← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 696

عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر

محمود شكري الألوسي

Полный текст (325 стр.). Показаны 64–103.

стр. 64

«المختصر من نخبة الفِكَر» للشيخ عبد الوهاب بركات الشافعي الأحمدي

стр. 65

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ كَلِمَاتٌ سَمَّيْتُهَا: «الْمُخْتَصَر مِنْ نُخْبَةِ الْفِكَرِ». الْخَبرُ: إِنْ رَوَاهُ فيِ سَائِرِ طَبَقَاتِهِ جِمْعٌ يَسْتَحِيلُ عَادَةً تَواطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَاسْتَنَدَ إلَى الْحِسِّ؛ فَهُوَ الْمُتَواتِرُ. وَإِنْ رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ الثَّلَاثَةُ؛ فَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَإِنْ رَوَاهُ اثْنَانِ؛ فَهُوَ الْعَزِيزُ. وَإِنْ رَوَاهُ واحِدٌ؛ فَهُوَ الْغَرِيبُ، وَيُقَالُ لَهُ: الْفَرْدُ الْمُطْلَقُ، إِنْ كَانَ التَّفَرُّدُ فيِ أَصْلِ السَّنَدِ؛ وإِلَّا فَهُوَ الْفَرْدُ النِّسْبِيُّ. وَمَا سِوَى الْمُتَوَاتِرِ؛ آحَادٌ، وَبَعْضُهَا مَقْبُولٌ، وَبَعْضُهَا مَرْدُودٌ. الْمَقْبُولُ: إِنْ رَوَاهُ عَدْلٌ تَامُّ الْضَّبْطِ، وَاتَّصَلَ سَنَدُهُ، وَسَلِمَ مِنْ الشُّذُوذِ، وَمِنَ

стр. 66

الْعِلَّةِ القَادِحَةِ؛ فَهُوَ الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ. وَإِنْ وُجِدَتِ الشُّرُوطُ الخَمْسُ، لَكِنْ خَفَّ الضَّبْطُ؛ فَهُوَ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ. وَتَفَاوَتُ مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ بِتَفَاوُتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِالْقُوَّةِ. وَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْحَسَنِ إِذَا كَثرت طُرُقِهِ. وَزِيَادَةُ رَاوِي الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ -مَقْبُولَةٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ. فَإِنْ خَالَفَ الرَّاوِي مَنْ هُوَ أَرْجَحُ؛ فَالرَّاجِحُ هُوَ: الْمَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ هُوَ: الشَّاذُّ. وَمَعَ الضَّعْفِ؛ فَالرَّاجِحُ هُوَ: الْمَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ هُوَ: الْمُنْكَرُ. وَمَا يُظَنُّ أنَّهُ فَرْدٌ نِسْبِيٌّ: إِنْ وُجِدَ لَهُ مُوَافِقٌ، وَلَو مَعْنَىَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيِّهِ؛ فَذَلِكَ الْمُوَافِقُ هُوَ: الْمُتَابعُ، وَالْمُتَابَعَةُ: إِنْ كَانَتْ لِلرَّاوِي نَفْسِهِ؛ فَهِيَ التَّامَّةُ. وَإِنْ كَانَتْ لِشَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ؛ فَهِيِ الْقَاصِرَةُ، وَكلٌّ مِنْهُمَا يُفْيُد التَّقْوِيَةَ. وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ -وَلَوْ فِي الْمَعْنَى- مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ آخَرَ؛ فَهْوَ الشَّاهِدُ. وتَتَبُّعُ الطَّرِيق هُوَ: الاعْتِبَارُ. ثُمَّ إِنْ سَلِمَ الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِمِثْلِهِ؛ فَهُوَ الْمُحْكَمُ؛ وَإِلَّا: فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ؛ فَهُوَ مُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ؛ وَإِلَّا: فَإِنْ عُرِفَ المُتَّأَخر؛ فَهُوَ النَّاسِخُ، وَالْآخَرُ الْمَنْسُوخُ.

стр. 67

وَالْمَرْدُودُ: إِمَّا إَنْ يَكُونَ رَدُّهُ لِسَقْطٍ مِنَ السَّنَدِ، أَوْ طَعْنٍ فِي رَاوٍ: فَمَا سَقَطَ أَوَّلُ سَنَدِهِ، تَصَرُّفًا مِنْ مُصَنِّفٍ؛ فَهُوَ الْمُعَلَّقُ. وَمَا سَقَطَ صَحَابِيُّهُ؛ فَهُوَ الْمُرْسِلُ. وَمَا سَقَطَ مِنْهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ مَعَ التَّوَاليِ؛ فَهُوَ الْمُعْضَلُ. وَمَا سَقَطَ مِنْهُ وَاحِدٌ، وَلَوْ فِي مَوَاضِعَ؛ فَهُوَ الْمُنْقَطِعُ. فَإِنْ خَفِيَ السُّقُوطُ بِأَنَ رَوَى عَنْ مُعَاصِرِهِ شَيئًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، بِصِيَغةٍ تَحْتَمِلُ السَّمَاعَ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّهُ لَقِيَهُ؛ فَهُوَ الْمُدَلَّسُ: وَإِلَّا: فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ. وَالطَّعْنُ يَكُونُ بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ: خَمْسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعَدَالَةِ؛ وَهِيَ: ١ - الكَذِبُ فيِ الْحَدِيثِ النَّبوِيِّ. ٢ - وَالتُّهَمَةُ بِذَلِكَ. ٣ - وَظُهُورُ الْفِسْقِ،. ٤ - وَالْجَهْلُ بِحَالِ الرَّاوِي. ٥ - وَبِدْعَتُهُ المُكَفِّرَةُ. وَخَمْسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالضَّبْطِ؛ وَهِيَ: ١ - فُحْشُ غَلَطِهِ. ٢ - وَكَثْرَةُ غَفْلَتِهِ.

