← Адаб

Адаб · id 6955

ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (979 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم بن قُطْبَة سَابق ركض مجلى، وشارق طلع فتجلى، وفاضل تخلق من الْخلال البارعة بِمَا تحلى، أَتَى من أدواته بالعجايب، وَأصْبح صَدرا فِي الْكتاب وَسَهْما فِي الكتايب، وَكَانَ أَبوهُ ﵀، بِهَذِهِ الْبِلَاد قطب أفلاكها، وواسطة أسلاكها ومؤتمن أملاكها، وَصدر رجالها، وَولى ربات حجالها، فَصدق يقينه ومحافظته على أَرْكَان دينه، قد نثل بنيه سَهْما سَهْما، وخبرهم براعة وفهما، وألقاه بَينهم مَاضِيا شهما، فدمر مِنْهُ نجيبا، وَدعَاهُ إِلَى الْجِهَاد، فألفى مِنْهُ سميعا مجيبا، فصحب السَّرَايَا الْمُغيرَة، وَحضر من المواقع الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة، وباشر الْحَرْب وبأسها، وَنَازع ذَلِك الشّرْب كأسها، وعَلى مصاحبة الْبعُوث وجوب السهول والوعوث فَمَا رفض البراعة للياتر، وَلَا ترك الدفاتر للزمان الفاتر. وَلم يزل يبهر بأدواته، وينتج البدايع بَين قلمه ودواته، فَإِن خطّ، فاخر ببراعة الْخط، إِلَى خلق سَلس المقادة، وَنَفس للمكارم منقادة، وأدب بديع الْمَقَاصِد، قَاعد للمعاني بالمراصد، واستأثرت بِهِ الْكِتَابَة الرفيعة السُّلْطَانِيَّة، فشعشع أكواسها وعاطاها، وَكَانَ من تِلْكَ القلادة الرفيعة وسطاها، وَله همة يحسدها فرقد الْأُفق وثرياه، وَكِتَابَة تنَازع الرَّوْض طيب رياه وَمن ذَلِك فِي وصف أبي بكر الْقرشِي قريع مجد وَحسب، مُتَقَدم على تَأَخّر زَمَانه بِذَات ومنتسب، من دوحة الشّرف الَّذِي لَا يذوي نظيرها، ونبعة الدّيانَة الَّتِي لَا يغيض نميرها، إِذا ذكر الصالحون فحيها بعمر ووالده، وَأكْرم بطارفه وتالده، أصبح لمهبة الظّرْف ناسما، فَلَا تَلقاهُ إِلَّا ضَاحِكا باسما، إِلَى حلاوة الضرايب، والشمايل، وَالْأَدب المزري بأزهار الخمايل، فَمَا شيت من مداعبة تمتزج بالنفوس، ومحاورة تزري

стр. 912

بالكوؤس، وأدب عذب مذاقه، واعترف بِهِ فرسَان الْكَلَام وحذاقه، وَمَعَان جَاءَت من السهولة بِمَا تَقْتَضِيه أخلاقه، وعفاف ضفت أذياله، وظرف صفت جرياله، وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن جزى فرع مجد سبق، وثاقب طلع فَجلى الغسق، وأديب فرع من الْأَدَب كل شَاهِق، وَحدث عَمَّا بَين عَاد وبنيه، وصدغاه فِي خدى غُلَام مراهق، فبذ أقرانه وأترابه، وأجال فِي ميدان الْفُنُون عرابه، فَأصْبح نادرة أَوَانه، وواسطة عقد أخوانه، فَهُوَ النبيه، الَّذِي قل لَهُ الشبيه، والوجيه الَّذِي قصر عَن لحاقه الْوَجِيه، إِذا ذكرت الغرائب قَالَ أَنا لَهَا، وَلَو تعلّقت الغوامض بِالثُّرَيَّا لنالها، إِلَى خلق أعذب من الضَّرْب وأشهى من بُلُوغ الأرب، ونبل لَا تطيش نباله عَن غَرَض، وذكا يكْشف كل مُشكل مهما عرض، وَله أدب تود الْعُقُول محَاسِن شذوره، وتقصر الصُّدُور عَن أعجازه وصدوره، وتتضاءل أهلة الْمعَانِي عِنْد طُلُوع بدوره. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي العلى بن سماك كَاتب ماشق، وأديب لربح الْبَيَان ناشق، ذُو طبع سَائل، وكلف بالمسائل، فَلَا يفتر عَن تَقْيِيد وَنقل، وجلا للفوايد وصقل كتب مَعَ الحلبة فأحكم الْخط وأتقنه، وتلقى السجع وتلقنه، وَأنْشد الشّعْر فَأجرى بِغَيْر الخلا، وَجعل دلوه فِي الدلا، وَله بَيت معمور فِي الْقَدِيم بصدور قُضَاة، وسيوف للدّين منتضاة، وَلم يزل منتظما فِي السلك، ومرتسما فِي كِتَابَة الْملك إِلَى أَن عضه الدَّهْر بناب خطوبه، وقابله بعد البشاشة بقطوبه، فتأخرت فِي هَذِه الْأَيَّام جرايته، وَنَكَصت على الْعقب رايته، وَقد ثَبت من شعره مَا يشْهد بإجادته، وينظمه فِي فرسَان الْكَلَام وقادته.

стр. 913

وَمن ذَلِك فِي وصف مؤلف هَذَا الْمَجْمُوع مُحَمَّد بن عبد الله بن الْخَطِيب وَفقه الله إِن خلطت العذب بالأجاج، ونظمت مخيلتي بَين دُرَر هَذَا التَّاج، فَلم أبغ تعريفا وَلَا تَنْبِيها، وَلَا اعتمدت أَن أقرظ نَفسِي وأذكيها، وَلَكِنِّي بأوت بنفسي عَن مُفَارقَة أَبنَاء جنسي، فزاحمتهم فِي أَبْوَاب هَذِه الْآدَاب، وقنعت باجتماع الشمل بهم وَلَو فِي الْكتاب، وَلما رَأَيْت حللهم الموشية الطرز، وحلاهم الْوَاضِحَة الشيات وَالْغرر، نافستهم مُنَافَسَة الْأَكفاء فِي حلَّة تزين مَنْكِبي، وَرَايَة تتقدم موكبي، فجلبت فضلا حلاني بِهِ رَئِيس الصِّنَاعَة وَإِمَام الْجَمَاعَة فِي بعض المنشورات السُّلْطَانِيَّة، ألبسني بِهِ الشّرف ضاني الأردان، وَتَرَكَنِي معلم ذَلِك الميدان وَهُوَ أظهر لَهُ أثر اعْتِقَاده الْجَمِيل فِيهِ، وَفتح لَهُ أَبْوَاب الْقبُول والتنويه، تشرع إِلَى الْعِزّ الْوَجِيه، وَالْقدر النبيه، ورعى لَهُ وسائله الَّتِي كرمت مَعَانِيهَا، وعذبت مجانيها، وتأسست على قَوَاعِد البلاغة مبانيها، فَعرف مَاله من الْأَصَالَة، حَتَّى تميز فِي أعيانها، وبراعة الْآدَاب الَّتِي أحرز خصل سباقها، وتلقى بِالْيَمِينِ راية فرسانها، وَلما اختصه بالتقريب والإيثار، وَاعْتَمدهُ بولايات ملكه الْكِبَار، وقربه فِي بِسَاط ملكه، حفاية وعناية، وأطلع من آيَات السَّعَادَة لَهُ آيَة، وابتداه بالخطط الَّتِي هِيَ لغيره غَايَة، رأى أَن يَسْتَعْمِلهُ فِيمَا هُوَ لَدَيْهِ أهم موقعا وأعز موضعا، وَأَن يجمع لَهُ بَين الكتابتين إنْشَاء وديوانا. ويطلع لَهُ وُجُوه الرِّعَايَة غرا حسانا. فحسبي مَا خلد لي بذلك من مجد، وقلدني من فَخر أشهر من نَار على نجد، وَأما شعري ونثري فقد أثبت مِنْهُ، بعد سُؤال الإغضا، وَالنَّظَر بِعَين الرِّضَا، تعلق بِالذكر، واحتجت بحجاب الضَّمِير من بَنَات الْفِكر وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن خَاتِمَة ناظم دُرَر الْأَلْفَاظ، ومقلد جَوَاهِر الْكَلَام نحور الروَاة ولبات الْحفاظ،

стр. 914

ذُو الْأَدَب الَّتِي أضحت شوارده حلم النيام وَسمر الأيقاظ، وَكَمن فِي بَيَاض طرسه، وَسَوَاد نَفسه سحر اللحاظ، رفع بقطره راية هَذَا الشان على وفور حلبته، وَفرع قنة الْبَيَان على سمو هضبته، وَفَوق سَهْمه إِلَى نحر الْإِحْسَان، فأثبته فِي لبته، فَإِن أَطَالَ، ثار الْأَبْطَال، وكاثر المنسجم الهطال، وَإِن أوجز فَضَح وأعجز، فَمن نسيب تهيج بِهِ الأشواق، وتضيق عَن زفراته الأطواق، ودعابة تقلص ذيل الْوَقار، فتزرى بأكواس الْعقار. إِلَى انتماء للمعارف، وجنوح إِلَى ظلها الوارف، وَلم تزل فضائله بتك الْبَلدة تنفسح آمادها، حَتَّى تنافس فِيهِ قوادها، فاتخذوه كَاتب أسرارهم، وترجمان أخبارهم، وَقد ثَبت من مقطوعات شعره، ونفثات سحره، مَا يستفز السَّامع، ويقرط المسامع وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن بقى مدير لأكواس الْبَيَان الْمُعْتق ولعوب بأطراف الْكَلَام المشقق انتحل لأوّل أمره الْهزْل من أصنافه فأبرز دُرَر مَعَانِيه من أصدافه وجنى ثَمَرَة الإبداع لحسين قطافه، ثمَّ تجَاوز إِلَى المعرب وتخطاه، فأدار كأسه وعاطاه، فَأصْبح لفنيه جَامعا، وَفِي فلكيه شهابا لامعا، وَله ذكا يطير شرره، وَإِدْرَاك تتبلج غرره، وذهن يكْشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض، وعَلى ذلاقة لِسَانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الضنانة بِشعرِهِ، مغال لسعره، أجَاب أحد الأحباء مِمَّن خطب ادبه واستدعاه للمراجعة وندبه. وَمن ذَلِك وصف أبي عَليّ حسن بن عبد السَّلَام فَارس براعة بارعة، ورث بديهة مسارعة لاك الْكَلَام وعلكه، وَاسْتحق الْإِحْسَان وَملكه، وأدار على قطب الإجادة فلكه، وساعده الدَّهْر فتحدى طَرِيق السرو وسلكه، وَلم يزل الْمِقْدَار يساعده، وَالتَّدْبِير ينوء بِهِ ساعده حَتَّى تحلت بِالثُّرَيَّا حَاله

стр. 915

وَعظم جاهه وَمَاله، وَلما تغلبت الْفِتْنَة بدولته، وعجمت عود صولته آثر الرحيل، وَفَارق ربعه الْمُحِيل، وَاسْتقر بِحَضْرَة تونس يروم الوجهة الحجازية وَقد تَبرأ من قَول الشَّاعِر: " وَمَا أَنا إِلَّا من غزيَّة " فَأَتَاهُ بهَا حمامة، وَانْقَضَت دون أمله أَيَّامه، وَله أدب غض الجنى، أنيق اللَّفْظ وَالْمعْنَى على قصر بَاعه، وَقلة انتجاعه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن بن الصّباغ اللسن الْعَارِف، والناقد لجواهر الْمعَانِي كَمَا تفعل بالسكة الصيارف، والأديب الْمجِيد، الَّذِي تحلى بِهِ للعصر النَّحْر والجيد، إِن أجال جِيَاد براعته، فَضَح فرسَان المهارق، وأخجل من بَيَاض طرسه، وَسَوَاد نَفسه الطرر تَحت المهارق. وَإِن جلى أبكار أفكاره، وأثار طير الْبَيَان من أوكاره، سلب الرَّحِيق المعدم فضل ابتكاره، إِلَى نفس لَا يفارقها ظرف، وهمة لَا يرْتَد إِلَيْهَا طرف وإباية لَهُ لَا يفل لَهَا غرب وَلَا جرف، وَفِي هَذِه الْأَيَّام دَعَاهُ شيخ الْغُزَاة إِلَى كِتَابَة سره، وَقَامَ بِوَاجِب بره، وَله أدب غض وزهر على مجتنبه مرفض. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق الطّراز رَوْضَة أدب وظرف، كَمَا شِئْت من حسن وَعرف، أشرقت ذكا ذكائه، وتضوعت آدابه تضوع الرَّوْض غب سمائه، إِلَى حلاوة الْخَلَائق والضرائب، والشيم الْحَسَنَة والمعاني الغرايب، ترتاح إِلَى مُجَالَسَته المحاضر، ويرقب من أفنان فكاهته الزهر الناضر، فَمَا شيت من توقيع رفيع، وتندير بالإصابة جدير، ولطافة الشَّمَائِل فِي كثير من الْفَضَائِل، وَله نفس تطمح إِلَى بُلُوغ الْمعَانِي، وفكر يَحْدُو حلل الْبَدَائِع فِي الطّراز العالي، وأدب كالروض باكرته السحائب، وحملت أرجه الصِّبَا والجنائب وَقد أثبت من شعره كل عطر النسيم، سَافر الْمحيا الوسيم، وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن دَاوُد الْوَادي آشى شيخ الْعمَّال المؤتمن على الجباية وَالْمَال، الْمُسْتَوْفى شُرُوط الْفضل على الْكَمَال،

