Полный текст (979 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
من إتاحة الكرة لَهُ على يدكم روحا عاطرا ونسيما. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من مواهب عنايته أوفر مَا كتب، وَجعل سعودكم تضمن إعتاب الدَّهْر كلما عتب، وَأَقْلَام رماحكم تثبت فِي خطّ خطيها النَّصْر الدَّاخِلَة على العتب، وخطباء فتوحكم تتوقل من مِنْبَر الْعِزّ أَعلَى الرتب. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والاعتداد بمقامكم العلى يزِيد صبحه وضوحا، والأمل فِي ملككم الْفَارِسِي، يهز مِنْهُ نسيم هَذِه الأنباء غضا مروحا، وخافت الرجا فِي هَذِه الأرجاء تنفخ فِيهِ عزائمكم على جِهَاد الْأَعْدَاء روحا، وتتلو عَلَيْهِ من النَّصْر كتابا مشروحا. وَإِلَى هَذَا، أيد الله أَمركُم الرفيع تأييدا، وألهمه شكرا برا لَا يعْدم مِنْهُ مزيدا، وَجعل سَيْفه الْمَاضِي كلما تقلده لأبواب الْفتُوح إقليدا، حَتَّى يسْتَأْنف بِهِ الْإِسْلَام عزا جَدِيدا، ويتلع جيدا، ويملأ بِلَاد التَّثْلِيث توحيدا، وَيُذِيق الْكَافرين بَأْسا شَدِيدا، وَيُرِيهمْ الْفَتْح الْقَرِيب الْمُبين قَرِيبا، وَإِن كَانُوا يرونه بَعيدا. فإننا ورد كتابكُمْ الْمُسْتَوْفى الْفُصُول، الْمُحكم الْفُرُوع بالأصول، الْمُشْتَمل على محصول الْفَخر، وفخر الْمَحْصُول، الْمسند خبر النَّصْر إِلَى قُضَاة الذهول. فيالها من وُجُوه بشر جلتها البلاغة فِي أحسن الشارات، ومعاني فتوح أوردهَا الْبَيَان بأفصح الْعبارَات، وعيون نصر أفادتها الْآدَاب أحلى الإشارات، حَتَّى كَأَن الأقلام فِي خدمَة مقامكم السعيد، جرت مجْرى السيوف فِي اسْتِصْحَاب التأييد، وإحراز الْمقَام الْبعيد. وقفنا من مضمنه حَسْبَمَا قررتم على خلوص الطَّاعَة، والتئام الْجَمَاعَة، واستقرار الْحق فِي أَهله بعد الْخِصَام، وتسويغ مشارع الشَّرِيعَة لواردها من بعد الازدحام، وانطلاق أَلْسِنَة الْعدْل بعد الإفحام، وإلحاق طرر الْبِلَاد القصية بِأَهْل العمالة المرينية، بعد الإضراب والإقحام. وَإِن عَدوكُمْ أجهز الْقدر على جريحه، ونشأت ريح البشائر لخمود رِيحه، واعتقبه الحسام الصَّلْت، فَلم يفرق بَين طرفه
стр. 212
وَلَا صَرِيحه. فَأصْبح الشوق لنُور دعوتكم مشرقا، وأساغ رِيقه وَكَانَ بِهِ شرقا، واشتمل مَلأ الْأَمْن، وَكَانَ خَائفًا فرقا، وَغدا مزاج السياسة المرينية لارْتِفَاع ضدها مزاجا مُتَّفقا، وأنشدها لِسَان السعد: " فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا "
وَأَن هَذِه الوقيعة المستأصلة كَانَت لمَرض الْخلاف المزمن بحرانا، وَحكما يَنْبع من حُلُول النَّصْر بِدَرَجَة النصل قرانا، وفتوى رَضِي أسهب الحسام اخْتِيَارهَا، وكتبت أَقْلَام الرماح [فِي صحف] الْأَيَّام آثارها. فَقُلْنَا هَذَا أَمر لنا كُله أَو جله، ومزن لنا ظله ووبله. الْآن ارْتَفَعت عَن الْجِهَاد الشواغل والشواغب، وآن أَن يحظى بأمله الرَّاغِب. الْآن تهللت الْوُجُوه، واستشرف الدّين الحنيف كَمَا لم نزل نرجوه. كأننا بالعزائم لأَدَاء حق الله مصروفة، والصوارم على سَبِيل الْجِهَاد مَوْقُوفَة، والهمم لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا مشغوفة. وَمن عَامل الله فِي نصر هَذِه الأقطار الْمسلمَة، مَعَ اخْتِلَاف الْكَلِمَة، بِمَا جمع بَين الْكرَى والأجفان، وَمد الْقَوَاعِد بعد الرجفان، وَأمْسك حملهَا العاصم عِنْد فيض الطوفان، كَيفَ يكون عمله بعد ارْتِفَاع الْمَوَانِع وزوالها، وَسُكُون الْبِلَاد من أهوالها، قِيَاس بِمَشِيئَة الله صَادِق، وبرهان بَين الشَّك وَالْيَقِين فَارق. فهده الجزيرة الأندلسية، من عَامل الله فِي نصرها بنية صَالِحَة، طهر ربحه، وطلع بالسعادة صبحه. وَقد ظهر مُجمل ذَلِك بِمَا يطول شَرحه. فَأنْتم لما صدق فِيهَا عزمكم، لم تسلوا سَيْفا فِيمَا فِينَا عَن ضريبة، وَلَا أعملتم عزما إِلَّا بلغ غَايَة غَرِيبَة، وَلَا سددتم سَهْما إِلَّا أصَاب غَرضا بَعيدا، وَلَا أردتم رَأيا إِلَّا أثمر مراما سعيدا، وإننا أَخذنَا من السرُور بِتمَام نعْمَة الله عَلَيْكُم، واستقرار فذلكة الْفَتْح لديكم، بأقصى مَا يَأْخُذهُ الولى الْحَمِيم، ولهجنا من اتِّصَال سعدكم بِمَا سناه الله الْكَرِيم، ووجهنا
стр. 213
من يَنُوب عَنَّا فِي هنائكم بِهِ مَا يُوجِبهُ الود الصميم. وَهُوَ قريبنا الكذا أَبُو فلَان، وألقينا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْغَرَض، مَا يلقيه ويقصه عَلَيْكُم، وَأَنْتُم تتفضلون بالإصغاء إِلَى مَا يُؤَدِّيه. وَالله يصل سعدكم. ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم.
وَلما استولى ﵀ على بجاية، ثمَّ ثار بعض كبار وطنها بقايده وَقَتله، فاستدرك أَهلهَا بعد ذَلِك الْأَمر، فتغلبوا عَلَيْهِ، وَرجعت الدعْوَة بهَا إِلَيْهِ، وَوصل كِتَابه يعرف بذلك، صدرت مُرَاجعَته عَن سُلْطَان الأندلس أبي الْحجَّاج بن نصر ﵀ من إملائي بِمَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي أشرقت بأفقه الْأَعْلَى فجر الْفتُوح، وَجَرت جِيَاد سعوده فِي ميدان النَّصْر الْعَزِيز طلق الجموح، وَجَاءَت دولته الفارسية على إِيضَاح السعد بِأَحْسَن الشُّرُوح، وتأود الدايل ارتياحا بعزه تأود الْغُصْن المروح. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي حَدِيد سَيْفه بَينه وَبَين مغناطيس الْفتُوح خاصية عَجِيبَة، وعزيم سعده لَهُ فِي أَعْنَاق اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وجيبة، ومنادى طَاعَته إِذا دَعَا، كَانَت لَهُ المسالك قريبَة، والممالك مجيبة، [السُّلْطَان الكذا أبي عنان] أبقاه الله، والمحامد بِذكرِهِ كلفة، والقلوب على طَاعَته مؤتلفة، وَالسُّيُوف والأقلام بخدمته متصفة، والألسنة فِي الْإِقْرَار بعجزها عَمَّا يجب لَهُ متصفه. مُعظم مقَامه، الَّذِي تَعْظِيمه فرض لَازم، وَالْقَوْل بإجلاله وإكباره، قَول جازم. وموقر ملكه الَّذِي لَهُ التوقير محالف ملازم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن
стр. 214
نصر. سَلام كريم [طيب بر عميم] كَمَا زحفت للصباح شهب المراكب، وفجر الْفجْر نهر النَّهَار، فطفا فَوْقه حباب الْكَوَاكِب، يخص مقامكم الْأَعْلَى، وأخوتكم الفضلى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي آلاؤه العميمة، لَا يحصر عَددهَا، وصنايعه الْكَرِيمَة لَا يَنْقَطِع عَمَّن توكل عَلَيْهِ مددها، وفتوحاته لأوليائه وصفوة خلفائه، لَا تبلغ بالأفهام أمدها، الفتاح الْعَلِيم، نَاصِر العزايم ومؤيدها، وموفق الآراء ومسددها الَّذِي إِذا قرب مَسَافَة أمل، فَمن ذَا يبعدها، وَإِذا أعْطى فَمن ذَا يسوف عطاياه أَو يُرَدِّدهَا. وَالصَّلَاة [وَالسَّلَام] على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، ذِي المعجزات الَّتِي هِيَ الشَّمْس، ضل من ينكرها أَو يجحدها، إِمَام الرُّسُل الْكِرَام وسيدها، وأحمدها ومحمدها، وَخَاتم النَّبِيين، الَّذِي كمل بِهِ عَددهَا، وشفيع الْخَلَائق، يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر ومعتمدها، الَّذِي ندخر محبته ونجدها، ونلجأ إِلَى ظلال وسيلته، فَلَا يخلف إِن شَاءَ الله موعدها، ونمحص الود فِي مرضاته، ونصل الْيَد لإِقَامَة سنته ومفترضاته، فنتعرف الْإِعَانَة ونتعددها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وأنصاره وأحزابه، الَّذين هم كنوز الْملَّة السمحة وعددها وأنجمها، الَّتِي لَا يضل من يسترشدها فينصرهم، طَالَتْ يَدهَا واستقام أودها، حَتَّى أورثهم الله مَا زوى من الأَرْض، بالعزايم الْقَائِمَة على أساس الْيَقِين عمدها، فدان لَهُم أدنى الْأَمَاكِن وأبعدها، وسطا بمثلث الْأُمَم موحدها، وتمت كلمة الله صدقا وعدلاً، يتوارثها عَن الْآبَاء وَلَدهَا، وينافس فِيهَا الْيَوْم غداته. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَسْنَى
стр. 215
