стр. 99
← Улюм аль-хадис следующие страницы →
Улюм аль-хадис · id 696
عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر
محمود شكري الألوسي
Полный текст (325 стр.). Показаны 99–138 · переход к 104.
стр. 100
стр. 101
стр. 102
стр. 103
فجمَعَ - لمَّا وَلِيَ تدريسَ الحديث بالمدرسة الأَشْرفيَّة (١) في دِمِشْقَ - كتابَهُ المشهورَ (٢)؛ فهذَّب فنونَهُ، وأملاه شيئًا فشيئًا، واعتنىَ بتصانيف الخطيبِ المفرَّقة؛ فجمَعَ شَتَاتَ مقاصدها، وضَمَّ إليها (٣) فوائِدَ من غيرها؛ فجمع في كتابه ما تفرَّقَ في غيره، فعَكَفَ الناسُ علَيْه؛ واتَّخَذُوُه أصْلًا يُرْجَعُ إليه؛ فلا يحصى كَمْ ناظم له ومختَصِرٍ ومُنَكِّتٍ.
فَمِمَّنِ اختصره "النوويُّ" (٤). في "الإرشاد" (٥)، ثم "التقريب" (٦)
стр. 104
стр. 105
стр. 106
والزَّرْكَشِيُّ (١)، والعِزُّ بْنُ جماعَةَ (٢)، والحافظ ابْنُ حَجَر (٣)، وقال (٤): "إنَّهُ لم يَحْصُلُ ترتيبُهُ على الوَضْع اللائق؛ بأن يَذْكُرَ ما يتعلَّق بالمَتْن وَحْدَهُ، وما يتعلَّقُ بالسَّنَدِ وحده، وما يَشْتَرِكَان فيه، وما يختصُّ بكيفيَّة التحمُّل والأداء وَحْده، وما يختصُّ بصفات الرُّوَاة وَحْدَها؛ لأنه جَمَعَ متفرِّقَاتِ هذا الفنِّ من كُتُبٍ مطوَّلة، في هذا الحَجْم اللطيف، ورأَى أنَّ تحصيَلُه وإلقًاءَهُ إلى طالبه: أهَمُّ من تأخير ذلك إلى أنْ تحصُلَ العنايةُ التامَّةُ بحُسْن ترتيبه" (٥).
стр. 107
قال (١): "ورأيتُ بخَطِّ صاحبه (٢) المحدِّث فخر الدين عُمَرَ بِنْ يحيى الكَرْخِيّ (٣): ما يصرِّح بأنَّ الشيْخَ كان إذا حرَّر نَوْعًا من الأنواع، واستوفى في التعريفِ به، وأورد أمثلتَهُ، وما يتعلَّق به [أمْلَاه] (٤)، ثم انتقَلَ إلَى نَوْعٍ آخَرَ؛ ولأجل هذا: احتاج إلَى سَرْد أنواعه في خُطْبة الكتاب؛ لأنه صنَّفها بعد فراغه مِنْ إملائه؛ ليكونَ عِنْوانًا للأنواع، ولو كانَتْ محرَّرة التَّرتيبِ على الوَجْه المناسب، ما كان في سرْدِهِ للأنواعِ في الخُطْبة كَبِيرُ فائدة " (٥)، وقد تبعه على هذا الترتيب جماعةٌ.
الفائدة الثالثة: في بيان آداب طالب عِلْم الحديث.
اعْلَمْ: أنه لابُدَّ لطالبه أنْ يُخْلِصَ النيَّة في طلبه لله تعالى؛ إِذِ النفْعُ به -بل وبسائر العُلُوم- متوقِّفٌ على الإخلاصِ فيه، والإعراضِ عن الأغَرْاض الدُّنْيَويَّة؛ قال رسول الله ﷺ "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَي بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلا يُصِيبَ بِهِ عَرْضًا مِنَ الدُّنْيَا-: لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ
стр. 108
أَيْ: رِيحَهَا- يَوْمَ الْقيَامَةِ" (١)، وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ (٢): "مَنْ تعلَّم عِلْمًا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ الله والدَّارَ الآخرةَ، آتاه اللهُ مِنْ العلْم ما يحتاجُ إلَيْه" (٣).
