← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6965

المقتضب

المبرد

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(هَذَا بَاب إياك فى الْأَمر) اعْلَم أَن (إياك) اسْم المكنى عَنهُ فى النصب؛ كَمَا أَن (أَنْت) اسْمه فى الرّفْع، وهما منفصلان، لَا تَقول: إياك إِذا قدرت على الْكَاف فى رَأَيْتُك وَأَخَوَاتهَا؛ نَحْو: ضَربته، وضربنى وَكَذَلِكَ (أَنْت) لَا تقع / موقع التَّاء وَأَخَوَاتهَا فى ضربت وضربنا، وَزيد قَامَ يَا فَتى، فَيَقَع الضَّمِير فى النِّيَّة، وَقد مضى القَوْل فى هَذَا فَلَمَّا كَانَت (إياك) لَا تقع إِلَّا اسْما لمنصوب كَانَت بَدَلا من الْفِعْل، دَالَّة عَلَيْهِ، وَلم تقع هَذِه الْهَيْئَة إِلَّا فى الْأَمر؛ لِأَن الْأَمر كُله لَا يكون إِلَّا بِفعل وَذَلِكَ قَوْلك: إياك والأسد يَا فَتى وَإِنَّمَا التَّأْوِيل: اتَّقِ نَفسك والأسد و (إياك) مَنْصُوب بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ والأسد متقيان وَكَذَلِكَ: إياك والصبى، وَإِيَّاك ومكروه عبد الله، وَإِن أكدت رفعت إِن شِئْت، فَقلت: إياك أَنْت وَزيد؛ لِأَن مَعَ (إياك) ضميرا، وَهُوَ الضَّمِير الذى فى الْفِعْل الذى نصبها أَلا ترى أَن معنى (إياك) إِنَّمَا هُوَ: احذر، وَاتَّقِ، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن شِئْت قلت: إياك أَنْت وزيدا، فَجعلت (أَنْت) توكيدا لذَلِك الْمُضمر، فَإِن قلت: إياك وَزيد فَهُوَ قَبِيح وَهُوَ على قبحه جَائِز كجرازه فى قُم وَزيد

стр. 842

وَالْبَيْت يستوى فِيهِ الْوَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ توكيد وَهُوَ قَوْله: (إياك أَنْت وَعبد الْمَسِيح أَن تقربا قبْلَة الْمَسْجِد ... ) وَلَا يجوز أَن تَقول: إياك زيدا؛ كَمَا لَا يجوز أَن تَقول: زيدا اضْرِب عمرا / حَتَّى تَقول (وعمرا) وَأما قَوْله: إياك أَن تقرب الْأسد فجيد؛ لِأَن (أَن) تحذف مَعهَا اللَّام لطولها بالصلة تَقول: أكرمتك أَن اجتر مَوَدَّة زيد فَالْمَعْنى: إياك احذر من أجل كَذَا، فَهَذَا جَائِز، وَإِن أدخلت الْوَاو فجيد؛ لِأَن (أَن) وصلتها مصدر فَأَما (إياك الضَّرْب) فَلَا يجوز فى الْكَلَام؛ كَمَا لَا يجوز: إياك زيدا فَإِن اضْطر شَاعِر جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُشبههُ للضَّرُورَة بقوله: " أَن تقربا " وعَلى هَذَا: (إياك إياك المراء فَإِنَّهُ ... إِلَى الشَّرّ دُعَاء وللشر جالب) فأضمر بعد قَوْله: إياك فعلا آخر على كلامين؛ لِأَنَّهُ لما قَالَ: إياك أعلمهُ أَنه يزجره، فأضمر فعلا يُرِيد: اتَّقِ المراء يَا فَتى

стр. 843

والفصل بَين الْمصدر نَحْو: الضَّرْب وَالْقَتْل، وَبَين (أَن يضْرب) ، و (أَن يقتل) فى الْمَعْنى - أَن الضَّرْب اسْم للْفِعْل يَقع على أَحْوَاله الثَّلَاثَة: الماضى، وَالْمَوْجُود، والمنتظر وقولك: أَن تفعل لَا يكون إِلَّا لما يأتى فَإِن قلت أَن فعلت، فَلَا يكون إِلَّا الماضى وَلَا يَقع للْحَال الْبَتَّةَ وَقِرَاءَة من قَرَأَ: ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ مَعْنَاهُ: المضى وَإِن قَرَأَ: (إِن وهبت نَفسهَا للنبى) فَمَعْنَاه: مَتى كَانَ ذَا؛ لِأَنَّهَا / (إِن) الَّتِى للجزاء والحذف مَعَ (أَن) وصلتها مُسْتَعْمل فى الْكَلَام لما ذكرت لَك من أَنَّهَا عِلّة لوُقُوع الشئ فعلى هَذَا يكون، وَهَذَا بَين وَاضح وَأما قَول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ مِنْ رِجَاِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مَّمِنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾

стр. 844

فَإِذا قَالَ قَائِل: قَوْله: (أَن تضل إِحْدَاهمَا) لما ذكر وَهُوَ لم يعدد الْإِشْهَاد؛ لِأَن تضل إِحْدَاهمَا فَالْجَوَاب فى ذَلِك: أَنه إِنَّمَا أعد الْإِشْهَاد للتذكير، وَلَكِن تقدّمت (أَن تضل) ؛ لتوقع سَبَب التَّذْكِرَة وَنَظِيره من الْكَلَام: أَعدَدْت هَذَا أَن يمِيل الْحَائِط فأدعمه، وَلم يعدده طلبا لِأَن يمِيل الْحَائِط، وَلكنه أخبر بعلة الدعم، فاستقصاء الْمَعْنى: إِنَّمَا هُوَ: أَعدَدْت هَذَا لِأَن إِن مَال الْحَائِط دعمته، فَإِن الأولى هى الثَّانِيَة وَقد يحذف الْفِعْل فى التكرير [وفى الْعَطف] وَذَلِكَ قَوْلك: رَأسك والحائط، وَرَأسه وَالسيف يَا فَتى فَإِنَّمَا حذف الْفِعْل للإطالة / والتكرير، وَدلّ على الْفِعْل الْمَحْذُوف بِمَا يُشَاهد من الْحَال وَمن أَمْثَال الْعَرَب: " رَأسك وَالسيف "، وَمن أمثالهم: " أهلك وَاللَّيْل " وَقد دلّ هَذَا على أَنه يُرِيد: بَادر أهلك وَاللَّيْل وَالْأول على أَنه: نح رأٍ سك من السَّيْف وَتَقْدِيره فى الْفِعْل: أتق رَأسك وَالسيف