стр. 68

٣ - وَوَهْمُهُ. ٤ - وَمُخَالَفَتُهُ لِلثِّقَاتِ. ٥ - وَسُوءُ حِفْظِهِ. وَالْوَهْمُ: كَوَصْلِ مُرْسِلٍ، وَإِدْخَالِ حَدِيثٍ فيِ حَدِيثٍ؛ وَهَذَا هُوَ الْمُعَلَّلُ. والْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتُ بِتَغَيْيِرِ سِيَاقِ الْإِسْنَادِ؛ فَهُوَ مُدْرَجُ الْإِسْنَادِ. أَوْ بِدَرْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ؛ فَهُوَ مُدْرَجُ الْمَتْنِ. أَوْ بِتَقْدِيِمٍ وتَأْخِيرٍ فِي الْأَسْماَءِ؛ فَهُوَ الْمَقْلُوبُ، وَقَدْ يَقَعُ الْقَلْبُ فِي الْمَتْنِ أَيْضًا. أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ؛ فَهُوَ الْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ. أَوْ بِإِبْدَالِ رَاوٍ، وَلَا مُرَجِّحَ؛ فَهُوَ المُضْطَرِبُ. أَوْ بِتَغْيِيِر بَعْضِ الْحُرُوفِ بِالْنِّسْبَةِ إِلَى النَّقْطِ: هُوَ الْمُصَحَّفُ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّكْلِ: هُوَ المُحَرَّفُ. وَالْإِسْنَادُ: إِنِ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : فَالْمرْفُوعُ. أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ: فَالْموْقُوفُ. أَوْ إِلَى التَّابِعِيِّ، أَوْ منْ دُونَهُ: فَالْمَقْطُوعُ.

стр. 69

وَيُقَالُ لِلأَخِيَريْنِ: الْأَثَرُ. وَالمُسْنَدُ: مَرْفُوُع صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهرِه الِاتِّصَالِ. فَإِّنْ قَلَّ عَدَدُ رِجَالِ السَّنَدِ، وَانْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَهُوَ الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ. أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ؛ فَهُوَ الْعُلُوُّ النِّسْبِيُّ. فِإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ في صِفَةِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرِّوَايَةِ؛ كَالسِّنِّ، واللُّقِيِّ: فَهُوَ الْأَقْرَانُ. وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ: فَهُوَ الْمُدَبَّجُ. وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُوْنَهُ: فَهُوَ رِوَايَةُ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِر. وإِنِ اجتَمَعَ اثْنَانِ عَلَى شَيْخٍ، وَتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا: فَهُوَ السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ. وَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيغِ الْأَدَاء، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْحَالَاتِ؛ فَهُوَ الْمُسَلْسَلُ. وصَيَغُ الْأَدَاءِ: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرِئ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَأَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ -أيْ: بِالْإِجَازَةِ فِيْهِمَا- ثُمَّ عَنْ نَحْوُهَا. وَعَنْعَنَةُ الْمُعَاصِرِ مُحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ، إِلَّا مِنَ الْمُدَلِّس، وَقِيِلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا وَلَوْ مَرَّة؛ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. ثُمَّ الرُّوَاة: إِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آَبَائِهِمْ فَصَاعِدًا: فَهُوَ الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ.

стр. 70

وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًّا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ. وَإِنْ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ، وَاخْتَلَفَتِ الْآَباءُ، أَوْ بِالْعَكْسِ: فَهُوَ الْمُتِشَابِهُ. وَتَرَكْتُ تَفَاصِيلَ وَمُهِمَّاتٍ أَحَلْتُهَا عَلَى الْمُطَوَّلَاتِ؛ لِغَرَضِ الِاخْتِصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (١)

стр. 71

عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر للعلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك- اللهُمَّ على متواتر نعمائك (١) ومستفيض إحسانك وآلائِك، وأشكُرُكَ على ما مَنَحْتَنَا به من الحديث الصحيح، ومَيَّزْتَنَا به من المَنْطِق الفصيح، وأصلِّي وأسلِّم على سَنَدِ كلِّ مُرْسَل، والعُرْوَةِ الوُثْقَى لمن تمسَّك به وتَوَسَّل (٢)، صاحبِ الخُلُق الحَسَن، ومَنْ تَسَلْسَلَتْ بوجوده أنواعُ المِنَن،

стр. 73

وارتفعَتْ بِبِعْثته جميعُ المِحَن (١)، المنقطِعِ إلى الله، والمُتَّصِلِ بعبادة مولاه، جَلَّ شأنه وعُلَاه، وعلى آله الذين يَكِلُّ مَتْنُ الدهر عن حَمْل مناقبهم،

