Полный текст (1 443 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فالملحقة فِي هَذَا الْبَاب والزائدة لغير الإِلحاق سواءٌ فِي قَول النحويّين وَكَانَ الْخَلِيل يَقُول لَو بنيت (أَفْعَلْت) من الْيَوْم فِي قَول من قَالَ أَجْوَدْت وأَطْيَبْت لَقلت أَيَّمت وَكَانَ الأَصل أَيْومت وَلَكِن انقلبت الْوَاو للياءِ الَّتِي قبلهَا كَمَا فعلت فِي سيّد فإِن بنيت الْفِعْل بِنَاء لم يُسمّ فَاعله أَو تكلَّمت بمضارعه قلت / فِي قَول الْخَلِيل (أُوِومَ) لأَنَّ الياءَ منقلبة من وَاو فلمّا بناها هَذَا البناءَ جعلهَا مدّة وإِن كَانَت أَصليّة لأَنَّها منقلبة كَمَا انقلبت وَاو سُويِرَ من أَلف سايرَ فقد صَارَت نظيرتها فِي الانقلاب وَتقول فِي مُوئِس فِيمَن خفَّف الْهمزَة مُويس فتجعلها بَيْنَ بَيْنَ وَفِي مِيأَل وَهُوَ مِفْعَل من وَأَلت ميال فَلَا تجعلها كالواو فِي خَطِيئَة إِذا قَالَ خطيّة إِذا خفَّف الْهمزَة والنحويّون أَجمعون على خِلَافه لإِدخاله الأَصول على منهاج الزَّوَائِد فَيَقُولُونَ اُيِّمَ لأَنَّها أَصليّة فالادغام لَازم لَهَا لأَنَّ المدّ لبس بأَصل فِي الأُصول وَيَقُول فِي (مِفْعَل) من وأَلت مِوَل إِذا خفَّفوا الْهَمْز والأَصل مِيْئَل فطرحوا حَرَكَة الْهمزَة على الياءِ فلمّا تحرّكت رجعت إِلى أَصلها لأَنَّها من وَاو وأَلت كَمَا رجعت وَاو ميزَان إِلى أَصلها فِي قَوْلك مَوَازِين وَيَقُول النحويّون فِي مُوئِس إِذا خفَّفوا الْهمزَة مُيِس / لأَنَّهم طرحوا حركتها على الْوَاو فَسَقَطت الْهمزَة وَرجعت الْوَاو إِلى الياءِ لمّا تحرّكت لأَنَّه من يَئست فَهَذَا قَول النحويّون وَهُوَ الصَّوَاب وَالْقِيَاس
стр. 177
وَلَو بنيت من القَوْل (فَعَّل) أَو من البيع لَقلت قَوَّل وبَيَّع فإِن بنيته بِنَاء مَا لم يسمّ فَاعله قلت قُوّل وبُيّع لأَنَّها لَيست منقلبة إِنَّما رددت الْعين مثقَّلة كَمَا كَانَت وَتقول فِي (اِفْعَلْ) من أَويت إِذا أَمرت اِيْوِ يَا رجل وللاثنين اِيوِيا وللجمع ايوُوا وللنساءِ ايوِينَ كَمَا تَقول من عوَيْت فالياءُ مبدلة من الْهمزَة وَلَا يلزمك الادغام لأَنَّ الأَلف أَلف وصل فَلَيْسَ الْبَدَل لَازِما للياءِ لأَنَّ أَصلها الْهَمْز ولكنَّك لَو قلت مثل (إِوَزّة) من أَوَيْت لَقلت إِيّاة فَاعْلَم وَكَانَ أَصلها إِئواة فلمّا الْتَقت الهمزتان أَبدلت الثَّانِيَة يَاء لكسرة مَا قبلهَا كَمَا ذكرت لَك فِي جاءٍ وَنَحْوه فَصَارَت يَاء خَالِصَة وَبعدهَا وَاو فقلبتها لَهَا لأَنَّ الياءَ سَاكِنة / وَلم نَجْعَلهَا مدّا لأَنَّه اسْم وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي هَذَا فِي بَاب عدوّ ووليّ وَنَحْوه
стр. 178
وَلَو قلت من وَأَيت مثل (عُصْفُور) لَقلت وُؤْييّ لأَنَّك إِذا قلت وأَيت فالواو فِي مَوضِع الفاءِ والهمزة فِي مَوضِع الْعين فلمّا قلت (فُعْلول) احتجت إِلى تَكْرِير اللَّام للبناءِ وَالْوَاو الزَّائِدَة تقع بَين اللامين كَمَا تقع فِي مِثَال فُعْلول فَقلت وُؤْيِيّ والأَصل وُؤْئوي فقلبت الْوَاو يَاء للياءِ الَّتِي بعْدهَا وضممت الْوَاو الأُولى لمثال فُعْلول وإِنَّما لزمك الإِدغام لأَنَّه اسْم وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ وَاو (فُعْلول) كواو (سُويِرَ) وَلَكِن الأَسماءِ لَا تتصرّف وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا أَلا ترى أَنَّ قَوْلك مَرْمِيّ إِنَّما هُوَ مَفْعُول من رميت فَكَانَ حقّه أَن يكون مَرْمُوي فأَدغمت فَكَذَلِك آخر (فُعْلُول) وَلَو قلت مثل (مَفْعُول) من حييت لَقلت هَذَا مَكَان مَحْييٌّ فِيهِ وَكَانَ الأَصل مَحْيُوي وَكَذَلِكَ مَشْوِيّ وَكَانَ / الأَصل مَشْؤوي لأَنَّ الْعين وَاو بعْدهَا واوُ مفعول وَبعد وَاو مفعول الياءُ الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل وَلَو قلت مثل (فَعالِيل) من رميت لَقلت رَمَايِيّ فَاعْلَم لم تغيّر لتباعد الأَلف من الطّرف فأَدغمت الياءَ الزَّائِدَة فِي الياءِ الَّتِي هِيَ لَام فأَمّا مثل طَوِيل وقويم وَمَا أَشبه ذَلِك فَلَا يلزمك الإِدغام لتحرّك الْحَرْف الأَوّل من المعتلَّين ونبيّن هَذَا بأَكثر من هَذَا التَّبْيِين فِي بَاب مسَائِل التصريف إِن شاءَ الله
стр. 179
(هَذَا بَاب تصرف الْفِعْل اذا اجْتمعت فِيهِ حُرُوف الْعلَّة)
إِذا بنيت الْمَاضِي من حَيِيت فَقلت حَيِيَ يَا فَتى فأَنت فِيهِ مخيّر إِن شِئْت أَدغمت وإِن شِئْت بيّنت تَقول فِي حَيَّ فِي هَذَا الْموضع وَقد حَيِيَ فِيهِ أَمَّا الإِدغام فَيجب للُزُوم الفتحة آخر (فَعَلَ) وأَنَّه قد صَار بالحركة بِمَنْزِلَة غير / المعتلّ نَحْو رَدَّ وكَرَّ وأَمّا ترك الإِدغام فلأَنَّها الياءُ الَّتِي تعتلّ فِي يَحْيَى ويُحْيِي فَلَا تلزمها حَرَكَة أَلا ترى أَنَّك تَقول هُوَ يُحْيِي زيدا وَلم يُحْيِ فتجعل محذوفة كَمَا تحذف الْحَرَكَة وَكَذَلِكَ يَحْيَا وَنَحْوه وَقد فسّرت لَك من اتِّصال الْفِعْل الْمَاضِي بالمضارع وإِجرائه عَلَيْهِ فِي بَاب أَغزيت وَنَحْوه مَا يُغني عَن إِعادته وَمن قَالَ حَيَّ يَا فَتى قَالَ للْجَمِيع حَيُّوا مثل رَدَّ وردُّوا لأَنَّه قد صَار بِمَنْزِلَة الصَّحِيح وَمن قَالَ حَيِيَ فبيّن قَالَ حَيُوا للْجَمَاعَة وَذَلِكَ لأَنَّ الياءَ إِذا انْكَسَرَ مَا قبلهَا لم تدْخلهَا الضمّة كَمَا لاتقول هُوَ يقضِىُ يَا فَتى وَلَا هُوَ قاضِيٌ وَكَانَ أَصلها حَييُوا على وزن علمُوا فسكِّنت وَالْوَاو بعْدهَا سَاكِنة فحذفت لالتقاءِ الساكنين فَمثل الإِدغام قراءَة بعض النَّاس ﴿وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة﴾ وَهُوَ أَكثر وَترك الإِدغام (من حَييَ عَنْ بَيِّنَةٍ) وَقد قرئَ / بهما جَمِيعًا
стр. 180
وَكَذَلِكَ قيل فِي الإِدغام
(عَيُّوا بأَمْرِهمو كَمَا ... عَيّت ببَيْضَتها الحَمامهْ)
وَقَالَ فِي ترك الإِدغام
(وكنَّا حسِبناهم فورسَ كَهْمَسٍ ... حَيُوا بعد مَا مَاتُوا من الدَّهْر أَعْصُرا)