стр. 845

فَلَو أفردت لم يجز حذف الْفِعْل إِلَّا وَعَلِيهِ دَلِيل نَحْو: زيدا لَو قلت ذَلِك لم يدر مَا الْفِعْل الْمَحْذُوف؟ فَإِن رَأَيْت رجلا قد أَشَارَ بِسيف فَقلت: زيدا أَو ذكرت أَنه يضْرب أَو نَحْو ذَلِك [جَازَ؛ لِأَن الْمَعْنى: أوقع ضربك بزيد] فَإِن كَانَ مصدرا فقد دلّ على فعل، فَمن ذَلِك: ضربا ضربا، إِذا كنت تَأمر وَإِنَّمَا كَانَ الْحَذف فى الْأَمر جَائِزا؛ لِأَن الْأَمر لَا يكون إِلَّا بِفعل قَالَ الله : ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا فَضرب الرّقاب﴾ فالمصدر الْمَأْمُور بِهِ يكون نكرَة، وبالألف وَاللَّام، ومضافا كل ذَلِك مطرد فى الْأَمر، وكل شئ كَانَ فى معنىء الْمصدر فمجراه مجْرى الْمصدر، وسنبين ذَلِك إِن شَاءَ الله فَأَما قَوْلك: الْحَمد لله فى الْخَبَر، وسقيا / لزيد، ورعيا لَهُ - فَلهُ بَاب يفرد بِهِ إِن شَاءَ الله

стр. 846

(هَذَا بَاب مَا جرى مجْرى المصادر وَلَيْسَ بمتصرف من فعل) فَمن ذَلِك: سُبْحَانَ الله، ومعاذ الله، وَقَوْلهمْ: أفة، وتفة، وويلا لزيد، وويحا لَهُ، وَسَلام على زيد، وويل لزيد، وويح لَهُ، وتربا لَهُ كل هَذَا مَعْنَاهُ فى النصب وَاحِد، وَمَعْنَاهُ فى الرّفْع وَاحِد وَمِنْه مَالا يلْزمه إِلَّا النصب، وَمِنْه مَالا يجوز فِيهِ إِلَّا الرّفْع لعلل نذكرها إِن شَاءَ الله وَمِنْه قَوْلك: مرْحَبًا، وَأهلا وسهلا، وويله، وعولة فَأَما قَوْلهم: سُبْحَانَ الله فتأويله: بَرَاءَة الله من السوء، وَهُوَ فى مَوضِع الْمصدر، وَلَيْسَ مِنْهُ فعل فَإِنَّمَا حَده الْإِضَافَة إِلَى الله وَهُوَ معرفَة وَتَقْدِيره - إِذا مثلته فعلا: تسبيحا لله فَإِن حذفت الْمُضَاف إِلَيْهِ من سُبْحَانَ لم ينْصَرف؛ لِأَنَّهُ معرفَة، وَإِنَّمَا نكرته بِالْإِضَافَة؛ ليَكُون معرفَة بالمضاف إِلَيْهِ فَأَما قَول الشَّاعِر: (/ سُبْحَانَهُ ثمَّ سبحانا نَعُوذ بِهِ ... وَقَبلنَا سبح الجودى والجمد)

стр. 847

[فى رِوَايَة: " نَعُوذ بِهِ "] فَإِنَّمَا نون مُضْطَرّا، وَلَو لم يضْطَر لَكَانَ كَقَوْل الآخر: (أَقُول لما جاءنى فخره ... سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر) فَهَذَا فى مَوضِع: بَرَاءَة مِنْهُ و (معَاذ الله) كَذَلِك لَا يكون إِلَّا مُضَافا وَتَقْدِيره تَقْدِير: عياذ الله، أى: عذت بِاللَّه عياذا فَهَذَا مَوضِع هَذَا وَمثل ذَلِك: حجرا، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: حَرَامًا فَهُوَ فى مَوْضِعه لَو تَكَلَّمت بِهِ فَمن ذَلِك قَول الله : ﴿حجرا مَحْجُورا﴾ أى: حَرَامًا محرما وَأما قَوْلهم: مرْحَبًا وَأهلا - فَهُوَ فى مَوضِع قَوْلهم: رَحبَتْ بلادك رحبا، وأهلت أَهلا، وَمَعْنَاهُ: الدُّعَاء يَقُول: صادفت هَذَا وَلَو قلت: حجر، ومرحب - لصلح، تُرِيدُ: أَمرك هَذَا

стр. 848

وَأما (سُبْحَانَ) وَمَا كَانَ مثله مِمَّا لَا يكون إِلَّا مُضَافا - فَلَا يصلح فِيهِ إِلَّا النصب وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن: على الرّفْع وَالنّصب وَهُوَ: (وبالسهب مَيْمُون النقيبة قَوْله ... لملتمس الْمَعْرُوف: أهل ومرحب) وَقَالَ الآخر: (إِذا جِئْت بوابا لَهُ قَالَ: مرْحَبًا ... أَلا مرحب واديك غير مضيق) / فَأَما قَوْلهم: سَلاما، وَسَلام يَا فَتى - فَإِن مَعْنَاهُ: المبارأة والمتاركة فَمن قَالَ: لَا تكن من فلَان إِلَّا سَلام بِسَلام فَمَعْنَاه: لَا تكن إِلَّا وأمرك وَأمره المتاركة والمبارأة، وَإِنَّمَا رفعت، لِأَنَّك جعلته ابْتِدَاء وخبرا فى مَوضِع خبر (كَانَ) وَلَو نصبته كَانَ جيدا بَالغا فَمن ذَلِك قَوْله : ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ تأويلُه: المتاركة، أى: لَا خير بَيْننَا وَبَيْنكُم وَلَا شَرّ

стр. 849

وَمن كَلَامهم: سُبْحَانَهُ الله، وريحانه فَتَأْوِيل (ريحَان) فى هَذَا الْموضع: الرزق وَتَقْدِيره فى المصادر: تسبيحا، واسترزاقا وتصديق هَذَا فى قَوْله : ﴿وَالْحب ذُو العصف وَالريحَان﴾ فَأَما قَوْلهم: ويل لزيد، وويح لزيد، وَتب لزيد، وويس لَهُ فَإِن أضفت لم يكن إِلَّا النصب فَقلت: ويحه، وويله فَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن هَذِه مصَادر فَإِن أفردت فَلم تضف - فَأَنت مُخَيّر بَين النصب وَالرَّفْع تَقول: ويل لزيد، وويلا لزيد فَأَما النصب فعلى الدُّعَاء، وَأما الرّفْع فعلى قَوْلك: ثَبت ويل لَهُ؛ لِأَنَّهُ شئ مُسْتَقر فويل مُبْتَدأ، و (لَهُ) خَبره وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن، وَهُوَ: / (كسا اللؤم تيما خضرَة فى جلودها ... فويل لتيم من سرابيلها الْخضر)

