← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6965

المقتضب

المبرد

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَهَذَا بَيت مَوضِع مُحدث وَإِنَّمَا الْقيَاس الْحَاكِم على مَا يَجِيء من هَذَا الضَّرْب وَغَيره فَإِن ذكرت فعولًا من غير فعل لم يجر مجْرى الْفِعْل وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك هَذَا رَسُول وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة ضروب لِأَنَّك تَقول رجل ضَارب وضروب لمن يكثر الضَّرْب مِنْهُ فَإِذا قلت رَسُول لم ترد بِهِ معنى فِعل إِنَّمَا تُرِيدُ أَن غَيره أرْسلهُ وَالْفِعْل مِنْهُ أرسل يُرْسل وَالْمَفْعُول مُرْسل وَلَيْسَ رَسُول مكثرا من مُرْسل لِأَن رَسُولا قد يَسْتَقِيم أَن يكون أرسل مرّة وَاحِدَة فَلَيْسَ للْمُبَالَغَة وَأما ضروب فَمَعْنَاه كَثْرَة الضَّرْب

стр. 387

فَإِن كَانَت الْأَسْمَاء جَارِيَة على أفعالها فِي الفاعلين والمفعولين عملت عمل أفعالها لَا اخْتِلَاف فِي ذَلِك بَين أحدٍ وَنحن ذاكروها مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ عَن شَاءَ الله وَذَلِكَ أَنَّك إِذا أردْت التكثير من ذَا قلت مُضّرِبٌ أَعْنَاق الْقَوْم لِأَن الِاسْم على ضرب مُضَرب وَإِنَّمَا ذكرنَا النصب فِي ضراب لِأَنَّهُ فِي معنى مُضرب أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول لمن

стр. 388

ضرب ضَرْبَة وَاحِدَة ضرّاب وَلَا لمن خاط خيطة وَاحِدَة خيّاط وَلَا ضروب وَلَا خيوط فَإِنَّمَا مضرب من ضربت ومستخرج من استخرجت ومنطلق من انْطَلَقت فاسم الْفَاعِل قلت حُرُوفه أَو كثرت بِمَنْزِلَة الْفِعْل الْمُضَارع الَّذِي مَعْنَاهُ يفعل وَاسم الْمَفْعُول جَار على الْفِعْل الْمُضَارع الَّذِي مَعْنَاهُ يُفعَلُ تَقول زيد ضَارب عمرا كَمَا تَقول زيد يضْرب عمرا وَزيد مَضْرُوب سَوْطًا كَمَا تَقول زيد يُضرب سَوْطًا فَهَذِهِ جملَة هَذِه الْبَاب وَاعْلَم أَن المصادر تنصب الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ مِنْهَا وَقد مضى قَوْلنَا فِي هَذَا وَفِي مصَادر مَا جَاوز عدده الثَّلَاثَة وَنحن ذاكرو المصادر الَّتِي تجْرِي على الْأَفْعَال من ذَوَات الثَّلَاثَة على كثرتها واختلافها بعد فراغنا من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله اعْلَم إِن المصادر تلحقها الْمِيم فِي أَولهَا زَائِدَة لِأَن الْمصدر مفعول فَإِذا كَانَ كَذَلِك جرى مجْرى الْمصدر الَّذِي لَا مِيم فِيهِ فِي الإعمال وَغَيره وَذَلِكَ قَوْلك ضَربته مضربا أَي ضربا وغزوته غزواً ومغزى وشتمته شتما ومشتماُ وَتقول يَا عَمْرو مشتما زيد فَإِن كَانَ الْمصدر لفعل على أَكثر من ثَلَاثَة كَانَ على مِثَال الْمَفْعُول لِأَن الْمصدر مفعول

стр. 389

وَكَذَلِكَ إِن بنيت من الْفِعْل اسْما لمَكَان أَو زمَان كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا على مِثَال الْمَفْعُول لِأَن الزَّمَان وَالْمَكَان مفعول فيهمَا وَذَلِكَ قَوْلك فِي المصادر أدخلته مدخلًا كَمَا قَالَ ﴿أنزلني منزلا مُبَارَكًا﴾ و ﴿باسمِ اللهِ مُجْريهَا ومُرْسَاها﴾ وَكَذَلِكَ سرحته مسرحا وَهَذَا مسرحنا أَي فِي مَوضِع تسريحنا وَهَذَا مقامنا لِأَنَّك تُرِيدُ بِهِ الْمصدر وَالْمَكَان من أَقمت وعَلى ذَلِك قَالَ الله ﴿إِنَّهَا ساءت مُسْتَقرًّا ومقاما﴾ لِأَنَّهَا من أَقمت وَقَالَ ﴿يَا أهْلَ يَثْرِبَ لَا مَقَام لنَا﴾ لِأَنَّهَا من قُمْت مَوضِع قيام وَمن قَرَأَ ﴿لَا مقَام﴾ إِنَّمَا يُرِيد لَا إِقَامَة

стр. 390

قَالَ الشَّاعِر (ألَمْ تَعلَمْ مُسَرِّحي القَوَافي ... فّلا عيَّا بَهِنَّ وَلَا اجتلابا) أَي تسريحي وَقَالَ آخر (وَمَا هيَ إِلَّا فِي إزارٍ وعِلْقَةٍ ... مُغارَ ابْن هُمامٍ على حَيِّ خَثْعَما)

стр. 391

أَي وَقت إغارة ابْن همام وَهَذَا أوضح من أَن يكثر فِيهِ الِاحْتِجَاج لِأَن الْمصدر هُوَ الْمَفْعُول الصَّحِيح إِلَّا ترى أَنَّك إِذا قلت ضربت زيدا أَنَّك لم تقعل زيدا وَإِنَّمَا فعلت الضَّرْب فأوصلته إِلَى زيد وأوقته بِهِ لِأَنَّك إِنَّمَا أوقعت بِهِ فعلك فَأَما قَول الله ﴿وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعَاشَّا﴾ فَمَعْنَاه

стр. 392

عَيْشًا ثمَّ قَالَ ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ أَي الْحيض فَكَانَ أحد المصدرين على مفعل وَالْآخر على مَفْعِل وَقَوله ﴿سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ ومطلع الْفجْر وَمَا أشبه هَذَا فَلهُ بَاب يذكر فِيهِ إِن شَاءَ الله

стр. 393

(هَذَا بَاب مصَادر ذَوَات الثَّلَاثَة على اختلافها وتبيين الأَصْل فِيهَا) اعْلَم أَن هَذَا الضَّرْب من المصادر يَجِيء على أَمْثِلَة كَثِيرَة بزوائد وَغير زَوَائِد وَذَلِكَ أَن مجازها مجَاز الْأَسْمَاء والأسماء لَا تقع بِقِيَاس وَإِنَّمَا اسْتَوَت المصادر الَّتِي تجاوزت افعالها ثَلَاثَة أحرف فجرت على قِيَاس وَاحِد لِأَن الْفِعْل مِنْهَا لَا يخْتَلف وَالثَّلَاثَة مُخْتَلفَة أفعالها الْمَاضِيَة والمضارعة فَلذَلِك اخْتلفت مصادرها وَجَرت مجْرى سَائِر الْأَسْمَاء فَمِنْهَا مَا يَجِيء على فعل مَفْتُوح الأول سَاكن الثَّانِي وَهُوَ الأَصْل وسنبين الأَصْل إِن شَاءَ الله فَمَا جَاءَ مِنْهَا على فَعْل فقولك ضربت ضربا وَقتلت قتلا وشربت شربا وَمَكَثت مكثا فَهَذَا قد جَاءَ فِيمَا كَانَ على فعل يفعل نَحْو ضرب يضْرب وعَلى فعل

