Полный текст (979 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
حرسها الله، وَالثنَاء عَلَيْكُم يسْتَغْرق أَوْقَات الزَّمَان آصالها وبكرها، وفضائلكم هى الشَّمْس ضل من أنكرها. وَإِلَى هَذَا وصل الله علاءكم، وَنشر بالنصر على أَعدَاء الله لواءكم، فإننا نَعْرِف جناب أخوتكم السُّلْطَانِيَّة، بعد تَقْرِير الشُّكْر، وتمهيد قَوَاعِد الْبر، بورود الْهَدِيَّة الغريبة، السافرة عَن يمن النقيبة، وَفضل الضريبة، هَدِيَّة الْجمال، اللابسة أَثوَاب الْجمال، والقلاص الَّتِى أَصبَحت بِحمْل أزواد أهل الْجِهَاد ذَات اخْتِصَاص. فَلَقَد طلع مِنْهَا على هَذِه الْبِلَاد الْمُبَارَكَة، ركب لَهُ فِي الْعِنَايَة والأصالة مجَال، رحب من كل نجيب، ماثل فِي المرأى العجيب، وكرما إِلَى الْأَنْسَاب الْعَرَبيَّة ذَات انتما كَأَنَّهَا أهلة حلك، أَو قسى من دارة الْفلك، سفارين بر، وخزائن قَانِع ومعتر، وَكَيف لَا يسنح لَهَا بِالْيمن طير، وَيكون لَهَا فِي مجَال السَّعَادَة سير، وَالله يَقُول لكم فِيهَا خير، أذكرت أهل هَذِه الْبِلَاد أَيَّام الْحَج والثج، وصيرت طَرِيق الْجِهَاد كطريق الْحَج. ترهق فتجيبها الصواهل، وَتعرض عَن الما، فتشتاق إِلَيْهَا المناهل. وَوصل مؤديها فلَان، وَهُوَ الْخَبِير بجزثياتها، والحافظ لمعانى آياتها، وَمن أنس بجوارها طبعه، وطرب بحدايها سَمعه، واتسع لمعْرِفَة أحوالها ذرعه. وَكَانَ أمله يقدم بهَا على حضرتنا إبلاغا فِي المبرة، وتضمنا للمسرة إِلَّا أننا رَأينَا أَن نعفيها من السّفر ترفيها، ونرفع عَنْهَا من توعر الطَّرِيق، مَا يتَوَقَّع أَن يُؤثر فِيهَا، ونتركها بفحص مالقه حرسها الله فِي مسرح يخصبها عشبه، ويرويها شربه، إِلَى أَن نشاهدها بالعيان، ونعطى حروفها من الخطابة عَلَيْهَا مَا يَقْتَضِيهِ علم الْبَيَان. وَنحن نقابل مقاصدكم الفاضلة بالثناء وَالِاسْتِحْسَان، ونشكر مَا لأخوتكم الفاضلة من المزايا الْبرة والسجايا الحسان. وَالله تَعَالَى يصل لكم سَعْدا وثيق الْبَيَان، ويعلى بمظاهرتكم
стр. 387
إيانا شعار الْأَيْمَان. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس الطَّاهِر مجدكم، ويضاعف نعمه عنْدكُمْ بمنه. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ عرفنَا الله خَيره وبركته.
وَمن ذَلِك مَا كتبت بِهِ عَن السُّلْطَان أبي الْحجَّاج رَحْمَة الله عَلَيْهِ جَوَابا عَن هَدِيَّة بعثها السُّلْطَان أَبُو عنان مُشْتَمِلَة على خيل وعدة من المهندات وَالذَّهَب الْعين
الْمقَام الَّذِي من سجاياه الشيم الغلا، وَمن عطاياه الجرد الْعتاق تختال فِي الحلا، وتحاسن عقبان الجو وغزلان الفلا، وَالْأَحْوَال الَّتِي جلا، روض الْجُود من أزهار صفرائها للوجود أبهى مجتلا. مقَام مَحل أخينا الَّذِي قسم زَمَانه بَين رفد مقسوم، ووعد بِالصّدقِ مَوْسُوم، وَفضل فِي صحف الْمجد مرسوم. السُّلْطَان الكذا أبي عنان [ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق] أبقاه الله عالي الهمم، متوالي الْجواد وَالْكَرم، مجمع يَمِينه من سيفها المرهوب، وسببها الْمَوْهُوب، بَين الرّيّ والضرم، وتأمن النُّفُوس فِي ظلّ عدله الْمَمْدُود، وفضله الْمَقْصُود أَمن حمام الْمحرم، وَلَا زَالَ ثَنَاؤُهُ فِي الْخَافِقين كنصر خافق الْعلم، وأخبار عزه الْمَأْثُور، ومجده الْمَشْهُور هجير اللِّسَان والقلم. [وأنوار سعده ماحية للظلم] وعزمات سيوفه ترتقب فِي الفضا أمد السّلم قبض السّلم. مُعظم أخوته الرفيعة، الْمثنى على مَاله من كرم الصنيعة، الْمُسْتَند من التَّشَيُّع إِلَيْهِ، [والاعتداد بِهِ] إِلَى المعاقل المنيعة. [الْأَمِير عبد الله
стр. 388
يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر] سَلام كريم، طيب عميم، يخص مقامكم الأسمى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل الشُّكْر على المكارم وَقفا، ونهج مِنْهُ بازايها سَبِيلا لَا يلتبس وَلَا يخفى، وَعقد بَينه وَبَين الْمَزِيد سَببا وحلفا، وَجعل الْمَوَدَّة فِي ذَاته مِمَّا يقرب إِلَيْهِ زلفى، مربح تِجَارَة من قصد وَجهه بِعَمَلِهِ، ومبلغه من الْقبُول أقْصَى أمله، حَتَّى يرى الشَّيْء ضعفا، وَالْوَاحد ألفا، وناصر هَذِه الجزيرة من أوليائه الْكِرَام السِّيرَة، بِمن يوسعها فضلا وعطفا، ويدني ثمار الآمال يتمتع بهَا اجتنا وقطفا. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد النَّبِي الْعَرَبِيّ الْكَرِيم، الرؤوف الرَّحِيم، الَّذِي قد من الرَّحْمَة على الْأمة سجفا، وملأ قلوبها تعطفا وتقاربا ولطفا، القايل من أَيقَن بالخلف، جاد بِالْعَطِيَّةِ، ووعد من عَامل الله بِرِبْح الْمَقَاصِد السّنيَّة، وَعدا لَا يجد خلفا. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، الَّذين كَانُوا من بعده لِلْإِسْلَامِ كهفا، وعَلى ى أَهله فِي الهواجر ظلا ملتفا، غيوث الندا كلما ساموا سماحا، وليوث العدا كلما شهدُوا زحفا. وَالدُّعَاء لقام أخوتكم الأسمى، بالنصر الَّذِي يكف من عدوان الْكفْر كفا، والعز الَّذِي يغض من الشّرك نَاظرا ويرغم أنفًا، وَالْمجد الَّذِي لَا يُغَادر كِتَابه فِي المفاخر الَّتِي ترك الأول مِنْهَا للأخر حرفا، والعزم الَّذِي يُفِيد جوارح الْإِسْلَام قُوَّة لَا تعرف بعْدهَا ضعفا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا خافقا علمه. وَعزا يتبارى فِي ميدان الِاسْتِقْلَال بِحَسب وظائف الْأَعْمَال سَيْفه وقلمه، وفخرا تجلى بِهِ عَن أفق
стр. 389
الدّين الحنيف ظلمه، ويشفى بعلاجه الناجع ألمه، وشكرا عَن هَذِه الْبِلَاد جودكم الَّذِي وكفت ديمه، وَأبقى عَلَيْهَا وجودكم الَّذِي راقت شيمه. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله تَعَالَى، والتشيع فِيكُم لَا يعرف النّسخ محكمه، وَلَا يقبل الالتماس معلمه. وَإِلَى هَذَا شكر الله عَن الْإِسْلَام صنائع مقامكم، وعرفكم عوارف الْعِزّ فِي غرر أيامكم. فإننا وصلنا كتابكُمْ الْكَرِيم الْوِفَادَة، الْعَظِيم الإفادة، مصحبا بالهدية الَّتِي صحبها الْكَمَال، وصدقت فِي احتفائها واحتفالها الآمال، واشتملت على نكايتي الْعَدو، وهما الْخَيل وَالْمَال، فَكَأَنَّهُ كَانَ لِوَاء نصر خَفق أَمَام كَتِيبَة، ونسيم زهر عبق عَن رَوْضَة عَجِيبَة. وَيَا لَهَا من هَدِيَّة اتخذ النَّاس يَوْمهَا عيدا، وموسما سعيدا، وعزما رَآهُ الْعَدو قَرِيبا، وَكَانَ يحسبه بَعيدا، نتيجة الهمة الَّتِي تقف الهمم دون مداها، وتستقري الغيوث مساقط نداها، والشيم الَّتِي ترى العواذل فِي الْوُجُود من عَداهَا. فَلَو خير الْمجد لما بعد مداها. وقفنا من مضمنه على لجة جود، للسان فِيهَا سبح طَوِيل، ومحجة فضل للأقلام فِيهَا نصر من كل طرف وسم بالصباح مِنْهُ جبين، ناشي فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي خصام الْحَرْب مُبين، من أَشهب للشهب فارح، ولإحراز الغايات مسارع، حاسر فِي شكل دارع، كَأَنَّمَا خلعت عَلَيْهِ البزاة الْبيض صدورها، وقلدته الْكَوَاكِب شذورها، وأشقر عسجدي اللبَاس، شعلة من شعل الباس، كَأَن أُذُنه ورقة الآس، وغرته الحبابة الطافية فِي الكاس. وأحمر وردي الْأَدِيم، حايز فِي حلبة الْحسن مزية التَّقْدِيم، كَأَنَّمَا صنع من العندم، أَو صبغ بالرحيق المغدم، يحْسد الْأسد الْورْد فِي لَونه، ويدعى الرّيح أَنَّهَا مَادَّة كَونه. وكميت مَا فِي خلقه من أمت، كَأَنَّهُ قِطْعَة من الغسق خالطت دهمتها حمرَة الشَّفق. وقرطاسي كَأَنَّهُ درة سمع اسْتِحْسَان الْغرَر فجَاء وَكله غرَّة، كَأَنَّهُ أفق الْفجْر، وسرجه هلاله، وخالص الدّرّ
стр. 390
وصدفه جَلَاله. وأدهم زنجي البزة، مُرْتَد برداء البأو والعزة، كَأَن الْعُيُون النجل نفضت علها سوادها، والغصون الملد عَلمته انثناءها وانقيادها. وكل صَامت نَاطِق متصف بزينة معشوق ولون عاشق مريني المنتمى وَالضَّرْب، عدَّة فِي السّلم وَالْحَرب، قَامَت قِيَامَة الْعَدو لطلوع شمسه من الغرب، أشبه شمس الْعَالم فِي استدارة قرصه، وانتقال شخصه، واعتدال طبعه، وَعُمُوم نَفعه، تعشو غيون الْأَمَانِي إِلَى ضوء ناره، وتدور فرَاش المطامع حول أنواره، وتحوم نحل الآمال على نواره، وكل صقيل الفرند، مَنْسُوب إِلَى الْهِنْد، يخْطب من الْكَلَام بمقتضبه، ويضحك فِي الروع عِنْد غَضَبه، وَمن الْآلَات كل ماثلة فِي المرآى الْجَمِيل [بعض مغمزها إِلَى السمعيل] فَمن للسان الشكران أَن يُوفى حَقًا أَو يَهْتَدِي فِي هَذِه الْبَيْدَاء طرقا. إِنَّمَا نكل الشُّكْر لمن سمحتم بذلك المدد فِي سَبيله، وأملتم فِيهِ موهبة قبُوله. فَمَا هِيَ فِي التَّحْقِيق إِلَّا كتائب لِلْعَدو جهز ثَمَرهَا، ومواعد نصر أنْجز نموها، ومناقب أسلاف جددتموها وأحرزتموها. وَحضر لدينا رَسُولكُم فلَان فَألْقى من القَوْل الَّذِي صدقه الْفِعْل، وَاللَّفْظ الَّذِي شَرحه الْمجد وَالْفضل، وَمَا أوثق أَسبَاب الآمال وَوَصلهَا، وأحرزها وحصلها، وَقرر اعْتِقَاد الود الْجَمِيل وَأَصلهَا. وَقد رَأَيْتُمْ بالاستقرار الصَّرِيح، وَالنَّظَر الصَّحِيح، مَا أثمر اعتناؤكم بِهَذَا الْقطر المتمسك بأسبابكم، الْمُعْتَمد على جنابكم من صلَة نصركم، وإعزاز أَمركُم، واتساق سعدكم، وإسعاف قصدكم، فاشكروا الله الَّذِي
стр. 391
أجْرى الْخَيْر على يديكم، وألهمكم مَا يحفظ نعمه الجزيلة لديكم، ويضفي ستر عصمته عَلَيْكُم. وكتبنا إِلَيْكُم هَذَا الْكتاب، فَلَو أَن حمرَة مثله مُعْتَادَة حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ عرف وَعَادَة، لقلنا خجل من تَقْصِيره، فعلته حمرَة الخجل لما ضَاقَ عَن مُرَاده ذرع المروى والمترجل، لاكن على إغضا ذَلِك الْمقَام الْمُعْتَمد، فَهُوَ الَّذِي يعد مِنْهُ فِي الْفضل الأمد. وَالله يصل سعدكم [ويحرس مجدكم] وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وكتبت أَيْضا