فإِذا قلت هُوَ (يَفْعَل) لم يجز الإِدغام البتَّة وَذَلِكَ قَوْلك لن يُعْيِيَ زيد وَلنْ يُحْيِيَ أَحد لأَنَّ الْحَرَكَة لَيست بلازمة وإِنَّما تدخل للنصب وإِنَّما يلْزم الإِدغام بِلُزُوم الْحَرَكَة وَكَذَلِكَ قَول الله ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ لَا يجوز الإِدغام كَمَا ذكرت لَك فإِذا قلت قد (فُعِلَ) من حَيِيت على قَول من بَيَّنَ قلت قد حُيِيَ فِي هَذَا الْمَكَان وَمن أَدغم قَالَ قد حُيَّ فِي هَذَا الْمَكَان وإِن شاءَ قَالَ قد حِيَّ فأَبدل من الضمّة كسرة للياءِ الَّتِي بعْدهَا وَكَذَلِكَ كلُّ مَا كَانَ من هَذَا اسْما كَانَ أَو فِعْلا تَقول قرْنٌ أَلْوَى وقُرون لُيٌّ وإِن شِئْت قلت لِيٌّ والأَصل الضَّم وإِنَّما دخل الْكسر من أَجل الياءِ لأَنَّ جمع / أَفْعَل (فُعْل) إِذا كَانَ (أَفْعل) نعتا نَحْو أَحمر وحُمْر ولكنّ الْكسر فِي هَذَا أَكثر لخفَّته
стр. 181
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ على (فُعول) ممّا اعتلَّت لامه تَقول ثُدِيّ وعُصِيّ وإِن شِئْت قلت ثِدِيّ وعِصِيّ وَالْكَسْر أَكثر لما ذكرت لَك والضمّ الأَصل لأَنَّ البناءَ (فُعُول) فأَمَّا الْمَفْتُوحَة فَلَا تبدل كسرة لخفَّة الفتحة نَحْو وَلِيّ وعَدِيّ وَكَذَلِكَ ﴿ليا بألسنتهم﴾ فإِذا ثنيَّت (اُفْعُوْعِلَ) من حَييت لَقلت فِي قَول من لم يدغم قد احْيُويِيَا فِي هَذَا وَفِي قَول من أَدغم اُحْيُويَّا فِيهِ فإِن قلت فَكيف اجْتمعت الْوَاو وَهِي سَاكِنة والياءُ بعْدهَا سَاكِنة للإِدغام فقد تقدم قَوْلنَا فِي أَنَّ حرف المدّ يَقع بعده السَّاكِن المدغم لأَنَّ المدّة عوض من الْحَرَكَة وأَنَّك تعتمد على الحرفين المدغم أَحدُهما فِي الآخر اعتمادةً وَاحِدَة نَحْو قَوْلك دابّة وشابّ وتُمُودّ الثَّوْب وَهَذَا بريدّاود وَنَحْو ذَلِك وَنحن ذاكرو مَا تلتقي لامه وعينه / على لفظ وَاحِد بِجَمِيعِ علله من الصَّحِيح ثمّ نرْجِع إِلى المعتلّ إِن شاءَ الله إِذا قلت (فَعِل) أَو (فعَل) ممّا عينه ولامه سواءٌ فَكَانَ الحرفان متحرِّكين فإِنه يلزمك أَن تسكِّن المتحرّك الأَوّل فتدغمه فِي الَّذِي بعده لأَنَّهما لفظ وَاحِد فَلَا يَقع فِي الْكَلَام التباين وَذَلِكَ قَوْلك رَدَّ وفَرَّ وعَضَّ ورَدُّوا وفَرُّوا فإِن سكن الثَّانِي ظهر التَّضْعِيف وإِنَّما يظْهر لأَنَّ الَّذِي بعده سَاكن فإِن أَسكنته جمعت بَين ساكنين لذَلِك تَقول رَدَدْت وفَرَرْت وَتقول لم يردُدْن وَلم يفْرِرْن لأَنَّ مَا قبل نون جمَاعَة النساءِ لَا يكون إِلَاّ سَاكِنا لما قد تقدّم ذكره وَكَذَلِكَ مَا قبل التاءِ إِذا عني بهَا المتكلِّم نَفسه أَو مخاطبه
стр. 182
وَتقول ردَّا لَا غير لأَنَّ الثَّانِيَة تتحرّك فإِذا أَمرت الْوَاحِد فَقلت (افْعَلْ) من هَذَا المضاعفة فأَنت مخيّر إِن شِئْت قلت اردُدْ كَمَا تَقول اُقتل وَتقول اِعْضَضْ كَمَا تَقول اِذهب وَتقول اِفرِزْ كَمَا تَقول اِضربْ وَهَذَا أَجود الأَقاويل / وَقد يجوز أَن تَقول فِرَّ رُدّ عَضَّ فإِذا قلت ذَلِك فإِنَّما طرحت حَرَكَة الْعين على الفاءِ فلمّا تحركت الفاءُ سَقَطت أَلف الْوَصْل وَقد التقى فِي الْوَقْف ساكنان فإِذا وصلت فَكَانَ الْحَرْف من بَاب (يَفْعُل) فأَنت فِي تحريكه مخيّر يجوز فِيهِ الْوُجُوه الثَّلَاثَة تَقول غُضِّ يَا فَتى وغُضُّ وغُضَّ أَمّا الْكسر فعلى أَنَّه أَصل التقاءِ الساكنين وأَمّا الضمّ فللإِتباع وأَمّا الْفَتْح فلأَنَّه أَخفُّ الحركات لأَنَّك إِنَّما تحرّك الآخر لالتقاءِ الساكنين فإِن كَانَ من بَاب مَسَّ جَازَ فِيهِ الْفَتْح من وَجْهَيْن لخفَّته وللإِتباع وَجَاز الْكسر لما ذكرت لَك
стр. 183
وإِن كَانَ من بَاب فَرَّ جَازَ فِيهِ الْكسر من وَجْهَيْن للإِتباع ولأَنَّه أَصل التقاءِ الساكنين وَجَاز الْفَتْح لخفَّته وإِنَّما جَازَ فِي هَذَا مَا لم يجز فِيمَا قبله ممّا تحرّك نتع الأَوّل لأَنَّ هَذَا أَصله الحركه وإِنَّما سُكِّن للجزم وَلَيْسَ السّكُون لَازِما لَهُ لأَنَّك لَو ثنَّيته أَو جمعته أَو أَنَّثته للزمته الْحَرَكَة نَحْو رُدَّا ورُدُّوا ورُدِّي وَكَذَلِكَ إِن دخلت فِيهِ النُّون / الْخَفِيفَة أَو الثَّقِيلَة وَمَا كَانَ قبل التاءِ وَالنُّون الَّتِي لجَماعَة المؤَنَّث لم يكن إِلَاّ سَاكِنا لَا تصل إِليه الْحَرَكَة فلمّا كَانَ كَذَلِك كَانَ تحريكه تَحْرِيك اعتلال وَلم يكن كَمَا قد تقدّمنا فِي ذكره فإِن لَقيه سَاكن بعده اختير فِيهِ الْكسر وَلَا أَراه إِذا حرّك للَّذي بعده فِي التَّقْدِير يجوز فِيهِ إِلَاّ الْكسر فإِن قدّر تحريكه للَّذي بعده فِي التَّقْدِير يجوز فِيهِ إِلَاّ الْكسر فإِن قدّر تحريكه لما قبله جَازَت فِيهِ الْوُجُوه كلُّها على مَا تقدّمنا بِذكرِهِ وَذَلِكَ قَوْلك رُدِّ الرجل وغضِّ الطّرف وإِن شِئْت قدّرته لما قبله فَقلت فِي المضموم بالأَوجه الثَّلَاثَة كَمَا كَانَ من قبل أَن يدْخل السَّاكِن الَّذِي بعده وَقلت فِي المفتوح بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَكَذَلِكَ المكسور وَهَذَا الْبَيْت ينشد على الأَوجه الثَّلَاثَة لما ذكرنَا وَهُوَ
(فغُضّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْباً بلغتَ وَلَا كِلابا)
وَكَذَلِكَ الَّذِي بعده وَهُوَ
(ذُمُّ المنازلَ بعد منزلَة اللِّوَى ... والعيشَ بعد أُولئكَ الأَيامِ)
стр. 184
/ فعلى مَا ذكرت لَك مجْرى هَذَا الْبَاب وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي ذَوَات الياءِ وَالْوَاو المضاعفة ثمّ ذكرنَا ذَا ونعود إِلى استقصاءِ مَا فِيهَا إِن شاءَ الله اعْلَم أَنَّه لَا يَقع فِي الأَفعال مَا تكون عينه يَاء ولامه واوا وَلَكِن تكون عينه واوا ولامه يَاء وَذَلِكَ نَحْو شَوَيْت ولَويت وطويت وَيلْحق بِهِ مَا كَانَت عينه ولامه واوين لأَنَّه يُبنى على فَعِلت فَيصير لامه بِمَنْزِلَة مَا أَصله الياءُ نَحْو حَوِيت وقَوِيت فأَمّا قَوْلهم (حَيَوان) فِي الِاسْم فقد قيل فِيهِ قَولَانِ قَالَ الْخَلِيل الْوَاو منقلبة من ياءٍ لأَنَّه اسْم فخروجه عَن الْفِعْل كخروج آيَة وبابها وَقَالَ غَيره اشتقاق هَذَا من الْوَاو لَو كَانَ فعْلاً ولكنَّه لَا يصلح لما تقدّمنا بِذكرِهِ وَنَظِيره فِي هَذَا الْبَاب على هَذَا القَوْل جَبَيْت الْخراج جِباية وجِباوة وَلَيْسَ من جِباوة فِعْل وَمثل ذَلِك فاظ الميّت فَيْظاً وفَوْظا وَلَيْسَ من فَوْظ فِعْل
