Полный текст (979 стр.). Показаны 946–979 · переход к 951.
стр. 946
زهر الكمام] وأخلاق أعذب من مَاء الْغَمَام، كَانَ بِبَلَدِهِ ﵀ بدار إشرافه محاسبا، ودرا فِي لجة الإغفال راسبا، صَحِيح الْعَمَل، يلبس الطروس من براعته أَسْنَى الْحلَل. وَله شعر لَا بَأْس بِهِ، وَلَا خَفَاء بِفضل مذْهبه.
وَمن ذَلِك فِي وصف القَاضِي أبي بكر بن مَنْظُور
عَظِيم الهشة، حسن اللقا، أعزب فِي حسن المداراة من العنقا، اسْتمرّ عمره بتسديد الحكم، وصبر على حجج الصم والبكم، وأفرط فِي هشته وهزته، وتنزل عَن نخوة الْقَضَاء وعزته. وَله سلف فِي الْقَضَاء عالي المراقب، مُزَاحم النَّجْم الثاقب، وَقد أثبت من شعره مَا تيَسّر إثْبَاته، وَنجم بروض هَذَا الْمَجْمُوع نَبَاته.
وَمن ذَلِك فِي وصف القَاضِي أبي جَعْفَر بن برطال
قَاض توارث كل جلالة، لَا عَن كَلَالَة، وَجمع فِي الْعلم والحسب، بَين الْمَوْرُوث والمكتسب. أشرف بجيد معم فِي الْعَشِيرَة مخول، وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ مقاليدها من مَنْقُول ومتأول، إِلَى نزاهة لَا تعزها الْبَيْضَاء وَلَا الصَّفْرَاء، وحلم لَا تستهويه السّعَايَة، وَلَا يستفزه الإغواء، ووقار يستخف الْجبَال الراسية، وَنظر يكْشف الظُّلم الغاشية. تولى قَضَاء الحضرة، فأنفذ الْأَحْكَام وأمضاها، وسام سيوف الجزالة وامتضاها. وَلبس أَثوَاب النزاهة والانقباض، فَمَا نضاها. وسلك الطَّرِيق الَّتِي اخْتَارَهَا السّلف وارتضاها، وَاجْتمعت الْأَهْوَاء المفترقة عَلَيْهِ، وَصرف الثنا أَعِنَّة الألسن إِلَيْهِ، ثمَّ كرّ إِلَى بَلَده وَاسْتقر خَطِيبًا بقرارة أَهله وَولده.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْفَقِيه أبي عَامر بن عبد الْعَظِيم
منتم إِلَى معرفَة، متصف من الذكاء بِأَحْسَن صفة، أَقرَأ بِبَلَدِهِ علم اللِّسَان، وَمَا حاد عَن الْإِحْسَان، وعانى الشّعْر فنظم قوافيه، وَمَا تكلّف فِيهِ، وعَلى غزارة
стр. 947
مادته، ووضوح جادته، فشعره قَلِيل البشاشة، ذَاهِب الحشاشة، وَذُو الْإِكْثَار، كثير العثار. وَله سلف يَخُوض فِي الْحَقَائِق، وينتحل بعض الْكَلَام الرَّائِق.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عُثْمَان الغلق
منتم بدين وعفة، آو إِلَى نفس بِالْعرضِ الْأَدْنَى مستخفة، مِمَّن ينْزع إِلَى سلوك ورياضة، وَيفِيض فِي طَرِيق الْقَوْم بعض إفَاضَة.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عُثْمَان بن أبي عُثْمَان
مِمَّن يتشوف إِلَى المعارف والمقالات، ويرتاح إِلَى الْحَقَائِق والمحالات، ويشتمل على نفس رقيقَة، ويسير من تَعْلِيم الْقُرْآن على خير طَريقَة، ويعاني من الشّعْر مَا يشْهد بنبله، ويستظرف من مثله.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْمقري أبي الْقَاسِم الجزالي
مشمر فِي الطّلب عَن سَاق، مثابر على اللحاق بدرجات الحذاق، منتحل للعربية جاد فِي إحصاء خلَافهَا، ومعاطاة سلافها. وَرُبمَا شرست فِي المذاكرة أخلاقه، إِذا بهرجت أعلاقه، ونوزع تمسكه بِالْحجَّةِ واعتلاقه، ورحل إِلَى الْمغرب فاستجدى بالشعر سُلْطَانه، ثمَّ رَاجع أوطانه.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْفَقِيه الصُّوفِي أبي جَعْفَر العاشق
منتم إِلَى زهد، باذل فِي التمَاس الْخَيْر كل جهد. نظمه لَا يَخْلُو من حلاوة، ومعانيه فِي طَرِيقه عَلَيْهَا بعض طلاوة.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم الساحلي
كَاتب سجلات لَا يساجل فِي صِحَة فصولها، وتوقيع فروعها على أُصُولهَا، وَكلما طلب بالنظم القريحة، وأعمل الفكرة الصَّرِيحَة، مَعَ إقلاله، وَعدم استعجاله، أجابت ولبت، وتنسمت رياحها وهبت.
стр. 948
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم عبد الله بن الطبيخ
عدل، وَمِمَّنْ لَهُ وقار وَفضل، متسم بخيرية، مُشْتَمل بِصِفَات مرعية، يلم بالنظم فِي الطَّرِيقَة الصُّوفِيَّة.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن قيس
مِمَّن يرْكض مركب الطيش، ويأوى بعد الْجهد إِلَى شظف الْعَيْش، منقبض عَن الْخلق، سالك من التمعش بالتعليم أفضل الطّرق، لَا يعْدم مَعَ ذَلِك حملا عَلَيْهِ، وتسببا فِي مواجدته إِلَيْهِ، قصدني وَقد نبابة الوطن، وضاق مِنْهُ للتغرب العطن، يطْلب مني شَفَاعَة إِلَى بعض الْقُضَاة مِمَّن كَانَ يَطْلُبهُ، وَيقبل فِيهِ شَهَادَة من يثلبه.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن السكاك الغرناطي
متسور على بيُوت القريض، فِي الطَّوِيل من الْكَلَام والعريض، جَامع مِنْهَا بَين الصَّحِيح وَالْمَرِيض، مِمَّن أطاعه براعة الْخط، وسلمت لقضب أقلامه رماح الْخط. عانى كِتَابَة الشُّرُوط لأوّل أمره وَلَحِقتهُ محنة من محن دهره. وَهُوَ الْآن يشْهد من الْأُمُور المخزنية فِي بعض الألقاب، ويلازم دَار الْحساب.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْوَزير أبي جَعْفَر بن المراني
صَاحب طبع يحثه، وشجو لَا يزَال يبثه، وناطق متوقد، وفكر لزوايا الظنون متوقد. خدم فِي كبار الْأَعْمَال، وقاد أزمة الْأَمْوَال، وترقى فِي الْبسَاط السلطاني. رتبا رفيعة المنال، ولسلفه فِي الخدم الْعلية الاشتهار، والبراعة الْوَاضِحَة كَمَا وضح النَّهَار، والظرف الَّذِي تحسده الأزهار، وشعره وَاضح السهولة، جَار على المآخذ المقبولة.
стр. 949
وَمن ذَلِك فِي وصف الْحَاج أبي عبد الله الشَّديد
شَاعِر مجيد حرك الْكَلَام، وَلَا يقصر عَن دَرَجَات الْأَعْلَام. رَحل إِلَى الْحجاز لأوّل أمره، وَجدّة عمره، فطال بالبلاد المشرقية ثواؤه، وعميت أنباؤه. وعَلى هَذَا الْعَهْد وَقعت على قصيدة بِخَطِّهِ غرضها نبيل. ومرعاها غير وبيل، تدل على نفس وَنَفس، وإضاءة قبس.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن الرعيني
يَخُوض فِي الْأَدَب، ويتمسك مِنْهُ بِبَعْض السَّبَب، وَعذر مثله وَاضح الْمَذْهَب وَهُوَ رجل صَالح، وَمذهب فِي الْفضل وَاضح.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْفَقِيه الْخَيْر أبي عبد الله السكان الأندرشي
لبق ذكي، طبعه غير بكي، سكن الْبَادِيَة إِمَامًا، وَأقَام بهَا أعواما، وَله فِي ذَلِك مقامة جلت عَن الظّرْف مقَاما، واستوفت من الذكاء أقساما.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْعدْل أبي عبد الله الْقطَّان
مِمَّن نبغ ونجب، وَحقّ لَهُ الْفَصْل بِذَاتِهِ وَوَجَب. تحلى بوقار، وشعشع للأدب كأس عقار، إِلَّا أَنه اخترم فِي اقتبال، وَأُصِيب للأجل بتبال.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْوَزير أبي عبد الله بن شلبطور
مَجْمُوع شعر وَخط، وذكا عَن دَرَجَة الظرفاء غير منحط. إِلَى مجادة أثيلة الْبَيْت، شهيرة الْحَيّ وَالْمَيِّت، نَشأ فِي حجر الشّرف وَالنعْمَة، محفوفا بالمالية الجمة، فَلَمَّا عقل عَن ذَاته، وترعرع بَين لداته، ركض خُيُول لذاته، فَلم يدع مِنْهَا ربعا إِلَّا أقفره، وَلَا عقارا إِلَّا عقره، حَتَّى حط بساحلها، وَاسْتولى بسفر الأنفاق على جَمِيع مراحلها، إِلَّا أَنه خلص بِنَفس طيبَة، وسراوة سماؤها صيبة، وتمتع مَا شَاءَ من زير ويم، وَأنس لَا يعْطى القياد لَهُم، وَفِي عَفْو الله سَعَة، وليسر مَعَ التَّوَكُّل عَلَيْهِ ضعة.