الْمقَام الَّذِي بر ووفى، وكفل وَكفى، وخلص على كدر الزَّمَان وَصفا، وشفا الْأَمر على شفا، وَأوجب مَا أوجبه الْمجد ونفا، وسجل عقد الرعى والوفا الحميد السَّعْي، فاستقل رسمه وَاكْتفى، وسكنت صولة عزه ريح الْكفْر وَقد كَانَ هفا، وَقَامَت على قَصده الْجَمِيل الْأَدِلَّة [الَّتِي تسعد] بهَا الْملَّة مِمَّا بدا عَمَّا خفا. مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي إِلَى ظلّ فَضله الِاسْتِنَاد، بِحجَّة نَصره يرْتَفع العناد، وعَلى مجده الِاعْتِمَاد، وتشيعنا إِلَى أبوته يشْهد بِهِ الْحَيّ والجماد، أبقاه العناد، وعَلى مجده الِاعْتِمَاد، وتشيعنا إِلَى أبوته يشْهد بِهِ الْحَيّ والجماد، أبقاه الله يخلف أولياءه فِي أبنائه أحسن الْخلف، ويتحلى من حسن الْعَهْد بأكرم مَا يُؤثر عَمَّن شهر من السّلف، ويتحمل فِي سَبِيل الله ثقيل المون وباهظ الكلف، وحرس بدر علاهُ من السرَار والكلف. مُعظم مقَامه، وملتزم إجلاله وإعظامه، فلَان. سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 392
أما بعد حمد الله الَّذِي لَا تحصى آلاؤه، وَلَا تعد صنايعه، وَلَا تفْتَقر إِلَى الْمثل المحدودة والرسوم المتلوة بدايعه، قيوم السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَلَا يناويه ضد، وَلَا ينازعه، الَّذِي يعلم السِّرّ وأخفى، فَمَا من ضمير إِلَّا وَهُوَ مجتليه وَلَا ندا إِلَّا وَهُوَ سامعه، فَمن توكل عَلَيْهِ، وَأسْندَ الْأَمر إِلَيْهِ. أحسبت بِالْخَيرِ العاجل والآجل مطامعه، وَمن توكل على فَضله، علت مراتبه، وأخصبت مرابعه. وَالشُّكْر لنعمه الباطنه وَالظَّاهِرَة، والمزيد مِنْهَا مقترن بالشكر متتابعه. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، نور الْكَوْن الذى بهر ساطعه، وبرهان النُّبُوَّة الَّذِي فصح المعاندين قاطعه، الَّذِي أنارت بمصباح آيَاته الْبَينَات، مراقب الْهدى ومطالعه، وغمام الرَّحْمَة الَّذِي أغاث الْعباد والبلاد هامعه. فَإِن توقع الْخطب فجاهه دافعه، أَو عظم الذَّنب، فَهُوَ فِي الْقِيَامَة شافعه، وأنموذج الْكَمَال الَّذِي اشْتَمَلت على المكارم أخلاقه وطبايعه، وعنوان أَمر الله، يُبَايع الله من يبايعه، ويشايع الْحق الْمُبين من يشايعه. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين أُقِيمَت بهم من بعده شعائره وشرايعه، وحفظت رسوم دينه فروعيت مَصَالِحه، وسدت ذرايعه، فضفت بِالْبرِّ وَالتَّقوى مدارعه، وأثمرت استقامة الْأَحْوَال ونجاح الْأَعْمَال مزارعه، وشقى بهم عاصيه وَسعد طايعه، وتأرج عَن رياض الْحق نسيم ثنايهم الْجَمِيل فنم ذايعه، وَالدُّعَاء لمقام أبوتكم بالصنع الإلآهي، الَّذِي يشْهد بالعناية الأزلية رايقه ورايعه، والنصر الَّذِي يتجلى [فِي منصات المنابر فتكاته بالْكفْر وَوَقَائعه. والسعد الَّذِي يتجلى] تجلى الصَّباح الطلق، فَلَا
стр. 393
يخفى عَن أعين الْخلق ناصعه، والعز الَّذِي لَا تناجزه الكتايب الْمُشْتَركَة وَلَا تدافعه، وَلَا زَالَت الأقدار الإلآهية توافقه وتطاوعه. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من فَضله أَسْنَى مَا أثبت الخلفا الكفلا وَكتبه، وَأوجب لكم من جزا الْأَئِمَّة الأوفيا خير مَا أوجبه، وكافأ ملككم الَّذِي تقلد مَذْهَب أهل الْحق وارتكبه، وجدد عَادَة الْفضل، وَوصل سَببه، بِمَا يكافي بِهِ من أخْلص إِلَيْهِ النِّيَّة فِيمَا وهبه، وعضد الرَّعْي الَّذِي وَرثهُ، بالرعي الَّذِي كَسبه، وَولى وَجهه شطر مَا عِنْد الله وَقصر عَلَيْهِ طلبه. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَنعم الله علينا، ببركة أبوتكم منسحبة ظلالها، وآلاؤه متوال نوالها، نتعرف وُجُوه السَّعَادَة يروق جمَالهَا، ونترجى بنيتكم سبل الْمصَالح، الَّذِي يحمد مآلها، ونستزيد من جميل نظركم مَا تطاوع بِهِ للنفوس آمالها، وَعِنْدنَا من الثَّنَاء على معاليكم أَعْلَام عقدت فِي قنن الأقلام، فخفقت وَظَهَرت، وبضايع طيب خلقت بهَا هبوب الرِّيَاح فذاعت فِي الْآفَاق واشتهرت، وَمن الود الْأَصِيل أصُول تقررت، وحجج تخلصت من شوب الشُّبُهَات وتحررت، ومقاصد طافت بِذكر ذَلِك الْمقَام الأبوي واعتمرت، وضماير أثمرت من صاغيته المنقادة لداعي الْكَرم وَالْحريَّة مَا أثمرت. وَإِلَى هَذَا وصل الله لنا بقايكم، فإننا نؤمل إغضاءكم حَتَّى عَن قُصُور الْأَلْسِنَة من الثَّنَاء على أبوتكم المحسبة المحسنة، فَإِن المدارك إِذا بَعدت غاياتها، عذر طلابها، والكمالات إِذا نَالَتْ من آياتها، رحم خطابها. وَمن للعبارة أَن تدْرك شأو فضل تجَاوز الْعَادة بخرق حجابها، وَيرْفَع عَن طور الْأُمُور المألوفة فتخط ى حِسَابهَا. ونعرفكم بوصول كتابكُمْ الْكَرِيم جَوَابا عَمَّا
стр. 394
خاطبنا بِهِ أبوتكم مَعَ رَسُولنَا إِلَيْكُم كَاتب سرنا [ووزير أمرنَا] الكذا الكذا [أَبَا عبد الله بن الْخَطِيب] وصل الله عزته، [ووالى رفعته] ، متضمنا من الْهِدَايَة الَّتِي تنقاد النُّفُوس بزمامها وتجبرها على الرِّضَا بالمقادير وأحكامها، والحظوظ وأقسامها، والآجال وبلوغ أَيَّامهَا، معزيا عَن فقيدنا الْعَزِيز فَقده، مخمدا من الْحزن الَّذِي اشتعل وقده [دَاعيا إِلَى الصَّبْر الَّذِي ضمن كالي الْأجر نَقده] ، واستقل بَين يَدي ذاكم الْخلق الْجَمِيل عقده، مقررا فِي المساهمة بِمَا يَلِيق بمثلكم مِمَّن يحملهُ عَلَيْهَا الدّين الوثيق، والحسب العريق، والوفا الَّذِي صَحَّ مِنْهُ الطَّرِيق، مهنيا بِمَا سناه الله بنيتكم من وراثة الْملك الَّذِي تأميلكم مدَار أمره، وقبتكم فطنة نَصره، وموالاتكم أنفس ذخره. فاجتنينا من ضروب هَذِه الفضال الحسية والمعنوية ضربا مشورا، واجتلينا من طرس ذَلِك الْخطاب، لِوَاء النَّصْر منشورا، وصدعنا بِهِ فِي الحفل اعتزازا بِهِ وظهورا. وقدحنا مِنْهُ فِي ظلام الْخطب نورا، وشرحنا بِهِ للْمُسلمين صدورا، وأطلعنا من أنبائه، شموسا وبدورا، وأضحكنا بمسرته من هَذِه الثغور القاصية ثغورا، ووقف رَسُولنَا بَين تَقْرِير بصور لمجدكم وتمهيد، وَتَفْسِير لسور فَضلكُمْ وتجويد، وتقسيم لضروب محاسنكم وتعديد، حَتَّى ظننا النُّجُوم
стр. 395
تنظم عقودا وشذورا، والرياح تحمل مسكا منثورا، ورقاق الْهِنْد تحدوا قطار مسطورا، [وروضة الْحسن تحي بالنفوس اللطيفة دوحا ممطورا] واستصحب من المَال الَّذِي يُقيم الأود، ويوضح الْمُسْتَند، والهدنة الَّتِي حازت من ميدان الْفضل الأمد [وأوصل من المواعد] تتحمل المون العويصة، واجتناء الآمال الحريصة، مَا نقلته الدَّوَابّ [من] الْأَسْبَاب، ووضحت من الثِّقَة بإنجازه الْغرَر والشيات، وَمَا لَا يُنكر على تِلْكَ الشيم، وَلَا يستغرب فِي مواقع تِلْكَ الديم، فالعمايم شَأْنهَا أَن تهمي هباتها، وَالشَّمْس عَادَتهَا أَن تعم إفادتها. فَقُلْنَا الْحَمد لله الَّذِي شرفنا بِهَذِهِ الْأُبُوَّة، وَذخر لنا زمانها، وَعطف علينا هَذِه السرحة الْكَرِيمَة، نستظل ظلالها، وتتجع أفنانها، وَشرح لنا هَذِه المثابة الَّتِي رفع شَأْنهَا، وَلم نكد نشابه شط هَذَا الْبَحْر الَّذِي عبره، ونستوفي شرح مَا خَبره إِلَّا وتلاحقت مراكب الطعمة، وبواكر مَا يعم الْمُسلمين من النِّعْمَة، فأنتج الْمُتَقَدّم والتالي، مَطْلُوب الْقبُول، وأفصح لِسَان الْحَال ولسان الْمقَال بِالنّسَبِ الْمَوْصُول، وزادت [وَالْحَمْد لله] فنون الْفُرُوع وَالْأُصُول، وَصَحَّ عَن ابْن الْخَطِيب حمل ذَلِك الْمَحْصُول، وَإِنَّا وَإِن عجزنا عَن المجازاة، وتبينت الْحَقَائِق من المجازاة، لنشمر فِي التشييع، وَالْحب [عَن ساعد] لَا يطاول بحول الله وَلَا يظْهر، ويجول فِي الثَّنَاء على جواد هُوَ الأسبق الْأَشْهر، ونعلم فِي مجَال الشُّكْر بسيمة لَا تَلْتَبِس وَلَا تنكر، ونلتزم من الْأُبُوَّة الَّتِي أوجبهَا
стр. 396
سَبِيلا، تحمد للأبناء وتشكر، حَتَّى يعلم الله أننا [أبلينا عذرا] وقضينا نذرا، ورعينا حَقًا، وسلكنا من الْبر طرقا. وَقد كُنَّا على حَيَاة مَوْلَانَا الْوَالِد، نحمل أَحَادِيث مجدكم بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّة، ونعمل حكم التَّوَاتُر بِشُرُوطِهِ التَّامَّة، فَالْآن صحت لنا المناولة وَالسَّمَاع، وصدقت فِي الإفادة الأطماع، وَوَقع على الْقَضِيَّة الْإِجْمَاع. وكتبنا إِلَيْكُم هَذَا الْكتاب لنودي فروض الشُّكْر الَّذِي وَجب، ونثني بِالْفَضْلِ الَّذِي اجتلينا مِنْهُ الْعجب. وَمَا عَسى أَن يبلغ الثنا وَإِن اتَّسع نطاقه، وجاشت آفاقه، وَكَانَ إِلَى دَاعِي [الإجادة اشتياقه] فِي تِلْكَ الشيم الَّتِي راهنت العلما فبذتها، وتخطت مراقي الرتب فاطرحتها، إِلَى مَا فَوْقهَا ونبذتها، والهمة الَّتِي سمت نَحْو الحظوظ الْبَاقِيَة وطمحت، واحتقرت فِي الله مَا بِهِ سمحت، وهامت بأنواره الَّتِي التمحت لتهنها السَّعَادَة الْكُبْرَى، والعناية الَّتِي تجمع لَهَا بَين عز الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى. وَهَذِه الجزيرة الأندلسية لكم ولسلفكم محراب مُنَاجَاة، وسوق بضايع غير مزجاة، وميدان جِهَاد، وخلوة ذكر واجتهاد، فَلَا تعدم مِنْكُم ممتعضا لحرمتها، رَاعيا لأذمتها، مصرخا عِنْد الشدائد لأمتها، وَلَو سُئِلت على كَثْرَة من عرفت لأقرت بفضلكم وَاعْتَرَفت، فأنكم شفيتم مِنْهَا دَاء، وسبقتموها بالجيل ابْتِدَاء، وَلم تشغلكم الشواغل عَن تداركها، حَتَّى فرج سعدكم شدائدها، وَكَانَ إمدادكم طبيبها، وإنجادكم عائدها، فَكيف بعد تمهيد ملككم الأمل. وَإِذا كرم الْمَاضِي، فَأولى أَن يكرم الْمُسْتَقْبل. نسل الله أَن يمتعكم وإيانا ببقائكم مَادَّة سعودها، وحياة وجودهَا، وَيبقى بمناصحة
стр. 397
الله فِيهَا ذكركُمْ، ويعلى بجهاد عدوه قدركم. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل بركم، ويوزع شكركم، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا.