стр. 185
وَلذَلِك ظهر على الأَصل ليدلّ على أَصله وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي أَنَّه لَا تظهر واوان مُجْتَمعين / إِذا كَانَت إِحداهما طرفا وَلَا يَقع فِي الْكَلَام مَا مَوضِع فائه وَاو ولامه وَاو نَحْو وَعَوْت وَنحن ذاكرو مَا يتَّصل بِهِ إِن شاءَ الله إِذا بنيت من الغَزْو (فَعَلَلْت) قلت غَزَوْيت وَلم يجز إِلَاّ ذَلِك لأَنَّها فِي الْمُضَارع يُغزْوِي على مَا ذكرنَا من الْبَاب وَلَو لم يكن ذَلِك لوَجَبَ أَلَاّ تَجْتَمِع واوان أَلا ترى أَنَّهم يذهبون (بفَعَلْت) من الْوَاو إِلى (فِعِلت) فِي نَحْو قَوِيت وحَوِيت لئلَاّ يجْتَمع واوان فإِذا كَانَت إِحداهما غير طرف أَو كَانَ مَا قبلهَا سَاكِنا فَهِيَ ثَابِتَة نَحْو قَوْلك خيل حُوّ وبطن قَوّ وَقد قُلْنَا فِي هَذَا وَلَكِن رددناه لما بعده إِذا بنيت (افْعَوْعَل) من قلت فإِنَّ النحويّين يَقُولُونَ اقْوَوَّلَ فتجتمع ثَلَاث واوات وَلم تكن وَاحِدَة منهنّ طرَفا ينْتَقل عَلَيْهَا الإِعراب إِلَاّ أَبا الْحسن الأَخفش فإِنَّه كَانَ يَقُول فِي هَذَا الْمِثَال (اقْوَيَّلَ) يقلب آخرهنّ يَاء ويدغم فِيهَا الَّتِي قبلهَا وعلَّته فِي ذَلِك اجْتِمَاع الواوات وَيَقُول إِنَّما تجْرِي الأَبنية على الأُصول وَلَيْسَ / فِي الأُصول مَا هُوَ هَكَذَا فإِن قلت (مَفْعُول) من غَزَوْت فَهُوَ ﴿مَغْزُوّ﴾ هَذَا الْمُجْتَمع عَلَيْهِ تصحّ الْوَاو الَّتِي هِيَ حرف الإِعراب لسكون مَا قبلهَا وَقد يجوز مَغْزِيّ وَذَلِكَ لأَنَّك قلبت الطّرف كَمَا فعلت فِي الْجمع وَلَيْسَ بِوَجْه
стр. 186
لأَنَّ الَّذِي يقلب إِنَّما يذهب إِلى أَنَّ السَّاكِن الَّذِي قبلهَا غير جَائِز وَلَا تكون الْوَاو فِي الأَسماءِ طرَفا وَمَا قبلهَا متحرّك فَلم يعتدّ بِمَا بَينهمَا أَلا ترى أَنك إِذا جمعت دَلْو قلت أَدْلٍ وإِنَّما هِيَ (أَفْعُل) وَتقول فِي قلنسوة وَالْجمع قَلَنْسٍ وحقُّه قَلَنْسُوٌ ولكنَّك قلبت الْوَاو لمّا كَانَت طرفا وَكَانَ مَا قبلهَا متحرّكا على ذَلِك قَالَ الراجز
(لَا مَهْلَ حتَّى تَلْحَقِي بعَنْسِ ... أَهلِ الرِياطِ البِيْضِ والقَلَنْسِي)
وَقَالَ الآخر
(حتّى تَفُضِّي عَرْقِيَ الدِلِيِّ ... )
جمع عَرْقُوة وَكَانَ حقَّه عَرْقُوٌ فَهَذَا حكم كلّ وَاو طرف إِذا تحرّك مَا قبلهَا فَكَانَ مضموما أَو مكسورا وإِن كَانَ مَفْتُوحًا انقلبت أَلفا كَمَا ذكرت فِي غَزا وَكَذَلِكَ رمَى لأَنَّ حكم الْوَاو فِي هَذَا الْموضع كَحكم الياءِ لَو رخَّمت (كَرَوانا) فِيمَن قَالَ يَا حارُ لَقلت يَا كَرا أَقبل
стр. 187
وَكَانَ الأَصل / يَا كَرَوُ لَكِن تحرّك مَا قبلهَا وَهِي فِي مَوضِع حَرَكَة فَانْقَلَبت أَلفا وَلم يكن ذَلِك فِي كروان لأَنَّ الأَلف بعْدهَا فَلَو قلبتها أَلفا لجمعت بَين ساكنين كَمَا كَانَ يلزمك فِي غَزَوَا لَو لم تردّها إِلى الْوَاو فَالَّذِينَ قَالُوا مَغْزيّ إِنَّما شبّهوه بِهَذَا وعَلى ذَلِك قَالُوا أَرض مَسْنِيّة وإِنَّما الْوَجْه مَسْنُوّة فإِن كَانَ هَذَا البناءُ جمعا فالقلب لَا غير تَقول فِي جمع عَاتٍ عُتِيّ وَفِي غاز غُزيّ وإِن كسرت أَوّله على مَا ذكرت لَك قَبْلُ فَقلت غِزِيّ كَمَا تَقول عِصيّ فالكسر أَكثر لخفَّته والأَصل الضَّم لأَنَّه (فُعُول) وَقَوْلِي فِي هَذَا الْجمع أَوجب لأَنَّ بَاب الانقلاب إِنَّما أَصله الْجمع فَلذَلِك أَجرينا سَائِر الْجمع عَلَيْهِ وَقد قُلْنَا فِي صُيّم مَا يَسْتَغْنِي عَن إِعادته وَاعْلَم أَنَّ اللَّام كَانَت يَاء أَو واوا وَقبلهَا أَلف زَائِدَة وَهِي طرف أَنَّها تنْقَلب همزَة للفتحة والأَلف اللَّتَيْنِ قبلهَا / وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا سقَّاءٌ يَا فَتى وغَزَّاءٌ فَاعْلَم فإِذا لم يكن مُنْتَهى الْكَلِمَة لم تنْقَلب وَذَلِكَ قَوْلك شقاوة وعَباية
стр. 188
فأَمَّا من قَالَ عَظاءَة وعَبَاءَة فإِنما بناه أَوّلا على التَّذْكِير ثمّ أَدخل التأْنيث بعد أَن فرغ من البناءِ فأَنَّثه على تذكيره فعلى هَذَا تَقول صلاءَة وامرأَة سقَّاءَة وحذَّاءَة وَلَو بنيتها على التأْنيث على غير مذكَّر لَقلت سقَّاية وحذَّاوة فَاعْلَم كَمَا تَقول شقاوة وَنِهَايَة وَكَذَلِكَ مَا كَانَت آخِره وَاو وَلَيْسَ بمنتهى الْكَلِمَة نَحْو قَوْلك فِي مثل (فَعُلَة) من غزوت إِن بنيته على التَّذْكِير قلت غَزِية كَمَا كنت تَقول فِي المذكَّر هَذَا غَز فَاعْلَم وإِن بنيته على التأْنيث الَّذِي هُوَ من غير تذكير قلت غَزُوَة كَمَا قلت تَرْقُوة وقَلَنْسُوة لأَنَّ الإِعراب على الهاءِ وَلم يثبت لَهُ مذكَّر يَقع تأْنيثه عَلَيْهِ أَلا ترى أَنَّك لَو سمّيت رجلا (يَغْزُو) لَقلت هَذَا يَغْزٍ كَمَا ترى كَمَا قلت فِي الفِعْل هُوَ يدْلُو دَلْوه وأَنا أَدْلُو لأَنَّ / هَذَا الْمِثَال للفعْل وَتقول فِي جمع دَلْو هَذِه أَدْلٍ فَاعْلَم تقلب الْوَاو ﴿يَاء﴾ لما ذكرت لَك لأَنَّ الأَسماءَ لَا يكون آخر اسْم مِنْهَا واوا متحرّكا مَا قبلهَا وَيَقَع ذَلِك فِي حَشْو الِاسْم فِي مثل عنفوان وأُقْحُوان وَغير ذَلِك حَيْثُ وَقع ثَانِيًا أَو ثَالِثا أَو رَابِعا بعد أَلَاّ يكون طرفا وَلَو قلت (فُعْلُلَة) من رميت على التأْنيث لَقلت رُمْيُوَة تقلب الياءَ واوا لانضمام مَا قبلهَا
стр. 189