стр. 850

فَأَما قَوْله : ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وَقَوله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ فَإِنَّهُ لَا يكون فِيهِ إِلَّا الرّفْع؛ إِذْ كَانَ لَا يُقَال: دُعَاء عَلَيْهِم، وَلكنه إِخْبَار بِأَن هَذَا قد ثَبت لَهُم فَإِن أضفت فَقلت: ويله، وويحه - لم يكن إِلَّا نصبا؛ لِأَن وَجه الرّفْع قد بَطل بِأَنَّهُ لَا خبر لَهُ، فَكَذَا هَذِه الَّتِى فى معنى المصادر فَإِن كَانَ مصدرا صَحِيحا يجرى على فعله فَالْوَجْه النصب وَذَلِكَ قَوْلك: تَبًّا لزيد، وجوعا لزيد؛ لِأَن هَذَا من قَوْلك: جَاع يجوع، وَتب يتب كَذَلِك سقيا، ورعيا وَالرَّفْع يجوز على بعد؛ لِأَنَّك تبتدى بنكرة، وَتجْعَل مَا بعْدهَا خَبَرهَا فَأَما سَلام عَلَيْك فاسم فى معنى الْمصدر، وَلَو كَانَ على سلم لَكَانَ تَسْلِيمًا فَإِن كَانَت هَذِه المصادر معارف فَالْوَجْه الرّفْع، وَمَعْنَاهُ كمعنى الْمَنْصُوب، وَلَكِن يخْتَار الرّفْع؛ لِأَنَّهُ كالمعرفة وَحقّ الْمعرفَة الِابْتِدَاء وَذَلِكَ قَوْلك: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ و ﴿لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وَالنّصب / يجوز وَإِنَّمَا تنظر فى هَذِه المصادر إِلَى مَعَانِيهَا؛ فَإِن كَانَ الْموضع بعْدهَا أمرا أَو دُعَاء لم يكن إِلَّا نصبا

стр. 851

وَإِن كَانَ لما قد اسْتَقر لم يكن إِلَّا رفعا وَإِن كَانَ يَقع لَهما جَمِيعًا كَانَ النصب وَالرَّفْع فمما يدعى بِهِ أَسمَاء لَيست من الْفِعْل، وَلكنهَا مفعولات وَذَلِكَ قَوْلك: تربا، وجندلا إِنَّمَا تُرِيدُ: أطْعمهُ الله، ولقاه الله، وَنَحْو ذَلِك فَإِن أخْبرت أَنه مِمَّا قد ثَبت رفعت قَالَ الشَّاعِر: (لقد ألب الواشون ألبا لبينهم ... فترب لأفواه الوشاة وجندل) فَأَما قَوْله: أفة وتفة فَإِنَّمَا تَقْدِيره من المصادر: نَتنًا، ودفرا فَإِن أفردت (أُفٍّ)

стр. 852

بِغَيْر هَاء فَهُوَ مبْنى؛ لِأَنَّهُ فى مَوضِع الْمصدر وَلَيْسَ بمصدر، وَإِنَّمَا قوى حَيْثُ عطفت عَلَيْهِ؛ لِأَنَّك أجريته مجْرى الْأَسْمَاء المتمكنة فى الْعَطف فَإِذا أفردته بنى على الْفَتْح وَالْكَسْر وَالضَّم، وتنونه إِن جعلته نكرَة وفى كتاب الله : ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ وَقَالَ: ﴿أُفٍّ لكم وَلما تَعْبدُونَ﴾ كل هَذَا جَائِز جيد وَهَذِه المبنيات إِذا جعلت شَيْئا مِنْهَا نكرَة نونت، نَحْو: إيه يَا فَتى، وَقَالَ الْغُرَاب: غاق غاق يَا فَتى / كَذَا تَأْوِيلهَا وَاعْلَم أَن من المصادر الَّتِى لَا أَفعَال لَهَا تجرى عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يوضع مَوضِع المصادر مَا يكون مثنى لمبالغة وَذَلِكَ قَوْلك: لبيْك وَسَعْديك، وحنانيك - إِنَّمَا أَرَادَ: حنانا بعد حنان، أى: كلما

стр. 853

كنت فى رَحْمَة مِنْك فلتكن مَوْصُولَة بِأُخْرَى وَتَأْويل حنانيك: إِنَّمَا هُوَ رَحْمَة بعد رَحْمَة يُقَال: تحن فلَان على فلَان: إِذا رَحمَه قَالَ الشَّاعِر: (تَحَنن على هداك المليك ... فَإِن لكل مقَام مقَالا) وَقَالَ الآخر: (أَبَا مُنْذر أفنيت فَاسْتَبق بَعْضنَا ... حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض) فَهَذَا مِمَّا يجوز إِفْرَاده، فَإِذا أفردت فَأَنت مُخَيّر: إِن شِئْت نصبت بِالْفِعْلِ، وَإِن شِئْت ابتدأت فَإِذا ثنيت لم يكن إِلَّا مَنْصُوبًا؛ لِأَنَّهُ وضع مَوضِع مَالا يتَمَكَّن؛ نَحْو: لبيْك وَسَعْديك وَقَالَ الشَّاعِر فِيمَا أفرد فِيهِ: (ويمنحها بَنو شمجى بن جرم ... معيزهم حنانك ذَا الحنان)

стр. 854

/ وَقَالَ الآخر، فَرفع: فَقَالَت: حنان مَا أَتَى بك هَهُنَا؟ ... أذو نسب أم أَنْت بالحى عَارِف) والفصل بَين الرّفْع وَالنّصب أَن الناصب دَعَا لَهُ كَأَنَّهُ قَالَ: رحمتك يَا ذَا الرَّحْمَة وَقَوله: (حنان مَا أَتَى بك هَاهُنَا؟ ... ) إِنَّمَا أَرَادَ: أمرنَا حنان؛ كَقَوْلِه : ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتى وُعِدَ المتّقُونَ﴾ فالتقدير: فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُم مثل الْجنَّة، ثمَّ قَالَ: فِيهَا، وفيهَا وَمن قَالَ: إِنَّمَا مَعْنَاهُ: صفة الْجنَّة فقد أَخطَأ؛ لِأَن (مثل) لَا يوضع فى مَوضِع صفة إِنَّمَا يُقَال: صفة زيد أَنه ظريف، وَأَنه عَاقل وَيُقَال: مثل زيد مثل فلَان وَإِنَّمَا الْمثل مَأْخُوذ من الْمِثَال والحذو، وَالصّفة تحلية ونعت فَأَما تَأْوِيل قَوْلهم: لبيْك فَإِنَّمَا يُقَال: ألب فلَان على الْأَمر: إِذا لزمَه ودام عَلَيْهِ فَمَعْنَاه: مداومة على إجابتك، ومحافظة على حَقك فَإِذا قَالَ العَبْد لرَبه: لبيْك فَمَعْنَاه: مُلَازمَة لطاعتك، ومحافظة على أَمرك

