Полный текст (1 443 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
و (إِذْ) يَقع بعْدهَا الْفِعْل وَالْفَاعِل، والابتداء وَالْخَبَر و (إِذا لَا يَقع بعْدهَا إِلَّا الْفِعْل، نَحْو: آتِيك / إِذا جَاءَ زيد وَكنت فى (إِذْ) تَقول: أَتَيْتُك إِذْ زيد أَمِير، وَأَتَيْتُك إِذْ جَاءَ زيد فَأَما جَوَاز الْوَجْهَيْنِ فى (إِذْ) ؛ فَلِأَن الِابْتِدَاء وَالْخَبَر كالفعل وَالْفَاعِل؛ لِأَنَّهُمَا جملتان فَأَما امْتنَاع الِابْتِدَاء وَالْخَبَر من (إِذا) فَلِأَن (إِذا) فى معنى الْجَزَاء، وَالْجَزَاء لَا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ أَلا ترَاهَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب؛ كَمَا تحْتَاج حُرُوف الْجَزَاء تَقول: إِذا جَاءَ زيد فأعطه، وَإِذا جئتنى أكرمتك فَإِن قلت: أكرمك إِذا جئتنى: (فأكرمك) فى مَوضِع الْجَواب؛ كَمَا تَقول فى حُرُوف الْجَزَاء: أكرمك إِن جئتنى فَكل مَا كَانَ من أَسمَاء الزَّمَان فى معنى (إِذْ) فَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا يُضَاف إِلَيْهِ (إِذْ) من الِابْتِدَاء وَالْخَبَر، وَالْفِعْل وَالْفَاعِل وَمَا كَانَ فى معنى (إِذا) وَهُوَ الذى لم يَأْتِ فَلَا يُضَاف إِلَّا إِلَى الْفِعْل إِذا كَانَ كَذَلِك تَقول: جئْتُك يَوْم زيد أَمِير، وَأَتَيْتُك يَوْم قَامَ زيد وَتقول فى الْمُسْتَقْبل: أَتَيْتُك يَوْم يقوم زيد، وَلَا يجوز: يَوْم زيد أَمِير لما ذكرت لَك
стр. 807
قَالَ الله : ﴿هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم﴾ وَقَالَ: ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ فَأَما (إِذا) الَّتِى تقع للمفاجأة فهى الَّتِى تسد مسد الْخَبَر، وَالِاسْم بعْدهَا مُبْتَدأ / وَذَلِكَ قَوْلك: جئْتُك فَإِذا زيد، وكلمتك فَإِذا أَخُوك وَتَأْويل هَذَا: جِئْت، ففاجأنى زيد، وكلمتك، ففاجأنى أَخُوك، وَهَذِه تغنى عَن الْفَاء، وَتَكون جَوَابا للجزاء؛ نَحْو: إِن تأتنى إِذا أَنا أفرح على حد قَوْلك: فَأَنا أفرح قَالَ الله : ﴿وَإِنْ تُصِبهُمْ سَيََّةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيْهِمْ إذَا هُمْ يَقنَطُونَ﴾ [فَقَوله: ﴿إِذا هم يقنطون﴾ ] فى مَوضِع: يقنطوا وَقَوله: إِن تأتنى فلك دِرْهَم فى مَوضِع إِن تأتنى أعطك درهما؛ كَمَا أَن قَوْله : ﴿سَوَاء عَلَيْكُم أدعوتموهم أم أَنْتُم صامتون﴾ فى مَوضِع: (أم صممتم) فَمن جعل (حَيْثُ) مَضْمُومَة - وَهُوَ أَجود الْقَوْلَيْنِ - فَإِنَّمَا ألحقها بالغايات، نَحْو: من قبل، وَمن بعد، وَمن عل يَا فَتى، وابدأ بِهَذَا أول يَا فَتى، وَنَحْوه وَمن فتح فللياء الَّتِى قبل آخِره، وَأَنه ظرف بِمَنْزِلَة (أَيْن) و (كَيفَ)
стр. 808
فَأَما قَوْلهم: يَا زيد وَمَا أشبهه فى النداء، فقد مَضَت الْعلَّة فِيهِ فى موضعهَا، والمبنيات كثير وَفِيمَا ذكرنَا دَلِيل على مَا تركنَا وَبَاب (حذام) ، وتراك، وحلاق، / وبداد، ونزال، قد ذَكرْنَاهُ فِيمَا يجرى ومالا يجرى فَأَما مَا كَانَ من سوى ذَلِك فى معنى الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ؛ نَحْو: صه، ومه، وإيه، وإيها، ومهلا يَا فَتى، وَمَا أشبه ذَلِك فَنحْن ذاكروه: أما (صه) ، و (مَه) ، و (قد) الَّتِى بِمَعْنى حسب، فمبنيات على السّكُون لحركة مَا قبل أواخرها، وَأَنَّهَا فى معنى (فعل) وَأما (إيه) يَا فَتى فحركت الْهَاء لالتقاء الساكنين، وَترك التَّنْوِين؛ لِأَن الْأَصْوَات إِذا كَانَت معرفَة لم تنون قَالَ الشَّاعِر:
(وقفنا فَقُلْنَا إيه عَن أم سَالم ... وَمَا بَال تكليم الرسوم البلاقع)
стр. 809
وَلَو جعله نكرَة لقَالَ: إيه يَا فَتى؛ كَمَا يَقُول: إيها يَا فَتى: إِذا أَمرته بالكف، وويها: إِذا أغريته قَالَ الشَّاعِر:
(ويها فدَاء لكم أمى وَمَا ولدت ... حاموا على مجدكم واكفوا من اتكلا)
وَكَذَلِكَ قَوْلهم: قَالَ الْغُرَاب: غاق يَا فَتى، فَإِن جعلته نكرَة نونت، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مثله
стр. 810
(هَذَا بَاب / الِاسْم الذى تلْحقهُ صَوتا أعجميا)
نَحْو: عمرويه، وحمدويه، وَمَا أشبهه، وَالِاخْتِلَاف فى هَيْهَات، ذية وذيت، وكية وَكَيْت وَاعْلَم أَن الِاسْم الأعجمي الذى يلْحق الصَّدْر مجْرَاه مجْرى الْأَصْوَات، فحقه أَن يكون مكسورا بِغَيْر تَنْوِين مَا كَانَ معرفَة فَإِن جعلته نكرَة نونته على لَفظه؛ كَمَا تفعل ذَلِك بالأصوات، نَحْو قَوْلك: إيه يَا فَتى فى الْمعرفَة، وإيه، إِذا أردْت النكرَة، وَقَالَ الْغُرَاب: غاق وغاق فى النكرَة وَتَأْويل ترك التَّنْوِين فِيهِ: أَنه قَالَ الشئ الذى كنت تعرفه بِهِ؛ والنكرة إِنَّمَا هُوَ قَالَ صَوتا هَذَا مِثَاله فَأَما الصَّدْر فَلَا يكون إِلَّا مَفْتُوحًا؛ كَقَوْلِك: حَضرمَوْت يَا فَتى، وَخَمْسَة عشر، وَمَا يفتح قبل هَاء التَّأْنِيث؛ نَحْو: حمدة، وَمَا أشبههَا وَذَلِكَ الِاسْم مَا كَانَ نَحْو: عمرويه، وحمدويه؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(/ يَا عمرويه انْطلق الرفاق ... مَالك لَا تبكى وَلَا تشتاق)
стр. 811