وَلَو بنيتها على التَّذْكِير لَقلت رُمْييَة لأَنَّها كَانَت تنْقَلب مذكَّرة فأَعللتها على ذَلِك وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي أَنَّ الْحَرْف إِذا كَانَ على أَربعة أَحرف وَآخره ياءٌ أَو وَاو اسْتَوَى اللفظان على الياءِ لأَنَّ الْوَاو تنْقَلب رَابِعَة فَصَاعِدا إِلى الياءِ لما ذكرنَا من العلَّة وأَعدنا ذَلِك لقَولهم مِذْرَوان وَفُلَان ينفض مِذْرَوْيه وإِنَّما حقُّ هَذَا الياءُ لأَنَّ الأَلف رَابِعَة ولكنَّه جاءَ بِالْوَاو لأَنَّه لَا يُفْرَد لَهُ وَاحِد فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا بُنِي على التأَنيث ممّا لَا مذكَّر لَهُ وعَلى هَذَا لم يجز فِي (النِّهَايَة) مَا جَازَ فِي (عَظاية) من قَوْلك عظاءَة لأَنَّك تَقول فِي جَمِيع هَذَا العظاءُ فَهَذَا يُحْكم / لَك مَا يرد عَلَيْك من هَذَا الْبَاب إِن شاءَ الله
стр. 190
(أَبواب الْإِدْغَام)
(هَذَا بَاب مخارج الْحُرُوف)
وَقِسْمَة أَعدادها فِي مهموسها ومجهورها وشديدها ورخْوها وَمَا كَانَ مِنْهَا مطبقا وَمَا كَانَ من حُرُوف القلقلة وَمَا كَانَ من حُرُوف المدّ واللين وَغير ذَلِك اعْلَم أَنَّ الْحُرُوف الْعَرَبيَّة خَمْسَة وَثَلَاثُونَ حرفا مِنْهَا ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ لَهَا صوَر والحروف السَّبْعَة جَارِيَة على الأَلْسُن مستدل عَلَيْهَا فِي الخطِّ بالعلامات فأَمّا فِي المشافعة فموجودة فَمِنْهَا للحلْق ثَلَاثَة مخارج فَمن أَقصى الحلْق مخرج الْهمزَة وَهِي أَبعد الْحُرُوف ويليها فِي الْبعد مخرج الهاءِ والأَلف هاوية هُنَاكَ والمخرج الثَّانِي من الْحلق مخرج الحاءِ وَالْعين والمخرج الثَّالِث الَّذِي هُوَ أَدنى حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم ممّا يَلِي الْحلق مخرج الخاءِ والغين ثمَّ أَوّل مخارج الْفَم ممّا يَلِي الْحلق مخرج الْقَاف وَيَتْلُو ذَلِك / مخرج الْكَاف وَبعدهَا مخرج الشين ويليها مخرج الْجِيم
стр. 191
ويعارضها الضَّاد ومخرجها من الشِدْقَ فبعض النَّاس تجْرِي لَهُ فِي الأَيمن وَبَعْضهمْ تجْرِي لَهُ فِي الأَيسر وَتخرج اللَّام من حُرُوف اللِّسَان مُعَارضا لأُصول الثنايا والرّباعيات وَهُوَ الْحَرْف المنحرف المشارك لأَكثر الْحُرُوف ونفسِّره فِي مَوْضِعه بمعانيه إِن شاءَ الله وأَقرب المخارج مِنْهُ مخرج النُّون المتحركّة وَلذَلِك لَا يدغم فِيهَا غير اللَّام فأَمّا النُّون الساكنة فمخرجها من الخياشيم نَحْو نون منْك وعنْك وَتعْتَبر ذَلِك بأَنّك لَو أَمسكت بأَنفك عِنْد لفظك بهَا لوجدتها مختلَّة فأَمّا النُّون المتحرّكة فأَقرب الْحُرُوف مِنْهَا اللَّام كَمَا أَنّ أَقرب الْحُرُوف من الياءِ الْجِيم فمحلّ اللَّام وَالنُّون والراءِ مُتَقَارب بعضه من بعض وَلَيْسَ فِي التداني كَمَا أَذكر لَك فإِذا ارْتَفَعت عَن مخرج النُّون نَحْو اللَّام فالراءُ بَينهمَا على أَنَّها إِلى النُّون أَقرب وَاللَّام تتَّصل بهَا بالانحراف الَّذِي قبلهَا ثمّ من طرف اللِّسَان وأُصول الثنايا مصعدا إِلَى الحنك مخرج الطاءِ والتاءِ وَالدَّال وَمن طرف اللِّسَان وملتقى حُرُوف الثنايا حُرُوف الصفير وَهِي حُرُوف تنسلّ انسلالا وَهِي السِّين وَالصَّاد وَالزَّاي وَمن طرف اللِّسَان وأَطراف الثنايا الْعليا / مخرج الظاءِ والثاءِ والذال
стр. 192
وَمن الشافة السُّفْلى وأَطراف الثنايا الْعليا مخرج الفاءِ وَمن الشّفة مخرج الْوَاو والباءِ وَالْمِيم إِلَاّ أَنّ الْوَاو تهوى فِي الْفَم حتّى تتّصل بمخرج الطاءِ وَالضَّاد وتتفشَّى حتّى تتّصل بمخرج اللَّام فَهَذِهِ الاتّصالات تقرّب بعض الْحُرُوف من بعض وإِن تراخت مخارجها وَالْمِيم ترجع إِلى الخياشيم بِمَا فِيهَا من الغُنَّة فَلذَلِك تسمعها كالنون لأَنَّ النُّون المتحرّكة مشربَة غنَّة والغنَّة من الخياشيم وَالنُّون الْخَفِيفَة خَالِصَة من الخياشيم وإِنَّما سمّيتا باسم وَاحِد لاشتباه الصوتين وإِلَاّ فإِنَّهما ليسَا من مخرج لما ذكرت لَك وَمن الْحُرُوف حُرُوف تجْرِي على النَّفس وَهِي الَّتِي تسمّى الرخْوة وَمِنْهَا حُرُوف تمنع النَّفس وَهِي الَّتِي تسمّى الشَّدِيدَة وَمِنْهَا حُرُوف إِذا ردّدتها فِي اللِّسَان جرى مَعهَا الصَّوْت وَهِي المهموسة وَمِنْهَا حُرُوف إِذا ردّدتها ارتدع الصَّوْت فِيهَا وَهِي المجهورة وَمِنْهَا حُرُوف تسمع فِي الْوَقْف عِنْدهَا نَبْرة بعْدهَا وَهِي حُرُوف القَلْقَلَة وَذَلِكَ لأَنَّها ضُغِطَتْ موَاضعهَا وَمِنْهَا المطبقة والمنفتحة وَنحن ذاكرو جَمِيع ذَلِك بأَوصافه إِن شاءَ الله وأَمَّا الْحُرُوف الستّة الَّتِي كمّلت هَذِه خَمْسَة وَثَلَاثِينَ حرفا بعد ذكرنَا الهمزَة بَيْنَ بَيْنَ فالأَلف الممالة وأَلفُ التفخم والحرفُ الْمُعْتَرض بَين الشين وَالْجِيم والحرف الْمُعْتَرض بَين الزَّاي وَالصَّاد وَالنُّون الْخَفِيفَة فَهِيَ خَمْسَة وَثَلَاثُونَ حرفا
стр. 193
ونفسّر هَذِه الَّتِي لَيست لَهَا صور مَعَ استقصائنا القولَ فِي / غَيرهَا إِن شاءَ الله فأَمَّا الْحُرُوف المهموسة فنبدأُ بذكرها وَهِي عشرَة أَحرف الهاءُ والحاءُ والخاءُ وَالْكَاف وَالصَّاد والفاءُ وَالسِّين والشين والتاءُ والثاءُ وَتعلم أَنَّها مهموسة بأَنَّك تردّد الْحَرْف فِي اللِّسَان بِنَفسِهِ أَو بِحرف اللين الَّذِي مَعَه فَلَا يمْنَع النَّفس وَلَو رُمْتَ ذَلِك فِي المجهورة لوجدته مُمْتَنعا فأَمَّا الرخوة فَهِيَ الَّتِي يجْرِي النفَس فِيهَا من غير ترديد والشديدة على خلَافهَا وَذَاكَ أَنَّك إِذا لفظت بهَا لم يتّسع مخرج النَّفس مَعهَا فالرخوة كالسين والشين وَالزَّاي وَالصَّاد وَالضَّاد وكلّ مَا وجدت فِيهِ مَا ذكرت لَك والشديدة نَحْو الْهمزَة وَالْقَاف وَالْكَاف والتاءِ وَنَذْكُر هَذَا فِي مَوْضِعه مستقصى إِن شاءَ الله
стр. 194