стр. 855

وقولك: سعديك إِنَّمَا مَعْنَاهُ من قَوْلك: قد أسعد فلَان فلَانا على أمره، وساعده / عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ: اللَّهُمَّ لبيْك وَسَعْديك، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ مُلَازمَة لأمرك، ومساعدة لأولياك، ومتابعة على طَاعَتك فَلَو كَانَ الْبَاب وَاسِعًا لَكَانَ متصرفا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الضَّرْب من ضربت، ولكنهما مشتقان للْمُبَالَغَة من الْفِعْل كسبحان الله، ومعاذ الله؛ فَلذَلِك ألزما طَريقَة وَاحِدَة فَأَما (حنان) فمنفرد؛ لِأَنَّهُ من حننت، مثل قَوْلك: ذهبت ذَهَابًا، ويتصرف فى الْكَلَام فى غير الدُّعَاء (وَحَنَانًا من لدنا) وَتقول: تَحَنن على فَهَذَا وَجه مَا جَاءَ على فعله، وَمَا لم يَأْتِ عَلَيْهِ فعل فَأَما قَوْلهم: شكرانك لَا كُفْرَانك - فهما مصدران لحقتهما الزِّيَادَة وَإِنَّمَا التَّقْدِير: شكرا لَا كفرا وَلَكِن وَقعت الزِّيَادَة للْمُبَالَغَة وَاعْلَم أَن الْمصدر كَسَائِر الْأَسْمَاء إِلَّا أَنه اسْم للْفِعْل، فَإِذا نصبت فعلى إِضْمَار الْفِعْل فَمن المصادر مَا يكثر اسْتِعْمَاله، فَيكون بَدَلا من فعله وَمِنْهَا مَالا يكون لَهُ حق الِاسْم فَأَما مَا كثر اسْتِعْمَاله حَتَّى صَار بَدَلا من الْفِعْل فقولك: حمدا وشكرا، لَا كفرا، وعجبا إِنَّمَا أردْت: أَحْمد الله حمدا فلولا / الِاسْتِعْمَال الذى أبان عَن ضميرك لم يجز أَن تضمر؛ لِأَنَّهُ مَوضِع خبر وَإِنَّمَا يحسن الْإِضْمَار ويطرد فى مَوضِع الْأَمر؛ لِأَن الْأَمر لَا يكون إِلَّا بِفعل، نَحْو قَوْلك: ضربا زيدا إِنَّمَا أردْت: اضْرِب ضربا وَكَذَلِكَ ضرب زيد

стр. 856

نصبت الضَّرْب باضرب، ثمَّ أضفته إِلَى زيد لما حذفت التَّنْوِين، كَمَا تَقول: هَذَا ضَارب زيدا غَدا وَالْأَصْل إِثْبَات التَّنْوِين، وحذفه استخفاف لعلم الْمُخَاطب أَلا ترى أَن الِاسْم الْمُضَاف إِلَى معرفَة على نِيَّة التَّنْوِين لَا يكون إِلَّا نكرَة؛ لِأَن التَّنْوِين فى النِّيَّة، نَحْو قَوْله : ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ و ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ هُوَ وصف للنكرة، وَتدْخل عَلَيْهِ (رب) كَمَا تدخل على النكرَة وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فى بَابه قَالَ الشَّاعِر: (يَا رب غابطنا لَو كَانَ يطلبكم ... لَاقَى مباعدة مِنْكُم وحرمانا) يُرِيد: غابط لنا، وَمن ذَلِك قَوْله : ﴿فَإِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا فَضرب الرّقاب﴾ وَإِنَّمَا التَّقْدِير - وَالله أعلم -: فضربا الرّقاب فَهَذَا يدل على مَا بعده، وَمَا يرد من جنسه ونظائره

стр. 857

(هَذَا بَاب المصادر فى الِاسْتِفْهَام على جِهَة التَّقْدِير وعَلى الْمَسْأَلَة) / وَذَلِكَ قَوْلك: أقياما وَقد قعد النَّاس لم تقل هَذَا سَائِلًا، وَلَكِن قلته موبخا مُنْكرا لما هُوَ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا دلَالَة الْحَال على ذَلِك لم يجز الْإِضْمَار؛ لِأَن الْفِعْل إِنَّمَا يضمر إِذا دلّ عَلَيْهِ دَال؛ كَمَا أَن الِاسْم لَا يضمر حَتَّى يذكر، وَإِنَّمَا رَأَيْته فى حَال قيام فى وَقت يجب فِيهِ غَيره، فَقلت لَهُ مُنْكرا وَمثله: أقعودا وَقد سَار النَّاس، كَمَا قَالَ: (أطربا وَأَنت قنسرى ... ) فَإِنَّمَا قَالَ إِنْكَار على نَفسه الطَّرب وَهُوَ على غير حِينه

стр. 858

وَكَذَلِكَ إِن خبرت على هَذَا الْمَعْنى فَقلت: قيَاما - علم الله - وَقد قعد النَّاس، وجلوسا وَالنَّاس يسسيرون وَإِن شِئْت وضعت اسْم الْفَاعِل فى مَوضِع الْمصدر فَقلت: أقائما وَقد قعد النَّاس فَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ حَال وَالتَّقْدِير: أتثبت قَائِما، فَهَذَا يدلك على ذَلِك الْمَعْنى وَتقول فى بَاب مِنْهُ آخر: مَا أَنْت إِلَّا سيرا، وَمَا أَنْت إِلَّا ضربا، وَكَذَلِكَ: زيد سيرا،

стр. 859

وَزيد أبدا قيَاما وَإِنَّمَا جَازَ الْإِضْمَار؛ لِأَن الْخَاطِب يعلم أَن هَذَا / لَا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ، وَأَن الْمصدر إِنَّمَا يدل على فعله، فكأنك قلت: زيد يسير سيرا، وَمَا أَنْت إِلَّا تقوم قيَاما، وَإِن شت قلت: زيد سير يَا فَتى فَهَذَا يجوز على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون: زيد صَاحب سير، فأقمت الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَام الْمُضَاف؛ لما يدل عَلَيْهِ؛ كَمَا قَالَ الله : ﴿واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ إِنَّمَا هُوَ: أهل الْقرْيَة؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (ترفع مَا رتعت حَتَّى إِذا ادكرت ... فَإِنَّمَا هى إقبال وإدبار) أى ذَات إقبال وإدبار، وَيكون على أَنه جعلهَا الإقبال والإدبار لِكَثْرَة ذَاك مِنْهَا وَكَذَلِكَ