وَزعم سِيبَوَيْهٍ مَعَ التَّفْسِير الذى فسرناه أَن الْعَرَب إِذا ضمت عَرَبيا إِلَى عَرَبِيّ مِمَّا يلْزمه الْبناء ألزمته أخف الحركات، وهى الفتحة، فَقَالُوا: خَمْسَة عشر يَا فَتى، وَهُوَ جارى بَيت بَيت يَا فَتى، ولقيته كفة كفة، و (يَا ابْن أم لَا تَأْخُذ) وَإِذا بنوا أعجميا مَعَ مَا قبله حطوه عَن ذَلِك، فألزموه الْكسر، وَهَذَا مطرد فى كَلَامهم فَأَما (هَيْهَات) فتأويلها: فى الْبعد، وهى ظرف غير مُتَمَكن؛ لإبهامها، وَلِأَنَّهَا بمنزل الْأَصْوَات فَمنهمْ من يَجْعَلهَا وَاحِدًا كَقَوْلِك: (علقاة) فَيَقُول: (هَيْهَات هَيْهَات لما توعدون) فَمن قَالَ ذَلِك فالوقف عِنْده هيهاه وَترك التَّنْوِين للْبِنَاء وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا جمعا كبيضات فَيَقُول: (هَيْهَات هَيْهَات لما توعدون وَإِذا وقف على هَذَا القَوْل وقف بِالتَّاءِ، والكسرة إِذا أردْت الْجمع للْبِنَاء كالفتحة إِذا أردْت الْوَاحِد
стр. 812
وَمن جعلهَا نكرَة فى الْجَمِيع نون فَقَالَ: هَيْهَات يَا فَتى وَقَالَ / قوم: بل نون وهى معرفَة؛ لِأَن التَّنْوِين فى تَاء الْجمع فى مَوضِع النُّون من الْمُسلمين قَالَ: وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن مَعْنَاهُ فى الْبعد كمعناه، فَلَو جَازَ أَن تنكره وَهُوَ جمع لجَاز أَنْت نكره وَهُوَ وَاحِد، وَهَذَا قَول قوى وينشد هَذَا الْبَيْت على وَجْهَيْن، قَالَ:
(هَا أنذا آمل الْحَيَاة وَقد ... أدْرك عقلى ومولدى حجرا)
أَبَا امْرِئ الْقَيْس، هَل سَمِعت بِهِ؟ ... هَيْهَات هَيْهَات طَال ذَا عمرا)
بعض يفتح، وَبَعض يكسر فَأَما ذيت وذيت، وذية فَإِنَّمَا هى كنايات عَن الْخَبَر؛ كَمَا يكنى عَن الِاسْم الْمَعْرُوف بفلان، وَعَن الْعدَد بِأَن يَقُول: كَذَا وَكَذَا وَلم يوضع على الْإِفْرَاد؛ فَلذَلِك بنيت، وَالتَّاء متحركة بِالْفَتْح؛ لالتقاء الساكنين من حَيْثُ حركت آخر (أَيْن) ، و (كَيفَ) ، وَمَا أشبه ذَلِك
стр. 813
وكل اسْمَيْنِ أزيلا فحكمهما إِذا بنيا كَذَلِك؛ نَحْو: لَقيته كفة كفة، وَبَيت بَيت فقد تجوز فيهمَا الْإِضَافَة وَترك / الْبناء للمعنى وَذَلِكَ أَن معنى كفة كفة: كفة لكفة، أى: قابلت صفحة صفحة فَيجوز أَن تَقول: لَقيته كفة كفة يَا فَتى وَكَذَلِكَ هُوَ جارى بَيت بَيت يَا فَتى؛ لِأَن الْمَعْنى: بَيته إِلَى بيتى فعلى مَا ذكرت لَك تصلح الْإِضَافَة، وتمتنع فَأَما (شغر بغر) فاسمان لَيْسَ فى أَحدهمَا معنى الْإِضَافَة إِلَى الآخر؛ فَلذَلِك لم يكن فيهمَا وَفِيمَا أشبههما إِلَّا الْبناء وَفِيمَا ذكرت لَك من المبنيات مَا يدل على جَمِيعهَا إِن شَاءَ الله
стр. 814
(هَذَا بَاب الْأَسْمَاء وَاخْتِلَاف مخارجها)
اعْلَم أَن الْأَسْمَاء تقع على ضروب: فَمِنْهَا مَا يَقع للفصل غير مُشْتَقّ، وَذَلِكَ نَحْو: حجر، وجبل، وكل مَا كَانَ مثل هَذَا فَهَذَا سَبيله، وَهُوَ نكرَة لَا يعرف ب لاسم مِنْهُ إِلَّا أَنه وَاحِد من جنس وَمن الْأَسْمَاء مَا يكون مشتقا نعتا، ومشتقا غير نعت فَأَما النَّعْت فَمثل: الطَّوِيل، والقصير، وَالصَّغِير، والعاقل، والأحمق، فَهَذِهِ كلهَا نعوت جَارِيَة على أفعالها: / لِأَن معنى الْجَاهِل: الْمَعْرُوف بِأَنَّهُ يجهل، والطويل: الْمَعْرُوف بِأَنَّهُ طَال فَكل مَا كَانَ من هَذَا فعلا لَهُ أَو فعلا فِيهِ فقد صَار حلية لَهُ والأسماء المشتقة غير النعوت مثل: حنفيه وَإِنَّمَا اشتقاقه من الحنيف، وَأَصله الْمُخَالف فى هَيئته يُقَال: رجل أحنف لما فى رجلَيْهِ، وَدين حنيف أى: مُخَالف لخطأ الْأَدْيَان وَلَو كَانَ على الْفِعْل فَكَانَ من تحنف لَكَانَ الْفَاعِل متحنفا وَكَذَلِكَ (مُضر) إِنَّمَا هُوَ مُشْتَقّ من قَوْلك: مُضر اللَّبن، إِذا حمض كَمَا أَن (عيلان) من الْعيلَة، و (قحطان) من الْقَحْط، وَلَيْسَت على أفعالها
стр. 815
وَمن الْأَسْمَاء المبهمة، وهى الَّتِى تقع للْإِشَارَة، وَلَا تخص شَيْئا دون شئ، وهى: هَذَا وهذاك، وَأُولَئِكَ، وَهَؤُلَاء وَنَحْوه وَمن الْأَسْمَاء الْأَعْلَام، وَإِنَّمَا هى ألقاب محدثة؛ نَحْو: زيد، وَعَمْرو وَمن الْأَسْمَاء المضمرة، وهى الَّتِى لَا تكون إِلَّا بعد ذكر، نَحْو: الْهَاء فى بِهِ، وَالْوَاو فى فعلوا، وَالْألف فى فعلا فَأنْكر الأٍ سَمَاء قَول الْقَائِل: شئ؛ لِأَنَّهُ مُبْهَم فى الْأَشْيَاء كلهَا فَإِن قلت جسم فَهُوَ نكر، وَهُوَ أخص من شئ؛ / كَمَا أَن حَيَوَانا أخص من جسم، وإنسانا أخص من حَيَوَان، ورجلا أخص من إِنْسَان والمعرفة: مَا وضع على شئ دون مَا كَانَ مثله، نَحْو: زيد وَعبد الله فَإِن أشكل زيد من زيد فرقت بَينهمَا الصّفة وَقد ذكرنَا هَذَا مُفَسرًا فى بَاب الْمعرفَة والنكرة
стр. 816
(هَذَا بَاب مخارج الْأَفْعَال وَاخْتِلَاف أحوالها وهى عشرَة أنحاء)
فَمِنْهَا: الْفِعْل الحقيقى الذى لَا يتَعَدَّى الْفَاعِل إِلَى مفعول، وَهُوَ قَوْلك: قَامَ زيد، وَجلسَ عَمْرو، وَتكلم خَالِد فَكل هَذَا وَمَا كَانَ مثله غير مُتَعَدٍّ وكل فعل تعدى أَو لم يَتَعَدَّ فَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى اسْم الزَّمَان، وَاسم الْمَكَان والمصدر، وَالْحَال، وَذَلِكَ قَوْلك: قَامَ عبد الله ضَاحِكا يَوْم الْجُمُعَة عنْدك قيَاما حسنا؛ وَذَلِكَ أَن فِيهِ دَلِيلا على هَذِه الْأَشْيَاء فقولك: قَامَ زيد بِمَنْزِلَة قَوْلك: أحدث قيَاما، وَتعلم أَن ذَلِك فِيمَا مضى من الدَّهْر، وَأَن للْحَدَث مَكَانا، وَأَنه كَانَ على هَيْئَة وَكَذَلِكَ إِن قلت: قَامَ عبد الله ابْتِغَاء الْخَيْر، فَجئْت بِالْعِلَّةِ الَّتِى لَهَا وَقع الْقيام وكل مَا كَانَ / فعله على (فعل) فَغير مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّهُ لانتقال الْفَاعِل إِلَى حَال عَن حَال؛ فَلَا معنى