وَهَذِه الْحُرُوف الَّتِي تعترض بَين الرخوة وَهِي الشَّدِيدَة فِي الأَصل وإِنَّما يجْرِي فِيهَا النفَس لاستعانتها بِصَوْت مَا جاورها من الرخوة كَالْعَيْنِ الَّتِي يَسْتَعِين المتكلِّم عِنْد اللَّفْظَة بهَا بِصَوْت الحاءِ وَالَّتِي يجْرِي فِيهَا الصَّوْت لانحرافها واتّصالها / بِمَا قد تقدّمنا فِي ذكره من الْحُرُوف وكالنون الَّتِي تستعين بِصَوْت الخياشيم لما فِيهَا من الغُنَّة وكحروف المدّ واللين الَّتِي يجْرِي فِيهَا الصَّوْت للينها فَهَذِهِ كلُّها رَسْمها الشدّة فَهَذَا مَا ذكرت لَك من الِاسْتِعَانَة وَمِنْهَا الراءُ وَهِي شَدِيدَة ولكنَّها حرف تَرْجِيع فإِنَّما يجْرِي فِيهَا الصَّوْت لما فِيهَا من التكرير وَاعْلَم أَنَّ من الْحُرُوف حروفا محصورة فِي موَاضعهَا فَتسمع عِنْد الْوَقْف على الْحَرْف مِنْهَا نبرة تتبعه وَهِي حُرُوف القَلْقَلَة وإِذا تفقَّدت ذَلِك وجدته فَمِنْهَا الْقَاف وَالْكَاف إِلَاّ أَنَّها دون الْقَاف لأَنَّ حَصْر الْقَاف أَشدّ وإِنَّما تظهر هَذِه النبرة فِي الْوَقْف فإِن وصلت لم يكن لأَنَّك أَخرجت اللِّسَان عَنْهَا إِلى صَوت آخر فَحلت بَينه وَبَين الِاسْتِقْرَار وَهَذِه المُقَلْقِلَة بَعْضهَا أَشدّ حصرا من بعض كَمَا ذكرت لَك فِي الْقَاف وَالْكَاف وإِنَّما قدّمنا هَذِه المقدّمات فِي مَوَاضِع الأُصول لنجريها فِي مسَائِل الإِدغام على / مَا تقدّم منّا فِيهِ غير رادّين لَهُ ثمَّ نذْكر الإِدغام على وَجهه إِن شاءَ الله
стр. 195
(هَذَا بَاب إدغام المثلين)
وَنَذْكُر أَوّلا معنى الإِدغام وَمن أَين وَجب اعْلَم أَنَّ الحرفين إِذا كَانَ لَفْظهمَا وَاحِدًا فسكن الأَوَّلُ منْهما فَهُوَ مدغم فِي الثَّانِي وتأْويل قَوْلنَا (مدغم) أَنَّه لَا حَرَكَة تفصل بَينهمَا فإِنَّما تعتمد لَهما بِاللِّسَانِ اعتمادةً وَاحِدَة لأَنَّ الْمخْرج وَاحِد وَلَا فَصْلَ وَذَلِكَ قَوْلك قطَّع وكسَّر وَكَذَلِكَ محمّد ومعبّد وَلم يذهب بَّكر وَلم يقم مَّعك فَهَذَا معنى الإِدغام فإِذا التقى حرفان سواءٌ فِي كلمة وَاحِدَة الثَّانِي مِنْهُمَا متحرك وَلم يكن الْحَرْف ملحِقا وَقد جَاوز الثَّلَاثَة أَو كَانَ مِنْهَا على غير (فَعَل) أَو مَا لَيْسَ على مِثَال من أَمثلة الْفِعْل وَجب الإِدغام متحرّكا / كَانَ الأَوّل أَو سَاكِنا لأَنَّ السَّاكِن على مَا وصفت لَك والمتحرّك إِذا كَانَ الْحَرْف الَّذِي بعده متحرّكا أُسكن ليرْفَع اللِّسَان عَنْهُمَا رَفْعة وَاحِدَة إِذ كَانَ ذَلِك أَخفَّ وَكَانَ غير نَاقص معنى وَلَا ملتبس بِلَفْظ هَذَا مَوضِع جُمَل وَسَنذكر تفصيلها إِن شاءَ الله
стр. 196
(هَذَا بَاب إدغام المثلين فِي الْفِعْل)
(وَمَا اشتق مِنْهُ وَمَا يمْتَنع من ذَلِك)
اعْلَم أَنَّ الأَلفين لَا يصلح فيهمَا الإِدغام لأَنَّ الأَلف لَا تكون إِلَاّ سَاكِنة وَلَا يلتقي ساكنان وَقد قُلْنَا فِي الأَلف أَوّلا مَا يُغني عَن إِعادته وَكَذَلِكَ الهمزتان لَا يجوز فيهمَا الإِدغام فِي غير بَاب (فَعّل) و (فَعّال) لما ذكرت لَك فإِن التقتا وهما لامان أَو عين وَلَام ممّا لم نَسْتثْنه لم يجز فيهمَا الإِدغام لأَنَّه لَا يجوز أَن يحقَّقا جَمِيعًا فإِذا لم يجز اجْتِمَاعهمَا لأَنَّ الثَّانِيَة فِي قَول الْخَلِيل وَغَيره فِي الْكَلِمَة الأُولى مبدلة والأُولى فِي المنفصلين خاصّةً فِي قَول أَبي عَمْرو مخفَّفة فَلم يلق / الْحَرْف مَا يُشبههُ فَأَما من قَالَ بقول ابْن أبي إِسْحَاق فِي تَحْقِيق الهمزتين فَإِنَّهُ يدغم، لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَة غَيرهَا من الْحُرُوف فأَمَّا مَا يلتقي فِيهِ حرفان الأَوّل مِنْهُمَا سَاكن من غير مَا ذكرنَا فالإِدغام فِيهِ وَاجِب لَا يُقْدَر إِلَاّ على ذَلِك نَحْو قَوْلك قُوّة ورِدّة وقَرّ فَاعْلَم وأَمّا مَا التقتا فِيهِ والأُولى متحرّكة وَالثَّانيَِة كَذَلِك ممّا هُوَ فِعْل فنحو قَوْلك رَدَّ يَا فَتى وفرّ
стр. 197
فتقديره (فَعَلَ) وأَصله ردَدَ وفرَرَ ولكنَّك أَدغمت لثقل الحرفين إِذا فصلت بَينهمَا لأَنَّ اللِّسَان يزايل الْحَرْف إِلى مَوضِع الْحَرَكَة ثمّ يعود إِليه وَمثل ذَلِك مسّ وشمَّ وعضَّ وتقديرها (فَعِلَ) يبيّن ذَلِك قَوْلك عَضِضْت وشَمِمْت أَشَم وأَعَضَّ كَمَا تَقول فِي (فَعَلَ) ردَدْت وفَرَرْت أَرُدّ وأَفِرّ وَكَذَلِكَ (فَعُلَ) نَحْو لبّ الرجل من اللبّ وَلم يَأْتِ من فَعُل غَيره لثقل الضمّة مَعَ التَّضْعِيف وَذَلِكَ / قَوْلك لبُبْت لَبابة فأَنت لَبِيب؛ كَمَا قَالُوا: سفه سفاهةً وَهُوَ سَفِيه وَأَكْثَرهم يَقُول: لببت تلب وَأَنت لَبِيب، على وزن مرض يمرض وَهُوَ مَرِيض استثقالا للضمّة كَمَا وصفت لَك فَهَذَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ أَنَّه مدغم فإِن كَانَ من هَذَا شيءٌ من الأَسماءِ فَكَانَ على مِثَال الفِعْل فحكمُه حكمُ الفِعْل إِلَاّ مَا استثنيته لَك تَقول فِي (فَعِلٍ) رجل طَبّ وَرجل بَرّ لأَنَّه من بَرِرْت وطبِبْت فإِنَّما تَقْدِيره فرِقت فأَنا فرِق فاعتلال هَذَا كاعتلال قَوْلك هَذَا رجل خافٌ ومالٌ إِذا أَردت فَعِل وَكَذَلِكَ لَو بنيت مِنْهُ شَيْئا على (فَعُل)
стр. 198
فأَمّا الَّذِي استثنيته فإِنَّه مَا كَانَ من هَذَا على (فَعَلٍ) فإِنّه صَحِيح وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك جَلَل وشَرَر وضَرَرَ وكلّ مَا كَانَ مثله وإِنَّما صحّحوا هَذِه الأَسماءَ لخفَّة الفتحة لأَنَّها كَانَت تصحّ فِيمَا لَا يصحّ (فَعَلْت) مِنْهُ نَحْو القَوَد والصَيَد والخوَنة والحَوَكة فلمّا كَانَت فِيمَا لَا يكون (فَعَلْت) مِنْهُ إِلَاّ صَحِيحا لزم أَن يصحّح / هَذَا قَول الْخَلِيل وسيبويه وكلّ نحويّ بصريّ علمناه فأَما قَوْلهم فِي الصَّدْر قَصّ وقصَص فَلَيْسَ قَصّ مدغما من قَوْلك قصَص ولكنَّهما لُغَتَانِ تعتوران الِاسْم كثيرا فَيكون على (فَعْل) و (فَعَل) وَذَلِكَ قَوْلهم شعْر وشعَر ونهْر ونهَر وصخْر وصخَر وحدّثني أَبو عُثْمَان المازنيّ عَن الأَصمعيّ قَالَ رأَيت أَعرابيّا بالموضع الَّذِي ذكره زهيرٌ فِي قَوْله
(ثمّ اسْتَمَرُّوا وَقَالُوا إِنَّ مَشْرَبكم ... ماءٌ بشرقيِّ سَلْمَى فَيْدُ أَوْ رَكَك) ُ ...