стр. 74

وشريفِ خصالهم، وينحني كاهلُ الأزمنة عن رفَعْ محاسنهم، ومَزِيِد كمالهم، شموسِ فَلَكِ الهداية، وبدور سماء الرواية والدراية، وعلى أصحابه الذين رَوُوْا من زلاله، ورَوَوْا عنه جميعَ أفعاله و أقواله، باعوا عزيز نفوسِهِمْ، حتَّى غدا غَرِيبُ الدِّين بهم موصولَ الرَّحِم، وكَشَفُوا غَيَاهِبَ الجهالات حتى اتضح بذلك كل مُشْكِلٍ ومُعْضَلٍ ومُدْلَهِمّ؛ وبعد: فيقول الفقيرُ إلى الله تعالى، الهادي: السيدُ محمود شُكْرِي بْنُ السيّدِ عبد اللهِ بهاء الدِّينِ بْن أبي الثَّنَاءِ شِهَابِ الدِّينِ، الحُسَيْنِيُّ، الآلُوسِيُّ، البغداديُّ: إن أحقَّ العلومِ بالتقديم، وأَجْدَرَ الفضائل بالتَّبْجيل والتعظيم، وأحْسَنَ ما تُصْرَفُ له الأعمار، وتُوَجَّهُ إليه الهِمَم والأفكار، الاشتغالُ بعلْمِ الحَدِيث، الممدوحِ في القديم والحديث؛ كيف لا: وهُوَ الذي يُعْرَفُ به سائر التكاليف والأحكام، ويتميَّزُ به الحقُّ من الباطل والحلالُ من الحرام، والعارفُ به مرفوعُ القَدْر في كلِّ قَرْنٍ وعَصْر [من الكامل]: أَهْلُ الْحَدِيِثِ عِصَابَةُ الْحَقِّ … فَاَزُوا بدَعْوَةِ سَيِّدِ الْخَلْقِ فَوُجُوهُهُمْ زُهْرٌ مُنَضَّرَةٌ … لأْلَاؤُهَا كَتَأَلُّقِ الْبَرْقِ (١). لاسيَّما عِلْمُ أصوله الذّي هو مَبْنَاه، وأساسُهُ الذي يَقُوم عليه أوَّلُهُ

стр. 75

ومُنْتَهَاه، ويتميَّز به القِشْرُ من اللُّبَاب، ويَرْتَفِعُ به عن الأبصار الحِجَاب، به يَتَبَيَّنُ ما يُقْبَلُ من الكلام، ويُعْرَفُ ما لَهُ مِنَ الأنواع والأَقْسَام؛ وتظهرُ لطائِفُه، وتَبْرُزُ نُكَتُهُ وطرائفه، وقد كَثُرَ فيه التأليف؛ وأُشْبِعَ الكلامُ عليه في التَّصَانيف، حتَّى لم يَبْقَ فيه قَوْلٌ لقائل، ولا نَظَرٌ في مسألةٍ من المسائل، وهكذا كلُّ عِلْمٍ من العلوم؛ مِنْ منطوقها والمفهوم؛ فصار المتصدِّي -اليَوْمَ- لتأليف كتاب؛ كالراقم على الماء عند ذوي الأَلْبَاب، بَيْدَ أنِّي وجَدَتُّ مَتْنًا جامعًا لعرَرِ هذا الفنِّ وقواعِدِه، حاويًا لفرائِدِ مَسَائِلِهِ وفوائِدِه، مشتملًا على مباحثَ هي لُبَابُ آراء المحدِّثين، من المتقدِّمين والمتأخِّرين، ليس له نَظيرٌ في بَابِه، ولا مُمَاثلٌ له ولا مُشَابِه، بوجازة لَفْظٍ تتحيَّرُ فيه الألباب، وحُسْنِ سَبْكٍ يُقْضَى منه العَجَبُ العُجَاب، للعالم العَلاَّمهْ؛ والكامل الفَهَّامهْ، مولانا الشَّيْخِ عبد الوَهَّابِ بَرَكَاتٍ الشَّافعيِّ الأحمديّ، عليه رحمة مولاه الأبديّ. ولم أَظْفَرْ على شَرْحٍ له تنشرحُ قلوبُ الطَّالبِينَ بَمْكُنونِ فرائِدِه، ويَظْهَرُ من مطويِّ إشاراتِهِ مَنْشُورُ فوائِدِه، مع أنَّه لا ينبغي أن يُتْرَكَ مِثْلُ هذا ويُهْمَل، ولا يليقُ أنْ يُعْرَضَ عنه ويُغْفَل. فحدَّثَتْنِي نَفْسي، وسَارَّني حَدْسي، بما يستوجبُ الاستغفار، ويُطْلَبُ منه الفِرَار، ممُّا تَشْتَدُّ إليه الضرورة: من شَرْحٍ يُذَلِّل من اللفظ صِعَابَه، ويكشفُ عَنْ وَجْه المعاني نِقَابَه؛ حيثُ إِنَّ ذلكَ مسلكٌ خطير، لا يَسْلُكُهُ إلا خبير، وإِنِّيٍ وإنْ بذلْتُ في تحصيل هذا الفنِّ شَطْرًا من الزمان، لَسْتُ مِنْ فُرْسَان هذا الميدان، فَضَرَبْتُ عن ذلك صَفْحًا، وخاطَبْتُ نفسي بما