стр. 817
للتعدى؛ وَذَلِكَ قَوْلك: كرم زيد، وَشرف عبد الله وَالتَّقْدِير: مَا كَانَ كَرِيمًا وَلَقَد كرم، وَمَا كَانَ شريفا وَلَقَد شرف فَهَذَا نَحْو من الْفِعْل وَنَحْو آخر لَا يتَعَدَّى الْفِعْل فِيهِ الْفَاعِل، وَهُوَ للْفَاعِل على وَجه الِاسْتِعَارَة وَيَقَع على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: سقط الْحَائِط، وَطَالَ عبد الله، وَأَنت تعلم أَنَّهُمَا لم يفعلا على الْحَقِيقَة شَيْئا فَهَذَا ضرب وَالضَّرْب الثانى الذى يُسَمِّيه النحويون فعل المطاوعة وَذَلِكَ قَوْلك: كَسرته فانكسر، وشويته فانشوى، وقطعته فَانْقَطع، وَإِنَّمَا هَذَا وَمَا أشبهه على أَنَّك بلغت فِيهِ مَا أردْت، وانتهيت مِنْهُ إِلَى مَا أَحْبَبْت؛ لَا أَن لَهُ فعلا وَمن الْأَفْعَال مَا يتَعَدَّى الْفَاعِل إِلَى مفعول وَاحِد وَفعله وَاصل، مُؤثر، كَقَوْلِك: ضربت زيدا، وَكسرت الشئ يَا فَتى فَأَما الْمصدر، والحالات، والظروف - فَلَا يمْتَنع مِنْهَا فعل الْبَتَّةَ وَمن هَذِه المتعدية إِلَى مفعول مَا يكون غير وَاصل، نَحْو: ذكرت زيدا، وشتمت عمرا، وأضحكت / خَالِدا فَهَذَا نوع آخر وَمن الْأَفْعَال مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَلَك أَن تقتصر على أَحدهمَا وَذَلِكَ قَوْلك: أَعْطَيْت زيدا درهما، وكسوت زيدا ثوبا، وألبست زيدا جُبَّة وَمِنْهَا مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَلَيْسَ لَك أَن تقتصر على أَحدهمَا وَذَلِكَ نَحْو: ظَنَنْت زيدا أَخَاك، وحسبت زيدا ذَا الْحفاظ، وخلت عبد الله يقوم فى حَاجَتك
стр. 818
وَالْفضل بَين هَذَا وَالْأول أَن الأول فعل حقيقى يَقع مفعولاه مُخْتَلفين تَقول: أَعْطَيْت زيدا، فتخبر أَنه كَانَ مِنْك عَطاء، وَإِن شِئْت أَن تذكره بعد ذكرته فَأَما قَوْلك: ظَنَنْت زيدا فَلَا يَسْتَقِيم؛ لِأَن الشَّك إِنَّمَا وَقع فى الْمَفْعُول الثانى فالثانى خبر عَن الأول، وَالتَّقْدِير: زيد منطلق فى ظنى، إِلَّا أَن تُرِيدُ بظننت: اتهمت فَهَذَا من غير هَذَا الْبَاب، وَكَذَلِكَ: إِذا أردْت بعلمت: عرفت فَهُوَ من بَاب مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول؛ كَمَا قَالَ : ﴿لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ﴾ إِنَّمَا هُوَ: لَا تعرفونهم الله يعرفهُمْ وَكَذَلِكَ: ﴿وَلَقَد علمْتُم الَّذين اعتدوا مِنْكُم فِي السبت﴾ / وَمن هَذِه الْأَفْعَال مَا يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفعولين، وَهُوَ من بَاب الْفِعْل المتعدى إِلَى مفعولين، وَلَكِنَّك جعلت الْفَاعِل فى ذَلِك الْفِعْل مَفْعُولا بِأَنَّهُ كَانَ يعلم، فَجعل غَيره أعلمهُ، فَيَقُول: أعلم الله زيدا عمرا خير النَّاس، ونبأنك عبد الله صَاحب ذَلِك فَمَا كَانَ من هَذَا فَهَذَا سَبيله وَمِنْهَا مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِيهِ لشئ وَاحِد، وَلَيْسَت أفعالا حَقِيقِيَّة، وَلكنهَا فى وزن الْأَفْعَال، وَدخلت لمعان على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر كَمَا أَن مفعولي ظَنَنْت إِنَّمَا هما ابْتِدَاء وَخبر وَذَلِكَ قَوْلك: كَانَ زيد أَخَاك، وَأمسى عبد الله ظريفا يَا فَتى وَكَذَلِكَ لَيْسَ، وَمَا زَالَ، وَمَا دَامَ فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أَفعَال متصرفة
стр. 819
وَمِنْهَا فعل التَّعَجُّب وَهُوَ غير متصرف؛ لِأَنَّهُ وَقع لِمَعْنى، فَمَتَى صرف زَالَ الْمَعْنى وَكَذَلِكَ كل شئ دخله معنى من غير أَصله على لفظ فَهُوَ يلْزم ذَلِك اللَّفْظ لذَلِك الْمَعْنى، وَهُوَ قَوْلك: مَا أحسن زيدا؛ وَمَا أظرف أَخَاك وَقد مضى تَفْسِيره فى بَابه وَهُوَ فعل صَحِيح والعاشر: مَا أُجْرِىَ مجْرى الْفِعْل وَلَيْسَ بِفعل، وَلكنه يشبه الْفِعْل بِلَفْظ /، أَو معنى فَأَما مَا أشبه الْفِعْل فَدلَّ على مَعْنَاهُ مثل دلَالَته ف (مَا) النافية، وَمَا أشبههَا تَقول: مَا زيد مُنْطَلقًا؛ لِأَن الْمَعْنى: لَيْسَ زيد مُنْطَلقًا، وَمَا أشبهه فى اللَّفْظ، وَدخل على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر دُخُول (كَانَ) ، و (إِن) وأخواتهما وَقد ذكرنَا الْحجَج فِيهَا فى بَابهَا
стр. 820
(هَذَا بَاب الصِّلَة والموصول فى مسَائِله فَأَما أُصُوله فقد ذَكرنَاهَا)
تَقول: رَأَيْت الذى أَبوهُ منطلق ف (الذى) مرئى، و (أَبوهُ منطلق) صلته فَإِن قلت: رَأَيْت الذى اللَّذَان أبواهما منطلقان - لم يجز؛ لِأَن قَوْلك: أبواهما منطلقان صلَة للَّذين، واللذان فى صلَة الذى وهما ابْتِدَاء لَا خبر لَهُ فَلم تتمّ الصِّلَة فَإِن قلت: رَأَيْت الذى اللَّذَان أبواهما منطلقان فى الدَّار لم يجز أَيْضا وَإِن كنت قد جِئْت بِخَبَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صلَة الَّذِي مَا يرجع إِلَيْهِ فَإِن قلت رَأَيْت الَّذِي اللَّذَان أَبوهُمَا منطلقان فِي دَاره أَو عِنْده أَو مَا أشِبه ذَلِك - فقد صحت الْمَسْأَلَة، وَصَارَ التَّقْدِير: رَأَيْت الذى أَخَوَاك عِنْده فَإِن قلت: / رَأَيْت الذى اللَّذَان أبواهما منطلقان إِلَيْهِ لم يجز، لِأَن (منطلقان) خبر الْأَبَوَيْنِ، و (إِلَيْهِ) مُتَّصِل بمنطلقين، فكأنك قلت: رَأَيْت الذى أَخَوَاهُ فَهَذَا ابْتِدَاء لَا خبر لَهُ فعلى هَذَا فقس فَإِن قلت: رَأَيْت اللَّذين الذى قاما إِلَيْهِ - فَهُوَ غير جَائِز؛ لِأَن قَوْلك: (الذى قاما إِلَيْهِ) ابْتِدَاء لَا خبر لَهُ وَتَصْحِيح الْمَسْأَلَة: رَأَيْت اللَّذين الذى قاما إِلَيْهِ أَخُوك فترجع الْألف فى (قاما) إِلَى اللَّذين وَالْهَاء فى (إِلَيْهِ) إِلَى الذى، و (أَخُوك) خبر الذى، فتمت صلَة اللَّذين، وَصَحَّ الْكَلَام وَلَو قلت: ظَنَنْت الذى الَّتِى تكرمه يضْربهَا - لم يجز، وَإِن تمت الصِّلَة؛ لِأَن (الَّتِى) ابْتِدَاء