стр. 199
فَقلت أَين رَكَك قَالَ هَذَا رَكّ فَاعْلَم هَذَا بِمَنْزِلَة مَا وَصفنَا فإِن لم يكن شيءٌ من هَذَا على مِثَال الفِعْل من الثَّلَاثَة فالإِظهار لَيْسَ غيرُ وَذَلِكَ قَوْلك فِيمَا كَانَ على مِثَال فُعَل شُرَر ودُرَرَ وقُذَذ كَمَا قلت فِي الْوَاو سُوُر وَمَا كَانَ مِنْهُ على (فِعَلٍ) فَكَذَلِك تَقول قِدَد وشِدَد وسِرَر كَمَا كنت تَقول فِي الثاءِ وَالْوَاو ثِورة وبِيَع وقِيَم وعِودَة وَكَذَلِكَ (فُعُلٌ) تَقول فِيهِ حَضَضٌ وسُرُر كَمَا كنت تَقول صُيُد
(وسُوُك الإِسْحِلِ)
وَلَو بنيت / مِنْهُ شَيْئا على مِثَال (فِعِل) مثل إِبل لصححته وَكنت تَقول رِدِد فَاعْلَم لأَنَّه إِنَّما يعتلّ من هَذَا مَا كَانَ فِعْلا أَو على مِثَاله
стр. 200
هَذِه ذَوَات الثَّلَاثَة فإِن زِدْت على الثَّلَاثَة شَيْئا فَالتقى فِيهِ حرفان على لفظ لَا تُرِيدُ بهما الإِلحاق لم يكن إِلا مدغما اسْما كَانَ أَو فِعْلا وَذَلِكَ قَوْلك فِيمَا كَانَ فعلا إِذا كَانَ على (أَفْعَل) من المضعف أَمَدَّ وأَعَدَّ وأَجَدَّ فِي أَمره وَكَذَلِكَ إِن كَانَ اسْما نَحْو رجل أَلَدَ وَرجل أَغرّ وَهَذَا أَبَرُ من هَذَا وَكَانَ الأَصل " أَبْرَر " فأَسكنت مَوضِع الْعين وأَلقيت حركته على مَا قبله لأَنَّ الَّذِي قبله كَانَ سَاكِنا فلمّا أَسكنته حوّلت حركته لئلَاّ يلتقي ساكنان كَمَا فعلت فِي الْفِعْل المضاعف وَذَوَات الْوَاو والياءِ فِي قَوْلك أَقام وأَراد وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَمَا كَانَ مِنْهُ على (فاعَلَ) فَكَذَلِك نَحْو قَوْلك عَادّ عبد الله زيدا وسارّه ومادّ يَا فَتى أَلا ترى أَنَّك إِذا عنيت بِهِ نَفسك ظهر التَّضْعِيف وَالْوَزْن فَقلت عاددت زيدا وماددته كَمَا كنت تَقول فِيمَا كَانَ على أَفْعَل أَعددت / وأَصممت زيدا وأَجررته رَسَنه فأَما مَا كَانَ من هَذَا على (فَعَّلَ) فإِنَّه لَا تَغْيِير فِيهِ وَذَلِكَ قَوْلك ردَّد عبد الله زيدا وبدّد معيزه وَذَاكَ لأَنَّهم لَو أَلقَوا الْحَرَكَة على مَا قبلهَا لم يخرجهم ذَلِك من إِدغام وَاحِد
стр. 201
وتضعيف آخر فلمّا كَانَت العلَّة وَاحِدَة امْتنع تَحْرِيك الْعين الَّتِي لم تقع فِي الْكَلَام قطّ إِلَاّ سَاكِنة وإِن أَردت بناءَ (انْفَعَلَ) أَدغمت وَكَذَلِكَ (افْتَعَلَ) نَحْو قَوْلك انقدّ وارتد وَمَا كَانَ مثلهمَا وكلّ مَا كَانَ من هَذِه الأَفعال فأَسماؤها مدغمة مثلهَا نَحْو قَوْلك منقدّ ومرتدّ وَكَذَلِكَ رادٌّ ومادٌّ ومَوادّ ومَغارّ فإِن قَالَ قَائِل فهلَاّ أَلقَوْا على الأَلف حَرَكَة مَا بعْدهَا إِذا سكَّنوه قيل لأَنَّ الأَلف مدّة فَمَا فِيهَا عِوَض من الْحَرَكَة على مَا تقدّم بِهِ قَوْلنَا من احتمالها وَاحْتِمَال مَا كَانَ مثلَها الساكنَ المدغم لما فِيهَا من المدّة وَفِيمَا بعْدهَا من الِاعْتِمَاد وَلَو أَلْقَيْت عَلَيْهَا حَرَكَة / لزمك أَن تهمز لأَنَّ الأَلف مَتى تحرّكت صَارَت همزَة وَتقول فِيمَا كَانَ من هَذَا على (اسْتفْعَل) اسْتَردّ واستعدّ مستعدّ وَفِيمَا ذكرنَا من هَذِه الأَفعال دَلِيل موضِّح لما لم نذكرهُ وَمَا كَانَ من الأَربعة فَصَاعِدا على غير مِثَال الْفِعْل فمدغم إِلَاّ أَن يكون مُلْحَقاً وَذَلِكَ نَحْو مُدُقّ فأَمَّا مثل (مَعَدّ) فَلَيْسَ بمسكَّن من شيءٍ وإِنَّما هُوَ فَعَلَ فِي الأَصل ويدلّك على أَنَّ الْمِيم أَصل قَوْلهم تمعددوا
стр. 202
وَفِي وزن مَعَدّ هَبَيّ وهَيَبَّة والشَرّبَّة وَلَو كَانَ (فَعْلَل) لم يجز فِيهِ الادغام لأَنَّه مُلْحق بِجَعْفَر وَمَا أَشبهه وَلذَلِك لم يدغم قَرْدَد ومَهْددونحوهما فَفَعَلّ من فَعْلل بِمَنْزِلَة جُبُنّ من قُعْدُد إِنَّما جُبُنّ فُعُلّ وَلَو كَانَ فُعْلُلا لم يدغم؛ لِأَنَّهُ مُلْحق بجلجل وَكَذَلِكَ (طمر) إِنَّمَا هُوَ فعل فِي الأَصْل؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فعلل لم يدغم؛ نَحْو قَوْلك: رِمْدِد لأَنَّه مُلْحق بِخَمْخَمَ
стр. 203
وَكَذَلِكَ الأَفعال مَا كَانَ مِنْهَا مُلْحقًا لم يدغم نَحْو قَوْلك جَلْبَبَ يُجَلْبب لأَنَّه مُلْحق بدحرج وَكَذَلِكَ اقْعَنْسَسَ لأَنَّه مُلْحق / بِقَوْلِك احْرَنْجَمَ فالملحقُ يبلغ بِهِ الَّذِي هُوَ ملحَق بِهِ وَمَا كَانَ على غير ذَلِك فقد أَوضحته لَك فِي الثَّلَاثَة وَمَا فَوْقهَا فِي العدّة
стр. 204
(هَذَا بَاب الْإِدْغَام فِي المثلين فِي الِانْفِصَال)
اعْلَم أَنَّه إِذا التقى حرفان من كَلِمَتَيْنِ وَقبل الأَوّل مِنْهُمَا حرف متحرّك فإِنَّ الإِدغام وَتَركه جائزان فإِن أَردت الْإِدْغَام أَسكنت الأَوّل وإِنَّما تفعل ذَلِك اسْتِخْفَافًا لترفع لسَانك رَفْعَةً وَاحِدَة كلَّما كثرت الحركات فِي الْكَلِمَتَيْنِ ازْدَادَ الإِدغام حسنا وَذَلِكَ قَوْلك جعلَّك وإِن شِئْت قلت جعل لَك وإِنَّما كَانَ ترك الإِدغام جَائِزا فِي المنفصلين وَلم يجز فِيمَا سواهُمَا ممّا ذكرت لَك لأَنَّ الْكَلِمَة الثَّانِيَة لَا تلْزم الأُولى وإِنَّما وَجب فِي المتَّصلين للُزُوم الحرفين وَكَذَلِكَ تَقول قَدِ مُّحَمّد وقدِم / محمّد و ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبّ الدّيْن﴾ هَذَا على مَا وصفت لَك
стр. 205
(هَذَا بَاب الادغام فِي المقاربة وَمَا يجوز مِنْهُ وَمَا يمْتَنع)
ونبدأُ بحروف الْحلْق أَمَّا الْهمزَة والأَلف فقد قُلْنَا فيهمَا وأَمّا الهاءُ فتدغم فِي الحاءِ نَحْو قَوْلك اجْبَحَّميدا ﴿تُرِيدُ اجبه حميدا﴾ لأَنَّهما متقاربتان وَلَيْسَ بَينهمَا إِلَاّ أَنَّ الحاءَ من وسط الْحلق والهاءَ من أَوّله وهما مهموستان رِخْوتان وَلَا تُدْغَم الحاءُ فِي الهاءِ لأَنَّ الحاءَ أَقرب إِلى اللِّسَان ولأَنَّ حُرُوف الْحلق لَيست بأَصل للإِدغام لبعدها من مخرج الْحُرُوف وقلَّتها وَلَكِن إِن شِئْت قلبت الهاءَ حاءً إِذا كَانَت بعد الحاءِ وأَدغمت ليَكُون الإِدغام فِيمَا قرب من الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك أَصْلِحَّيْثَما تُرِيدُ أَصْلِحْ هَيْثما فأَمّا أَن تدعها من غير أَن تقلبها فَلَا وَكَذَلِكَ الْعين لَا تُدْغَم فِي الهاءِ وَلَا تُدْغَم الهاءُ فِيهَا فأَمّا ترك إِدغامها فِي الهاءِ فلقرب الْعين من الْفَم
стр. 206