стр. 394

يفعل نَحْو قتل يقتل وعَلى فعل يفعل نَحْو شرب يشرب ولقم يلقم وعَلى فعل يفعُل نَحْو مكث يمكُث وَيَقَع على فِعل وفُعل بِإِسْكَان الثَّانِي وَكسر الأول أَو ضمه فَأَما الْكسر فنحو علم علما وحلم حلماً وَفقه فقهاً وَكَذَلِكَ فَقُه وَأما مَا كَانَ مضموم الأول فنحو الشّغل تَقول شغلته شُغلا وشربته شربا وسقم الرجل سُقما وَيكون على فَعَل نَحْو جلبته جلبا وطربت طَربا وحلب الرجل الشَّاة حَلبًا وَيكون على فعل نَحْو سمن سمنا وَعظم عظما وَكبر كبرا وَصغر صغرا وَيكون على فعل نَحْو ضحك ضحكا وَحلف حلفا وخنقه خنِقا هَذِه المصادر بِغَيْر زِيَادَة وَتَكون الزِّيَادَة فَيكون على فعول وفعال نَحْو جلس جُلوسا وَقعد قعُودا ووقدت النَّار وقودا وشكرته شكُورًا وكفرته كفورا

стр. 395

والفعال نَحْو قُمْت قيَاما وَصمت صياما ولقيته لِقَاء وَيكون على فعال نَحْو ذهب ذَهَابًا وخفيت خَفَاء وشربت شرابًا يَقُول بَعضهم هُوَ مصدر وَأما أَكثر النَّحْوِيين فالشراب عِنْده المشروب وَهَذَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ وَإِنَّمَا تزْعم طَائِفَة أَنه يكون للمصدر وَتقول جمل جمالا وخُبل خَبالا وكمل كمالا وَيكون على هَذَا الْوَزْن بِالْهَاءِ نَحْو سفه سفاهة وضل ضَلَالَة وَجَهل جَهَالَة وسقم سقامة وَيكون فِي المعتل مِنْهُ بِنَاء لَا يُوجد مثله فِي الصَّحِيح وَذَلِكَ أَنَّك لَا تَجِد مصدرا على فيعولة إِلَّا فِي المعتل وَذَلِكَ شاخ شيخوخة وَصَارَ صيرورة وَكَانَ كينونة إِنَّمَا كَانَ الأَصْل كَيَّنونة وصيّرورة وشيّخوخة وَكَانَ قبل الْإِدْغَام كيونونة وَلَكِن لما كثر الْعدَد الزموه التَّخْفِيف كَرَاهِيَة للتضعيف وَمثل ذَلِك قَوْلهم فِي هَين هيْن وَفِي سيد سَيد وَكَذَلِكَ ميت مَيت وليّن لَيْن وَجَمِيع مَا كَانَ على هَذَا الْوَزْن فَلَمَّا كَانَ التَّخْفِيف فِي الْعدَد الْأَقَل جَائِزا كَانَ فِي الْعدَد الْأَكْثَر لَازِما وَلَا يُوجد مصدر على فيعلولة فِي غير المعتل لِأَن من كَلَامهم اخْتِصَاص المعتل بأبنية

стр. 396

لَا تكون فِي غَيره وَالدَّلِيل على أَنه فيعلول أَنه لَا يكون اسْم على فعلول بِفَتْح أَوله وَلم يُوجد ذَلِك إِلَّا فِي قَوْلهم صعفوقٌ وَيُقَال إِنَّه اسْم أعجمي أُعرب وَمن الدَّلِيل على ذَلِك أَن كينونه لَو كَانَ فعلولة لَكَانَ كونونة لِأَنَّهُ من الْوَاو فَهَذَا وَاضح جدا وَالدَّلِيل على أَن أصل المصادر فِي الثَّلَاثَة فعل مسكن الْأَوْسَط مَفْتُوح الأول أَنَّك إِذا أردْت رد جَمِيع هَذِه المصادر إِلَى الْمرة الْوَاحِدَة فَإِنَّمَا ترجع إِلَى فعلة على أَي بِنَاء كَانَ بِزِيَادَة أَو غير زِيَادَة وَذَلِكَ قَوْلهم ذهبت ذَهَابًا ثمَّ تَقول ذهبت ذهبة وَاحِدَة وَتقول فِي الْقعُود قعدت قعدة وَاحِدَة وَحلفت حلفة وَاحِدَة وحلبته حلبة وَاحِدَة لَا يكون فِي جَمِيع ذَلِك إِلَّا هَكَذَا وَالْفِعْل أقل الْأُصُول والفتحة أخق الحركات وَلَا يثبت فِي الْكَلَام بعد هَذَا حرف زَائِد وَلَا حَرَكَة إِلَّا بثبت وَتَصْحِيح وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن الْأَكْثَر فِي الْفِعْل الَّذِي لَا يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول أَن يَأْتِي على فعول وَإِن كَانَ الْفِعْل هُوَ الأَصْل فَكَأَن الْوَاو إِنَّمَا زيدت وَغير للفصل بَين الْمُتَعَدِّي وَغَيره وَذَلِكَ نَحْو جَلَست جُلُوسًا ووقدت النَّار وقودا وَإِن كَانَ الأَصْل مَا ذكرنَا وَقد يَجِيء هَذَا فِيمَا لَا يتَعَدَّى أَكثر

стр. 397

وَجَاءَت مصَادر على فعول مَفْتُوحَة الْأَوَائِل وَذَلِكَ قَوْلك تَوَضَّأت وضُوءًا حسنا وتطهرت طهُورا واولعت بِهِ ولوعا ووقدت النَّار وقودا وَأَن عَلَيْهِ لقبولا على أَن الضَّم فِي الْوقُود أَكثر إِذا كَانَ مصدرا وَأحسن

стр. 398

(هَذَا بَاب مَا كَانَ من المعتل فِيمَا جَاوز فعله الثَّلَاثَة فَلَزِمَهُ الْحَذف لاعتلاله والإتمام لسلامته) اعْلَم أَن المعتل يَقع على ضَرْبَيْنِ محذوفا ومتمما فَمَا لزمَه الْحَذف لعِلَّة تكون تِلْكَ الْعلَّة رَاجِعَة فِي مصدره فمصدره معتل كاعتلاله وَمَا سلم من الْحَذف فعله كَانَ مصدره تَاما فَمن ذَلِك مَا يكون من الثَّلَاثَة مِمَّا فاؤه وَاو وَذَلِكَ نَحْو وعد وَوجد فَإِذا قلت يعد ويجد وَقعت الْوَاو بَين يَاء وكسرة فحذفت لذَلِك فَكَانَ يعد ويجد وَكَانَ الأَصْل يوعد وَيُوجد وَلَو لم تكن الكسرة بعد الْيَاء لصحت كَمَا تصح فِي يوجل أَو أبدلت وَلم تحذف كَمَا تَقول ييجل ييحل وياجل وياحل فَإِذا قلت وَعدا ووزنا صَحَّ الْمصدر لِأَنَّهُ لم تلحقة عِلّة فَإِن قلت عدَّة وزنة أعللت فحذفت لِأَن الكسرة فِي الْوَاو فالعلة فِي الْمصدر من وَجْهَيْن إِحْدَاهمَا عِلّة فعلة وَالثَّانيَِة وُقُوعهَا فِيهِ أَلا ترى أَنَّهَا لَو كَانَت عِلّة الْفِعْل وَحدهَا لصَحَّ الْمصدر كَمَا ذكرت لَك فِي الْوَعْد وَالْوَزْن