وكتبت هَذَا أَيْضا فِي هَذَا الْغَرَض جَوَابا لصَاحب الْبِلَاد الْقبلية عَن خيل عتاق بعث بهَا إِلَى الأندلس رَحْمَة الله عَلَيْهِ
من الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر [أيده الله بنصره وأمده بمعونته ويسره] إِلَى مَحل أخينا الَّذِي ودادنا لَهُ فِي ذَات الله وثيق الْبُنيان، وخلوصنا لَهُ كَبِير الْأَثر والعيان، وتشيعنا لجانبه فسيح الميدان، وثناؤنا على مكارمه وَمَكَارِم سلفه، تركض فِي مجاله الرحب جِيَاد ابْن السُّلْطَان أبي يحيى يغمرا سنّ بن زيان] أبقاه الله، وقو اعد ملكه بِهِ راسخة راسية، ومعالم فَضله سامية عالية، وعناية الله لَهُ كالية، وفواضله لَدَيْهِ متواترة مُتَوَالِيَة، حَتَّى ينسى بمآثره الراضية، مَنَاقِب أسلافه الْمَاضِيَة، ويخلد لَهُ فِي سَبِيل الْجِهَاد المفاخر الْبَاقِيَة، والأعمال الصاعدة إِلَى مَحل الْقبُول الراقية. سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله ولى الْحَمد وَأَهله، والثنا عَلَيْهِ [بِمَا أولاه] من مواهب فَضله، والاستعانة بِهِ سُبْحَانَهُ على الْأَمر كُله، والضراعة إِلَيْهِ فِي صلَة تيسيره وَحمله. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد الْكَرِيم الْمُصْطَفى، خيرة أنبيائه وَخَاتم
стр. 398
رسله، الْمفضل بعلو مَكَانَهُ ورفعة مَحَله، ملْجأ الْخلق يَوْم لَا ظلّ غير وارف ظله، الَّذِي هدَانَا إِلَى سلوك الْحق، وَاتِّبَاع سبله، وأمدنا بالمؤاخاه فِي ذَاته ابْتِغَاء مرضاته وَمن أَجله، وَالرِّضَا عَن آله وصحابته وقرابته وَأَهله، المثابرين على اتِّبَاع سنته فِي قَوْله وَفعله. وَالدُّعَاء لمقام أخوتكم الفضلى بتأييده، وَنَصره فِي سَبِيل الله ومضاء نصله، واستيلائه من ميدان السعد على قصب خصله. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا باسما باسقا، وَعزا متناسبا متناسقا، وصنعا جميلا رائقا، وتوفيقا من لَدنه مُوَافقا. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله ﷻ ، ثمَّ بِمَا عندنَا من جميل الِاعْتِقَاد فِي مقامكم الرفيع، الَّذِي تسنت من فضل الله آماله، وَسعد حَاله ومآله، إِلَّا النعم الواكفة، والصنايع المترادفة، وَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله. وَعِنْدنَا لأخوتكم الْكَرِيمَة تشيع وَاضِحَة مذاهبه، ووداد كريم شَاهده وغايبه، وإخلاص أشرقت فِي سما الصَّفَا كواكبه، وَلم لَا وودادكم، قد أحكم السّلف الْمُبَارك [﵁] معاقده، وأوضح فِي مرضاة الله موارده، وَأقَام على التعاون فِي سَبِيل الله سُبْحَانَهُ قَوَاعِده، فَهُوَ بتأكد وعَلى مر الْأَيَّام يَتَجَدَّد. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فَلَو استطعنا، لَا تمر سَاعَة إِلَّا عَن مُكَاتبَة، بَيْننَا وَبَيْنكُم تَتَرَدَّد، وذمام كريم يتَأَكَّد، اغتباطا بولائكم، وارتباطا إِلَى مصافاة علائكم، وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصلنا كتابكُمْ صُحْبَة الْخَيل الَّذِي تفضلتم بإهدائها، وسلكتم بهَا سبل الْمُلُوك مَعَ أودائها، فكرم عندنَا موقع ودكم، ووصلنا الثنا على أَصَالَة مجدكم، وَقُلْنَا فضل صدر عَن مَحَله، وبر جَاءَ من أَهله، وإمداد أَتَى
стр. 399
من عنصر الْإِمْدَاد، وإعانة وصلت من مَكَان الْإِعَانَة والإرفاد، والمعاضدة فِي سَبِيل الْجِهَاد، وماجد سلك سَبِيل سلفه الأمجاد، فَوَجَبَ علينا أَن نبعث إِلَيْكُم هَذَا الْكتاب، نشكر بِهِ مَا كَانَ من أفضالكم، ونشير بالثنا على كمالكم وباهر خلالكم، ونستطلع مَا يسر إِن شَاءَ الله من متزيدات أحوالكم، عملا على شاكلة الود الْكَرِيم، والاعتقاد السَّلِيم، والرعى لما سلف بَين قَومنَا وقومكم، من الذمام الْقَدِيم. وَلم يتزيد عندنَا مَا نطالع بِهِ مقامكم الرفيع لما نعلمهُ من تشوفكم لأحوال الْمُسلمين بِهَذَا الْقطر، دَافع الله عَن أَهله، وَحَملهمْ على أنهج طرق السداد وأقوم سبله. إِلَّا أننا عَقدنَا فِي هَذِه الْأَيَّام الفارطة السّلم مَعَ سُلْطَان قشتالة وأحكمناها، وجددنا شُرُوطهَا ورسمناها، وَتمّ المُرَاد من ذَلِك بنيتكم الَّتِي مِنْهَا يلْتَمس، وَمن بركتها يقتبس، وَالنَّاس وَالْحَمْد لله قد شملهم التَّمْهِيد، وتشاور فِي الْأَمر مِنْهُم الْقَرِيب والبعيد. وَالله سُبْحَانَهُ الْمُسْتَعَان فِي جَمِيع الْأَحْوَال، والمرجو لصلة النوال. هَذَا مَا تزيد عندنَا طالعنا بِهِ مقامكم، وبادرنا بِهِ أعلامكم، فعرفونا بِمَا يتزيد ليدكم، ويتجدد من فضل الله عَلَيْكُم، لنسر بوارده، ونتأنس بوافده، [وَالله سُبْحَانَهُ يصل سعدكم ويحرس مجدكم] ، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم كثيرا أثيرا وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ عرف الله خَيره.