وينبغي له -أيضًا- أنْ يَجِدَّ ويَجْتهدَ في طلبه، وأن يَحْرِصَ عليه مِنْ غَيْر تأخُّر ولا توقُّف؛ فمن جَدَّ وَجَدَ؛ قال رسول الله ﷺ : "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واَسْتِعَنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ" (٤)، وقال -أيضًا-: "التُّؤَدَةُ في كُلِّ
стр. 109
стр. 110
وينبغي له -أيضًا- أنْ يلازمَ مَشَايخ مِصْره؛ ليأخذ عنهم ما يُهِمُّ من الأسانيد العالية، لا ما انفَرَدَ به بعضُهُمْ؛ قال أبو عُبَيْدَةَ (١): "مَنْ شَغَلَ نفَسُه بَغْير المُهِمِّ، أضَرَّ بالمُهِمِّ"، وإن استوَى جماعةٌ في السند، وأَرَدتَّ الاقتصارَ على أحدِهِمْ- فاختَرِ المشهورَ مِنْهُمْ في طلبِ الحديثِ، والمشارَ إلَيْه بالاتفاق فيه والمَعْرفِة له، وإن تساوَوْا في ذلك، فالأشرَفُ ذو النَّسَب منهم، فإنْ تَسَاوَوْا في ذلك فالأسنُّ.
ثُمَّ إذا استَوْفَى مَرْوِيَّ مَشَايِخ مِصره، فَلْيَشُدَّ الرحالَ لغَيْر بلده؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ عُلُوِّ الإسناد وعلْمِ الطائفتَيْنِ؛ ولخَبَرِ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيِهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلىَ الْجَنَّةِ" (٢)، وقد رَحَلَ جابر بْنُ عبد الله
стр. 111
стр. 112
وإذا رحَلَ، فليسلكْ ما سلك في مصْرِهِ من الابتداء بالأهمِّ فالأهَمِّ.
وليعمَلْ بما سمع من الأحاديث التَّي يُعْمَلُ فيها في الفضائل والترغيبات؛ فقَدْ رُوِيَ؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، مَا يَنْفِي عَنيِّ حُجَّةَ الجَهْل؟ قال: "الْعِلْمُ"، قَالَ فَمَا يَنْفِي عَنِّي حُجَّةَ الْعِلْمِ؟ قَالَ: "العَمَلُ" (١)، وقال: إبراهيمُ بْنُ إسماعيلَ بْنِ مجمِّعٍ (٢): "كنَّا نستعينُ على حفْظِ الحديث بالعَمَل به" (٣)، وقال الإمام أحمد (٤): "ما كتبتُ حديثًا إلا وقَدْ عِملْتُ به حتىَّ مرَّبي في الحديث؛ أنَّ النبيَّ ﷺ : "احْتَجَمَ فَأعَطْىَ أباطَيْبَة دِينَارًا"، فأعطيْتُ الحَجَّام دينارًا حين احتجمت" (٥)، وعن عمرو بْن قيسٍ المُلَائِيِّ (٦)، قال: "إذا بلغَكَ
стр. 113
شيْءٌ من الخبر، فاعمَلْ به -ولو مرةً- تكُنْ من أهله" (١).
وينبغي له أيضًا أن يُجِلَّ الشيْخَ ولا يُضْجِرَهُ؛ فإنَّ الإضجار -كما قال الخطيبُ- يُغَيِّرُ الأفهام، ويُفِسْدُ الأخلاق، ويُحِيل الطِّبَاع؛ ويُخْشَى - كما قال ابن الصلاح- على فاعل ذلك: أن يُحْرَمَ الانتفاع.
وينبغي له أيضًا ألاَّ يتكبَّر في الطلب، ولا يستَحْيِيَ فيه؛ ففي البخاريِّ: قال مجاهد (٢): "لايَنَالُ العِلْمَ مستَحٍ ولا متكبِّرٌ" (٣)، وعن عُمَرَ (٤)
стр. 114
стр. 115
стр. 116
نَعَمْ: له الكتْمُ عمَّىْ لم يره أهْلًا، أو يكون ممَّنْ لا يقبَلُ الصَّوَاب إذا أرشده إليه، أو نحو ذلك؛ فعن الخليل بن أحمد (١)؛ أنه قال لأبي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنَّى (٢): "لا ترون على مُعْجَبٍ خَطَأً؛ فيستفيدَ مِنْكَ علمًا، ويتخذَكَ به عَدُوًّا" (٣).