стр. 916

تواضع ﵀ على الْعُلُوّ، وَلبس شعار السّكُون والهدو، وبذل المجاملة للصديق والمسالمة لِلْعَدو، ولازم مجَالِس الْملك بِحَيْثُ يضر وينفع، ويحط وَيرْفَع، فَمَا شَاب بالإساءة إحسانا، وَلَا أعمل فِي غير الْمُشَاركَة لِسَانا إِلَى غير ذَلِك من الْأَدَب الْعطر النسيم، السافر عَن الْمحيا الوسيم، واشتهر بِالْوَفَاءِ اشتهار دارين بطيبها وأياد بخطيبها، فَكَانَ حَامِل رايته، ومحرز غَايَته، وَمضى لسبيله فقيدا عَم فَقده وَخص، وهاض أَجْنِحَة الْحَاجَات وقص، وَله أدب يُصِيب شاكلة الرمى بنباله، ونظم تضحى الْمعَانِي قنايص حباله، وَمن ذَلِك وصف أبي عبد الله بن حسان كَاتب إنْشَاء وديوان، وَصدر حفل وإيوان، وَفَارِس يراعة، وَروض أدب وبراعة، يملى الرسائل فَلَا يجِف مدادها، وينظم القصائد لَا يعييه امتدادها، ويحبر الرّقاع ويوشيها، ويصور الْمعَانِي وينشيها، ويدبج برود البدايع ويطرز حواشيها إِلَى خطّ تهيم الْأَلْفَاظ بالتماح سطوره وتغار الرياض بممطوره، وأبوة ومجاده، وَبَيت أمطره الْفضل وجاده، وأنجبت مِنْهُ أبوة صَاحب الأشغال ﵀ خلفا سد مسده، وَتجَاوز فِي السرو مَا حَده، وَلم تزل الأسماع تخْطب بدايعه، وأسواق الأشواق تغلى بضايعه، حَتَّى أصبح فَردا فِي أترابه، وفذا فِي أغرابه، وَله نفس عذرية الشمايل، ولسان هام بزهر الرياض وظل الخمايل، وطبع إِلَى شيم الرصافة وَالْحسن مايل وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن مصادف الرندي من شُيُوخ الطَّرِيقَة العملية ومنتحلي الصِّنَاعَة الأدبية كَانَ ﵀ مَجْمُوع ظرف، ومسرح كل طرف، من خطّ بارع، وأدب إِلَى دواعي الْإِجَابَة مسارع، وَلما صَار أَمر رنده، كلأها الله، عِنْد اشتعال الْحَرْب،

стр. 917

وتوالى الضَّرْب على ملك الْمغرب قَلّدهُ أَعمالهَا، وَجعل إِلَى نظره حالتها، ثمَّ تنقل إِلَى بعض الولايات ببر العدوة، وَبهَا قضى نحبه، وَفَارق صَحبه، بعد معاناة خطوب، ومباشرة صروف من الدَّهْر وضروب. وَله أدب طَابَ وتأرج، وَعطف على رسوم الإجادة وعرج، وَمَعَان تتجلى تجلى العذارى وتتبرج. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق بن جَعْفَر شيخ توقيعة نادرة، وفكاهة وَارِدَة وصادرة، ونظم أنيق الديباجة، لطيف الزجاجة، عطر النفخة، [عذب المجاجة] وظرف لَا يذوي دوحه، وأدب تأرج روحه، وَقضى ﵀، وَقد تخلف عقبا نجيبا، والقى من ابْنه أَبى جَعْفَر مستمعا للفضل مجيبا، حَاز فِي الْإِحْسَان طلقه، وحاسن فلقه، وَقد ثَبت من شعره مَا يقر بوقور مادته واستقامة جادته، وَمن ذَلِك فِي وصف ابْنه أبي جَعْفَر كَاتب حِسَاب، ومنتسب لأدب أَي انتساب، إِن فكر وروى، أنهل الخواطر وروى، وَإِن ابتدر وارتجل، أولد الْبَدَائِع وَانْتَحَلَ، وَله منطق يحاول الصعاب فيلينها، ويتناول الغوامض فيبينها، ويجلو كل سَاحِرَة الْأَلْبَاب تروق جبينها ويوسع المحاضرة إمتاعا ويمد فِيهَا خطوا وساعا، قَالَ الْمُؤلف وَقد حظيت من بَيَانه بِهَذَا الْمَجْمُوع، وَلم أَقف مِنْهُ عِنْد خَبره المسموع، لكني اجتزأت مِنْهُ باليسير، وقنعت بِمَا حضر، واكتفيت برايقة الْأَثِير، وأقمت قَلِيله مقَام الْكثير، وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن الْبَرْبَرِي المالقي شَاعِر ينْفق من سَعَة، وينطق وسط المجمعة، ومطبوع لَا يتَكَلَّف، ومجيد إِذا نَهَضَ البلغاء لَا يتَخَلَّف، عانى النّظم وزمنه كمثله غُلَام، ودهره تَحِيَّة وَسَلام،

стр. 918

ومدح وانتفع، وشفع شعره للملوك فشفع، وَلم يزل يتَصَرَّف فِي الْأَعْمَال، ويقابل بِالْإِحْسَانِ والإجمال، وَقد أثبت من شعره كل مُحكم العقد، شَدِيد الْوَطْأَة على النَّقْد. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم بن مقَاتل المالقي من حسباء الطَّرِيقَة وصدورها، والمحاسن لترايبها العاطلة ونحورها. كَانَ ﵀ هضبة وقار وسكينة، وَذَا مكانة فِي الْفضل مكينة. إِلَى صدر سلم ومجد صميم، وَخلق عَظِيم السهولة، وسمت خليق بسن الكهولة، ولسان مغرى بِالذكر، متقلب بَين الْحَمد وَالشُّكْر، وَإِلَى ذَلِك فَكَانَت لَهُ دعابة صائبة السهْم، ونادرة يتنافس فِيهَا أولو الْفَهم، ومجالسة طيبَة، وفكاهة غمامتها صيبة. وَاسْتعْمل فِي الولايات النفيسة، فحمدت سيرته، وَحسن أَثَره، وكرم خَبره وَخَبره، وأنجب عقبا جَارِيا على سنَنه، ومتخلفا من السرُور بأحسنه، وَكَانَ لَهُ أدب غض الجني، طيب اللَّفْظ وَالْمعْنَى، ومقطوعات حَسَنَة المقاطع، سافرة عَن الْحسن الساطع. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي زيد عبد الرَّحْمَن الينشتي من شُيُوخ طَريقَة الْعَمَل، المتغلبين من أحوالها بَين الصحو والثمل، المتعلقين برسومها حِين اخْتَلَط المرعى بالهمل. وَهُوَ ناضم أرجاز، ومستعمل حَقِيقَة ومجاز نظم بهَا مُخْتَصر السِّيرَة فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة، ونظم جُزْءا فِي الرجز والفال، فبذ بِهِ تِلْكَ الطَّرِيقَة بعد الإغفال. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر الْمَعْرُوف بالبغيل من أهل المرية بَقِيَّة صَالِحَة، وغرة فِي الزَّمن البهيم وَاضِحَة، أرخ وَقيد وَأحكم بِنَا الْعبارَة وشيد، ورقم الرسائل الْبَدَائِع، وحقق بِبَلَدِهِ الْأَخْبَار وَكتب الوقائع. فمجالسته عَظِيمَة الإمتاع، ومحاضرته مقرطة الْأَذَان والأسماع. وَله شعر جزل، لَا ينتكب لمعانيه غزل، وَأَلْفَاظه صقيلة، وَمَعَان تتبرج تبرج العقيلة، وأغراض لَا تطيش

стр. 919

نبلها، وَلَا تطمس لاحب سبلها. وَقد أثبت مِنْهَا مَا يشْهد بإجاد ته وَيدل على كرم مجادته. وَفِي وصف أبي جَعْفَر بن جَعْفَر من مالقة أديب مجيد، وَبَطل فِي الْحساب نجيد، تقدم فِي الطَّرِيقَة العملية، وبرز وطور طروسها وطرز، وَنقد وأبرز، وعانى النّظم فأجاده، واستقى غمام الْأَدَب فجاده، وسبك الْأَلْفَاظ وخلصها، واستطرد الْمعَانِي واقتنصها، وَمَرَّتْ بِهِ النادرة فاغتنم فرصها. وَله أخلاف رفيعة، وَنَفس لكل عُذْري شَقِيقَة، وَقد أثبت من شعره مَا وَقع بيَدي، وارتسم فِي خلدي. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عَليّ حسن ابْن الْخَطِيب أبي الْحسن القيجاطي حسنى الْمَذْهَب، وهائم بِكُل عذار موشى وخد مَذْهَب، نَشأ بَين يَدي أَبِيه ﵀، وحلقة درسه مكنس أرام، ومثار صبَابَة وعزم، ومطلع الشموس الْأَهِلّة من أَبنَاء الجلة، فركض فِي الكلف ملْء عنانه وَمكن الجفون السود من سويداء جنانه وعذب عِنْده تعذيبه حَتَّى اشْتهر غزله ونسيبه، وَلما نضب عود تِلْكَ الشبيبة، وصوخ نبت تِلْكَ الرياض العجيبة، تعلق بِالْخدمَةِ العملية، فانتظم فِي أَهلهَا، وَسَار فِي حزنها وسهلها، وَظَهَرت عَلَيْهِ تبعات عبر لَهَا اللجة، وَقطع الْحجَّة. وَاسْتقر ببجاية، فارتفد وارتفق، وَعرض شعره، فعلى سعره ونفق، ثمَّ ارتحل على هَذَا الْعَهْد إِلَى أم تِلْكَ المملكة، والقايمة بحسنات تِلْكَ الْبِلَاد مقَام الفذلكة، فاستند إِلَى بَابهَا، وارتسم فِي سلك كتابها، وَقد أثبت من شعره المطبوع أَيَّام مقَامه بِهَذِهِ الربوع. وَفِي وصف أبي مُحَمَّد المرابع من أهل بلش طَوِيل القوادم والخوافي، كلف على كبر سنه بعقائل القوافي، شَاب فِي

стр. 920

الْأَدَب وشب، ونشق ريح الْبَيَان لما هَب، فجاور رَقِيقه وجزله، وأجاد جده وَأحكم هزله، فَإِن مدح صدح، وَإِن وصف أنصف، وَإِن عصف قصف، وَإِن أنشأ وَدون، وتقلب فِي أفانين البلاغة وتفنن، أفسد مَا شَاءَ وَكَون، فَهُوَ شيخ الطَّرِيقَة الأدبية وفتاها، وخطيب محافلها كلما أَتَاهَا، لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من أغراضها غَرَض، وَلَا يضيع لَدَيْهِ مِنْهَا مفترض، وَلم تزل بروقه تتألق، ومعانيه بأذيال الْإِحْسَان تتَعَلَّق، حَتَّى برز فِي أبطال الْكَلَام وفرسانه، وذعرت الْقُلُوب لسطوة لِسَانه، وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ الصِّنَاعَة زمامها، ووقفت عَلَيْهِ أَحْكَامهَا فشعشع قدامتها وَنبهَ ندامها، وَأرْسل رجومها. وَعبر الْبَحْر لهَذَا الْعَهْد منتجعا لشعرة ومنفقا فِي سود الكساد من سعده، فأبرق وأرعد، وحذر وتوعد، وَبلغ جهد إِمْكَانه فِي التَّعْرِيف بمكانه، فَمَا حرك وَلَا هز، وذل فِي طلب الرفد وَقد عز، وَمَا برح أَن رَجَعَ إِلَى وَطنه الَّذِي اعتاده رُجُوع الحَدِيث إِلَى قتاده، وَقد أثبت من نزعاته، وَبَعض مخترعاته، مَا يدل على سَعَة بَاعه، ونهضة ذراعه، وألمعت بِشَيْء من سَبَب رحلته واغترابه، وعود مرهفه إِلَى قرَابه. وَفِي وصف أبي عبد الله المتأهل الْمَعْرُوف بعمامتي من أهل وَادي آش ناظم أَبْيَات، وموضح غرر وشيات، وَصَاحب توقيعات وإمارات ذَوَات إشارات، اشْتهر فِي بَلَده اشتهار الشيب فِي المفارق، وتألق بأفقه بألق البارق. وَكَانَ شَاعِرًا مكثارا، وجوادا لَا يخَاف عثارا. دخل على أَمِير بَلَده [المخلوع عَن ملكه بعد انتثار سلكه وَخُرُوج الحضرة عَن ملكه، واستقراره بوادي آش] مروع المَال متعللا بقصيات الآمال. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْمُؤلف ﵀ إِن طَال الْكَلَام، وجمحت الأقلام، كنت كَمَا قيل مادح نَفسه يُقْرِئك