стр. 950
وَمن ذَلِك فِي وصف الْعدْل أبي عبد الله بن مُشْتَمل البلياني
مِمَّن يعد ويحسب، ويمنى إِلَى الْفضل وينسب. أدواته بارعة، وخصاله فارعة، من خطّ طريف وأدب وتأليف.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْمُؤلف
سلمَان انتسابي، وبالمعارف الأدبية اكتسابي، وَإِلَى الْعُلُوم مُنْذُ نشأت ارتياحي، وَفِي حلبة أَرْبَاب النّظر مغداى ومرامي، على نِهَايَة من ترف النشأة وَعز البدأة، إِلَى أَن اشْتَمَلت على الدولة النصرية اشتمالا، ونظمتني بَين بذورها الكوامل هلالا، فسموت فِي رتب اعتنائها حَالا فحالا، وتأثلت ماشيت جاها ومالا، وَجعلت مُشَاركَة الْخلق ثمالا، فَأَنا الْيَوْم وَالْحَمْد لله، ثمَّ لَهَا، عُطَارِد فلكها، وزبرقان حلكها، وَدَلِيل مسلكها، أقوم بَين يَدي سريرها. والوفود قعُود، وأجلو الْغَيْم عَن شمسها، والجو بروق ورعود، وأبادر نداءها إِن كَانَت هيعة. وَأمْسك مِنْهَا الْيَمين إِن هَمت بتجديد بيعَة. فَمن اختال فِي حلل هَذَا التشريف، غنى عَن التَّعْرِيف. وَأما شعري فِي امتداحها فَمثل سَائِر، وطائر فِي الْآفَاق مَيْمُون الطَّائِر. وَأما كتابتي عَنْهَا فأبهى من وُجُوه البشاير. وَأحلى من الشهد فِي يَد الساير نَسْتَغْفِر الله فَهَذَا مقَام من نأي عَن جنسه، وَرَضي عَن نَفسه، كم دون ذَلِك من تَقْصِير، يَبْدُو لعين ناقد وبصير. ستر الله عيوبنا، وبلغنا من كَمَال السَّعَادَة الأدبية مطلوبنا، بمنه.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن سَلمَة الْكَاتِب
فَارس خِصَال حميدة، وراشق إِلَى هدف الْإِصَابَة بسهام سديدة، فَإِن جلا فِي المهارق أحسانه، وأعمل فِي الرّقاع بنانه، حسد عُطَارِد طرفه، وحدق المُشْتَرِي إِلَى تِلْكَ البضاعة طرفه. دعى إِلَى الْكِتَابَة فاقتعد مطاها، وأدار كؤؤسها وعطاها. وَلم يزل. يجيل جياده فِي كل ميدان، ويبدي براعته مَا لَيْسَ لسواه بِمثلِهِ يدان،
стр. 951
حَتَّى تأود دوحه، وتعطر روحه. ثمَّ رمد بعد مَا سوى، وأحدث عقبه مَا نوى، وجنح إِلَى خطة الْأَشْرَاف، فجمل وَمَا أجمل، وأغفل الحزم وَمَا تَأمل، وَأحل سنَن الْأَشْرَاف فِيمَا أهمل. والجاه ضيق عطنه، إِلَى فِرَاق وَطنه، وينتحل شعرًا يسطع أرجه، ويسمو منعرجه.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله الشريشي
طَالب نبيل، لَا بلتبس من مذاهبه سَبِيل، أَبوهُ وراق هَذِه الأقطار، الَّذِي طَار اشتهاره كل المطار، فقلما تَجِد بَلَدا مَذْكُورا، بل بَيْتا معمورا إِلَّا وَبِه من خطه شَيْء مَعْرُوف، إِن لم تلف مِنْهُ صنوف أَو أُلُوف. وَنَشَأ ابْنه هَذَا طَالبا ذكيا، وفطنا لوذعيا، وفاضلا سريا.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله اللؤلؤة
فَاضل منقبض، مضطلع بِحَبل الرِّوَايَة منتهض. رجل إِلَى الْحجاز الشريف، وَهُوَ اللؤلؤة لفظا وَمعنى، وَتحمل فِي الْعِنَايَة بالرواية وتعنى، وكلف بهَا كلف قيس بلبنى، حَتَّى هصر مِنْهَا كل عذب المجنى، وَظَهَرت عَلَيْهِ بركَة مقصدها الْأَسْنَى. وآب إِلَى بِلَاده، وَهُوَ خلق جَدِيد، وظل عفافه عريض مديد، فاجتلب من الْفَوَائِد المشرقية والطرف المأثورة عَمَّن لَقِي من الْبَقِيَّة، مَا أوجب لَهُ نيل المزية، ونبل الرحلة الحجازية. وَلم يلبث أَن هلك بحصن قمارش بلد أَهله وخبت أنوار فَضله.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن خَاتِمَة
حسن السمة ظريفها، مَقْبُول النزاعة طريفها. لبيته فِي خدام الجباية شهرة ذائعة، ونباهة شائعة، فهم فرسَان الأزمة، وقوام تِلْكَ الْأُمُور المهمة، حاد عَن طريقهم، وَمَال عَن مرافقة فريقهم، وجنح إِلَى الْعَدَالَة، وأنف من الإدالة، فتحلى بالخيرية وتوشح، وترقي بِسَبَبِهَا وترشح. وَله أدب نبيل، وسمت وضح مِنْهُ فِي النزاهة سَبِيل.
стр. 952
وَفِي وصف أبي يحيى بن دَاوُد
متحل من الحياد والعفاف، بِأَحْسَن الْحلِيّ والأوصاف، مستظل من فضل سلفه بِروح داني القطاف. أَبوهُ ﵀ شيخ الْعمَّال الَّذِي لَا يدافع عَن منقبة جليلة، وَلَا يزاحم فِي بَاب مأثرة جميلَة. وَجَاء وَلَده هَذَا، جَارِيا على عقبه، سالكا على السَّبِيل الْأَلْيَق بِهِ، لَوْلَا أَن الْحمام اخترمه سَرِيعا وأذبل مِنْهُ غصنا مريعا.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن أبي الْبَقَاء
هشوش مَقْبُول، متخلق حمول، ووعده بالمشاركة مفعول، تعرض بِالْبَابِ العلى واقتحم، وَتقدم فَمَا أحجم، وَأنْشد قصيدة أحكم إيرادها، بِصَوْت شج، ونغمة لِبَاس حسنها غير رشا وَلَا منبهج، فَوَقع عَلَيْهِ الْقبُول، وتسنى لَهُ من النِّعْمَة المأمول، واتصل لَهُ ذَلِك فصلحت حَاله، ونجحت آماله، وعَلى كَونه لَو كَانَ شَاعِرًا لَكَانَ من شَوَاهِد بَيت الْخَفِيف، أَو مثلا لَكَانَ حجَّة الأهوج على الحصيف، فَهُوَ من أهل الذكاء مَعْدُود، وَله فِي السرادة والمشاركة مَذْهَب مَحْمُود.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله الطشكري
كهام الْحَد، ملغى عَن الْمعد، جهد أَن يلْحق فقصر بَاعه، وَنبت طباعه، وَلَا يَخْلُو مَعَ ذَلِك من نبل وانقباض، وذكاء فِي بعض الْأَغْرَاض.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن مشرف
مِمَّن يمت بِحَسب، وَيرجع إِلَى نظم وأدب، وينتحل على ضعف الأدوات شعرًا رائقا، وبالطلبة الغر لائقا.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر أَحْمد بن رضوَان بن عبد الْعَظِيم
شَاعِر مطبع، وعامر حمى من الْأَدَب وَربع، حجَّة من حجج الغرائز فِي الْعَالم الْجَائِز، يتدفق تدفق الْفُرَات، ويتتبع الْمعَانِي كَأَنَّمَا يطْلبهَا بالتراث، فَيَأْتِي بِكُل
стр. 953
عَجِيبَة، وينتج الْبَدَائِع بَين طبع فَحل وفكرة نجيبة، ويتلقى دَاعِي الْبَيَان بِنَفس سميعة مجيبة، من غير اقتناء لأدواته، وَلَا اعتنا بِذَاتِهِ، إِلَّا أَنه يلابس أَرْبَاب الطّلب، فَرُبمَا حصل مِمَّا يُريدهُ على الأرب.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن هاني
جملَة حسب ووقار، وبراعة تمد إِلَيْهَا المهارق أكف افتقار. نظمته الدولة اليوسفية فِي سمط كتابها، وأظلته بِظِل جنابها، وَطلب لهَذَا الْعَهْد نَفسه بالأدب، وَتمسك مِنْهُ بِالسَّبَبِ، فصدر عَنهُ من ذَلِك مَا يستطرف على الْبِدَايَة، وَيدل أَن استتب على فصل الْهِدَايَة.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْكَاتِب أبي عَمْرو بن زَكَرِيَّا
يتوسل فِي الْكِتَابَة بجدين، ويكافح مِنْهَا بحدين، ويستند من الْجِهَتَيْنِ اللوشية والمرابطية إِلَى مجدين. وَأما أَبوهُ ﵀، فحظه زين الزين، بطرفة النَّفس وقرة الْعين، فَإِن نجب ونهض، فَهُوَ عرق نبض، وَإِن جنح إِلَى قُصُور، فَغير مَعْذُور.
وَمن ذَلِك فِي وصف الْحَاج أبي الْعَبَّاس القراق
لِسَان بالشعر يَهْتِف، وَيَد بالكدية تنتف، لَا يُبَالِي ألبس من القَوْل جَدِيدا أَو رثا، أَو كَانَ سمينا من الشّعْر أَو غثا، أَو نظم بسيطا أَو مجتثا. إِنَّمَا همته فِي قافية حَاضِرَة، وخواطر مِنْهُ خاطرة، وسما نوال ماطرة. وَمَعَ ذَلِك فخفيف الْجَانِب، سهل المذانب، يَخُوض من فروع الْفِقْه لجة، ويوضح مِنْهَا حجَّة. مدح بِهَذِهِ الْأَبْوَاب وكد، وَتعرض وتصدى، وَكتب عَن الْأُمَرَاء فَمَا حاد عَن السّنَن الْحسن وَلَا تعدى.
стр. 954
وَمن ذَلِك فِي وصف الْكَاتِب أبي الْحسن الملياني صَاحب الْعَلامَة بالمغرب:
الْكَاتِب الفاتك، والصارم الباتك. إِلَى اضْطِرَاب ووقار، واستضام للعظايم واحتقار، وغنى فِي افتقار، وتجهم تَحْتَهُ أنس الْعقار، اتَّخذهُ ملك الْمغرب صَاحب علامته، وَتوجه بتاج كرامته. وَكَانَ يُطَالب جملَة من أَشْيَاخ مراكش بثار عَمه [ويطوقهم دَمه بِزَعْمِهِ، وَيقصر عَن الِانْتِصَار مِنْهُم بَنَات عَمه إِذْ سعوا بِهِ] حَتَّى اعتقل، ثمَّ جدوا فِي أمره حَتَّى قتل، فترصد كتابا إِلَى مراكش يتَضَمَّن أمرا جزما ويشمل من أُمُور الْملك عزما، جعل فِيهِ الْأَمر بِضَرْب رقابهم، وَسبي أسبابهم. وَلما أكدت على حامله فِي الْعجل، وضايقه تَقْدِير الْأَجَل، تأنى حَتَّى علم أَنه قد وصل، وغرضه قد حصل. وفر إِلَى تلمسان، وَهِي بِحَال حصارها، واتصل بأنصارها حَالا بَين أنوفها وأبصارها، وتعجب من فراره، وَسُوء اغتراره. ثمَّ اتَّصَلت الْأَخْبَار بِتمَام الْحِيلَة، واستيلاء الْقَتْل على أَعْلَام تِلْكَ الْقَبِيلَة، فَتَركهَا شنيعة على الْأَيَّام، وعارا فِي الأقاليم على حَملَة الأقلام، وَأقَام بتلمسان إِلَى أَن حل مخنق حصرها، وأزيل هميان الضيقة عَن خصرها، فلحق بالأندلس وَلم يعْدم برا ورعيا مستمرا حَتَّى أَتَاهُ حمامه، وانصرمت أَيَّامه.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق بن سعد
مَقْدُور عَلَيْهِ، محفوف بِالْحَاجةِ من خَلفه وَمن بَين يَدَيْهِ من رجل يَهْتِف باضطلاع الْعُلُوم، ويهذر بالشعر هذر المحموم. ثقل حَتَّى خف، وكثف حَتَّى شف. إِلَّا أَنه لَا ينقبض من بسط، وَلَا يلقى جعد المزاج إِلَّا بِخلق سبط، وَلم يكن خلوا من فَائِدَة يلقيها، وطرفة ينتقيها. وأفادته الرحلة الحجازية لِقَاء أَعْلَام، ومصابيح إظلام، كَانَ يطرز بمحاسنهم الْمجَالِس، ويفضح بأنوارهم النَّهَار الشامس وَله سلف صَالح، وأدب ضعفه وَاضح.