стр. 860

قَوْله : ﴿وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه﴾ الْوَجْه: وَلَكِن الْبر بر من آمن بِاللَّه وَيجوز أَن يوضع الْبر فى مَوضِع الْبَار على مَا ذكرت لَك فَإِذا قلت: مَا أَنْت إِلَّا شرب الْإِبِل - فالتقدير: مَا أَنْت إِلَّا تشرب شرب الْإِبِل، وَالرَّفْع فى هَذَا أبعد؛ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: مَا أَنْت إِلَّا سير فَالْمَعْنى: مَا أَنْت إِلَّا صَاحب سير؛ لِأَن السّير لَهُ فَإِذا قَالَ: مَا أَنْت إِلَّا شرب الْإِبِل فَفِيهِ فعل؛ لِأَن الشّرْب لَيْسَ لَهُ وَإِنَّمَا التَّقْدِير: إِلَّا تشرب شربا مثل شرب الْإِبِل، فَإِذا أَرَادَ / الضَّمِير فى الرّفْع كثر، فَصَارَ الْمَعْنى: مَا أَنْت إِلَّا صَاحب شرب كشرب الْإِبِل، فَهَذَا ضَعِيف خَبِيث وَمثل الأول قَوْله: (وَكَيف تواصل من أَصبَحت ... خلالته كأبى مرحب) يُرِيد: كخلالة أَبى مرحب فَهَذَا كَقَوْلِه : ﴿وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه﴾ وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر: (وَقد خفت حَنى مَا تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى الفقارة عَاقل)

стр. 861

وَاعْلَم أَن المصادر لَا تمْتَنع من إِضْمَار أفعالها " ذَا ذكرت مَا يدل عَلَيْهَا، أَو كَانَ بالحضرة مَا يدل على ذَلِك وقياسها قِيَاس سَائِر الْأَسْمَاء فى رَفعهَا ونصبها وخفضها، إِلَّا أَنَّهَا تبدل من أفعالها أَلا ترى قَوْله : ﴿فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين﴾ أَن قَوْله (أَرْبَعَة) قد دلّ على أَنَّهَا قد تمت فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْتَوَت اسْتِوَاء وَمثله: ﴿الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَئْ خَلقَهُ﴾ ؛ [لِأَن فعله خلَق] فَقَوله (أحسن) ؛ أى خلق حسنا خلقا، ثمَّ أَضَافَهُ وَمثل ذَلِك: ﴿وعد الله﴾ ؛ لِأَنَّهُ لما قَالَ: ﴿ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾ علم أَن ذَلِك وعد مِنْهُ، / فَصَارَ بِمَنْزِلَة: وعدهم وَعدا، ثمَّ أَضَافَهُ وَكَذَلِكَ: ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ لما قَالَ: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ أعلمهم أَن ذَلِك مَكْتُوب عَلَيْهِم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كتب الله ذَلِك وَمن زعم أَن قَوْله: ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ نصب بقوله: عَلَيْكُم كتاب الله - فَلَيْسَ يدرى مَا الْعَرَبيَّة؛ لِأَن الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة مَوضِع الْأَفْعَال لَا تتصرف تصرف الْأَفْعَال، فتنصب مَا قبلهَا فَمن ذَلِك قَوْله: (مَا إِن يمس الأَرْض إِلَّا منْكب ... مِنْهُ وحرف السَّاق طى الْحمل) وَذَلِكَ أَنه دلّ بِهَذَا الْوَصْف على أَنه منطو فَأَرَادَ: طوى طى الْمحمل فَهَذِهِ أَوْصَاف تبدل من الْفِعْل، لدلالتها عَلَيْهِ

стр. 862

(هَذَا بَاب مَا يكون من المصادر توكيدا) وَذَلِكَ قَوْلك: لَا إِلَه إِلَّا الله قولا حَقًا كَأَنَّك قلت: أَقُول قولا حَقًا؛ لِأَن قَوْلك لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ حق وَكَذَلِكَ لأضربنك قسما حَقًا لِأَنَّهُ بدل من قَوْلك: أقسم، وَكَذَلِكَ: لأقومن قسما / لِأَن قَوْلك: لأفومن فِيهِ لَام الْقسم وَمثله: (إنى لأمنحك الصدود وإننى ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل) فَإِن قَالَ قَائِل: ك قد تقع اللَّام فِيمَا لَا قسم فِيهِ قيل: تقع على تَقْدِير الْقسم؛ لِأَن قَوْلك: وَالله لَأَفْعَلَنَّ مُتَّصِل، وَلَو أقسم مقسم على فعل لم يَقع - لم يكن ليتصل بِهِ إِلَّا اللَّام وَالنُّون، فَإِنَّمَا حَقه الْقسم ذكر أَو حذف، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مثل الكعيت يعْنى البلبل، والجميل - إِنَّمَا هُوَ مصغر، وَإِن كَانَ تكبيره غير مُسْتَعْمل لعِلَّة قد ذَكرنَاهَا فى بَاب التصغير أَلا ترى أَنه يرد إِلَى الأَصْل فى جمعه، فَيجمع على تكبيره، وَذَلِكَ قَوْلك فى جمع كميت: كمت؛ كَمَا تَقول: أشقر وشقر؛ لِأَن الأَصْل أكمت، وَإِنَّمَا هُوَ مصغر تَصْغِير التَّرْخِيم وَكَذَلِكَ تَقول: كعنان، وجملان؛ لِأَن تكبيره: فعل؛ كَمَا تَقول فى النغر، والصرد، والجعل: جعلان، ونغران، وصردان

стр. 863

فَمثل ذَلِك كرْسِي، وقمرى إِنَّمَا هُوَ فعل، وَالْيَاء يَاء النّسَب / وَإِن لم يسْتَعْمل غير مَنْسُوب، وَلَيْسَ فِيهِ نسب إِلَى أَرض وَلَا رجل وَلَا غير ذَلِك وَمن المصادر مَا يَقع فى مَوضِع الْحَال فيسد مسده، فَيكون حَالا، لِأَنَّهُ قد نَاب عَن اسْم الْفَاعِل، وأغنى غناءه، وَذَلِكَ قَوْلهم: قتلته صبرا إِنَّمَا تَأْوِيله: صَابِرًا أَو مصبرا، وَكَذَلِكَ: جِئْته مشيا؛ لِأَن الْمَعْنى: جِئْته مَاشِيا فالتقدير: أمشى مشيا، لِأَن المجئ على حالات، والمصدر قد دلّ على فعله من تِلْكَ الْحَال وَلَو قلت: جِئْته إِعْطَاء لم يجز؛ لِأَن الْإِعْطَاء لَيْسَ من المجئ، وَلَكِن جِئْته سعيا، فَهَذَا جيد؛ لِأَن المجئ يكون سعيا قَالَ الله : ﴿ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا﴾ فَهَذَا اخْتِصَار يدل على مَا يرد مِمَّا يشاكلها، ويجرى مَعَ كل صنف مِنْهَا