بالنصر الَّذِي يثبت آيَات الْفَخر ويخلدها، والسعد الَّذِي يَسُوق ملابس الْفَتْح ويجددها، وَلَا زَالَت حجج سُيُوفكُمْ الْمَالِكِيَّة، يُصِيب شاكلة الْحق من يتقلدها، وأودية سياستكم المرضية، يشفي الغليل مركبها ومفردها، [ومشارع جودكم تروي من يردهَا] . فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عناية يَتَّضِح مقصدها، وسعادة تروى أَحَادِيث الصنع الْجَمِيل وتسندها. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا مزِيد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ بِمَا عندنَا من التَّشَيُّع لمقامكم، أَعلَى الله سُلْطَانه، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي سحائبه ثرة، والصنع الْجَمِيل الَّذِي مباسمه ضاحكة مفترة، والأنباء الَّتِي لَا تعدم مَعهَا مَسَرَّة، والصنايع الَّتِي ألطافها بِالْإِسْلَامِ برة، وجانبكم عندنَا عَلَيْهِ، بعد الله الْمعول، وَالْإِخْلَاص لكم هُوَ لدينا الْمَعْقُول الأول، وَبِمَا فتح الله لكم من منحه الْكَرِيمَة، هُوَ عندنَا الْمنح المهنأ المخول. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، فإننا لَا نزال على ثِقَة من عناية الله بكم فِي كل وَجه، تؤمون إِلَى هَدْيه، وتطلعون كواكب رَأْيكُمْ الميمون فِي سدفه، لما نعلمهُ من سعدكم، الَّذِي يروض الصعاب إِذا رامها، وعزمكم الَّذِي يتَنَاوَل الْأُمُور المبرمة فَيحل إبرامها، ويسهل مرامها، وهمتكم الَّتِي تروم الْكَوَاكِب، فتزاحم أجرامها، ونعتقد أَن الَّذِي سدد من عزمكم السِّهَام فأصابت، ودعا السَّحَاب الجهام فصابت، إِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة نِيَّة خلصت لله، لم يشب صفوها شائب، وخبية صَالِحَة للْمُسلمين تساوى فِيهَا مِنْهُم حَاضر وغائب. وَكُنَّا قد اتَّصل بِنَا أَن مقامكم خطب مَدِينَة بجاية فَأَلْقَت المقاد، وراجعت الِاعْتِقَاد، وَأَن من كَانَ لنظره أمرهَا لما تلى عَلَيْهِ أَن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا، أذعن للحق وانقاد،
стр. 216
ثمَّ تخللت المراوضة أُمُور، وَحدث فِي أثْنَاء الْوَصْل نفور، وللحق من بعد الاحتجاب سفور، وَللَّه فِي كل شَيْء قدر مَقْدُور. فَجعلنَا نرتقب لتِلْك الْحَال مقَالا يحمد، وعاقبة يسر بهَا ذَلِك الْمقَام الأسعد، فَكلما اخْتلفت الْأَحَادِيث نَظرنَا فِي رجالها وطرقها، ورمنا الْجمع بَين متعارضها ومفترقها، واستعملنا ميزَان التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح، لتخليص السقيم من الصَّحِيح. فَلَمَّا ورد رَسُولنَا من بَابَكُمْ، وَقد عَنى بكشف الْمُشكل وَتَقْيِيد المهمل. ووفى بِحمْل المعنعن والمسلسل، وعرفنا بِالْفَتْح الَّذِي تشمخ بِهِ الأنوف، وَتَبَسم لمسرته السيوف، وترتاح لعزه الْجِيَاد الجرد، وتتأود لذكره الرماح الملد، فتح بجاية حرسها الله، وَمَا بجاية إِلَّا بَاب الشرق، وَذَات الْأَصَالَة بِوَاجِب الْحق، وَمن لَهَا فِي ميدان افتخار الْبلدَانِ قصب السَّبق، العتيقة الْبناء، السامية الميناء [الأنيقة الرُّتْبَة، الخصيبة الْبقْعَة] ، دَار البسالة على طول الْمدَّة، وَمَعْقِل الْمُلُوك عِنْد الشدَّة، أزرت على الْقَوَاعِد بزيرها وغمامها، وباءت بباديتها وهماذها، وصابرت الأزمات على طول آمادها. فَهِيَ العقيلة الَّتِي أشرقت يَوْم الافتخار بأسمى سليل، وسفرت لِلْإِسْلَامِ عَن كل مرأى جميل، وَقَعَدت على منصة التشريف والتفضيل، وَضمن عليل نسيمها شفا العليل، وتختمت بِالثُّرَيَّا، وتعصبت بالإكليل، وزرت برفيعها وبديعها على الْفُرَات والنيل. دَار الْجِيَاد المجنوبة، والأساطيل الْمَوْهُوبَة، ومرفأ الشَّفق ومحط الركاب، ومتلقى جوابة البيدا،
стр. 217
وخايضي الْعباب، تهوى إِلَيْهَا أَجْنِحَة الشراع شارعة، وتبتدرها قوافل السفن متسارعة، مَا بَين مخبرة عَن مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة، ومطرفة بأبناء رومة بنى الْأَصْفَر، وصادرة عَن السواحل العكية، ومحدثة عَن غرائب التركية، وشاكية إِلَيْكُم الكرب نَاجِية من ظلمَة اقتباس الغرب. أَلْقَت الْيَد إِلَى طاعتكم على شهرة إبائها وشماسها، ومنعة وَضعهَا، وشهامة ناسها، لما علمت أَن مغالب الْحق مغلوب، ومحارب الْقُدْرَة الإلهية محروب، وحروف اللجاج مقود مجنوب، ومكابر الْبُرْهَان إِلَى الْجَهْل مَنْسُوب. فصانتها أَصَالَة رأيها فِي طَاعَة عَن الخطل، وتحلت منابرها بذكركم من بعد العطل، وَطَابَتْ بإيالتكم الفارسية نفسا، واستشعرت سُرُورًا وأنسا. وَكَانَت قد عدمت نَاصِر الدّين معنى، فَوجدت نَاصِر الدّين معنى وحسا، وخشعت أصوات أَهلهَا للرحمن من بعد الإجهار بالإباية والإعلان، فَلَا تسمع إِلَّا همسا، وَأصْبح ملككم مطلا على ماوراءها من الْجِهَات، [نَاسِخا بمحكم] الْحق حجج الترهات، وَإِن كَانَت قد أبدت نفارا وتيها، وعاودت عَادَة تجنيها، فالتيه من عَادَة الغادة، والتمنع من شِيمَة الْكَرِيمَة، أَنما هُوَ المطل، وَبعده يحصل الْوَصْل، والوعد والإنجاز من بعد، والبرق والرعد، وَفِي أَثَره الْغَمَام الرغد، وأهون المكسوب رخيصه، وَلَذَّة الصَّيْد أَن يطارد قنيصه، وَإِذا ظَهرت الآلاء فَمَا أخفت ملالا، وَإِن رامت دفاعا، فَمَا أضمرت خلافًا وَلَا امتناعا. فقد كَانَت خجلة من نشوزها الْمُتَقَدّم، قَارِعَة سنّ المنتدم المتندم، معلنة بطوق الكلف، متبرمة من الصلف، معترفة بِحُقُوق من سلف لكم من كريم السّلف، مستدركة مَا فاتها من أيامكم السعيدة الْمُسْتَقْبلَة، باخعة بتوبتها، والتائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ. فَلَمَّا تحققنا من هَذَا الْخَبَر الَّذِي هُوَ علم فِي عواتق الْإِخْبَار،
стр. 218
وشنب فِي ثغور الثغور، وخفر، فِي خدود الْأَمْصَار، وَسجْدَة فِي سُورَة الفتوحات الْكِبَار، وَأثر حَقه أَن يكْتب بمداد اللَّيْل فِي قرطاس النَّهَار، قُلْنَا تحصل الأمل، وَلما ثَبت الحَدِيث وَجب الْعَمَل. وَهَذَا أَمر لنا فِيهِ النَّاقة والجمل، إِذا فتح الله على من نأمل نَصره فعلينا فتح، وَإِذا منح من نرجو إعانته فإيانا منح. الْآن زَادَت الخطة المرجوة سَعَة، واستأنفت الْملك الَّذِي يعْتد بِهِ تمهيدا ودعة، وآن أَن يحصد فِي مرضات الله مَا زرعه. الْآن أمكن الاستعداد، وتيسير الْحَج وَبعده إِن شَاءَ الله تيسير الْجِهَاد، وأعطينا السرُور بِهِ مَا شاءه، وأتبعنا الدَّلْو فِيهِ رشاءه، وعمرنا بترديد الْحَمد لله ضحى الزَّمَان وعشاءه. وبادرنا بتوجيه من يُؤدى عَنَّا حق الهناء بِهَذِهِ الآلاء، ويسلك فِي تَوْفِيَة مَا عندنَا من السرُور على سَبِيل السوَاء. فاخترنا لذَلِك فلَانا، وصل الله سَلَامَته، ويمن ظعنه وإقامته، وحملناه من تَقْرِير مَا لدينا من الود الَّذِي صدق ابتهاجه، وَقطع المعابر امتجاجه، وراق على أعطاف الخلوص ديباجه، مَا نرجو أَن يقوم بِمَا أمكن من حَقه، ويسلك فِي تبليغه لَا حب طرقه. وفضلكم كَفِيل بالإصغاء إِلَى مَا يلقيه، وَالْقَبُول على مَا يُؤَدِّيه، وَالله تَعَالَى يبْقى ملككم متأودة بالنصر عواليه، مَسْرُورا بسعادته من يواليه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. [وَكتب فِي الثَّانِي عشر لشهر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام أَرْبَعَة وَخمسين وَسَبْعمائة] .
стр. 219
وَلما ثار بجبل الْفَتْح عِيسَى بن الْحسن بن أبي منديل، وَقبض عَلَيْهِ وَوجه للسُّلْطَان بالمغرب، عرف سُلْطَان الأندلس بذلك فَكتب فِي مُرَاجعَته كِتَابه الْمَذْكُور مَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي غَرِيم غرمه كَفِيل باسترجاع الْمَغْصُوب، وعامل سعده ضمين بخفض الْبَاطِل الْمَنْصُوب، وجبين مجده خليق بتاج الْعِزّ المعصوب. مقَام مَحل والدنا، الَّذِي نشتمل من فضل سروره بالملادة الضافية [ونستند من التَّشَيُّع إِلَيْهِ إِلَى كلاءة وافية، ونرد من مشرب سعادته فِي الْمَوَارِد الصافية] ، ونحظى من مقاسم مَا يسنيه الله لَهُ، بالخطوة الوافرة الوافية، ونسأل الله لَهُ اتِّصَال الصنع ودوام الْعَافِيَة، حَتَّى لَا تزَال تطلع علينا من ثنايا عناية الله بِهِ، أنوار الألطاف الخافية، أبقاه الله يروض سعده الصِّفَات فيلينها، ويتناول المشكلات فيبينها، ويطلع غرَّة الصنع الْجَمِيل يروق جبينها، ويجني ثَمَرَة النَّصْر الْعَزِيز قد يسرها حينها. مُعظم قدره الَّذِي فاق الأقدار، وَاسْتحق الإجلال والإعظام والإكبار، وموقر ملكه الَّذِي صدق الْخَبَر من فَضله الْأَخْبَار، فلَان [سَلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الْأَعْلَى وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته]
أما بعد حمد الله الفتاح الْعَلِيم، مطلع أنوار الْعِنَايَة بِهَذَا الإقليم، فِي جنح
стр. 220