وكتبت أَيْضا جَوَابا عَن هَدِيَّة بعث بهَا الْمَذْكُور
الْمقَام الَّذِي تَجَدَّدَتْ بسعادته دولة أسلافه، وَاتفقَ بهَا قَوْلهَا بعد اختلافه، وَعَاد العقد إِلَى انتظامه، والشمل إِلَى ائتلافه، مقَام ولينا فِي الله، الَّذِي هيأ الله لَهُ من جميل صنعه أسبابا، وَفتح بِهِ من مُبْهَم السعد أبوابا،
стр. 400
وأطلع مِنْهُ فِي سما قومه شهابا. وصفينا الَّذِي نسهب القَوْل فِي شكر جَلَاله وَوصف خلاله إسهابا. السُّلْطَان الكذا أبي سعيد عُثْمَان ابْن الْأَمِير أبي زيد ابْن الْأَمِير أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان أبي يحى يغمراسن بن زيان، أبقاه الله للدولة الزيانية، يزن بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة أجيادها، وَيملك بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان قيادها، وَيجْرِي فِي ميدان الندى، والبأس، وَوضع الْعرف بَين الله وَالنَّاس جيادها. سَلام كريم، كَمَا زحفت للصباح شهب المواكب، وتفحت على نهر المجرة أزهار الْكَوَاكِب، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله جَامع الشمل بعد انصداعه وشتاته، وواصل الْحَبل بعد انْقِطَاعه، وانبتاته، سُبْحَانَهُ لَا مبدل لكلماته، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الصادع بآياته الْمُؤَيد ببيناته، الَّذِي اصطفاه لحمل الْأَمَانَة الْكُبْرَى، وحياه بِالْقدرِ الرفيع وَالْمحل الْأَسْنَى، وَالله يعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته. وَالرِّضَا عَن آله وأنصاره وَحزبه وحماته، المتواصلين فِي ذَات الله وذاته، القائمين بنصر دينه وقهر عداته. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا ثَابت الْأَركان، وَعزا سامي الْمَكَان، ومجدا وثيق الْبُنيان، وصنعا كريم الْأَثر والعيان. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والثقة بِاللَّه سُبْحَانَهُ أَسبَابهَا وَثِيقَة، وأنسابها عتيقة، والتوكل عَلَيْهِ لَا تَلْتَبِس من مذاهبه طَريقَة، وَلَا تختلط مِنْهُ بالمجاز حَقِيقَة. وَعِنْدنَا فِي الِاعْتِدَاد بكم فِي الله عُقُود مبرمة، وآي فِي كتاب
стр. 401
الْإِخْلَاص محكمَة. ولدينا من السرُور بِمَا سناه الله لكم من أَسبَاب الظُّهُور الَّذِي حلله معلمة، وحججه الْبَالِغَة مسلمة، مَا لَا تفي الْعبارَة بِبَعْض حُقُوقه الملتزمة. وَإِلَى هَذَا أيد الله سلطانكم، [وسنى أوطاركم، ومهد أقطاركم] ، فإننا ورد على بابنا فلَان وصل الله كرامته، وسنى سَلَامَته صادرا عَن جهتكم الرفيعة الْجَانِب، السامية الْمَرَاتِب، طلق اللِّسَان بالثنا بِمَا خصكم الله بِهِ من فضل الشَّمَائِل، وكرم الْمذَاهب، مُحدثا عَن بَحر مكارمكم بالعجائب، فَحَضَرَ بَين يدينا. ملقيا مَا شَاهده من ازديان الْمشَاهد بِتِلْكَ الإيالة، واستبشار الْمعَاهد بِعُود ذَلِك الْملك الرفيع الْجَلالَة، الشهير الْأَصَالَة، وَوصل صحبته مَا حملتم جفْنه من الطَّعَام إغاثة لهَذِهِ الْبِلَاد الأندلسية، والأمداد الَّتِي افتتحتم بِهِ ديوَان أَعمالكُم السّنيَّة، وأعربتم عَمَّا لكم فِي سَبِيل الله من إخلاص النِّيَّة. وَأخْبر أَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ رشة من غمام وطليعة من جَيش لهام، ورفد من عدد، وَبَعض من مدد، وَإِن عزائمكم فِي الْإِعَانَة والإمداد على أَولهَا، ومكارمكم تنسى الْمَاضِي بمستقبلها، فأثنينا على قصدكم الَّذِي لله أخلصتموه، وَهَذَا الْعَمَل الْبر [الَّذِي] خصصتموه، وَقُلْنَا لَا يُنكر الْفضل على أَهله، وَهَذَا بر صدر عَن مَحَله، فَلَيْسَتْ إِعَانَة هَذِه الْبِلَاد الجهادية ببدع من مَكَارِم جنابكم الرفيع، وَالْإِشَارَة فِيمَا أسدى على الْأَيَّام من حسن الصَّنِيع. فقد علم الشَّاهِد وَالْغَائِب، وَلَو سكتوا، أثنت عَلَيْك الحقائب، مَا تقدم لسلفكم [فِي هَذِه الْبِلَاد] من الإرفاق والإرفاد، وَالْأَخْذ بالحظ الموفور من المدافعة وَالْجهَاد، وَأَنْتُم أولى من جدد عهود قومه، وَكَانَ غداه فِي الْفَخر أكبر من يَوْمه. وَقد ظهر لله فِي جبر [تِلْكَ] الإيالة
стр. 402
الربانية نتيجة تِلْكَ الْمُقدمَات، وَعرفت بركَة مَا أسلفته من المكرمات، وسنى الله سُبْحَانَهُ بَين يَدي وُصُول مَا بِهِ تفضلتم، وَفِي سَبيله بذلتم، أَن فتح جيشنا حصنا من الْحُصُون الْمُجَاورَة لغربي مالقة، يعرف بحصن قنيط، من الْحُصُون الشهيرة الْمَعْرُوفَة، والبقع الْمَذْكُورَة بِالْخصْبِ الموصوفة، دفع الله مضرته عَن الْإِسْلَام وَأَهله، ويسره بمعهود فَضله. فَجعلنَا فِي ذَلِك الطَّعَام الَّذِي وجهتم، طعمة حماته، ونفقات رِجَاله ورماته، اخْتِيَارا لَهُ فِي أرْضى الْمرَافِق من سَبِيل الْخَيْر وجهاته. وَأما نَحن فَإِن ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا عندنَا من الثنا على ملككم الْأَصِيل الْبَنَّا، والاعتماد على مقامكم الرفيع الْعِمَاد، والاستناد إِلَى ولائكم الثَّابِت الْإِسْنَاد، لم نبلغ بعض المُرَاد، وَلَا وَفِي اللِّسَان بِمَا فِي الْفُؤَاد. فَمن الله نسل أَن يَجعله فِي ذَاته، ووسيلة إِلَى مرضاته، ومرادنا من فَضلكُمْ العميم، وودكم السَّلِيم أَن تحسبوا هَذِه الْجِهَة كجهتكم فِيمَا يعن من الْأَغْرَاض، ليعْمَل [فِي تتميمها] [يحْسب الود الصافي الْحِيَاض] . وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام.
وكتبت فِي غَرَض الشُّكْر على الْهَدِيَّة للسُّلْطَان أبي فَارس ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن وفى أول عَام سبعين وَسَبْعمائة
الْمقَام الَّذِي جدد الْعَهْد، وَخلف وليه الْعَهْد واستأنف السعد، وتأذن الله فِي كِتَابه أَن ينجز لَهُ الْوَعْد. مقَام مَحل أخينا، الْجَارِي فِي الْفضل جرى الْجواد على أعراقه، المتميز بحميد شيمه وكريم أخلاقه، مطلع ذرى السعد من
стр. 403
آفاقه، وملبس الْإِسْلَام مَا تعود من أطواقه، وناظم عقد الشتيت على أحسن اتساقه. السُّلْطَان الكذا، أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله، ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله السُّلْطَان الكذا أَبى الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد بن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف بن عبد الْحق] أبقاه الله رفيعا شَأْنه سعيدا زَمَانه، وَاضحا فِي المكرمات رهانه، سَابِقًا إِلَى الغايات أولى الْغرَر من قومه، والشتات، إِذا احتفل ميدانه، مُعظم قدره العالي فِي الأقدار، المسرور لهلاله، السعيد بجلالة الأبدار، واستقامة الْمدَار، الدَّاعِي لَهُ بمساعدة الأقدار وعقبى الدَّار. الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد ابْن نصر. سَلام كريم طيب بر عميم، كَمَا أَهْدَت الرياض شذا رياها، وجلت الشَّمْس محياها، يخص مقامكم الْأَعْلَى [ودولتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله [الْوَلِيّ الحميد] ، المبدى المعيد، معيد القلادة إِلَى الْجيد الْمجِيد، ومعرف عوارف التَّجْدِيد [لمعالم السعد الْجَدِيد] وَالْجد السعيد، ومظهر الْعِنَايَة بِالْإِسْلَامِ، وَاضِحَة الْأَعْلَام للقريب والبعيد، رابط عوايد النَّصْر والتأييد بمبادي التَّوْفِيق وَالتَّشْدِيد، وناظم الْخلال السمية نظم
стр. 404
الغريد لأولى الْمَزِيد، الَّتِي اقتضتها إِرَادَة المريد. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الظل المديد، والملجأ المنيع فِي الْخطب الشَّديد، جالى ظلم الْكفْر والإلحاد بِنور التَّوْحِيد، وهادي من سبقت لَهُ سَابِقَة الْفَوْز إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد، الَّذِي نتعاون فِي إعلاء كَلمته بالمناصحة الْبَالِغَة وَالْقَصْد السديد، ونصل الْمَوَدَّة فِي ذَاته، كفيلة من مرضاته ومرضاة ربه بالمزيد، ونجاهد الْعَدو جهادا، يُوسع السيوف اجْتِهَادًا من بعد التَّقْلِيد، ويملأ الأكف بالأنفال، من بعد فض الأقفال، مستوعبة للطارف مِنْهَا والتليد. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وأوليائه وأحزابه، السَّادة القادة الصَّيْد، فذلكة الْحساب وَبَيت القصيد، العايثة سيوفهم الباترة وغراماتهم المتواترة فِي أعدا مِلَّته، عياث النَّار فِي يبس الحصيد، الَّذين ظاهروه فِي حَيَاته بالعزايم الصادقة على بَأْس الْحَدِيد، وخلفوه فِي أمته، بِحِفْظ مَا أنزل عَلَيْهِ من الْوَعْد الصَّادِق والوعيد، فَكَانُوا فِي سَمَاء مِلَّته نجوما هادية [للسمت الرشيد وأعلاما مائلة] تهدي الساري فِي عراض البيد، وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى، ومثابتكم الفضلى بالعز المشيد، والنصر الَّذِي يرغم أنف الْجَبَّار العنيد، والصنع الَّذِي لَا يمل حَدِيثه على الترديد، وَلَا زَالَ سيفكم الْمَاضِي يقوم فِي أَبْوَاب المآرب الصعاب مقَام الإقليد، وأنباء فخركم تهديها إِلَى نازح الْبِلَاد ركاب الرِّيَاح، فضلا عَن رَاكب الْبَرِيد. فإننا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا مصاحبا للتأييد، وتوفيقا يُصِيب شاكلة الرمى بِالسَّهْمِ السديد. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَنعم الله محسبة أمل المستفيد، وآلاؤه مجيبة دَاعِي المستزيد، ومجدكم الخليق بالتمجيد، وودكم الْمَخْصُوص
стр. 405
بتبعية الْعَطف والتوكيد. وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله [فَلَا فضل إِلَّا فَضله] ، فَهُوَ مُسْتَحقّ التَّحْمِيد. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، [وضاعف مواهب عنايته عنْدكُمْ] فإننا ورد علينا كتابكُمْ الْكَرِيم الْفُصُول، المتعاضد الْفُرُوع بالأصول، المستولى من ميادين الْفضل على أبعد آمادها، المجرى شيم الْمجد على معتادها، الرافل من أَثوَاب البلاغة والبراعة فِي حلل، المتكفل لِلْإِسْلَامِ بأردى غلل، وتجديد أمل، أَطَالَ وَأصَاب، وزين بالخط الْخطاب، وَدنت معاطفه لما استكملت الأوطاب، لجة بَيَان تقذف بالدر، وأفق لزهر الْمعَانِي الغر، ومصحبا بأشتات الهديات حسا وَمعنى، أما الْحس فالصواهل الضامرة والآلات الفاخرة، والمهندات الباقرة، والذخائر الباهرة، وَالْعرُوض المخزونة المصونة، واليلب المنيعة الحصينة، واللطف المجتناة، والطرف الَّتِي تباهي بعيونها الهبات، وَالطّيب ينتشق لَهُ المهبات، وَأما الْمَعْنَوِيّ، وَهُوَ أعلقها بِالنَّفسِ، وأعودهما بالمزيد من الْأنس، وَإِن كَانَ الْكل نفيسا، وبرهان مجده لَا يحْتَمل تلبيسا. فالتعريف بِمَا أَنْتُم عَلَيْهِ من استقامة التَّدْبِير، وإسعاف الْمَقَادِير واضطراد التَّمْهِيد، واستشعار العنابة من الله والمزيد، واستئناف الصنع الْجَدِيد، واستقبال الزَّمن السعيد، وَمَا كيفه الْقدر والحظ المبتدر، واليمن الَّذِي راقت مِنْهُ الْغرَر، وَمن تنوع الْأَحْوَال بمراكش وجهاتها، وعزمكم على انتهاز الفرصة واهتبالها، وَعدم مطاولتها وإهمالها، وأنكم أنهدتم وزيركم مرتادا لركاب النَّصْر، مصحبا أَدَاة الْحصْر، مغتنما هبوب الرّيح وسعادة الْعَصْر، فابتدر الْخط بَين يَدي تِلْكَ العزائم الْمَاضِيَة [والسعود المتقاضية] والشيم الراضية، وَالله