стр. 76

يَرْدَعُهَا تخويفًا ونُصْعَا، على أنَّ مِثْلَ هذا الفنِّ قد نَضَبَ اليوم مَاؤُه، وذهَبَ والأمْرُ لِلَّهِ تعالى رُوَاؤُه، وعَرَا أزهارَهُ الذُّبُول، وتُرِكَ في زوايا الخُمُول، والمتحدِّثُ به مُنْتَقَص، والمُشْتَغِلُ فيه منغَّص، وإنَّ الرغبات -اليَوْمَ- ممتدَّةٌ أعناقُهَا نَحْوَ تحصيل الأموالُّ؛ والتفاخُرِ للأنْذَال والأرزال (١)؛ فما أفادَتْ مدافَعَتي، ولم ينفعْ نُصْحِي ولا مؤاخَذَتِي؛ بل كَثُرَ الإلحاح، وزاد الاقْتِرَاح، وأكَّدَ ذلك الداعِيَ وافرُ رَغْبة بعض الإخوان، ومزيدُ حَثِّي وتَشْويقي على ما هنالك في كل آن، فَرَكِبْتُ تلكَ الشدائدَ والأخْطَار، واقتحمْتُ هَاتِيكَ الزَّوايا القرار، وكَلَّفْتُ نَفْسي فوق الطاقَهْ، وشَدَدتُّ عَلى كاهل العَزْم نِطَاقَهْ، حِرْصًا على ألاَّ يَبْقَى مِثْلُ هذا الكتاب، مضروبًا علَيْهِ من الخُمُولِ باب، وخدمةً للإخوان، إن وقع ذلك لَدَيْهِمْ في حَيِّزِ الاِسْتِحْسان، وسَمَّيْتُه: "عِقْدَ الدُّرَر، فيِ شَرْح مُخْتَصَرِ نُخْبَةِ الْفِكَر" والله أسْأل أن ييسِّر لي ذلك، ويسهِّلَ لي هاتيك المسالك، وأنْ ينفَعَ به

стр. 77

العباد، وأَنْ يجعله ذُخْرًا إلى يَوْم التَّنَاد. قال المصنِّف عليه الرحْمَة -: "بسْم اللَّهِ الرَّحْمن الرَّحيم" لا يخفى أن الكلام على البَسْملة ونحوهَا شهير، لا حاجَةَ لنا [إليه] في مثل هذا التقرير، فالأَوْلَى بنا الاكتفاءُ بما لابُدَّ من ذِكْره، وهو تحقيقُ الخَبَرِ والإنشاء في الجملة المقدَّرة بها البسملَةُ - أعني: قولنًا: "أُؤَلِّفُ مستعينًا أو متبِّركًا باسم الله … إلخ"؛ فنقول: لا شكَّ أن قولنَا: "مستعينًا" أو "متبرِّكًا" حالٌ من فاعل "أُؤَلِّف" وقد تقرَّر أن الحال قَيْدٌ في عاملها، فههنا: مُقيَّد وقَيْد. والأَوَّل: خبر، لصِدْقِ حَدِّ الخبر عليه، وهو: ما يتحقَّق مدلولُهُ بدون ذِكْر دالِّه، ولا شُبْهَةَ أنَّ الدالَّ يتحقَّق خارجًا بدون ذِكْر "أُؤَلِّف". والثاني: إنشاءٌ؛ لِصِدْق حَدِّ الإنشاء عليه؛ وهو: ما يتحقَّقُ مدلولُهُ بذكْرِ دالِّهِ؛ ولا شكَّ أن كُلًا من الاستعانة والتبرُّك، لا يتحقَّق مدلولُهُ بدون ذِكْر اللفْظِ الدالِّ عليه؛ وهو قولنا: "مستعينًا" أو "متبرِّكًا". فقد أتَّضَحَ محَلُّ الخبريَّة والإنشائيَّة في جُمْلة البَسْملة، وسقَطَ استشكالُ كَوْنِهَا إنشائيَّةً؛ بأنَّ شأن الإنشاء لا يتحقَّق مدلوله بدون ذِكْر اللفْظِ الدالِّ عليه، والأمْرُ -هنا- ليس كذلك؛ لتحقُّق التأليف بدُون ذكْر "أُؤَلِّف"، وكونُهَا خبريَّةً بأنَّ الخَبَرَ شأنُهُ تحقُّقُ مدلوِلِه بدون ذِكْرِ اللفْظِ الدالِّ عليه، وما هنا: ليس كذلكَ؛ لأنَّ الاستعانَةَ -مثلًا- لا يتحقَّق مدلولُهَا بدون ذِكْر اللفظ الدالِّ عليها، والقَوْلُ بأنَّ الجملة بتمامها إنشائيةٌ؛ تبعًا لإنشاء المتعلَّق -: غَيْرُ سَدِيد. وفي هذا المقامِ زيادَةُ تحقيقٍ ذكرْتُهُ في "كَنْز السعادة" (١).