стр. 864

صفحة فارغة

стр. 865

(هَذَا بَاب الْأَسْمَاء الَّتِى تُوضَع مَوضِع المصادر الَّتِى تكون حَالا) وَذَلِكَ قَوْلك: كَلمته فَاه إِلَى فى، وبايعته يدا بيد فَإِنَّمَا انتصب؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ: كَلمته مشافهة، وبايعته نَقْدا، فَوضع قَوْله: (فَاه إِلَى فى) / مَوضِع مشافهة، وَوضع قَوْله: (يدا بيد) فى مَوضِع نَقْدا فَلَو قلت: كَلمته فوه إِلَى فى لجَاز؛ لِأَنَّك تُرِيدُ: كَلمته وفوه إِلَى فى وَأما بايعته يدا بيد فَلَا يجوز غَيره؛ لِأَن الْمَعْنى: بايعته نَقْدا، أى: أخذت مِنْهُ، وَأعْطيت، وَلست تخبر أَنَّك بايعته وَيَد بيد؛ كَمَا أَنَّك كَلمته وفوه إِلَى فِيك وَلَكِن تَقول: بايعته يَده فَوق رَأسه، أردْت: وَيَده فَوق رَأسه، أى: وَهَذِه حَاله؛ لِأَن هَذَا لَيْسَ من نعت الْمُبَايعَة؛ كَمَا كَانَ قَوْلك: مشافهة ونقدا من نعت الْفِعْل، فَكَذَلِك بايعته وَيَده فى يدى

стр. 866

وَاعْلَم أَن من المصادر مَا يدل على الْحَال وَإِن كَانَ معرفَة وَلَيْسَ بِحَال، وَلَكِن دلّ على مَوْضِعه، وَصلح للموافقة، فنصب، لِأَنَّهُ فى مَوضِع مَا لَا يكون إِلَّا نصبا وَذَلِكَ قَوْلك: أرسلها العراك وَفعل ذَلِك جهده وطاقته، لِأَنَّهُ فى مَوضِع: فعله مُجْتَهدا، وأرسلها معتركة؛ لِأَن الْمَعْنى: أرسلها وهى تعترك، وَلَيْسَ الْمَعْنى أرسلها؛ / لتعترك قَالَ الشَّاعِر: (فأرسلها العراك وَلم يذدها ... وَلم يشفق على نغص الدخال)

стр. 867

وَاعْلَم أَن هَذِه المنتصبات عَن المصادر فى مَوضِع الْأَحْوَال، وَلَيْسَت بأحوال، وَلكنهَا مُوَافقَة، وموضوعة فى مَوَاضِع غَيرهَا؛ لوقوعها مَعَه فى الْمَعْنى وَكَذَلِكَ: جاءنى الْقَوْم قاطبة، وطرا إِنَّمَا مَعْنَاهُ: جاءنى الْقَوْم جَمِيعًا، وَلَكِن وَقع (طَرَأَ) فى معنى الْمصدر؛ كَمَا تَقول: جاءنى الْقَوْم جَمِيعًا إِذا أَخَذته من قَوْلك: جمعُوا جمعا وَقد يكون الْجمع اسْما للْجَمَاعَة قَالَ الله : ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فَأَما قَوْلك: (طَرَأَ) فقد كَانَ يُونُس يزْعم أَنه اسْم نكرَة للْجَمَاعَة وَإِن لم يَقع إِلَّا حَالا وَيُقَال: طررت الْقَوْم، أى: مَرَرْت بهم جَمِيعًا وَقَالَ النحويون سوى يُونُس: إِنَّه فى مَوضِع الْمصدر الذى يكون حَالا

стр. 868

(هَذَا بَاب الاسماء الْمَوْضُوعَة فى مَوَاضِع المصادر إِذا أُرِيد بهَا ذَلِك / أَو أُرِيد بهَا التوكيد جرت على مَا قبلهَا مجْرى كلهم وأجمعين) وَذَلِكَ قَوْلك: مَرَرْت بزيد وَحده، ومررت بأخويك وَحدهمَا، ومررت بالقوم خمستهم، ومررت بهم ثَلَاثَتهمْ، وَأَتَاهُ الْقَوْم قضهم بقضيضهم أما قَوْلك: مَرَرْت بزيد وَحده فتأويله: أوحدته بمرورى إيحادا؛ كَقَوْلِك: أفردته بمرورى إفرادا وقولك: (وَحده) فى معنى الْمصدر، فَلَا سَبِيل إِلَى تَغْيِيره عَن النصب وَأما قَوْلك: مَرَرْت بالقوم خمستهم فَجَائِز أَن تجريه على الأول فَتَقول: مَرَرْت بالقوم خمستهم، وَمَا أشبه الْخَمْسَة من قَوْلك: ثَلَاثَتهمْ، وأربعتهم، وَالْمعْنَى مُخْتَلف لِأَنَّك إِذا قلت: مَرَرْت بالقوم خمستهم - فَمَعْنَاه: بهؤلاء تخميسا؛ كَقَوْلِك: مَرَرْت بِهِ وَحده؛ أى: لم أخلط مَعَه أحدا فَكَذَلِك قَوْلك فى الْجَمَاعَة إِنَّمَا هُوَ خصصتهم وَإِذا قلت: مَرَرْت بالقوم خمستهم - فَهُوَ على أَنه قد علم أَنهم خَمْسَة، فَإِنَّمَا أجْرى مجْرى / كل أَرَادَ: مَرَرْت بالقوم كلهم، أى: لم أبق من هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة أحدا فَالْمَعْنى يحْتَمل أَن تكون قد مَرَرْت بغيرهم؛ كَمَا أَنَّك إِذا قلت: مَرَرْت بإخوتك كلهم جَازَ أَن تكون قد مَرَرْت بغيرهم أَيْضا

стр. 869

وَأما قَوْلك: مَرَرْت بالقوم قضهم بقضيضهم فعلى هَذَا كَأَنَّك قلت: مَرَرْت بالقوم كلهم وجماعتهم وَمن قَالَ: قضهم بقضيضهم أَرَادَ: انقضاضا، أى: انقض أَوَّلهمْ على آخِرهم

стр. 870

وَلَا يجوز مَرَرْت بزيد كُله؛) ؛ لِأَن (كلا) لَا يقوم فى هَذَا الْموضع، وَلَا يجوز: مَرَرْت بأخويك اثنيهما؛ لِأَن الِاثْنَيْنِ هما الْهَاء وَالْمِيم، والشئ لَا يُضَاف إِلَى نَفسه وَإِنَّمَا قلت: خمستهم؛ لِأَن (هم) لكل جمع، فاقتطعت من الْجمع شَيْئا، فأضفته إِلَى جَمِيعه، فَصَارَ مُخْتَصًّا بِهِ و (هما) لَا يكون إِلَّا تَثْنِيَة فَإِن قلت: فَأَنت تَقول: كِلَاهُمَا منطلق ف (كلا) لَا يكون إِلَّا لاثْنَيْنِ، فَلم أضفته إِلَى ضميرهما؟ فَالْجَوَاب فى ذَلِك: أَن (كلا) اسْم وَاحِد فِيهِ معنى التَّثْنِيَة، فَإِنَّمَا أضفت وَاحِدًا إِلَى اثْنَيْنِ أَلا ترى أَنَّك تَقول: الِاثْنَان منطلقان، وَكِلَاهُمَا منطلق، وكلانا كَفِيل ضَامِن عَن صَاحبه فَإِنَّمَا تَأْوِيله: كل وَاحِد / منا؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (أكاشره وَأعلم أَن كِلَانَا ... على مَا سَاءَ صَاحبه حَرِيص)