стр. 955
وَله فِي وصف أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحق
قدم على الأندلس عَرَبِيّ المرمى، بادسى المنتمى، يتعاطى الْأَدَب والتدوين، ويسترفد الْأُمَرَاء والسلاطين، وقصدني لأريش جنَاح أمله، وأكون ذَرِيعَة إِلَى نجح عمله، وَرفع لي كتابا فِي السياسة لَا يَخْلُو من نبل، وسلوك طرق للإتقان وسبل.
وَمن ذَلِك فِي وصف الشريف أبي عبد الله العمراني
كريم الانتما، مستظل بأغصان الشَّجَرَة الشما، من رجل سليم الضَّمِير، ذُو بَاطِن أصفى من المَاء النمير. لَهُ فِي الشّعْر طبع يشْهد بعروبية أُصُوله، ومضاء نصوله. وَقد أثبت من شعره مَا يَتَّضِح فِي البلاغة سَبيله وَيشْهد بِعِتْق الْجواد صهيله.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن جَابر الكفيف
مَحْسُوب فِي طلبتها الجلة، ومعدود فِيمَن طلع بأفقها من الْأَهِلّة. رَحل إِلَى الْمشرق، وَقد أُصِيب ببصره، واستهان فِي جنب الاستفادة بِمَشَقَّة سَفَره. وشعره كثير.
وَمن ذَلِك فِي وصف الأديب أبي إِسْحَق بن الْحَاج
من أدباء المؤدبين، ونبلاء المتسرعين، إِلَى النّظم المنتدبين. لَو أدْركهُ الْحَافِظ فِي أَوَانه، لَكَانَ طرفه من طرف ديوانه. غَرِيب فِي أَحْكَامه، معتن بمده وقصره، ورومه وأشمامه، جهير النغمة عِنْد رد سَلَامه، محسن الظَّن بِمَا يصدر عَنهُ من كَلَامه، وشعره من النمط الَّذِي يُونُس فِي الأسمار وَيجْرِي من الفكاهة على مضمار.
стр. 956
وَمن ذَلِك فِي وصف الأديب ابْن حزب الله
رَاقِم واشي، رَقِيق الجوانب والحواشي، تزهى بِخَطِّهِ المهارق والطروس وتتجلى فِي حلى إبداعه كَمَا تجلت الْعَرُوس، إِلَى خلق كثير التجمل، وَنَفس، عَظِيمَة التَّحَمُّل، وود سهل الْجَانِب، عذب المشارب. لما قضيت الوقيعة الْعُظْمَى بِظَاهِر طريف، أقَال الله عثارها، وَعجل ثارها قذف بِهِ موج ذَلِك الْبَحْر، وأفلت إفلات الْهدى المقرب للنحر، وَرمى بِهِ إِلَى رندة الْفِرَار، وَقد عرى من أثوابه كَمَا عرى العرار. فتعرف للحين بأديبها المفلق وبارقها المتألق أبي الْحجَّاج المنتشافرى، فِرَاقه يشر لِقَائِه، ونهل على الظمإ فِي سِقَايَة، وَكَانَت بَينهمَا مخاطبات أنشدنيها بعد إيابه، وَأَخْبرنِي أَنه نسي بهَا مَا كَانَ من ذهَاب زَاده، وسلب ثِيَابه.
وَمن ذَلِك فِي وصف أحد الْفُضَلَاء
فلَان وَإِن كَانَ أَشد النَّاس عناية بعمامة تلوى، وطيلسان يسوى، وتاج وإكليل، وزى جميل، وَكم ينَال الأَرْض كزلومة فيل. فَجَاهد فِي عدم الجناحوره، وجانبه مَعَ الْعِزّ شَوْكَة، وناورته على البأو عصبَة فجة. لَو دخل كورة النَّحْل، أَو سكن قَرْيَة النَّمْل، مستأمرا من أميرها بتقريب، أَو حَاصِلا من ريسها على حَظّ رغيب، لتلون لِأَخِيهِ، وشمخ بأنف التيه، على فصيلته الَّتِي تؤويه، سكرا من شراب لمع السراب، وأهنا بزور الْحَظ المنزور. فَإِذا أدال
стр. 957
الصحو من الشملة، أَو عدم قبُول النملة، أَو طوق الدِّيوَان، تمنع بأنسه الأخوان، فَمَا أولاه باستكتاب الْقَابِل من أَمر ريح الْجنُوب بالهبوب، وَمن أذن للغمام الهتان، وَمن ينظرنا بِعَيْنِه الزَّرْقَاء يَعْنِي نوار الْكَتَّان:
(رفقا بك سَيِّدي رفقا ... فالظن إِن تبرا وَإِن تشفا)
(أما مزاجك فَهُوَ معتدل ... لَكِن أَظن خيالك استسقا)
وَمَعَ ذَلِك فمحاضرته بَحر لَا تحصر أَجنَاس لآليه، وزهر لَا يمل منتسقه ومجتلبه، إِلَى طلعة لَا تقتحم وَلَا تزدري، وأبهة مَا كَانَ حَدِيثهَا يعتري:
(وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا ... كفى الْمَرْء فضلا أَن تعد معايبه)
стр. 958
كتب الزواجر والعظات
فَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة ابْن مَرْزُوق
سَيِّدي الَّذِي يَده الْبَيْضَاء لم تذْهب بشهرتها الْمُكَافَأَة. وَلم تخْتَلف فِي مدحها الْأَفْعَال، وَلَا تغايرت فِي حمدها الصِّفَات، وَلَا تزَال تعترف بهَا الْعِظَام الرفات، أطلقك الله من أسر الْكَوْن، كَمَا اطلقك من أسر بعضه، وزهدك فِي سمائه العاتية وأرضه، وحقر الْحَظ فِي عين بصيرتك بِمَا يحملك على رفضه، اتَّصل بِي الْخَبَر السار من تَركك لشأنك، وأجنا الله إياك ثَمَرَة إحسانك وانجياب ظلام الشدَّة الحالك، عَن أفق جلالك، فكبرت ارتياحا لانتشاق رضَا الله الطّيب الأرج، واستعبرت لتضاؤل الشدَّة بَين يَدي الْفرج، لَا بسوى ذَلِك من رضَا مَخْلُوق يُؤمر فيأتمر، ويدعوه الْقَضَاء فيبتدر، إِنَّمَا هُوَ فَيْء، وظل لَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء، ونسله جلّ تَعَالَى أَن يَجْعَلهَا آخر عَهْدك بالدنيا وبنيها، وَأول معارج نَفسك الَّتِي تَقربهَا من الْحق وتدنيها، وكأنني وَالله أحس بثقل هَذِه الدعْوَة على سَمعك، ومضادتها وَلَا حول وَلَا قُوَّة بِاللَّه لطبعك، وَأَنا أنافرك إِلَى الْعقل الَّذِي هُوَ قسطاس الله فِي عَالم الْإِنْسَان، والآلة لبث الْعدْل وَالْإِحْسَان، وَالْملك الَّذِي يبين عَنهُ ترجمان اللِّسَان، فَأَقُول لَيْت شعري مَا الَّذِي غبطك سَيِّدي بالدنيا، وَإِن بلغ من زبرجها الرُّتْبَة الْعليا، وأفرض الْمِثَال بِجلَال إقبالها، وَوصل حبالها، وخشوع جبالها، وضراعة سبالها، المتوقع الْمَكْرُوه صباح مسَاء، وارتقاب الْحِوَالَة الَّتِي تديل من النعم البأسا، وَلُزُوم المنافسة الَّتِي تعادي الْأَشْرَاف والرؤسا. لترتب الْعدْل حَتَّى على التَّقْصِير فِي الْكتب، وضغينه جَار الْجنب، وولوع الصّديق بإحصاء الذَّنب، ألنسبة وقايع الدولة إِلَيْك، وَأَنت مِنْهَا عرى إِلَّا بشهدانك للمضمار الَّتِي تنتجها
стр. 959
غيرَة الْفروج والأحقاد الَّتِي تضطبنها ركبة السُّرُوج، وسرحة المروج، ونجوم السما ذَات البروج. ألتقليدك التَّقْصِير فِيمَا ضَاقَتْ عَنهُ طاقتك، وَصحت إِلَيْهِ فاقتك، من حَاجَة لَا يقتضى قَضَاهَا الْوُجُود، وَلَا يكفيها الرُّكُوع للْملك وَالسُّجُود. إلقطع الزَّمَان بَين سُلْطَان يعبد، وأفكار للغيوب تكبد، وعجاجة سر تلبد، وأقبوحة تخلد، وتؤيد، والوزير يصانع ويداري، وَذُو حجَّة صَحِيحَة يُجَادِل فِي مرضاة السُّلْطَان ويماري، وعورة لَا توارى. ألمباكرة، كل عايب حَاسِد، وعدو مستأسد، وسوق للإنصاف والشفقة كاسد، وَحَال فَاسد. أللوفود تتزاحم بسدتك. مكلفة لَك غير مَا فِي طوقك، فَإِن لم يَقع الْإِسْعَاف، قلبت عَلَيْك السَّمَاء من فَوْقك. أللجلساء ببايك لَا يقطعون زمن رجوعك وإيابك إِلَّا بقبيح اغتيابك. فالتصرفات تمقت، والقواطع النجومية توقت، والألاقي تثب، والسعايات تمت، والمساجد يشتكي فِيهَا البث، يَعْتَقِدُونَ أَن السُّلْطَان فِي يدك بِمَنْزِلَة الْحمار المدبور، واليتيم الْمَحْجُور، والأمير الْمَأْمُور، لَيْسَ لَهُ شَهْوَة وَلَا غضب، وَلَا أمل فِي الْملك وَلَا أرب، وَلَا موجدة لأحد كامنة، وللسر ضامنة، وَلَيْسَ فِي نَفسه عَن رَأْي يقره، وَلَا بِإِزَاءِ مَا لَا يقبله قدرَة، وظفره إِنَّمَا هُوَ جارحة لصيدك، وعان فِي قيدك، وإله لتصرف كيدك. وَإنَّك عِلّة حيفه. ومسلط سَيْفه. اللسرار يسملون عُيُون النَّاس بِاسْمِك، ثمَّ يمزقون بالغيبة مرق جسمك، قد تخلتم الْوُجُوه أَخبث مَا فِيهِ، واختارهم السفية فالسفية. إِذْ الْخَيْر يستره الله عَن الدول ويخفيه، ويمتعه بالغليل ويكفيه، فهم يمتاحون بك، ويولونك الْمَلَامَة، ويفتحون عَلَيْك أَبْوَاب القَوْل، ويسدون طرق السَّلامَة، وَلَيْسَ لَك فِي أثنا هَذِه إِلَّا مَا يعوزك مَعَ ارتفاعه، وَلَا يفوتك مَعَ انقشاعه، وَذَهَاب صواعه، من غذاً يشْبع، وثوب يقنع، وفراش
стр. 960