وأَمّا ترك إِدغام الهاءِ فِيهَا فلمخالفتها إِيّاها فِي الهمْس / والرخاوة وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي ذَلِك فإِن قلبت الْعين حاءً لقرب الْعين من الحاءِ جَازَ الإِدغام وَذَلِكَ قَوْلك محُّم تُرِيدُ مَعَهم وَهِي كَثِيرَة فِي كَلَام بني تَمِيم وَكَذَلِكَ الْعين والحاءُ إِذا أَدغمت وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي الأُخرى فقلبت ﴿الْعين حاءً﴾ جَازَ تَقول أَصْلِحاً مِرا تُرِيدُ أَصْلِحْ عَامِرًا وَكَذَلِكَ ادْفَحَّا تِما تُرِيدُ ادْفَعْ حاتما أَدغمت الْعين فِي الحاءِ وَهَذَا حسن فأَمّا قلب الْعين إِلى الحاءِ إِذا كَانَت بعْدهَا فَهُوَ جَائِز وَلَيْسَ فِي حسن هَذَا لأَن حقّ الإِدغام أَن يدغم الأَوّل فِي الثَّانِي ويحوّل على لَفظه والمخرج الثَّالِث من الْحلق مخرج الْغَيْن والخاءِ وإِدغام كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي أُختها جيّد وإِدغام الْعين والحاءِ فيهمَا يجوز فِي قَول بعض النَّاس وَلم يذكر ذَلِك سِيبَوَيْهٍ ولكنَّه مُسْتَقِيم فِي اللُّغَة معروفٌ جَائِز فِي الْقيَاس لأَنَّ الْغَيْن والخاءَ أَدنى حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم فإِذا كَانَت الهاءُ تُدْغَم فِي الحاءِ والهاءُ من الْمخْرج الأَوّل / من الْحلق والحاءُ من الثَّانِي وَلَيْسَ حُرُوف الْحلق بأَصل للإِدغام فالمخرج الثَّالِث أَحرى أَن يدغم فِيمَا كَانَ مَعَه فِي الْحلق وَهُوَ متَّصل بحروف الْفَم كَمَا تُدْغَم الباءُ فِي الفاءِ والباءُ من الشّفة مَحْضَة والفاءُ من الشّفة السُّفْلى وأَطراف الثنايا الْعليا تَقول اذْهَفِّي ذَلِك تُرِيدُ اذْهَبْ فِي ذَلِك واضْر فَّرَجا تُرِيدُ اضربْ فَرَجا لقرب الفاءِ من حُرُوف الْفَم فَكَذَلِك تَقول امْدَغَّالِبا تُرِيدُ امدَحْ غَالبا وامدَخَّلَفا تُرِيدُ امدح خلَفا
стр. 207
وَكَذَلِكَ الْعين نَحْو اسْمَخَّلَفا تُرِيدُ اسمعْ خَلَفا واسْمَغَّالِبا تُرِيدُ اسْمَعْ غَالباً وسيبويه يأْبى هَذَا لتراخي بَينهمَا وأَنَّ الْغَيْن والخاءَ أَقرب إِلى الْفَم فِي الْمخْرج مِنْهُمَا إِليه وأَمّا مَا لَا اختلافَ فِيهِ فإِنَّك تُدْغَم الْغَيْن فِي الخاءِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الرخاوة وأَنَّه لَيْسَ بَينهمَا إِلَاّ الهمس والجهر فَتَقول فِي قَوْلك اصبغْ خلفا اصبخَّلفا وَهُوَ أَحسن من الْبَيَان وَكَذَلِكَ / ادْمَخَّالدا تُرِيدُ ادْمغْ خَالِدا وَالْبَيَان جَائِز حسن وتدغم الخاءُ فِي الْغَيْن فَنَقُول اسلَغَّنَمَك تُرِيدُ اسلَخ غَنمك وَالْبَيَان أَحسن لأَنَّ الْغَيْن مجهورة والتقاءُ المهموسين أَخفُّ من التقاءِ المجهورين وكلٌّ جَائِز حسن ويحتجّ سِيبَوَيْهٍ بأَنَّه قد يجوز لَك أَن تخفي النُّون مَعَهُمَا كَمَا تفعل بهَا مَعَ حُرُوف الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك مُنْغُل ومُنْخُل لأَنَّهما وإِن قربتا من الْفَم فأَصلهما الْحلق ثمّ نذْكر حُرُوف الْفَم وَهِي حَيِّز على حدَة تُدْغَم الْقَاف فِي الْكَاف وَالْقَاف أَدنى حُرُوف الْفَم إِلى الْحلق وَالْكَاف تَلِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك الحكِّلدة تُرِيدُ الحقْ كِلْدة فتدغم لقرب المخرجين والإِدغام أَحسن لأَنَّ الْكَاف أَدنى إِلى سَائِر حُرُوف الْفَم من الْقَاف وَهِي مهموسة وَالْبَيَان أَحسن وتدغم الْكَاف فِيهَا وَالْبَيَان أَحسن لأَنَّ الْقَاف أَدنى إِلى حُرُوف الْحلق وَهُوَ قَوْلك انْهَقَّطَنا تُرِيدُ انهكْ قطنا والإِدغام أَحسن
стр. 208
/ ثمّ نذْكر الشين وأُختيها الْجِيم والياءَ اعْلَم أَنَّ الياءَ لَا تُدْغَم فِي الْجِيم وَلَا فِي الشين لأَنَّها حرف لين وحروف اللين تمْتَنع من الإِدغام لعلل مِنْهَا أَنَّ الأَلف الَّتِي هِيَ أَمكن حُرُوف اللين لَا تُدْغَم فِي شيءٍ وَلَا يدغم فِيهَا شيءٌ لأَنَّها لَا تكون إِلَاّ سَاكِنة وَفِي الياءِ وَالْوَاو الشَبه بهَا فَيجب أَن تمتنعا كامتناعها وَبعد هَذَا فإِنَّ حُرُوف المدّ واللين لَا يلائمها فِي القوافي غَيرهَا أَلا ترى أَنَّك تَقول عَمْرو وبَكْر وَمَا أَشبه ذَلِك فِي القوافي فتعادل الْحُرُوف بعضُها بَعْضًا وَلَو وَقعت وَاو أَو ياءٌ بحذاءٍ حرف من هَذِه الْحُرُوف نَحْو جَوْر أَو خَيْر مَعَ بكر وَنصر لم يجز وَكَذَلِكَ تكون القافية على سعيد وقعود وَلَو وَقع مَكَان الياءِ وَالْوَاو غَيرهمَا لم يصلح فَهَذِهِ علل لَازِمَة وَمِنْهَا أَنَّ فِي الياءِ وَالْوَاو مَدّاوليناً فَلَو أَدغمت الياءَ فِي الشين أَو الْجِيم أَو أَدغمت / الْوَاو فِي الباءِ وَالْمِيم لذهب مَا كَانَ فيهمَا من المدّ واللين وَهِي حُرُوف بَائِنَة من جَمِيع الْحُرُوف لأَنَّها لَا يمدّ صَوت إِلَاّ بهَا والإِعراب مِنْهَا وتحذف لالتقاءِ الساكنين فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تحرّك فِيهَا غَيرهَا نَحْو قَوْلك هَذَا الْغُلَام وأَنت تغزو الْقَوْم وَتَرْمِي الْغُلَام وَلَو كَانَ غَيرهَا من السواكن لحرِّك لالتقاءِ الساكنين نَحْو اضربِ الْغُلَام وقلِ الْحق
стр. 209
وَلَا تُدْغَم الشين وَلَا الْجِيم فيهمَا لئَّلا يدْخل فِي حُرُوف المدّ مَا لَيْسَ بمدّ فالياءُ بَائِنَة مِنْهُمَا للمدّ واللين الَّذِي فيهمَا فَهِيَ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة حرف بعيد الْمخْرج من مخرجهما وإِن كَانَت من ذَلِك الْموضع كَمَا أَنَّها والواوَ بِمَنْزِلَة مَا تدانت مخارجُه وإِن كَانَت بعيدةَ الْمخْرج مِنْهَا وَذَلِكَ لما يجمعهما من المدّ واللين وَالْكَثْرَة فِي الْكَلَام لأَنَّه لَيْسَ كلمة تَخْلُو مِنْهُمَا وَمن الأَلف أَو من بَعضهنَّ وبعضُهنّ حركاتُهنّ فحروف المدّ حيّزٌ على حِدة أَلا ترى أَنَّك تذكرهنّ فِي مَوَاضِع الحركات فيَدْلُلْن من الإِعراب على / مَا تدلّ عَلَيْهِ الحركات نَحْو مسلمِين ومسلمون ورجلُين ورجلان وَكَذَلِكَ أَخوك وأَخاك وأَخيك ويبدل بَعضهنَّ من بعض وَلَيْسَ هَكَذَا شيءٌ من الْحُرُوف تَقول مِيْزان ومِيعاد فتقلب الْوَاو يَاء وَتقول مُوسِر ومُوقن فتقلب الياءَ واوا ورمَى وغزا إِنما هِيَ وَاو غزوت وياءُ رميت وَكَذَلِكَ مَا أشِبه هَذَا وَالْجِيم تُدْغَم فِي الشين لقرب المخرجين وَذَلِكَ قَوْلك أَخْرِشَّبئا تُرِيدُ أَخْرج شبئا والإِدغام حسن وَالْبَيَان حسن وَلَا تُدْغَم الشين فِي الْجِيم البتّة لأَنَّ الشين من حُرُوف التفشِّي فلهَا استطالة من مخرجها حتَّى تتَّصل بمخرج الطاءِ والإِدغام لَا يبخس الْحُرُوف وَلَا ينقصها افرش جبلة تظهر وتخفي وَلَا تُدْغَم والإِخفاءُ فِي وزن المتحرّك إِلَاّ أَنه خفض صَوت وإِنما يحكمها المشافهة نَحْو قَوْلك أَراك متعقِّفا إِنَّما هُوَ كالاختلاس
стр. 210
فَهَذِهِ حَالَة الشين مَعَ الْجِيم / وَلها أَخوات نصل ذكرهَا بهَا يدغم فيهنّ مَا جاورهنّ وَلَا يدغمْن فِي شيءٍ من تِلْكَ الْحُرُوف مِنْهَا الضَّاد وَالْمِيم والفاءُ والراءُ تُدْغَم الطاءُ وأُختاها فِي الضَّاد وَلَا تُدْغَم الضَّاد فِي شيءٍ مِنْهَا لانحرافها والباءُ وَالنُّون تدغمان فِي الْمِيم وَلَا تُدْغَم الْمِيم فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا وتدغم الباءُ فِي الفاءِ وَلَا تُدْغَم الفاءُ فِيهَا وتدغم اللَّام وَالنُّون فِي الراءِ وَلَا تُدْغَم الراءُ فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا لأَنَّ فِيهَا تَكْرَارا فَيذْهب ذَلِك التكرير
стр. 211
