الاستعداد إِلَى أعدائه، والإهطاع إِلَى ندائه، والشروع فِي معالجة دائه. وَإِن منى بالادكار من تَملكهَا، وأدار على قطب السياسة فلكها، وَجب الهنا بِالْحَقِّ لقطر تملكتموه، وَملك قبضتم عنان أمره وأمسكتموه. فقد جعل الله مقامكم كعبة الآمال، وَجمع فِيكُم مَا تفرق من أَخْلَاق الْكَمَال. بَارك لكم فِي الْعَطِيَّة من وَهبهَا، وراض لكم متن المطية من دالها وأركبها. وإننا لما استجلينا عَن زهرَة الْفتُوح الضاحكة المباسم، والصنايع الَّتِي ألبست الْأَيَّام، أَثوَاب المواسم، رَأينَا غَايَة الشُّكْر بعيدَة عَن إِدْرَاك الْبَيَان، وَأَن الإيجاز فِيهَا والإسهاب سيان. فَلَو طالبنا بِهَذِهِ الْوَظِيفَة أبان لما أبان، أَو دَعونَا لَهَا سحبان، لَكَانَ فِي ميدانها الجبان. وَلَو استعنا بِعَبْد الحميد لم نجده فِيهَا حميدا، أَو نبهنا لَهَا ابْن العميد لأضحى عميدا، أَو أردنَا لبيدا لانقلب بليدا، وَلَو أَقَمْنَا لَهَا الصاحب لقعد، أَو كلفناها ابْن هِلَال لرآها من أَبِيه أبعد. إِنَّمَا هُوَ عذر يبلغ، وإغضاء يسوغ، وَمن الْمَعْلُوم أَن أوداء ذَلِك الْمقَام الْكَرِيم، إِن أخذُوا [من مسرته] بحظ، استأثرنا بجملتها، أَو تمسكوا مِنْهَا بِمذهب، قمنا بملتها، وَإِن هنوه بصنع، قدمنَا نَحن هُنَا أَنْفُسنَا بِهِ، أَو توسلوا بزمام حب، سبقنَا فِي حلبة أحبابه، وَإِن حَدِيث
стр. 208
نَصره، إِلَى هَذِه الْبِلَاد الأندلسية عايد، ومدد سعادته فِي أقطار هَذَا الْقطر متزايد، فَكيف لَا تتهلل وُجُوه أهليها، وتبدو الكآبة على الْعَدو الَّذِي يَليهَا، وَكَيف لَا ترْتَفع بالشكر أيديها، وَيقوم على هضبة الاستبشار مناديها. بِظُهُور من يكف أَيدي عواديها، ويتكفل بَرى صاديها، وَإِن نبأ هَذَا الْفَتْح فِي قلب الْعَدو لكبير، وعَلى سَمعه لأثقل من رضوى وثبير، فمما لَا يفْتَقر إِلَى تمهيد وَتَقْرِير، أَن الْجِهَاد لَا يزَال تجاه ذَلِك الْمقَام الْكَرِيم وَنصب عينه، وَأَن الظُّهُور على أَعدَاء دين الله دين لحسامه وَهُوَ لَا ينَام عَن اقْتِضَاء دينه. فَمَا هم النُّفُوس الْكَرِيمَة، إِلَّا اكْتِسَاب المناقب الفاخرة، وَلَا بعد تَحْصِيل الْفَوْز بالدنيا إِلَّا حَدِيث الْآخِرَة [وَلَا وَرَاء تمهيد] الْأمة الْمسلمَة، إِلَّا قتال الْأمة الْكَافِرَة. وأننا وجهنا كتَابنَا ليخطب فِي هَذَا الهنا، بمبلغ الْجهد ووسع الْغِنَا، واخترنا للوفادة بِهِ من يَنُوب عَنَّا فِي هَذَا الْغَرَض، وَيقوم للْوَقْت بواجبه المفترض، وهم صُدُور إيالتنا، ودرر لبات عمالنا، فلَان وَفُلَان، وصل الله إعزازهم وكرامتهم. ويمن ظعنهم وإقامتهم، وأوفدناهم على بَابَكُمْ الْمَقْصُود، وشرعة مملكتكم المزدحمة بالوقود، وهم يلقون إِلَى مقامكم فِي تَقْرِير ودادنا، والتنبيه على مِقْدَار اعتدادنا مَا نعلم أَن قَوَاعِده لديكم غير مفترقة، للتقرير بِمَا عنْدكُمْ من إشراق البصيرة، وثقوب الضَّمِير، فتفضلوا بِالْقبُولِ الْمَعْهُود، وأوردوه من بركم أعذب الْوُرُود، ومهدوا لَهُم جناب الإغضاء فِيمَا قصروا فِيهِ عَن الْغَرَض الْمَقْصُود. وَالله تَعَالَى يصل لكم أَسبَاب السُّعُود، وَيجْعَل لكم عزمكم فِي الْجِهَاد صَادِق البروق والرعود، وَيبقى مِنْكُم على الْأَنَام مثابة الْجُود، وفخر الْوُجُود. وَالسَّلَام عَلَيْكُم.