وينبغي له أيضًا أن يكتُبَ ما يستفيدُهُ؛ فالفائدة ضالَّة المؤمن؛ حيثما وجَدَها التقطَهَا؛ وهكذا كانت سيرَةُ السَّلَف الصالح، فكَمْ من كبير رَوَى عن صغير؛ وهذا رسول الله ﷺ قرَأَ مع عظيم منزلته على أُبَيِّ بن كَعْب (٤)؛ فعل ذلك ليتأسَّى به غيرُهُ، ولا يستنكفَ الكبير أنْ يأخذ العلم
стр. 117
عمَّنْ دونه، مع ما فيه من ترغيب الصغير في الازْدياد إذا رأَى الكبيرَ يَأْخُذُ عنه، وقال وكيع (١): "لا يكونُ الرجُلُ عالمًا حَتَّى يأخُذَ عمن هو فوقَهُ، وعمَّن هو دونَهُ، وعمن هو مِثْلُهُ" (٢)، ولتكنْ همَّةُ الطالب تحصيلَ الفائدة.
وينبغي له أيضًا حفْظُ الأحاديث تدريجًا، فذلك أدعَى لتحصيله، وعدمِ نِسْيانه، وألاَّ ياخذَ ما لا يطيقُهُ؛ لخَبَر: "خُذُوا مِنَ الِعْلْم مَا تُطِيقُونَ" (٣)، وعن الثوري (٤) قال: "كنْتُ آتيِ
стр. 118
стр. 119
حديثان" (١)، وعنه أيضًا: "إنَّ هذا العلْمَ إنْ أخذْتَهُ بالمكاثرة له، غلَبَكَ، ولكنْ خُذْهُ مع الأيامِ والليالي أَخْذًا رفيقًا؛ تَظْفَرْ به" (٢).
ثمَّ المذاكرةٌ بعد الحفْظِ مع الطلبة، ثم مع نفْسِهِ؛ إذ المذاكرةُ تُعِينُ على ثُبُوت المحفوظ، وعن علي (٣) ﵁ قال: "تذاكَرُوا هذا الحديثَ، إلاَّ تفعلوا يَدْرُسْ" (٤)، وعن ابن مسعود (٥) ﵁ قال: "تذاكَرُوا
стр. 120
стр. 121
[المتواتر اللفظي] (١)
قال المصنِّف ﵀: "الخبر":
وهُوَ: أحد قِسمَيِ الكلام، والثاني: الإنشاءُ المنقسمُ إلى الأمر والنهي، والعَرْض والتحضيض، والاستفهام، والتمنِّي والترجِّي، والتنبيه.
فالخبر: ما كان لِنِسْبته خارجٌ يُطابقُهُ أو لا يُطابقه، وافَقَ اعتقادَ المتكلِّم أَوْلا (٢)؛ فلا واسطة (٣).
وعِنْدَ المحدِّثين: هو والحديثُ بمعنًى، وهو: ما أضيفَ إلى النبيِّ ﷺ قيل: وإلَى الصحابيِّ، ومَنْ دونه: قولًا، أوفعلًا، أو تقريرًا أو صفةً، حتَّى الحَرَكَاتِ والسَّكَناتِ، في اليقظة أو المنام؛ وهذا هو الأصحُّ؛
стр. 122
فلا يطلقان إلا على المرفوع، وأما على غير المرفوع: فلا؛ إلا مع التقييد؛ فيقال: هذا حديثٌ موقوفٌ.
وهذا هو عِلْمُ الحديث درايةً، وقد مَرَّ في الفائدة الأولى تعريفه درايةً وروايةً؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "شرح النخبة": "وقيل: الحديثُ: ما جاء عن النبيِّ ﷺ والخَبَرُ: ما جاء عن غَيْره؛ ومن ثَمَّةَ قيل لمن يشتغل بالتواريخ والحكايات والمواعظ: الأَخْبَاريّ، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: المحدِّث، وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلَقُ، فكلُّ حَديثٍ خَبَرٌ، ولا عكس، وعبَّر بالخبر؛ ليكون أشمل" (١) انتهى.