стр. 821
و (تكرمه) صلتها، و (يضْربهَا) خبر الِابْتِدَاء فقد تمّ الذى بصلته؛ وَإِنَّمَا فسد الْكَلَام؛ لِأَنَّك لم تأت بمفعول (ظَنَنْت) الثانى فَإِن أتيت بِهِ فَقلت (أَخَاك) أَو مَا أشبهه صَحَّ الْكَلَام وَتقول: ضرب اللَّذَان القائمان إِلَى زيد أخواهما الذى المكرمه عبد الله فتجعل (الذى) مَنْصُوبًا، وَإِن جعلته مَرْفُوعا نصبت اللَّذين / وَتقول: رَأَيْت الرَّاكِب الشاتمه فرسك وَالتَّقْدِير: رَأَيْت الرجل الذى ركب الرجل الذى شَتمه فرسك وَتقول: مَرَرْت بِالدَّار الهادمها المصلح دَاره عبد الله فقولك الهادمها فِي معنى الَّتِي هدمها الرجل الَّذِي أصلح دَاره عبد الله وَتقول: رَأَيْت الْحَامِل المطعمه طَعَامك غلامك أردْت: رَأَيْت الرجل الذى حمل الرجل الذى أطْعمهُ طَعَامك غلامك، فغلامك هُوَ الْحَامِل، وَالْهَاء فى (المطعمه) ترجع إِلَى الْألف وَاللَّام الأولى وَلَو قلت: وَافق ضربك صَاحب أَخُوك غلامك - كَانَ جيدا رفعت الضَّرْب بِأَنَّهُ الْمُوَافق غلامك، و (ضربك) تَقْدِيره: أَن ضربك، وَصَاحِبك هُوَ الْفَاعِل، وأخوك نعت أَو بدل فَهَذَا جيد وَإِنَّمَا يحْتَاج الْمصدر ألى الصِّلَة إِذا كَانَ فى معنى (أَن فعل) أَو يفعل فَأَما إِذا قلت: ضربت ضربا - فَلَيْسَ الْمصدر مِمَّا يحْتَاج إِلَى الصِّلَة فَإِذا قلت: أعجبنى ضرب زيد عمرا وَكَذَلِكَ إِن قلت ضرب زيد عَمْرو فَمَعْنَاه أَن ضرب زيدا عَمْرو - فَمَعْنَاه: أعجبنى أَن ضرب زيدا عمرا
стр. 822
وَإِذا قلت: قيام الْقَائِم إِلَيْهِ زيد / معجب الشَّارِب مَاءَهُ الْآكِل طَعَامك - صَار مَعْنَاهُ: أَن قَامَ الذى قَامَ إِلَيْهِ زيد معجب الذى شرب مَاءَهُ الرجل الذى أكل طَعَامك وَتقول: أعجب حسن حذاء نعلك حذاؤها لَا بس نعل أَخِيك، وَإِن شِئْت قلت: لابسا نعل أَخِيك وَهَذِه مسَائِل يسيرَة صدرنا بهَا لتَكون سلما إِلَى مَا نذكرهُ بعْدهَا إِن شَاءَ الله من مسَائِل طَوِيلَة أَو قَصِيرَة معماة الاستخراج تَقول: أعجب الْمدْخل السجْن المدخله الضَّارِب الشاتم المكرم أَخَاهُ عبد الله زيدا أردْت: أعجب زيدا الْمدْخل السجْن المدخله الرجل الذى ضرب الرجل الذى شتم الرجل الذى أكْرم أَخَاهُ عبد الله إِن شِئْت نصبت (عبد الله) بِأَنَّهُ الْأَخ فبينته بِهِ، وَإِن شِئْت جعلته بَدَلا، وأبدلته من بعض المنصوبات الَّتِى لم تذكر أسماءها إِذا كَانَ إِلَى جَانِبه من الصِّلَة، فَإِن فصلت بَين مَا فى الصِّلَة وَبَين مَا تبدله مِنْهَا لم يجز، لِأَنَّك إِذا أبدلت شَيْئا مِمَّا فى الصِّلَة أَو نعت بِهِ مَا فى الصِّلَة صَار / فى الصِّلَة، وَلَا تفرق بَين الصِّلَة والموصول؛ لِأَنَّهُ اسْم وَاحِد
стр. 823
لَو قلت: رَأَيْت الذى ضرب أَخَاك يُخَاطب زيدا عمرا، فَجعلت عمرا بَدَلا من الْأَخ، ويخاطب حَالا للذى أَو مَفْعُولا ثَانِيًا لرأيت وهى فى معنى علمت - لم يجز فَإِن جعلت (يُخَاطب زيدا) حَالا لأخيك دخل فى الصِّلَة، فأبدلت عمرا - فَهُوَ جيد حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ كُله فى الصِّلَة وَتقول: سر مَا إِن زيدا يُحِبهُ من هِنْد جَارِيَته فوصلت (مَا) وهى فى معنى الذى بإن، وَمَا عملت فِيهِ لِأَن (إِن) إِنَّمَا دخلت على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر، وَالْمعْنَى كَذَلِك، وَكَذَلِكَ أخواتها قَالَ الله : ﴿وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة﴾ وَتقول على هَذَا: جاءنى الذى كَأَن زيدا أَخُوهُ، وَرَأَيْت الذى ليته عندنَا وَكَذَلِكَ كل شئ يكون جملَة
стр. 824
تَقول: الذى إِن تأته يأتك زيد، وَرَأَيْت الذى من يَأْته يُكرمهُ فَإِن قلت: رَأَيْت الذى من يَأْتِيهِ يُكرمهُ - جَازَ تجْعَل (من) فى مَوضِع الذى، فكأنك قلت: رَأَيْت الذى زيد يُكرمهُ؛ لِأَن (من) صلتها: يَأْتِيهِ، وخبرها: يُكرمهُ فَأَما قَول الله / : ﴿فمنكم من يبخل وَمن يبخل فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه﴾ فَإِن (من) الأولى فى معنى الذى، وَلَا يكون الْفِعْل بعْدهَا إِلَّا مَرْفُوعا فَأَما الثَّانِيَة فوجهها الْجَزْم بالجزاء، وَلَو رفع رَافع على معنى الذى كَانَ جيدا؛ لِأَن تصييرها على معنى الذى لَا يُخرجهَا من الْجَزَاء أَلا ترى أَنَّك تَقول: الذى يَأْتِيك فَلهُ دِرْهَم فلولا أَن الدِّرْهَم يجب بالإتيان لم يجز دُخُول الْفَاء؛ كَمَا لَا يجوز: زيد فَلهُ دِرْهَم، وَعبد الله فمنطلق وَقَالَ الله :
стр. 825