стр. 209
وَصدر عني لما فر الْأَمِير أَبُو ثَابت الزعيم بالفل من بني زيان أثر الْهَزِيمَة الَّتِي جرت عَلَيْهِم، وَلحق بِأَرْض صَاحب بجاية فَقبض عَلَيْهِم، وَوجه بهم إِلَى السُّلْطَان الْكَبِير الشهير أبي عنان ﵀، فأوقع بهم، تجَاوز الله عَنْهُم. وخاطب سُلْطَان الأندلس أَبَا الْحجَّاج بن نصر رَحمَه
الله مُرَاجعَته من إملائي بِمَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي انتظمت لدولته الْفتُوح الغر انتظام الْعُقُود، واقتضيت بعزماء عزماته دُيُون الْأَيَّام اقْتِضَاء النُّقُود، وطلعت من ثنايا آرائه السديدة، وُجُوه السُّعُود، وتكلفت نِيَّته الصَّالِحَة لَهُ بنيل الْمَقْصُود، وإنجاز الْمَوْعُود، مقَام مَحل أخينا الَّذِي إِن نشرت الْفتُوح، ألفيت فِي ألفاف البنود وَادعَة، أَو دعيت الآمال كَانَت بِوُجُودِهِ طَائِعَة سامعة [أَو استدعيت الْأَمَانِي انثالت فِي أَيدي سعوده وَإِن كَانَت شاسعة] . فرياض العزبه يانعة، وكواكب السعد بآفاقه طالعة، وأنفاس الثَّنَاء على ملكه الرفيع الْبناء بأعطر من الْمسك الفتيت ذائعة، وحدود صوارمة قَاطِعَة، وبالحق الْمُبين صادعة، السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله مكملة مآرب أمره، معملة عوامل نَصره، مخولا من الله مَا يعجز اللِّسَان عَن حصره، ثبته فِي صحايف الصفايح آيَات فخره، وَلَا زَالَت عوامله مصرفة فِي زيد عداهُ وعمره، حَتَّى تذعن الرّقاب الغلب لقهره، وتعرف الدهور بمزية
стр. 210
دهره. سَلام كريم كَمَا سفرت الْفتُوح عَن غررها، ورقمت أنباء النَّصْر على صفحات السيوف وطررها، واستبشرت الأَرْض بوابل مطرها، وظفرت النُّفُوس بأقصى وطرها، يخص مقامكم الْأَعْلَى [ومثابتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي تمم لكم الصنايع تتميما، وجلي لكم وَجه السَّعَادَة أغر وسيما، وَأثبت لكم فِي صفحات الْفَخر ذكرا شهيرا، ومجدا عَظِيما، وَجعل حد سُيُوفكُمْ الْمَاضِيَة، تستوعب العدا سبرا وتقسيما، فَكلما طلبتم الْأَيَّام بديونها، لم تمطل كَفِيلا بكم غريما، وَكلما دعوتم الآمال، انثالت على مواردكم هيما، وَكلما أضمرتم أمرا بَعيدا، أصبح بباكم مُقيما. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، أزكى الْبَريَّة عنصرا، وَأَشْرَفهَا خيما، نَبِي الرَّحْمَة الَّذِي جلي بِنور الْحق لَيْلًا بهيما، ودعا إِلَى تَوْحِيد الله نفوسا حازت فِي ظلمات الضلال تثليثا وتجسيما، وأعمل الْحَرْب الْعوَان حَتَّى سلكت الْخَلَائق من الطَّاعَة لله وَرَسُوله مسلكا قويما، ووقفت عِنْد أوَامِر الله ونواهيه تحليلا وتحريما. وَالرِّضَا عَن آله الَّذين كَانُوا فِي الظلماء نجوما، وَفِي اللأواء غيوما، وَفِي الْهياج أَََجَلًا محتوما، ففرعوا السَّحَاب جودا، والآساد إقداما، والبدور ضِيَاء، والهضاب حلوما، صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم وَسلم تَسْلِيمًا، وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالعز الَّذِي لَا يزَال لركابه العلى لزيما، والسعد الَّذِي تغنى عَن الِاخْتِيَار أَسبَابه، وتفتح قبل الطّلب أبوابه، فَلَا يحْتَاج تعديلا وَلَا تقويما، والصنع الَّذِي يروق [أَوْلِيَاء مقامكم] الرفيع خُصُوصا، وَسَائِر الْمُسلمين عُمُوما، وَلَا زَالَ جنابكم المؤمل كهفا، وَالثنَاء عَلَيْهِ رقيما، حَتَّى يصبح الْكفْر بهبوب عزائمكم هشيما، ويستنشق الْإِسْلَام