الْخطب البهيم، ومجنى ثَمَرَة التَّفْوِيض لأوامره وَالتَّسْلِيم، وتلقى أَحْكَامه بِالْقَلْبِ السَّلِيم، عذبة المذاق، طيبَة الْعرف، رايقة الْأَدِيم، ومحق الْحق، ومبطل الْبَاطِل فِي الحَدِيث من الْحَوَادِث وَالْقَدِيم، الَّذِي تدارك بالشفا عِنْد الإشفار من الْقطر السقيم، وَسكن بالايتلاف من بعد قدح زند الْخلاف، نفس الظاعن بِهِ والمقيم، وأخمد بيد قدرته عصوف الرّيح الْعَقِيم. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله النَّبِي الْكَرِيم، الرؤوف الرَّحِيم، الْمَوْصُوف فِي كِتَابه الْعَزِيز بالخلق الْعَظِيم، الْهَادِي إِلَى السَّبِيل الْوَاضِح وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم، الَّذِي باتباعه نحظى بِالْخَيرِ العاجل، وَالنَّعِيم الْمُقِيم، وبجاهه ندرأ فِي نحر الْخطب الجسيم، فنجتلي غرر الْوَجْه الوسيم، [وَفِي ابْتِغَاء مرضاته نثابر على جمع شَمل الْإِسْلَام] واتساق ملكه الْعَظِيم. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه أولى الْهدى الْكَرِيم، وَالْمجد الصميم، الَّذين خلفوه فِي أمته، بالتكميل لمرضاته والتتميم، وَكَانُوا لَهَا من بعده كَالنُّجُومِ الهادية فِي اللَّيْل البهيم، وَجَاهدُوا أعداءه بالجد والتصميم، فامتد بسيوفهم الْمَاضِيَة، وسيرهم الراضية، جنَاح الْأمان على الْأَمْوَال والأنفس والحريم. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَسْنَى، بالنصر الَّذِي يغنى ببرهانه عَن السبر والتقسيم , واليمن الَّذِي يمد جنَاحه الرحب على العامر والمسيم. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم دوَام السَّعَادَة واتصالها، وَعمر بِإِظْهَار آيَات العنايات بكم بكر الْأَزْمَان وآصالها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله، الَّذِي بهرتنا ألطافه، فأضرمت الألسن الخامدة، وغرناطه نعمه تتبع التالية مِنْهَا الْوَارِدَة، إِلَّا انْشِرَاح الصُّدُور الَّتِي كَادَت لَوْلَا حسن الْيَقِين تضيق، واستبشار النُّفُوس، الَّتِي كَاد
стр. 221
يلتبس لَهَا فِي جنح الشدايد طَرِيق، واجتماع الْكَلِمَة بعد أَن نعق بهَا التَّفْرِيق، وخلوص الْمَوَارِد، وَقد كَاد يتنكر الصّديق، واستقامة الْأَحْوَال على مَا يجمل بِمن يرْعَى حق ذِي الْجلَال ويليق، ولأبوتكم الْحق الَّذِي لَا يُفَارِقهُ التَّحْقِيق، وَالْبر الَّذِي سَببه القوى وثيق، والتشيع الَّذِي تعاضد مِنْهُ التَّصَوُّر والتصديق. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا وصلنا كتابكُمْ، الَّذِي شفى الْعِلَل، ونقع الغلل، وَمكن السرُور والجذل، تعرفُون فِيهِ بِحَال الْجَبَل، وَمَا أفْضى إِلَيْهِ أمره، وَاسْتقر عَلَيْهِ زيده وعمره، وَمَا كَانَ من مُرَاجعَة من فِيهِ بصائرهم، وإظهارهم ثَمَرَة مَا أسرته من الطَّاعَة سرائرهم، وَأَنَّهُمْ امتعضوا للْوَاقِع، وصرفوا الوصى للراقع، وَبَادرُوا بدرياق الاستقالة عَاد والسم الناقع، فَعَاد الْحق لرَبه، واستقام نفس الدعْوَة فِي مهبه، وانحط سَنَام الْخلاف بعد جبه، وباء المذنب بِذَنبِهِ، وَسُوء كَسبه. وَإِن كَانَ الْجوَار. بهدى الأنباء غضة، فَمن لِسَان مخاطبتكم للجيب، وجزئياتها لَا تبين مِنْهَا إِلَّا ببيانه الْمَذْهَب. وَاعْلَمُوا يَا مَحل والدنا أَن هَذَا الْأَمر الَّذِي انصدع صباح الْفرج فِي ليل شدته، وطالت آماد الآمال بقصر مدَّته، إِنَّمَا هُوَ كَانَ شعلة وَقعت لِلْإِسْلَامِ فِي خزانَة عدته، وَهِي طرق إِلَى أساس سدته، وداهية أَصَابَت هَذَا الْقطر الْغَرِيب، آخذة بمصراع بَابه، قَاطِعَة لأسبابه. تداركها الله بسعدكم، ليرى كَيفَ تجلى بالعناية إلآلهية الغياهب، وتتضح [بِالْقُدْرَةِ الأزلية] الْمذَاهب، [وليحمد الحامد ويهب الْوَاهِب] ، وَيعْتَبر بمواقع تصريف الْقَضَاء الْآتِي والذاهب. فَالْحَمْد لله الَّذِي لم يشمت الْكفَّار بِوُقُوع فتْنَة تهد من الْإِسْلَام ركنا، وتشمل أَهله ضغنا، وَتغَير من اتِّصَال أَيْديهم لفظا أَو معنى. وَإِن عَم الصنع بهَا فجهتنا الْمُعْتَمدَة بِخُصُوصِهِ، وَإِن كَانَ لغَيْرهَا
стр. 222
من الأقطار حَظّ أقيسة، فلنا حظوظ نصوصه. فَنحْن نهنى مقامكم الْأَسْنَى بخلوص حَسَنَة سلفكم الْمَكْتُوبَة فِي صحف الْقبُول، ومنقبة ملككم الرائقة الْغرَر والحجول. فقد ظَهرت طَيّبَات كسبها لما نفي الله عَنْهَا الشوايب، وحقق الشَّاهِد مِنْهَا للْغَائِب، وتخيرت الأخابث والأطايب، وَظهر أَن الله قد حفظ عَلَيْكُم نعْمَته وصانها، وَقصر على يدكم عنانها، وَكفى شانها من شَأْنهَا، فَإِنَّمَا هِيَ فرضة بحار تسلك، وَمَسْجِد عبَادَة لَا تسْتَحقّ بِغَيْر التَّقْوَى وَلَا تملك، وَقد ظهر من سر سعادتكم مَا لم يكن فِي حيّز الخفا، فكم معضلة بادرها بالشفا من بعد الإسفا، فهجعت الْعُيُون بعد هجر الإغفا، ووردت الآمال، وَقد تَكَرَّرت الْمَوَارِد مُرَاجعَة بعد الكدر حَال الصفاء، مَا ذَاك إِلَّا لنِيَّة يعلمهَا من يطلع على الضمائر، فَيعلم إخفائها وإيداها. وكما قَالَ ﷺ ، من أسر سريرة ألبسهُ الله رداها. فهنيا بِهَذَا الصنع، الَّذِي أشرقت شمسه، وَنسي بيومه أمسه، وَنحن نقابل مخاطبتكم إيانا بِهِ بالشكر الَّذِي كرم نَوعه وجنسه، ونضرع إِلَى الله فِي صلَة بقائكم، الَّذِي هُوَ معنى الْخَيْر كُله وأسه، ونسله سُبْحَانَهُ أَن يوليكم من مواهب فَضله، مَا ينشرح بِهِ صدر كل مُؤمن، وتطيب نَفسه، حَتَّى يرغم أنف الْكفْر بجهادكم، وتعز هَذِه الأقطار بإعانتكم وإمدادكم. وَإِن ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا لدينا من التَّشَيُّع الْمُسلم الْحجَج، وَالْبر الْوَاضِح الْمنْهَج، كُنَّا كمن يروم رفع اللّبْس عَن سنا الشَّمْس، ويعدل عَن الْمُشَاهدَة إِلَى الحدس. وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. [فِي السَّادِس وَالْعِشْرين لذِي حجَّة من عَام سِتَّة وَخمسين وَسَبْعمائة] .
стр. 223
وَصدر عني جَوَاب لما اسْتَقل سُلْطَان الْمغرب بِملك وَطنه
الْمقَام الْأَسْنَى الَّذِي أحسن الله لَهُ العقبي [وأعقب لَهُ] الْحسنى، وبلغه من فَضله مَا تمنى، وَجعله مثابة للنَّاس وَأمنا. فَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم لفظا وَمعنى , مقَام مَحل أخينا الَّذِي جدد الْبَيْت الْكَرِيم وَرفع أَرْكَانه، وَاسْتحق النَّصْر الْعَزِيز، فعين زَمَانه ومكانه، ونبهه الْقدر والحظ المبتدر، فتملا أوطاره، وتملك أوطانه، وَاسْتظْهر للدهر بعقوده، طَالبا إِرْث آبَائِهِ وجدوده، فحاز تراثه، واسترد سُلْطَانه. السُّلْطَان الكذا أبقاه الله منشرحة بسلطانه الصُّدُور، مستمدة من نور سعادته البدور، ومشمرا لتتميم مآربه، وإيضاح مذاهيه الْقدر الْمَقْدُور، مقترنا بعزماته الظُّهُور، متنافسة فِي تخليد مآثره الْأَيَّام والشهور، رَافعا رواق الْعِصْمَة عدله الْمَشْهُور، ضَاحِكا فِي الْيَوْم العبوس علمه الْمَنْصُور، مُعظم قدره، وملتزم بره المسرور، بِمَا سناه الله لَهُ من إجلال قدره، وإعزاز نَصره، [الْأَمِير عبد الله فلَان] . سَلام كريم يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الفتاح الْعَلِيم، مجتني ثَمَرَة الْأَمَانِي القاصية، والآمال المتقاصية، من شَجَرَة الرِّضَا وَالتَّسْلِيم، ومطلع أنوار الظفر بالأوطار فِي [ظلمَة الأخطار] لأولى الْعَزْم من خلفائه الْأَبْرَار والتصميم، وذاخر منحة الْفَوْز بِمَا لَدَيْهِ من أوليائه
стр. 224
الْكِرَام عَلَيْهِ لمن أَتَاهُ بقلب سليم، الَّذِي جدد للملة الملابس عزها رائقة التسهيم، وجلى عَنْهَا بِنور السَّعَادَة غياهب اللَّيْل البهيم، وَنفخ فِيهَا الرّوح، روح الْحَيَاة فِي الْعظم الرميم، الْملك الْحق الَّذِي إِذا أعْطى لم يفد لرد الْخصم وَلَا مماطلة الْغَرِيم، فبيده ملك الْقَبْض والبسط، وَتَأْخِير والتقديم. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد نبيه الْمُصْطَفى الْكَرِيم، وَرَسُوله الرءوف بِالْمُؤْمِنِينَ الرَّحِيم، الَّذِي أثنى فِي كِتَابه الْعَزِيز على خلقه الْعَظِيم، وأرسله بِالْآيَاتِ الْبَينَات وَالذكر الْحَكِيم، وَأخْبر أَنه وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ، وَأمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم، وَبَعثه إِلَى النَّاس كَافَّة، يَأْخُذ بالحجزات عَن الْعَذَاب الْأَلِيم، وَيَدْعُو على بَصِيرَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ إِلَى جنَّات النَّعيم، حَتَّى أَصبَحت كلمة الله تخب بهَا جِيَاد الأقلام فِي ميادين الأقاليم، وسرت فِي الأقطار تبين لأولى الأسماع والأبصار حُدُود التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه المتميزين بأصالة الْمجد وكرم الخيم، الحائزين قصب السَّبق فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم، الَّذين خلفوه فِي أمته بالتكميل لمحاسنها والتتميم، ونصروه فِي حَيَاته نصرا تكفل بِحِفْظ النُّفُوس وصون الْحَرِيم، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم صنعا تتلى أنباؤه مَا بَين زَمْزَم والحطيم، وسعدا تغنى قواطعه فِي الْأَعْدَاء عَن اختبارات النصب واعتبارات التنجيم، ونصرا يدونه الذابل والحسام، فيقومان بوظيفتي السبر والتقسيم، وبشاير تسرى فِي الْآفَاق مسرى النسيم، وتسفر فِي مطالع التَّعْرِيف عَن الْوَجْه الوسيم، وتروى مِنْهَا الْعباد والبلاد، تحفة القادم وَزَاد الْمُسَافِر، وقوت الْمُقِيم. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَنعم الله قد هَمت مِنْهَا السَّحَاب، وفتوحاته الربانية، قد تفتحت مِنْهَا الْأَبْوَاب، والكلمة المحمدية قد اتَّصَلت بهَا الْأَسْبَاب، ودولة الْإِسْلَام قد عَاد لَهَا بدولتكم الشَّبَاب، وآلاء الله [لما بهرت أذهلت الْأَلْبَاب] . والظنون فِيهِ سُبْحَانَهُ، قد صدق مِنْهَا الْحساب.