﴿الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سرا وَعَلَانِيَة فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم﴾ ﴿فقد علمت أَن الْأجر إِنَّمَا وَجب بِالْإِنْفَاقِ (فَإِذا قلت: الذى يَأْتِيك لَهُ دِرْهَم لم تجْعَل الدِّرْهَم لَهُ بالإتيان (فَإِذا كَانَت فى معنى الْجَزَاء جَازَ أَن تفرد لَهَا وَأَنت تُرِيدُ الْجَمَاعَة؛ كَمَا يكون (من﴾ و (مَا) ، قَالَ الله : ﴿وَالَّذِى جَاءَ بالصَّدْقِ وَصَدَّقَ بهِ﴾ فَهَذَا لكل من فعل، وَلذَلِك قَالَ: ﴿فأُلئك هُم المتَّقُون﴾ فَهَذِهِ / أصُول، وَنَرْجِع إِلَى الْمسَائِل إِن شَاءَ الله تَقول: محبتك شَهْوَة زيد طَعَام عبد الله وَافَقت أَخَاك، أردْت فى ذَلِك: أَن أَحْبَبْت أَن اشْتهى زيد طَعَام عبد الله وَافَقت هَذِه الْمحبَّة أَخَاك وَلَو قلت: أعجبت إرادتك قيام زيد إِلَى المعجبه ضرب أَخِيه أَخَاك زيدا - كَانَ (زيد) مَفْعُولا بأعجيت، وَالْكَلَام مَاض على مَا كَانَ عَلَيْهِ مِمَّا شرحت لَك فالأسماء الموصولة المصادر إِذا كَانَت فى معنى: (أَن فعلت) ، وَالْألف وَاللَّام إِذا كَانَت فى معنى الذى، والتى، وَمن، وَمَا، وأى فى الْخَبَر، وألى الَّتِى فى معنى الَّذين فَأَما مَا كَانَ من النكرات؛ نَحْو: هَذَا ضَارب زيدا - فَلَيْسَ قَول من يَقُول من النَّحْوِيين
стр. 826
إِن زيدا من صلَة الضَّارِب بشئ؛ لِأَن ضَارِبًا فى معنى (يضْرب) يتَقَدَّم زيد فِيهِ ويتأخر فَتَقول: هَذَا زيدا ضَارب، وزيدا عبد الله شاتم فَإِنَّمَا الصِّلَة والموصول كاسم وَاحِد لَا يتَقَدَّم بعضه بَعْضًا، فَهَذَا القَوْل الصَّحِيح الذى لَا يجوز فى الْقيَاس غَيره وَاعْلَم أَن الصِّلَة مُوضحَة للاسم؛ فَلذَلِك كَانَت فى / هَذِه الْأَسْمَاء المبهمة، وَمَا شاكلها فى الْمَعْنى؛ أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: جاءنى الذى، أَو مَرَرْت بالذى لم يدللك ذَلِك على شئ حَتَّى تَقول: مَرَرْت بالذى قَامَ، أَو مَرَرْت بالذى من حَاله [كَذَا وكذأ] ، أَو بالذى أَبوهُ منطلق فَإِذا قلت: هَذَا وَمَا أشبهه وضعت الْيَد عَلَيْهِ فَإِذا قلت: أُرِيد أَن تقوم يَا فَتى، (فتقوم) من صلَة (أَن) حَتَّى تمّ مصدرا، فَصَارَ الْمَعْنى: أُرِيد قيامك، وَكَذَلِكَ يسرنى أَن تقوم يَا فَتى (تقوم) من صلَة (أَن) حَتَّى تمّ مصدرا، فَصَارَ الْمَعْنى: يسرنى قيامك قَالَ الله : ﴿وَأَن يستعففن خير لَهُنَّ﴾ ، ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ فَهَذَا على مَا وصفت لَك وَكَذَلِكَ (أَن) الثَّقِيلَة تكون مَعَ صلتها مصدرا تَقول: بلغنى أَنكُمْ منطلقون، أى: بلغنى انطلاقكم وَكَذَلِكَ (مَا) بصلتها تكون مصدرا تَقول: سرنى مَا صنعت، أى: سرنى صنيعك فَأَما قَوْلهم: أَنا مُقيم مَا أَقمت، وجالس مَا جَلَست - فَهُوَ هَذَا الذى ذكرنَا من الْمصدر؛ أَلا ترى أَنَّك تَقول: آتِيك مقدم الْحَاج، وَأَتَيْتُك إمرة فلَان إِنَّمَا تُرِيدُ /: وَقت إمرة فلَان، وَوقت قدوم الْحَاج
стр. 827
فَإِذا قلت: أقيم مَا أَقمت - فَإِنَّمَا تَقْدِيره: أقيم وَقت مقامك، وَمِقْدَار مقامك وَاعْلَم أَنَّك إِذا أدخلت شَيْئا فى الصِّلَة - فنعته وَفعله وَالْبدل مِنْهُ داخلات فى الصِّلَة وَلَو قلت: جاءنى الذى ضرب عبد الله زيدا الظريف يَوْم الْجُمُعَة قَائِما فى دَاره - لَكَانَ هَذَا أجمع فى صلَة الذى، ويعلق بهَا الْهَاء الَّتِى فى قَوْلك: دَاره، وَدخل الظريف فى الصِّلَة؛ لِأَنَّهُ نعت لزيد وَهُوَ فى الصِّلَة فعلى هَذَا تجرى هَذِه الْأَشْيَاء تَقول: رَأَيْت المطعمه المكرمه المعطيه درهما عبد الله فَهَذِهِ مَسْأَلَة صَحِيحَة، وتأويلها: رَأَيْت الرجل الذى أطْعمهُ الرجل الذى أكْرمه الرجل الذى أعطَاهُ درهما عبد الله فعبد الله هُوَ الْمُعْطى، والمعطى هُوَ المكرم، والمكرم هُوَ الْمطعم وَلَو قلت: طَعَاما طيبا عِنْد قَوْلك: رَأَيْت المطعمه أَو بعد عبد الله - جَازَ، فَإِن جعلته بَين شئ من هَذَا وَبَين صلته لم يجز أَن تفصل بَين الصِّلَة والموصول وَلَو قلت: رَأَيْت الْمُعْطى أَخَاك الشاتمه، درهما زيد / لم يجز؛ لِأَنَّك فصلت بَين زيد وَبَين شاتمه، وَقلت (درهما) بعد الشاتمه، ففصلت بالشاتمه بَينه وَبَين الْمُعْطى وَلَكِن رَأَيْت الْمُعْطى أَخَاك درهما الشاتمه زيد، إِذا نصبت الشاتمه بالنعت للمعطى، أَو جعلت (رَأَيْت) من رُؤْيَة الْقلب، فَجعلت الشاتمه مَفْعُولا ثَانِيًا فَإِن أردْت أَن ترفع الشاتم لِأَنَّهُ الْمُعْطى لم يكن بُد من أَن تجْعَل فِيهِ كِنَايَة ترجع إِلَى الْألف وَاللَّام فى الْمُعْطى فَتَقول: رَأَيْت الْمُعْطى أَخَاك درهما الشاتمه أَخُوهُ، تجْعَل الْهَاء من أَخِيه ترجع إِلَى الْألف وَاللَّام، فَتَصِير بِمَنْزِلَة قَوْلك: رَأَيْت الضَّارِب زيدا أَخُوهُ، فَإِنَّمَا رَأَيْت رجلا ضرب أَخُوهُ زيدا
стр. 828
وَلنْ ترى أَنْت الضَّارِب؛ لِأَن الضَّارِب هُوَ الْأَخ، وَإِنَّمَا رَأَيْت وَاحِدًا الضَّارِب زيدا أَخُوهُ فعلى هَذَا قلت: رَأَيْت الْمُعْطى أَخَاك درهما الرجل الذى شَتمه أَخُوهُ؛ لِأَن الْمَعْنى: رَأَيْت الذى أعْطى الرجل الذى شَتمه أَخُوهُ أَخَاك درهما وَتقول: رَأَيْت الذى اللَّذَان الَّتِى قَامَت إِلَيْهِمَا عِنْده أَخَوَاك، فَهَذَا كَلَام جيد؛ لِأَن قَوْلك: اللَّذَان مُبْتَدأ / فى صلَة الذى، والتى مُبتَدأَة فى صلَة اللَّذين، وَقَامَت إِلَيْهِمَا صلَة الَّتِى، وَعِنْده ظرف دَاخل فى الصِّلَة [وَحقه أَن يُقَال: وَعِنْده خبر الَّتِى] وقولك: أَخَوَاك خبر اللَّذين فتمت صلَة الذى فَصَارَ تَقْدِير هَذَا: رَأَيْت الذى أَخَوَاهُ قائمان وَلَو قلت: جاءنى الذى الَّتِى اللَّتَان اللَّذَان الذى يحبهما عِنْدهمَا فى دارهما عِنْده جاريتك كَانَ جيدا؛ لِأَن الْكَلَام الذى فى صلَة الذى الْأَخير فَكل مَا زِدْت من هَذَا فَهَذَا قِيَاسه وَاعْلَم أَن (أَن) الْخَفِيفَة إِذا وصلت بِفعل لم يكن فى الْفِعْل رَاجع إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ (أَن) الثَّقِيلَة؛ لِأَنَّهُمَا حرفان، وليسا باسمين وَإِنَّمَا يسْتَحق الْوَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون اسْما بِمَا بعده، والذى و (من) و (أى) أَسمَاء، فَلَا بُد فى صلَاتهَا مِمَّا يرجع إِلَيْهَا؛ أَلا ترى أَنَّك تَقول: جاءنى اللَّذَان فى الدَّار، فَيعرف وَتقول: أَيهمْ يَأْتِيك تضربه، وأيهم يَأْتِيك فَاضْرب