стр. 399

وَلَو بنيت اسْما على فعلة لَا تُرِيدُ بِهِ مصدرا لصحت الْوَاو وَذَلِكَ مثل الْوَجْه فَكَذَلِك كل مصدر من المعتل وَهَذَا الَّذِي قدمت مَا أعلت فاؤه وَالَّذِي تعتل عينه من بَاب قَالَ وَبَاعَ هَذَا مجْرَاه تَقول قُمْت قيَاما فَإِنَّمَا حذفت مَوضِع الْعين من قُمْت لِاجْتِمَاع الساكنين وَلم يلتق فِي الْمصدر ساكنان وَلَكِن يلزمك لاعتلال الْفِعْل أَن تقلب الْوَاو يَاء لِأَن قبلهَا كسرة فقد اجْتمع فِيهَا شَيْئَانِ الكسرة قبلهَا واعتلال الْفِعْل فَلذَلِك قُلْنَ لذت لياذا ونمت نياما وَقمت قيَاما وَلَو كلن الْمصدر لقاومت لصَحَّ فَقلت قاومته قواما ولاوذته لِوَاذًا وَكَانَ اسْما غير مصدر نَحْو خوان فَإِن كَانَ الْمصدر لَا عِلّة فِيهِ صَحَّ على مَا ذكرت لَك وَذَلِكَ قَوْلك قلت قولا وجلت جولا وَكَذَلِكَ بِعْت بيعا وكلت كَيْلا لَا نقص فِي شَيْء من ذَلِك وَكَذَلِكَ إِن اعتلت اللَّام فلحقت الْمصدر تِلْكَ الْعلَّة وَالْفِعْل بِزِيَادَة أَو غير زِيَادَة

стр. 400

(هَذَا بَاب الْأَمر وَالنَّهْي) فَمَا كَانَ مِنْهُمَا مَجْزُومًا فَإِنَّمَا جزمه بعامل مدْخل عَلَيْهِ فاللازم لَهُ اللَّام وَذَلِكَ قَوْلك ليقمْ زيد ليذْهب عبد الله تَقول زرني ولأزرك فَتدخل اللَّام لِأَن الْأَمر لَك فَأَما إِذا كَانَ الْمَأْمُور مُخَاطبا فَفعله مَبْنِيّ غير مجزوم وَذَلِكَ قَوْلك اذْهَبْ انْطلق وَقد كَانَ قوم من النَّحْوِيين يَزْعمُونَ أَن هَذَا مجزوم وَذَلِكَ خطا فَاحش وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاب لَا يدْخل من الْأَفْعَال إِلَّا فِيمَا كَانَ مضارعا للأسماء وَالْأَفْعَال المضارعة هِيَ الَّتِي فِي أوائلها الزَّوَائِد الْأَرْبَع الْيَاء وَالتَّاء والهمزة وَالنُّون وَذَلِكَ قَوْلك أفعل أَنا وَتفعل أَنْت وَيفْعل هُوَ ونفعل نَحن فَإِنَّمَا تدخل عَلَيْهَا العوامل وَهِي على هَذَا اللَّفْظ وقولك اضْرِب وقم لَيْسَ فِيهِ شَيْء من حُرُوف المضارعة وَلَو كَانَت فِيهِ لم يجز جزمه إِلَّا بِحرف يدْخل عَلَيْهِ فيجزمه فَهَذَا بَين جدا ويروي عَن رَسُول الله أَنه قَرَأَ ﴿فَبِذَلِكّ فَلْتَفْرَحوا﴾ فَهَذَا مجزوم جزمته اللَّام وَجَاءَت هَذِه الْقِرَاءَة على أصل الْأَمر فَإِذا لم يكن الْأَمر للحاضر الْمُخَاطب فَلَا بُد من إِدْخَال اللَّام تَقول ليقمْ زيد وَتقول زرْ زيد وليزرْك إِذا كَانَ الْأَمر لَهما لِأَن زيدا غَائِب وَلَا يكون الْأَمر لَهُ إِلَّا بِإِدْخَال اللَّام وَكَذَلِكَ إِن قلت ضُرب زيد فَأَرَدْت الْأَمر من هَذَا ليُضرب زيد لِأَن الْمَأْمُور لَيْسَ بمواجه

стр. 401

وَاعْلَم أَن الدُّعَاء بِمَنْزِلَة الْأَمر وَالنَّهْي فِي الْجَزْم والحذف عِنْد المخاطبة وَإِنَّمَا وَإِنَّمَا قيل دُعَاء وَطلب للمعنى لِأَنَّك تَأمر من هُوَ دُونك وتطلب إِلَى من أَنْت دونه وَذَلِكَ قَوْلك ليغفر اللهُ لزيد وَتقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي كَمَا تَقول اضْرِب عمرا فَأَما قَوْلك غفر الله لزيد ورحم الله زيدا وَنَحْو ذَلِك فَإِن لَفظه لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الطّلب وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لعلم السَّامع أَنَّك لَا تخبر عَن الله وَإِنَّمَا تسأله كَمَا أَن قَوْلك علم الله لأقومنّ إِنَّمَا لَفظه لفظ رزق الله وَمَعْنَاهُ الْقسم لِأَنَّك فِي قَوْلك علم مستشهد وَتقول يَا زيد ليقمْ إِلَيْك عَمْرو وَيَا زيد لتدعْ بني عَمْرو النحويون يجيزون إِضْمَار هَذِه اللَّام للشاعر إِذا اضْطر ويستشهدون على ذَلِك بقول متمم بن نُوَيْرَة (على مِثلِ أصحابِ البعُوضةِ فاخمُشي ... لكِ الوَيلُ حُرَّ الوجهِ أَو يَبْكِ مَنْ بَكى) يُرِيد أَو ليبك من بَكَى وَقَول آخر (مُحَمْدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نَفْسٍ ... إِذا مَا خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبالا)

стр. 402

فَلَا أرى ذَلِك على مَا قَالُوا لِأَن عوامل الْأَفْعَال لَا تضمر وأضعفها الجازمة لِأَن الْجَزْم فِي الْأَفْعَال نَظِير الْخَفْض فِي الْأَسْمَاء وَلَكِن بَيت متمم حمل على الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذا قَالَ فاخمشي فَهُوَ فِي مَوضِع فلتخمشي فعطف الثَّانِي على الْمَعْنى وَأما هَذَا الْبَيْت الْأَخير فَلَيْسَ بِمَعْرُوف على إِنَّه فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ على مَا ذكرت لَك وَتقول ليقمْ زيد وَيقْعد خَالِد وينطلق عبد الله لِأَنَّك عطفت على اللَّام وَلَو قلت قُم ويقد زيد لم يجز الْجَزْم فِي الْكَلَام وَلَكِن لَو اضْطر شَاعِر فَحَمله على مَوضِع الأول لِأَنَّهُ مِمَّا كَانَ حَقه اللَّام كَانَ على مَا وصفت لَك وَاعْلَم أَن هَذِه اللَّام مَكْسُورَة إِذا ابتدئت فَإِذا كَانَ قبلهَا فَاء أَو وَاو فَهِيَ على حَالهَا فِي الْكسر وَقد يجوز إسكانها وَهُوَ أَكثر على الألسن تَقول قمْ ولْيقمْ زيد ﴿فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك﴾ (ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ﴾ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْوَاو وَالْفَاء لَا ينفصلان لِأَنَّهُ لَا بِحرف وَاحِد فصارتا بِمَنْزِلَة مَا هُوَ فِي الْكَلِمَة فأسكنت اللَّام هربا من الكسرة كَقَوْلِك فِي علم علْم وَفِي فَخذ فخْذ