ينيم، وقديم يقْعد وتقيم. وَمَا الْفَائِدَة فِي فرش تحتهَا جمر الغضا، وَمَال من وَرَائه سوء القضا، وجاه يحلق عَلَيْهِ سيف منتضا. وَإِذا بلغت النَّفس إِلَى الالتذاذ بِمَا لَا تملك، واللجاج حول الْمسْقط الَّذِي تعلم أَنَّهَا فِيهِ تهْلك، فَكيف تنْسب إِلَى نبل، أَو تسير من السَّعَادَة فِي سبل. وَإِن وجدت فِي الْقعُود بِمَجْلِس التَّحِيَّة بعض الأريحية، فليت شعري أَي شَيْء زَادهَا، أومعنى أفادها. إِلَّا مباكرة وَجه الْحَاسِد، وذى الْقلب الْفَاسِد، ومواجهة الْعَدو المستأسد، أَو شَعرت بِبَعْض الأبناس فِي الرّكُوب بَين النَّاس، هَل التذت إِلَّا بحلم كَاذِب، أَو جذبها غير الْغرُور مجاذب. إِنَّمَا راكبك من يحدق إِلَى الْحِلْية وَالْبزَّة، ويستظل مُدَّة الْعِزَّة، ويرتاب إِذا تحدثت بخبرك، وَيتبع بِالنَّقْدِ والتجسس مواقع نظرك، ويمنعك من مسايرة أنيسك. ويحتال على فرَاغ كيسك، ويضمر الشَّرّ لَك ولرئيسك. وَأي رَاحَة لمن لَا يُبَاشر قَصده، ويسير مَتى شا وَحده. وَلَو صَحَّ فِي هَذَا الْحَال لله حَظّ، وهبه زهيدا، أَو عين للرشد عملا حميدا، لساغ الصاب، وَخفت الأوصاب، وَسَهل الْمُصَاب، لَكِن الْوَقْت أشغل، والفكر أوغل، والزمن قد عمرته الحصص الوهمية، واستنفذت مِنْهُ الكمية. أما ليله ففكر أَو نوم. وعتب، بَحر الضراس وَأما يَوْمه فتدبير وقبيل ودبير، وَأُمُور يعيى بهَا ثبير وَلَفظ لَا يدْخل فِيهِ حَكِيم كَبِير، وبلاء مبير، وَأَنا بِمثل ذَلِك خَبِير، وَوَاللَّه يَا سَيِّدي، وَمن فلق الْحبّ، وَأخرج الْأَب، وذرا مَا مَشى وَمَا دب، وَهدى وأكب، وسمى نَفسه الرب، لَو تعلق المَال الَّذِي يجرى هَذَا الكدح، ويورى سقيطه هَذَا الْقدح، بأذيال الْكَوَاكِب وزاحمت الْبَدْر بدره بالمناكب، لما وَرثهُ عقب، وَلَا خلص مِنْهُ معتقب، وَلَا فَازَ بِهِ سَافر وَلَا منتقب، وَالشَّاهِد الدول، والمشايم الأول، فَأَيْنَ الرباع المقتناة،
стр. 961
وَأَيْنَ الديار المبتناة، وَأَيْنَ الحوائط المغترسات، وَأَيْنَ الذَّخَائِر المختلسات، وَأَيْنَ الودائع المؤملة، والأمانات المحملة، تاذن الله بتثبيرها، وأدنا نَار التبار من دنانيرها، فقلما تلقى أَعْقَابهم إِلَّا عرى الظُّهُور، مترفقين بجرايات الشُّهُور، متعللين بالهبا المنثور، يطردون من الْأَبْوَاب، الَّتِى حجب عِنْدهَا آباؤهم، وَعرف مِنْهَا إباؤهم وشم من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم تسامحهم الْأَيَّام إِلَّا فِي أرث مُحَرر، أَو حَلَال مُقَرر، وَرُبمَا محقه الْحَرَام، وَتعذر مِنْهُ المرام. هَذِه أعزّك الله حَال قبُولهَا المرغوب فِيهِ، وَمَالهَا مَعَ الترفيه، وعَلى فرض أَن يسْتَوْفى الْعُمر فِي الْعِزّ مستوفيه. وَأما هَذِه من عَدو يتحكم وينتقم، وحوت بغى يبتلع ويلتقم، وطبق يحجب الْهوى، ويطيل فِي الترب الثوى، وثعبان قيد يعَض السَّاق، وشؤبوب عَذَاب يمزق الإبشار الرقَاق، وغيلة يهديها الواقب الْغَاسِق، ويجرعها الْعَدو الْفَاسِق، فصرف السُّوق، وسلعته الْمُعْتَادَة الطروق، مَعَ الافول والشروق، فَهَل فِي شئ من هَذَا مغتبط لنَفس حرَّة، أَو مَا يُسَاوِي جرعة مَاء مرّة. واحسرتا للأحلام ضلت، وللأقدام زلت، وَيَا لَهَا مُصِيبَة جلت. ولسيدي أَن يَقُول، حكمت عَليّ باسنثقال الموعظة واستجفانها، ومراودة الدُّنْيَا بَين خلانها وأكفأنها، وتناسى عدم وفائها، فَأَقُول الطّيب بالعلل أدرى، والشفيق بِسوء الظَّن مغرى. وَكَيف وَأَنا أَقف على السحاءة بِخَط يَد سَيِّدي من مطارح الاعتقال، ومثاقب النوب الثقال، وخلوات الاستعداد للقاء الخطوب الشداد، ونوش الأسنة الْحداد، وَحَيْثُ يجمل بِمثلِهِ أَن لَا يصرف فِي غير الخضوع لله بنانا، وَلَا يثنى لمخلوق عنانا، وأتعرف أَنَّهَا قد مَلَأت الجو والدو، وقصدت الجماد والبو، تقتحم أكف أولى الشمات، وحفظة المذمات، وَأَعْوَان النوب الملمات، زِيَادَة
стр. 962
فِي الشقا، وقصدا بريا من الِاخْتِيَار والانتقا، مُشْتَمِلَة من التجاوز على أغرب من العنقا، وَمن النِّفَاق على أشهر من البلقا، فَهَذَا يُوصف بِالْإِمَامَةِ، وَهَذَا ينْسب فِي الْجُود إِلَى كَعْب بن مامة، وَهَذَا يَجْعَل من أهل الْكَرَامَة، وَهَذَا يُكَلف الدعا وَلَيْسَ من أَهله، وَهَذَا يطْلب مِنْهُ لِقَاء الصَّالِحين وَلَيْسوا من شكله، إِلَى مَا أحفظنى وَالله من الْبَحْث عَن السمُوم، وَكتب النُّجُوم، والمذموم من الْمَعْلُوم، هلا كَانَ من ينظر فِي ذَلِك قد قوطع بتاتا، وأعتقد أَن الله قد جعل من الْخَيْر وَالشَّر ميقاتا، وَإِنَّا لَا نملك موتا وَلَا نشورا وَلَا حياتا، وَأَن اللَّوْح قد حصر الْأَشْيَاء، محوا وإثباتا، فَكيف نرجو لما منع الله منالا، أَو نستطيع مِمَّا قدر الله إفلاتا، أفيدونا مَا يرجح العقيدة المتقررة فتحول إِلَيْهِ، وبينوا لنا الْحق نعول عَلَيْهِ. الله الله يَا سَيِّدي فِي النَّفس المرشحة، وللذات المحلاة بالفضائل الموشحة، وَالسَّلَف الشهير الْخَيْر، والعمر المشرف على المرحلة بعد حث السّير، ودع الدُّنْيَا لأَهْلهَا فَمَا أوكس حظوظهم، وأخس لحوظهم، وَأَقل مَتَاعهمْ، وَأعجل إسراعهم، وَأكْثر عناءهم، وأقصر إناءهم:
(مَا تمّ إِلَّا مَا رَأَيْت وَرُبمَا تغنى السَّلامَة ... وَالنَّاس إِمَّا جَائِر أَو حائر يشكو ظلامه)
(وَإِذا أردْت الْعِزّ لَا ترزأ بني الدُّنْيَا قلامه ... وَالله مَا احتقب الْحَرِيص سوى الذُّنُوب أَو الْمَلَامَة)
(هَل ثمَّ شكّ فِي الْمعَاد الْحق أَو يَوْم الْقِيَامَة ... قُولُوا لنا مَا عنْدكُمْ أهل الخطابة والإمامة)
فَإِن رميت بأحجارى، وأوجرت المر من أشجارى، فوَاللَّه مَا تلبست مِنْهَا الْيَوْم بشئ قديم وَلَا حَدِيث، وَلَا استأثرت بِطيب فضلا عَن خَبِيث، وَمَا أَنا إِلَّا عَابِر سَبِيل، وَهَاجَر مرعى وبيل، ومرتقب وَعدا قدر فِيهِ الإنجاز، وعاكف على حَقِيقَة لَا تعرف الْمجَاز، وَقد فَرَرْت من الدُّنْيَا كَمَا يفر من الْأسد، وحاولت
стр. 963
قطع المداخلة حَتَّى بَين روحي والجسد، وَغسل الله قلبِي وَله الْحَمد من الطمع والحسد، فَلم أبق عَادَة إِلَّا قطعتها، وَلَا جنَّة للصبر إِلَّا ادرعتها، أما اللبَاس فالصوف، وَأما الزّهْد فِيمَا بأيدى النَّاس فمعروف، وَأما المَال العبيط فعلى الصَّدَقَة مضروف، وَوَاللَّه لَو علمت أَن حَالي هَذِه تتصل، وعراها لَا تنفصل، وترتيبي هَذَا يَدُوم، وَلَا يجيرنى الْوَعْد المحتوم وَالْوَقْت الْمَعْلُوم، لمت أسفا، وحسبي الله وكفا. وَمَعَ هَذَا يَا سَيِّدي، فالموعظة تتلقى من لِسَان الْوُجُود، وَالْحكمَة ضَالَّة الْمُؤمن ببذل المجهود. ويأخذها من غير اعْتِبَار بمحلها المذموم وَلَا الْمَحْمُود، وَلَقَد أعملت نَظَرِي فِيمَا يكافى عَنى بعض يدك، أَو ينتهى فِي الْفضل إِلَى أمدك. فَلم أر لَك الدُّنْيَا كفأ لَو كنت صَاحب دنيا، وَوجدت بذل النَّفس قَلِيلا من غير شَرط وَلَا تنيا. فَلَمَّا ألهمنى الله ﷻ إِلَى مخاطبتك بِهَذِهِ النَّصِيحَة المفرغة فِي قوالب الجفا، لمن لَا يثبت عين الصَّفَا، وَلَا يشيم بارقة الوفا، وَلَا يعرف قاذورة الدُّنْيَا معرفَة مثلى من المتدنسين بهَا المنهمكين، وَينظر فِي عوارها الفادح بِعَين الْيَقِين، وَيعلم أَنَّهَا المومسة، الَّتِي حسنها زور، وعاشقها معزور، وسرورها شرور، تبين لى أَنِّي قد كافيت صنيعتك الْمُتَقَدّمَة، وَخرجت عَن عهدتك الملتزمة، وأمحضت لَك النصح الَّذِي يعز بعز الله ذاتك، ويطيب حياتك، وَيحيى مواتك، ويريح جوارحك من الوصب، وقلبك من النصب، ويحقر الدُّنْيَا وَأَهْلهَا فِي عَيْنك إِذا اعْتبرت، ويلاشى عظائمها لديك إِذا اختبرت، كل من تقع عَلَيْهِ عَيْنك حقير قَلِيل، وفقير ذليل، لَا يفضلك بشئ إِلَّا باقتفاء رشد أَو ترك غي. أثوابه النبيهة يجردها الْغَاسِل، وعروته يفصلها الْفَاصِل، وَمَاله الْحَاضِر الْحَاصِل، يعبث فِيهِ الحسام الناصل، وَالله يعين للخلف إِلَّا مَا تعين للسلف، وَلَا يصير الْمَجْمُوع إِلَّا للتلف. وَلَا صَحَّ من الهياط والمياط والصياح والعياط، وَجمع القيراط
стр. 964