стр. 78

"وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آله وَصِحْبه وَسَلَّمَ: جملةٌ خبريَّةٌ لفظًا، إنشائيةَّ معنًى، لقَصْد الدعاء، ولم تُذْكَرْ في الصَّدْر الأوَّل في صدر الرسائل؛ بل إنما حَدَثَتْ في زمن ولاية بني هاشِمٍ، - أعني: بني العباس. واختلف في أوَّل من كَتَبَ هذا فقيل: السَّفَّاح (١)، وقيل: هارُونُ الرَّشِيدٌ (٢)، ثُمَّ مضى العمل على استحبابه، ومِنَ العلماء مَنْ يختِمُ بها الكتابَ أيضًا. وفي عَطْفها على البَسْملة خلافٌ، ورأيتُ في "بدائع الفوائد" (٣) للحافظ

стр. 79

ابن القيِّم (١) - قدَّس اللَّه سرَّه، ونوَّر ضريحه: "قولُ المصنِّفين: "بسْمِ الله الرحمن الرحيم، وصلى اللَّه على محمَّد وآله" قد استشكَلَهُ طائفةٌ، وقالوا: الفِعْلُ بعد الواو دعاءٌ بالصَّلاةِ، والتسميةُ قبْلَهُ خَبَرٌ، والدعاءُ لا يَحْسُنُ عطفُهُ على الخَبَرِ، فلو قلُتَ: "مَرَرْتُ بزيْدٍ، وغَفَرَ الله لك" لكانَ غَثًّا من الكلام، والتسميةُ في معنى الخَبَر؛ لأنَّ المعنى: "أفعَلُ كذا باسم الله"، وحجَّة مَنْ أثبتها الاقتداءُ بالسلف. والجوابُ عمَّا قاله هؤلاء: أنَّ الواو لم تعْطِف دعاءً على خبر وإنَّما عَطَفَتِ الجملة على كلامٍ مَحْكِيٍّ؛ كأنك تقول: "قلْتُ: باسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على محمَّد" أو: أقولُ هذا وهذا، أو: أكتُبُ هذا وهذا" (٢). انتهى.

стр. 80

"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ": قال النوويُّ (١): "يستحبُّ الحمْدُ في ابتداء الكُتُب المصنَّفة؛ وكذا في ابتداء دُرُوس المدرِّسين، وقراءةِ الطالبين بَيْنَ يَدَىِ المعلِّمين؛ سواءٌ قرَأَ حديثًا أو فِقْهًا أو غَيْرَهُمَا، وأحسَنُ العبارات في ذلك: الحَمْدُ للَّهِ ربِّ العالميِن" (٢). انتهى. ولم يخالف المصنِّفُ بتَقْديم البَسْملة، وجملةِ الصلاة [على الحَمْدَلة]-: قولهُ- ﷺ : "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيِه بِحَمْدِ اللَّهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ" (٣)؛ لحمل الابتداءِ فيه على الإضافيِّ.

стр. 81

وغَيَّرَ الأسلوبَ في الجُمَلِ؛ قَصْدًا لموافقةِ حَمْدِهِ حمْدَ الله تعالَى في كتابه جَلّ شأنه، وتَنْشيطًا للقارئين. وفي الحَمْدِ كلامٌ لا يَسَعُهُ هذا المقام؛ كيف لا، وقد شَبِعَتْ مِنْه بُطُون المطوَّلات، وضاق عن الإحاطة به نطاقُ العبارات. "وَالصَّلاة وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبه أَجْمَعِينَ": كرَّرها؛ جَرْيًا على العادة المأْلُوفة في ورودها بعد الحَمْد، واختارَ الجملةَ الأسْميةَ؛ لأنَّها أَبْلَغ، ولِتُوافِقَ جُمْلةَ الحمد، وكونُهُ ﵊ سيِّدَ المرسلين-: مما لانزاع فيه عند المحقِّقين؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للِنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. والآلُ عند إمامنا الشافعيِّ (١) ﵁: مؤمنو بني هاشم والمُطَّلِب؛ كما دلَّ عليه مجموعُ أحاديثَ صحيحةٍ؛ لكنْ بالنِّسْبة إلى الزَّكَاة

стр. 82

والفَىْء دون مقام الدعاء؛ ومِنْ ثَمَّ: أختار النووي (٢) في "شرح مسلم" (٣) والأزهري (٤) وغيرُهُمَا من المحقِّقيِن، أنهم هنا: كُلُّ مؤمنٍ تَقِيٍّ، لقوله -صلى الله تعالى عليه وسَّلم- "آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ" (٥) لكنْ سنده ضعيفٌ.

стр. 83

"الصَّحْب" اسْمُ جمعٍ ل"صاحب"؛ كما قال سيبويه (١)، أوجَمْعٌ له؛ كما قال الأخفش (٢)؛ وبه جزم الجوهريُّ (٣)، ومعناه العُرْفِيُّ معلومٌ.

стр. 84

وعِدَّة الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- عِنْدَ وفاتِهِ ﵊ مائةٌ وأربعةَ عَشَرَ ألفًا؛ على ما ذكره بعضُ المحقِّقين (١). وإفتاءُ العِزِّ بن عبد السَّلام (٢) بأنَّ الأَوْلَى الاُقتصارُ على ما وَرَدَ من ذِكْر

стр. 85

الآلِ والأزواجِ، والذُّرِّيَّة دون الأصحاب-: محمولٌ على صلاة التشهُّد، دون الصلاة خارجَ الصلاة. وهذه الجملة -أيضًا- خبريَّةٌ يراد بها الإنشاء، فكأنه قال: "اللهُمَّ، صلِّ وسلِّم على سيِّد المرسلين" أي: اللهمَّ، عَظِّمْةُ في الدنيا: بإعلاءِ ذِكْره، وإظهار دينه، وإبقاءِ شَرِيعته، وفي الآخرة: بتَشْفيعه في أُمتَّه، وإجزالِ أَجْره، ومَثُوبته، وإبداءِ فَضْله للأوَّلين والآخرين- بالمقام المحمود، وتَقْديِمهِ على كافَّة المقرَّبين الشهود. إنتهى. وتفسيرُهَا بالتعظيمَ كُلٍّ بحَسَبِ ما يليقُ به؛ كما ذكره الهَيْتَمِيّ (١). وذَهَبَ جماعةٌ كثيرون إلى أنَّها مِنْهُ تعالى الرحمةُ، ومِنَ الملائكةِ استغفارٌ، ومن غيرهما تضُّرعٌ ودعاءٌ، وفي ذلك كلامٌ طويلٌ لايَسَعُهُ هذا المقام (٢). ومعنى "السَّلام": التحيَّةُ؛ وهو المراد من سلام الله تعالى عَلَى أنبيائه؛