أقول: أما أشملَّيتُه -نظرًا إلى القول بالترادف- فظاهر، وأمَّا على القول بالتبايُن: فَلَأنَّه إذا اعتبر هذه الأمورَ في الخَبَر الذي هو واردٌ عن غَيْر النبيِّ ﷺ فَلَأَنْ يُعْتبَرَ ذلك فيما وَرَدَ عنه- وهو الحديث- أَوْلَى، وأما على القول بالعمومِ والخصوصِ: فَلأَنَّ الخبَرَ أعمُّ مطلقًا، وكلَّما ثبت الأخصُّ، ثبت الأعمُّ.
والحاصل: أن الحديثَ شاملٌ لما جاء عن النبيِّ ﷺ وعن الصحابة والتابعين على القَوْل الأوَّل فقطْ، وشمول الخَبَرِ على الأقوال الثلاثة؛ فو أولَى بالذِّكْر.
ثم إنه تارَةً ينقسم باعتبار نفسه؛ وقد سبَقَ، وتارةً باعتبار وُصُوله إلينا من الغَيْر؛ فهذا: إن رواه - أي: أخبر بالخَبَر، وخَصَّ بعضُهُمُ الروايَةَ بالإخبار- بعامٍّ؛ كالإخبار عن خصائص النبي ﷺ إذا القصْدُ اعتقادُ خصوصيَّتها بمن اختصَّتْ به، وهو يَعُمُّ الناس، وما في المرويِّ من أمر ونَهْيِ ونحوهما- يرجع إلى الخَبَر بتأويل؛ ﴿أَقِيُموا الصَّلاةَ﴾،
стр. 123
﴿ولَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾؛ إذ مآلُهُما: الصلاةُ واجبةٌ، والزنا حرامٌ،،، وعلى هذا: القياسُ.
أو يقال: إنَّ ذلك إخبارٌ بالإضافة إلى النَّقَلَة؛ لأن النبيَّ ﷺ تارَة يخبرُ عن الله تعالى؛ بأنه قال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وبأنه قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ونحو ذلك، وتارَةً يقول: "افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا"، والصحابة يُخْبِرون بأنه ﷺ قال ذلك، والتابعون يُخْبِرون بأنه الصحابة ﵃ أخبروا عَنْهُ، وهلمَّ جَرًّا.
"في سَائِرِ طَبَقَاته" جَمْعٌ عُقَلَاءُ، وَلَوْ كُفَّارًا عَلَى الأَصَحِّ:
والمراد بالجَمْع: مازاد على الأربعة، "وسائر" هنا -بمعنى: جميع، وقد أنكر قومٌ إطلاقَهُ عَلْيه؛ ك "الحريريِّ" (١) في "الدُّرَّة" (٢)؛ بناءً على أنه من
стр. 124
السُّؤْر، وهو البقيَّة، وأجاز ذلك أبو علي (١) ومن تبعه: إمَّا بناءً على أنه من: سَارَ يَسِيُر، ومعناها: جماعة يسير فيها هذا الاسْمُ، ويُطْلَقُ عليها، أو لأنَّه لا مانِعَ من كون الباقي جميعًا؛ باعتبار آخر؛ ككونه جميعَ ما بقي أو ما ترك أو نحوه؛ فيْتَجَوَّز به عن مطلق "جميع" وهذا أسهل مما مَرَّ؛ واستدلُّوا على وقوعه بقول ابن أحْمَرَ [من الطويل]:
......................... … فَلَنْ تَقْدمُوا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ رَاعِيَا.
فتوهُّمُ من [لا] يستعمله بمعنى الجميع ليس في محلِّه.
واعلم: أن ابن السِّيد (٢) قال في "شرح السِّقْط" (٣): قال النحويُّون: "سائر" لا يضافُ إلا إلى شيء قد تقدَّم ذِكْرُ بعضه؛ كقولك: "رَأَيْتُ فَرَسَكَ وسائِرَ الخَيْل ولو قلتَ: "رأيتُ حمارَكَ وسائِرَ الخَيْل" لم يجز؛ لأنه لم يتقدَّمْ للخيْل ذكْرٌ، ولكن إن قلْتَ: "رأيْتُ حمارَكَ وسائر الدوابِّ"، جاز".