стр. 403

وَأما قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿ثمَّ ليقطع فَلْينْظر﴾ فَإِن الإسكان فِي لَام ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ جيد وَفِي لَام ﴿لْيَقْطَعْ﴾ لحن لِأَن ثمَّ مُنْفَصِلَة من الْكَلِمَة وَقد قَرَأَ بذلك يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ فَأَما حرف النَّهْي فَهُوَ لَا وَهُوَ يَقع على فعل الشَّاهِد وَالْغَائِب وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقم زيد وَلَا تقم يَا رجل وَلَا تقومي يَا امْرَأَة فالفعل بعده مجزوم بِهِ وَتقول لَا يقمْ زيد وَلَا يقعدْ عبد الله إِن عطفت نهيا على نهي وَإِن شِئْت قلت لَا يقمْ زيد ويقعدْ عبد الله وَهُوَ بإعادتك لَا أوضح وَذَلِكَ لِأَنَّك إِذا قلت لَا يقم زيد وَلَا يقعدْ عبد الله تبين لَك أَنَّك قد نهيت كل وَاحِد مِنْهُمَا على حياله وَإِذا قلت وَيقْعد عبد الله بِغَيْر لَا فَهَذَا وَجه وَقد يجوز أَن يَقع عِنْد السَّامع أَنَّك أردْت لَا يجْتَمع هَذَانِ فَإِن قعد عبد الله وَلم يقم زيد لم يكن الْمَأْمُور مُخَالفا وَكَذَلِكَ إِن لم يقم زيد وَقعد عبد الله وَوجه الِاجْتِمَاع إِذا قصدته أَن تَقول لَا يقم زيد وَيقْعد عبد الله أَي لَا يجْتَمع قيام زيد وَأَن يقْعد عبد الله وَلَا الْمُؤَكّدَة تدخل فِي النَّفْي لِمَعْنى تَقول مَا جَاءَنِي زيد وَلَا عَمْرو إِذا أردْت أَنه لم يأتك

стр. 404

وَاحِد مِنْهُمَا على انْفِرَاد وَلَا مَعَ صَاحبه لِأَنَّك لَو قلت لم يأتني زيد وَعَمْرو وَقد أَتَاك أَحدهمَا لم تكن كَاذِبًا ف لَا فِي قَوْلك لَا يقمْ زيد وَلَا يقمْ عَمْرو يجوز أَن تكون الَّتِي للنَّهْي وَتَكون الْمُؤَكّدَة الَّتِي تقع لما ذكرت لَك فِي كل نفي وَاعْلَم أَن الطّلب من النَّهْي بِمَنْزِلَة من الْأَمر يجْرِي على لَفظه كَمَا جري على لفظ الْأَمر أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول نهيت من فَوقِي وَلَكِن طلبت إِلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقطع الله يَد فلَان وَلَا يصنع الله لعَمْرو فالمخرج وَاحِد وَالْمعْنَى مُخْتَلف وَاعْلَم أَن جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي ينجزم بِالْأَمر وَالنَّهْي كَمَا ينجزم جَوَاب الْجَزَاء بالجزاء وَذَلِكَ لِأَن جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي يرجع إِلَى أَن يكون جَزَاء صَحِيحا وَذَلِكَ قَوْلك ائْتِنِي أكرمك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِن تأتني أكرمك أَلا ترى إِن الْإِكْرَام إِنَّمَا يسْتَحق الْإِتْيَان وَكَذَلِكَ لاتأت زيدا يكن خيرا لَك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِلَّا تأته يكن خيرا لَك وَلَو قَالَ على هَذَا لَا تدنُ من الْأسد يَأْكُلك كَانَ محَال لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا تدنْ فَإِنَّمَا هُوَ تبَاعد فتباعده مِنْهُ لَا يكون سَببا لأكله إِيَّاه وَلَكِن إِن رفع جَازَ فَيكون الْمَعْنى لَا تدنُ من الْأسد ثمَّ قَالَ إِنَّه مِمَّا يَأْكُلك وَإِنَّمَا انجزم جَوَاب الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ يرجع من الْجَزَاء إِلَى مَا يرجع إِلَيْهِ جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي وَذَلِكَ قَوْلك أَيْن بَيْتك أزرك لِأَن الْمَعْنى بإن أعرفهُ أزرْكَ وَكَذَلِكَ هَل تَأتِينِي أعطك وَأحسن إِلَيْك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِن تفعل أفعل فَأَما قَول الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله﴾ فَإِن هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب وَلكنه شرح مَا دعوا إِلَيْهِ وَالْجَوَاب ﴿يغْفر لكم ذنوبكم ويدخلكم﴾

стр. 405

فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا كَانَ الشَّرْح أَن تؤمنوا لِأَنَّهُ بدل من تِجَارَة فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن الْفِعْل يكون دَلِيلا على مصدره فَإِذا ذكرت مَا يدل على الشَّيْء فَهُوَ كذكرك إِيَّاه أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ من كذب كَانَ شرا يُرِيدُونَ كَانَ الْكَذِب وَقَالَ الله ﴿ولَا يَحْسَبٍ نَّ الذِين يَبْخَلونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضلهِ هَوَ خَيراً لَهُمْ﴾ لِأَن الْمَعْنى الْبُخْل هُوَ خير لَهُم فَدلَّ عَلَيْهِ بقوله يَبْخلُونَ وَقَالَ الشَّاعِر (أَلا أيُهذا الزاجِري أخْضُرَ الوَغى ... وأنْ أشهدَ اللذاتِ هلْ انتَ مُخَلَدِي) فَالْمَعْنى عَن أَن أحضر الوغى كَقَوْلِك عَن حُضُور الوغى فَلَمَّا ذكر أحضر الوغى دلّ على الْحُضُور وَقد نَصبه قوم على إِضْمَار أَن وَقدمُوا الرّفْع وَسَنذكر ذَلِك باستقصاء الْعلَّة فِيهِ إِن شَاءَ الله فَأَما الرّفْع فَلِأَن الْأَفْعَال لَا تضمر عواملها فَإِذا حذفت رفع الْفِعْل وَكَانَ دَالا على مصدره بِمَنْزِلَة الْآيَة وَهِي ﴿هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿تُؤمِنونِ﴾ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ قَائِل مَاذَا يصنع زيد فَقلت يَأْكُل أَو يُصَلِّي لأغناك عَن أَن تَقول الْأكل أَو الصَّلَاة الا ترى أَن الْفِعْل إِنَّمَا مَفْعُوله اللَّازِم لَهُ إِنَّمَا هُوَ الْمصدر لِأَن قَوْلك قد قَامَ زيد بِمَنْزِلَة قَوْلك قد كَانَ مِنْهُ قيام وَالْقِيَام هُوَ النَّوْع الَّذِي تعرفه وتفهمه وَلَو قلت ضرب زيد لعَلِمت أَنه قد فعل ضربا واصلا إِلَى مَضْرُوب إِلَّا أَنَّك لَا نَعْرِف الْمَضْرُوب بقوله ضرب وتعرف الْمصدر فَأَما الَّذين نصبوا فَلم يأبوا الرّفْع وَلَكنهُمْ أَجَازُوا مَعَه النصب لِأَن الْمَعْنى إِنَّمَا حَقه بِأَن وَقد ابان ذَلِك فِيمَا بعده بقوله وَأَن أشهد اللَّذَّات هِيَ أَنْت مخلدي فَجعله بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء الَّتِي يَجِيء بَعْضهَا محذوفا للدلالة عَلَيْهِ