стр. 211
من إتاحة الكرة لَهُ على يدكم روحا عاطرا ونسيما. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من مواهب عنايته أوفر مَا كتب، وَجعل سعودكم تضمن إعتاب الدَّهْر كلما عتب، وَأَقْلَام رماحكم تثبت فِي خطّ خطيها النَّصْر الدَّاخِلَة على العتب، وخطباء فتوحكم تتوقل من مِنْبَر الْعِزّ أَعلَى الرتب. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والاعتداد بمقامكم العلى يزِيد صبحه وضوحا، والأمل فِي ملككم الْفَارِسِي، يهز مِنْهُ نسيم هَذِه الأنباء غضا مروحا، وخافت الرجا فِي هَذِه الأرجاء تنفخ فِيهِ عزائمكم على جِهَاد الْأَعْدَاء روحا، وتتلو عَلَيْهِ من النَّصْر كتابا مشروحا. وَإِلَى هَذَا، أيد الله أَمركُم الرفيع تأييدا، وألهمه شكرا برا لَا يعْدم مِنْهُ مزيدا، وَجعل سَيْفه الْمَاضِي كلما تقلده لأبواب الْفتُوح إقليدا، حَتَّى يسْتَأْنف بِهِ الْإِسْلَام عزا جَدِيدا، ويتلع جيدا، ويملأ بِلَاد التَّثْلِيث توحيدا، وَيُذِيق الْكَافرين بَأْسا شَدِيدا، وَيُرِيهمْ الْفَتْح الْقَرِيب الْمُبين قَرِيبا، وَإِن كَانُوا يرونه بَعيدا. فإننا ورد كتابكُمْ الْمُسْتَوْفى الْفُصُول، الْمُحكم الْفُرُوع بالأصول، الْمُشْتَمل على محصول الْفَخر، وفخر الْمَحْصُول، الْمسند خبر النَّصْر إِلَى قُضَاة الذهول. فيالها من وُجُوه بشر جلتها البلاغة فِي أحسن الشارات، ومعاني فتوح أوردهَا الْبَيَان بأفصح الْعبارَات، وعيون نصر أفادتها الْآدَاب أحلى الإشارات، حَتَّى كَأَن الأقلام فِي خدمَة مقامكم السعيد، جرت مجْرى السيوف فِي اسْتِصْحَاب التأييد، وإحراز الْمقَام الْبعيد. وقفنا من مضمنه حَسْبَمَا قررتم على خلوص الطَّاعَة، والتئام الْجَمَاعَة، واستقرار الْحق فِي أَهله بعد الْخِصَام، وتسويغ مشارع الشَّرِيعَة لواردها من بعد الازدحام، وانطلاق أَلْسِنَة الْعدْل بعد الإفحام، وإلحاق طرر الْبِلَاد القصية بِأَهْل العمالة المرينية، بعد الإضراب والإقحام. وَإِن عَدوكُمْ أجهز الْقدر على جريحه، ونشأت ريح البشائر لخمود رِيحه، واعتقبه الحسام الصَّلْت، فَلم يفرق بَين طرفه
стр. 212
وَلَا صَرِيحه. فَأصْبح الشوق لنُور دعوتكم مشرقا، وأساغ رِيقه وَكَانَ بِهِ شرقا، واشتمل مَلأ الْأَمْن، وَكَانَ خَائفًا فرقا، وَغدا مزاج السياسة المرينية لارْتِفَاع ضدها مزاجا مُتَّفقا، وأنشدها لِسَان السعد: " فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا "
وَأَن هَذِه الوقيعة المستأصلة كَانَت لمَرض الْخلاف المزمن بحرانا، وَحكما يَنْبع من حُلُول النَّصْر بِدَرَجَة النصل قرانا، وفتوى رَضِي أسهب الحسام اخْتِيَارهَا، وكتبت أَقْلَام الرماح [فِي صحف] الْأَيَّام آثارها. فَقُلْنَا هَذَا أَمر لنا كُله أَو جله، ومزن لنا ظله ووبله. الْآن ارْتَفَعت عَن الْجِهَاد الشواغل والشواغب، وآن أَن يحظى بأمله الرَّاغِب. الْآن تهللت الْوُجُوه، واستشرف الدّين الحنيف كَمَا لم نزل نرجوه. كأننا بالعزائم لأَدَاء حق الله مصروفة، والصوارم على سَبِيل الْجِهَاد مَوْقُوفَة، والهمم لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا مشغوفة. وَمن عَامل الله فِي نصر هَذِه الأقطار الْمسلمَة، مَعَ اخْتِلَاف الْكَلِمَة، بِمَا