إِلَى القيراط، والاسطنان بالوزعة، والأشراط، والخبط والخباط، والاستكثار والاغتباط، والغلو والاشتطاط، وبنا الصرح وَعمل الساياط، وَرفع الْعِمَاد وإدارة الْفسْطَاط، إِلَّا ألم يذهب الْقُوَّة، وينسى الآمال المرجوة، ثمَّ نفس يصعد وسكرات تَتَرَدَّد، وحسرات لفراق الدُّنْيَا تتجدد، ولسان يثقل، وَعين تبصر الْفِرَاق الْحق وتمقل، قل هُوَ نبأ عَظِيم أَنْتُم عَنهُ معرضون. ثمَّ الْقَبْر وَمَا بعده، وَالله منجز وعده: فالإضراب الإضراب وَالتُّرَاب التُّرَاب. وَإِن اعتذر سَيِّدي بقلة الْجلد، وَكَثْرَة الْوَلَد، فَهُوَ ابْن مَرْزُوق لَا ابْن رزاق، وَبِيَدِهِ من التَّسَبُّب مَا يتكفل بإمساك أرماق. أبن النّسخ الَّذِي يتبلغ الْإِنْسَان بأجرته فِي كن حجرته، لايل السُّؤَال الَّذِي لَا عَار عِنْد الْحَاجة بمعرة السُّؤَال وَالله أقوم طَرِيقا، وألزم فريقا من يَد تمتد إِلَى حرَام، لَا يقوم بمرام، وَلَا يُؤمن من ضرام، أجريت فِيهِ الْحَال، وقلبت الْأَدْيَان والملل، وَضربت الإبشار ونحرت العشار، وَلم يصل مِنْهُ على يَد وَاسِطَة السوء المعشار، ثمَّ طلب عِنْد الشدَّة ففضح وَبَان شومه ووضح، اللَّهُمَّ طهر منا أَيْدِينَا وقلوبنا، وبلغنا من الِانْصِرَاف إِلَيْك مطلوبنا، وعرفنا بِمن لَا يعرف غَيْرك، ولايسترفد إِلَّا خيرك، يَا ألله، وحقيق على الْفُضَلَاء إِن جنح سَيِّدي مِنْهَا إِلَى إِشَارَة، وأعمل فِي اجتلابها إضباره، أَو لبس مِنْهَا شارة، أَو تشوف لخدمة إِمَارَة، أَن لَا يحسنوا ظنونهم بعْدهَا بِابْن نَاس، وَلَا يغتروا بسمة وَلَا خلق وَلَا لِبَاس، فَمَا بدا عَمَّا بدا تُفْضِي الْعُمر فِي سجن وَقيد، وَعَمْرو وَزيد، وضر وَكيد، وطراد صيد، وَسعد وَسَعِيد، وَعبد وَعبيد. فَمَتَى تظهر الْأَبْكَار، ويقر الْقَرار، وتلازم الْأَذْكَار، وتشام الْأَنْوَار، وتتجلى الْأَسْرَار، ثمَّ يَقع الشُّهُود الَّذِي يذهب مَعَه الْأَخْبَار، ثمَّ يحِق الْوُصُول الَّذِي إِلَيْهِ من كل مَا سواهُ الْفِرَار، وَعَلِيهِ الْمدَار، وَهُوَ الْحق الَّذِي مَا سواهُ فَبَاطِل، والفيض الرحماني الَّذِي ربابه لَا بُد هاطل، مَا شابت مخاطبتي هَذِه شايبة تريب. وَلَقَد محضت لَك مَا يمحضه الحبيب للحبيب، فَتحمل الَّذِي حملت عَلَيْهِ الْغيرَة، وَلَا تظن بِي غَيره، وَإِن لم يكن
стр. 965
قدري مكاشفة سيادتك بِهَذَا البث، فِي الأسلوب الغث، فَالْحق أقدم، وبناؤه لَا يهدم، وشأني مَعْرُوف فِي مُوَاجهَة الْجَبَابِرَة على حِين يَدي إِلَى رفدهم ممدودة، وَنَفْسِي من النُّفُوس المتهافتة عَلَيْهِم مَعْدُودَة، وشبابي فَاحم، وعَلى الشَّهَوَات مُزَاحم، فَكيف الْيَوْم مَعَ الشيب، ونصح الجيب، واستكشاف الْعَيْب، إِنَّمَا أَنا الْيَوْم على من عرفني كل ثقيل، وَسيف الْعدْل فِي كفي صقيل. أعذل أَرْبَاب الْهوى وَلَيْسَت النُّفُوس فِي الْقبُول سوا، وَلَا لكل مرض دوا، وَقد شفيت صَدْرِي، وَإِن جهلت قدري، فَاحْمِلْنِي، حملك الله على الجادة الْوَاضِحَة، وسحب عَلَيْك ستر الْأُبُوَّة الصَّالِحَة. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي هَذَا الْغَرَض بِمَا نَصه:
الْحَمد لله الْوَلِيّ الحميد، المبدي المعيد، الْبعيد فِي قربه من العَبْد، الْقَرِيب فِي بعده، فَهُوَ أقرب من حَبل الوريد، محيى ربوع قُلُوب العارفين بتحيات حَيَاة التَّوْحِيد، ومغنى نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إِلَى الْغَرَض الزهيد، ومخلص خواطر الْمُحَقِّقين من سجون حجون التَّقْيِيد، إِلَى فسح التَّجْرِيد، نحمده، وَله الْحَمد المنتظمة درره فِي سلوك الدَّوَام، وسموط التَّأْبِيد، حمد من نزه أَحْكَام وحدانيته وأعلام فردانيته عَن مرابط التَّقْلِيد فِي مخابط الطَّبْع البليد، ونشكره شكر من افْتتح بشكره أَبْوَاب الْمَزِيد، ونشهد أَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، شَهَادَة تَتَخَطَّى بهَا معالم الْخلق إِلَى حَضْرَة الْحق على كيد التفريد، ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله قلادة الْجُود الْمجِيد، وهلال الْعِيد، وفذلكة الْحساب، وَبَيت القصيد، الْمَخْصُوص بمنشور الإدلال، وإقطاع الْكَمَال، مَا بَين مقَام المُرَاد، ومقام المريد، الَّذِي جعله السَّبَب الأوصل فِي تجاة النَّاجِي وسعادة السعيد، وخاطب الْخَلَائق على لِسَانه الصَّادِق، بحجتي الْوَعْد والوعيد، وَكَانَ مِمَّا أوحى بِهِ إِلَيْهِ، وَأنزل الْملك بِهِ
стр. 966
عَلَيْهِ من الذّكر الحميد ليَأْخُذ بِالْحجرِ والأطواق من الْعَذَاب الشَّديد. وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان، ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه، وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد، إِذْ يتلَقَّى المتلقيان عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد، مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد، وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ ذَلِك مَا كنت مِنْهُ تحيد، وتفخ فِي الصُّور ذَلِك يَوْم الْوَعيد، وَجَاءَت كل نفس مَعهَا سَابق وشهيد، لقد كنت فِي غَفلَة من هَذَا، فكشفنا عَنْك غطاءك فبصرك الْيَوْم حَدِيد، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله صَلَاة تقوم بِبَعْض حَقه الأكيد، وتسرى إِلَى تربته الزكية من ظُهُور المواجد الْخفية على الْبَرِيد.
(قعدت لتذكير وَلَو كنت منصفا ... لذكرت نَفسِي فَهِيَ أحْوج للذِّكْرَى)
(إِذا لم يكن منى لنَفْسي واعظ ... فياليت شعري كَيفَ يفعل فِي أُخْرَى)
آه، آه، أَي [وعظ بعد] وعظ الله يَا أحبابنا يسمع، وفيماذا وَقد تبين الرشد من الغي يطْمع، يَا من يُعْطي وَيمْنَع إِن لم تتمّ الصنيعة فَمَاذَا أصنع، أجمعنا بقلوبنا، يَا من يعرف الْقُلُوب وَيجمع، ولين حديدها بِنَار خشيتك فقد استعاذ نبيك من قلب لَا يخشع، وَمن عين لَا تَدْمَع. اعلموا يَرْحَمكُمْ الله أَن الْحِكْمَة ضَالَّة الْمُؤمن، يَأْخُذهَا من الْأَقْوَال وَالْأَحْوَال، وَمن الجماد وَالْحَيَوَان، وَالسّنة الملوان، فَإِن الْحق نور لَا يضرّهُ أَن يصدر من الخامل، وَلَا يقْتَصر بمحموله اقْتِصَار الْحَامِل، وأنكم تَدْرُونَ أَنكُمْ فِي أطوار سفر لَا يسْتَقرّ لَهَا دون الْغَايَة رَحْله، وَلَا تتأتى مَعهَا إِقَامَة وَلَا مهلة، من الأصلاب إِلَى الْأَرْحَام إِلَى الْوُجُود، إِلَى الْقُبُور، [إِلَى النشورا] إِلَى إِحْدَى دَاري الْبَقَاء أَفِي الله شكّ، فَلَو أبصرتم مُسَافِرًا فِي الْبَريَّة يَبْنِي ويعرش، ويمهد ويفرش، ألم تَكُونُوا تضحكون من جَهله، وتعجبون من
стр. 967
ركاكة عقله. وَوَاللَّه مَا أَوْلَادكُم وشواغلكم عَن الله الَّتِي فِيهَا اجتهادكم الْأَبْنَاء سفر فِي قبر، وأعراس فِي ليله، نضر كأنكم بهَا مطرحة، تعثر فِيهَا الْمَوَاشِي وتنبو الْعُيُون عَن حقيرها للتلاشي، إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة، وَالله عِنْده أجر عَظِيم، مَا بعد المقيل إِلَّا الرحيل، وَمَا بعد الرحيل إِلَّا الْمنزل الْكَرِيم أَو الْمنزل الوبيل، وَإِنَّكُمْ تستقبلون أهوالا، سَكَرَات الْمَوْت، بواكر حِسَابهَا، وعتب أَبْوَابهَا، فَلَو كشف الغطا مِنْهَا عَن ذرة لذهبت الْعُقُول، وطاشت الأحلام، وَمَا كل حَقِيقَة يشرحها الْكَلَام: يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق، فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور. أَفلا أعددتم لهَذِهِ الورطة حِيلَة، أَو أظهرتم للاهتمام بهَا مخيلة. أتعويلا على عَفوه مَعَ المقاطعة، وَهُوَ الْقَائِل إِن عَذَابي لشديد. أأمنا من مكره مَعَ الْمُنَابذَة، وَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون، أطعما فِي رَحمته مَعَ الْمُخَالفَة، وَهُوَ يَقُول، فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ، أَو مشاقة ومعاندة، وَمن يُشَاقق الله، فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب. أشكا فِيهِ، فتعالوا نعد الْحساب، ونقرر العقد، ونتصف بدعوة الْإِسْلَام أَو غَيرهَا من الْيَوْم، فتفقد مَا عقد الْعَاقِد عِنْد التساهل بالوعيد، والعامي يدهن الْأصْبع الوحيد، والعارف يضمر بهَا مبدأ العصب، هَكَذَا هَكَذَا يكون التعامي، هَكَذَا هَكَذَا يكون الْغرُور يَا حسرة على الْعباد مَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزءون، وَمَا عدا عَمَّا بدا، ورسولكم الْحَرِيص عَلَيْكُم، الرءوف الرَّحِيم، يَقُول لكم، الْكيس من دَان نَفسه، وَعمل لما بعد الْمَوْت والأحمق، من أتبع نَفسه هَواهَا، وَتمنى على الله الْأَمَانِي، فعلام بعد هَذَا الْمعول، وماذا يتَأَوَّل، اتَّقوا الله فِي نفوسكم وانصحوها، واغتنموا فرص الْحَيَاة وارتجوها، إِن تَقول نفس يَا حسرتي على مَا فرطت فِي جنب الله، وَإِن كنت لمن الساخرين،
стр. 968
وتنادى أُخْرَى، يَا ليتنا نرد فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل، وَتقول أُخْرَى رب ارجعوه، وتستغيث أُخْرَى هَل إِلَى مرد من سَبِيل، فرحم الله من نظر لنَفسِهِ، قبل غرُوب شمسه، وَقدم لغده من أمسه، وَعلم أَن الْحَيَاة تجر إِلَى الْمَوْت، والغفلة تقود إِلَى الْفَوْت، وَالصِّحَّة مركب الْأَلَم، والشبيبة سفينة تقطع إِلَى سَاحل الْهَرم.