стр. 225
وَلَا زايد بِفضل الله، الَّذِي عَمت هباته، فَهُوَ الْجواد الْوَهَّاب، ثمَّ ببركة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله ﷺ ، للَّذي أشرف من نور هدايته الشهَاب إِلَّا الْعِزّ المشيد، والسعد الْجَدِيد، واليمن العريض المديد. [والآمال الَّتِي أشرق مِنْهَا الْجيد. وَالْحَمْد لله حمدا يتَوَلَّى مِنْهُ بوسيلة الشُّكْر الْمَزِيد] وَإِلَى هَذَا عرف الله الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين [عارفة] سعدكم، وهناكم مَا هيأه من الصنع الْجَمِيل لمجدكم، فإننا [قدمنَا] لكم الْخطاب جَوَابا عَمَّا أهديتم إِلَيْنَا، وأوفدتم بِمُقْتَضى فَضلكُمْ العميم علينا، من اتحافكم ببواكر الْفَتْح الْأَسْنَى، والصنع الوثيق الْمَبْنِيّ، وأنكم صرفتم إِلَى دَار الْملك، الَّذِي اخْتلفت لسعادة أَمركُم أوقاته، ومقر الْعِزّ الَّذِي حفظ أَمَانَته عَلَيْكُم ثقاته، وتشوف إِلَى تَلْبِيَة مجدكم مِيقَاته، وارتاحت إِلَيْكُم عهوده، وحنت إِلَى لقائكم سروجه ومهوده، وسهرت لارتقابكم عيونه، ويسرت لاقتضائكم دُيُونه، ونضرت لمجالسكم مراتبه، وَعرضت بَين يَدي جودكم مواهبه، وجنبت إِلَيْكُم جرده وسلاهبه، وزينت ببدركم هالته، وخطبت بجلالكم جلالته. وَأَن الْملك قد اسْتَقر، والْمنَّة لله فِي قراره، وَرب الدَّار قد توَسط أريكة دَاره، وَالْوَارِث الأحق قد فَازَ بِحقِّهِ، والجواد الْكَرِيم قد تميز فِي ميدان السعد بخصل سَيْفه، وَأَن الطَّاعَة قد اتسقت عقودها وانتظمت، وخلصت واستحكمت، والألسنة قد أعلنت مَا كتمت، وملة الْإِسْلَام قد رضيت وسلمت، وَأَن الْعباد والبلاد قد شملها
стр. 226
الاستبشار، وَحصل إِلَيْهَا الأمل الَّذِي كَانَ إِلَيْهِ يشار، والقرب الَّذِي كَانَت تحن إِلَيْهِ كَمَا تحن العشار، وَظَهَرت آثَار الِاعْتِقَاد الَّذِي لم يزل فِي العقائد كامنا يروع النَّاس مقَام إِبْرَاهِيم، الَّذِي من دخله كَانَ آمنا، وغبطناكم بموقعها الْأَسْنَى، وعارفتها الْحسنى، وَقُلْنَا الْحَمد لله الَّذِي رد حلي الْملك الْمجِيد إِلَى الْجيد، وقلد حسام الْخلَافَة، عاتق البطل النجيد، وزين المفرق الْكَرِيم بالتاج، وَفرق مُقَدّمَة الْعَزْم بالإنتاج، ومعاذ الله أَن تجْهَل الْبِلَاد حق والدكم، الَّذِي كفل الرّعية وكفاها، وتمم مآرب الْإِسْلَام على الْأَيَّام ووفاها، وأعذب الْمَوَارِد وأصفاها، وَمد جنَاح الْعدْل المنشور، وَالْفضل الْمَشْهُور، ووسم بغرر المناقب أوجه الْأَيَّام والشهور، وَكَانَ لملوك الْإِسْلَام أَبَا، ولتمهيد الأقطار، وتسنى الآمال الجهادية والأوطار سَببا، وَلدين الله ركنا وثيقا، ولأوليائه وليا وصديقا، وعَلى الثغور شفيقا، ولأعباء الْخلَافَة مطيقا، وللمناقب ديوانا، وعَلى عز كلمة الله عنوانا، وللجهاد مديما، ولنعمة الله بالشكر مستديما، ولرسوم الْعلم وَالْعَمَل مُقيما، وللعدل وَالْإِحْسَان صراطا مُسْتَقِيمًا، ولخصوص هَذِه الجزيرة الأندلسية، الَّتِي جعلهَا الله ميدان أمانيه، من رَضِي الله وآماله، وأسلف فِيهَا مَا أسلف من أَعماله، وسمح لَهَا بِنَفسِهِ وَولده وَمَاله، جزاه الله جَزَاء الْخُلَفَاء الصَّالِحين، وَالْأَئِمَّة الْمُجَاهدين من أَمْثَاله، وَأبقى بركته فِي وَلَده وَآله. فَلَو لم يدع إِلَى السرُور بِمَا سناه الله لكم إِلَّا هَذِه الْوَسِيلَة، الَّتِي تسلم لَهَا الْوَسَائِل، وَتقوم على فَضلهَا الْبَرَاهِين والدلائل، لكفت، وبرت ووفت، وسحت بركتها ووكفت، فالفرقد من النصل، وَالْفرع من الأَصْل، وَالْحب يتوارث، كَمَا ورد بِهِ الحَدِيث وَالْخَبَر، وَشهد بِهِ الْحس وَهُوَ الشَّاهِد الْمُعْتَبر. وَإِنَّا لنَرْجُو أَن ترضوه فِي لحده، باقتفاء سنَن جهاده وجده، وتتمموا مقاصده فِي سَبِيل الله
стр. 227
من بعده. فَأنْتم سلالة مجده، ومنقبة حَمده، ورأينا أَن تِلْكَ الْمُرَاجَعَة دون الْكِفَايَة، وقاصرة عَمَّا يجب من المبرة والحفاية، فخاطبناكم بِهَذَا الْكتاب، نؤكد سرورنا بِمَا ألبسكم الله من تِلْكَ الْحلَل، ونسله لكم تَمام الْقَصْد وبلوغ الأمل، فَنحْن الْآن نبدي فِي سنائكم ونعيد، ونسهب فِي القَوْل، وَأَيْنَ يَقع مِمَّا نُرِيد، ونروم أَن يَفِي الْكتاب، بِمَا ينطوي عَلَيْهِ لكم، وَهُوَ المرام الْبعيد، وَإِذا كَانَت السرائر يعلمهَا الشَّاهِد الرَّقِيب، ويرتب عَلَيْهَا المجازاة، فَهُوَ الْمجَازِي الْمُنِيب، فحسبنا أَن نكل خفيها إِلَيْهِ، وندنيه مِنْهَا بِمَا لَا يخفى عَلَيْهِ، فَالله يهنيكم بِمَا أولاكم من منحة حافلة، وصنيعة فِي حلل الْكَمَال رافلة، ويسعد بهَا الأقطار، كَمَا [مهد بهَا] الأوطان، وَيسر الأوطار، ويجعلها فِي الْعقب بعد طول المدا بَاقِيَة، ويلبسها عصمَة مِنْهُ واقية، حَتَّى لَا يصرف شملها بعد الانتظام انتثارا، وَلَا طرف سعدها من بعد الْإِحْضَار عثارا، ويجعلها لنجوم عزكم مدارا، ولدعوة ملككم دَارا وقراراً. وعينا فِي هَذَا الْغَرَض وَالْقِيَام بواجبه [الْمُلْتَزم] المفترض، من رجونا أَن يَنُوب عَنَّا فِيهِ أَحْمد المناب، ويمهد أفسح الجناب، ويشرح مَا لَا تفي بِهِ مَقَاصِد الْكتاب [وهم فلَان وَفُلَان] ، وفضلكم كَفِيل بالإصغا لما يلقونه، وَالْقَبُول على مَا يودونه. وَالله يصل سعدكم ويحرس مجدكم [ويضاعف نعمه عنْدكُمْ] ، وَالسَّلَام الْكَرِيم، الْبر العميم يخصكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 228
وَصدر عني فِي هناء السُّلْطَان الْكَبِير أبي عنان ﵀ عِنْدَمَا أتيح لَهُ النَّصْر على فل بني زيان بِمَدِينَة تلمسان، وَذَلِكَ فِي عَام اثْنَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة
الْمقَام الَّذِي أكواس فتوحه على غبوق الزَّمَان وصبوحه تَدور دراكا، وكفلاء سعوده، توجه آماله القصية بغايتها لحَاقًا وإدراكا، وأيدي الْقدر فِي حالتي الْورْد والصدر تعلق أعداءه إشراكا، وحدود صوارمه، تأبى فصولها المميزة، أَن تدع فِي أمره اشتراكا، وعناية الله تصْحَب ركابه وتحف جنابه، كلما رام سكونا أَو أعمل حراكا.
مقَام مَحل أخينا الَّذِي أَخْبَار نَصره لَا تمل على الْإِعَادَة، وآثار نجومه مسطرة فِي أوراق السَّعَادَة، وَآيَة صنع الله لَهُ خارقة حجاب الْعَادة، ومنته الْخَالِصَة لله ضامنة لَهُ بُلُوغ الْإِرَادَة، أبقاه الله يمهد قَوَاعِد الْملك الْأَصِيل، فَلَا يعارضها فرق، ويستخلص دُيُونه، فَلَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ مِنْهَا حق [ويشيم بوارق النَّصْر الْعَزِيز فَلَا يخلف مِنْهَا برق] ويقتحم الْأَهْوَال وصدره رحب وَوَجهه طلق، فَكلما عرضت آيَة بر كَانَ لَهُ سبق، مُعظم مقَامه الَّذِي اسْتوْجبَ التَّعْظِيم بِكُل اعْتِبَار، ومابل ملكه بِكُل إجلال وإكبار، الْمثنى على مكارمه الَّتِي جيادها للغايات ذَات ابتدار، وديمها فِي انهمار. فلَان. سَلام كريم، طيب بر عميمم كَمَا حَيا نسيم الصَّباح بِطيب هِبته، وَرفعت راية النَّهَار على هضبته، يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 229
أما بعد حمد الله الَّذِي طوقتنا مواهبه العميمة تطويقا، وأوضحت لنا هدايته من الشُّكْر طَرِيقا، الَّذِي جعل عزمكم للنجح رَفِيقًا، وَلم يعْدم آراءكم السديدة تَوْفِيقًا، وشفا بسيوفكم عليل ذَلِك الْقطر، فَأصْبح بعد الإشفاء مفيقا، ورد إِلَى عصمَة ملككم عقائل تِلْكَ الأقطار، قد سامتها الْفِتْنَة مُفَارقَة وتطليقا، فاجتلت بكم وَجه السَّعَادَة طليقا، وأوت إِلَى الظل الَّذِي جعله الله باجتماع كلمة الْحق خليقا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي أطلع نور [الْهِدَايَة للرسالة وَالْهِدَايَة] فأرشد ضَالًّا وأنقذ غريقا، وسام كلمة الْكفْر طمسا , وَسبب لفرقة تمزيقا، الَّذِي نعتلق من جاهه عِنْد انبتات الْأَسْبَاب سَببا وثيقا، ونقصد مِنْهُ يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر منجا بالفوز حَقِيقا، ونؤم مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة شَفِيعًا وشفيقا، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين اخْتَارَهُمْ لَهُ حزبا وفريقا، فصدقوا مَا جَاءَ بِهِ عَن الله تَصْدِيقًا، ونصروا دَعوته حَتَّى بلغت مُرَاد الله مِنْهَا تغريبا فِي الأَرْض وتشريقا. وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالنصر الَّذِي يستعذب مِنْهُ مبسم الْفضل ريقا، والصنع الَّذِي يدرء روض الْعِنَايَة الإلهية أنيقا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم نصرا يطبق مفاصل الآمال تطبيقا، وسعدا يفوق سهامه تفويقا، وَعزا يُوسع فُصُول التَّمْهِيد والتحليل تثبتا فِي الأَرْض وتحقيقا. من حَمْرَاء غرناطة , حرسها الله، وَلَيْسَ لفضل الله سُبْحَانَهُ إِلَّا الارتياح إِلَى البشائر المثناه، والأنس بلقا المأمل المتهناه، والكلف بِوُجُوه الْفتُوح المجتلاه، والترحيب بالأنباء الَّتِي تعلى الْبَنَّا نواصي الفلاة، وتركب متون السفن تجْرِي فِي أَعِنَّة الرِّيَاح المرسلات. وَنحن على مَا تعلمُونَ من الود الَّذِي اسْتَقَرَّتْ أَرْكَانه، وَشهر مَكَانَهُ، وتمحص إِلَى جِهَة الْوُجُوب إِمْكَانه، نعتد بملككم الَّذِي نرفع
стр. 230
شَأْنه، ونؤمل من ظهوركم على أَعدَاء الله يَوْمًا يرتقب زَمَانه، ونثنى عَلَيْكُم ثَنَاء الرَّوْض باكره من الْقطر هتانه. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فَإنَّا ورد علينا كتابكُمْ، الَّذِي صفر التَّعْرِيف بالظفر وأكده، وعضد إخاءه وأيده، تركت ظهر الشَّيْخ خائضا لجته، ويصدع أحشاءه مستهديا محجته. فاستجلينا غرَّة الْبَيَان الْحر، وَقُلْنَا عَادَة الْبَحْر أَن يقذف بالدر، أَي كتاب وَسعه الْخطاب الْفَصْل ووشاه، وزائر لَا يسْعد الله ممساه. جددنا الْعَهْد بِسَمَاع فصوله، وَالشُّكْر لصلته وموصوله، وروينا حَدِيث النَّصْر مُتَّفقا على اخْتِلَاف الطّرق، وقابلنا نُسْخَة الغرب بنسخة الشرق، وَقُلْنَا هَذَا أصل فِي بَحر، وَإِلَى مثله ترد النّسخ العتيقة، وَبِه تحصل الْوَثِيقَة، وأثنينا على مجادتكم الَّتِي لم تقتصر فِي تعريفنا على خبر وَاحِد، وَلَا وثقت فِيهِ بِأول وَافد، حذرا مِمَّا يعْتَرض برد الرسائل من غوائل الطّرق وطوق الغوائل. فثابرت على تَحْصِيل هَذَا الْغَرَض حَتَّى حصل وَصَحب كل وَاحِد مِنْهَا خَبِير سعدكم فَسلم وَوصل، فتقرر مَا سناه الله لملككم من إعزاز المملكة، وتورط عَدوكُمْ فِي هفوة الردى ومهواة الهلكة، وَالْفَتْح الَّذِي قَامَ بِحِسَاب الْفتُوح مقَام الفذلكة، وأرمق قُلُوبكُمْ، كَمَا تناولت عزماتكم طرده وَعَكسه، وقارعت خصماء نفوسكم نَفسه، وَجَرت عَلَيْهِ جيوشكم الجرارة ذيول الهزائم، وأذكت عَلَيْهِ سعودكم عُيُون الزَّمن النَّائِم، فَرَأَوْا عقبان الْخَيل فِي أَعْقَابهم، وعيون النُّجُوم تَأْخُذ المراقب فِي ارتقابهم، وراموا التنكر فعرفوا، وَاسْتظْهر عَلَيْهِم سعدكم بِالْعَدْلِ والعلمية فصرفوا، وَقد وَكلهمْ النَّدَم بعض الأباهم، وعوضهم الْقَهْر من امتطاء الأداهم، وأصبحت
стр. 231
الْبِلَاد، قد سكن هائجها، ومقدمات الْعَزْم قد صدقت نتائجها، والكلمة قد اجْتمعت، وَأَحْكَام الْخلاف قد ارْتَفَعت، وأودية السياسة نجعت. وَقد كُنَّا لأوّل وُرُود هَذَا الْخَبَر أعطيناه حَقه من السرُور بمقدمه، وعينا رَسُولنَا الَّذِي أوفدناه على بَابَكُمْ الْكَرِيم لتقرير ذممه، وإلقاء مَا يسع فِي اسْتِيفَائه عَادَة مجده وَكَرمه. وَنحن الْآن نعيد هُنَاكُم، ونقيد على هَذِه الْمُحَافظَة ثنائكم. وَإِن ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا عندنَا من السرُور بسروركم، والابتهاج بانتظام أُمُوركُم، رمنا تَحْصِيل حَاصِل، واجتهاد وادع وَاصل، فَجَمِيع مَا ينالكم من عز النَّصْر، وعلو الْأَمر، نصيبنا الأوفر فِيهِ، وحظنا الْحَظ الَّذِي لَا يرجحه غَيره وَلَا يوازيه، وعايدته على قطرنا بِمَا يكبت طوايف أعاديه، ويسكب بالأمداد غيوث عواديه، فتقدمها بالتشيع الضافية أثوابه، والخلوص المفتحة أبوابه. وَالله تَعَالَى يعلى مقامكم الْوَثِيقَة أَسبَابه، وَيُؤَيِّدهُ حَتَّى يمْضِي فِي جِهَاد أَعدَاء الله عضابه. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.