стр. 125
ويخالف هذا قولُ المَعَرِّيِّ (١) [من الوافر]:
وَكَمْ جَاَوزْنَ مِنْ بَلَدٍ بِعَيدٍ … وَسَاِئُر نُطْقِنَا هيدٌ وَهَاد
فإنَّه لم يتقدَّم للنطْق ذكْرٌ، ولا حاجة إلى تكلُّف جعل "سائر" بمعنى الأكْثَر والأعْظَم، وإذا كان أكثره هذا، عُلِمَ أنَّ أقلَّه بخلافه؛ لأنَّ كونه بمعنى الجميع أظهَرُ.
تعريف الطبقة:
والطبقة لغةً: "القوم المتشابِهُون، أي: في السنِّ والعِلْمِ ونحوِ ذلك" (٢)، والجَمْع: طبقات، وقد تُطْلَق على القَرْن، أو على عشرين سنةً، وقد تطلَقُ أيضًا على المرتبة.
وفي الاصطلاح: "جماعةٌ اشترَكُوا في السِّنِّ ولقاءِ المشايخ" (٣)، وقد
стр. 126
يكونُ الشخْصُ الواحد من طبقتَيْن باعتبارَيْن؛ كأنس بن مالك (١) ﵁ فإنه من حيث صحبتُهُ للنبيِّ ﷺ يعدُّ في طبقة العَشَرة، ومن حيثُ صِغَرُ السنِّ يُعَدُّ في طبقة مَنْ بعدَهُمْ، فمن نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة: جعل الجميعَ طبقةً واحدةً؛ كما صنع ابن حِبَّان (٢) وغيره، ومَنْ نظر إليهم باعتبار قَدْرٍ زائدٍ، كالسَّبْق إلى الإسلام، أو شهودِ المشاهد الفاضلة؛ كبدر، وأحد، وبَيْعة الرِّضْوان -: جعلهم
стр. 127
طبقات، وإلى ذلك: جَنَحَ صاحب الطبقات: أبو عبد الله محمدُ ابْنُ سعدٍ البغداديُّ (١)؛ حيث جعلهم خمس طبقات:
"الأولى: البدريُّون.
الثانية: مَنْ أسلم قديمًا ممن هاجر، عامَّتُهُمْ إلى الحبشة، وشهدوا أُحُدًا فما بعده.
الثالثة: مَنْ شَهِدَ الخندق فما بعدها.
الرابعة: مُسْلِمَةُ الفَتْح فما بعدها.
الخامسة: الصِّبْيَان والأطفال؛ سواءٌ حُفِظَ عنهم -وهم الأكثر- أم لا" (٢).
وجعلهم الحاكم اثْنَتَىْ عَشْرةَ طَبقةً: "مَنْ تقدَّم إسلامهم بمكَّة؛ كالخلفاء الأربعة، ثم أصحابُ دَارِ النَّدْوة، ثم مهاجرو الحبشة، ثم أصحابُ العَقَبَة الأُولى، ثم الثانية، وأكثرُهُمْ من الأنصار، ثم أوَّلُ
стр. 128
المهاجرين الذَّين لَقُوهُ بقُبَاء قَبْل دخول المدينة (١)، ثم أهْلُ بَدْر المهاجرون بَيْن بَدْر والحُدَيْبية، ثم أصحابُ بيعة الرِّضْوان، ثم مَنْ هاجَرَ بَيْن الحديبيَةِ وفَتْحِ مكَّة؛ كخالد بن الوليد، ثم مُسْلِمَةُ الفَتْح؛ كمعاوية وأبيه، ثم الصِّبْيَانُ والأطفالُ الذَّين رَأَوْهُ ﷺ يوم الفتح، وفي حَجَّة الوداع، وغيرُهُمْ؛ كالسائب بن يزيد، وأبي الطُّفَيْل" (٢).