стр. 871

وَمَعَ هَذَا إِن التَّثْنِيَة إِنَّمَا تخرج عَن الْوَاحِد تَقول: رجل ورجلان، وَامْرَأَة امْرَأَتَانِ فَمن هَذَا الْوَجْه أَيْضا إِذا قلت للْوَاحِد: مَرَرْت بِهِ وَحده، قلت للاثنين: مَرَرْت بهما وَحدهمَا فَذا بَين جدا فَأَما قَوْلهم: هَذَا نَسِيج وَحده فَلَا معنى لَهُ إِلَّا الْإِضَافَة، لِأَنَّهُ يخبر أَنه لَيْسَ فى مِثَاله أحد، فَلَو لم يضف إِلَيْهِ لقَالَ: هَذَا نَسِيج إفرادا فالإضافة فى الْحَقِيقَة إِلَى الْمصدر وَكَذَلِكَ عيير وَحده، وجحيش وَحده وَلَو قَالَ: جحيش نَفسه وعيير نَفسه وَحدهَا لصلح؛ لِأَنَّهُ الرجل الذى يخْدم نَفسه وَحدهَا فَهَذَا بَين جدا وَكَانَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش لَا يُجِيز: اخْتصم أَخَوَاك كِلَاهُمَا، وَلَا اقتتل أَخَوَاك كِلَاهُمَا،

стр. 872

وَيَقُول: (اخْتصم) لَا يكون إِلَّا من اثْنَيْنِ أَو أَكثر، وَإِنَّمَا أَقُول: جاءنى أَخَوَاك كِلَاهُمَا؛ لأعْلم السَّامع أَنه لم يَأْتِ وَاحِد، وَكَذَلِكَ: جاءنى إخْوَتك كلهم؛ لأعْلم أَنى لم أبق / مِنْهُم وَاحِدًا، فَقيل لَهُ: فَقل: اخْتصم أَخَوَاك كِلَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يلتبس بِمَا بعد التَّثْنِيَة، فَذهب إِلَى أَن (كِلَاهُمَا) يكثر بِهِ، وَلَا يقلل بِهِ وَهَذَا قَول كثير من النَّحْوِيين وَلَيْسَ كَمَا قَالَ إِذا حدد وَذَلِكَ أَن (كلا) عُمُوم؛ لِأَن الْأَعْدَاد قد يقْتَصر على الشئ مِنْهَا، فَيكون كلَاما، فَتَقول: جاءنى بَنو فلَان، فَيجوز أَن تعنى بَعْضًا دون الْكل فَإِذا قلت: كلهم دخلت لتدل على الْعُمُوم و (كلا) لَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا تقع على الِاثْنَيْنِ وَأَنت تُرِيدُ كل وَاحِد مِنْهُمَا فَهَذَا لَا يَقع إِلَّا على مَا وَصفنَا لِأَن جمَاعَة أَكثر من جمَاعَة، وَلَا يكون اثْنَان أَكثر عددا من اثْنَيْنِ فَتَقول: تَكْثِير أَو تقليل وَمن قَول الْأَخْفَش أَنه لَا يجوز: اسْتَوَى زيد وَعَمْرو كِلَاهُمَا: لِأَن الاسْتوَاء لَا يكون من وَاحِد، إِذا أَرَادَ: سَاوَى فلَان فلَانا، بل يدْخل فى بَاب اقتتل، واختصم، وَنَحْوه وَإِنَّمَا تستخرج هَذِه الْمسَائِل بالتفتيش وَالْقِيَاس وَاعْلَم أَن من الْأَسْمَاء أَسمَاء محتمله لَا تنفصل بأنفسها فَمَتَى مَا سمع مِنْهَا شئ علم أَن صَوَابه أَن يكون مَحْمُولا على غَيره، وَذَلِكَ قَوْلك: / جاءنى رجل آخر لَا يجوز هَذَا إِلَّا أَن

стр. 873

تكون قد ذكرت قبله رجلا، فَتَقول: جاءنى فلَان وَرجل آخر، أَو يَقُول الْقَائِل: هَل جَاءَك فلَان؟ فَتَقول: جاءنى رجل آخر وَكَذَلِكَ: سَائِر كَذَا وَكَذَا لَا يكون إِلَّا مُضَافا إِلَى شَيْء قد ذكر بعضه تَقول: رَأَيْت الْأَمِير دون سَائِر الْأُمَرَاء، وجاءنى عبد الله وَتَأَخر عَنى سَائِر إخواتى، إِذا كَانَ عبد الله أَخَاك، فَإِن لم يكن أَخَاك لم تجز الْمَسْأَلَة إِذا لم يكن بَعْضًا أضفت السائر إِلَيْهِ وَلَو قلت: أتتنى جاريتك وَامْرَأَة أُخْرَى [كَانَ جَائِزا، وَلَو قلت: أتتنى جاريتك وَرجل آخر لم يجز، وَكَذَلِكَ لَو قلت: أتانى إخْوَتك، وَامْرَأَة أُخْرَى كَانَ] غير جَائِز فَإِن قلت: أتانى أَخُوك، وإنسان آخر جَازَ وَإِن عنيت بالإنسان امْرَأَة؛ لِأَن الْبَاب الذى ذكرتها بِهِ يجمعها وَكَذَلِكَ: جاءتنى جاريتك وإنسان آخر، وَأَنت تعنى بالإنسان رجلا فَهُوَ جيد بَالغ فَأَما قَوْله: (صلى على عزة الرَّحْمَن وابنتها ... ليلى وَصلى على جاراتها الْأُخَر) فَإِنَّهُ جعل ابْنَتهَا جَارة لَهَا، وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز أَلا ترى إِلَى قَول الله : (فَعِدَّةٌ

стр. 874

مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لما قدم من ذكر الْأَيَّام وَكَذَلِكَ: ﴿مِتْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فَهَذَا بَاب هَذَا وَكَانَ حد (آخر) أَن يكون مَعَه (من كَذَا، وَكَذَا) إِلَّا أَن / (أفعل) يَقع على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون نعتا قَائِما فى المنعوت، نَحْو: أَحْمَر، وأصفر، وأعور وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون للتفضيل، نَحْو: هَذَا أفضل من زيد، وأكبر من عبد الله فَإِن أردْت هَذَا الْوَجْه لم يكن إِلَّا أَن تَقول: من كَذَا وَكَذَا، أَو بِالْألف وَاللَّام؛ نَحْو: هَذَا الْأَصْغَر، والأكبر فَأَما قَوْله فى الآذان: الله أكبر - فتأويله: كَبِير؛ كَمَا قَالَ : ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه﴾ فَإِنَّمَا تَأْوِيله: وَهُوَ عَلَيْهِ هَين؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَال: شئ أَهْون ليه من شئ وَنَظِير ذَلِك قَوْله