وَإِن شَاءَ قَالَ بعد الْخطْبَة
إخْوَانِي مَا هَذَا التواني، والكلف بالوجود الفاني، عَن الدَّائِم الثَّانِي، والدهر يقطع بالأماني، وهادم اللَّذَّات قد شرع فِي نقض المباني إِلَّا مُعْتَبر فِي معالم هَذِه الْمعَانِي [الْأَمر تحل عَن مَقَابِر هَذِه الْمعَانِي] :
(أَلا أذن تصغي إِلَى سميعة ... أحدثها بِالصّدقِ مَا صنع الْمَوْت)
(مددت لكم صوتي بأواه حسرة ... على مَا بدا مِنْكُم فَلم يسمع الصَّوْت)
(هُوَ الْغَرِيب الْآتِي على كل دمنة ... فتولوا سرَاعًا قبل أَن يَقع الْفَوْت)
يَا كلفا بِمَا لَا يَدُوم، يَا مفتونا بغرور الْمَوْجُود الْمَعْدُوم، يَا صريع جِدَار الْأَجَل المهدوم، يَا مشتغلا ببنيات الطَّرِيق، قد ظهر المناخ، وَقرب الْقدوم، يَا غريقا فِي بحار الأمل مَا عساك تقوم، يَا مُعَلل الطَّعَام وَالشرَاب، ولمع السراب لابد أَن يهجر المشروب، وَيتْرك المطعوم، دخل سَارِق الْأَجَل بَيت عمرك، فسلب النشاط، وَأَنت تنظر، وطوى الْبسَاط وَأَنت تكذب. واقتلع جَوَاهِر الْجَوَارِح، وَقد وَقع بك البهت، وَلم يبْق إِلَّا أَن يَجْعَل الوسادة على أَنْفك وَيفْعل:
(لَو خفف الوجد عَنى دَعَوْت طَالب ثارى ... كلا إِنَّهَا كلمة هُوَ قَائِلهَا كَيفَ التَّرَاخِي)
والفوت مَعَ الأنفاس يرتقب وينتظر، كَيفَ الْأمان، وهادم اللَّذَّات لَا يبْقى وَلَا يذر، كَيفَ الركون إِلَى الطمع الفاضح، وَقد صَحَّ الْخَبَر من فكر فِي كرب الْخمار،
стр. 969
تنغصت عِنْده لَذَّة النَّبِيذ من أحس بلغط الحرس فَوق جِدَاره لم يصغ بسمعه إِلَى نَغمَة الْعود، من تَيَقّن نذل الغزلة هان عِنْده عز الْولَايَة.
(مَا قَامَ خيرك يَا زمَان بشره ... أولى لنا مَا قل مِنْك وَمَا كفا)
أوحى الله إِلَى مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ، أَن ضع يدك على متن ثَوْر، فبقدر مَا حازته من شعره تعيش سِنِين، فَقَالَ يَا رب وَبعد ذَلِك، قَالَ تَمُوت، وَقَالَ يَا رب فَالْآن.
(رأى الْأَمر يُفْضِي إِلَى آخر ... فصير آخِره أَولا)
إِذا شَعرت نَفسك آلي بالميل إِلَى شَيْء مَا عرض عَلَيْهَا غُصَّة فِرَاقه ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة. وَيحيى من حيى عَن بَيِّنَة، فالمفروح بِهِ، هُوَ المحزون عَلَيْهِ، أَيْن الأحباب مروا، فيالت شعري أَيْن استقروا، واستكانوا لله واضطروا، واستغاثوا بأوليائهم فَفرُّوا، وليتهم إِذْ لم ينفعوا مَا ضروا، فالمنازل من بعدهمْ خَالِيَة خاوية، والفروس ذابلة ذاوية، وَالْعِظَام من بعد التَّفَاضُل متشابهة مُتَسَاوِيَة، والمساكن تندب فِي أطلالها الذناب العادية:
(صحت بِالربعِ فَلم يَسْتَجِيبُوا ... لَيْت شعري أَيْن يمْضِي الْغَرِيب)
(وبجنب الدَّار قبر جَدِيد ... مِنْهُ يستسقى الْمَكَان الجديب)
(غاص قلبِي فِيهِ عِنْد التماحي ... قلت هَذَا الْقَبْر فِيهِ الحبيب)
(لَا تسل عَن رجعتي كَيفَ كَانَت ... إِن يَوْم الْبَين يَوْم عصيب)
(باقتراب الْمَوْت عللت نَفسِي ... بعد الغي وكل آتٍ قريب)
أَيْن المعمر الخالد، أَيْن الْوَلَد أَيْن الْوَالِد، أَيْن الطارف أَيْن التالد، أَيْن المجادل أَيْن المجالد، هَل تحس مِنْهُم من أحد أَو تسمع لَهُم ركزا، وُجُوه
стр. 970
علاها الثرى، وصحائف تقض وأعمال على الله تعرض، تحث الزهاد والعباد والعارفون والأوتاد، والأنبياء الَّذين هدى لَهُم الْعباد، عَن سَبَب الشَّقَاء الَّذِي لَا سَعَادَة بعده، فَلم يَجدوا إِلَّا الْبعد عَن الله، وَسَببه حب الدُّنْيَا، لن تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة:
(هجرت حبايبي من أجل ليلى ... فَمَالِي بعد ليلى من حبيب)
(وماذا أرتجي من حب ليلى ... سيجزي بالقطيعة عَن قريب)
وَقَالُوا مَا أورد النَّفس الْمَوَارِد، وَفتح لَهَا بَاب الحتف إِلَّا الأمل، كلما قومتها مثاقف الْحُدُود فسح لَهَا أَرْكَان الرُّخص، كلما عقدت صَوْم الْعَزِيمَة، أهداها طرف الْغرُور فِي أطباق، حَتَّى إِذا وَلَكِن، وَرُبمَا، فأفرط الْقلب فِي تقليبها حَتَّى أبطر:
(مَا أوبق الْأَنْفس إِلَّا الأمل ... وَهُوَ غرر مَا عَلَيْهِ عمل)
(يفْرض مِنْهُ الشَّخْص وهما مَاله ... حَال وَلَا مَاض وَلَا مُسْتَقْبل)
(مَا فَوق وَجه الأَرْض نفس حَيَّة ... إِلَّا قد انقض عَلَيْهَا الْأَجَل)
(لَو أَنهم من غَيرهَا قد كونُوا ... لامتلاء السهل بهم والجبل)
(مَا تمّ إِلَّا لقم قد هيئت للْمَوْت وَهُوَ الْآكِل المستعجل ... )
(والوعد حق والورى فِي غَفلَة ... قد خدعوا بعاجل وضلل)
(أَيْن الَّذين شيدوا واغترسوا ... ومهدوا وافترشوا وظلل)
(أَيْن ذَوُو الراحات راحت حرَّة ... إِذْ جَنبُوا إِلَى الثرى وانتقل)
(لم تدفع الأحباب عَنْهُم غير أَن ... بكوا على فراقهم وأعول)
(الله فِي نَفسك أولى من لَهُ ... ذخرت نصحا وعتابا يقبل)
(لَا تتركها فِي عمى وحيرة ... عَن هول مَا بَين يَديهَا تغفل)
(حقر لَهَا الفاني وحاول زهدها فِيهِ وشوقها لما يسْتَقْبل ... )
стр. 971
(وَقد الى الله بهَا مضطرة ... حَتَّى ترى السّير عَلَيْهَا يسهل)
(هُوَ الفنا والبقاء بعده ... وَالله عَن حكمته لَا يسْأَل)
(يَا قُرَّة الْعين وَيَا حسرتها ... يَوْم يُوفى النَّاس مَا قد عمل)
يَا طرداء الْمُخَالفَة إِنَّكُم مدركون، فاستبقوا بَاب التَّوْبَة، فَإِن رب تِلْكَ الدَّار يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ، فَإِذا أمنتم فاذكروا الله كَمَا هدَاكُمْ، يَا طفيلية الهمة دسوا أَنفسكُم فِي زمر التائبين. وَقد دعوا إِلَى دَعْوَة الحبيب فَإِن لم يكن أكل، فَلَا أقل من طيب الْوَلِيمَة. قَالَ بعض العارفين، إِذا عقد التائبون الصُّلْح مَعَ الله انتشرت رعايا الطَّاعَة فِي عمالة الْأَعْمَال، وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا، وَوضع الْكتاب، مَعَاني هَذَا الْمجْلس وَالْحَمْد لله نسيم سحر، إِذا انتشفه مخمور الْغَفْلَة أَفَاق بسعوط هَذَا الْوَعْظ يتفض إِن شَاءَ الله زكمة البطالة. أَن الَّذِي أنزل الدَّاء، أنزل الدَّوَاء، إكسير هَذَا العتاب، يغلب بحكمة جَابر الْقُلُوب المنكسرة. عَمَّن كَانَ لَهُ قلب، إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ، والموتى يَبْعَثهُم الله. أَلا هِيَ دلها من حيرة يضل فِيهَا إِلَّا أَن هديت الدَّلِيل، وأجلها من غمره، وَكَيف أَلا بإعانتك السَّبِيل. نفوس صَدْرِي على مر الْأَيَّام، مِنْهَا الصَّقِيل، وبنا بجنوبها باعانتك السَّبِيل. نفوس صدى على مر الْأَيَّام، مِنْهَا الصَّقِيل ونبا بجنوبها عَن الْحق المقيل، وأذان أبهظها القَوْل الثقيل، وعثرات لَا يقبلهَا إِلَّا أَنْت يَا مقيل، حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.