стр. 829
و (مَا) عِنْد سِيبَوَيْهٍ إِذا كَانَت وَالْفِعْل مصدرا بِمَنْزِلَة (أَن) / والأخفش يَرَاهَا بِمَنْزِلَة الذى مصدرا كَانَت أَو غير مصدر وسنشرح مَا ذكرنَا شرحا بَينا شافيا إِن شَاءَ الله وَتقول: أَن تأتينى خير لَك، فَلَيْسَ فى تأتينى ذكر لِأَن، وَلَو قلت: رَأَيْت الذى تقوم لم يجز؛ لِأَنَّك لم تردد إِلَى الذى شَيْئا وَهُوَ اسْم حَتَّى تَقول: رَأَيْت الذى تقوم إِلَيْهِ وَلَو قلت: بلغنى أَنَّك منطلق لم تردد إِلَى (أَن) شَيْئا وَلَو قلت: جاءنى من إِنَّك منطلق لم يجز حَتَّى تَقول: إِنَّك منطلق إِلَيْهِ أَو عِنْده فَهَذَا أَمر الْحُرُوف، وَهَذِه صِفَات الْأَسْمَاء فَأَما اخْتِلَاف الْأَخْفَش، وسيبويه فى (مَا) إِذا كَانَت وَالْفِعْل مصدرا فَإِن سِيبَوَيْهٍ كَانَ يَقُول: إِذا قلت: أعجبنى مَا صنعت فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: أعجبنى أَن قُمْت فعلى هَذَا يلْزمه: أعجبنى مَا ضربت زيدا؛ كَمَا تَقول: أعجبنى أَن ضربت زيدا، وَكَانَ يَقُوله والأخفش يَقُول: أعجبنى مَا صنعت، أى: مَا صَنعته؛ كَمَا تَقول: أعجبنى الذى صَنعته، وَلَا يُجِيز: أعجبنى مَا قُمْت؛ لِأَنَّهُ لَا يتَعَدَّى، وَقد / خلط، فأجار مثله، وَالْقِيَاس وَالصَّوَاب قَول سِيبَوَيْهٍ
стр. 830
فَإِن أردْت ب (مَا) معنى الذى، فَذَاك مَا لَيْسَ فِيهِ كَلَام؛ لِأَنَّهُ الْبَاب وَالْأَكْثَر، وَهُوَ الأَصْل، وَإِنَّمَا خُرُوجهَا إِلَى الْمصدر فرع
стр. 831
(هَذَا بَاب مَا جرى مجْرى الْفِعْل وَلَيْسَ بِفعل وَلَا مصدر)
وَلكنهَا أَسمَاء وضعت للْفِعْل تدل عَلَيْهِ، فأجريت مجْرَاه مَا كَانَت فى موَاضعهَا؛ وَلَا يجوز فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير؛ لِأَنَّهَا لَا تصرف تصرف الْفِعْل؛ كَمَا لم تصرف (إِن) تصرف الْفِعْل، فألزمت موضعا وَاحِدًا، وَذَلِكَ قَوْلك: صه ومه، فَهَذَا إِنَّمَا مَعْنَاهُ: أسكت، واكفف، فَلَيْسَ بمعتد، وَكَذَلِكَ: وَرَاك وَإِلَيْك، إِذا حذرته شَيْئا مُقبلا عَلَيْهِ، وأمرته أَن يتَأَخَّر، فَمَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل فَهُوَ غير مُتَعَدٍّ وَمِنْهَا مَا يتَعَدَّى وَهُوَ قَوْلك: عَلَيْك زيدا، ودونك زيدا، إِذا أغريته وَكَذَلِكَ: هَلُمَّ زيدا، إِذا أردْت: هَات زيدا فَهَذِهِ اللُّغَة الحجازية: / يَقع (هَلُمَّ) فِيهَا موقع مَا ذكرنَا من الْحُرُوف، فَيكون للْوَاحِد وللاثنين وَالْجمع على لفظ وَاحِد، كأخواتها المتقدمات قَالَ الله : ﴿والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾
стр. 832
فَأَما بَنو تَمِيم فيجعلونها فعلا صَحِيحا، ويجعلون الْهَاء زَائِدَة، فَيَقُولُونَ: هَلُمَّ يَا رجل، وللاثنين: هلما، وللجماعة: هلموا، وللنساء: هلممن؛ لِأَن الْمَعْنى: الممن، وَالْهَاء زَائِدَة فَأَما قَول الله : ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ ، فَلم ينْتَصب (كتاب) بقوله (عَلَيْكُم) ، وَلَكِن لما قَالَ: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ أعلم أَن هَذَا مَكْتُوب عَلَيْهِم، فنصب (كتاب الله) للمصدر؛ لِأَن هَذَا بدل من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ؛ إِذْ كَانَ الأول فى معنى: كتب الله عَلَيْكُم، وَكتب عَلَيْكُم وَنَظِير هَذَا قَوْله: ﴿وَترى الْجبَال تحسبها جامدة وَهِي تمر مر السَّحَاب صنع الله﴾ ؛ لِأَنَّهُ قد أعلمك بقوله: ﴿وَهِي تمر مر السَّحَاب﴾ أَن ثمَّ فعلا، فنصب مَا بعده؛ لِأَنَّهُ قد جرى مجْرى: صنع الله وَكَذَلِكَ: ﴿الَّذِى أَحسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلْقَهُ﴾ قَالَ الشَّاعِر:
стр. 833
/
(مَا إِن يمس الأَرْض إِلَّا منْكب ... مِنْهُ وحرف السَّاق طى الْمحمل)
لِأَنَّهُ ذكر مَا يدل على أَنه طيان من الطى، فَكَانَ بَدَلا من قَوْله (طوى) ، وَكَذَلِكَ قَوْله:
(إّذا رأتنى سَقَطت أبصارها ... دأب بكار شايحت بكارها)
لِأَن قَوْله: (إِذا رأتنى) مَعْنَاهُ: كلما رأتنى، فقد خبر أَن ذَلِك دأبها؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: تدأب دأب بكار؛ لِأَنَّهُ بدل مِنْهُ وَمثل هَذَا - إِلَّا أَن اللَّفْظ مُشْتَقّ من فعل الْمصدر، ولكنهما يشتبهان فى الدّلَالَة - قَول : ﴿وتَبَتَّلْ إِلَيهِ تَبْتِيلاً﴾
على: وبتل إِلَيْهِ، وَلَو كَانَ على تبتل لَكَانَ تبتلا وَكَذَلِكَ: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نباتاً﴾ لَو كَانَ على أنبت لَكَانَ إنباتا وَلَكِن الْمَعْنى - وَالله أعلم -: أَنه إِذا أنبتكم نبتم نباتا وَقَالَ الشَّاعِر:
стр. 834
(وَخير الْأَمر مَا اسْتقْبلت مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَن تتبعه اتبَاعا)