стр. 406

وَفِي كتاب الله ﴿يسْأَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَالْقَوْل عندنَا أَن من مُشْتَمِلَة على الْجَمِيع لِأَنَّهَا تقع للْجَمِيع على لفظ الْوَاحِد وَقد ذهب هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى أَن الْمَعْنى وَمن فِي الأَرْض وَلَيْسَ الْمَعْنى عِنْدِي كَمَا قَالُوا وَقَالُوا فِي بَيت حسان (فَمَنْ يَهْجوا رسولَ اللهِ مِنْكُمْ ... ويَمْدحُه وَيَنْصُرُه سَواءُ) إِنَّمَا الْمَعْنى وَمن يمدحه وينصره وَلَيْسَ الْأَمر عِنْد أهل النّظر كَذَلِك وَلكنه جعل من نكرَة وَجعل الْفِعْل وَصفا لَهَا ثمَّ أَقَامَ فِي الثَّانِيَة الْوَصْف مقَام الْمَوْصُوف فَكَأَنَّهُ قَالَ وَوَاحِد يمدحه وينصره لِأَن الْوَصْف يَقع فِي مَوضِع الْمَوْصُوف إِذْ كَانَ دَالا عَلَيْهِ وعَلى هَذَا قَول الله ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ﴾

стр. 407

وَقَالَ الشَّاعِر (هَلْ الدَهْرُ إِلَّا تَرتَان فَتارةٌ ... أَمُوتُ وأُخْرَى أَبْتَغِي العيّشَ أَكْدحُ) يُرِيد وَتارَة أُخْرَى وَقَالَ (كَأَنَّكَ مِنْ جِمالِ بَني أُقَيشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيِهِ بِشَنِّ)

стр. 408

يُرِيد كَأَنَّك جمل وَكَذَلِكَ قَالَ يقعقع خلف رجلَيْهِ وَقَالَ آخر (وَمَا مِنْهُمَا إلاّ يُسْرُّ بِنسَةٍ ... تُقَرِبُهُ مِنِّي وَإِن كَانَ ذَا نّفّرْ) يُرِيد وَمَا مِنْهُمَا أحد وَقَالُوا فِي أَشد من ذَا (مَالك عِنْدِي غَيرُ سَهْمٍ وحَجَرْ ... وغَيرُ كَبْداءَ شَدِيدةِ الوَتَرْ) (جادتْ بِكَفّى كانَ مِنْ أرمى البشرْ ... ) فَهَذَا مَا ذكرت لَك من اخْتلَافهمْ وَاخْتِيَار أحد الْقَوْلَيْنِ

стр. 409

(هَذَا الْبَاب مَا وَقع من الْأَفْعَال للْجِنْس على مَعْنَاهُ وَتلك الْأَفْعَال نعم وَبئسَ وَمَا وَقع فِي مَعْنَاهُمَا) اعْلَم أَن نعم وَبئسَ كَانَ أَصلهمَا نعمَ وَبئِسَ إِلَّا أَنه مَا كَانَ ثَانِيه حرفا من حُرُوف الْحلق مِمَّا هُوَ على فعل جَازَت فِيهِ أَرْبَعَة أوجه اسْما كَانَ أَو فعلا وَذَلِكَ قَوْلك نَعِمَ وبَئِسَ على التَّمام وفخذ وَيجوز أَن تكسر الأول لكسرة الثَّانِي فَتَقول نعم وبئِس وفخذ وَيجوز الإسكان كَمَا تسكن المضمومات المكسورات إِذا كن غير أول وَقد تقدم قَوْلنَا فِي ذَلِك فَيَقُول من قَوْلك فَخذ فَخْذ وعلِم وعلْم وَمن نعم نَعْم وَمن قَوْلك فَخذ فَخِذ وَنعم وَبئسَ وحروف الْحلق سِتَّة الْهمزَة وَالْهَاء وهما أقصاه وَالْعين والحاء وهما من اسوطه والغين وَالْخَاء وهما من أَوله مِمَّا يَلِي اللِّسَان فَكَانَ أصل نعمَ وبئِس مَا ذكرت لَك إِلَّا أَنَّهُمَا الأَصْل فِي الْمَدْح والذم فَلَمَّا كثر استعمالهما ألزما التَّخْفِيف وجريا فِيهِ وَفِي الكسرة كالمثل الَّذِي يلْزم طَريقَة وَاحِدَة وَقد يَقُول بَعضهم نعْم وكل ذَلِك جَائِز حسن إِذا أثرت اسْتِعْمَاله أَعنِي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة قَالَ الشَّاعِر (فَفِداءٌ لبَنى قَيْسٍ على ... مَا أصابَ الناسَ مِنْ سوءٍ وضُرِ) (مَا أقَلَّتْ قَدّمي أنَّهُمْ ... نَعِمَ الساعون فِي الْأَمر المُبِرّ)

стр. 410

وَأما مَا ذكرت لَك أَنه يَقع فِي مَعْنَاهُمَا مقاربا لَهما فنحو فعل نَحْو لكرم زيد ولظرف زيد وَكَذَلِكَ حبذا وَنحن ذاكرو كل بَاب من هَذَا على حياله إِن شَاءَ الله أما نعم وَبئسَ فَلَا يقعان إِلَّا على مُضْمر يفسره مَا بعده وَالتَّفْسِير لَازم أَو على معرفَة بِالْألف وَاللَّام على معنى الْجِنْس ثمَّ يذكر بعْدهَا الْمَحْمُود والمذموم فَأَما مَا كَانَ معرفَة بِالْألف وَاللَّام فنحو قَوْلك نعم الرجل زيد وَبئسَ الرجل عبد الله وَنعم الدَّار دَارك وَإِن شِئْت قلت نعمت الدَّار لما أذكرهُ لَك إِن شَاءَ الله وبئست الدَّابَّة دابتك وَأما قَوْلك الرجل وَالدَّابَّة وَالدَّار فمرتفعات بنعم وَبئسَ لِأَنَّهُمَا فعلان يرْتَفع بهما فاعلاهما وَأما قَوْلك زيد وَمَا أشبهه فَإِن رَفعه على ضَرْبَيْنِ