стр. 406
عز وَجل يَجْعَل التَّوْفِيق مواكب ركابكم، [والسعد ملازم مصراع بَابَكُمْ] وَيتم علينا وَعَلَيْكُم النعم، ويجزل من مواهبه الْقسم، ويطلعنا من أنبائكم على مَا يبهج النُّفُوس، ويشرح الصُّدُور، ويمهد الْجِهَات، وَيصْلح الْأُمُور، ويطيب الْأَلْسِنَة، ويضحك الثغور. وثناونا على نوعى هَذِه الْهَدِيَّة، ثَنَاء الرَّوْض على الْغَمَام الواكف، والعارض المترادف، فقد جدد الله عهد الزَّمن السالف، والظل الوارف. فَالله يشْكر مجدكم الَّذِي احتفى واحتفل، واختال فِي حلل الْفضل ورفل، وأطلع نير الْعِنَايَة بِهَذِهِ الْبِلَاد بعد مَا أفل، وَكفى بدولتكم السعيدة وكفل، فَلَا تسلوا عَمَّا لِلْإِسْلَامِ فِيكُم من أمل مذخور، ورجاء موفور، وَنِيَّة لخشيتها الصَّالِحَة ظُهُور، ولنورها سفور. [فقد شاع مَا تحليتم بِهِ من الشيم الباهرة، والمكارم الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة، وأنكم وَارِث السّلف الَّذِي شكر الله سَعْيه، وَأوجب الله ذكره ورعية] عفة منسدلة الْأَطْنَاب، واستظهارا بِكُل حسن المناب، واتصافا بِطَهَارَة الجناب، ومشاورة [لِذَوي الْأَلْبَاب، وغبطة بمودة الأهداف والأحباب، وتقربا إِلَى الله باكتتاب مَا أنزل من سور الْكتاب، ومحافظة على الْأَركان، ومباشرة] للرسوم مَعَ الأحيان، واستكفاء لِذَوي الْأَدْيَان. وَإِذا علم الله مِنْكُم الاتصاف بِهَذِهِ الصِّفَات المرضية، والشيم الطاهرة الزكية، والأعمال الصادرة عَن خلوص النِّيَّة، تكفل الله لكم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بالأمنية، وَأنْبت دولتكم النَّبَات الْحسن وأجزل لكم المنن، وأضفى عَلَيْكُم من وقايته الجنن. زادكم الله من فَضله، وحملكم على مَا فِيهِ السعد المجدد، وَالْفَخْر المخلد، بعيد الْأَمر كُله، [وَلَا قطع عَنَّا وعنكم عَادَة لطفه، الَّذِي نأوى إِلَى ظله] . وماذا عَسى أَن نثني على فَضلكُمْ
стр. 407
الطالع من أفق الْجَلالَة أَو نقرر من ودكم التَّوَارُث لَا عَن كَلَالَة، وقدركم عندنَا أجل، وذكركم بالجميل يملا فَلَا نمل. وَقد حضر بَين يدينا رَسُولكُم الْكَرِيم المناب فِيمَا قَرَّرَهُ من الود الوثيق، وَأدّى من الْبر الجدير بالشكر الخليق، وَأحكم من معاقد الْعَهْد الوثيق، وأوضح فِي الْفضل مِنْهُ الطَّرِيق، الشَّيْخ الْفَقِيه المرفع الحسيب السنى الحظى، المتعدد الأذمة أَبُو يحيى بن أبي مَدين والحاج المكرم المبرور أَبُو مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، وصل الله لَهُم ولأمثالهم عَادَة إنعامكم، وَأَعَانَهُمْ على خدمَة مقامكم، وقررا مَا يسر سَمَاعه على التّكْرَار والإعادة، وَإِن كَانَ غَنِيا عَن الإشادة، ومليا فَلَا يتشوف إِلَى الزِّيَادَة، فالقلوب تبنى بَعْضهَا بَعْضًا بِمَا تجن، والنفوس تجنح إِلَى أشكالها وتحن، وتلقى من الْجَواب عَن ذَلِك جهد عبارَة، لَا تجلى عَن كنه الْمَفْهُوم، وَلَا توفّي مَعَ الإطالة بالغرض المروم. وَالله يَجعله فِي ذَاته ودا وثيقا، وينهج بِهِ إِلَى مَا يرضاه طَرِيقا، ويريه الْمُسلمين تصورا وَتَصْدِيقًا، حَتَّى تَجْتَمِع الْأَيْدِي الْمسلمَة على جِهَاد الْكَافرين، وتلوح آيَات النَّصْر وَاضِحَة للمبصرين. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل لكم عوايد النَّصْر والتمكين، ويعرفكم عوارف النَّصْر الْعَزِيز وَالْفَتْح الْمُبين، ويطلع من أنبائكم على كل وَاضح الْغرَّة، مشرق الجبين. وَالسَّلَام الْكَرِيم الْبر العميم يخصكم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ، عرفنَا الله بركته بمنه.
стр. 408
(كتب تَقْرِير المودات)
(صدر عَنى مُخَاطبَة السُّلْطَان أَبى الْحسن بن)
(السُّلْطَان أَبى سعيد ابْن السُّلْطَان أَبى يُوسُف)
(ابْن عبد الْحق مَا نَصه:)
الْمقَام الَّذِي أَخْبَار سعده توسع الصُّدُور انشراحا، وتطلع فِي ليل الشدائد صباحا، وتورد ظمأ الأمل من موارد السرُور والجذل عذبا قراحا. مقَام مَحل والدنا الَّذِي مناهل ودنا فِيهِ على كدر الزَّمَان صَافِيَة، [وحلل تشيعنا لمقامه الأسمى أذيالها ضافية] ، وحظوظ بره الدُّنْيَا نامية وافية، وابتهالنا إِلَى الله فِي اتِّصَال سعده وتيسير قَصده كَافِيَة. السُّلْطَان الكذا، [ابْن السُّلْطَان الكذا، ابْن السُّلْطَان الكذا] ، أبقاه الله يَصْحَبهُ من عنايته، سُبْحَانَهُ، ألطاف خافية، وصنايع يكنفها يسر وعافية، حَتَّى تداوى علل الْأَيَّام مِنْهُ سياسة شافية، مُعظم مِقْدَاره الَّذِي يحِق لَهُ التَّعْظِيم، الْمُعْتَرف بفضله العميم، المحافظ على وده الْأَصِيل وَعَهده الْكَرِيم، مُحَافظَة [الْوَلَد الرضي] والصفى المخلص وَالْوَلِيّ الْحَمِيم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد [إِسْمَاعِيل بن فَرح] بن نصر. سَلام كريم [طيب برعميم يخص مقامكم الأسمى وأبوتكم الفضلى] عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.
أما بعد حمد الله الَّذِي هن توكل عَلَيْهِ، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وَمن اعْتمد عَلَيْهِ، فقد ظفر بِمَا هُوَ خير وَأبقى. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد
стр. 409
رَسُوله، منقذ النَّاس، وهم فِي لجة الْجَهْل غرقى، الَّذِي لم ترعه الشدائد، وَقد تبارت كتايبها سبقا، حَتَّى مَلَأت [جهتى] الْمَعْمُور غربا وشرقا. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه الَّذين وفوا بعهده، وسلكوا من اتِّبَاعه من بعده مَذَاهِب وَاضِحَة وطرقا، حَتَّى وجدوا مَا وعد رَبهم حَقًا. والدعا لملككم الْأَعْلَى ومقامكم الأرقى، بالصنع الَّذِي ينْطق أَلْسِنَة الأقلام من بعد الجماح نطقا، ويوسع صدر الْإِسْلَام التئاما ورتقا، ويتكفل لِلْإِسْلَامِ بالعاقبة الْحسنى، الَّذِي لَا يضل بعْدهَا وَلَا يشقى. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عناية مِنْهُ وَاضِحَة الْغرَر، وسعادة يساعدها تصريف الْقدر. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وأبوتكم مُعْتَمدَة بِالْبرِّ الْكَرِيم الْأَثر، والخلوص المنزه على الكدر [وَعِنْدنَا من التَّشَيُّع لمقامكم مَالا تحمله الْأَيَّام إِذا حَالَتْ، وَلَا تميل دعائمه كلما مادت أَو مَالَتْ] ، رعيا لفضائلكم الَّتِي سبقت وتوالت، وقياما بِحَق أبوتكم الَّتِي صابت بركتها وانثالت. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا ورد علينا كتابكُمْ المبرور، وخطابكم الْمَأْثُور، يطلع بارجائنا من صنع الله لكم أنوار الْبشر، وينشى سحايب الآلاء هامية الدُّرَر، عرفتمونا فِيهِ بِمَا خول الله سلطانكم من إعزاز الْجَانِب، وإعذاب المشارب، وانجلاء الغياهب، والتئام الجيوش واجتماع الْكَتَائِب، وَأَن الدَّهْر وقف بَين يَدي مقامكم موقف التائب، والسعد قد أبدى لكم وُجُوه الْعَجَائِب، وَأَن قبائل تِلْكَ الْبِلَاد دخلت فِي دين الله بِاتِّبَاع دعوتكم المرضية أَفْوَاجًا، وسلكت من التَّقْوَى وَالْبر منهاجا. وراجعت البصائر الصادقة، وآثرت النعم الْبَالِغَة السَّابِقَة، وشمرت أشياخها إِلَى المناصحة تشمير الْأَحْرَار، وتبادروا إِلَى المدافعة
стр. 410
عَن حمى سلطانكم أكْرم الابتدار، وبذلوا العزائم الَّتِي حكمت لكم بالإعلاء والإظهار، والعز الَّذِي جنوا أفنانه من أَغْصَان الذوابل وأوراق الشفار. وَأَن مقامكم لمن يلْحق بركابه العلى من وُفُود الْعَرَب على قدم الِانْتِظَار. وَقد كُنَّا تعرفنا من كتابكُمْ الْوَارِد قبله بِمَا سناه الله لمقامكم الْعلي من اتساق سعده وانتظامه، واستئناف عزه وإبلال أَيَّامه، واشتمال شَمله على الأميرين الْمُكرمين [الأسعدين الأمجدين الأظهرين] أخوينا أسعدهما الله. ثمَّ عظم الابتهاج بمضمن كتابكُمْ هَذَا الَّذِي قاد إِلَيْنَا السرُور بزمامه. وَاعْلَمُوا أَن مقامكم الأسمى طوق الْبِلَاد وَأَهْلهَا فواضل لَا تفارق أجيادها، وأوسعها أيادي ملكت قيادها، وأوجبت برهَا وشكرها وانقيادها. فَمن وفى بِبَعْضِهَا، وَأقَام بأَدَاء فَرضهَا، فَإِنَّمَا سلك سوا المحجة، وَسلم لصدق الْحجَّة، وَأَوَى من الْبر إِلَى بر يَقِيه غائلة اللجة. وَنحن نقرر لديكم مَا لدينا من المسرة، بعصمة مقامكم الرفيع، ونشكر الله على مَا أسداه لكم من حسن الصَّنِيع، ونهنئكم بتيسير الْعِزّ المنيع، والشمل الْجَمِيع، ونرتقب لِلْإِسْلَامِ ببركة نيتكم الصَّالِحَة، إطلال النَّصْر السَّرِيع، وتمهيد الجناب المريع. وَقد أعلمنَا مقامكم بِمَا كَانَ من أثر نيتكم الصَّالِحَة لِلْإِسْلَامِ، وخواطركم الصافية السِّهَام فِي أَخذ الله تَعَالَى طاغية قشتالة أَشد مَا كَانَ طغيانا، وَأَنه سُبْحَانَهُ أرانا فِيهِ عجائب قدرته عيَانًا، لَهُ الْحَمد على نعمه الَّتِي لَا نطيق لَهَا حسبانا، وَالْآيَة المتواترة مثنى ووحدانا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْكَفِيل بِأَن يصل للْجَمِيع عوارف فَضله، ويسلك بِنَا من إعانته وإسعاده أوضح سبله. ووقفنا على مَا أشرتم إِلَيْهِ فِي الأجفان الغزوية الثَّلَاثَة، وَمَا تعرفتم عَن خَبَرهَا، وخاطبكم بِهِ خدامكم [أعزهم الله فِي شان] سفرها. وَالَّذِي عندنَا فِي ذَلِك هُوَ أَن الخواطر مَا بَرحت بِمَا يرضى مقامكم الْكَرِيم معمورة،
стр. 411
والآمال فِي ميدان بركم ممدودة، وَعَلِيهِ مَقْصُورَة، إِلَّا أَن الْعَوَائِق عديدة، وَالْأَحْوَال أزماتها شَدِيدَة، وَالْأَيَّام فِي لبها بالأماني مبدية معيدة، وَفِيمَا سلف كَانَت [الأساطيل المدمرة] تسد المسالك، وتقطع مَا يُرَاد من ذَلِك، وَلما كفى الله تَعَالَى شَره، ودافع ضره، تعرفنا الْآن أَن أجفان سبتة عمر مِنْهَا إِلَى مرسى الجزائر سبع قطعات مَا بَين صَغِير وكبير تحققنا خبر انصرافها إِلَى جهاتكم عصمها الله من خَبِير. وَهَذِه أيدكم الله مَوَانِع لَا تخفى أعذارها، وَلَا يجهل مقدارها، والقلوب بعد لما تَقْتَضِيه الْمَوَدَّة الْكَرِيمَة جانحة، والآمال فِي ميدان ذَلِك غادية ورائحة، وَعِنْدنَا مِنْهُ مَا أَن ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِيره، ضَاقَ ذرع البراعة عَن شرح يسيره، فضلا عَن كَثِيره، لَا كن الْعلم بأصيله وشهيره، يُغني عَن بَسطه وَتَفْسِيره. وَقد حضر بَين يدينا مودى كتابكُمْ إِلَيْنَا خديمكم الأنصح المبرور فلَان، وصل الله حفظه، وأجزل من مواهب السَّلامَة حَظه، وألقينا إِلَيْهِ من جزئيات الْأَحْوَال مَا يلقيه إِلَى مقامكم السَّامِي الْجلَال، وَمَا يتزيد عنْدكُمْ من الأنباء فتعريفنا بِهِ صلَة لعوايد الأفضال مِنْكُم والإجمال. وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم يخص مقامكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. [وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ عرف الله بركته] .