стр. 921

السَّلَام، وَإِن أحجمت فَمَا أسديت فِي الثَّنَاء وَلَا أفحمت أضعت الْحُقُوق، وقاربت العقوق. هَذَا وَلَو زجرت طير البلاغة من أوكاره، وحييته بعيون الْكَلَام وأبكاره لما قضيت حَقه بعد، وَلَا قلت إِلَّا بِالَّذِي علمت سعد، فقد كَانَ ذمر حزم، وَرجل رَجَاء وعزم، كَانَ بِبَلَدِهِ قطبه الَّذِي عَلَيْهِ الْمدَار، وزعيمه الَّذِي لَهُ الْإِيرَاد والإصدار، وَله إِلَى الْمقَام الْعلي النصري وَسَائِل قربى، ومتات أناف وأربى. لما حل الْملك الْإِسْمَاعِيلِيّ بذلك الْقطر، ولاح بأفقه لياح هِلَال الْفطر، نزع إِلَى فريقه، وَجعل تِلْكَ الإيالة قرى طَرِيقه، وَصَحب ركابه إِلَى قرارة ملكه، ومحط فلكه، فقر بِهِ وَأَدْنَاهُ، وشيد لَهُ الْعِزّ وبناه. وَلم تزل سماؤه تجوده، وروضه يروضه جوده. واصطنعه خَلفه من بعدة إِلَى أَن دَعَاهُ الْأَجَل لوعده، فَفَقَدته بكاينة طريف جبر الله عثارها، وَعجل ثارها، حدث خطيب الْجَامِع الْأَعْظَم، وَهُوَ مَا هُوَ من وفور الْعقل، وَصِحَّة النَّقْل، قَالَ، مَرَرْت بأبيك بعد مَا تمت الكسرة وخذلت تِلْكَ الأسرة وَقد كبا بأخيك الطّرف، وَعرض عَلَيْهِ الْحمام الصّرْف، وَالشَّيْخ لم تزل قدمه، وَلَا راعه عَدمه، وَلما يئس من الْخَلَاص وطلابه صرفني، وَقَالَ أَنا أولى بِهِ فَقضى سعيدا شَهِيدا، لم يستفزه الهول وَلم يثنه، وَلَا ارتضى عَار الْفِرَار عَن ابْنه، وَكَانَت لَهُ فِي الْأَدَب فَرِيضَة، وَفِي النادرة العذبة، منادح عريضة، مَعَ قلَّة انتحاله، واشتغاله بِحَالهِ، وَمن ذَلِك فِي وصف أبي بكر البلوي من أهل ألمرية محيى لرسوم المكارم، ذُو هزة للفضائل كهزة الصارم، كَانَ ﵀ بِبَلَدِهِ فِي الْإِحْسَان منزلَة الْعين من جَسَد الْإِنْسَان، والنطق من اللِّسَان والبشاشة من الصُّور الحسان. إِن ضل السماح فبيته مَأْوَاه أَو أظل الضَّيْف فَهُوَ أَبُو مثواه.

стр. 922

إِلَى نفس آخذة بأقاصي الْكَمَال، وشمائل ألطف من أنفاس الصِّبَا وَالشمَال، وأدب انْتهى إِلَى الْقُلُوب من الآمال، قدم على الحضرة بِأول الدولة لأَدَاء حق الطَّاعَة والانتظام فِي الْجَمَاعَة، وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن السراج طَبِيب ماهر، وَروض علم تفتحت فِيهِ للفنون أزاهر، درج من الشظف إِلَى السعَة، وتحلى بحلية الْعلم فرفعه، فَبلغ الْغَايَة الَّتِي لطف محلهَا، وَفَاء عَلَيْهِ ظلها، وتقلبت عَلَيْهِ الْأَيَّام فاعتورته صروفها، وتنكر عِنْده معروفها لما ذكرته فِي كتاب " طرفَة الْعَصْر فِي اختبار دوَل بني نصر "، ثمَّ تداركت صَلَاح حَاله ومتعته بِطيب الْقَرار بعد ارتحاله، فاستقرت دَاره، واستقام على قطب الْعِنَايَة مَدَاره، وَكَانَ ﵀ كثير الدعابة، وَمَا شانه ذَلِك وَلَا عابه، وَله نظم ينخرط فِي سلك الانطباع، وتخبر بطول الباع. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي زَكَرِيَّا يحيى بن هُذَيْل التجِيبِي درة بَين النَّاس مغفلة، وخزانة على كل فَائِدَة مقفلة، وهدية من الدَّهْر الضنين لِبَنِيهِ محتفلة، أبرع من رتب التعاليم وَعلمهَا، وركض فِي الألواح قلمها، وأتقن من صور الْهَيْئَة وَمثلهَا، وَأسسَ قَوَاعِد الْبَرَاهِين وأثلها، وَأعرف من زاول شكاية، وَدفع عَن جَسَد نكاية إِلَى غير ذَلِك من الْمُشَاركَة فِي الْعُلُوم، والوصول من الْمَجْهُول إِلَى الْمَعْلُوم، والمحاضرة المستفزة للحلوم، والدعابة الَّتِي مَا خَالع الغدار فِيهَا بالملوم. فَمَا شيت من نفس عذبة الشيم، وأخلاق كالزهر من بعد الديم، ومحاضرة تتحف الْمجَالِس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر زهرها الناضر، وَله أدب ذهب فِي الإجادة كل مَذْهَب وارتدى بن البلاغة بِكُل رِدَاء مَذْهَب، وَمَعَان تراودها الخواطر فتصد وتحييها النُّفُوس فَلَا ترد، وَالْأَدب

стр. 923

نقطة من حَوْضه، وزهرة من أزهار روضه، وسيمر فِي هَذَا الدِّيوَان مَا يبهر الْعُقُول ويحاسن بِرِوَايَة ورائق بهائه الفرند المصقول. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عَمْرو بن عباد من أهل رنده صوفي مُحَقّق، ومريد عَن صبوح الْمحبَّة مرفق. كَانَ بِبَلَدِهِ ﵀ عينا من أعيانها، وقريع بَيت من بيوتات إحسانها، شام للغرب بارقا، فَأصْبح لدنياه مفارقا، فنزح عَن بِلَاده، وَخرج عَن طريفه وتلاده، وشمر لمقارعة الْهوى وجلاده، وخاض بَحر تِلْكَ الْأَهْوَال حَتَّى صَار معدودا فِي أهل الاحوال، وَظَهَرت عَلَيْهِ سمات الحضرة، وسطعت لَهُ أنوار الْعِنَايَة الإلهية، وَلم يزل يعبر عَن وجده ويكنى بحاجره ونجده، حَتَّى حفظت أَقْوَاله، واشتهرت أَحْوَاله. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْوَلِيد بن هاني من أهل غرناطة شَاعِر ينحت من طود، وماطر صاب من الْكَلَام بجود. عدل عَن اللَّفْظ الْقَرِيب إِلَى الحوشى الْغَرِيب، وَإِذا أجهد طبعه وَوصف حيه وربعه، وَكَيف ظعن الْقطَّان، وتغيرت الأوطان، قلت حجازيا فصيحا أَو تميميا شقّ للْبَيَان ريحًا أَو نجديا شكى بثا وتبريحا. نَشأ بِبَلَدِهِ غرناطة، مطلع نور حَسبه الباهر، وروضة بَيته الأنيق الأزاهر، فشاقى حلبة الطّلب، وفاز بالغلب، واجتهد وَعَكَفَ واستمطر وابل الْعلم لما وكف حَتَّى جلى من المشكلات كل حالك، وَاسْتظْهر موطأ مَالك. ثمَّ رمى السفار بعزمته، وخاض القفار بجرفه وحزمته، وَاسْتقر بعد اعتساف المجاهل، ومزاحمة المناهل، وخوض المرار، والبشام بحماة الشَّام، واتخذها دَارا، وارتضاها لفضله مدارا. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله النمري الكفيف من أهل مالقه [ضَرِير زار نور بَصَره نور قلبه فاجتمعا، وكفيف سَارَتْ الْأَمْثَال بِذكرِهِ فَصدق مرأى مِنْهُ مستمعا] صَادِق اللهجة، سلك سَبِيل الْفضل، وانتهج نهجه،

стр. 924

أذهن من راو المشكلات وافترعها، وصادم الغوامض فصرعها، وَله فِي علم اللِّسَان [قدم راسخة] وَفِي أَحْكَام الْمعَانِي آيَة ناسخة، وَكَانَ معرى عصره، ووارث علمه الَّذِي يعجز عَن حصره، وَله فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة ذوق، وَإِلَى تِلْكَ الْفُنُون شوق نسبته لسببه الألسن، واستقبح مِنْهُ مَا يحسن. ونظمه دون قدره، ومعانيه تكْثر عَن نفثات صَدره. وَمن ذَلِك فِي وصف الأديب الْحَاج الرّحال أبي إِسْحَق الساحلي ﵀ جَوَاب الْآفَاق، ومحالف الرفاق، ومنفق سعر الشّعْر كل النِّفَاق، رفع بِبَلَدِهِ راية للأدب لَا تحجم وَأصْبح نَسِيج وَحده فِيمَا يسدى ويلحم، فَإِن نسب، جزى كل قلب بِمَا كسب، وَإِن مدح وقدح، من أنوار فتنته مَا قدح، حرك الجامد، ونظم نظم الجمان المحامد. وَإِن أبن أَو رثا، غبر فِي وُجُوه السوابق وحثا، وَلما أنف الكساد سوقه، وضياع حُقُوقه، أَخذ بالعزم، وَأدْخل على تعلاته عَامل الْجَزْم، وَلم يزل يسْقط على الدول سُقُوط الْغَيْث، ويحتل كناس الظبي وَغَابَ اللَّيْث، ويركض النجائب، وَيتبع الْعَجَائِب، حَتَّى استضاف بِمصْر الْكِرَام، وَشَاهد البرابي والأهرام، وَرمى بعزمته الشَّام، فاحتل ثغورها المحوطة، وَدخل دمشق وتفيأ الغوطة، ثمَّ عاجلها بالفراق، وَتوجه إِلَى الْعرَاق، فَحَيَّا بِالسَّلَامِ، مَدِينَة السَّلَام، وَأورد بالرافدين رواحله، وَرَأى الْيمن وسواحله ثمَّ عدل إِلَى الْحَقِيقَة عَن الْمجَاز، وَتوجه إِلَى مثابة الْحجاز، فاستلم الرُّكْن وَالْحجر، وزار الترب الْكَرِيم لما صدر، وتعرف بِجَمِيعِ الْوُفُود بِملك السود، فغمره بإرفاده، واستصحبه إِلَى بِلَاده، وَاسْتقر بِأول أقاليم الأَرْض، وأقصى مَا يعمر من هَذَا الْعرض، فَحل بهَا مَحل الْخمر فِي القار، والنور فِي سَواد الْأَبْصَار، وتقيد

стр. 925

بِالْإِحْسَانِ، وَإِن كَانَ غَرِيب الْوَجْه وَالْيَد وَاللِّسَان، وَقد أثبت من شعره مَا يشْهد بجلالة آدابه، وَتعلق الْإِحْسَان بأهدابه. وَمن ذَلِك فِي وصف الْقَائِد أبي جَعْفَر أَحْمد بن خير قَائِد مليح الشيبة، ممتزج المباسطة بالهيبة، يجمع بَين الدعابة وَالْوَقار، وَيُدبر من الفكاهة كؤوسا تزري بكؤوس الْعقار، وَله أَصَالَة قَامَت على الْعلم أَرْكَانهَا، واشتهر بحمص أَعَادَهَا الله مَكَانهَا، ووسائل إِلَى السّلف الْكَرِيم عظم ذمامها، وَثبتت أَحْكَامهَا، وحظوة ظفر مِنْهَا بالأمل، وارتضع أخلافها بَين القيادة وَالْعَمَل، تنَاول خطة الْمَدِينَة فأجراها، وراش نبل الْأَحْكَام وبراها، وَبشر أبشار ألى الْفساد وفراها، وَفرق حَتَّى بَين الجفون وكراها , فكم عاشق انتجز للوصل ميعادا وارتقب للسعد إسعادا، وظفر بمثير غرامه، وموقد ضرامه فِي مجْلِس تجلت فِيهِ عروس الكاس، عَن فرش الْورْد والآس، وَعند سُجُود الإبريق، ومزج المدامة بالريق، وثب ابْن خير هَذَا وثوب اللَّيْث، وَسقط عَلَيْهِ سُقُوط الْغَيْث، فراع غزال ذَلِك الكناس، وَفرق بَين روح المدام وجسم الكاس، حَتَّى ذعرت الْقُلُوب لسطوته، وتشوفت الآذان إِلَى إحساس خطوته. كل ذَلِك بِعدْل ميزَان قَائِم، وجزالة، لَا يثنيها فِي الْحق لايم، وبسالة تشهد المواقع بمضايها، وتثنى عَلَيْهِ السيوف عِنْد انتضابها. واصطنعه هَذَا الْمقَام اليوسفي، أَعْلَاهُ الله، فارتضاه للأمانة الْعُظْمَى، وقلده حفظ أَبْوَاب معقله الأسمى، فاعطى الْقوس باريا، وقلد الخطة حساما واريا، وَهُوَ لطيف الْمحل لَدَيْهِ وحظى بَين يَدَيْهِ، يستظرف نادرته العذبة، ويبدي لَهُ الْقبُول والمحبة، وَله أدب عذب الْجَانِب سهل المذانب، لَا زَالَ ينفث بضربه ويستفز عِنْد نظمه عوائد طربه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن غفرون من الْجند نير مَا طلع حَتَّى أفل، وَمَا جد فِي حلل الْفضل رفل، ألطف النَّاس فِي معاشرة