стр. 86

فاندَفَعَ استشكالُ سلام اللَّهِ عليهم بأنَّهُ دعاء، وهو لا يُتَصوَّرُ من الله تعالى إليهم، لأنَّهُ المُطَّلَبُ، والله مَدْعُوٌّ ومطلوبٌ منه، لا داعٍ وطالب. وقيل: المرادُ اسمُهُ تعالى، فتأويل "السلامِ" كما قال المجد اللغوي (١). والحافظ السخاوي (٢): "لاخَلَوْتَ من الخيرات والبركات، وسَلِمْتَ من المكاره والآفات، إِذْ كان اسْمُ الله إنما يُذْكَرُ على الأمور؛ توقُّعًا لاجتماع

стр. 87

معاني الخير والبَرَكَة، وانتفاء عوارض الْخَلَلِ والفساد عنها". (١) وقيل: هو بمعنى السلامة من النقائص؛ فإذا قُلْتَ: "اللهمَّ، سلِّمْ على محمَّد" فإنما تريد: اللهمَّ، اكتُبْ لمحمَّد في دعوته وأُمَّته وذِكْره- السلامَةَ من كُلِّ نقص؛ فتزدادُ دَعْوَتُهُ على مَمَرِّ الأيام عُلُوا، وأُمَّتُهُ تكاثُرا، وذِكْرُهُ ارتفاعًا. قال السخاويُّ: "ويحتمل أن يكونَ مِنَ المسالمة والاِنقياد؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدِوُ فيِ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا، قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] " (٢)؛ فمعنى السلام -على هذا- اللهمَّ، صَيِّرِ العِبَادَ. مُنْقَادين مُذْعِنِين له ولشريعته. وجَمَعَ بين الصلاة والسلام؛ لكراهةِ إفراد: أحدهما عن الآخر؛ كما صرَّح بها الإمام النووي (٣) في "الأذكار" (٤) وغيره؛ مستدلاًّ بورود الأمَرْ بها في قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ لكنْ قال الحافظ السخاويُّ. في "القول البديع" (٥): إن مَحَلَّ ذلك فيما إذا لَمْ يَردْ الاقتصارُ فيه؛ كالقنوت؛ على أن بعضهم توقَّف في إطلاق الكراهة؛ قال: لو صلَّى في وقْتٍ، وسلَّم في وقتٍ آخر -فإنه يكونُ ممتثلًا. : "أَمَّا بَعْدُ": كلمةٌ يُؤْتَى بها؛ للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر؛ فلا يُؤْتَى بها في أول الكلام، وكان النبيُّ ﷺ يأتي بها في خُطَبِه وكُتُبِهِ، فهي سُنَّةٌ، وكذلكَ

стр. 88

الصحابةُ ﵃ حتَّى رَوَى بعضُ الحُفَّاظ ذلك عن أربعين صحابيًّا (١). "فهذه كلماتٌ": الكلامُ علَى مثل هذه الإشارة شهيرٌ، قلَّما تجد كتابًا خاليًا عن ذِكْره. وكلمات: من جموع القِلَّة، يُطْلَق على ثلاثة وعَشَرَةٍ وما بينهما؛ كجَمْع المذكَّر السالم، وفي "شرح الرضيِّ" (٢): أنَّ الظاهر أنَّهما -أي: جَمْعَيِ السلامةِ- لمُطْلَق الجمع من غير نظر، لا القلَّة والكَثْرة، فيَصْلُحَان لهما، والحقُّ الأوَّل؛ وَهُوَ الذي ذَهَبَ إليه الشيخ ابن الحاجب (٣) - رَوَّحَ الله تعالى رُوحَهُ- وعليه: فالتعبير به؛ ترغيبًا لِحِفْظها، وأنَّها لا تحتاج في

стр. 89

تعلُّمها إلى فسيح مُدَّة -كما في غيرها من الكتب المؤلَّفة في هذا الفَنِّ- كما لا يَخْفَى؛ فهي مثلُ قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤]. "سَمَّيْتُهَا: المُخْتَصَر، مِنْ نُخْبَةِ الْفِكَر": الاسم: هو المجموع، وأسماء الكُتُب والرسائل: قيل: هي أعلامٌ شخصيَّة، وقيل: جِنْسيَّة، وقد بيَّنَ ذلك العلاَّمة عصام الدين (١) في شرحه على "العَضُديَّة (٢)، في عِلْم الوَضْع" (٣)، أَتَمَّ بيان.