وكذلك مَنْ جاء بعد الصحابة، وهم التابعون؛ فمن نظر إليهم باعتبار الأَخْذ عن بعض الصحابة فقطْ جعل الجميعَ طبقةً واحدةً؛ كما صنع ابن حِبَّان (٣)، ومن نظر إليهم باعبتار اللِّقَاء -أي: من جهة كثرتِهِ وقلته، والأَخْذ عن كبار الصحابة وصغارهم -قسَّمهم إلى طبقات؛ كما فعل "ابن سعد"؛ حيثُ جعَلَهُمُ ثلاث طبقات (٤)، وقال الحاكم في "علوم الحديث": هُمْ خمس عشرة طبقةً، آخرهم من لَقِيَ أَنَسَ بن مالك من أَهْل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أوفَى مِنْ أَهْل الكوفة، ومن لَقِيَ السائب بن يزيد من أهل المدينة، والطبقة الأولى: من رَوَى عن العَشَرة المبَشَّرَة بالسماع منهم (٥). انتهى.
"وذَلِكَ الجَمْعُ بَحِيْثُ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِب":
قيل: "لو قال: أحال العقْلُ تواطؤهم … إلى آخره - لكان أولى؛ لأن قوله: "يستحيل عادة … إلى آخره" لا يكفي في إقامة العلم؛ لأنَّ إحالة
стр. 129
العادة شيئًا لا تستلزمُ إحالةَ العَقْل إيَّاه؛ فلا يكونُ مستلزمًا لحصول العلْم اليقيني". انتهى.
وفيه نظر؛ لأنه لا فرق بين إحالة العَقْل والعادة في هذا المَوْضِعِ؛ فإنَّ مجَّرد التجويز العقليِّ لا يرتفع -وإن بلغ العدد الغاية القُصْوَى - فمن أسند الإحالة إلى العَقْل، أراد أنَّ العَقْل لا يجوِّز ذلك مِنْ حيث العادة.
والتواطؤ: التوافُقْ، وخَصَّه بعضهم: "باتِّفَاق قومٍ على اختراع معيَّن بعد المشاورة والتقرير" بالأَّ يقول أحدٌ خلافَ صاحبه، والتوافق: حصولُ هذا الاختراع مِنْ غير مشاورة بينهم، ولا اتفاقٍ على اختراع، والكذبُ: عدمُ المطابقة للواقِعِ على الصحيح.
وما ذهَبَ إلَيْه المصنِّف من عَدَم الضَّبْط بعَدَد معيَّن - بل العبرةُ بحُصُول العلْم -: هو ما ذَهَبَ إَليْه الجمهورُ من الفُحُول؛ وتلَقَّتْهُ العقول بالقبول (١)؛ فإنا نقطع بالمتواتراتِ من غَيْر علْمٍ بعددٍ مخصوص قبل العلْمِ
стр. 130
بها أو بعده؛ وذلك لأنَّ ظَنَّ الإنسانِ يتحرَّك بأوَّل مخبر، ثم لا يزالُ يتزايَدُ بتزايُدِ المُخْبِرِين تزايدًا خفيًّا؛ نحو: تزايد ضَوْء الصبح، وعَقْل الصبيِّ والبَدَن، حتَّى يبلغ القطْعَ واليقين؛ فلذلك: تعذَّر على القوة البشريَّة إدراكُ عَدَدٍ عنده يحصُلُ العِلْمُ، وأقلُّ العددِ الحاصِلِ منه ذلك خمسةٌ، أمَّا الأربعة فلا تكفي في عَدَدِ الجمعِ المذكور؛ لاحتياجهم إلى التزكية فيما لو شهدوا بالزِّنا؛ فلا يفيدُ قولهم العِلْم.
وذهب قومٌ إلى أن للتواتر عددا معيَّنًا لا يحصل العلْمُ بأقلَّ منه، والقائلون بذلك اختلَفوا في تَعْيينه واضْطَرَبوا.
فقيل: أقلُّه عَشَرة؛ وإليه ذهب صاحب "القواطع" (١)، [ونقله] عن
стр. 131
الإصطخرىّ (١)؛ حيث قال: لا يجوزُ أنْ يتواتَرَ بأقلَّ من عشرة، وإنْ جاز أن يتواتَرَ بالعَشَرة فما زاد (٢)، وحجته: أن ما دونهَا آحاد؛ فاختصَّ بأخبار الآحاد، والعشرة فمازاد جَمْعُ كثرةٍ.