стр. 926

الْأَكفاء، وَثَانِي السموأل ابْن عاديا فِي الْوَفَاء، إِلَى حلم لَا يضيق لَهُ صدر، وعهد لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ لحماه نكث وَلَا غدر، وَنَفس عَظِيمَة النفاسة، وأخلاق مولعة بِذكر الحماسة. توجه مَعَ الْحصَّة إِلَى حراسة ثغر بيرة، وَقد اشتعلت نيرانه، وكلف جِيرَانه، وَكَانَت من الْمُسلمين جَوْلَة فِي بعض المواقف، ميز الله بهَا الْخَالِص من الزائف وَلم يرض صاحبنا ﵀ عَار الْفِرَار أَمَام الْكفَّار، وَلم يزل يقدم إقدام الغضنفر، وَيُقِيم هامته مقَام المغفر، فَقضى سعيدا مقداما، وَشرب للحمام كأسا كَانَت لَهَا السَّعَادَة مداما، وَلم أظفر من كَلَامه إِلَّا بنزر، وَلَا حصلت من مده إِلَّا على جزر وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر الروية من أهل بلش ناظم للفقر الشاردة، ومقتنص الْمعَانِي الصادرة والواردة، وَصَاحب قريحة ملتهبة الْوقُود، وبديهة منتظمة الْعُقُود، إِلَى بَيت ينتمي إِلَى مجد، وأصالة أطيب من عرار نجد. نَشأ بِبَلَدِهِ بلش قرارة ميلاده، مُقْتَصرا على انتجاع تلاده، صان بذلك وَجهه عَن إِرَاقَة مَائه وهتك حجاب حيائه. وَلم أظفر من شعره على استرساله، وتدفق سلساله إِلَّا بقوله يهنى السُّلْطَان بِأحد أَوْلَاده وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله الْعَبدَرِي المالقي أديب نَار ذكائه يتوقد، وعارف لَا يعْتَرض كَلَامه وَلَا ينْقد. وَأما الْهزْل فَهُوَ طَرِيقَته المثلى الَّتِي ركض فِي ميدانها وجلى، وطلع فِي أفقها وتجلى فَأصْبح علم أعلامها، وعابر أحلامها، فَإِن أَخذ بهَا فِي وصف الكاس، وَذكر الْورْد والآس، وألم بِالربيعِ وفصله، والحبيب وَوَصله، وَالرَّوْض وطيبه، والغمام وتقطيبه، شقّ الْجُيُوب طَربا، وعَلى النُّفُوس أربا وَضَربا. وَإِن أشْفق

стр. 927

لاعتلال العشية فِي فرش الرّبيع الموشية، ثمَّ تعداها إِلَى وصف الصبوح، وأجهز على الزق الْمَجْرُوح، وَأَشَارَ إِلَى نغمات الْوَرق يرفلن فِي الْحلَل الزرق، وَقد اشتعلت فِي عنبر اللَّيْل نَار الْبَرْق، وطلعت بنود الصَّباح فِي شرفات الشرق سلب الْحَلِيم وقاره، وَذكر الخليع كأسه وعقاره، وحرك الأشواق بعد سكونها وأخرجها من وَكَونهَا، بِلِسَان يتزاحم على مورده الخيال، ويتدفق من حَافَّاته الْأَدَب السيال، وَبَيَان يُقيم أود الْمعَانِي، ويشيد مصانع اللَّفْظ محكمَة المباني، ويكسو حلل الْإِحْسَان جسوم المثالث والمثاني، إِلَى نادرة لمثلهَا يشار، ومحاضرة يجتني بهَا الشهد ويشار. وَقد اثْبتْ من شعره، وَإِن كَانَ لَا يتعاطاه إِلَّا قَلِيلا، وَلَا يُجَاوِزهُ إِلَّا تعليلا، أبياتا لَا تَخْلُو من مسحة جمال على صفحاتها، وَهبة طيب تنم فِي نفحاتها. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم الشريف الْحسنى ماشيت من قدرَة وأيد، لَيْسَ من عَمْرو وَلَا زيد، أكْرم من عمر البلاغة مجالا [وَلعب بأطراف الْكَلَام المشقق روية وارتجالا] ، وأطوع من دَعَا أَبْيَات الْمعَانِي فَجَاءَت عجالا [وأبدع من أدَار أكواس الْبَيَان الْمُعْتق] ، وَأجل من أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّاعِر بقوله " وَخير الشّعْر أكْرمه رجَالًا " قدم على الحضرة هَذَا القَاضِي الشريف، وَقذف بدرته النفسية لَهَا الرِّيف، رَوْضَة أدب وظرف لما شيت من حسن وَعرف، يُدِير المحاضرة جريالا، ويسحب البديع الروايع أذيالا، ذَا نفس كَرِيمَة، وأخلاق كالروض غب انسكاب ديمه، وَقعد بمسجدها فدرس وَحلق، وسطع نوره فِي أفقها وتألق، واستأثرت بِهِ الْكِتَابَة السُّلْطَانِيَّة لأوّل وُرُوده، وسحبت

стр. 928

عَلَيْهِ من الْإِحْسَان سوابغ بروده، وتوشح بخلاله المرتضاة إِلَى قَضَاء الْقُضَاة، وَهُوَ الْآن قاضى الْجَمَاعَة وإمامها، وقيم الشَّرِيعَة، الَّتِي فِي يَدَيْهِ زمامها، بلغت بِهِ تِلْكَ الْمُتَابَعَة العدلية آمالها، واستأنفت بعد الكبرة جمَالهَا، وَقَالَت هيت لَك، فَلم تَكُ تصلح إِلَّا لَهُ، وَلم يَك يصلح إِلَّا لَهَا، وَأَلْقَتْ لَهُ الخطابة قيادها، فأنسى قسها وأيادها، ووسم بعد الإغفال بسمة الاحتفال جمعهَا وأعيادها. وَأما شعره فيناسب الرضى نسيبه فخره ونسيبه. وَمن ذَلِك فِي وصف الشريف أبي عبد الله ابْن الْحسن الحسني كريم الانتماء، مستظل بأغصان الشَّجَرَة الشماء، الممتدة الأفياء، الَّذِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء، من رجل سليم الضَّمِير، وَنَفس أصفى من المَاء النمير، وشهامة تثنى عَلَيْهِ الرِّجَال إِذا ضَاقَ المجال، وتقوضت الْآجَال، وَله فِي الشّعْر طبع يشْهد بعروبية أُصُوله، ومضاء نصوله، وَقد أثبت من شعره مَا ينضح فِي البلاغة سَبيله وَيشْهد بِعِتْق الْجواد صهيلة. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم ابْن الرئيس أبي زَكَرِيَّا العزفي فرع تأود من الرياسة فِي دوحة، وَتردد مَا بَين غدوه [فِي الْمجد] وروحه: نَشأ والرياسة العزفية تعله وتنهله، والدهر يسهل أمره الْأَقْصَى ويسهله، حَتَّى اتسقت أَسبَاب سعده وانتهت إِلَيْهِ رياسة سلفه من بعده، وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ رِحَالهَا وحطته ومتعته بقربها بعد مَا شحطت وشطت، ثمَّ كلح لَهُ الدَّهْر بعد مَا تَبَسم، وَعَاد زعزعا نسيمه الَّذِي كَانَ تنسم، وعاق هلاله عَن تمه، مَا كَانَ من تغلب ابْن عَمه، وَاسْتقر بِهَذِهِ الْبِلَاد نازح الدَّار، بِحكم الأقدار، وَإِن كَانَ نبيه المكانة والمقدار، وَجَرت عَلَيْهِ جراية وَاسِعَة ورعاية متتابعة. وَله أدب الرَّوْض باكرته

стр. 929

الغمايم، والزهر تفتحت عَنهُ الكمايم، رفع مِنْهُ راية خافقة، وَأقَام لَهُ سوقا نافقة، وعَلى تدفق أنهاره وَكَثْرَة نظمه واشتهاره، فَلم أظفر مِنْهُ إِلَّا باليسير التافه، بعد وداعه وانصرافه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله ابْن الشَّيْخ الْحَاجِب بتونس أبي الْحسن بن عَمْرو غذى نعْمَة هامية، ورقي رُتْبَة سامية، تقلد أَبوهُ حجابة الْخلَافَة بتونس، وَهِي مَا هِيَ من سمو الْمَكَان، ورفعة الشان، فصرفت إِلَيْهِ الْوُجُوه، وَلم يبْق إِلَّا من يخافه أَو يرجوه. وَبلغ ابْنه هَذَا مُدَّة ذَلِك الشّرف الْغَايَة فِي الترف. ثمَّ قلب لَهُم الدَّهْر ظهر الْمِجَن، وَاشْتَدَّ بهم الْخمار عِنْد فرَاغ الْيَدَيْنِ، وبزتهم الْأَيَّام بزتها، واسترجعت عزتها، وَلحق صاحبنا هَذَا بالمشرق، بعد خطوب مبيرة، وَشدَّة فِي الْبَحْر كَبِيرَة، فامتزج بسكانه وقطانه، ونال من اللَّذَّات مَا لم ينله فِي أوطانه، واكتسب الشمايل الغر الْعَذَاب، فَكَانَ كَابْن الجهم، بعث إِلَى الرصافة ليرى فذاب، ثمَّ حوم إِلَى وَطنه تحويم الطَّائِر وألم بِهَذِهِ الْبِلَاد إِلْمَام [الخيال الزائر] ، فاغتنمت مِنْهُ صَفْقَة وده لحين وُرُوده، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده، فحصلت مِنْهُ على درة تقتنى، وحديقه طيبَة الجني، فيا لله من سَاعَات بالأنس قَطعْنَاهَا، ولذات أطاعتنا وأطعناها، مَا كَانَت إِلَّا كأحلام نايم أَو إفاقة هايم، رحلن وَمَا أبقين إِلَّا الأسى والتعلل بعسى. والفقيه أَبُو عبد الله هَذَا ذُو فهم حَدِيد، وَقصد سديد، وَبَاعَ من الْأَدَب مديد. وَلَو تفرغ للتحصيل بِمُقْتَضى طبعه الْأَصِيل، لعلت قداحه، وَكَانَ بحرا لَا يساجل ضحضاحه.

стр. 930

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن الْحَاجِب بتونس أبي عبد الله بن العشاب جواد لَا يتعاطى طلقه، وَلَا يماثل بِالْفَجْرِ فلقه. كَانَت لِأَبِيهِ ﵀ من الدول التونسية منزلَة لَطِيفَة الْمحل، ومفاوضة فِي العقد والحل، وَلم تزل تسمو بِهِ قدم النجابة من الْعَمَل إِلَى الحجابة، وَنَشَأ ابْنه هَذَا مفدى بالأنفس والعيون، مقضى الدُّيُون، حَالا من الضماير مَحل الظنون. والدهر ذُو ألوان، وماذق حَرْب عوان، وَالْأَيَّام كرات تتلقف، وأحوال لَا تتَوَقَّف، فألوى بهم الدَّهْر وأنحى [وَله غمام جوه تعقب مَا أضحى] وشملهم الاعتقال، وتعاورتهم النوب الثقال. واستقرت باخرة بالمشرق ركابه، وحطت بِهِ أقتابه، فحج وَاعْتمر، واستوطن تِلْكَ الْمعَاهد وَعمر، وَعَكَفَ على كتاب الله، فجود الْحُرُوف، [وَقَرَأَ الْخلف الْمَعْرُوف] وَقيد وَأسْندَ، وتكرر إِلَى دور الحَدِيث وَتردد، وَقدم على هَذِه الْبِلَاد قدوم النسيم البليل على كبد العليل. وَلما اسْتَقر بهَا قراره، واشتمل بجفنها غراره، بادرت إِلَى موانسته، وثابرت على مُجَالَسَته، فاجتليت للسرور شخصا، وطالعت ديوَان الوفا مستقصى. وَعلمت معنى الْكَلَام تَأْوِيلا ونصا، فَحَيَّا الله زمن اقترابه، فَلَقَد جاد. وأجاد وَأفَاد. مَالا أَخَاف عَلَيْهِ النفاد. وَأما شعره فَلَيْسَ بحايد عَن الْإِحْسَان، وَلَا غفل عَن غرر الْبَيَان. وَمن ذَلِك فِي وصف صَاحب الْقَلَم الْأَعْلَى بالمغرب أبي مُحَمَّد عبد الْمُهَيْمِن الْحَضْرَمِيّ الْفَذ الَّذِي يعدل بالألوف، والبطل الْمعلم عِنْد مناجزة الصُّفُوف، والمتقدم بِذَاتِهِ تقدم الْأَسْمَاء على الْحُرُوف، نَشأ بسبتة حرسها الله، بَين علم يُقَيِّدهُ [ومجد يشيده] وطهارة يسحب مطارفها، ورياسة يتفيأ وارفها، وَأَبوهُ ﵀ قطب مدارها، ومقام حَجهَا واعتمارها، فسلك الحزون من المعارف والسهول، وبذ