وَمن هَذَا الْغَرَض مَا صدر عني
الْمقَام الَّذِي أقمار سعده فِي انتظام واتساق، وجياد عزه [أس للغاية] القصوى ذَات استباق، والقلوب على حبه ذَات اتِّفَاق، وعناية الله عَلَيْهِ مديدة
стр. 412
الرواق، وأياديه الجمة فِي الْأَعْنَاق ألزم من الأطواق، وَأَحَادِيث مجده سمر النوادي وَحَدِيث الرفاق. مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي شَأْن قُلُوبنَا الاهتمام بِشَأْنِهِ، وَأعظم مطلوبنا من الله سَعَادَة سُلْطَانه، السُّلْطَان أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان أبي سعيد ابْن عبد الْحق، أبقاه الله والصنايع اللآلهية تحط بِبَابِهِ، والألطاف الْخفية تغرس فِي جنابه، والنصر الْعَزِيز يحف بركابه، وَأَسْبَاب التَّوْفِيق مُتَّصِلَة بأسبابه، والقلوب الشجية لَا تُفَارِقهُ مسرورة بإيابه. مُعظم سُلْطَانه الَّذِي لَهُ الْحُقُوق المحتومة، والفواضل الْمَشْهُورَة الْمَعْلُومَة، والمكارم المسطورة المرسومة، والمفاخر المنسوقة المنطومة، الدَّاعِي إِلَى الله فِي وقاية ذَاته المعصومة، وحفظها على هَذِه الْأمة المرحومة. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد [إِسْمَاعِيل ابْن فرج] بن نصر. سَلام كريم [طيب بر عميم، كَمَا سطعت فِي غيهب الشدَّة أنوار الْفرج، وهبت نواسم ألطاف الله عاطرة الأرج، يخص مقامكم الْأَعْلَى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله جالي الظُّلم بعد اعتكارها، ومقيل الْأَيَّام بعد عثارها، ومزين سما الْمُلُوك بشموسها المنجبة وأقمارها، ومريح الْقُلُوب من وَحْشَة أفكارها، ومنشى سَحَاب الرَّحْمَة على هَذِه الْأمة بعد افتقارها وَشدَّة اضطرارها، ومتداركها باللطف الْكَفِيل بتمهيد أوطانها، وتيسير أوطارها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، صفوة النُّبُوَّة ومختارها، ولباب مجدها الباذخ ونجارها، نَبِي الْمَلَاحِم وخائض تيارها، وَمذهب رسوم الْفِتَن، ومطفى
стр. 413
نارها، الَّذِي لم ترعه الشدائد باضطراب بحارها، حَتَّى بلغت كلمة الله مَا شَاءَت من سطوع أنوارها ووضوح آثارها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، الَّذين تمسكوا بعهده على إحلاء الْحَوَادِث وأمرارها، وَبَاعُوا نُفُوسهم فِي إعلاء دَعوته الحنيفية وإظهارها. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى باتصال السَّعَادَة واستمرارها، وانسحاب الْعِنَايَة الإلآهية وانسدال أستارها، حَتَّى تقف الْأَيَّام بباكم موقف اعتذارها، وَتعرض على مثابتكم ذنوبها، راغبة فِي اغتفارها. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم أوفى مَا كتب لصالحي الْمُلُوك من مواهب إسعاده، وعرفكم عوارف الآلاء فِي إصدار أَمركُم الرفيع وإيراده، وأجرى الْفلك الدوار بِحكم مُرَاده، وَجعل الْعَاقِبَة للحسنى كَمَا وعد فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم [الميسر] للصالحين من عباده. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَيْسَ بِفضل الله الَّذِي عَلَيْهِ فِي الشدائد الِاعْتِمَاد، وَإِلَى كنف فَضله الِاسْتِنَاد، ثمَّ ببركة نبيه الَّذِي وضح بهدايته الرشاد، إِلَّا الصَّنَائِع الَّتِي تشام بوارق اللطف من خلالها، وتخبر سيماها بِطُلُوع السُّعُود واستقبالها، وتدل مخايل يمنها على حسن مآلها. لله الْحَمد على نعمه الَّتِي نرغب فِي كمالها، ونستدر عذب زلالها، وَعِنْدنَا من الاستبشار بانساق أَمركُم وانتظامه، وَالسُّرُور بسعادة أَيَّامه، والدعا إِلَى الله فِي إِظْهَاره وإتمامه، مَا لَا تفي الْعبارَة بإمكانه، وَلَا يتعاطى اللِّسَان حصر أَحْكَامه. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم وَأَعلاهُ، وخار لسلطانكم الرِّضَا وتولاه، فقد علم الْحَاضِر وَالْغَائِب، وخلص الخلوص الَّذِي لَا تغيره الشوائب، مَا عندنَا من الْحبّ الَّذِي صفت مِنْهُ المشارب، والتشيع الَّذِي وضحت مِنْهُ الْمذَاهب. وإننا من لدن اتَّصل بِنَا مَا جرت بِهِ الْأَحْكَام من الْأُمُور الَّتِي صَحِبت مقامكم فِيهَا الْعِنَايَة من الله والعصمة، وجلبت على الْعباد والبلاد الْوِقَايَة
стр. 414
وَالنعْمَة، لَا يسْتَقرّ بقلوبنا الْقَرار، وَلَا تتأتى بأوطاننا الأوطار لما تنتجه لكم الأقدار، ويبرزه من سعادتكم اللَّيْل وَالنَّهَار. ورجاؤنا فِي اسْتِئْنَاف سعادتكم يشْتَد على الْأَوْقَات ويقوى، علما بِأَن الْعَاقِبَة للتقوى، وَفِي هَذِه الْأَيَّام عميت الأنبا، وتكالبت فِي الْبر وَالْبَحْر الأعدا، وَاخْتلفت الْفُصُول والأهوا، وعاقت الوراد الأنوا، وعَلى ذَلِك فَلم يَنْقَطِع من فضل الله الرجا. وَلَو كُنَّا نجد للاتصال بكم سَببا أَو نلقى لإعانتكم مذهبا، لما شغلنا الْبعد الَّذِي بَيْننَا اعْترض، وَلَا الْعَدو الَّذِي بساحتنا خيم فِي هَذِه الْأَيَّام وربض، وَكَانَ خديمكم الَّذِي رفع من الْوَفَاء راية خافقة، واقتنى مِنْهُ فِي سوق الكساد بضَاعَة نافقة، الشَّيْخ [الْأَجَل الْأَعَز المرفع] أَبُو مُحَمَّد بن أجانا، سنى الله مأموله، وبلغه من سَعَادَة أَمركُم سوله، قد ورد على بابنا، وتخير اللحاق بجانبنا، ليتيسر لَهُ من جهتنا عَلَيْكُم الْقدوم، ويتأتى لَهُ بإعانتنا الْغَرَض المروم، فَبَيْنَمَا نَحن نَنْظُر فِي تتميم غَرَضه، وإعانته على الوفا الَّذِي قَامَ بمفترضه، إِذْ اتَّصل بِنَا خبر قرقورتين من الأجفان الَّتِي استعنتم بهَا على الْحَرَكَة، والعزمة المقترنة بِالْبركَةِ، حطت إِحْدَاهَا بمرسى الْمنْكب، وَالْأُخْرَى بمرسى ألمرية، فِي كنف الْعِنَايَة الالآهية، تلقينا فِيهَا من الواصلين بهَا الأنباء المحققة بعد التباسها، وَالْأَخْبَار الَّتِي يُغني نَصهَا عَن قياسها، وتعرفنا مَا كَانَ من عزمكم على السّفر، وحركتكم المقرونة بِالْيمن وَالظفر، وأنكم استخرتم الله فِي اللحاق بالأوطان الَّتِي يُؤمن قدومكم خائفها، ويولف طرائقها، ويسكن راجفها، وَيصْلح أحوالها، ويخفض أهوالها، وأنكم سبقتم حركتها بِعشْرَة أَيَّام، مستظهرين بالعزم المبرور، والسعد الموفور،
стр. 415
واليمن الرَّائِق الثغور، والأسطول الْمَنْصُور، فَلَا تسلوا عَن انبعاث الآمال بعد سكونها، ونهوض طيور الرجا من وكورها، واستبشار الْأمة المحمدية مِنْكُم بقرة أعينها، ومحقق ظنونها، وارتياح الْبِلَاد إِلَى دعوتكم الَّتِي ألبستها ملابس الْعدْل وَالْإِحْسَان، وقلدتها قلائد السّير الحسان، وَمَا مِنْهَا إِلَّا من باح بِمَا يخفيه من وجده، وجهر [بشكر الله وحمده] ، وابتهل إِلَيْهِ فِي تيسير غَرَض مقامكم الشهير وتتميم قَصده، واستأنس نور سعده، وَكم مطل الِانْتِظَار بديوان آمالها، والمطاولة من اعتلالها. وَأما نَحن فَلَا تسلوا عَمَّن استشعر دنو حَبِيبه بعد طول مغيبه، إِنَّمَا هُوَ صدر رَاجعه فُؤَاده، وطرف عَاد إِلَيْهِ رقاده، وفكر ساعده مُرَاده، فَلَمَّا بلغنَا هَذَا الْخَبَر، بادرنا إِلَى إنجاز مَا بذلنا لخديمكم الْمَذْكُور من الْوَعْد، واغتنمنا مِيقَات هَذَا السعد، ليصل سَببه بأسبابكم، ويسرع لحاقة بجنابكم، فَعنده خدم نرجو أَن ييسر الله أَسبَابهَا، وَيفتح بنيتكم الصَّالِحَة أَبْوَابهَا وَقد شَاهد من امتعاضنا لذَلِك الْمقَام الَّذِي ندين لَهُ بالتشيع الْكَرِيم الوداد [ونصل على بعد المزار ونزوح الأقطار سَبَب الِاعْتِدَاد مَا يُغني عَن الْقَلَم والمداد] . وَقد ألقينا إِلَيْهِ من ذَلِك مَا يلقيه إِلَى مقامكم الرفيع الْعِمَاد، وكتبنا إِلَى من بالسواحل من ولاتنا، نحد لَهُم مَا يكون عَلَيْهِ عَمَلهم فِي بر من يرد عَلَيْهِم من جِهَة أبوتكم الْكَرِيمَة، ذَات الْحُقُوق الْعَظِيمَة، والأيادي الْحَادِثَة والقديمة، وهم يعْملُونَ فِي ذَلِك بِحَسب المُرَاد، وعَلى شاكلة جميل الِاعْتِقَاد، وَيعلم الله أننا لَو لم تعق الْعَوَائِق الْكَثِيرَة، والموانع الْكَبِيرَة، والأعداء الَّذين دهيت بهم فِي الْوَقْت هَذِه
стр. 416