وَصدر عني فِي قريب من هَذَا الْغَرَض
الْمقَام الَّذِي تبرع سعده برد الْمَغْصُوب، وتولت يَد الْعِنَايَة الإلهية عقد تَاج عزه المعصوب، وحكمت عوامله فِي سَبِيل الله بخفض الصَّلِيب الْمَنْصُوب، مقَام مَحل أخينا الَّذِي أَتَاهُ الله الحكم صَبيا، وأخلص الْملك فِيهِ لله نجيا حفيا، فَقَالَ مُشِيرا إِلَى مَكَانَهُ، قبل تَأتي الْأَمر وإمكانه، " رب هَب لي من لَدُنْك وليا، يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب، واجعله رب رَضِيا "، السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله يَرْمِي [بسهام عزماته] أغراض
стр. 232
السداد فيصيبها، وَيُشِير بِيَدِهِ الْكَرِيمَة إِلَى مواهب الله العميمة، فيتوفر لَدَيْهِ نصِيبهَا، وَيطْلب مِيرَاث سلفه فِي الأقطار بالحسام الماضى والقنا الخطار، فيفوز بأقصى الآمال والأوطار من الِانْفِرَاد بتعصيبها. مُعظم قدر إخائه، ومرفع جَانب علائه، وَمُوجب فرض هنائه، بنعم الله وآلائه، [ومؤمل عزمه الْمُعْتَمد بمضائه] ، الدَّاعِي إِلَى الله بدوام نَصره وصلَة بَقَائِهِ، حَتَّى تربي مآثره فِي سَبِيل الله على مآثر آبَائِهِ، فلَان. سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي حفظ مُؤَكد الْعِزّ مِنْكُم على من اخْتَارَهُ، وَأظْهر عنايته بِالدّينِ الحنيف على يَدي سلطانكم المنيف، فمهد أوطانه، وَيسر أوطاره، فَمَتَى شب ضرام فتْنَة، أطفأت جداول سُيُوفكُمْ ناره، وَمَتى خبا ثبير هِدَايَة، رفعت أَيدي ملككم مناره، وَمَتى اسْتَأْثر مُنَازع من أطواق إيالتكم بلباس وَلَو فِي سَبِيل اختلاس، استرجعت عزايمكم مَا استعاره وصرمت عاره، فملككم بِفضل الله مُسْتَدْرك ثاره، مقيل آثاره، والدهر بَين يديكم مستقيل عثاره. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي رفع شَأْنه فِي الْأَنْبِيَاء الْكِرَام، وَعظم مِقْدَاره، وَجعل فِي أشرف الْخلق قومه، وَفِي أشرف الأَرْض دَاره، وَأَعْطَاهُ لِوَاء الشَّفَاعَة ليجير من أجاره، فِي الْيَوْم الَّذِي يسلم فِيهِ الولى وليه وَالْجَار جَاره، فَمن انتصر بجاهه فِي الملمات، وعول عَلَيْهِ فِي الشدائد المدلهمات، رَضِي انتصافه وَحمد انتصاره، وَمن توسل بِهِ، فضلا عَمَّن زَارَهُ، أَمن برحمة الله
стр. 233
أوزاره. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وأسرته وأحزابه، الَّذين ورثوا فخاره، واختاروا فِي سبل الْحق مَا اخْتَارَهُ، وَكفوا عَن دينه أَيدي العدا، وزينوه بحلى الباس والندي، فَكَانُوا سوره وسواره، وَكَاد بِنَاؤُه ينْقض، وكنز الْحق [تَحت أساسه] ينفض، فأقاموا ببيض الْمَعَالِي، والسمر العوالي جِدَاره. وَالدُّعَاء لمقامكم السعيد بالعز الَّذِي تؤيد قدرَة الله اقتداره، والصنع الَّذِي على قطب التَّوْفِيق مَدَاره، والنصر الَّذِي يعْمل فِي سَبِيل الله سنته وشعاره، وَالْفَتْح الَّذِي تسبح فِي بحره الأقلام فَلَا يبلغ مِنْهَا الْإِعْلَام [وَأَن جاش الْكَلَام وجادت الأحلام] معشاره. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لأيامكم الجديدة السعد، السعيدة الْجد، من مواهبه الْخَارِجَة عَن الْجد أفضل مَا كتب، وخولكم من مقاسم النَّصْر الشاذة عَن الْحصْر أجزل مَا وهب، وَجعل ملككم ليستعتبه الدَّهْر إِذا عتب، وَيَقْضِي من فروض طَاعَته، مُعْلنا بضراعته إِذا حمله الْقدر على تفريقه وإضاعته مَا ترَتّب وَوَجَب. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَالْيَد بعلو يدكم عالية، وَالنعَم بتوالي سعادتكم مُتَوَالِيَة، والآمال باستقامة الْأَحْوَال لأخوتكم الرفيعة الْجلَال حَالية، والارتياح الَّذِي [تودي بشايره] لَا تَخْلُو مِنْهُ غَالِيَة، والمسرات لَا تنفذ مِنْهَا وافدة إِلَّا تبعتها تالية. وَإِلَى هَذَا وصل الله لملككم أَسبَاب الانتظام والاتساق، وَأهْدى انباءكم طيبَة الْعرف حَسَنَة المساق، وأطلع بدر سعادتكم فِي أسعد الْآفَاق، [وَأقَام الدَّهْر بَين يدكم مهمى تَابَ من ذَنبه أَو عتب بعد عَتبه، مقَام الحياد والإطراق] حَتَّى تخفق [أحشاء الْكفْر] رعْبًا
стр. 234
من لوائكم الخفاق، ويتفق على عقيدة طاعتكم، فِيمَا لكم من الأقطار والأصقاع أَلْسِنَة الْإِجْمَاع والإصفاق. فقد وصل كتابكُمْ البرالوفادة، الجم الإفادة السافرة غمامته الْبَيْضَاء عَن بدر السَّعَادَة، المتحف بصنع الله الَّذِي خرق حجاب الْعَادة، فاجتلينا الْبَيَان الغض من حلل سطوره، وقرطنا الآذان بشذوره، وصدعنا فِي الحفل الْمَشْهُود بمنشوره. عرفتمونا فِيهِ بِالْفَتْح الَّذِي فتحت لكم أبوابه، والنصر الَّذِي يسرت لكم أَسبَابه، والسعد الَّذِي ضفا عَلَيْكُم جلبابه، والصنع الَّذِي ناشبت دولتكم المقتبلة الشَّبَاب فِرَاق شبابه، وشرحتم مَا آل إِلَيْهِ حَال مَدِينَة تلمسان، تقبل الله توبتها، وأسعد أوبتها، وَحَال من كَانَ قد تسور جدارها، واقتحم دارها، ومزق بِالْإِكْرَاهِ صدارها، لما دلفت إِلَيْهِ الليوث واستقبلته، فاستقبلته الكتايب والبعوث، وَأخذت عَلَيْهِ، بعرب الطَّاعَة بَغْتَة كقيام السَّاعَة، السهول والوعوث، وَمَا أبداه لما تغشاه رِدَاء من التمويه باللقاء، وَالْعَمَل على الثُّبُوت والبقاء، وتظاهر بِهِ من صيد العنقاء، والإخفار الَّتِي يستريب مِنْهَا لِسَان الْإِلْقَاء، وَمَا نشب أَن ركب اللَّيْل جملا، وَترك سائمته المهتضمة هملا، [وَلم يصرف] إِلَى غير طلب النجَاة بإفلاته، ولات حِين نجاته أملا، وَإِن أَوْلِيَاء الدولة السعيدية استولوا على الْمَدِينَة، فاستخلصوا حَقّهَا، وأوضحوا للطاعة طرقها، وَسَكنُوا راجفها، وأمنوا خائفها، وَرفعُوا عَن
стр. 235
رعيتها المرزات كل تَثْرِيب، وَلم يَأْخُذُوا بريا بمريب، وَلَا بَعيدا بقريب، وقبلوا الْأَعْذَار حلما، ووهبوا ذنُوب جهالها وعلمائها وسفهائها وحلمائها لمن وسع كل شَيْء رَحْمَة وعلما، سجية من ملك فَأَسْجِحْ، وأبت لَهُ الهمة الْعليا أَن [تتنحى أَو] تتبجح، وَرَأى المزية بَين الخطتين، فَكَانَ إِلَى الَّتِي هِيَ أقرب إِلَى الله أجنح، فَعَاد الْحلِيّ إِلَى الْجيد، بِفضل ذِي الْعَرْش الْمجِيد، وعوجل الشعث بالتنجيد، وأصبحت الصهوة مركب البطل النجيد، ورد سيف الطَّاعَة بيد الِاجْتِهَاد فِي جِدَال الْبِلَاد، من الِاجْتِهَاد إِلَى التَّقْلِيد، وشملت الكافية واقية كواقية الْوَلِيد، وتحلت المنابر بعد العطل، والخطا الْمُتَعَمد الخصل، بدعوة الإِمَام السعيد، وَرَأى من اعتزل الْهَرج، رُجْحَان القَوْل بإخلاف الْوَعيد، فَكَأَنَّمَا كَانَت فلتة تِلْكَ الإيالة الطامعة فِي الإدالة، وارتشاف البلالة، سَهوا فِي عبَادَة، وتقصيرا فِي إجادة، ولحنا فِي وجادة، وغلطا فِي اسْتِغْفَار، وقذا بَين أشفار، ودخيلا فِي قطار، ولحقا بَين أسطار، وحلما محت الْيَقَظَة خيال غروره، وتمويها ذهب الْحق بنوره، وقلما أدبر شَيْء فَأقبل، وَهل عِنْد رسم دارس من معول، ومكابر الْحق موكوس الْقسم، وضد السعيد مَعْرُوف الِاسْم، وَمَا كَانَ الله ﷻ [وتقدست صِفَاته وأفعاله] لينثر قلادة الدّين بعد نظامها، وينسخ ثَابت أَحْكَامهَا بعد إحكامها. بل هُوَ نور وعد بإتمامه، والوعد حق، وَقَاعِدَة لَا يدخلهَا فرق، وَملك تعلق بأذياله غرب وشرق، ومزن أومض فِي برده للغيث برق، فَإِن أذْنب الدَّهْر فقد استقال، وَإِن أضحى الْملك بهَا فقد قَالَ،
стр. 236
[وَوجد لِسَان الصارم القَوْل فَقَالَ] . وَالْحَمْد لله حمدا يدر من النعم السحب الثقال، ويقر أَحْوَال السَّعَادَة الْمُعَادَة فَلَا تعرف الِانْتِقَال، وَقد كُنَّا على علم قَطْعِيّ فِي سَبِيل شَرْعِي، نرى أَن الَّذِي اختاركم لحمل هَذِه [الْأَمَانَة وتقلد] القلادة من بَين يُشَارك فِي نسب أَو ولادَة، وألبسكم ملابس المجادة، وحلاكم لما تولاكم قبل أَن ولاكم بحلى السِّيَادَة، وَجعل جبل الْفَتْح أفق بدركم، وصدفة دركم، وَبَدَأَ بفاتحته الْجِهَاد، وَهِي أم ذَلِك الْكتاب. كتاب أَمركُم، لَا يهمل سلطانكم، وَلَا تذعن بِالْخِلَافِ أوطانكم. وَأَن لَهُ فِيكُم خبية نصر يرتقب أَوَانه، وينتجز وعده، ويقتضى ضَمَانه حَتَّى تبلغ الآمال، وتنجح فِي مرضاة الله الْأَعْمَال. فَفِي التمَاس مَا عِنْده سُبْحَانَهُ يجب أَن تجمع الرِّجَال وتفرق الْأَمْوَال، وفضله تَعَالَى لَا يخيب مِنْهُ السؤل، وَلَا يخيب فِيهِ السُّؤَال. فَلَمَّا وَردت الْأَخْبَار بِمَا منحكم الله من الفتوحات الَّتِي أبلغت الْبِلَاد والعباد آمالها، ووفرت سرورها وجذلها، وَمَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا [وأشرقت الأَرْض بنورها، وَوضع الْكتاب صدق الْقيَاس وَصَحَّ الْحساب واتصلت الْأَسْبَاب واضطرد الْبَاب] خاطبناكم نهنيكم بِمَا وهبه الله ومنح، ونرى أَن مَا فتح الله بِهِ عَلَيْكُم، فعلينا بِهِ فتح، فمقامكم الْعدة الَّتِي بهَا نباهي ونباهر، ونضاهي ونظاهر، ونكافي ونكاثر، ونصادم ونصادر. أبقاكم الله لآمال كَرِيمَة تَقْتَضِي، وخلال شريفة ترتضى، ومقاصد مبرورة، تنسى مَا سلف للسلف وَمضى. وَنحن أَيْضا نعد إيثاركم إيانا بالتعريف بِهَذَا التكييف هَدِيَّة ودية، تقل لَهَا الْمُكَافَأَة وَإِن جلت، وفضلا عميما