стр. 411

أَحدهمَا أَنَّك لما قلت نعم الرجل فَكَأَن مَعْنَاهُ مَحْمُود فِي الرِّجَال قلت زيد على التَّفْسِير كَأَنَّهُ قيل من هَذَا الْمَحْمُود فَقلت هُوَ زيد وَالْوَجْه الآخر أَن تكون أردْت بزيد التَّقْدِيم فأخرته وَكَانَ مَوْضِعه أَن تَقول زيد نعم الرجل فَإِن زعم زاعم أَن قَوْلك نعم الرجل زيدٌ إِنَّمَا زيد بدل من الرجل مُرْتَفع بِمَا ارْتَفع بِهِ كَقَوْلِك مَرَرْت بأخيك زيد وَجَاءَنِي الرجل عبد الله قيل لَهُ إِن قَوْلك جَاءَنِي الرجل عبد الله إِنَّمَا تَقْدِيره إِذا طرحت الرجل جَاءَنِي عبد الله فَقل نعم زيدٌ لِأَنَّك تزْعم أَنه بنعم مُرْتَفع وَهَذَا محَال لِأَن الرجل لَيْسَ يقْصد بِهِ إِلَى وَاحِد بِعَيْنِه كَمَا تَقول جَاءَنِي الرجل أَي جَاءَنِي الرجل الَّذِي تعرف وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِد من الرِّجَال على غير مَعْهُود تُرِيدُ بِهِ هَذَا الْجِنْس ويؤول نعم الرجل فِي التَّقْدِير إِلَى أَنَّك تُرِيدُ معنى مَحْمُود فِي الرِّجَال ثمَّ تعرف الْمُخَاطب من هَذَا الْمَحْمُود وَإِذا قلت بئس الرجل فَمَعْنَاه مَذْمُوم فِي الرِّجَال ثمَّ تفسر من هَذَا المذموم بِقَوْلِك زيد فالرجل وَمَا ذكرت لَك مِمَّا فِيهِ الْألف وَاللَّام دَال على الْجِنْس وَالْمَذْكُور بعد هُوَ الْمُخْتَص بِالْحَمْد والذم وَهَذَا هَا هُنَا بِمَنْزِلَة قَوْلك فلَان يفرق الْأسد إِنَّمَا تُرِيدُ هَذَا الْجِنْس

стр. 412

وَلست تَعْنِي أسدا معهودا وَكَذَلِكَ فلَان يحب الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَأهْلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَأهْلك النَّاس الشَّاة الْبَعِير وَقَالَ الله ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ فَهُوَ وَاقع على الْجِنْس أَلا ترَاهُ يَقُول ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وَقَالَ ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا﴾ وَقَالَ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّين﴾ وَاعْلَم إِن مَا أضيف إِلَى الْألف اللَّام بِمَنْزِلَة الْألف وَاللَّام وَذَلِكَ قَوْلك نعم أَخُو الْقَوْم أَنْت وَبئسَ صَاحب الرجل عبد الله وَلَو قلت نعم الَّذِي فِي الدَّار أَنْت لم يجز لِأَن الَّذِي بصلته مَقْصُود إِلَيْهِ بِعَيْنِه فقد خرج من مَوضِع الِاسْم الَّذِي لَا يكون للْجِنْس وَتقول نعم الْقَائِم أَنْت وَنعم الدَّاخِل الدَّار أَنْت وَالدَّار بِالنّصب والخفض وَالنّصب أَجود على مَا ذكرت لَك لِأَن تعريفك يَقع كتعريف الْغُلَام وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الَّذِي فَإِن قلت قد جَاءَ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ﴾ فَمَعْنَاه الْجِنْس فَإِن الَّذِي إِذا كَانَت على هَذَا الْمَذْهَب صلحت بعد نعم وَبئسَ وَإِنَّمَا يكره بعد هَذَا تِلْكَ الْمَخْصُوصَة

стр. 413

وَكَذَلِكَ لَو قلت نعم الْقَائِم فِي الدَّار أَنْت وَأَنت تُرِيدُ بِهِ وَاحِدًا على معنى الَّذِي الْمَخْصُوصَة لم يجز لما ذكرت لَك من تَعْرِيف الْجِنْس فَهَذَا تَفْسِير مَا يَقع عَلَيْهِ من المعارف الَّتِي بِالْألف وَاللَّام وَأما وُقُوعهَا على الْمُضمر الَّذِي يفسره مَا بعده فَهُوَ قَوْله نعم رجل أَنْت وَبئسَ فِي الدَّار رجلا أَنْت وَنعم دَابَّة دابتك فَالْمَعْنى فِي ذَلِك أَن فِي نعم مضمرا يفسره مَا بعده وَهُوَ هَذَا الْمَذْكُور الْمَنْصُوب لِأَن المبهمة من الْأَعْدَاد وَغَيرهَا إِنَّمَا يُفَسِّرهَا التَّبْيِين كَقَوْلِك عِنْدِي عشرُون رجلا وَهُوَ خير مِنْك عبدا لِأَنَّك لما قلت عشرُون أبهمت فَلم يدر على أَي شَيْء هَذَا الْعدَد وَاقع فَقلت رجلا وَنَحْوه لتبين نوع هَذَا الْعدَد وَهُوَ خير مِنْك عبدا لِأَنَّك إِذا قلت هُوَ خير مِنْك لم يدر فيمَ فضلته عَلَيْهِ فَإِذا قلت أَبَا أَو عبدا أَو نَحوه فَإِنَّمَا تفضله فِي ذَلِك النَّوْع فَكَذَلِك نعم وَالْإِضَافَة نَحْو قَوْلك هُوَ أفضلهم عبدا وعَلى التمرة مثلهَا زبدا فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يكون الْمُضمر مقدما قيل يكون ذَاك إِذا كَانَ التَّفْسِير لَهُ لَازِما فَمن ذَلِك قَوْلك إِنَّه عبد الله منطلق وَكَانَ زيد خير مِنْك لِأَن الْمَعْنى إِن الحَدِيث أَو إِن الْأَمر عبد الله منطلق وَكَانَ الحَدِيث زيد خير مِنْك وَلِهَذَا بَاب يفرد بتفسيره قَالَ الله (إنَّهُ مَنْ يأتِ

стр. 414

رَبَّهُ مُجرِماً﴾ أَي إنَّ الْخَبَر وَمِنْهَا قَوْلك فِي إِعْمَال الأول وَالثَّانِي ضربوني وَضربت أَخُوك لِأَن الَّذِي بعده من ذكره الْأُخوة يفسره فَكَذَلِك هَذَا قَالَ الله جلّ وَعز ﴿بِئسَ للظَّالِمينَ بَدَلاً﴾ وَقَالَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ لِأَنَّهُ ذكر قبله فَكَذَلِك جَمِيع هَذَا وَأما حبّذا فَإِنَّمَا كَانَت فِي الأَصْل حبذا الشَّيْء لِأَن ذَا اسْم مُبْهَم يَقع على كل شَيْء فَإِنَّمَا هُوَ حب هَذَا مثل قَوْلك كرم هَذَا ثمَّ جعلت حب وَذَا اسْما وَاحِدًا فَصَارَ مُبْتَدأ وَلزِمَ طَريقَة وَاحِدَة على مَا وصفت لَك فِي نعم فَتَقول حبذا عبد الله وحبذا أمة الله وَلَا يجوز حبذه لِأَنَّهَا جعلا اسْما وَاحِدًا فِي معنى الْمَدْح فانتقلا عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ قبل التَّسْمِيَة كَمَا يكون ذَلِك فِي الْأَمْثَال نَحْو إطري فَإنَّك ناعلة وَنَحْو الصَّيف ضيعت اللَّبن لِأَن أصل الْمثل إِنَّمَا كَانَ لامْرَأَة فَإِنَّمَا يضْرب لكل وَاحِد على مَا جرى فِي الأَصْل فَإِذا قلته للرجل فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْت عِنْدِي بِمَنْزِلَة الَّتِي قيل لَهَا هَذَا