وَمن ذَلِك
إخْوَانِي، صمت الْأَذَان والنداء جهير، وَكذب العيان والمشار إِلَيْهِ شهير، أَيْن الْملك، وَأَيْنَ الظهير، أَيْن الْخَاصَّة وَأَيْنَ الجماهير، أَيْن الْقَبِيل وَأَيْنَ العشير، أَيْن كسْرَى وَأَيْنَ أزدشير، صدق الله الناعي، وَكذب البشير وَعز المستشار واتهم المشير، وسبل عَن الْكل فَأَشَارَ إِلَى التُّرَاب المشير:
стр. 972
(خُذ من حياتك للمات الآت ... وبدار مَا دَامَ الزَّمَان موَات)
(لَا تغترر فَهُوَ التُّرَاب بقيعة ... قد خودع الْمَاضِي بِهِ والآتي)
(يَا من يؤمل واعظا ومذكرا ... يَوْمًا لينقذه من الغفلات)
(هلا اعْتبرت ويالها من عِبْرَة ... بمدافن الْآبَاء والأمات)
(قف بِالبَقِيعِ وناد فِي عرصاته ... فلكم بِهِ من جيرة ولدات)
(درجوا وَلست بِخَالِد من بعدهمْ ... متميز عَنْهُم بِوَصْف حَيَاة)
(وَالله مَا استهللت حَيا صَارِخًا ... إِلَّا وَأَنت تعد فِي الْأَمْوَات)
(لَا فَوت عَن دَرك الْحمام لَهَا رب ... وَالنَّاس صرعى معرك الْآفَات)
(كَيفَ الْحَيَاة لدارج متكلف ... سنة الْكرَى بمدافن الْحَيَّات)
(أسفا علينا معشر الْأَمْوَات لَا ... ننفك عَن شغل بهاك وهات)
(ويغرنا لمع السراب فتغتدي ... فِي غَفلَة عَن هَادِم اللَّذَّات)
(وَالله مَا نصح امْرأ من غشه ... وَالْحق لَيْسَ بخافت للمشكات)
يَا من غَدا وَرَاح، وَألف المراح، يَا من شرب الراح، ممزوجة بالعذب القراح، وَقعد لقيان صروف الزَّمَان، مقْعد الاقتراح، كَأَنَّك وَالله باخْتلَاف الرِّيَاح، وَسَمَاع الصياح، وهجوم غَارة الاجتياح، فأديل الخفوت من الارتياح، ونسيت أصوات الفنا برنات النياح، وعوضت غرر النوب بالقباح، من غرر الْوُجُوه الصَّباح، وتناولت الجسوم الناعمة أَيدي الاطراح، وتنوسيت العهود الْوَثِيقَة بكر المسا عَلَيْهَا والصباح، وأصبحت كماة النطاح من تَحت البطاح، وَحَملَة المهندة والرماح، ذليلة بعد الجماح:
(وَلَو كَانَ هول الْمَوْت لَا شَيْء بعده ... لهان عَلَيْهَا الْأَمر واحتقر الهول)
стр. 973
( [وَلكنه حشر وَنشر وجنة ونار ... وَمَا لَا يسْتَقلّ بِهِ القَوْل] )
يَا مشتغلا بداره ورم جِدَاره، عَن إسراعه إِلَى النجَاة وَبِدَارِهِ، يَا من صَاح بإنذاره شيب عذاره، يَا من صرف عَن اعتذاره باقذايه وأقتراره، يَا من قطعه بعد مزاره، وَثقل أوزاره. يَا مُتَعَلقا ينْتَظر هموم حزاره، يَا مختلسا للأمانة يرتقب مفتش مَا تَحت إزَاره، يَا من أمعن فِي خمر الْهوى، خف من إسكاره، يَا من خَالف مولى رقّه، توق من إِنْكَاره، يَا كلفا بعارية ترد يَا مفتونا بِأَنْفَاسِ تعد، يَا معولا على الْإِقَامَة والرحال تشد، كأنني بك وَقد أوثق الشد، وألصق بالوسادة الخد، وَالرجل تقبض وَالْأُخْرَى تمد، وَاللِّسَان يَقُول يَا ليتنا نرد:
(إِنَّا إِلَى الله وَإِنَّا لَهُ ... مَا أشغل الْإِنْسَان عَن شَأْنه)
(يرتاح للأثواب يزهى بهَا ... وَالْخَيْط مغزول لأكفانه)
(ويخزن الْفلس لوراثه ... مستنفدا مبلغ إِمْكَانه)
(قوض عَن الفاني رحال أَمْرِي ... مد إِلَيْهِ كف عرفانه)
(مَا تمّ إِلَّا موقف رَاهن ... قد وكل الْعدْل بميزاته)
(مفرط يشقى بتفريطه ... ومحسن يَجْزِي بإحسانه)
يَا هَذَا خَفِي عَلَيْك فرض اعتقادك، فَالْتبسَ الشَّحْم بالورم. جهلت قيم الْمَعَادِن فَبِعْت الشّبَه بِالذَّهَب، فسد حسن ذوقك، فتفكهت بحنظله، أَيْن حرصك من أَجلك، أَيْن قَوْلك من عَمَلك، يدركك الحيا من الطِّفْل، فتتحامى حمى الْفَاحِشَة فِي الْبَيْت بِسَبَبِهِ ثمَّ تواقعها بِعَين خَالق الْعين، ومقدر الكيف والأين تالله مَا فعل فعلك بمعبوده من قطع بِوُجُودِهِ ﴿" مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة ... الْآيَة "﴾ ، تعود عَلَيْك مساعي الْجَوَارِح الَّتِي سخرها لَك بالقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة، فتبخل مِنْهَا فِي سَبيله بفلس، وَأحد الْأَمريْنِ لَازم، إِمَّا التَّكْذِيب
стр. 974
وَإِمَّا الحماقة. وجمعك بَين الْحَالَتَيْنِ عَجِيب، يرزقك السنين العديدة من غير حق وَجب لَك، وتسيء الظَّن بِهِ يَوْم توجب الْحق، وتعتذر بالغفلة، فَمَا بالك التَّمَادِي. تعترف بالذنب فَمَا الْحجَّة مَعَ الْإِصْرَار، والبلد الطّيب يخرج نَبَاته بِإِذن ربه. وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلاكدارا، يَا مدعى النسْيَان مَاذَا فعلت من بعد التفكير، يَا معتذرا بالغفلة أَيْن نصْرَة التَّنْبِيه، يَا من قطع بالرحيل أَيْن الزَّاد. يَا ذُبَابَة الْحِرْص الى كم تلحج فِي ورطة الشهد، يَا نايما ملْء عَيْنَيْهِ، جِدَار الْأَجَل يُرِيد أَن ينْقض، يَا ثمل الاغترار قرب خماد النَّدَم. تدعى الحذق بالصنايع، وتجهل هَذَا الْقدر. تبذل النصح لغيرك، وتغش نَفسك هَذَا الْغِشّ. اندمل جرح توبتك على عظم، قَامَ بِنَا عزيمتك على رمل نَبتَت خضراه، دعوتك على دمنه. عقدت كفك من الْحق على قَبْضَة مَا ﴿" فَمن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا ... . " الاية "﴾ إِذا غام جو الْمجْلس، وابتدا رش غمام الدُّمُوع، قَالَت النَّفس الأمارة حوالينا وَلَا علينا، فوالت ريَاح الْغَفْلَة وسحاب الصَّيف جفاف كلما شدّ طِفْل الْعَزِيمَة كَفه على درة التَّوْبَة صانعته طير الشَّهْوَة على ذَلِك بعصفور. إِذا ضيق الْخَوْف فسحة الْمهل، سرق الأمل حُدُود الْجَار. قَالَ بعض الْفُضَلَاء، كَانُوا إِذا فقدوا مطلوبهم تأملوا قُلُوبهم، وَلَو صدق الْوَاعِظ الْأَثر، اللَّهُمَّ لَا أَكثر، طَبِيب يداوي النَّاس وَهُوَ عليل والتفطن قَلِيل، فَهَل إِلَى الْخَلَاص سَبِيل. اللَّهُمَّ انْظُر بِعَين رحمتك الَّتِي وسعت الْأَشْيَاء، وشملت الْأَمْوَات والأحياء، يَا دَلِيل الحائرين. دلنا يَا عَزِيز، ارْحَمْ ذلنا يَا ولي من لَا ولي لَهُ كن لنا إِن أَعرَضت عَنَّا فَمن لنا نَحن المذنبون، وَأَنت غفار الذُّنُوب، فَقلب قُلُوبنَا يَا مُقَلِّب الْقُلُوب، واستر عيوبنا يَا ستار الْعُيُوب يَا أمل الطَّالِب وَغَايَة الْمَطْلُوب، أَنْت حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.