стр. 90

والاختصارُ يُطْلَقُ ويراد به تارةً: حَذْفُ ما يُسْتَعْننَى [عنه] وذكْرُ ما لابدَّ مِنْه، وتارةً: التعبيرُ عن المعنَى المراد بأقَلَّ من عبارة المتعارف، والظاهر: أنَّ المراد به هنا الأوَّل. و"نُخْبَة الفِكَر": هو كتابُ العالم العلاَّمة، البحَرْ الفهامةْ، جامع المعقول والمنقول؛ جاوي الفُرُوع والأصول، حُجَّة وَقْتِهِ، وفريد عصره، شيخ الإسلام، الشيخ الحافظ مولانا أَحْمَد، الشهير بابْن حَجَرٍ العسقلانيِّ -روَّح الله تعالى رُوحَهُ فلقَدْ كان إمامًا في كل فَنٍّ، ولا سيَّما في علْمِ الحديث؛ فلقد شرح "البُخَارِيَّ" بشَرْح ليس له نظير، حتى قيل: "إنَّ مَنْ شرح البخاريَّ بعده، فهو عيالٌ عليه"، وقد اشتهَرَ شرقًا وغربًا، وذلك فضْلُ الله يُؤْتيه من يشاء، وليس مِثْلُ هذا المقام يَسَعُ ذِكْرَ مزاياه وعَدَّ مؤلفاتِهِ، وقد اعتذروا عما وقَعَ له -عليه الرَّحْمَة- في هذا الكتاب وشَرْحِهِ له؛ بأنه قد أَلَّفَه وهُوَ على جَنَاحِ السَّفَر (١)، كذا ذكره لي بعْضُ الفضلاء.

стр. 91

فإن قيل: كَيْفَ فَعَلَ ذلك المصنِّف؛ ومن شأنِ مَنْ نَقَلَ كلامَ غيره: أن يَشْرَحَهُ ويفسِّرهُ ولا يَخْتَصِرَهُ، ونَرَى كثيرًا من الناس - كالمصنِّف- يَنْقُلُون كلامَ غيرهم ويختصرونه، فكيف ساغَ لَهُمْ ذلك؟! وأيُّ فائدة في الاختصار؟! فالجواب: أنَّ من اختَصَرَ لم يَنْقُلِ اللفظ، وإنما ينقل المعنَى بلَفْظٍ أقلَّ من لَفظْ الأَصْل وأخْصَرَ؛ وإنما يفعل ذلك لأنه محمودٌ مرغُوبٌ فيه؛ يدلُّ عليه قوله تعالى في وصَفْ الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]؛ فاكتفى بهذا عن شَرْحٍ طويل، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فيِ الِقْصَاصِ حَيَاةٌ ياَ أُوِلي الألَبْابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ومعناه: أنَّ القاتلَ إذاعلم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ - كَفَّ عن القتل؛ فلا يقتل؛ فاخْتُصِرَ هذا كلُّهُ في قوله تعالى: ﴿فيِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يعني: حياةَ القاتل والمَقْتُول. وقال ﷺ : "أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ اخْتِصَارًا". (١). ولأن العادة أنَّ الإنسانَ يَمَلُّ الكلامَ الطويل، وتسْأمهُ نفسه، ويميل إلى الكلام القليلِ المختصر، إذا كان مفهومًا؛ فلهذا تُخْتَصَرُ الكتب. كذا حقَّقه العلاَّمة أبو يَعْلَى محمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ الفَرَّاءُ (٢) في شرحه على

стр. 92

"مختصر الْخِرَقِيِّ (١) ". ثم أعْلَمْ: أنَّ المصنِّف -عليه الرحمة- لما قصد الاختصار في رسالتِهِ، تَرَكَ تعريفَ هذا الفنِّ، وغايتَهُ، وموضوعه، ونحْوَ ذلك، ولا بأْسَ أن نَذْكُرَهَا في ضِمْن ثلاث فوائد: الفائدة الأُولى: في بيان حَدِّ هذا الفَنِّ، وموضوعِهِ، وغايته: قال الحافظ السُّيوطي (٢) -عليه الرحمة- في شَرْحِهِ على ألفيَّته المسمَّاةِ

стр. 93

ب "نَظْم الدُّرَر" (١): "أحسنُ حُدُودِهِ: قولُ الشيْخِ عِزِّ الدين بْنِ جَمَاعة" (٢):

стр. 94

"عِلْمٌ بقوانينَ يُعْرَفُ بها أحوالُ السَّنَدِ والمَتْنِ، وموضوعُهُ: السَّنَدُ والمَتْن، وغايتُهُ: معرفةُ الصَّحيحِ مِنْ غيره" (١). ثم نَقَلَ عن الحافظ ابْن حَجَر؛ أنه قال: "أَوْلَى تعاريفه أن يقال: مَعْرِفَةُ القواعدِ المعرِّفَةِ لحال الراوي والمَرْوِيِّ" (٢)، قال (٣): "وإنْ شئْتَ حذفتَ لفظ "مَعْرِفة" فقلتَ: "القواعد" ..... "، قال: وفي عبارة له -أي لابن حَجَر-: "القَوَاعِدُ الَّتي يُتَوَصَّلُ بها إلَى معرفة حال الراوي والمرويِّ" (٤). وحَدُّ ابْنِ جماعة أقرَبُ منه؛ من جهة أنه يدخل تحته أحوال السَّنَد التي [ … ] (٥) حال الرجال؛ كصيغ الأداء؛ بدليل المغايرة بينهما في نوع المسلسل، ولا يدخُلُ ذلك في حال الراوي والمرويِّ؛ لاختصاص المرويِّ في المتن. والتعبير ب"العلم" أحسنُ من التعبير ب"المعرفة"؛ لأن المراد منها الصناعةُ لا الوصفُ القائمُ بالعالم؛ وكذا في حدود سائر العلوم. انتهى. وقال ابْنُ الأَكْفاني (٦) في "إرشاد القاصد" (٧): "علم الحديث الخاصّ