стр. 237
أشرقت أنواره وتجلت، ويستدعي الْقيام بِحَق مقامكم، وَهُوَ المرام الْبعيد، ونجهد طرف اللِّسَان فِي ميدان الشُّكْر، وَأَيْنَ يَقع جهده مِمَّا نُرِيد، فَإلَى الله نكل مَا ننطوي لكم عَلَيْهِ من ود كريم، وَحب صميم، فَهُوَ بالبواطن عليم، وَلَا ينفع لَدَيْهِ مَال وَلَا بنُون، إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم. وَهُوَ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم، الْبر العميم يخصكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ.
стр. 238
وَكَانَ مِمَّا كتبت بِهِ لما وصلت الْأَخْبَار بنجاة ملك الْمغرب السُّلْطَان الْمُعظم أبي الْحسن من هول الْبَحْر لما هلك مَعَه الْجَمَاعَة من أَعْلَام ناسه بأحواز الجزاير، وَذَلِكَ من أوليات مَا كتبت فِي هَذِه الْأَغْرَاض
الْمقَام الَّذِي عُيُون أهل الْإِسْلَام ساهرة فِي ارتقابه، وَقُلُوبهمْ خافقة عَلَيْهِ خفوق أَعْلَامه حول ركابه، وأكفهم إِلَى الله ممدودة فِي تيسير إيابه، وأسبابهم على بعد الدَّار ونزوح الأقطار مُتَعَلقَة بأسبابه، مقَام مَحل والدنا الَّذِي تعظيمنا على مثابته الْعلية مَوْقُوف، وأملنا إِلَى الله فِي عصمَة ذَاته الزكية مَصْرُوف، وقصدنا بالتشيع إِلَيْهِ، والاعتماد بعد الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ مَعْرُوف، صَاحب الْجِهَاد المقبول، والرفد المبذول، أَمِير الْمُسلمين الكذا أبقاه الله وسعوده تسْتَأْنف الأبدار أقمارها، والمشيئة تجْرِي بأحكامه العادلة أقدارها، والبشاير عَنهُ صدرها وَإِلَيْهِ ابتدارها، وحروف الزَّمَان تنبسط بَين يَدَيْهِ أعذارها، وَتعرض ذنوبها على حلمه فننثال مِنْهُ اعْتِبَارهَا، وَالْملَّة المحمدية تنسدل بحياته الرضية أستارها، والفئة الغريبة تتمهد بهَا أوطانها، وتتجدد أوطارها. مُعظم سُلْطَانه الَّذِي يجب لَهُ التَّعْظِيم باستحقاقه، وموقر ملكه الَّذِي تجلت أنوار الْفضل الْمُبين بآفاقه، المرتقب من طلوعه على هَذِه الأقطار، صبحا مشرق
стр. 239
الْإِسْفَار، يصدع ليل الخطوب نور ائتلافه. وَيفتح بَاب الْفرج بعد استغلاقه، الْأَمِير عبد الله فلَان [سَلام كريم عَلَيْكُم] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي أذن لسعود الْإِسْلَام، بعصمة ملككم الْمَنْصُور الْأَعْلَام فِي انبلاج صباحها، وجدد بهَا عزائم النَّصْر قبل ركود رياحها، وَأعَاد جِيَاد الآمال إِلَى مراحها، وَألف بَين قُلُوب الْمُسلمين واقتراحها، وَجمع بَين صُدُورهمْ وَبَين انشراحها، وتدارك الْملَّة المحمدية بتشييد ركنها، وجبر جناحها. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الْكَرِيم، نور الْهِدَايَة ومصباحها، وَمعنى الرسَالَة بَين اختتامها وافتتاحها، الرَّحْمَة الهامية فَوق وهاد الأَرْض وبطاحها، مخرس أَلْسِنَة الْبَغي بعد إفصاحها، ومطفي نَار الْفِتَن بعد اقتداحها، وَنَبِي الْمَلَاحِم، وَالْأَرْض تموج بكفاحها، لم تثن عزمه الشدائد بإنجاحها، وصروف الْأَنَام بجماحها، حَتَّى باءت كلمة الله بفوز قداحها. وَالرِّضَا عَن آله وصحابته الَّتِي ذادت عَنهُ بسيوفها [الْمَاضِيَة] ورماحها، وسمحت لَهُ بأموالها وأرواحها، وباعت نفوسها من الله فِي نَصره، فأعظم بأرباحها، وَالدُّعَاء لمقام أبوتكم الْعُظْمَى، أَعلَى الله معالم هديها وصلاحها، ورسم آيَات نصرها الْعَزِيز فِي صحف السَّعَادَة وألواحها، [بالصنع الَّذِي تتفتح أزهاره فِي خمائل الألطاف الْخفية وأدواحها] [فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لمقامكم سَعْدا جَدِيدا ريعانه، وَعزا مشيدا بُنْيَانه،
стр. 240
يقوم على [قدره] جَبَّار السَّمَوَات وَالْأَرْض برهانه. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَيْسَ بِفضل الله، الَّذِي لَا يعول فِي الشدائد إِلَّا عَلَيْهِ. وَلَا تمد الأكف وَتصرف الْوُجُوه إِلَّا إِلَيْهِ، إِلَّا إرْسَال جِيَاد الآمال فِي ميدانها، وسحب حلل الجذل ينم طيب أردانها، واستقبال مَا تعودته الْملَّة المحمدية من سَعَادَة أزمانها. لله الْحَمد على نعْمَة الَّتِي اتَّصَلت عوارف إحسانها، وصنايعها الَّتِي راقت أبصار البصاير لمحات حسانها، وَنحن على مَا يُعلمهُ مقامكم من التَّشَيُّع الَّذِي رفعنَا لكم بِهِ فِي النَّاس علما شهيرا، والتعظيم الَّذِي استعرنا مِنْهُ مهادا أثيرا، والاعتقاد الْجَمِيل الَّذِي اتخذناه إِلَى الله وَسِيلَة وعَلى أعدائه ظهيرا، وَالْحب الَّذِي لَا يزْدَاد نضاره على نَار الْبعد إِلَّا تشميرا. نؤمل من مقامكم على بعد الديار، وَاعْتِرَاض الْبحار ملْجأ ونصيرا، ونذيع من ثنائه مسكا فتيقا وعبيرا، وَمهما اجتلينا بِخَبَر سعادته وافدا وبشيرا، جعلنَا رسَالَته آيَة، واتخذنا يَوْمهَا عيدا كَبِيرا. وَإِلَى هَذَا فقد علم الله الَّذِي يعلم مَا فِي الضمائر، ويطلع على خفيات السراير، وَيرى فِي خلقه وهم شهداؤه فِي أرضه، مسرى الْمثل السائر، مَا عندنَا لمقامكم الْكَرِيم من الخلوص الَّذِي لم يلابس قطّ ريبا، الِاعْتِقَاد الْكَرِيم مشهدا وغيبا. وإننا بِحَسب ذَلِك من لدن أمعن ركابكم الْعلي السلطاني فِي تدويخ تِلْكَ الأوطان، حَتَّى ناءت الديار وشطت [ساءت المراحل وحطت] ، [فَانْقَطَعت فِيهَا وخطت. وَاخْتلفت الْأَخْبَار] ، فَلم يتَبَيَّن الصَّحِيح من الْمَوْضُوع، والمتصل من الْمَقْطُوع. وَاخْتلفت القضايا الْمُطلقَة، وأعملت الْأَفْعَال الْمُعَلقَة، وأوحشت الظنون وَسَاءَتْ، وترامت الأفكار حَيْثُ شَاءَت، أَلا ليستطيع شرح أَحْوَال هَذَا
стр. 241
الْقطر الَّذِي استظل بِظِل جناحكم، وَأمن فِي سياج رماحكم، وأخضبت أرجاؤه بغيث سماحكم، ضَاقَتْ بهَا الصُّدُور عَن زفراتها، والشؤون عَن عبراتها، والقلوب عَن أوجالها، والنفوس عَن اعتلالها، لاكن الثِّقَة بِاللَّه سُبْحَانَهُ مَا بَرحت تطلع فِي ليل ذَلِك الْخطب شهابا، والتوكل عَلَيْهِ لم يزل يفتح فِي تِلْكَ الشدَّة بَابا، وَمَا كَانَ الله لينثر عقد الدّين بعد انتظامه، وينسخ حكمه بعد إحكامه، ويكل الْإِسْلَام إِلَى إِسْلَامه، ويطفي النُّور الَّذِي وعد بإتمامه، إِلَى أَن ترادفت الْأَخْبَار من جهاتها، وَاتفقَ منقولها عَن اخْتِلَاف رواتها، وشافهنا بهَا من شَاهد ذَلِك التمحيص رَأْي الْعين، وَتبين الْحق من المين، وتعرفنا مَا كَانَ من صنع الله لكم فِي الشدائد بِمُقْتَضى فَضله الْجَمِيل العوائد، وَأَن مقامكم قد شملته الْعِصْمَة، وحلت على الْإِسْلَام بوقايته النِّعْمَة. ثمَّ وصل كتابكُمْ [المستولي] على مُطلق الرجا بعد اعتقاله، منطق لِسَان الشُّكْر لله بفصيح مقاله، وتعرفنا أَن ذَلِك الْقطر [سكن راجف زلزاله] ، وَوضع الأوزار وطيس نزاله، وَدخلت فِي مَذْهَب السّنة وَالْجَمَاعَة طوايف اعتزاله. وَأَن الْأَيَّام قد اعْترفت بذنبها، وَالْأَرْض قد أشرفت بِنور رَبهَا، والقبائل وسعهم الصفح والنائل، والمعاقل خف للطاعة مِنْهَا المتثاقل، وأنكم صرفتم النّظر الْجَمِيل إِلَى مَا يمهد الأوطان، وَيُؤَيّد السُّلْطَان، ويؤمن الْخَائِف، ويؤلف على مرضاة الله الطوائف. وَأَن مَحل أخينا الظَّاهِر الطَّاهِر أَبَا عَليّ النَّاصِر، أسعده الله، قدمتموه بَين يَدي ركابكم طَائِعَة الْيمن والسعد، ورائد عزمكم الصَّادِق الْوَعْد، وأنكم تقفون أَثَره إِن شَاءَ الله بالجيوش الجرارة، والكتائب المختارة، والمناصل الْمَاضِيَة الشبا، وَالْمُضَارب الَّتِي تشيب ببيضها مفارق الرِّبَا، وَإِن غرر هَذِه الْكتب، تقفوها غرر الْكَتَائِب، وَخبر هَذَا المروم، يتلوه خبر اللطائف الْعَجَائِب، فَنعم من قدمتم، إِنَّهَا لمقدمة لِلْعَدو سالبة، وأداة تَعْرِيف ألفها