وَهَذَا كثير جدا وَمن الْحُرُوف الَّتِى تجرى مجْرى الْفِعْل مَا يكون / أَشد تمَكنا من غَيره، وَذَلِكَ أَنَّك تَقول للرجل - إِذا أردْت تباعده -: (إِلَيْك) فَيَقُول: (إِلَى) كَأَنَّك قلت: تبَاعد، فَقَالَ: أتباعد وَتقول: على زيدا، فَمَعْنَاه: أولنى زيدا، وَتقول: عَلَيْك زيدا، أى: خُذ زيدا فَإِن سَأَلَ سَائل عَن اختلافها قيل: هى بِمَنْزِلَة الْأَفْعَال الَّتِى مِنْهَا مَا يتَعَدَّى، وَمِنْهَا مَالا يتَعَدَّى، وَمِنْهَا مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَمن هَذِه الْحُرُوف: (حيهل) فَإِنَّمَا هى اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا، وَفِيه أقاويل: فأجودها: حيهل بعمر فَإِذا وقفت قلت: حيهلا فَجعلت الْألف لبَيَان الْحَرَكَة وَجَائِز أَن تَجْعَلهُ نكرَة فَتَقول حيهلا يَا فَتى، وَجَائِز أَن تثبت الْألف، وتجعله معرفَة، فَلَا تنون وَالْألف زِيَادَة، وَمَعْنَاهُ: قربه، وَتَقْدِيره فى العربيه: بَادر بِذكرِهِ، وَإِنَّمَا (حى) فى معنى: (هَلُمَّ)
стр. 835
وَمن ذَلِك قَوْلهم: حى على الصَّلَاة قَالَ الشَّاعِر:
(وهيج الْقَوْم من دَار فظل لَهُم ... يَوْم كثير تناديه وحيهله)
/ وَقَالَ فِيمَا أثبت فِيهِ الْألف:
(بحيهلا يزجون كل مَطِيَّة ... أَمَام المطايا سَيرهَا متقاذف)
وَأدْخل الْبَاء عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْم فى مَوضِع الْمصدر وَمن أَسمَاء الْفِعْل (رويد) وَلها بَاب تفرد بِهِ نذكرهُ بعد هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله وَمن المصادر وَيْح، وويل، وويب، وَإِنَّمَا هى إِذا قلت: ويل لزيد فى مَوضِع: قبوح
стр. 836
لزيد وَلَكِن لم يجز أَن يكون مِنْهَا أَفعَال لعِلَّة مشروحة فى التصريف وَكَذَلِكَ أفة وتفة، وَإِنَّمَا هى فى مَوضِع: نَتنًا ودفرا وَمِنْهَا: سُبْحَانَ الله، وريحانه، ومعاذ الله، وعمرك الله، وقعدك الله فى النداء
стр. 837
(هَذَا بَاب تَفْسِير مَا ذكرنَا من هَذِه الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة مَوضِع المصادر وَمَا أشبههَا من الْأَسْمَاء الْمَدْعُو بهَا من غير المصادر؛ نَحْو: تربا وجندلا، وَمَا أشبه ذَلِك)
أما (رويد) زيدا، فاسم للْفِعْل، وَلَيْسَ بمصدر، وَبنى على الْفَتْح؛ لِأَنَّهُ غير متصرف / كَمَا فعلت بأخواته المبنيات، نَحْو: صه، ومه، وَلم يسكن آخِره؛ لِأَن قبله حرفا سَاكِنا، واخترت لَهُ الْفَتْح للياء الَّتِى قبله؛ كَمَا فعلت فى (أَيْن) ، و (كَيفَ) وَمَا أشبه ذَلِك قَالَ الشَّاعِر:
(رويد عليا جد مَا ثدى أمّهم ... إِلَيْنَا وَلَكِن ودهم متماين)
فَإِن قلت: أرودته كَانَ الْمصدر إروادا، وَتصرف تصرف جَمِيع المصادر، فَإِن حذفت الزَّوَائِد على هَذِه الشريطة صرفت (رويد) فَقلت: رويدا يَا فَتى
стр. 838
وَإِن نعت بِهِ قلت: ضَعْهُ وضعا رويدا، وتفرده وتضيفه؛ لِأَنَّهُ كَسَائِر المصادر وَتقول: رويد زيد؛ كَمَا قَالَ الله : ﴿فَضرب الرّقاب﴾ ، ورويدا زيدا؛ كَمَا تَقول: ضربا زيدا فى الْأَمر
فَأَما قَوْلك: رويدك زيدا - فَإِن الْكَاف زَائِدَة، وَإِنَّمَا زيدت للمخاطبة، وَلَيْسَت باسم وَإِنَّمَا هى بِمَنْزِلَة قَوْلك: النجاءك يَا فَتى، وأريتك زيدا مَا فعل؟ ، وكقولك:
стр. 839
أبصرك زيدا إِنَّمَا الْكَاف زَائِدَة للمخاطبة، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ النجاءك محالا؛ لِأَنَّك لَا تضيف الِاسْم وَفِيه / الْألف وَاللَّام وَقَوله : ﴿أَرَيتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾ قد أوضح لَك أَن الْكَاف زَائِدَة وَلَو كَانَت فى رويدك عَلامَة للفاعلين لَكَانَ خطأ إِذا قلت: (رويدكم) ؛ لِأَن عَلامَة الفاعلين الْوَاو؛ كَقَوْلِك: أرودوا وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَسْمَاء مَا كَانَ مِنْهَا مصدرا، أَو مَوْضُوعا مَوضِع الْمصدر - فَإِن فِيهِ الْفَاعِل مضمرا؛ لِأَنَّهُ كالفعل الْمَأْمُور بِهِ تَقول: رويدك أَنْت وَعبد الله زيدا، وَعَلَيْك أَنْت وَعبد الله أَخَاك فَإِن حذفت التوكيد قبح، وَإِعْرَابه الرّفْع على كل حَال؛ أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: قُم وَعبد الله كَانَ جَائِزا على قبح حَتَّى تَقول: قُم أَنْت وَعبد الله، و (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُكَ فَقَاتِلَا)
، و ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ فَإِن طَال الْكَلَام حسن حذف التوكيد؛ كَمَا قَالَ الله : ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ وَقد مضى هَذَا مُفَسرًا فى مَوْضِعه وَكَذَلِكَ مَا نَعته بِالنَّفسِ فى الْمَرْفُوع إِنَّمَا يجرى على توكيد فَإِن لم تؤكد جَازَ على قبح وَهُوَ قَوْلك: قُم أَنْت نَفسك فَإِن قلت: قُم نَفسك جَازَ وَذَلِكَ قَوْلك: رويدك أَنْت نَفسك
стр. 840
زيدا، وَعَلَيْك أَنْت نَفسك زيدا، ودونك أَنْت نَفسك زيدا، والحذف جَائِز قَبِيح إِذا قلت: رويدك نَفسك زيدا وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: عَلَيْك زيدا ففى (عَلَيْك) اسمان: أَحدهمَا: الْمَرْفُوع الْفَاعِل، والاخر: هَذِه الْكَاف المخفوضة تَقول: عَلَيْكُم أَنفسكُم أَجْمَعُونَ زيدا، فتجعل قَوْلك (أَجْمَعُونَ) للْفَاعِل وَتجْعَل قَوْلك: (أَنفسكُم) للكاف وَإِن شِئْت أجريتهما جَمِيعًا على الْكَاف فخفضته، وَإِن شِئْت أكدت، ورفعتها لما ذكرت لَك من قبح مجْرى النَّفس فى الْمَرْفُوع إِلَّا بتوكيد، وَإِن شِئْت رفعت بِغَيْر توكيد على قبح وَإِن قلت: رويد نَفسك، أَو رويدك - جعلت النَّفس مفعولة بِمَنْزِلَة زيد، كَمَا قَالَ الله : ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾
стр. 841
(هَذَا بَاب إياك فى الْأَمر)