стр. 931

على حَدَاثَة سنه الكهول، وَلما تحلى من الفوايد العلمية بِمَا تحلى، وبرز فِي ميدان المعارف وجلى، واشتهر اشتهار الصَّباح إِذا تجلى، تنافست بِهِ همم الْمُلُوك الأخاير، واستأثرت بِهِ الدول على عَادَتهَا فِي الاستئثار بالذخاير، فاستقلت بسياستها ذراعه، وَأَخْدَم السيوف والذوابل يراعه. وَهُوَ الْآن عينهَا الَّذِي تبصر، ولسانها الَّذِي بِهِ تسهب وتختصر. وَقد تقدّمت لَهُ إِلَى هَذِه الْبِلَاد الْوِفَادَة، وجلت بِهِ لَدَيْهَا الإفادة، وَكتب عَن بعض مُلُوكهَا، وانتظم فِي سموطها الرفيعة وسلوكها. وَله فِي الْأَدَب الرَّايَة الخافقة، والعقود المتناسقة، فَمَا شيت من لفظ طَابَ عرفه، وَمعنى سحر الْأَلْبَاب ظرفه. وَقد أثبت من كَلَامه فِي هَذَا الْكتاب مَا تتمناه النحور بدل قلايدها، وتجعله الْحور تَمام على ولايدها. وَمن ذَلِك فِي وصف الْخَطِيب أبي عبد الله بن رشيد بَحر معارف لَا يسبر غوره، وَروض فنون تضوع مسراه وأينع نوره، وفريد زَمَانه الَّذِي لَا يَأْتِي بِمثل دوره. نَشأ بِبَلَدِهِ سبتة حرسها الله أصون من الدّرّ فِي صدفه، وأطهر من المَاء الطّهُور فِي نطفه، لَا يسرح فِي غير المطالعة طرفا، وَلَا ينتشق لغير المعارف عرفا، حَتَّى سما مِقْدَاره. وكمل فِي وَطنه أبداره، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ الْعُيُون، وطمح إِلَى الرحلة وَالزَّمَان برحاله غنى، وَبِكُل قطر روض جنى. وعالم سني، فَرَحل عَن بَلَده [رحيل الْغَمَام بعد مَا أمطر، وأقشع إقشاع الرّبيع بعد مَا أَزْهَر وَلم يزل] مطلع بِكُل ثنية. ويعشو إِلَى نَار كل فايدة سنية، وَكلما مر بفايدة فِي طَرِيقه، صرف إِلَيْهَا أَعِنَّة فريقه، حَتَّى عرس بالمثوى الْجَلِيل، واستظل بالجدار الَّذِي رفعت قَوَاعِده أكف الْخَلِيل، ونقع من مَاء زَمْزَم مُحْتَرم العليل، وسنح لَهُ بِالْيمن طيره، وأحسب رحلته بِالْحرم الْأمين، أَبُو الْيمن وَغَيره. ثمَّ صرف عنان أمله وسؤله، إِلَى زِيَارَة قبر النَّبِي وَرَسُوله،

стр. 932

فصلى بَين روضته الطاهرة ومحرابه، وتمتع مَا شَاءَ من لثم جِدَاره وانتشاق ترابه. وَدخل الشَّام فِي مُنْصَرفه، مستكثرا من عُيُون الْعلم وطرفه، وآب إِلَى جده. وَقد دون رحلته الْعَظِيمَة الإمتاع. وأتى مِنْهَا بِقَيْد النواظر والأسماع، وسماها " بمليء العيبة فِيمَا قيد بطول الْغَيْبَة إِلَى مَكَّة وطيبة " اسْم وَافق مُسَمَّاهُ، وَسَهْم أصَاب مرماه، وَلحق بالأندلس، فتهللت لقدومه أسرتها، واحتفنت لقراه درتها، وَأخذ عَنهُ صدورها، واستمدت من شمسه بدورها، وفعم مجالسها العلمية طيبا، وَصعد مِنْبَر الحضرة خَطِيبًا، ولطف من مدير الدولة النصرية ذِي الوزارتين ابْن الْحَكِيم مَحَله، وَفَاء عَلَيْهِ ظله لمودة بَينهمَا عقدت، ورسائل قبل الرياسة نفدت، فَإِنَّهُ كَانَ رَفِيق طَرِيقه، ومساعده على تشريقه، فَانْتَفع بِهِ لَدَيْهِ الْكثير وأنجح الآمال مَحَله الْأَثِير. وَلما محقت النكبة نوره، وَقصرت على العفاء قصوره، ضَاقَ بالخطيب ﵀ الوطن ونبا بعده الموطن، فارتحل إِلَى الْمغرب، وَلم يزل بِهِ رفيع المكانة، صَدرا فِي أولى الْعلم والديانة، حَتَّى انصرم أَجله، وَانْقطع من الْحَيَاة أمله، وَكَانَ لَهُ شعر يتكلفه، وَلَا يكَاد لعدم شعوره بِالْوَزْنِ يتألفه، وَمَعَ ذَلِك، فَأعْلم أهل زَمَانه بالبديع وألقابه، وَالْكَلَام على أبوابه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن هَانِيء السبتي علم تُشِير إِلَيْهِ الأكف، وَيعْمل إِلَى لقايه الْحَافِر والخف، عمر الرّبع بِبَلَدِهِ سبتة، وَقد قوضت الرّحال، وَأقَام رسم الْعلم، وَقد حَالَتْ الْحَال، وجاد بالوابل السجم عِنْدَمَا عظم الإمحال وَرفع للعربية راية لَا تتأخر، ومرج مِنْهَا لجة تزخر، فاتسع مجَال درسه، وأثمرت أَرْوَاح غرسه [فركض فِي تِلْكَ الميادين] ومرح، وَدون وَشرح، وجلى المشكلات، وداوى المعضلات، إِلَى شمايل تملك الطّرف زمامها،

стр. 933

ونادرة راشت الدعاية سهامها. وَلما أَخذ الْمُسلمُونَ فِي منازلة الْجَبَل وحصاره، وَأَصَابُوا الْكفْر مِنْهُ بجارحة أبصاره، ورموا بالثكل مِنْهُ نازح أمصاره، كَانَ فِيمَن انتدب وتطوع، وَسمع الندا فأهطع، فلازمه حَتَّى نفد لأَهله الْقُوت، وَبلغ من فَتحه الْأَجَل الموقوت، فَأَقَامَ الصَّلَاة بمحرابه، وحياه، وَقد غير طول محياه، طول اغترابه، وبادره الطاغية قبل أَن يسْتَقرّ نصل الْإِسْلَام فِي قرَابَة، أَجله فلبى وأسرع. وَلما هدر عَلَيْهِ الفنيق، وركعت إِلَى قبْلَة المجانيق، أُصِيب بِحجر دوم عَلَيْهِ كالجارح المحلق، وانقض عَلَيْهِ انقضاض البارق المتألق، فاقتنصه واختطفه، وَعمد إِلَى زهره فقطفه، فَمضى إِلَى الله طوع نِيَّته، وصحبته غرابة المنازع حَتَّى فِي منيته. وَكَانَ لَهُ أدب قَاعد عَن مداه، وقاصر فِي جنب الْعلم الَّذِي اشتمله وارتداه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي على الْحسن بن تذاررت درة تحلى بهَا الدَّهْر العاطل، وعدة أنجزها للزمان الماطل، وغرة أطلعها الْعَصْر البهيم، وَفَائِدَة أنجبها الدَّهْر الْعَقِيم، ماشيت من خلق تدل على الْكَمَال مخايله، ومجد كرمت أواخره وأوايله، وأدب تحلت عذاراه وتبرجت عقايله. فَإِذا تنَاول الرّقاع ووشاها. وغشى الطروس من حلل بنانه وحلى بَيَانه بِمَا غشاها، ودت الخدود أَن تتمثل طرسا، والجفون السود أَن تكون لَهَا نفسا. ورد أَبوهُ ﵀ على الْبِلَاد الأندلسية، فرحبت بمقدمه عَلَيْهَا، وجلت إِفَادَة وفادته إِلَيْهَا، وفاءت بهَا ظلال معارفه الَّتِي اغترس، ودرس فِيهَا علم الْأُصُول بعد مَا درس، وَتصرف فِي الْقَضَاء تصرف الْعَدَالَة والمضا. وَنَشَأ ابْنه هَذَا كريم النشأة والبداية، مكنوفا بِظِل الْعِنَايَة، وَتصرف فِي الْقَضَاء على حَدَاثَة سنه، وغضارة عودة، وَقرب الْعَهْد بتألق سعوده، ثمَّ حث ركاب ارتحاله، وبادر عزمه بِحل عقاله، فسعد

стр. 934

سَعَادَة شَبيهَة الْقَمَر عِنْد انْتِقَاله، وَهُوَ الْآن بدولة ملك الْمغرب أيده الله، جملَة من جمل الْكَمَال، ومظنة للآمال، تغرى بثناية الألسن، ويروى من أَحَادِيثه مَا يَصح وَيحسن، وَورد على هَذِه الْبِلَاد وُرُود الْكرَى على مقلة الساهر، واحتلها احتلال النسيم بَين الأزاهر، وجمعني وإياه بعض الْأَسْفَار فِي غزوات الْكفَّار، فاجتنيت مِنْهُ الفرايد بَين فُرَادَى ومثنى، واجتليت مِنْهُ المحاسن حسا وَمعنى، وَقد أثبت من أدبه، مَا يستعير النسيم العاطل عرفه، ويحشد الرَّوْض حسنه وظرفه. وَمن ذَلِك فِي وصف القَاضِي أبي الْحجَّاج الطرطوشي روض أدب لَا تعرف الذوى أزهاره، ومجموع فضل لَا تخفى آثاره. كَانَ ﵀ صَدرا من صُدُور زَمَانه، وَمِمَّنْ تربى ترايب المهارق بجمانه، وتتحلى لباتها بقلايد عقيانه، إِلَى ظرف يستهوى النُّفُوس ويستميلها، وفكاهة تهز أعطاف الْوَقار وتجيلها، ودعابة تركض أَفْرَاس الطّرف وتجيلها، وَمَعْرِفَة فسيحة المدى، اتَّشَحَ بفضلها، وارتدى، وغبر فِي وَجه من رَاح بميدانها أَو غَدا. وَكَانَ فِي فنون الْأَدَب، مُطلق الأعنة، وَفِي مغازيه ماضى الظبا والأسنة، فَإِن هزل، وَإِلَى تِلْكَ الطَّرِيقَة اعتزل، أبرم فِي الْغَزل مَا غزل، وبذل من دنان رَاحَته مَا بذل، وَإِن صرف إِلَى الْمغرب غرب لِسَانه، وأعاره لمحة من لمحات إحسانه، أطاعه عاصيه، واستجمعت لَدَيْهِ أقاصيه، وَفد على الحضرة الأندلسية، وَالدُّنْيَا شَابة، وريح الْقبُول هابة، فَكتب عَن سلطانها، واجتلى محَاسِن أوطانها، ومدح بعض أملاكها، وعشا إِلَى أنوار أفلاكها. ثمَّ كرّ إِلَى وَطنه وَعطف، وأسرع اللحاق بجوه كالبرق إِذا خطف، فورد من الْعِنَايَة الْحِيَاض الفاهقة والنطف، وَحل رياض الْكَرَامَة فَبَصر ماشا وقطف. وَتصرف فِي الْقَضَاء بذلك

стр. 935

الرِّيف سالكا من الْأَدَب على سنَنه الظريف [ومنزعه الطريف] وَتُوفِّي على هَذَا الْعَهْد عَن سنّ عالية، وبرود من الْعُمر بالية، وَقد حلب أشطر الدَّهْر وأخلافه، وارتضع سلافه، حَتَّى أَمر عِنْده من الْعَيْش كل عذب الجنا، وبذل من الشطاط بالجنى، وَبلغ من الْمقَام بِهَذِهِ الدَّار جده. والبقاء لله وَحده. وَمن ذَلِك فِي وصف الْكَاتِب أبي الْعَبَّاس بن شُعَيْب مورد ترده الهيم فتروى، وتهوى إِلَيْهِ النُّفُوس فتجد عِنْده مَا تهوى، وَصدر لَا يخفى مَكَانَهُ، وَذخر أضاعه زَمَانه، حَاز من كل فن نَصِيبا، وَرمى إِلَى كل غَرَض سَهْما مصيبا، واستمطر كل عَارض وديمة، من الْعُلُوم الحديثة والقديمة، ففرع فِي فنونها وبهر، وحذق الطِّبّ مِنْهَا وَمهر، وَبلغ فِي صَنْعَة النَّبَات دَرَجَة الْإِثْبَات، وَرَضي بالإنتماء إِلَى الْعلم والانتساب عَن الِاكْتِسَاب، فَمَا أهمه الدَّهْر بألوانه، وَلَا ثناه عَن شانه، وعانى فِي حركته وانتقاله، مشقة اعتقاله، وخلص خلوص الحسام بعد صقاله، وَهُوَ الْآن من كتاب ملك الْمغرب، تطوى عَلَيْهِ الخناصر إِذا عدوا، ويدخر لَهُ قصب السَّبق إِذا أحضروا فِي المحاضرة واشتدوا، ورد على الحضرة فِي خدمَة لبَعض الْوُلَاة تولاها، ووجهة فرى لَهَا الفلى وفداها، فرأيته رُؤْيَة لم تنهض إِلَى المحاورة وَالْكَلَام، والمخاطبة بِمَا يجب لمثله من الْإِعْلَام، لخمود هَذَا الْبَاعِث عِنْدِي فِي الْعَهْد الْمُتَقَدّم، وَلم ألبث أَن عضضت يَد المتندم أسفا على مَا ضَاعَ من لِقَائِه، واجتلاء الفوايد من تلقائه، وَله شعر تهوى الشعرى أَن تتخذه شنفا، ونثر، تود النثرة لَو تتحلى بِهِ، وَإِن شمخت أنفًا. من ذَلِك مَا خَاطب بِهِ الشَّيْخ أَبَا جَعْفَر ابْن صَفْوَان، وَقد رمى الله بقاصية هَوَاهُ، واعتده فِي رحْلَة أنفس ذخر حواه.