ورُدَّ: بأنه: إن أراد بالآحاد ما هُوَ مصطلحُ الحساب فلاجهة للتمسُّك به، وإن أراد أنه جَمْعُ قلَّةٍ بقرينةِ مقابلتِهِ بجَمْع الكثرة- فلا يخفَى ضعفه أيضًا.
وقيل: أقله اثنا عَشَرَ، عَدَدَ النقباء الَّذينَ نصبَهُمْ موسى ﵊ وبَعَثَهم للكَنْعَانيِّين بالشام، طليعةً لبني إسرائيل؛ ليُعْلِمُوهُمْ بأحوالهم التي لا تريب.
وقيل: أقلُّه عشرون؛ لقوله تعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]؛ فيتوقَّف بعث عشرين إلى مائتَيْن على إخبارهم بصَبْرهم.
وقيل: أقلُّهُ أربعون؛ لقوله تعالى: ﴿يأيُّها النَّبِيُّ حُسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنيِنَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، وكانوا أربعين رجلًا؛ فإخبارُ الله عنهم بأنَّهُمْ كافئوا نبيَّهُ يستدعي إخبارَهُمْ عن أنفسهم بذلك لَهُ؛ ليطمئنَّ قلبه؛ فكونُهُمْ على هذا العدد ليس إلا لأنَّه أقلُّ ما يفيد العِلْم.
стр. 132
وقيل: أقله سبعون؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَاَر مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعيِنَ رَجُلًا لمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]؛ ليُخْبِروا قومهم بما يَسْمَعُونه؛ فكونُهُمْ على هذا العدد ليْسَ إلا لأنَّه أقَلُّ ما يفيد العلم.
وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر، عَدَدَ أَهْل بدر، وهذا الاقتضاء زيادةِ اخترامِهِم يستدعي التنقيب عنهم، ليُعْرَفُوا، وإنما يُعْرَفُون بأخبارهم؛ فكونُهُمْ على هذا العدد ليس إلا لأنَّهم أقلُّ عدد يفيد العِلْم.
وهذه الأدلَّة كلُّها ممنوعةٌ؛ إذ لا تعلُّق بشيءْ منها للأخبار.
ولو سلِّم، فليس فيها دَلَالةٌ على أن ذلك العدد شَرْطٌ لتلك الوقائع، ولا على كَوْنِهِ مفيدًا للعْلم.
وقال ابن قُتَيْبة (١) في كتابه "مُخْتَلِف الحديث" (٢): "والذي بَرْهَن بهذه الأقوال يلزمُهُ إثباتُ قولٍ بثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَثَاِمُنُهْم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وإثباتُ قولٍ بتسْعةَ عَشَرَ؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]؛ ولم يصيروا إليه، فدلَّ على فساد حُجَّتهم" (٣)
стр. 133
"وَاسْتَنَدَ ذَلِك الخَبَرُ إِلَى الْحِسِّ":
أي: انتهى إلى أمْرٍ محسوس؛ وهو ما يُدْرَكُ بإحدى الحواسِّ الخمس؛ كالإخبار بوجود مَكَّة، وطَيْبة؛ بخلاف ما إذا استند إلى أمرٍ معقول؛ كالإخبار بحدوثِ العَالَم مثلًا؛ لأنه: إن كان من الأوَّليَّات، فلا يحتاج إلى التواتر؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ ذلك بمجرَّد العقل، وإن كان من النظريَّات، فكل واحد منهم يُخْبِرُ عن نظره؛ فَلَمْ يتواردْ على محلٍّ واحدٍ والغلط جائزٌ على كل واحد منهم، وفي المحسوس: المُخْبِرونَ به تواردوا على محل واحد.
وخصّ الحافظ ابن حجر في شرحه المستند بالمشاهد أو المسموع؛ اعتبارًا للغالب، ولأنَّ البحْثَ في المتواتر من قوله ﷺ وفعله، وتقريره؛ والأول من المسموعات، والثاني والثالث من المُبْصَرَات؛ وإلا فالشرط: الانتهاء إلى مُطْلَق الحسِّ الشامل للحواسِّ الخمس؛ كما ذهب إليه المصنِّف.