стр. 415

فَأَما قَوْلك نعمتْ وبئستْ إِذا عنيت الْمُؤَنَّث فلأنهما فعلان لم يخرجَا من بَاب الْأَفْعَال إِلَى التَّسْمِيَة كَمَا فعل بحبَّ وَذَا وكأنهما على منهاج الْأَفْعَال وَمن قَالَ نعم الْمَرْأَة وَمَا أشبهه فلأنهما فعلان قد كثرا وصارا فِي الْمَدْح الذَّم أصلا والحذف مَوْجُود فِي كل مَا كثر استعمالهم إِيَّاه فَأَما ضرب جاريتك زيدا وَجَاء أمتك وَقَامَ هِنْد فَغير جَائِز لِأَن تَأْنِيث هَذَا تَأْنِيث حَقِيقِيّ وَلَو كَانَ من غير الْحَيَوَان لصلح وَكَانَ جيدا نَحْو هدم دَارك وَعمر بلدتك لِأَنَّهُ تَأْنِيث لفظ لَا حَقِيقَة تَحْتَهُ كَمَا قَالَ (وَأَخَذَ الّذينَ ظَلَموا الصَّيْحَةَ وَقَالَ (فَمَنْ جاءَ هُ مَوُعِظَةٌ مِنْ رَبِهِ وَقَالَ الشَّاعِر

стр. 416

(لئيمٍ يَحُكَّ قَفا مُقْرِفٍ ... لئيمٍ مآثِرُهُ قُعْدُدِ) وَقَالَ الآخر (بَعيدُ الغَزاةِ فَمَا إِن يزالُ ... مُضْمِراً طُرتاهُ طَليِحا)

стр. 417

وَأما (لَقَدْ وُلِدَ الأخْطَلَ أُمُّ سَوءٍ ... ) فَإِنَّمَا جَازَ للضَّرُورَة فِي الشّعْر جَوَازًا حسنا وَلَو كَانَ مثله فِي الْكَلَام لَكَانَ عِنْد النَّحْوِيين جَائِزا على بعدٍ وجوازه للتفرقة بَين الِاسْم وَالْفِعْل بِكَلَام فتقديره أَن ذَلِك الْكَلَام صَار عوضا من عَلامَة التَّأْنِيث نَحْو حضر القَاضِي الْيَوْم امْرَأَة وَنزل دَارك وَدَار زيد جَارِيَة وَالْوَجْه مَا ذكرت لَك وَمن أول الْفِعْل مؤنثا حَقِيقِيًّا لم يجز عِنْدِي حذف عَلامَة التَّأْنِيث فَأَما قَوْله (فَكَانَ مِجنّى دُونَ مَنْ كُنْتُ أتَّقي ... ثلاثَ شُخَوصٍ كاعِبانِ ومُعْصَرُ) فَإِنَّمَا أنث الشخوص على الْمَعْنى لِأَنَّهُ قصد إِلَى النِّسَاء وَأَبَان ذَلِك بقوله كاعبان ومعصر وَمثل ذَلِك (فإنَّ كِلاباً هَذِه عَشْرُ أبطُنٍ ... وأنتَ بَريءٌ مِنْ قبائلها العَشرِ)

стр. 418

وَقَالَ الله ﴿مَنْ جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالهَا﴾ وَالتَّقْدِير وَالله أعلم فَلهُ عشر حَسَنَات أَمْثَالهَا فَيَقُول على هَذَا هَذِه الدَّار نعمت الْبَلَد لِأَنَّك إِنَّمَا عنيت بِالْبَلَدِ دَارا وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَلَد نعم الدَّار لِأَنَّك إِنَّمَا قصدت إِلَى الْبَلَد وَأعلم أَنه لَا يجوز أَن تَقول قَوْمك نعموا رجَالًا كَمَا تَقول قَوْمك قَامُوا وَلَا قَوْمك بئسوا رجَالًا وَلَا أَخُوك بئسا رجلَيْنِ كَمَا تَقول أَخَوَاك قاما لِأَن نعم وَبئسَ إِنَّمَا تقعان مضمرا فيهمَا فاعلاهما قبل الذّكر يفسرهما مَا بعدهمَا من التَّمْيِيز وَلَو كَانَا مِمَّا يضمر فِيهِ لخرجا إِلَى منهاج سَائِر الْأَفْعَال وَلم يكن فيهمَا من الْمعَانِي وَمَا شرحناه فِي صدر الْبَاب فَإِنَّمَا موضعهما أَن يقعا على مُضْمر يفسره مَا بعده أَو على مَرْفُوع بِالْألف وَاللَّام تَعْرِيف الْجِنْس لما ذكرت لَك وَاعْلَم أَنه لَا يجوز أَن تَقول زيد نعم الرجل وَالرجل غير زيد لِأَن نعم الرجل خبر عَن زيد وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة قَوْلك زيد قَامَ الرجل لِأَن نعم الرجل مَحْمُود فِي الرِّجَال كَمَا أَنَّك إِذا قلت زيد فاره العَبْد لم يكن الفاره من العبيد إِلَّا مَا كَانَ لَهُ لَوْلَا ذَلِك لَك لم يكن فاره خَبرا لَهُ وَاعْلَم أَنه مَا كَانَ مثل كرم زيد وَشرف عَمْرو فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي الْمَدْح مَعْنَاهُ مَا تعجبت مِنْهُ

стр. 419

نَحْو مَا أشرفه وَنَحْو ذَلِك أشرف بِهِ وَكَذَلِكَ معنى نعم إِذا أردْت الْمَدْح وَمعنى بئس إِذا أردْت الذَّم وَمن ذَلِك قَوْله ﴿سَاءَ مثلا الْقَوْم﴾ كَمَا تَقول نعم رجلا أَخُوك وكرم رجلا عبد الله وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت نعم الرجل رجلا زيد فقولك رجلا توكيد لِأَنَّهُ مُسْتَغْنى عَنهُ بِذكر الرجل أَولا وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك عِنْدِي من الدَّرَاهِم عشرُون درهما إِنَّمَا ذكرت الدِّرْهَم توكيدا وَلَو لم تذكره لم تحتج إِلَيْهِ وعَلى هَذَا قَول الشَّاعِر (تَزَوّدْ مِثْلَ زادِ أبيكَ فِينَا ... فنِعمَ الزَّاد زادُ أبيكَ زادا)

стр. 420

فَأَما قَوْلك حَسبك بِهِ رجلا وويحه رجلا وَمَا أشبهه فَإِن هَذَا لَا يكون إِلَّا على مَذْكُور قد تقدم وَكَذَلِكَ كفى بِهِ فَارِسًا وأبرحت فَارِسًا قَالَ الشَّاعِر (وَمُرَّةَ بِرَمْيهِمْ إِذا مَا تَبَدَّدُوا ... وَيَطْعَنُهم شَزَراً فأَبْرَحتْ فارِسا) على معنى التَّعَجُّب فَأَما قَوْلهم مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا فَالْمَعْنى مَا رَأَيْت مثل رجل أرَاهُ الْيَوْم رجلا أَي مَا رَأَيْت مثله فِي الرِّجَال وَلكنه حذف لِكَثْرَة استعمالهم لَهُ وَأَن فِيهِ دَلِيلا كَمَا قَالُوا لَا عَلَيْك أَي لَا باس عَلَيْك وكما قَالُوا افْعَل هَذَا إِمَّا لَا أَي إِن كنت لَا تفعل غَيره

стр. 421

فَمَا زَائِدَة وَالتَّقْدِير أَن لَا تفعل غير هَذَا فافعل هَذَا وَكَذَلِكَ قَوْلهم عِنْدِي دِرْهَم لَيْسَ غير وَلَيْسَ إِلَّا وَأما قَوْله (يَا صاحبيَّ دَنا المَسِيرُ فَسِيرا ... لَا كالعَشِيةِ زَائِرًا ومَزوا) فعلى إِضْمَار فعل كَأَنَّهُ قَالَ لَا أرى كالعشية أَي كواحد أرَاهُ العشية لِأَن الزائر والمزور ليسَا بالعشية فَيكون بِمَنْزِلَة لَا كزيد رجلا