стр. 95

بالرواية: عِلْمٌ يشتملُ على نقْلِ أقوالِ النبيِّ ﷺ وأفعالِهِ، ورواتِها، وضبطِها، وتحرير ألفاظِها، وعلْمُ الحديثِ الخاصُّ باّلدراية عِلْمٌ يُعْرَفُ منه حقيقةُ الرواية، وشروطُهَا، وأنواعُهَا، وأحكامُهَا، وحالُ الرواةِ، وشروطُهُم، وأصنافُ" المرويَّات، وما يتعلَّق بها (١). فحقيقةُ الرواية نقل السنَّة ونَحْوِها، وإسنادُ ذلك إلى مَنْ عُزِيَ إليه بتحديثٍ أو إخبار أو غَيْرِ ذلك. وشروطها_: تحمُّلُ راويها لما يَرْويه بنَوْع من أنواع التحمُّل: من سماع أو عَرْضٍ أو إجازةٍ أو نحوِها. وأنوعها: الأتِّصال والانقطاعُ ونحوُهُما. وأحكامها: القَبُول والرَّدّ. وحال الرواة -العدالةَ والجَرْحَ- وشروطُهُمْ في التحمُّل والأداء، وأصنافُ والمرويَّاتِ من المسانيد والمعاجِمِ، وغَيْرِها- أحاديثَ أو آثارًا أو غيْرَهُما- وما يتعلَّق بها-: هو معرفةُ اصطلاح أهلها (٢). وقال "الكَرْمَانِىّ" (٣) في شَرْح البخاريِّ (٤): "عْلَمْ: أن علْمَ الحديث

стр. 96

موضوعُهُ: ذاتُ رسول الله ﷺ من حيثُ أنَّه رسول الله وحَدُّهُ: علْمٌ يُعْرَف به أقوالُ الرسوِل، وأفعالُهُ، وأحوالُهُ، وغايته: الفَوْز بسعادة الدارَيْن". (١) انتهى. وهذا الحدُّ مع شموله لعلْمِ الاستنباط: غير محرَّر، ولم يزلِ العَلاَّمة الكَافِيَجِيُّ (٢) يتعجَّب من قوله: "إنَّ موضوَع علْمِ الحديث ذاتُ الرسول"؛ ويقول: "هذا حَرِيُّ أن يكونَ موضوعَ الطِّبِّ". والغاية التي ذكرها: هي غايةُ كلِّ علمٍ شرعيٍّ، وليستِ الغايةُ التي تُذْكَرُ في العلوم هي التي الغايَةُ الأخروية أثرها أولازمها.

стр. 97

الفائدة الثانية [في بيان] أوَّلِ من ابتدأ بتَصْنيف هذا العلْمِ: اعلم: أن أوَّل من صنَّف فيه (١) القاضي أبو محمَّدٍ الرَّامَهُرْ مُزِيُّ (٢)؛ لكنَّه لم

стр. 98

يستوعبْ (١)، ثم الحاكم أبو عبد الله (٢)، وكتابُه غيْرُ مهذَّب ولا مرتَّب (٣)،

стр. 99

ثم أبو نُعَيْمٍ الأصْبَهَانيُّ (١)، ثم الخطيبُ البَغْدَادِيُّ (٢)؛ فعمل في قوانين

стр. 100

الرِّوَاية كتابًا سمَّاه: "الكِفَاية" (١)، وفي آدابها كتابًا سماه: "الجامع؛ لآداب الشَّيْخ والسامح" (٢) وقَلَّ فَنٌّ من فنون الحديث إلاَّ وصنَّف فيه كتابًا مفردًا (٣)؛

стр. 101

حتَّى قال الحافظ أبو بكر بْنُ نُقْطَةَ (١): "كُلُّ من أنْصَفَ، عَلِمَ أن المحدِّثين بعده عيالٌ على كُتُبه" (٢)، ثم ألَّف من تأخَّر عنه كالقاضي "عياض" (٣) كتابه "الإلماع" (٤)

стр. 102

وأبو حفص الميانجي (١) جُزْءًا سمَّاه "الإيضاح لما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُهُ" (٢)، وآخرون، إلى أن جاء الإمام تَقِيُّ الدينِ ابْنُ الصَّلَاح (٣)؛

стр. 103

فجمَعَ - لمَّا وَلِيَ تدريسَ الحديث بالمدرسة الأَشْرفيَّة (١) في دِمِشْقَ - كتابَهُ المشهورَ (٢)؛ فهذَّب فنونَهُ، وأملاه شيئًا فشيئًا، واعتنىَ بتصانيف الخطيبِ المفرَّقة؛ فجمَعَ شَتَاتَ مقاصدها، وضَمَّ إليها (٣) فوائِدَ من غيرها؛ فجمع في كتابه ما تفرَّقَ في غيره، فعَكَفَ الناسُ علَيْه؛ واتَّخَذُوُه أصْلًا يُرْجَعُ إليه؛ فلا يحصى كَمْ ناظم له ومختَصِرٍ ومُنَكِّتٍ. فَمِمَّنِ اختصره "النوويُّ" (٤). في "الإرشاد" (٥)، ثم "التقريب" (٦)
следующие страницы →