"فَهُوَ المُتَوَاتِرُ" اللَّفْظِيُّ:
وهو: "ما تواتر لفظُهُ ومعناه؛ وذلك كحديث: "مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٢)، وقوله ﷺ : "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالَيِمينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (٣).
стр. 134
وهو قليلٌ جدًّا؛ كما قال ابن الصلاح (١)، وإن أثبته الحافظُ في شرحه بكثرةٍ؛ حيث قال: "ومن أحسَنِ ما يتقرَّر به كونُ المتواتر موجودًا وجودَ كَثْرة في الأحاديث: أن الكُتُبَ المشهورةَ المتداوَلَةَ بأيْدي أهلْ العلْمِ شرقًا وغربًا، المقطوعَ عندهم بصحَّة نسبتها إلى مصنِّفِيها: إذا اجتمعَتْ على إخرجِ حديثٍ، وتعدَّدَتْ طرقه تعدُّدًا تحيلُ العادةُ تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلْمَ اليقينيَّ بصحَّة نسبته إلى قائله، ومثلُ ذلك في الكُتُب المشهورة كثيرٌ" (٢). انتهى.
فإنَّ المحقِّق ابن أبي شريف (٣) قد رَدَّ ذلك في حاشيته بقوله بعد ما ساق العبارة: "قد يقال عليه: لا يلزمُ نسبةَ الكُتُب إلى مصنِّفيها: أن يكونَ ذلك القطْع حاصلًا عن التواتر؛ فقد يكون حصوله بخبر الآحاد، المحفوفِ بالقرائن؛ وإلَّا فهذا صحيحُ البخاريِّ الذي هو أصحُّ كُتُبِ
стр. 135
الحديث، لا يُرْوَى بالسماع المتَّصِلِ إلا عن الْفَرَبْرِيّ (١)؛ بل وغالبُ الكُتُب المشهورة لا يبلُغُ فيما نعْلَمُ عَدَد رواتها عن مصنِّفيها الذي يتَّصِل الإسناد في عَصْرنا إليهم سماعًا - عَدَدَ المتواتر.
وقد يجابُ: بأن كون من عُلِمَتْ رواته دون عدد التواتر لا يستلزمُ كونَ الرواة في كل عصْرٍ أو في بعض الأعصار دون عدد التواتر؛ فكمْ من سامع مات قبل أن يُسْمَعَ منه؟! وكم من مستَمِعٍ لم يضبطْ جميعَ مَنْ سمع منه؟! بل ولا واحدٌ منهم في طبقة سَمِعَ؛ فمات ذِكْر روايته بموته؛ وهكذا في كل عصر؛ كما أجيبَ بمثله عن هذا الإيراد؛ حيث أورد على القول بتواتر القرآن الكريم بالقراءات المعروفة مع السبعة والعشرة، بل قد سمِعَ الصحيحَ من البخاريِّ -غَيْرَ الفَرَبْرِيِّ- عَدَدٌ، بعضهم يبلغ التواتر؛ غير أن الفَرَبْرِيّ تأخَّرَتْ وفاته، فعَكَفَ الناسُ على الأَخْذ عنه؛ كما صرَّح بذلك (٢)، وقد اتفق ذلك في بعض الكُتُب. "
стр. 136
[المتواتر المعنوي] (١)
وأما المعنويُّ (٢): فهو أن يتواتَرَ معنَىَ في ضمن ألفاظٍ مختلفةٍ، ولو كان ذلك المعنى المشتَرَك فيه بطريق اللزوم؛ كما إذا أخبر واحدٌ عن حاتم (٣) بأنه أعطى دينارًا، وآخر أنه أعطَى بعيرًا، وآخر أنه أعطى فرسًا، وهلم جرًّا؛ فإنَّ المخبرين -وإن اختلفوا في الأداء- فقد اتفقوا على معنى كليٍّ وهو الإعطاء، وهو دُونَ التواتُرِ اللفظيِّ؛ لأَجْل الاختلاف في طريق النقل؛ قال الشيخ أبو إسحاق (٤): "ولا يكاد يقعُ الاحتجاجُ به إلا في شيء من الأصول، ومسائل قليلة من الفروع؛ كغَسْل الرجلَيْن مع
стр. 137
стр. 138