стр. 936

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن عمرَان التّونسِيّ كَاتب الْخلَافَة، ومشعشع الْأَدَب المزرى بالسلافة. كَانَ ﵀ بَطل مجَال، وَرب روية وارتجال، قدم على هَذِه الْبِلَاد وَقد نبا وَطنه. وضاق بِبَعْض الْحَوَادِث عطنه، فَتلوم النسيم بَين الخمايل، وَحل فِيهَا مَحل الطّيب من الوشاح الجايل، ولبث مُدَّة إِقَامَته تَحت جراية وَاسِعَة، ومبرة يانعة، ثمَّ آثر قطره، فولى وَجهه شطره، واستقبله دهره بالإنابة، وقلده رياسة الْكِتَابَة، فاستقامت حَاله، وحطت رحاله. حَدثنِي من عَنى بأخباره أَيَّام مقَامه بريه، واستقراره، أَنه لَقِي بِبَاب الملعب من أَبْوَابهَا ذَات لَيْلَة ظَبْيَة من ظباء الْأنس، وفتنة من فتن هَذَا الْجِنْس، فَخَطب وصالها، وَاتَّقَى بمهجته نصالها، حَتَّى هَمت بالانقياد. وانعطفت انعطاف الْغُصْن المياد، وَأبقى على نَفسه وَأمْسك، وأنف من خلع العذار بعد مَا تنسك. وَفِي وصف أبي عبد الله بن عبد الْملك من أهل مراكش وقور أفرط حَتَّى أثقل، وقريع مجد مَسّه الِاحْتِيَاج فتنقل، رَحل من بَلَده مراكش لما جف حَوْضه، وصوح روضه، وَاتخذ ريه دَارا، واختارها قرارا، وَجَرت عَلَيْهِ جراية تبلغ بهَا، وارتفد بِسَبَبِهَا، رعيا لِأَبِيهِ، واحتراما لبيته النبيه. وَقد كَانَ أَبوهُ ﵀ قَاضِيا صَدرا فِي عصره، وبدرا فِي هَالة قطره، رحب المجال، نَسِيج وَحده معرفَة بطرق الحَدِيث وَأَسْمَاء الرِّجَال، متبحرا فِي عُلُوم الْآدَاب، منتدبا لإِقَامَة رسم المعارف كل الانتداب، وَابْنه هَذَا متمسك من الْآدَاب بأذيالها، معزى بإدارة جريالها، إِلَى سرو عميم، ووفاء يثنى كل صديق لَهُ وحميم، وَلما تقلدت هَذِه الْبِلَاد بتقييد أرزاق الأجناد بادرت إِلَى تَقْدِيم واجبه، وإيثار جَانِبه.

стр. 937

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق الحسناني من أهل تونس شَاعِر لَا ينضب طبعه، وَلَا يقفر ربعه، قصد الْمُلُوك وانتجع، وهدل فِي أفنان أمداحها وسجع، وتجرأ على افتحام دسوتها، وولوح بيوتها، وَقدم على هَذِه الْبِلَاد. فأعجب الأدباء بإكثاره، وانقياد نظامه وشاره، وتنوفس فِي إيثاره. ثمَّ استرسل طوع لذاته، وسعى فِي جلب الْمَكْرُوه إِلَى ذَاته، ونمى إِلَيْهِ قيل وَقَالَ، ناله بِهِ اعتقال. ثمَّ تكَرر على هَذِه الْبِلَاد، وَقد تبدلت تِلْكَ الدولة وخمدت تِلْكَ الصولة، فَتلقى بإقبال، وهبت لَهُ ريح اهتبال، ثمَّ حركه الشوق إِلَى بَلَده، فَبلغ نَوَاه إِلَى أمده، وَقد أثبت من شعره مَا يدل على استرسال لِسَانه، واقتداره على الْكَلَام من جَمِيع جهاته. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله المكودي من أهل فاس شَاعِر لَا يتعاطى ميدانه، ومرعى بَيَان رق غضاه وأينع سعدانه، يَدْعُو الْكَلَام فيهطع لداعيه، وَيسْعَى فِي اجتلاب الْمعَانِي فتنجح مساعيه، غير أَنه أفرط فِي الانهماك، وَهُوَ إِلَى بطن السَّمَكَة من أوج السماك. قدم على هَذِه الْبِلَاد مفلتا من رهق تلمسان حِين الْحصار، صفر الْيَمين واليسار من الْيَسَار، فل هوى أنحى على طريفه وتلاده، وَأخرجه من بِلَاده. وَلما جد بِهِ الْبَين وَحل هَذِه الحضرة بِحَال تقتحمها الْعين، وَالسيف بهزته لَا يحسن بزته، دعوناه إِلَى مجْلِس أَعَارَهُ الْبَدْر هَالة، وخلع عَلَيْهِ الأهيل غلالة، وَروض تفتح كمامه، وهما عَلَيْهِ غمامة، وكأس أنس تَدور فتتلقى نجومها البدور. وَلما ذهبت المؤانسة بخجله، وتذاكر هَوَاهُ وَيَوْم نَوَاه، حَتَّى خفنا حُلُول أَجله، جبلنا للمذاكرة زمامه، واستسقينا مِنْهَا أغمامه، فأمتع وأحسب، وَنظر وَنسب، وَتكلم فِي المسايل، وحاضر بِطرف الأبيات وعيون الرسايل، حَتَّى نشر الصَّباح رايته، وأطلع النَّهَار رايته.

стр. 938

وَمن ذَلِك فِي وصف الأديبة أم الْحُسَيْن بنت أَحْمد الطنجالي [من بلد] لوشة ثَالِثَة حَمده وولاده، وفاضلة جمعت الْأَدَب والمجادة، وتقلدت المحاسن قبل القلادة، وأولدت أَبْكَارًا الأفكار قبل سنّ الْولادَة. نشأت فِي بَيت أَبِيهَا، لَا يدّخر عَنْهَا تدريجا وَلَا تَنْبِيها حَتَّى نبض إِدْرَاكهَا، وَظهر فِي المعارف حراكها، ودرسها الطِّبّ ففهمت أغراضه، وَعلمت أَسبَابه وأعراضه، وَلم يزل يتعهدها بالتعليم والتخريج، وينقلها بِحسن التدريج حَتَّى نظمت الْكَلم وداوت بالسبك المعنه الْأَلَم، وَلما قدم أَبوهَا من الْمغرب، وَتكلم بخبرها الْمغرب، توجه بعض الصُّدُور إِلَى اختبارها، ومطالعة أَخْبَارهَا، فاستنبل أغراضها واستحسنها، واستظرف لسنها، وسألها عَن الْخط، وَهُوَ أكسد بضَاعَة جلبت وأشح درة حلبت فَأَنْشَدته من نظمها مَا ثَبت فِي التَّاج. انْتهى مَا تمّ اخْتِيَاره من كتاب التَّاج الْمحلى فِي مساجلة الْقدح الْمُعَلَّى

стр. 939

وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي " الأكليل الزَّاهِر فِيمَن فضل عِنْد نظم التَّاج من الْجَوَاهِر " فِي وصف الْخَطِيب أبي عبد الله الساحلي الحمالقى الولى، نفع الله بِهِ عَابِد لَا يفتر عَن عِبَادَته، وَولى ظَهرت عَلَيْهِ أنوار سعادته. لم يدع وقتا من عمره إِلَّا عمره وَلَا دوحا من الذّكر إِلَّا جنى ثمره، فَضربت عَلَيْهِ الركايب أَرْبَاب السلوك، وَعظم فِي قُلُوب الْأُمَرَاء والملوك، وخطب للسفارة فِي صَلَاح ذَات الْبَين، واتصال أهل العدوتين. وَأما الخطابة فَكَانَ من فرسانها وَذَوي إحسانها، يعبر عَن الوقايع وَالْأَحْوَال. بمختلفات الْأَقْوَال فِي أسلوب جهير، ومقام شهير. وَله خلف متسم بِالْخَيرِ والعفاف، متصف من الدّيانَة بِأَحْسَن الْأَوْصَاف. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر الشاطبي الشَّيْخ القَاضِي أَبُو جَعْفَر رَحْمَة الله، شيخ طَالَتْ مصاحبته للنِّسَاء، ومصابحته للإصباح والإمساء، طالما نظر بَين قوى ومسكين، وَذبح بِغَيْر سكين. يقْضِي عمره فِي الْحُقُوق، ويهب بَين الرعود والبروق، قطع فِي ذَلِك زَمَانه، وبذ أقرانه، واكتسب مَالا، وَبلغ فِي الدَّهْر آمالا. ثمَّ أوبقته أشراك الْحمام، وكل شَيْء فَإلَى تَمام. وَله شعر تلوح عَلَيْهِ من الْحسن مسحة، وتنم عَنهُ للطرف نفحة. وَمن ذَلِك فِي وصف الْخَطِيب أبي على الْقرشِي شهَاب فِي أفق الدّين متألق، وَسَهْم على فريسة النجَاة محلق، وعارف بأخلاق الرِّجَال متخلق، كثير الانقباض، [معرض عَن الْأَعْرَاض] كلف بِمَا للْقَوْم من الْمَقَاصِد والأغراض، ملازم كسر بَيته [على ذكر] يردده، ولباس أخلاص

стр. 940

على الأحيان يجدده، وَسَهْم يحث إِلَى هدف تِلْكَ الْأَسْرَار يسدده، فَإِذا تردد إِلَى الْمَسْجِد الْأَعْظَم مَحل إِمَامَته ومسحب غمامته، انثال النَّاس على أَطْرَافه فِي قَصده وانصرافه، فتسعهم بشاشة لقايه، وتحييهم بركَة دعايه. وَمضى لسبيله صَدرا من صُدُور الصَّالِحين , وعلما من أَعْلَام عباد الله المفلحين. وَكَانَت جنَازَته مثلا فِي الاحتشاد لَهَا، والاحتفال، وعنوانا على الْعِنَايَة من ذِي الْجلَال. وَمن ذَلِك فِي وصف القَاضِي أبي عَمْرو بن مَنْظُور صَاحب نظر وَبحث، ومعاطاة الأكواس الْفُنُون وحث، لَا يزَال يفري أديمها وَيجمع حَدِيثهَا وقديمها، وَهُوَ أحد أَعْلَام هَذَا الْقطر، أولى المكانة الرفيعة والخطر، ولى قَضَاء ريه غير مَا مرّة فساس وسدد، وَأسسَ ومهد، وجدد من سنَن الْفُضَلَاء مَا جدد، إِلَى مجْلِس ممتع، وَمِنْهُم إِلَى الغوامض والعلوم مسرع، ودرس بِمَا يتشوف إِلَيْهِ طَالب الْعلم مُتَبَرّع، ودعابة تنْقَلب من خلال وقاره، وتغالب على مِقْدَاره، وشعره قَلِيل جدا، لم يضْربهُ هزلا وَلَا جدا، إِلَّا أنني رَأَيْت بِخَطِّهِ أبياتا من نظمه على ظهر فهرست الْوَزير أبي بكر بن الْحَكِيم. وَمن ذَلِك فِي وصف الْخَطِيب أبي الطَّاهِر بن صَفْوَان المالقى علم من أَعْلَام هَذِه الْبقْعَة، ورخ من رخاخ هَذِه الرقعة، اقتفى أثر الصَّالِحين واقتصه، واقتدى من تولاه الله واختصه، فَلَو تمثل الْخَيْر لَكَانَ شخصه، ظَهرت عَلَيْهِ بَرَكَات مَكَّة وَالْمَدينَة، فَلبس شعار السكينَة، وتواضع على الرُّتْبَة المكينة، وَحصل من أسرار الْقَوْم على الدرة الثمينة، فَكَانَ يتَكَلَّم على مصنفاتهم، ويتصف بصفاتهم، فَيَأْتِي بالعجاب فِي فك الرموز وإيضاحها، ويتحف مِنْهَا الصَّدْر بانشراحها، حضرت مَعَه غير مَا مرّة، فراقني محضره، وبهر فِي تِلْكَ الْمعَانِي نظره. وَمن نظمه ﵀، وَكَانَ لَا ينتحل النّظم وَلَا يتعاطاه، وَلَا يحث فِيهِ خطاه.