الجزيرة، مَا قدمنَا عملا على اللحاق بكم، والاتصال بسببكم، حَتَّى نوفي لأبوتكم الْكَرِيمَة حَقّهَا، ونوضح من المبرة طرقها. لاكن الْأَعْذَار وَاضِحَة وضوح الْمثل السائر، ونيتنا لكم يعلمهَا علام السرائر، وَإِلَى الله نبتهل فِي أَن يُوضح لكم من التَّيْسِير طَرِيقا، وَيجْعَل السعد مصاحبا لكم ورفيقا، وَلَا يعدمكم عناية مِنْهُ وتوفيقا، وَيتم سرورنا عَن قريب بتعرف أنبائكم السارة، وسعودكم الدارة، فَذَلِك مِنْهُ سُبْحَانَهُ غَايَة آمالنا، وَفِيه إِعْمَال ضراعتنا وسؤالنا. هَذَا مَا عندنَا بادرنا إعلامكم بِهِ أسْرع البدار. وَالله يوفد عَلَيْكُم أكْرم الْأَخْبَار بسعادة ملككم السَّامِي الْمِقْدَار، وييسر مَا لَهُ من الأوطار. [ويصل سعدكم، ويحرس مجدكم] وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك قولي أَيْضا
الْمقَام الَّذِي لَا تفل الشدائد غرب عزمه، وَلَا تستخف الْحَوَادِث هضبة حلمه، فنفسه الْكَرِيمَة مسلمة لأمر الله السَّابِق فِي علمه، وَنِيَّته الصَّالِحَة تستنجز مِنْهُ سُبْحَانَهُ وعد نَصره، واثقة بِحكمِهِ، وَسعد ملكه قد استقام على رسمه، والدهر قد تَابَ لَدَيْهِ من ظلمه. مقَام مَحل والدنا الَّذِي تشيعنا إِلَيْهِ مشدود الأواخي، وأوامر أبوته مَحْمُولَة لدينا على الْفَوْر لَا على التَّرَاخِي. السُّلْطَان الكذا أبقاه الله مَاضِيَة إِلَى الْأَغْرَاض الْبَعِيدَة سهامه، مسطور فِي صحف الْأَيَّام صبره وحلمه وجوده وإقدامه، مذخورا بجهاد الْكفَّار حسامه، خاضعة لَدَيْهِ بِالتَّوْبَةِ النصوح ليَالِي الدَّهْر وأيامه، حَتَّى تخفق بنصر الْإِسْلَام ألويته وأعلامه، مُعظم مقَامه الَّذِي يجب إعظامه، الْمثنى على فَضله الَّذِي راق قسامه، وتوفرت
стр. 417
أقسامه. الْأَمِير عبد الله [يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج ابْن نصر] سَلام كريم، طيب بر عميم يخصكم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله ولي المحامد على اخْتِلَاف أجناسها، وموضح الْمذَاهب بعد التباسها، وملين صروف الْأَيَّام بعد شماسها، ذُو الألطاف الْخفية عَن الأفكار وقياسها. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد أكْرم الرُّسُل مَا بَين شيثها وإلياسها، شهَاب الْهِدَايَة ونبراسها، الَّذِي باتباعه نختال فِي حلل السَّعَادَة، ونستمتع بلباسها، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، عترة الْحق، المقتدى فِي الْخلق بنداها وبأسها، الَّذين لم يألوا فِي اتِّبَاع مرضاته والتماسها، فهم الْأَنْوَار الَّتِي هديت الْأمة باقتباسها، والتمسك بأمراسها، وَالدُّعَاء لمقام أبوتكم الْعُظْمَى، الَّتِي يبْنى الْمجد الصراح على أساسها، بالنصر الَّذِي ترسم آيَاته فِي أوراق السَّعَادَة وأطراسها، والعزة الَّتِي تقصر أَيدي اللَّيَالِي عَن اختلاسها، وَلَا زَالَت عزماته تفرق الآساد من افتراسها، وَنِيَّته الصَّالِحَة تجتنى ثمار الْأَمَانِي من زاكى غراسها، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم مجدا عَالِيا، وصنعا متواليا، وَعزا حَافِظًا كاليا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَنعم الله سُبْحَانَهُ بِمَا تعرفناه من خبر ملككم أَعلَى الله سُلْطَانه، ومهد أوطانه، لَا يغب انسكابها، وَلَا يشح سحابها، وعنايته تنسدل عَلَيْهِ أطنابها. وَعِنْدنَا من التَّشَيُّع إِلَى جنابكم الرفيع قدره، الْوَاجِب بره، مَالا تتعاطى الْعبارَة شرح مجمله، وَلَا ينَال اللِّسَان من إيضاحه بعض أمله. فحسبنا نِيَّة يعلمهَا علام السرائر، وَنِيَّة الْمُؤمن خير من عمله. وَكَيف لَا يكون ثناؤنا على معاليكم الباهرة مَقْصُورا، ومسكه فِي جُيُوب
стр. 418
الْآفَاق منثورا. وَقد أسلفتم فِي هَذِه الأقطار الغريبة مَا يسطع نورا، وَرفع للفخر لِوَاء منثورا، عرفكم الله عزا وظهورا، وَجعل رَأْيكُمْ مَأْمُونا وعلمكم منصورا. وَإِلَى هَذَا أدام الله سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا فِي جَمِيع هَذِه الْأُمُور الَّتِي تعاقبت فِيهَا ألوان الزَّمَان وصروفه، وتنكر فِيهَا معروفه، نطوى الصُّدُور على المضض الْأَلِيم، ونرز الْجُيُوب من مساعيكم على مَا يُعلمهُ السَّمِيع الْعَلِيم، ونمدكم من الدُّعَاء بمدد عَظِيم، ونجعل شغل بالنا بِمَا أهمكم هجير الْيَوْم الشامس، وسمير اللَّيْل البهيم. وَلَو استطعنا لأطلعنا عَلَيْكُم ثَمَرَة الِاعْتِقَاد السَّلِيم، والعهد الْكَرِيم، وَمَا غفلنا عَن حث الْكتاب على بعد الشقة، ونزوح الركاب، وعادية الْعَدو وغائلة الْعباب، وَالِاسْتِنْشَاق لنسيم يهب من ذَلِك الجناب، فَتَارَة نتعلل بعليل الْأَخْبَار، ونشم فِي ليل الْخطب بارقة الاستبشار، وَتارَة نطوى الْقُلُوب على أحر من الْجَمْر، ونفوض الْأُمُور إِلَى من بِيَدِهِ ملاك الْخلق وَالْأَمر، وأملنا قوي فِيمَا عودكم الله من الْيُسْر [بعد الْعسر] . ووعد من ينصر دينه من مواعد النَّصْر، إِلَى أَن وصلنا كتابكُمْ الَّذِي هُوَ عندنَا الْوَافِد الْكَرِيم الْوِفَادَة، الْعَظِيم الإفادة على يَدي التَّاجِر النَّصْرَانِي فلَان أكْرمه الله بتقواه فجددنا الْعَهْد بمخاطبتكم الَّتِي فِيهَا لأمراض الْقُلُوب شفا، ولسهر الجفون غفا، عرفتمونا فِيهِ بِمَا سناه الله لكم من الْفضل الْكَبِير، وَأَنه سُبْحَانَهُ يفتح لكم الْأَبْوَاب الَّتِي أبهمت، وَيحل بسعدكم العرى الَّتِي أحكمت، ويصل لكم الْأَسْبَاب الَّتِي فَصمت، وَأَن جيشكم الْمَنْصُور، افْتتح الْمَدِينَة عنْوَة وقهرا وَاسْتولى على
стр. 419
[من كَانَ بهَا] من الفرسان وَالرِّجَال قسرا، وَإِن تِلْكَ الْجِهَات الَّتِي تخالفكم قد اضْطَرَبَتْ [وَعَن هَيْبَة] مقامكم أعربت، وأنكم على قدم الْحَرَكَة الَّتِي جعلتم فِيهَا التَّوَكُّل على الله دَلِيلا [والاستعانة بِهِ وليا] وقبيلا، وَكَانَ بكم، وَقد سلك الله بكم من الظُّهُور واليمن البادي السفور سَبِيلا، فارتحنا لهَذَا النبأ، الَّذِي شفا منا غليلا، وسجب على آمالنا الضاحية ظلا ظليلا، فَجَمِيع مَا ينالكم من عناية الله وتأييده سهمنا فِيهِ الْمُعَلَّى والرقيب، وَلنَا فِيهِ الْحَظ الوافر والنصيب، فأعمالكم فِي هَذِه الأقطار الغريبة لَا تخيب، وَلَا يضيعها الشَّاهِد الرَّقِيب. وخاطبناكم فِي كتَابنَا هَذَا نشكر فِي التَّعْرِيف فضل مجدكم، وَنَحْمَد الله على مَا كيفه من سعدكم، ونسله أَن يبلغكم من عنايته تَمام قصدكم، ونقرر لديكم مَا عندنَا من التَّشَيُّع الَّذِي موارده على كدر الزَّمَان صَافِيَة، وسجيته على تقلبات الْأَحْوَال ثَابِتَة وافية، ومعرفتكم بِمَا تقرر لدينا من ذَلِك عَن تَقْرِيره بِحَمْد الله كَافِيَة. وَإِن ذهب مقامكم حرس الله أكناف جَلَاله، إِلَى مَا يخص هَذَا الْقطر من أَحْوَاله، فَإِن سُلْطَان قشتالة أَصَابَهُ مرض، أفْضى بِهِ إِلَى زمانة مقعدة [وَوَقعت بَينه وَبَين الزعماء القرمانيين وَحْشَة مبرقة مرعدة، أشعلوها ببلادهم، وكشفوا وَجه عنادهم، وسلطان برجلونة يرليان آخر نواحيه. يستدعى قومه إِلَى المفاضة [فِي وَحْشَة وَقعت بَينه وَبَين أَخِيه] وَأهل هَذِه الْبِلَاد المنقطعة، قد أنسوا بوحشة عدوهم، وشاموا بارقة الْأَمْن فِي رَوَاحهمْ وغدوهم، ويرجى أَن يكمل الله سرورهم، ويشرح صُدُورهمْ، بِمَا يتَّصل بهم من وفور نعم الله لديكم، وتوالي غمائم السَّعَادَة عَلَيْكُم. وجهة الغرب لَيْسَ عندنَا فِيهَا زِيَادَة على مَا وصفتهم، وَمَا حدث بِبَعْض جباله من الْحَال الَّتِي تعرفتم، وَمَا أشرتم بِهِ فِي قَضِيَّة من بألمرية حرسها الله من خدامكم، فَلم يمنعهُم من اللحاق بمقامكم إِلَّا مَا يحذر من غائلة
стр. 420
الْبَحْر، الَّذِي عدوه فِي الْوَقْت موفور، واقتحامه مخوف مَحْذُور، وَالله تَعَالَى يمن بِجمع كلمة الْإِسْلَام، وَيعرف أَهله مَا عودهم من نعمه الثرة وآلائه الجسام. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ.