стр. 242
ولامها هِيَ الْغَالِبَة، وحبذا مَا أطلعْتُم علينا من المسرة والبشائر الَّتِي حيتها هَذِه الثغور بالثغور المفترة، ليهنى مرقبها السعيد مراقب الْجِهَاد المقبول، ومثابة الرفد المبذول، والوعد الْمَفْعُول. فَلَقَد جدد لِلْإِسْلَامِ ملابس الْفَخر وَالْقَبُول، وَروض آمال الصِّلَة من بعد الذبول. وَأما موقع هَذِه الْبُشْرَى من مُعظم أبوتكم فَلَا توفيه الْعبارَة وَلَا توديه الْأَلْفَاظ المستعارة، وعذرنا عَمَّا كَانَ يجب علينا من صلَة الرسائل وَترد يَدهَا، وَتَقْرِير الْوَسَائِل، وعذرنا عَمَّا كَانَ يجب علينا من صلَة الرسائل وتردديها، وَتَقْرِير الْوَسَائِل وتجديدها، لَا يخفى على مقامكم الَّذِي يقبل الْأَعْذَار إِذا ظَهرت، وَيحمل الْمَوَدَّة على مَا عَلَيْهِ تقررت، من هول الْبحار، الَّتِي لَا تجْرِي على الْقيَاس أمورها، وَلَا يتَمَكَّن فِي كل الْفُصُول عبورها، وغدر الطَّرِيق الَّتِي كثر بالفتنة أمورها ومأمورها، وَمَا أصَاب السواحل من الْميتَة الَّتِي جرى فِي الْبِلَاد مقدورها. ومقامكم يوالي الْأَعْذَار الصادقة وَجها جميلا، ويبوءها من قبُوله ظلا ظليلا، قد علم الله وَالنَّاس، وَثَبت بِالْحَقِّ الَّذِي لَا يخالطه الالتباس، أننا لَو وجدنَا سَببا، أَو صادفنا للاتصال بكم مذهبا، لما قعدنا أَولا عَن المساهمة والدفاع فِي جملَة أَبْنَائِكُم، وَثَانِيا عَن مُبَاشرَة هنائكم، حَتَّى لَا يَنُوب فِي ذَلِك بعث الْكتاب عَن حث الركاب، وَلَا إِعْلَام الأقلام، عَن إِعْمَال الْأَقْدَام. وَالله تَعَالَى يسنى لكم من نَصره أكْرم مَا سنى للصالحين من مُلُوك عباده، وينشر لكم جنَاح الرَّحْمَة على أقطار الْإِسْلَام وبلاده، وَيصْلح بإيالتكم مَا فسد فِي الْأَحْوَال، ويسكن بهَا مَا عظم من الْأَهْوَال، ويضفي بهَا رواق الْعِصْمَة على الْأَدْيَان والنفوس وَالْأَمْوَال [وَهُوَ يصل سعودكم ويحرس وجودكم] وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. كتب فِي كَذَا.
стр. 243
وَوصل كِتَابه رَحمَه الله تَعَالَى للسُّلْطَان أبي الْحجَّاج رَحْمَة الله عَلَيْهِ يعرفهُ أَيْضا بالكائنة الْمَذْكُورَة من أحواز الجزائر فصدر عني جَوَابا عَن ذَلِك مَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي لَا تنكر حُقُوقه الجمة وصنائعه، وَلَا يجْحَد فَضله الَّذِي انتشرت فِي الأَرْض شائعه، فثناؤنا عَلَيْهِ هُوَ الرَّوْض تأرج ذائعه، وودانا فِيهِ تصفو على كدر الزَّمَان شرائعه، وأبوته الْكَرِيمَة وديعتنا من ذمَّة الله، وَالله لَا تضيع ودائعه، مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي بره وَاجِب مفترض، وَالْقِيَام بكبير حَقه لَا يقدم عَلَيْهِ غَرَض، السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق، أبقاه الله يشْرَح لملمات الزَّمَان صَدرا رحيبا، ويستأنف من الله صنعا عجيبا، ولطفا قَرِيبا، ويتغمد بِالْعَفو ذنُوب دهره مهما أَتَى مستقيلا مستريبا، ويخفض جنَاح الْقبُول والرضوان خفضا لَا يبْقى تبعة وَلَا بذر تثريبا، مُعظم حُقُوقه الْعَظِيمَة، وموقر أبوته الْكَرِيمَة، الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر. سَلام كريم [برعم عميم يخص مقامكم الْأَعْلَى، وأبوتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله [الْملك الْحق] ذِي الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة، مانح النعم العميمة، وفاتح الْأَبْوَاب المبهمة، وميسر الألطاف الْخفية عِنْد انْقِطَاع الْأَسْبَاب المبرمة، وجاعل الْعَاقِبَة للتقوى، كَمَا وعد فِي آيَاته الْكَرِيمَة المحكمة. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الْمُصْطَفى الْكَرِيم، نَبِي الملحمة الصائح بِالْآيَاتِ
стр. 244
الْبَينَات الْمسلمَة، الَّذِي باتباعه نختال من السَّعَادَة فِي الْحلَل الضافية المعلمة. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين وفوا بعهوده الملتزمة، وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ [فِي دينه] وَتَوَاصَوْا بِالرَّحْمَةِ. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى، بالنصر على عَبدة الصلبان تشهده مَلَائِكَة السَّمَاء المسومة، وتغني كتائبه عَن اتِّخَاذ الْجِيَاد المسرجة الملجمة. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم حسن المآب ونجح الْمَآل، وأطلع عَلَيْكُم أنوار البشائر من ثنيات الآمال. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَيْسَ بِفضل الله الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر كُله، وَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، ثمَّ ببركة الِاعْتِقَاد الْجَمِيل فِي مقامكم السَّامِي مَحَله. العميم فَضله، إِلَّا البشائر الَّتِي بَابهَا فِي موطى السَّعَادَة، هُوَ الْبَاب الْجَامِع، وأحاديثها على الْإِعَادَة لَا يملها الرَّاوِي وَالسَّامِع. وأبوتكم الْكَرِيمَة لَا تعدل الْبشَارَة بعصمتها بِشَارَة، وَإِن جلت، وَلَا ترجح صنيعتها عِنْدهَا صَنِيعَة، وَإِن أشرقت أنوارها وتجلت، نمد الأكف لغمامتها كلما استهلت، ونتتبع مساقط أندافها حَيْثُ حلت، ونداوي بأنبائها أدواء الْقُلُوب الَّتِي لبعدها اعتلت، وَكَيف لَا وأرجاؤها بأفضالكم السَّابِق ناطقة، وألفاظ ثنائها لمعاني كتابكُمْ متضمنة، وَعَلَيْهَا مُتَطَابِقَة، أبقاكم الله وَأَسْبَاب التَّوْفِيق لأحوالكم مُوَافقَة، ورفاق الصَّنَائِع اللالهية لَهَا مرافقة، ومتاجرها فِي مُعَاملَة الله تخطبها لحسن الْجَزَاء أسواق نافقة، وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، فجملة أمرنَا فِي هَذِه الْأَحْوَال الَّتِي جرت، والشدائد الَّتِي خلصت لَهَا معادن البصائر الإيمانية وتشحرت، والتمحيص الَّذِي تضمنه الْكتاب الْمَوْقُوف [وناء بديته
стр. 245
الزَّمن الممقوت] ، وطالما أصلى الْيَاقُوت [جمر الغضا ثمَّ انطفى الْجَمْر والياقوت] أننا مَا برحنا بِوَاجِب شَفَقَة الْبُنُوَّة نخالف الأسى، ونتدارس فِي حمل هَذِه الْأُمُور بَاب لَعَلَّ وَعَسَى، فَتَارَة نستفتح وُجُوه الصَّبْر وَهِي جميلَة، ونتعلل بنواسم الْأَخْبَار وَهِي عليلة، وَتارَة نفوض الْأُمُور إِلَى من بِيَدِهِ مقاليد الألطاف الْعَجَائِب، ونمدكم من الدُّعَاء بأعظم الْكَتَائِب. هَذَا والعدو الَّذِي سَالم الْإِسْلَام بِسَبَب جهادكم، وتقلصت أطماعه بامتداد ظلال أمدادكم، قد فاض علينا بحره، وتجنى على عهدنا غدره، وشره إِلَى استئصالنا نابه وظفره، ونازل جبل الْفَتْح، الَّذِي كَانَ نصركم إِيَّاه بِفضل الله سَبَب نجاته، واستعدادكم [فِيهِ] ذَرِيعَة استمساك الدّين وثباته، بِمَا تجدونه مذخورا يَوْم يسر الْمُؤمن بحسناته، بعد خصام جرى بَيْننَا وَبَينه، تَوَجَّهت عَلَيْهِ فِيهِ الْحجَّة، ووضحت من سَبِيل غدره المحجة، وخيرنا فَلم نرض الدنية الَّتِي عرضهَا، وحملنا الْأُمُور على أَشد الْوُجُوه الَّتِي فَرضهَا، ثِقَة بِاللَّه الَّذِي هُوَ الملجأ الأحمى والركن الْأَقْوَى، وعلما بِأَن الْعَاقِبَة للتقوى، فسد الْبَاب، وَقطع الْأَسْبَاب، وَرَأى أَنه إِذا فازت بفرضة الْمجَاز قداحه، ولان لَهُ من الْجَبَل بطول الْحصار جماحه، تستسف بِمَا سواهُ رياحه، وتملكت الْبِلَاد والعباد رماحه، وَلم يدر أَن لله كتائب تخفى عَن عُيُون الْكَتَائِب، وتكمن فِي مدارج الأنفاس ومياه المشارب، وَأَن الجديدين اللَّيْل وَالنَّهَار يبليان الْجَدِيد، ويأتيان بالعجائب، وعَلى هَذِه الْحَال المهمة، والنوائب الْملَّة، فمقامكم شغل بالنا، وَفِي ميدان مساهمتكم مجَال آمالنا نصل السُّؤَال عَن أَبْنَائِكُم فِي كل الأحيان، ونعاقب بعث الرسائل على تعاقب الزَّمَان، وَفِي هَذِه الْأَيَّام وَفد علينا
стр. 246