أَلا ترى أَنك تَقول فِي الْوَقْف هَذَا عمْرو فينبو اللسانُ نَبْوَةً ثمّ يعود إِلى مَوْضِعه وإِذا تفطَّنت لذَلِك وجدته بيّنا وإِذا صرنا إِلى مَوضِع هَذِه الْحُرُوف ذكرنَا العلَّة فِي ذَلِك إِن شاءَ الله ثمّ نذْكر الْحَرْف المنحرف وَهُوَ أَكثر فِي الْكَلَام من غَيره وَله اتِّصَال بأَكثر الْحُرُوف وَهُوَ اللَّام ومخرجه من حرف اللِّسَان متَّصلا بِمَا يحاذيه من الضاحك والثنايا والرباعيات وَهُوَ يدغم إِذا كَانَ للمعرفة / فِي ثَلَاثَة عشر حرفا لَا يجوز فِي اللَّام معهنّ إِلَاّ الإِدغام فَمِنْهَا أَحد عشر حرفا تجَاوز اللَّام وحرفان يتصَّلان بهَا وإِنَّما كَانَ ذَلِك لَازِما فِي لَام الْمعرفَة لعلَّتين إِحداهما كَثْرَة لَام الْمعرفَة وأَنَّه لَا يعرى منكور مِنْهَا إِذا أَردت تعريفة والأُخرى أَنَّ هَذِه اللَّام لَازم لَهَا السّكُون فَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَة مَا يتحرّك فِي بعض الْمَوَاضِع فإِن كَانَت اللَّام غير لَام الْمعرفَة جَازَ إِدغامها فِي جَمِيع ذَلِك وَكَانَ فِي بعض أَحسن مِنْهُ فِي بعض وَنحن ذاكروها مستقصاة إِن شاءَ الله فَهَذِهِ الْحُرُوف مِنْهَا أَحد عشر حرفا مجاورة للام وَهِي الراءُ وَالنُّون والطاءُ وأُختاها الدَّال والتاءُ والظاءُ وأُختاها الذَّال والثاءُ وَالزَّاي ﴿وأُختاها الصَّاد وَالسِّين﴾
стр. 212
والحرفان اللَّذَان يبعدان من مخرجها ويتَّصلان بهَا فِي التفشِّي الَّذِي فيهمَا الشين وَالضَّاد فأَمّا الشين فَتخرج من وسط / اللِّسَان من مخرج الْمِيم والياءِ ثمّ تتفشَّى حتَّى تتَّصل بمخرج اللَّام فلام الْمعرفَة مدغمة فِي هَذِه الْحُرُوف لَا يجوز إِلَاّ ذَلِك لكثرتها ولزومها نَحْو التَّمْر وَالرَّسُول والطرفاءَ والنمر فكلّ هَذِه الْحُرُوف فِي هَذَا سواءٌ فإِن كَانَ اللَّام لغير الْمعرفَة جَازَ الإِدغام والإِظهار والإِدغام فِي بعض أَحسن مِنْهُ فِي بعض إِذا قلت هَل رأَيت زيدا وَجعل رَاشد جَازَ أَن تسكَّن فَتَقول جَعَرّا شِد كَمَا تسكّن فِي المثلين والإِدغام هَهُنَا أَحسن إِذا كَانَ الأَوّل سَاكِنا فإِن كَانَ متحرّكا اعتدل الْبَيَان والإِدغام فإِن قلت هَل طرَفك أَو هَل دَفعك أَو هَل تَم لَك فالإِدغام حسن وَالْبَيَان حسن وَهُوَ عِنْدِي أَحسن لتراخي المخرجين وقرأَ أَبو عَمْرو ﴿بَتُّؤثِرُوْن﴾ َ فأَدغم ﴿هَثُّوِّبَ الكُفَّارُ﴾ / والإِدغام فِي الضَّاد والشين أَبْعَد لما ذكرت لَك من تراخي مخارجها وَهُوَ جَائِز وَهُوَ فِي النُّون قَبِيح نَحْو هَنَّرَي هَنَّحْن إِذا أَردت هَل نرى وَهل نَحن وَذَلِكَ لأَنَّ النُّون تُدْغَم فِي خَمْسَة أَحرف لَيْسَ منهنّ شيءٌ يدغم فِيهَا وَاللَّام أَحد تِلْكَ الْحُرُوف فاستوحشوا من إِدغامها فِيهَا إِذ كَانَت النُّون لَا يدغم فِيهَا غَيرهَا وَهُوَ جَائِز على قبحه وإِنَّما جَازَ لقرب المخرجين
стр. 213
فإِن كَانَت الْحُرُوف غير هَذِه فتباعدت عَن مخرجها لم يحز الإِدغام نَحْو قَوْلك الْكَرم الْقَوْم الْعين الْهَادِي وَكَذَلِكَ حُرُوف الشّفة وَمَا اتَّصل بهَا نَحْو الفرَج والمثل والبأْس والوعد فَهَذَا سَبِيل اللَّام وأَمّا النُّون فإِنَّ لَهَا مخرجين كَمَا وصفت لَك مخرج الساكنة من الخياشيم مَحْضا لَا يَشْرَكها فِي ذَلِك الْموضع شيءٌ بِكَمَالِهِ ولكنّ النُّون المتحرّكة ومخرجها ممّا يَلِي مخرج الراءِ / وَاللَّام وَالْمِيم مخرجها من الشّفة تتناولان الخياشيم بِمَا فِيهَا من الغُنَّة وللنونات أَحكام نذكرها ثمّ نعود إِلى سَائِر الْحُرُوف اعْلَم أَنَّ النُّون إِذا وَليهَا حرف من حُرُوف الْفَم فإِنَّ مخرجها مَعَه من الخياشيم لَا يصلح غير ذَلِك وَذَلِكَ لأَنَّهم كَرهُوا أَن يجاوروا بهَا مَالا يُمكن أَن يدغم مَعَه إِذا وجدوا عَن ذَلِك مندوحة وَكَانَ العِلْم بهَا أَنَّها نون كالعِلْم بهَا وَهِي من الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك مَن قَالَ ومَن جاءَ وَلَا تَقول مَنْ قَالَ ومَنْ جاءَ فتبيّن وَكَذَلِكَ مَن سُلَيْمَان ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ وَلَا تَقول مَنْ سُلَيْمَان وَلَا ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ فتبيّن فإِن كَانَ مَعهَا حرف من حُرُوف الْحلق أُمِنَ عَلَيْهَا الْقلب فَكَانَ مخرجها من الْفَم لَا من الخياشيم
стр. 214
لتباعد مَا بَينهمَا وَذَلِكَ قَوْلك مَنْ هُوَ فتظهر مَعَ الهاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ حَاتِم / وَلَا تَقول مَنْ حَاتِم فتخفى وَكَذَلِكَ مَنْ عليّ وأَجود القراءَتين ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ فتبيّن وإِنَّما قلت أَجود القراءَتين لأَنَّ قوما يجيزون إِخفاءَها مَعَ الخاءِ والغين خاصّة لأَنَّهما أَقرب حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم فَيَقُولُونَ مُنْخُل ومُنْغُل وَهَذَا عِنْدِي لَا يجوز وَلَا يكون أَبدا مَعَ حُرُوف الْحلق إِلَاّ الإِظهار فأَمَّا حجّة سِيبَوَيْهٍ فِي أَنَّها تخرج مَعَ حُرُوف الْفَم إِلى الخياشيم فإِنَّما ذَلِك عِنْده لأَنَّها إِن أَدغمت مَعَ مَا تخفى مَعَه لم يستنكر ذَلِك وَلَا يصلح الإِدغام لتباعد المخارج فلمّا وجدوا عَن ذَلِك مندوحة صَارُوا إِليها وأَنا أَرى تَقْوِيَة لهَذَا القَوْل أَنَّ امتناعهم من تبيينها مَعَ حُرُوف تتفرّق فِي الْفَم ويتباعد بعضُها من بعض فكرهوا أَن يبيّنوها فِي حَيِّز مَا يدغم فِي نَظِيره أَلا تَرى أَنَّها تُدْغَم فِي الْمِيم فِي قَوْلك مّمثلك وتقلب مَعَ الباءِ ميما إِذا كَانَت سَاكِنة وَذَلِكَ عَمْبَرٌ وشَمْباءُ ومِمْبَر فَهِيَ فِي كلّ هَذَا مِيم فِي اللَّفْظ
стр. 215
وتدغم فِي اللَّام والراءِ نَحْو مَن رَّأَيْت وَمن لّك فَهَذَا مخرج آخر وتدغم فِي الْوَاو نَحْو مَنْ ولَّى إِذا قلت موّلَّى فَهَذَا مخرج الْمِيم والباءِ وتدغم فِي الياءِ نَحْو منْ يُرِيد وَمن يقوم فلمّا كَانَت تُدْغَم فِي حُرُوف بأَعينها من جَمِيع المخارج استنكر إِظهارها مَعَ مَا جاور هَذِه الْحُرُوف وَسَنذكر بعقب هَذَا من أَين جَازَ إِدغامها فِي هَذِه الْحُرُوف على تبَاعد بَعْضهَا من بعض إِن شاءَ الله أَمّا إِدغامها فِي اللَّام والراءِ فلأَنَّ مخرجها بَينهمَا تَقول أَشهد أَنَّ محمَدا رَّسول الله وأَحْسِرَّأْيك تُرِيدُ أَحسن رأْيك ومحَمّد لَّك وإِدغامها فيهمَا على وَجْهَيْن بغُنَّة وَبِغير غُنَّة وإِظهار الغنَّة أَحسن لئَّلا تبطل وإِن شِئْت أَذهبت الغنَّة كَمَا تخلص مَا تدغمه فِي لفظ الْحَرْف الَّذِي يدغم فِيهِ وأَمَّا إِدغامها فِي الْمِيم وإِن خرجت من الشّفة فَهِيَ تجاورها لما فِي الْمِيم من الغُنَّة وتشاركها / فِي الخياشيم وَالنُّون تسمع كالميم وَكَذَلِكَ الْمِيم كالنون وتقعان فِي القوافي المُكْفَأَة فَتكون إِحدى القافيتين نونا والأُخرى ميما فَلَا يكون عَيْبا كَمَا قَالَ
(بُنَيّ إِنَّ البِرّ شيءٌ هَيِّنُ ... المنطقُ الليّنُ والطُّعَيِّمُ)
следующие страницы →