وكتبت فِي ذَلِك
الْمقَام الَّذِي أغراضه موفأة الْحُقُوق، ومخائل بره صَادِقَة البروق، وقواعد وده لَا تعَارض بالفروق، وأنباء مجده تتلى مَعَ الْغُرُوب والشروق. مقَام مَحل أخينا الَّذِي نيتنا فِي وده أبلغ من الْأَعْمَال، وَإِن كَانَت وَالْحَمْد لله بَالِغَة، [وشموس جميل اعتقادنا فِيهِ لَا تزَال لَا يحة بازغة] فَلَا نزال نلبس من موالاته الْكَرِيمَة حلَّة سابغة [ونتعرف مِنْهَا نعما سابغة] السُّلْطَان الكذا [أبي الْحسن] أبقاه الله مَعْرُوف الْحق، حائزا فِي ميدان السَّعَادَة قصب السَّبق، مغيث الْغَيْث صَادِق الْبَرْق، مَعْرُوف الْحلم وَالْفضل فِي الغرب والشرق. مُعظم قدره، وملتزم إعظامه وبره، المثابر على مُوَاصلَة حَمده وشكره، الْأَمِير [عبد الله يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر] سَلام كريم [طيب برعميم] يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله ميسر المآرب، ومبين الْمذَاهب، ونشكره على آلائه الهامية السحايب، حمدا وشكرا، يتكفلان بمزيد الْمَوَاهِب. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا
стр. 421
مُحَمَّد رَسُوله الْهَادِي إِلَى السَّبِيل الْوَاضِح، والنهج اللاحب، الَّذِي بجاهه نعتصم عِنْد النوائب، وببركته نستفتح أَبْوَاب المطالب، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الْكِرَام الْخلال والضرايب، الَّذين خلفوه فِي أمته [بالسير الجميلة والمناقب] ودافعوا أعداءه بالسمر المواضي وَالْبيض القواضب، وَكَانُوا من بعده كَالنُّجُومِ الثواقب، وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى باعزاز الْجَانِب، ولازال حَالا من هضاب الْمجد بِأَعْلَى المراقي والمراتب، متكفلا سعده بعواقب الْحسنى، وَحسن العواقب، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم ... ... ... . من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله سُبْحَانَهُ إِلَّا الْخَيْر الواكف الدُّرَر، واليسر الْمشرق الْغرَر. وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَى فَضله. وَعِنْدنَا لكم ود مشرق قسامه، وخلوص وافرة أقسامه، وتشيع تشهد بِهِ ليَالِي الدَّهْر وأيامه، وَإِلَى هَذَا [أيد الله أَمركُم] ، [وأعز بتأييده نصركم] فإننا وقفنا على كتابكُمْ الْكَرِيم الْوِفَادَة، السافر عَن السَّعَادَة، الَّذِي وجهتموه مَعَ خديمكم فلَان وصل الله عزته، وتعرفنا بِمَا التمسه من كَانَ بألمرية حرسها الله، من عفوكم الممنوح، وَمَا أظهروه من الطَّاعَة إِلَى على سلطانكم والجنوح، وَمَا ارتاحوا إِلَيْهِ من الْوِفَادَة [على بَابَكُمْ المفتوح] وأنكم بذلتم لَهُم فِي ذَلِك مَا سَأَلُوهُ، وأنلتموهم مَا رغبوه، وَهِي سجية بذرتم فِي أَرض السياسة زَرعهَا، فأينع نَبَاته وأثمر،
стр. 422
وعاملتم فِيهَا الله فزكى فِيهَا المتجر، وخاطبتموهم بمعهود الشَّفَقَة الَّتِي تجبر الْأَحْوَال، وَتجمع الشمل بالأوطان وتخلف الْأَمْوَال. شكر الله ذَلِك الْجلَال، وكافأ ذَلِك الْكَمَال. وأشرتم علينا أَن نعينكم على هَذَا الْغَرَض، ونيسر لكم أَسبَاب الْقيام بِهَذَا الْوَاجِب المفترض، وَلم يصل كتابكُمْ هَذَا بِمَا يُعلمهُ من أوصله من خدامكم، وأولياء مقامكم، إِلَّا وَنحن قد عَملنَا فِيهِ الْعَمَل الَّذِي يرضيكم، وتممنا الأرب بِمَا يحِق لمعاليكم، وألقينا إِلَى الشَّيْخ الْأَجَل أبي ثَابت الهنتاني، أعزه الله، فِي هَذَا الْمَعْنى بالمشافهة مَا يغبطه بالقدوم عَلَيْكُم، والتزام مَا لديكم، وأصحبناه منا مُخَاطبَة فِي شَأْنه إِلَيْكُم. فَانْصَرف عَنَّا قوير الْعين، منشرح الصَّدْر، واثقا بِقبُول مقامكم الرفيع الْقدر، وعينا من أسطولنا من يتَوَلَّى الْخدمَة فِي هَذَا الْأَمر. فَلَمَّا ورد علينا كتابكُمْ الْآن ألفى حَاجَة قد قضيت، ومثابة كَرِيمَة قد أرضيت، وحقوقا وَاجِبَة قد وفيت، وموارد وداد قد أعذبت وأصفيت، والخواطر إِذا طابت كفيلة إِن شَاءَ الله ببلوغ الآمال، والنيات أبلغ من الْأَعْمَال. وَلَو ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا لدينا فِيكُم من الْحبّ الْوَاضِح الشواهد، والاعتقاد الْكَرِيم الْمَوَارِد، والتشيع الراسخ الْقَوَاعِد، لضاق الْكتاب عَن تَقْرِير مَا لدينا، وَلم يقم بِعشر مَا يخفيه من حبكم مَا أبدينا، وَإِلَى الله نكل الْعلم بذلك، ونسله أَن يسْلك بِنَا من الْإِعَانَة على مَا فِيهِ رِضَاهُ أوضح لمسالك [وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم ويحرس مجدكم] وَالسَّلَام،
وَصدر عني أَيْضا وَكلما تقدم فِي هَذِه التَّرْجَمَة من أوليات مَا كتبت بِهِ
الْمقَام الَّذِي عُقُود سعده متناسقة، ووعود دهره بإعزاز نَصره صَادِقَة،
стр. 423
وجياد مكارمه سَابِقَة متلاحقة، وعناية الله بنودها عَلَيْهِ خافقة. مقَام مَحل أخينا الَّذِي من أنصاره الْقدر وَالْقَضَاء، وَمن خلاله السماحة والرجاحة والمضاء، وَمن سجاياه الصفح والمنح والإغضاء، السُّلْطَان الكذا أبقاه الله، تسطر فِي ديوَان الْمجد أخباره، وتروى على الْأَيَّام مآثره وآثاره. وَيَقْضِي فِي أعدائه وأوليائه اخْتِيَاره، وتمهد أوطانه، وتيسر مآربه وأوطاره. مُعظم مجده الَّذِي تَعْظِيمه حكم لَا يُبدل، وإجلاله فرض لَا يضيع وَلَا يهمل، الْمثنى على مكارمه الَّتِي غمر مِنْهَا الفارض المسبل، وكرم الآخر مِنْهَا وَالْأول. الْأَمِير عبد الله، فلَان بن فلَان. سَلام عَلَيْكُم [يخص مقامكم الْأَسْنَى، ومثابتكم الَّتِي تأسس من أصالتها البني، وتطابق مِنْهَا اللَّفْظ وَالْمعْنَى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله وَاصل أَسبَاب المنن ومواليها، ومسدى الآلاء الرغاب، إِلَى من هُوَ أَحَق بهَا من أهليها، وجامع كَلِمَات الْإِسْلَام، ليرْفَع قَوَاعِده ويعليها، ومجازي من أخْلص النِّيَّة لِعِبَادِهِ بالعناية الَّتِي تروق عُيُون مجتليها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله، ذِي الرسَالَة الَّتِي بهرت معاليها، والآيات الَّتِي لَا يمل تَالِيهَا، على تعاقب العصور وتواليها، حَافظ الْأمة بِمَا عقد من سياج الْعِصْمَة وكاليها، وَنَبِي الرَّحْمَة الَّذِي لَا يزَال فِي حَال الْحَيَاة وَالْمَمَات
стр. 424
يوليها. وَالرِّضَا عَن آله وأسرته وصحابته وعترته الَّذين ذادت عَنهُ بصفاحها الْمَاضِيَة وعواليها، وَكَانَت لأمته من بعده، كَالنُّجُومِ الزاهرة إِذا أربدت لياليها. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى باتصال الصنايع الإلهية، الَّتِي لَا يزَال لِسَان السلوان يُمْلِيهَا، وتوالي السَّعَادَة الَّتِي تبلى الزَّمَان وَلَا يبليها، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا جَدِيدا، وجدا سعيدا، وَلَا أعدمكم فضلا مِنْهُ ومزيدا، وعرفكم عوارف الْيمن كلما رميتم غَرضا بَعيدا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، ولدينا من جميل الِاعْتِقَاد فِي أصالتكم الرفيعة الْعِمَاد، مَالا يزَال مَوْصُول السَّبَب، وَاضح الْمَذْهَب، متحليا من الصدْق وَالْوَفَاء بالعلا الْمَذْهَب. وَكَيف لَا يكون التَّشَيُّع إِلَى مقَام تِلْكَ الْأُخوة الْكَرِيمَة الَّذِي بِهِ يتجمل، ورواقنا الَّذِي بِهِ نتظلل، وعدتنا الَّتِي بهَا نقُول ونفعل، وَقد تَوَاتَرَتْ من فضائلكم قبلنَا مَا يعجز الشُّكْر وَالْحَمْد، وَيسْتَحق الخلوص والود، أبقى الله مقامكم عدَّة للآمال، متكفلا للدّين ببلوغ الآمال، جليل العلى، عالي الْجلَال، منيل الْمَوَاهِب موهوب النوال، متعرفا عوارف النجح فِي جَمِيع الْأَحْوَال. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، فَإِن كتابكُمْ الأكرم، طلع علينا مِنْهُ شهَاب وقاد، وتأرج مِنْهُ لدينا نسيم عطر، خلوص واعتقاد، إجتلينا مِنْهُ أنباء ذَلِك الْمقَام الَّذِي عضد الله لَهُ مصاحب، وسبيل سعده لَا حب، تعرفُون باتصال الْمَوَاهِب، ووضوح الْمذَاهب، واضطراد التَّوْفِيق العذب المشارب، واتساق الْعِنَايَة المتكفلة ببلوغ المآرب. فَسُرِرْنَا بِمَا كَانَ من انتظام النَّصْر لكم واضطراد السعد فِي
стр. 425
مجاله، واستخلاص الْأَمر واستكماله، وسعادة ذَلِك الْملك ونجاح أَعماله، وَسَأَلنَا الله أَن يزيدكم من مواهب أفضاله، ويعرفكم من عوارف الْخَيْر مَا يرْوى الْإِسْلَام بزلاله، ويستند إِلَى أروقته الوارفة وظلاله. فَأنْتم ملْجأ الْمُسلمين إِذا رماهم الْعَدو بأهواله، وناصرهم الَّذِي [يسمع دعاءهم] فيسمح فِي الله بِنَفسِهِ النفيسة وَمَا لَهُ. فكتبنا هَذَا إِلَى مقامكم نقرر من ودكم مَا ثَبت وتقرر، وَتردد وتكرر، وتخلص بالحس والمشاهدة وتحرر. وَقد علم الله وَالنَّاس أَن ودادنا فِيكُم أصفى موردا، وأوضح مقصدا، وَأبْعد فِي مرضات الله أمدا، من أَن يحصره تَقْدِير، أَو يشرحه تَفْسِير، فثقوا بِمَا يسر مِمَّا يتعاقب لديكم من السعد الْجَدِيد، والعمر العريض المديد، ونهنئكم بالصنع السَّامِي الْمجِيد، ونضرع لكم إِلَى الله فِي اتِّصَال الْمَزِيد، ونعلم أَن مَا يترادف لديكم من مواهب الله كَفِيل لمن بِهَذِهِ الجزيرة الغريبة بالنصر والتأييد، وَالله يصل سعدكم، [ويحرس مجدكم] وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وكتبت أَيْضا فِي غَرَض تَقْرِير الْمَوَدَّة
الْمقَام الَّذِي جِيَاد سعده إِلَى الْغَايَة القصوى ذَات استباق، وأكواس فتوحه المؤيدة بِفضل الله وروحه، تحثها أيدى اصطباح واغتباق، وعقود حَمده
следующие страницы →