стр. 941

وَمن ذَلِك فِي وصف الشَّيْخ أبي عبد الله الطرطوشي مَعْدُود فِي الصُّدُور، ومنظوم فِي الشذور، ومحسوب فِيمَن أطلعته آفَاق هَذِه الدّور، من النُّجُوم المشرقة والبدور، ينظر فِي مَعْقُول ومنقول، ويستظهر على المشكلات بفرند ذهن مصقول، إِلَى خطّ وظرف، وفكاهة كالروض فِي مرأى وَعرف، موقى من الْبر سناما، وَلَقي من الدولة النصرية إِكْرَاما، إِلَى أَن فسد مَا بَين مدبرها ابْن المحروق وَبَينه، ونحيت لَهُ عَنهُ هَنَات أوغرت صَدره، وأقدت عينه، فغربه بعد مَا قربه، وجفاه من بعد مَا اصطفاه، فجم فِي الاغتراب حِينه، وَاقْتضى فِي بعض الْبِلَاد الإفريقية دينه، وَكَانَ لَا ينتحل الشّعْر بضَاعَة، وَلَا يعول عَلَيْهِ صناعَة، وَرُبمَا رمى غَرَضه فَأصَاب، واستمطر لَهُ غمام معارفه فَأصَاب. وَمن ذَلِك فِي وصف الفقية أبي عبد الله بن الْحَاج من أهل مالقة شَاعِر اتخذ النّظم بضَاعَة، وَمَا ترك السَّعْي فِي مذاهبه سَاعَة، أجْرى فِي الملا لَا فِي الخلا، وَجعل دلوه فِي الدلا، وركض فِي حلبة النجباء والنجايب، وَرمى بَين الخواطر بِسَهْم صائب، فَخرج بهرجه ونفق، وارتفد بِسَبَبِهِ وارتفق. وَهُوَ الان قد سالمته السنون، وكأنما أَمن الْمنون، وَهُوَ رجل مكفوف الْأَذَى، حسن الْحَالة، إِلَّا إِذا هذى. وَمن ذَلِك فِي وصف الشَّيْخ الْوَزير أبي عَليّ بن غفرون شيخ خدم، فَأم لَهُ الدَّهْر فِيهَا على قدم، وَصَاحب تَعْرِيض ودهاء عريض. أَصله من حصن منتفريد حرسه الله، خدم الدولة النصرية عِنْد انتزاء أَهله، وَكَانَ مِمَّن اسْتَنْزَلَهُمْ من حزنه إِلَى سهله، وَحكم الْأَمر العلى فِي يافعه وكهله، فاكتسب حظوة أرضته، ووسيلة أرهقته وأمضته، حَتَّى عظم جاهه وَمَاله، وبسقت آماله. ثمَّ دالت الدول، وتنكرت أَيَّامه الأول، وتغلب من يجانسه، وشقي بِمن كَانَ ينافسه، فجف عوده، والتأثت سعوده، وَهلك والخمول بعله، والدهر يقوته

стр. 942

من صبَابَة حرث كَانَ يستغله. وَكَانَ لَهُ شعر لم يثقفه النّظر، وَلَا وضحت مِنْهُ الْغرَر، كتب إِلَى السُّلْطَان أَمِير الْمُسلمين منفق سوق خدمته، ومتعهده بنعمته، يطْلب تَجْدِيد بعض عناياته. وَمن ذَلِك فِي وصف الْوَزير الْكَاتِب أبي عبد الله بن عِيسَى من أَعْلَام هَذَا الْفَنّ، ومشعشعى رَاح هَذَا الدن. مَجْمُوع أدوات، وَفَارِس فَلم ودوات، ظريف المنزع، أنيق المرأى والمسمع. اقتنص الرياسة، فأدار فلك إمارتها، واتسم باسم كتَابَتهَا ووزارتها، ناهضا بالأعباء، راقيا فِي درج التَّقْرِيب والاجتباء، مصانع دهره فِي رَاح وراحة، آويا إِلَى فضل وسماحة، وخصب ساحة، فَكلما فرغ من شَأْن خدمته، وَانْصَرف عَن رب نعْمَته، عقد شربا، وأطفأ من الاهتمام بِغَيْر الْأَيَّام حَربًا، وَعَكَفَ على صَوت يستعيده، وظرف يبديه ويعيده. فَلَمَّا تقلبت بالرياسة الْحَال، وقوضت مِنْهَا الرّحال، اسْتَقر بالمغرب غَرِيبا، يقلب طرفا مستريبا، وتلحظه الدُّنْيَا تبعة عَلَيْهِ وتثريبا، وَإِن كَانَ لم يعْدم من أمرايها حظوة وتقريبا. وَمَا برح ينوح بشجنه، ويرتاح إِلَى عهود وَطنه. وَمن ذَلِك فِي وصف الْكَاتِب أبي بكر بن العريف بَقِيَّة الظّرْف من كتاب ديوَان الْحساب، إِلَى نفس صَافِيَة من الكدر، وَصدر طيب الْورْد والصدر، ودوحة عهد تندى أوراقها، ومشكاة فضل يسطع إشراقها. تمسك برضاع الكأس، يرى ذَلِك من حسن عَهده، وَقسم لحظاته بَين آس الرياض وورده. فَلَمَّا حوم حمامه للوقوع، وَكَاد يقوض رَحْله عَن الربوع، وَشعر بحبايل الْمنية تعتلقه، وسرعان خيل الْأَجَل ترهقه، أقلع عَن فنه، وَأمر بسفك دنه، ولجأ إِلَى الله بأوبته، وَغفر ان حوبته. فَكَانَ ذَلِك عنوان الرِّضَا،

стр. 943

وعلامة عَفْو الله عَمَّا مضى، دخلت عَلَيْهِ فِي مَرضه، وأشرت بِاسْتِعْمَال الدَّوَاء الْمُسَمّى بلحية التيس عِنْد الْأَطِبَّاء، وَاسْتَعْملهُ فَوجدَ بعض خفَّة، فأنشدني فِي ذَلِك من نظمه مَا ثَبت فِي الْكتاب الْمَذْكُور. وَمن ذَلِك فِي وصف للشَّيْخ أبي عبد الله المتأهل كَيفَ الْحَاشِيَة، مَعْدُود فِي جنس السايمة والماشية، تليت على الْعمَّال بِهِ سُورَة الغاشية، تولى الأشغال السُّلْطَانِيَّة، فذعرت الجباة لولايته، وَقَامَت قيامتهم لطلوع آيَته، وقنطوا كل الْقنُوط، وَقَالُوا جَاءَت الدَّابَّة تكلمنا، وَهِي إِحْدَى الشُّرُوط من رجل هايم الجفوة، بعيد عَن المصانعة والرشوة، يتَجَنَّب النَّاس، وَيَقُول عِنْد المخاطبة الأساس، وعَلى مساحته ونجهه، وتجهم وَجهه، فَكَانَ خالطا إساءته بإحسانه، مشتغلا بِشَأْنِهِ، غاضا من عنان لِسَانه، عهدي بِهِ فِي الْأَعْمَال يقدر فِيهَا وَيُدبر، ويترجم، ويعبر، ويحيط، ويبثر. وَمَعَ ذَلِك يكبر، وَيحسن من الأزمة ويقبح، وَهُوَ مَعَ ذَلِك يستح وَلما شرع فِي الْبَحْث والتنقير، والمحاسبة على القطمير والنقير، أَتَاهُ قَاطع الْأَجَل يحث ركابه، بأقصى الْعجل. وصدرت عَنهُ أَبْيَات خضم فِيهَا وقضم، وَحصل تَحت الْقدر الْمُشْتَرك مَعَ من نظم. وَفِي وصف الشَّيْخ أبي عبد الله بن ورد كودن حلبة الْآدَاب، وسنور عبد الله بيع بقيراط لما شَاب. هام بوادي الشّعْر مَعَ من هام، واستمطر مِنْهُ الجهام، فجَاء بِأَبْيَات أوهن من بَيت العنكبوت نسجا، ومقاصد لَا تبين قصدا وَلَا نهجا. وَله بَيت معمور بقضاة أكَابِر، فرسَان أَقْلَام ومحابر، وعمال قادوا الدَّهْر بأزمة أزمتهم، وقرعوا الزهر بهمتهم، وتكاثرت عَلَيْهِ ﵀ الإحن، وتعاورته المحن، وَتصرف آخر عمره فِي بعض الْأَعْمَال المخزنية، فتعلل بنزر الْقُوت إِلَى الْأَجَل الموقوت.

стр. 944

وَمن ذَلِك فِي وصف الشَّيْخ أبي عبد الله الْعِرَاقِيّ الْوَادي آشي مَعْدُود فِي وقته من أدبائه، ومحسوب فِي أَعْيَان بَلَده وحسبايه، كَانَ ﵀ من أهل الْعَدَالَة وَالْخَيْر، سايرا على مَنْهَج الاسْتقَامَة، أحسن السّير، وَله أدب لَا يقصر عَن السداد، وَإِن لم يكن بطلا، فَمِمَّنْ يكثر السوَاد، وَقد أثبت لَهُ مَا عثرت عَلَيْهِ، مِمَّا ينْسب النَّاس إِلَيْهِ. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر الجوال المالقي معتر غير قَانِع، ومنتجع كل هشيم ويانع، نَشأ بِبَلَدِهِ مالقة، أبرع من أورد البراعة فِي نفس، وهز غصنها فِي رَوْضَة طرس، إِلَّا مَا كَانَ من سخافة عقله، وقعوده تَحت الْمثل أخبر تقله، لَا يرتبط إِلَى رُتْبَة، وَلَا ينتمي إِلَى عصبَة، وَلَا يتلبس بسمت، وَلَا يَسْتَقِيم من أمت، أَخْبرنِي من عني بِخَبَرِهِ، وَذكر عبره من صباه إِلَى كبره، أَنه رشح فِي بعض الدول، وَعرض لِاكْتِسَابِ الْخَيل والخول، وخلعت عَلَيْهِ كسْوَة فاخرة وشارة بزهر الرياش ساخرة، فانقاد طوع حرمانه، ونبذ صَفْقَة زَمَانه، وَحمله فرط النهم على أَن ابْتَاعَ فِي حجرها طَعَاما كثير الدسم، وَأَقْبل وأذياله مِنْهُ تقطر بِاللَّبنِ الأشطر، فطرد ونبذ، وَطرح بعد مَا حبذ، لَقيته بمالقة، وَقد تغلبت عَلَيْهِ زمانة عَيْنِيَّة، وَسقط فِي يَدَيْهِ، فانتابني بأمداحه وتعاورني بأجاجه وقراحه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن الوراد المالقي أديب نَار فكره يتوقد، وأديب لَا يعْتَرض كَلَامه وَلَا ينْقد. أما الْهزْل فَهُوَ طَرِيقَته المثلى، ركض فِي ميدانها وجلى، وطلع فِي أفقها وتجلى، فَأصْبح علم أعلامها، وعابر أحلامها. إِن أَخذ بهَا فِي وصف الكاس، وَذكر الْورْد والآس، وألم بِالربيعِ وخصله، والحبيب وَوَصله، وَالرَّوْض وطيبه، والغمام وتقطيبه،

стр. 945

شقّ الْجُيُوب طَربا [وعَلى النُّفُوس إربا وَضَربا، وَإِن أشْفق لاعتلال العشية، فِي فرش الرّبيع المواتية] ثمَّ تعداها إِلَى وصف الصبوح، وأجهز على الزق الْمَجْرُوح وَأَشَارَ إِلَى نغمات الْوَرق [يرفلن فِي الْحل الزرق] وَقد اشتعلت فِي غير اللَّيْل نَار الْبَرْق، وطلعت بنود الصَّباح فِي شرفات الشرق، سلب الْحَلِيم وقاره، وَذكر الخليع كأسه وعقاره، وحرك الأشواق بعد سكونها وأخرجها من وَكَونهَا بِلِسَان يتزاحم على مورد الخبال، ويتدفق من حَافَّاته الْأَدَب السيال، وَبَيَان يُقيم أود الْمعَانِي، ويشيد مصانع اللَّفْظ محكمَة المباني، ويكسو حلل الْإِحْسَان جسوم المثالث والمثاني، إِلَى نادرة لمثلهَا يشار، ومحاضرة يجنى بهَا الشهد ويثار، وَقد أثبت من شعره الْمغرب، وَإِن كَانَ لَا يتعاطاه إِلَّا قَلِيل وَلَا يجاوره إِلَّا تعليلا، أبياتا لَا تَخْلُو من مسحة جمال على صفحاتها، وَهبة طيب تنم فِي نفحاتها. وَمن ذَلِك فِي وصف الأديب أبي الْأصْبع عَزِيز بن مطرف طريف السجية، كثير الأريحية، ارتحل من لورقة فتحهَا الله، وَاتخذ المرية دَارا، وَألف بهَا استقرارا إِلَى أَن دَعَاهُ بهَا داعيه، وَقَامَ فِيهَا ناعيه، ﵀، أنشدنا الْحَكِيم أَبُو عبد الله بن حُبَيْش من شعره، قَالَ أَخَذته عَن مغن ينشده، فَقلت بِهِ الثِّقَة. وَمن ذَلِك فِي وصف الأديب أبي عبد الله بن فَضِيلَة شيخ أخلاقه لينَة، وَنَفسه كَمَا قيل فِي نفس الْمُؤمن هينة، ينظم الشّعْر عذبا مساقه، محكما اتساقه، على فاقة، وَحَال مَا لَهَا من إفاقة. أنْشد الْمقَام الْكَرِيم بِظَاهِر بَلَده قصيدة، اسْتغْرب مِنْهَا منزعها، واستعذب من مثله مشرعها. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم الورشيدي من أَئِمَّة أهل الزِّمَام، خليق برعى المتات والذمام، [ذُو خطّ كَمَا تفتح