جمع بَين الْكرَى والأجفان، وَمد الْقَوَاعِد بعد الرجفان، وَأمْسك حملهَا العاصم عِنْد فيض الطوفان، كَيفَ يكون عمله بعد ارْتِفَاع الْمَوَانِع وزوالها، وَسُكُون الْبِلَاد من أهوالها، قِيَاس بِمَشِيئَة الله صَادِق، وبرهان بَين الشَّك وَالْيَقِين فَارق. فهده الجزيرة الأندلسية، من عَامل الله فِي نصرها بنية صَالِحَة، طهر ربحه، وطلع بالسعادة صبحه. وَقد ظهر مُجمل ذَلِك بِمَا يطول شَرحه. فَأنْتم لما صدق فِيهَا عزمكم، لم تسلوا سَيْفا فِيمَا فِينَا عَن ضريبة، وَلَا أعملتم عزما إِلَّا بلغ غَايَة غَرِيبَة، وَلَا سددتم سَهْما إِلَّا أصَاب غَرضا بَعيدا، وَلَا أردتم رَأيا إِلَّا أثمر مراما سعيدا، وإننا أَخذنَا من السرُور بِتمَام نعْمَة الله عَلَيْكُم، واستقرار فذلكة الْفَتْح لديكم، بأقصى مَا يَأْخُذهُ الولى الْحَمِيم، ولهجنا من اتِّصَال سعدكم بِمَا سناه الله الْكَرِيم، ووجهنا
стр. 213
من يَنُوب عَنَّا فِي هنائكم بِهِ مَا يُوجِبهُ الود الصميم. وَهُوَ قريبنا الكذا أَبُو فلَان، وألقينا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْغَرَض، مَا يلقيه ويقصه عَلَيْكُم، وَأَنْتُم تتفضلون بالإصغاء إِلَى مَا يُؤَدِّيه. وَالله يصل سعدكم. ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم.
وَلما استولى ﵀ على بجاية، ثمَّ ثار بعض كبار وطنها بقايده وَقَتله، فاستدرك أَهلهَا بعد ذَلِك الْأَمر، فتغلبوا عَلَيْهِ، وَرجعت الدعْوَة بهَا إِلَيْهِ، وَوصل كِتَابه يعرف بذلك، صدرت مُرَاجعَته عَن سُلْطَان الأندلس أبي الْحجَّاج بن نصر ﵀ من إملائي بِمَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي أشرقت بأفقه الْأَعْلَى فجر الْفتُوح، وَجَرت جِيَاد سعوده فِي ميدان النَّصْر الْعَزِيز طلق الجموح، وَجَاءَت دولته الفارسية على إِيضَاح السعد بِأَحْسَن الشُّرُوح، وتأود الدايل ارتياحا بعزه تأود الْغُصْن المروح. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي حَدِيد سَيْفه بَينه وَبَين مغناطيس الْفتُوح خاصية عَجِيبَة، وعزيم سعده لَهُ فِي أَعْنَاق اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وجيبة، ومنادى طَاعَته إِذا دَعَا، كَانَت لَهُ المسالك قريبَة، والممالك مجيبة، [السُّلْطَان الكذا أبي عنان] أبقاه الله، والمحامد بِذكرِهِ كلفة، والقلوب على طَاعَته مؤتلفة، وَالسُّيُوف والأقلام بخدمته متصفة، والألسنة فِي الْإِقْرَار بعجزها عَمَّا يجب لَهُ متصفه. مُعظم مقَامه، الَّذِي تَعْظِيمه فرض لَازم، وَالْقَوْل بإجلاله وإكباره، قَول جازم. وموقر ملكه الَّذِي لَهُ التوقير محالف ملازم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن
стр. 214
نصر. سَلام كريم [طيب بر عميم] كَمَا زحفت للصباح شهب المراكب، وفجر الْفجْر نهر النَّهَار، فطفا فَوْقه حباب الْكَوَاكِب، يخص مقامكم الْأَعْلَى، وأخوتكم الفضلى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي آلاؤه العميمة، لَا يحصر عَددهَا، وصنايعه الْكَرِيمَة لَا يَنْقَطِع عَمَّن توكل عَلَيْهِ مددها، وفتوحاته لأوليائه وصفوة خلفائه، لَا تبلغ بالأفهام أمدها، الفتاح الْعَلِيم، نَاصِر العزايم ومؤيدها، وموفق الآراء ومسددها الَّذِي إِذا قرب مَسَافَة أمل، فَمن ذَا يبعدها، وَإِذا أعْطى فَمن ذَا