стр. 975
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي هَذَا الْغَرَض مِمَّا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء
الْحَمد لله على نعْمَة الْإِسْلَام، وبنور النُّبُوَّة تجلو عَنَّا غياهب الظلام، ونسعى إِلَى دَار السَّلَام، حفظك الله يَا أَبَا سعيد، وأرشد سعيك وتدارك بالمرمة وهيك، قبل أَن يسمع الْمَوْت نعيك، وقفت على براءتك الطَّوِيلَة الذيل. المطفقة فِي الْكَيْل، مُشْتَمِلَة على تهويل، ومرعى وبيل، وعتاب طَوِيل، وتبجج بِأَلْفَاظ وأقاويل، لم ينجع فيا طب ابْن مقدم، وَلَا علاج ابْن عبد الْجَلِيل. مَا ثمَّ إِلَّا عوايد يشتكي من لُزُومهَا ودخز قلومها، وَبعد يتَضَرَّر من طول مداه، وَوهم يقلق من اشتباك لحْمَته بسداه، مَعَ الِاعْتِرَاف مِنْهُ بالعثور من الشَّيْخ الْوَاصِل، على الْكَنْز الْحَاصِل [ومصاحبة من يطبق بالحسام الناصل شوا كل المفاصل] إِن كَانَ الْفَتْح حَاصِلا فَمَا معنى الشكوى. أَو لم يحصل، فحتى مَتى الْبلوى، وَهَذَا الدّين الَّذِي يلوي، وغريمه مَعَ اللدد يهوى، والهوى مَعَ انصرام الْعُمر فِي هَذَا المهوى. أَيْن الثمرات يَا شجر الْحور، أَيْن الراهبي يَا جاعلي البصلة فِي أست الثور. ثناؤكم على النَّاس تَقْلِيد، وشأنكم فِي الاختبار شَأْن البليد، وعقولكم يترفع عَنْهَا عقل الْوَلِيد. ثمَّ إِن هَذِه العوايد، الَّتِي تشكى ويضحك لَهَا ثمَّ يبكي، ويتلذذ بذكرها حِين تحكى، لم تضايق الْإِيمَان، وَلَا رفعت وَالْحَمْد لله الْأمان. إِنَّمَا هِيَ بزعمكم حب دنيا لَا يُعَارض الْوَعْد، وَلَا يسابق العقد، والعوايد تعالج مَعَ بَقَائِهَا وَعمْرَان نافقاتها، بأدوية شَرْعِيَّة تنير عبوسها: وَتذهب بوسها، وتملس أديمها، وتونس عديمها، صَعب عَلَيْكُم اسْتِعْمَالهَا، وَسَهل لديكم إهمالها. ورمتم الغايات بالترهات، والحقائق بِالشُّبُهَاتِ، وَدَعوى الدَّرَجَات، مَعَ المداجاة، والشريعة لم تذْهب، والمدارس لم تخرب، والكتب لم تحرق، وسيرة النَّبِي وَالسَّلَف الصَّالح لم تختلس وَلم تسرق. أينكم من الْوَسَائِل الشَّرْعِيَّة، والذمم المرعية. أَيْن الصَّدقَات، إِذا حدقت إِلَى الأكف الحدقات، أَيْن زلف اللَّيْل، أَيْن الزَّكَاة
стр. 976
المتوعد ممسكها بِالْوَيْلِ، أَيْن الْجِهَاد وارتباط الْخَيل، أَيْن الْحَج وركبانه، تتدافع تدافع السَّيْل، أَيْن تِلَاوَة الْقُرْآن الَّذِي تطمئِن بِهِ الْقُلُوب، أَيْن الْخلق الَّذِي لَا يَصح دونهَا الْمَطْلُوب، أَيْن الْحَظ المغلوب، أَيْن الصَّبْر والسكون، وانتظار الْفرج مِمَّن يَقُول للشَّيْء كن فَيكون، أَيْن قيدها وتوكل، أَظُنهُ أشكل، أَيْن الأنفة من الاشتهار، أَيْن الْأنس بالخلوة بَيَاض النَّهَار، عدل عَن ذَلِك كُله إِلَى الْبُخْل على الْمَسَاكِين، والسلاطة على أهل الدكاكين، وهجر الممورد الْمعِين، والتعويل على الْوُصُول إِلَى الله من خرجَة ابْن سبعين. والحرمان تتضاعف مكاسبه، والمقصد الْخَبيث يمده الشَّيْطَان بِمَا يُنَاسِبه، مقَام التَّوْبَة لم يحصل، وَسُوء الْولَايَة تفصل، وعقود العقد الصَّحِيح لم تبرم، والمحرمات بعد لم تحرم، والمواجد لم يخْطب الْمحل الأكرم، الْقَوَاعِد بعد مضاعة، وَمَعْرِفَة الله قد حفلت براعة، الْخلق لم تهذب، والنفوس فِي التمَاس الْكَمَال تعذب، ثَمَرَات الْعَمَل لم تحصد، وغاياتها فِي الحوانيت تقصد، كَانَ جُمْهُور الْمُسلمين همج مهمل، كَأَن الْأَنْبِيَاء لم تبين مَا يعْمل، كَانَ الشَّرِيعَة لَيْسَ لأوضاعها سوق، وَلَا لنخلها بسوق، كَأَن الشَّافِعِي أَو مَالك لَيْسَ بسالك، وَإِن مَا دون أشياخكم هَالك، هَذَا لَو كَانَ لكم أَشْيَاخ، أَو لمسير جيرتكم مناخ. إِنَّمَا هِيَ أَعْلَام للشهرة تنصب، وتيجان للخطوب تعصب النسي يذكر، وَالذكر ينسى، وَظُهُور الْوَلَد وَالْمَسَاكِين تعرى، والخليلي يكسى، وابدأ بِمن تعول يُوسع رسمه طمسا، والاعتدال يحكم فِيهِ الْجِدَال، بِاللَّه خلوا عَنْكُم الِاصْطِلَاح الْخَالِي، وَهَذَا التَّنْوِين الغالي مَعَ حرمَان المخالي، والقنوع بالقراغ مَعَ حرونة المراغ، والغليان الَّذِي يبغضكم إِلَى الله وَإِلَى خلقه، وهم الشُّهَدَاء فِي رقة مَعَ الْغَفْلَة عَمَّا أوضح لكم المشرع من حَقه، وتخطى الظَّاهِر الْمَضْمُون إِلَى الْمُشكل المظنون، فَلَو كَانَ سيركم مُسْتَقِيمًا، لم يكن الْقيَاس
стр. 977
عقيما، عُمْيَان قد هجرت الكحال، وأملت فِي رد أبصارها الْمحَال. مَا الَّذِي رابكم، أنس الله اغترابكم، من سيرة السّلف الَّذين تجروا وكسبوا وانتموا لغنى الأكف وانتسبوا، وتصدقوا ووهبوا، وَجَاهدُوا وحجوا وَمَا انحرفوا وَلَا لجوا، وبسيرة أَعْمَالهم احْتَجُّوا، وَسعوا والتمسوا، وأكلوا الطّيب ولبسوا، وجوارحهم بميزان الشَّرِيعَة، أرْسلُوا وحبسوا، وَشهد لَهُم بالخلاص عقدهم الَّذِي حفظوا ودرسوا، لم يزمعوا لغير الضَّرُورَة طَلَاقا، وَأَشْفَقُوا من فِرَاق أَهْليهمْ إشفاقا، وَلَا حلوا لحسن الْعَهْد نطاقا، وَلَا قتلوا أَوْلَادهم إملاقا، وَلم يضرهم مَعَ الاسْتقَامَة معاشهم، وَلَا قطع بهم عَن الله أثاثهم وَلَا رياشهم، بل إِلَى فِئَة الْحق انحياشهم، وَأَنْتُم على الْحَقِيقَة، وَمن لكم بذلك أوباشهم، فَإِن قُلْتُمْ وَسعوا مَا ضَاقَ عَنهُ احتمالنا، وَلم تستطعه أَعمالنَا، فَهَلا تفطنتم وتنبهتم، وتكلفتم هديهم وتشبهتم. أتظنون أَنهم غَابَ عَنْهُم مَا أدركتم، أَو عجزوا عَمَّا إِلَيْهِ تحركتم، وهب أَن ثمَّ مقامات عالية، ولمقدمات أصل الشَّرِيعَة بزعمكم بالية، هلا استربتم إِذْ لم تدركوها، وَإِن لم تحصلوا مِنْهَا إِلَّا على أَن تحكوها، فرجعتم إِلَى الأَصْل الْمُجَرّد. وَالطَّرِيق الْمُقَرّر، فَمن ضل وَجب عَلَيْهِ أَن يعرس حَتَّى يصبح، ويبدو المهيع ويتضح، فاقتحام المفاز بِلَا دَلِيل شَأْن غير النَّبِيل، وبالانقطاع كَفِيل، وَيَا ليتكم بَلغْتُمْ دَرَجَة البله الْمَشْهُود بتوفيقهم، وَصِحَّة طريقهم، وَمن أجهده الْحزن أمْهل، وَمن تحير وَجب عَلَيْهِ أَن يسْأَل، وَيتْرك اللجاج أجمل، وَلم ير فِي الْأَمر حَتَّى يتَأَوَّل، وَمن لم يستيقن فَلَا يستعجل، وَالطَّرِيق الَّذِي احتقرتم، وَالله أهمل، وأحجكم بالشيخ عبد الْجَلِيل الَّذِي ظلمتموه، وبكشف الغيوب اتهمتموه، وبالولاية حددتموه ورسمتموه، وَهُوَ يقوم على السَّلب بيعا وشرا، واعتمارا وكرا، وَيصْلح من كرمه الَّذِي لم يعه، فَإِن قُلْتُمْ ذَلِك شيخ هِدَايَة، فقد كَانَ ذَا بداية، ومفتقرا مثلكُمْ إِلَى داية، فَلم تلح عَلَيْهِ من شَيْء مِمَّا أَنْتُم عَلَيْهِ آيَة، وَلم يُطلق زوجه مجَّانا،
стр. 978
وَلَا تطارح فِي مصلى الجنايز عُريَانا، وَلَا خطت مِنْهُ فِي مجَال النَّجَاسَات، رجل وَلَا دب إِلَى وَادي الجمد، كانه عجل. فعلى م عولتم فِيمَا تأولتم. الْقَدِيم مُخَالف للسمت، والْحَدِيث مُتَّهم بالعوج والأمت أَعلَى أهل السبت، وَمن حكم عَلَيْهِ بالكبت. نَسْتَغْفِر الله ذَا الْجلَال، ونستهديه من الضلال، ونبدأ إِلَيْهِ من نفوس عجل لَهَا الْعَذَاب، وغرها الأمل الْكذَّاب، وَأَظْمَأت وحولها الْمَوَارِد الْعَذَاب. فَترك الشَّرَاب، وَاتبع السراب. وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه [الْعلي الْعَظِيم] . وَأما مَا يخص حالك يَا أَبَا سعيد، والقريب الْبعيد، فمورد الْمَوَدَّة لم ينضب معينه. وَلَا الْتبس بِالشَّكِّ يقينه، وَمن أعَان مُسْتَقِيمًا فَالله يُعينهُ، وَمَا يتَّصل بكم من جفَاء فَهُوَ علم الله، تَأْدِيب وتهذيب وغيرة يجدهَا ولي حبيب، وَالله شَهِيد رَقِيب، وَلَو كَانَ بودي، لم تكن يدك مغلولة [وَلَا نيتك مسلولة، وَلَا عقيدتك معلولة وَلَا نَفسك على الشُّح مجبولة] وَلَا ولدك عَارِيا ذليلا، وَلَا الْخَيْر ببيتك المليء بالحبوب المختزنة قَلِيلا، وَلَا همتك عَن الْجِهَاد فِي سَبِيل الله كاسدة، وَلَا خبايث المصطلحات عَن حدبك ناسلة، وَلَا استعذبت على شيخك بِمَا رزأه من مَالك وذممك سَمَاعا من فمك، فَأَصْبَحت فِي أفقها، والرفض من شيمك، فتفطن لما نزل بك، وسل الله صلَة بسببك، وَاعْلَم أَنِّي بذلت لَك النَّصِيحَة مُنْذُ زمَان برسالة " الْغيرَة على أهل الْحيرَة "، وَقد علمت بمآل أَمرك وَضرب زيدك وعمرك، فَإِن قبلت مَا جبلت، وَلَو سَمِعت مَا كنت فِي الْمحَال طمعت، ولكنت معتدل التصريف مجانبا للتحريف، منفقا فِي سَبِيل الله التليد الغالي والطريف، جَارِيا من الْإِحْسَان لنَفسك وولدك على السّنَن الشريف. هَذَا جَوَاب سحاءتك المسجعة، ورسالتك القليلة الطَّحْن الْكَثِيرَة الجعجعة. وَقد أعدتنا وَالْحَمْد لله،
стр. 979
تِلْكَ الغزارة، وَإِن النَّفس لأمارة، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم. [وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا] .
انْتهى هَذَا الْكتاب الْمُسَمّى " بريحانة الْكتاب، ونجعة المنتاب " على يَد ناسخها لنَفسِهِ تمّ لمن شَاءَ من وَلَده من بعده، عبيد الله الْمقر بِذَنبِهِ، الراجي عَفْو ربه، أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن عبد الله البقني الْأنْصَارِيّ غفر الله ذنُوبه، وَستر عيوبه، بتاريخ أواسط شَوَّال عَام ثَمَانِيَة وَثَمَانِينَ وثمان مائَة، وَالْحَمْد لله، وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى.
تمّ نسخه بِحَمْد الله فِي صباح يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَجَب سنة ١٣٩٩ هـ الْمُوَافق ٢٣ يونيه سنة ١٩٧٩ م.