стр. 946

زهر الكمام] وأخلاق أعذب من مَاء الْغَمَام، كَانَ بِبَلَدِهِ ﵀ بدار إشرافه محاسبا، ودرا فِي لجة الإغفال راسبا، صَحِيح الْعَمَل، يلبس الطروس من براعته أَسْنَى الْحلَل. وَله شعر لَا بَأْس بِهِ، وَلَا خَفَاء بِفضل مذْهبه. وَمن ذَلِك فِي وصف القَاضِي أبي بكر بن مَنْظُور عَظِيم الهشة، حسن اللقا، أعزب فِي حسن المداراة من العنقا، اسْتمرّ عمره بتسديد الحكم، وصبر على حجج الصم والبكم، وأفرط فِي هشته وهزته، وتنزل عَن نخوة الْقَضَاء وعزته. وَله سلف فِي الْقَضَاء عالي المراقب، مُزَاحم النَّجْم الثاقب، وَقد أثبت من شعره مَا تيَسّر إثْبَاته، وَنجم بروض هَذَا الْمَجْمُوع نَبَاته. وَمن ذَلِك فِي وصف القَاضِي أبي جَعْفَر بن برطال قَاض توارث كل جلالة، لَا عَن كَلَالَة، وَجمع فِي الْعلم والحسب، بَين الْمَوْرُوث والمكتسب. أشرف بجيد معم فِي الْعَشِيرَة مخول، وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ مقاليدها من مَنْقُول ومتأول، إِلَى نزاهة لَا تعزها الْبَيْضَاء وَلَا الصَّفْرَاء، وحلم لَا تستهويه السّعَايَة، وَلَا يستفزه الإغواء، ووقار يستخف الْجبَال الراسية، وَنظر يكْشف الظُّلم الغاشية. تولى قَضَاء الحضرة، فأنفذ الْأَحْكَام وأمضاها، وسام سيوف الجزالة وامتضاها. وَلبس أَثوَاب النزاهة والانقباض، فَمَا نضاها. وسلك الطَّرِيق الَّتِي اخْتَارَهَا السّلف وارتضاها، وَاجْتمعت الْأَهْوَاء المفترقة عَلَيْهِ، وَصرف الثنا أَعِنَّة الألسن إِلَيْهِ، ثمَّ كرّ إِلَى بَلَده وَاسْتقر خَطِيبًا بقرارة أَهله وَولده. وَمن ذَلِك فِي وصف الْفَقِيه أبي عَامر بن عبد الْعَظِيم منتم إِلَى معرفَة، متصف من الذكاء بِأَحْسَن صفة، أَقرَأ بِبَلَدِهِ علم اللِّسَان، وَمَا حاد عَن الْإِحْسَان، وعانى الشّعْر فنظم قوافيه، وَمَا تكلّف فِيهِ، وعَلى غزارة

стр. 947

مادته، ووضوح جادته، فشعره قَلِيل البشاشة، ذَاهِب الحشاشة، وَذُو الْإِكْثَار، كثير العثار. وَله سلف يَخُوض فِي الْحَقَائِق، وينتحل بعض الْكَلَام الرَّائِق. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عُثْمَان الغلق منتم بدين وعفة، آو إِلَى نفس بِالْعرضِ الْأَدْنَى مستخفة، مِمَّن ينْزع إِلَى سلوك ورياضة، وَيفِيض فِي طَرِيق الْقَوْم بعض إفَاضَة. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عُثْمَان بن أبي عُثْمَان مِمَّن يتشوف إِلَى المعارف والمقالات، ويرتاح إِلَى الْحَقَائِق والمحالات، ويشتمل على نفس رقيقَة، ويسير من تَعْلِيم الْقُرْآن على خير طَريقَة، ويعاني من الشّعْر مَا يشْهد بنبله، ويستظرف من مثله. وَمن ذَلِك فِي وصف الْمقري أبي الْقَاسِم الجزالي مشمر فِي الطّلب عَن سَاق، مثابر على اللحاق بدرجات الحذاق، منتحل للعربية جاد فِي إحصاء خلَافهَا، ومعاطاة سلافها. وَرُبمَا شرست فِي المذاكرة أخلاقه، إِذا بهرجت أعلاقه، ونوزع تمسكه بِالْحجَّةِ واعتلاقه، ورحل إِلَى الْمغرب فاستجدى بالشعر سُلْطَانه، ثمَّ رَاجع أوطانه. وَمن ذَلِك فِي وصف الْفَقِيه الصُّوفِي أبي جَعْفَر العاشق منتم إِلَى زهد، باذل فِي التمَاس الْخَيْر كل جهد. نظمه لَا يَخْلُو من حلاوة، ومعانيه فِي طَرِيقه عَلَيْهَا بعض طلاوة. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم الساحلي كَاتب سجلات لَا يساجل فِي صِحَة فصولها، وتوقيع فروعها على أُصُولهَا، وَكلما طلب بالنظم القريحة، وأعمل الفكرة الصَّرِيحَة، مَعَ إقلاله، وَعدم استعجاله، أجابت ولبت، وتنسمت رياحها وهبت.

стр. 948

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم عبد الله بن الطبيخ عدل، وَمِمَّنْ لَهُ وقار وَفضل، متسم بخيرية، مُشْتَمل بِصِفَات مرعية، يلم بالنظم فِي الطَّرِيقَة الصُّوفِيَّة. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن قيس مِمَّن يرْكض مركب الطيش، ويأوى بعد الْجهد إِلَى شظف الْعَيْش، منقبض عَن الْخلق، سالك من التمعش بالتعليم أفضل الطّرق، لَا يعْدم مَعَ ذَلِك حملا عَلَيْهِ، وتسببا فِي مواجدته إِلَيْهِ، قصدني وَقد نبابة الوطن، وضاق مِنْهُ للتغرب العطن، يطْلب مني شَفَاعَة إِلَى بعض الْقُضَاة مِمَّن كَانَ يَطْلُبهُ، وَيقبل فِيهِ شَهَادَة من يثلبه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن السكاك الغرناطي متسور على بيُوت القريض، فِي الطَّوِيل من الْكَلَام والعريض، جَامع مِنْهَا بَين الصَّحِيح وَالْمَرِيض، مِمَّن أطاعه براعة الْخط، وسلمت لقضب أقلامه رماح الْخط. عانى كِتَابَة الشُّرُوط لأوّل أمره وَلَحِقتهُ محنة من محن دهره. وَهُوَ الْآن يشْهد من الْأُمُور المخزنية فِي بعض الألقاب، ويلازم دَار الْحساب. وَمن ذَلِك فِي وصف الْوَزير أبي جَعْفَر بن المراني صَاحب طبع يحثه، وشجو لَا يزَال يبثه، وناطق متوقد، وفكر لزوايا الظنون متوقد. خدم فِي كبار الْأَعْمَال، وقاد أزمة الْأَمْوَال، وترقى فِي الْبسَاط السلطاني. رتبا رفيعة المنال، ولسلفه فِي الخدم الْعلية الاشتهار، والبراعة الْوَاضِحَة كَمَا وضح النَّهَار، والظرف الَّذِي تحسده الأزهار، وشعره وَاضح السهولة، جَار على المآخذ المقبولة.

стр. 949

وَمن ذَلِك فِي وصف الْحَاج أبي عبد الله الشَّديد شَاعِر مجيد حرك الْكَلَام، وَلَا يقصر عَن دَرَجَات الْأَعْلَام. رَحل إِلَى الْحجاز لأوّل أمره، وَجدّة عمره، فطال بالبلاد المشرقية ثواؤه، وعميت أنباؤه. وعَلى هَذَا الْعَهْد وَقعت على قصيدة بِخَطِّهِ غرضها نبيل. ومرعاها غير وبيل، تدل على نفس وَنَفس، وإضاءة قبس. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن الرعيني يَخُوض فِي الْأَدَب، ويتمسك مِنْهُ بِبَعْض السَّبَب، وَعذر مثله وَاضح الْمَذْهَب وَهُوَ رجل صَالح، وَمذهب فِي الْفضل وَاضح. وَمن ذَلِك فِي وصف الْفَقِيه الْخَيْر أبي عبد الله السكان الأندرشي لبق ذكي، طبعه غير بكي، سكن الْبَادِيَة إِمَامًا، وَأقَام بهَا أعواما، وَله فِي ذَلِك مقامة جلت عَن الظّرْف مقَاما، واستوفت من الذكاء أقساما. وَمن ذَلِك فِي وصف الْعدْل أبي عبد الله الْقطَّان مِمَّن نبغ ونجب، وَحقّ لَهُ الْفَصْل بِذَاتِهِ وَوَجَب. تحلى بوقار، وشعشع للأدب كأس عقار، إِلَّا أَنه اخترم فِي اقتبال، وَأُصِيب للأجل بتبال. وَمن ذَلِك فِي وصف الْوَزير أبي عبد الله بن شلبطور مَجْمُوع شعر وَخط، وذكا عَن دَرَجَة الظرفاء غير منحط. إِلَى مجادة أثيلة الْبَيْت، شهيرة الْحَيّ وَالْمَيِّت، نَشأ فِي حجر الشّرف وَالنعْمَة، محفوفا بالمالية الجمة، فَلَمَّا عقل عَن ذَاته، وترعرع بَين لداته، ركض خُيُول لذاته، فَلم يدع مِنْهَا ربعا إِلَّا أقفره، وَلَا عقارا إِلَّا عقره، حَتَّى حط بساحلها، وَاسْتولى بسفر الأنفاق على جَمِيع مراحلها، إِلَّا أَنه خلص بِنَفس طيبَة، وسراوة سماؤها صيبة، وتمتع مَا شَاءَ من زير ويم، وَأنس لَا يعْطى القياد لَهُم، وَفِي عَفْو الله سَعَة، وليسر مَعَ التَّوَكُّل عَلَيْهِ ضعة.

стр. 950

وَمن ذَلِك فِي وصف الْعدْل أبي عبد الله بن مُشْتَمل البلياني مِمَّن يعد ويحسب، ويمنى إِلَى الْفضل وينسب. أدواته بارعة، وخصاله فارعة، من خطّ طريف وأدب وتأليف. وَمن ذَلِك فِي وصف الْمُؤلف سلمَان انتسابي، وبالمعارف الأدبية اكتسابي، وَإِلَى الْعُلُوم مُنْذُ نشأت ارتياحي، وَفِي حلبة أَرْبَاب النّظر مغداى ومرامي، على نِهَايَة من ترف النشأة وَعز البدأة، إِلَى أَن اشْتَمَلت على الدولة النصرية اشتمالا، ونظمتني بَين بذورها الكوامل هلالا، فسموت فِي رتب اعتنائها حَالا فحالا، وتأثلت ماشيت جاها ومالا، وَجعلت مُشَاركَة الْخلق ثمالا، فَأَنا الْيَوْم وَالْحَمْد لله، ثمَّ لَهَا، عُطَارِد فلكها، وزبرقان حلكها، وَدَلِيل مسلكها، أقوم بَين يَدي سريرها. والوفود قعُود، وأجلو الْغَيْم عَن شمسها، والجو بروق ورعود، وأبادر نداءها إِن كَانَت هيعة. وَأمْسك مِنْهَا الْيَمين إِن هَمت بتجديد بيعَة. فَمن اختال فِي حلل هَذَا التشريف، غنى عَن التَّعْرِيف. وَأما شعري فِي امتداحها فَمثل سَائِر، وطائر فِي الْآفَاق مَيْمُون الطَّائِر. وَأما كتابتي عَنْهَا فأبهى من وُجُوه البشاير. وَأحلى من الشهد فِي يَد الساير نَسْتَغْفِر الله فَهَذَا مقَام من نأي عَن جنسه، وَرَضي عَن نَفسه، كم دون ذَلِك من تَقْصِير، يَبْدُو لعين ناقد وبصير. ستر الله عيوبنا، وبلغنا من كَمَال السَّعَادَة الأدبية مطلوبنا، بمنه. وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن سَلمَة الْكَاتِب فَارس خِصَال حميدة، وراشق إِلَى هدف الْإِصَابَة بسهام سديدة، فَإِن جلا فِي المهارق أحسانه، وأعمل فِي الرّقاع بنانه، حسد عُطَارِد طرفه، وحدق المُشْتَرِي إِلَى تِلْكَ البضاعة طرفه. دعى إِلَى الْكِتَابَة فاقتعد مطاها، وأدار كؤؤسها وعطاها. وَلم يزل. يجيل جياده فِي كل ميدان، ويبدي براعته مَا لَيْسَ لسواه بِمثلِهِ يدان،
следующие страницы →