يسوف عطاياه أَو يُرَدِّدهَا. وَالصَّلَاة [وَالسَّلَام] على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، ذِي المعجزات الَّتِي هِيَ الشَّمْس، ضل من ينكرها أَو يجحدها، إِمَام الرُّسُل الْكِرَام وسيدها، وأحمدها ومحمدها، وَخَاتم النَّبِيين، الَّذِي كمل بِهِ عَددهَا، وشفيع الْخَلَائق، يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر ومعتمدها، الَّذِي ندخر محبته ونجدها، ونلجأ إِلَى ظلال وسيلته، فَلَا يخلف إِن شَاءَ الله موعدها، ونمحص الود فِي مرضاته، ونصل الْيَد لإِقَامَة سنته ومفترضاته، فنتعرف الْإِعَانَة ونتعددها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وأنصاره وأحزابه، الَّذين هم كنوز الْملَّة السمحة وعددها وأنجمها، الَّتِي لَا يضل من يسترشدها فينصرهم، طَالَتْ يَدهَا واستقام أودها، حَتَّى أورثهم الله مَا زوى من الأَرْض، بالعزايم الْقَائِمَة على أساس الْيَقِين عمدها، فدان لَهُم أدنى الْأَمَاكِن وأبعدها، وسطا بمثلث الْأُمَم موحدها، وتمت كلمة الله صدقا وعدلاً، يتوارثها عَن الْآبَاء وَلَدهَا، وينافس فِيهَا الْيَوْم غداته. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَسْنَى
стр. 215
بالنصر الَّذِي يثبت آيَات الْفَخر ويخلدها، والسعد الَّذِي يَسُوق ملابس الْفَتْح ويجددها، وَلَا زَالَت حجج سُيُوفكُمْ الْمَالِكِيَّة، يُصِيب شاكلة الْحق من يتقلدها، وأودية سياستكم المرضية، يشفي الغليل مركبها ومفردها، [ومشارع جودكم تروي من يردهَا] . فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عناية يَتَّضِح مقصدها، وسعادة تروى أَحَادِيث الصنع الْجَمِيل وتسندها. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا مزِيد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ بِمَا عندنَا من التَّشَيُّع لمقامكم، أَعلَى الله سُلْطَانه، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي سحائبه ثرة، والصنع الْجَمِيل الَّذِي مباسمه ضاحكة مفترة، والأنباء الَّتِي لَا تعدم مَعهَا مَسَرَّة، والصنايع الَّتِي ألطافها بِالْإِسْلَامِ برة، وجانبكم عندنَا عَلَيْهِ، بعد الله الْمعول، وَالْإِخْلَاص لكم هُوَ لدينا الْمَعْقُول الأول، وَبِمَا فتح الله لكم من منحه الْكَرِيمَة، هُوَ عندنَا الْمنح المهنأ المخول. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، فإننا لَا نزال على ثِقَة من عناية الله بكم فِي كل وَجه، تؤمون إِلَى هَدْيه، وتطلعون كواكب رَأْيكُمْ الميمون فِي سدفه، لما نعلمهُ من سعدكم، الَّذِي يروض الصعاب إِذا رامها، وعزمكم الَّذِي يتَنَاوَل الْأُمُور المبرمة فَيحل إبرامها، ويسهل مرامها، وهمتكم الَّتِي تروم الْكَوَاكِب، فتزاحم أجرامها، ونعتقد أَن الَّذِي سدد من عزمكم السِّهَام فأصابت، ودعا السَّحَاب الجهام فصابت، إِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة نِيَّة خلصت لله، لم يشب صفوها شائب، وخبية صَالِحَة للْمُسلمين تساوى فِيهَا مِنْهُم حَاضر وغائب. وَكُنَّا قد اتَّصل بِنَا أَن مقامكم خطب مَدِينَة بجاية فَأَلْقَت المقاد، وراجعت الِاعْتِقَاد، وَأَن من كَانَ لنظره أمرهَا لما تلى عَلَيْهِ أَن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا، أذعن للحق وانقاد،
следующие страницы →