اعْلَم أَن (إياك) اسْم المكنى عَنهُ فى النصب؛ كَمَا أَن (أَنْت) اسْمه فى الرّفْع، وهما منفصلان، لَا تَقول: إياك إِذا قدرت على الْكَاف فى رَأَيْتُك وَأَخَوَاتهَا؛ نَحْو: ضَربته، وضربنى وَكَذَلِكَ (أَنْت) لَا تقع / موقع التَّاء وَأَخَوَاتهَا فى ضربت وضربنا، وَزيد قَامَ يَا فَتى، فَيَقَع الضَّمِير فى النِّيَّة، وَقد مضى القَوْل فى هَذَا فَلَمَّا كَانَت (إياك) لَا تقع إِلَّا اسْما لمنصوب كَانَت بَدَلا من الْفِعْل، دَالَّة عَلَيْهِ، وَلم تقع هَذِه الْهَيْئَة إِلَّا فى الْأَمر؛ لِأَن الْأَمر كُله لَا يكون إِلَّا بِفعل وَذَلِكَ قَوْلك: إياك والأسد يَا فَتى وَإِنَّمَا التَّأْوِيل: اتَّقِ نَفسك والأسد و (إياك) مَنْصُوب بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ والأسد متقيان وَكَذَلِكَ: إياك والصبى، وَإِيَّاك ومكروه عبد الله، وَإِن أكدت رفعت إِن شِئْت، فَقلت: إياك أَنْت وَزيد؛ لِأَن مَعَ (إياك) ضميرا، وَهُوَ الضَّمِير الذى فى الْفِعْل الذى نصبها أَلا ترى أَن معنى (إياك) إِنَّمَا هُوَ: احذر، وَاتَّقِ، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن شِئْت قلت: إياك أَنْت وزيدا، فَجعلت (أَنْت) توكيدا لذَلِك الْمُضمر، فَإِن قلت: إياك وَزيد فَهُوَ قَبِيح وَهُوَ على قبحه جَائِز كجرازه فى قُم وَزيد
стр. 842
وَالْبَيْت يستوى فِيهِ الْوَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ توكيد وَهُوَ قَوْله:
(إياك أَنْت وَعبد الْمَسِيح أَن تقربا قبْلَة الْمَسْجِد ... )
وَلَا يجوز أَن تَقول: إياك زيدا؛ كَمَا لَا يجوز أَن تَقول: زيدا اضْرِب عمرا / حَتَّى تَقول (وعمرا) وَأما قَوْله: إياك أَن تقرب الْأسد فجيد؛ لِأَن (أَن) تحذف مَعهَا اللَّام لطولها بالصلة تَقول: أكرمتك أَن اجتر مَوَدَّة زيد فَالْمَعْنى: إياك احذر من أجل كَذَا، فَهَذَا جَائِز، وَإِن أدخلت الْوَاو فجيد؛ لِأَن (أَن) وصلتها مصدر فَأَما (إياك الضَّرْب) فَلَا يجوز فى الْكَلَام؛ كَمَا لَا يجوز: إياك زيدا فَإِن اضْطر شَاعِر جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُشبههُ للضَّرُورَة بقوله: " أَن تقربا " وعَلى هَذَا:
(إياك إياك المراء فَإِنَّهُ ... إِلَى الشَّرّ دُعَاء وللشر جالب)
فأضمر بعد قَوْله: إياك فعلا آخر على كلامين؛ لِأَنَّهُ لما قَالَ: إياك أعلمهُ أَنه يزجره، فأضمر فعلا يُرِيد: اتَّقِ المراء يَا فَتى
стр. 843
والفصل بَين الْمصدر نَحْو: الضَّرْب وَالْقَتْل، وَبَين (أَن يضْرب) ، و (أَن يقتل) فى الْمَعْنى - أَن الضَّرْب اسْم للْفِعْل يَقع على أَحْوَاله الثَّلَاثَة: الماضى، وَالْمَوْجُود، والمنتظر وقولك: أَن تفعل لَا يكون إِلَّا لما يأتى فَإِن قلت أَن فعلت، فَلَا يكون إِلَّا الماضى وَلَا يَقع للْحَال الْبَتَّةَ وَقِرَاءَة من قَرَأَ: ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ مَعْنَاهُ: المضى وَإِن قَرَأَ: (إِن وهبت نَفسهَا للنبى) فَمَعْنَاه: مَتى كَانَ ذَا؛ لِأَنَّهَا / (إِن) الَّتِى للجزاء والحذف مَعَ (أَن) وصلتها مُسْتَعْمل فى الْكَلَام لما ذكرت لَك من أَنَّهَا عِلّة لوُقُوع الشئ فعلى هَذَا يكون، وَهَذَا بَين وَاضح وَأما قَول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ مِنْ رِجَاِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مَّمِنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾
стр. 844
فَإِذا قَالَ قَائِل: قَوْله: (أَن تضل إِحْدَاهمَا) لما ذكر وَهُوَ لم يعدد الْإِشْهَاد؛ لِأَن تضل إِحْدَاهمَا فَالْجَوَاب فى ذَلِك: أَنه إِنَّمَا أعد الْإِشْهَاد للتذكير، وَلَكِن تقدّمت (أَن تضل) ؛ لتوقع سَبَب التَّذْكِرَة وَنَظِيره من الْكَلَام: أَعدَدْت هَذَا أَن يمِيل الْحَائِط فأدعمه، وَلم يعدده طلبا لِأَن يمِيل الْحَائِط، وَلكنه أخبر بعلة الدعم، فاستقصاء الْمَعْنى: إِنَّمَا هُوَ: أَعدَدْت هَذَا لِأَن إِن مَال الْحَائِط دعمته، فَإِن الأولى هى الثَّانِيَة وَقد يحذف الْفِعْل فى التكرير [وفى الْعَطف] وَذَلِكَ قَوْلك: رَأسك والحائط، وَرَأسه وَالسيف يَا فَتى فَإِنَّمَا حذف الْفِعْل للإطالة / والتكرير، وَدلّ على الْفِعْل الْمَحْذُوف بِمَا يُشَاهد من الْحَال وَمن أَمْثَال الْعَرَب: " رَأسك وَالسيف "، وَمن أمثالهم: " أهلك وَاللَّيْل " وَقد دلّ هَذَا على أَنه يُرِيد: بَادر أهلك وَاللَّيْل وَالْأول على أَنه: نح رأٍ سك من السَّيْف وَتَقْدِيره فى الْفِعْل: أتق رَأسك وَالسيف
стр. 845
فَلَو أفردت لم يجز حذف الْفِعْل إِلَّا وَعَلِيهِ دَلِيل نَحْو: زيدا لَو قلت ذَلِك لم يدر مَا الْفِعْل الْمَحْذُوف؟ فَإِن رَأَيْت رجلا قد أَشَارَ بِسيف فَقلت: زيدا أَو ذكرت أَنه يضْرب أَو نَحْو ذَلِك [جَازَ؛ لِأَن الْمَعْنى: أوقع ضربك بزيد] فَإِن كَانَ مصدرا فقد دلّ على فعل، فَمن ذَلِك: ضربا ضربا، إِذا كنت تَأمر وَإِنَّمَا كَانَ الْحَذف فى الْأَمر جَائِزا؛ لِأَن الْأَمر لَا يكون إِلَّا بِفعل قَالَ الله : ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا فَضرب الرّقاب﴾ فالمصدر الْمَأْمُور بِهِ يكون نكرَة، وبالألف وَاللَّام، ومضافا كل ذَلِك مطرد فى الْأَمر، وكل شئ كَانَ فى معنىء الْمصدر فمجراه مجْرى الْمصدر، وسنبين ذَلِك إِن شَاءَ الله فَأَما قَوْلك: الْحَمد لله فى الْخَبَر، وسقيا / لزيد، ورعيا لَهُ - فَلهُ بَاب يفرد بِهِ إِن شَاءَ الله
следующие страницы →