رسولاكم فلَان وَفُلَان، وصل الله عزتهما، [ووالى رفعتهما] ويمن وجهتهما، وفادة كَانَ الْيمن لَهَا وَالْحَمْد لله رائدا، وَسعد الْإِسْلَام وَأَهله لركابهما قائدا، منصرفين عَن مخيم الطاغية، الَّذِي بعثتموهما إِلَيْهِ، بعد أَن قوضت رحاله، وحالت حَاله، وحم هَلَاكه، وانتثرت أسلاكه، وأديا إِلَيْنَا كتابكُمْ، الَّذِي طَال عهدنا باجتلاء غرره، واقتنا درره، وتعرفت عوارف الْفضل والكمال بَين ورده وصدره، جَوَابا عَن بعض الْكتب الَّتِي وجهنا إِلَيْكُم وأوفدنا عَلَيْكُم، ظهر أَنه لم يخلص غَيره من جملَة مكاتبات عديدة بعثناها، وركائب مخاطبات إِلَيْكُم حثثناها، عاقت الْأَهْوَال عَن وصولها، وفصلتها الحوداث قبل بَث فصولها، وَشرح محصولها، عَرَفْتُمْ فِيهِ أَن ركابكم العالي، اسْتَقر بِمَدِينَة الجزائر قراره، واطمأنت بهَا دَاره، بعد الشدَّة الَّتِي هِيَ إِن شَاءَ الله ختام الشدائد، والأزمة الَّتِي عرفكم الله فِيهَا جميل العوائد وَأَن الْقَبَائِل بذلك الوطن قد اعتلقت من طاعتكم سَببا وثيقا، وسلكت من الانقياد لأمركم الْعلي سَبِيلا وَاضحا وطريقا، وَدخلت فِي طاعتكم فوجا فوجا، وفريقا فريقا، مستبقين من تَجْدِيد العهود الَّتِي أعطوها صفقات إِيمَانهم، ورهنوا فِي الوفا بهَا، الْكَرِيم من أَخْلَاقهم وأديانهم، وَإِن الْوُفُود إِلَيْكُم قد أَقبلت، والسعود لدعوتكم قد انجلت، وَإِن صفحكم قد شَمل من أناب، وعفوكم قد تغمد من تَابَ، وقبولكم قد فتح للوارد الْبَاب، وَوصل للمنبت الْأَسْبَاب، وَإِنَّكُمْ لم تقدمُوا عملا على مُخَاطبَة الطاغية بِالْحجَّةِ الَّتِي أملتم أَن تستنزله من مهواته، وتستنقذ مُضْغَة الْإِسْلَام من لهواته، قيَاما بِحَق الله فِي الْحَال الَّتِي يهم فِيهَا للقلوب شَأْنهَا، وَلَا ينفع النُّفُوس الْكَرِيمَة إِلَّا إيمَانهَا، فَكَانَ من التَّوْفِيق الْغَرِيب. والصنع العجيب، أَن رسوليكم وردا على طاغية الرّوم بقاطع أَجله، ووفدا إِلَيْهِ بخيبة أمله، وَنِيَّة الْمُؤمن كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 247
من عمله، فَمَا كَانَت كتبكم إِلَيْهِ إِلَّا كَتِيبَة، تقدمها طلائع النَّصْر، ومقدمة رفع تخصيصها عَن الْجَبَل دَعْوَى الْحصْر، ورقى شفى بِهِ الزَّمَان زمانته، ووثيقة مكن بهَا الْإِيمَان من أَمَانَته [وعلاجا لم يفق بعده من ألم، وَسَهْما من سِهَام الخواطر الْخَالِصَة لله أصَاب وراميها بِذِي سلم، فكال رَسُولا كم مِمَّن طلع علينا بشيرا بهلاكه، وانتثار أسلاكه، ظُهُور حَرَكَة الإدبار فِي أملاكه، فَضَحكت ثغور هَذِه الثغور، ووضحت مَذَاهِب الْأُمُور، وشفيت علل الصُّدُور، واستأنف الْإِسْلَام بدار الْكَمَال وَكَمَال البدور، وسفر السعد عَن وَجهه الْمشرق. ووردت علينا المسرات المختلفات من جهتي الْمغرب والمشرق، هَذِه تعلق بحياة الحبيب الْكَرِيم ودنو دَاره، وَهَذِه تفصح بممات الْعَدو وتباره، فيا لَهما من بشارتين اختلفتا، فرجوعهما إِلَى عنصر وَاحِد، والتقاؤهما فِي أصل كريم، وَإِن تشفعت الْمَقَاصِد، إِذْ هما عنوان على فضل نيتكم الَّتِي أنوارها قد بهرت، وببركة سريرتكم الَّتِي بَانَتْ شواهدها وَظَهَرت. وَإِذا اعْتبرنَا التَّرْجِيح فِي هَذَا الْمَحْصُول، رَأينَا أَن الْفُرُوع لَا تقوى قُوَّة الْأُصُول، وَأَن الْبشَارَة بعصمتكم، أقوى علا قدرا، وَأَرْفَع خطرا، أوزعنا الله شكرا، يكون لما أولى من كليهمَا كفاء، وَوَهَبْنَا قيَاما بحقهما ووفاء، فَإِنَّهُمَا نعم أذهلت الْعُقُول، واستصغرت الْمُسْتَعَار من الْأَلْفَاظ وَالْمَنْقُول، فَنحْن نهنئكم بِهَذَيْنِ الصنعين الَّذين هما من آثَار نيتكم، وَصدق طويتكم، وَكَأن بمواهب الله قد اتسقت، وأفنان الْيمن قد بسقت، وليالي الشدائد قد أضاءها الْفرج بعد مَا غسقت، وَدين الْإِسْلَام قد استحكم متاته، وَالْكفْر قد أمكن مِنْهُ اضطرابه وشتاته. وَلَا تسئلوا عَن الْأَحْوَال بِهَذَا الْقطر، الَّذِي كلبت لهَذِهِ الْأَحْوَال عداته، إِنَّمَا هُوَ جَسَد عاودته حَيَاته، وَبدر راجعته من بعد السرا راياته. وَأما مَا عندنَا من الدعا لعهدكم، والضراعة لله فِي دوَام سعدكم، فَلَو علمنَا أَنه خَفِي بجهدنا فِي تَقْرِيره، ووكلنا أَلْسِنَة الأقلام بشرحه، وتيسيره، إِنَّمَا هُوَ
стр. 248
صبح وضح سفوره، وتألق فِي الْآفَاق نوره، وَالله تَعَالَى يصل لكم أَسبَاب عنايته ويوزعنا شكر مَا من بِهِ من عصمَة مقامكم ووقايته. وَقد حضر بَين يدينا رسولاكم أعزهما الله، وألقيا إِلَيْنَا مَا دَار بَينهمَا وَبَين النَّصَارَى فِي أَمر السّلم الَّذِي أكدتم حكمهَا بِمُقْتَضى نظركم لِلْإِسْلَامِ وَأَهله، وجر مقامكم على مَا يَلِيق بفضله، وَمَا وعد بِهِ من صرف الجفن الَّذِي ظهر عَلَيْهِ الْعَدو، من الأجفان الْوَاصِلَة من جهتكم من جملَة مَا تضمنه الشُّرُوط، وتشتمل عَلَيْهِ الربوط، وَإِن الْوَلَد الَّذِي أَقَامَ النَّصَارَى بعد أمه يرضى ذَلِك، ويسلك مِمَّا كَانَ وَالِده ينقاد إِلَيْهِ أوضح المسالك، فأمسكناهما عندنَا يَسِيرا، لزي مَا تنبلج عَنهُ المراوضة، وتفضي إِلَيْهِ الْمُفَاوضَة. أطلع الله من الْأُمُور كلهَا على مَا يكون فِيهِ سَعَادَة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، وكبت أعدائه الْكَافرين. وَإِن تفضلتم بتعريفنا إِن أمكن بِبَعْض أحوالكم، فَهُوَ صلَة لأفضالكم، وَتَمام على الَّذِي أحسن من كمالكم. وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته] .
стр. 249
وَمِمَّا صدر عني فِي غَرَض التهنئة وَقد استولى السُّلْطَان أَبُو عُثْمَان بن أبي زيد بن أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان أبي يحيى يغمراسن بن زيان على مستوطن سلفه وَمحل خلافتهم من مَدِينَة تلمسان حرسها الله
الْمقَام الَّذِي نظم من عُقُود الدولة مَا انْتَشَر، وأقال بِهِ ملكهَا بعد مَا عثر، فأحيا السّنَن الْحسن من مَكَارِم قومه، وَأَحْيَا الْأَثر، مقَام مَحل أخينا الَّذِي نسر بتجديد وده، وإعادة عَهده، وصفينا الَّذِي نبتهج باتساق أمره، واستئناف سعده، ونصل الثنا على أَصَالَة مجده، ونثق مِنْهُ بالمعتمد الَّذِي يحي فِي سَبِيل الله [وإعانة هَذِه الْبِلَاد] سنة قومه، وَأثر جده، السُّلْطَان الكذا [أبي سعيد عُثْمَان بن السُّلْطَان الكذا أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن السُّلْطَان الكذا أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يحيى يغمراس بن زيان] ، وصل الله لدولته الرفيعة، أَسبَاب الانتظام والاتساق، وأطلع لَهَا كواكب السَّعَادَة باهرة الْإِشْرَاق، وَمد عَلَيْهَا من عنايته كل وارف الْجنَاح خفاق الرواق، وهناها الْملك، الَّذِي جددت ملابسه بعد الإخلاق، وجمعت شَمله بعد الِافْتِرَاق، وتناولته بِوَاجِب الِاسْتِحْقَاق. مُعظم، مقَامه أتم التَّعْظِيم، وممجد سُلْطَانه الرفيع ومجده الصميم، الْمثنى على دينه المتين وفضله العميم، والمسرور بِمَا سناه الله لسعده من تَجْدِيد الْعَهْد الْقَدِيم، والود الْكَرِيم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن
стр. 250
نصر. سَلام كريم يستمد الشَّمْس من نور محياه، ويستعير الرَّوْض طيب رياه، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله المبدي المعيد، ميسر الأمل الْبعيد، الَّذِي من توكل عَلَيْهِ، ولجأ إِلَيْهِ، فقد أَوَى إِلَى [الظل الظليل] والركن الشَّديد، وَمن شكر نعْمَته، تكفل لَهُ بالمزيد، وَمن أسلفه فِي ذَاته عملا صَالحا، جنى على الْأَيَّام ثَمَرَة قَصده الحميد، وَالصَّلَاة [وَالسَّلَام] على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله ذِي الْقدر الرفيع والعز المكين، وَالْمجد المشيد، الْهَادِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين سلكوا على نهجه الْوَاضِح وقصده السديد، وتناسقوا فِي سلك أَتْبَاعه، تناسق الدّرّ الفريد. وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالنصر على أَعدَاء الله والتأييد، والصنع الَّذِي يتجلى للعيون باسم الثغر سامي الْجيد. وَلَا زَالَت صنائعه تعتمد مصانع المكرمات بالتنجيد، وتتعاهد أمهَا بالترديد. فَإنَّا كتبنَا إِلَيْكُم، كتب الله لكم بليغ الأوطار، وإحراز الآمال [وهناكم] بِمَا خولكم من الْملك الرفيع الْخلال، وجعلكم من الشَّاكِرِينَ لنعمه بالأقوال والأعمال، من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَيْسَ يفضل الله [سُبْحَانَهُ] المرجو فِي الشدايد الْجَمِيل العوايد، ثمَّ ببركة الِاعْتِدَاد بمقامكم السَّامِي الصاعد، والأصيل الْقَوَاعِد، إِلَّا مَا شرح الصُّدُور، وَأكْثر السرُور، وَبسط النُّفُوس، وأضحك الزَّمن العبوس، من اتساق [أُمُور] ذَلِك الْملك لديكم، واجتماع كَلمته عَلَيْكُم، وَمَا تعرفنا من أَن الدولة الزيانية، وصل الله لبدورها اسْتِئْنَاف الْكَمَال، وَأَعْلَى أعلامها فِي
следующие страницы →