стр. 422

(هَذَا بَاب الْعدَد وَتَفْسِيره وجوهه وَالْعلَّة فِيمَا وَقع مِنْهُ مُخْتَلفا) اعْلَم أَنَّك إِذا ثنيت الْوَاحِد لحقته زائدتان الأولى مِنْهُمَا حرف اللين وَالْمدّ وَهِي الْألف فِي الرّفْع وَالْيَاء فِي الْجَرّ وَالنّصب والزائدة الثَّانِيَة النُّون وحركتها الْكسر وَكَانَ حَقّهَا أَن تكون سَاكِنة وَلكنهَا حركت لالتقاء الساكنين وَكسرت على حَقِيقَة مَا يَقع فِي الساكنين إِذا التقيا وَذَلِكَ قَوْلك هما المسلمان وَرَأَيْت الْمُسلمين فَأَما سِيبَوَيْهٍ فيزعم أَن الْألف حرف الْإِعْرَاب وَكَذَلِكَ الْيَاء فِي الْخَفْض وَالنّصب وَكَانَ الْجرْمِي يزْعم أَن الْألف حرف الْإِعْرَاب كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَكَانَ يزْعم أَن انقلابها هُوَ الْإِعْرَاب

стр. 423

وَكَانَ غَيرهمَا يزْعم أَن الْألف وَالْيَاء هما الْإِعْرَاب فَإِذا قيل لَهُ فَأَيْنَ حرف الْإِعْرَاب قَالَ إِنَّمَا يكون الْإِعْرَاب فِي الْحَرْف إِذا كَانَ حَرَكَة فَأَما إِذا كَانَ حرفا قَامَ بِنَفسِهِ وَالْقَوْل الَّذِي نختاره ونزعم أَنه لَا يجوز غَيره قَول أبي الْحسن الْأَخْفَش وَذَلِكَ أَنه يزْعم أَن الْألف إِن كَانَت حرف إِعْرَاب فَيَنْبَغِي أَن يكون فِيهَا إِعْرَاب هُوَ غَيرهَا كَمَا كَانَ فِي الدَّال من زيد وَنَحْوهَا وَلكنهَا دَلِيل على الْإِعْرَاب لِأَنَّهُ لَا يكون حرف إِعْرَاب وَلَا إِعْرَاب فِيهِ وَلَا يكون إِعْرَاب إِلَّا فِي حرف وَيُقَال لأبي عمر إِذا زعمت أَن الْألف حرف إِعْرَاب وَأَن انقلابها هُوَ الْإِعْرَاب فقد لزمك فِي ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَنَّك تزْعم أَن الْإِعْرَاب معنى وَلَيْسَ بِلَفْظ فَهَذَا خلاف مَا أَعْطيته فِي الْوَاحِد

стр. 424

وَالشَّيْء الآخر أَنَّك تعلم أَن أول أَحْوَال الِاسْم الرّفْع فَأول مَا وَقعت التَّثْنِيَة وَقعت وَالْألف فِيهَا فقد وَجب أَلا يكون فِيهَا فِي مَوضِع الرّفْع إِعْرَاب لِأَنَّهُ لَا انقلاب مَعهَا وَقَوْلنَا دَلِيل على الْإِعْرَاب إِنَّمَا هُوَ أَنَّك تعلم أَن الْموضع مَوضِع رفع إِذا رَأَيْت الْألف وَمَوْضِع خفض وَنصب إِذا رَأَيْت الْيَاء وَكَذَلِكَ الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون إِذا قلت مُسلمُونَ ومسلمين وَكَذَلِكَ مَا كَانَ الْفَهم لموضعه حرفا نَحْو قَوْلك أَخُوك وأخال وأخيك وَأَبُوك وأباك وَأَبِيك وَذُو مَال وَذَا مَال وَذي مَال وَجَمِيع هَذِه الَّتِي يسميها الْكُوفِيُّونَ معربة من مكانين لَا يصلح فِي الْقيَاس إِلَّا مَا ذكرنَا والزائدة الثَّانِيَة النُّون إِنَّمَا هِيَ بدل مِمَّا كَانَ فِي الْوَاحِد من الْحَرَكَة والتنوين وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا - _ وَاعْلَم أَنَّك إِذا ذكرت الْوَاحِد فَقلت رجل أَو فرس أَو نَحْو ذَلِك فقد اجْتمع لَك فِيهِ معرفَة الْعدَد وَمَعْرِفَة النَّوْع إِذا ثنيت فَقلت رجلَانِ أَو فرسَان فقد جمعت الْعدَد النَّوْع وَإِذا قلت ثَلَاثَة أَفْرَاس لم يجْتَمع لَك فِي ثَلَاثَة الْعدَد وَالنَّوْع وَلَكِنَّك ذكرت الْعدة ثمَّ أضفتها إِلَى مَا تُرِيدُ من الْأَنْوَاع وَكَانَ قِيَاس هَذَا أَن تَقول وَاحِد رجل وَاثنا رجال وَلَكِنَّك أمكنك أَن تذكر الرجل باسمه فيجتمع لَك فِيهِ الْأَمْرَانِ وَلما كَانَت التَّثْنِيَة الَّتِي هِيَ لضرب وَاحِد من الْعدَد أمكنك ذَلِك من لفظ الْوَاحِد فَقلت رجلَانِ وغلامان وَلم يحسن ذَلِك فِي الْجمع لِأَنَّهُ غير مَحْظُور وَلَا مَوْقُوف على عدَّة وَلَا يفصل بعضه من بعض

стр. 425

وَلَو أَرَادَ مُرِيد فِي التَّثْنِيَة مَا يُريدهُ فِي الْجمع لجَاز ذَلِك فِي الشّعْر لِأَنَّهُ كَانَ الأَصْل لِأَن التَّثْنِيَة جمع وَإِنَّمَا معنى قَوْلك جمع أَنه ضم شَيْء إِلَى شَيْء فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر (كأَنَّ خُصْيَبْهِ مِنَ التَّدّلْدُلِ ... ظَرْفُ جِرَابٍ فِيهِ ثِنتْا حَنْظَلِ) فَإِذا جمعت الْوَاحِد وَكَانَ مذكرا ذكرت الْعدة ثمَّ أضفتها إِلَى الْجمع لِتُخْبِرَ أَن هَذَا الْعدة مقتطعة لما أردْت من الْجِنْس الَّذِي ذكرت فَإِن كَانَ الْمُذكر من ذَوَات الثَّلَاثَة كَانَت لَهُ أبنية تدل على أقل الْعدَد فَمن ذَلِك مَا كَانَ على أفعل نَحْو أكلب وأفرخ وأكبش وَمَا كَانَ على أَفعَال نَحْو أجمال وأقتاب أَمْثَال وَمَا كَانَ على أفعلة نَحْو أحمرة واقفزة وأجربة وَمَا كَانَ على فعلة نَحْو صبية وغلمة وفتية وَمَا كَانَ من الْمُذكر مجموعا بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو مُسلمُونَ وصالحون فَهُوَ أدنى الْعدَد لِأَنَّهُ على منهاج التَّثْنِيَة وَنَظِير ذَلِك من الْمُؤَنَّث مَا كَانَ بِالْألف وَالتَّاء نَحْو مسلمات وصالحات وكريمات
следующие страницы →