стр. 875

(ولعمرك مَا أدرى - وإنى لأوجل - ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول) أى: إنى لوجل فَأَما إِذا أردْت من كَذَا وَكَذَا فَلَا بُد من (مِنْهُ) أَو الْألف وَاللَّام؛ كَقَوْلِك: جاءنى زيد وَرجل آخر، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: آخر مِنْهُ وَلَكِن علم أَن الآخر لَا يكون إِلَّا بعد مَذْكُور أَو بعد أول، فَلم يحْتَج إِلَى (مِنْهُ) وَالدَّلِيل على أَن الأَصْل هَذَا قَوْلهم فى مؤنثه: أُخْرَى؛ كَمَا تَقول: هَذَا أول مِنْك، وَهَذِه الأولى، والأوسط، وَالْوُسْطَى، والأكبر والكبرى فلولا أَن (آخر) قد اسْتغنى فِيهِ عَن ذكر (من كَذَا) لَكَانَ لَازِما؛ كَمَا يلْزم قَوْلك: / هَذَا أول من ذَاك؛ وَلذَلِك قلت فى أخر بِغَيْر الصّرْف؛ لِأَنَّهَا محدودة عَن وَجههَا؛ لِأَن الْبَاب لَا يسْتَعْمل

стр. 876

إِلَّا بِالْألف وَاللَّام أومن كَذَا فَلَمَّا سقط (من كَذَا) سقط مَا يُعَاقِبهُ، فَلم يصرف قَالَ الله عز ذكره (وَأخر متشابهات) فَلم يصرف وَقَالَ: (فَعدَّة من أَيَّام أخر) ، فَلم يصرف فهذان دليلان بينان مَعَ الْمَعْنى الذى يجمعه وَاعْلَم أَن (أفعل) إِذا أردْت أَن تضعه مَوضِع الْفَاعِل فمطرد فَمن ذَلِك قَوْله: (قبحتم يَا آل زيد نَفرا ... ألام قوم أصغرا وأكبرا) يُرِيد: صَغِيرا وكبيرا فَهَذَا سَبِيل هَذَا الْبَاب

стр. 877

(هَذَا بَاب مسَائِل (أفعل) مستقصاة بعد مَا ذكرنَا من أُصُوله) تَقول: مَرَرْت بِرَجُل خير مِنْك أَبوهُ، وجاءنى رجل خير مِنْك أَخُوهُ، وَرَأَيْت رجلا أفضل مِنْك أَخُوهُ يخْتَار فى هَذَا الرّفْع والانقطاع منا الأول؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْم الْفَاعِل الذى يجرى على الْفِعْل؛ نَحْو: فَاعل وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا هُوَ اسْم الْفَاعِل، نَحْو: مَرَرْت بِرَجُل حسن أَبوهُ؛ لِأَنَّهُ اسْم من حسن يحسن، ومررت بِرَجُل كريم أَبوهُ / لِأَنَّهُ من كرم كضارب من ضرب و (أفضل) فِيهِ معنى الْفِعْل، فَإِن أجريته على الأول فبذلك الْمَعْنى، كَأَنَّك قلت: يفضله أَبوهُ وَإِن لم تجره فَلَمَّا ذكرت لَك، وَهُوَ الْبَاب فَإِن جرى على الأول أتبعته؛ لِأَنَّهُ نعت لَهُ خَاصَّة، وَذَلِكَ قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل خير مِنْك، ومررت بدرهم سَوَاء يَا فَتى، ومررت بِرَجُل سَوَاء درهمه فَإِن قلت: بِرَجُل سَوَاء هُوَ والعدم خفضت؛ لِأَن (سَوَاء) لَهُ خَاصَّة فعلى هَذَا يجرى هَذَا الْبَاب ثمَّ نذْكر الْمسَائِل، ونقول: مَا رَأَيْت رجلا أحسن عِنْده زيد من عَمْرو فجريت (أحسن) على الأول خلافًا لما ذكرت أَنه الْمُخْتَار، وَلم يجز هَاهُنَا غَيره؛ وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فى عينه الْكحل مِنْهُ فى عين زيد، فَأَرَدْت أَن ترفع (أحسن) كنت قد أضمرت قبل الذّكر، وَذَلِكَ لِأَن الْهَاء فى قَوْلك (مِنْهُ) إِنَّمَا هى الْكحل وَلَو قلت: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فى عينه الْكحل مِنْهُ فى عين زيد - كنت قد فصلت

стр. 878

بَين الْكحل وَمَا هُوَ لَهُ بِمَا لَيْسَ من الْكَلَام، وَوَضَعته فى / غير مَوْضِعه، فَإِن أخرت الْكحل، فَقلت: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فى عينه مِنْهُ فى عين زيد الْكحل وَأَنت تقدر أَن (أحسن) هُوَ الِابْتِدَاء - كَانَ خطأ لما قدمت من ضمير الْكحل قبل ذكره

стр. 879

وَإِن قدرت أَن يكون (الْكحل) هُوَ الِابْتِدَاء فجيد بَالغ، وتأخيره كتقديمه فكأنك قلت مَا رَأَيْت رجلا الْكحل فى عينه أحسن مِنْهُ فى عين زيد وَكَذَلِكَ لَو قلت: مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله فِيهَا الصَّوْم مِنْهُ فى عشر ذى الْحجَّة [كَانَ هُوَ الْوَجْه إِلَّا أَن تقدم فَتَقول: مَا من أَيَّام الصَّوْم أحب إِلَى الله فِيهَا مِنْهُ فى عشر ذى الْحجَّة] أَو تُؤخر الصَّوْم، وَمَعْنَاهُ التَّقْدِيم، فَيكون كتأخيرك الْكحل فى الْمَسْأَلَة الأولى وَتقول: زيد أفضل مِنْهُ عبد الله، وَرَأَيْت زيدا أفضل مِنْهُ عبد الله أردْت: رَأَيْت زيدا عبد الله أفضل مِنْهُ، فتجعله ابْتِدَاء وخبرا فى مَوضِع الْمَفْعُول الثانى وَأما قَوْلهم: مَرَرْت بِرَجُل أَخبث مَا يكون أَخبث مِنْك أَخبث مَا تكون، ومررت بِرَجُل خير مَا يكون خير مِنْك خير مَا تكون فَهَذَا على إِضْمَار إِذْ كَانَ، وَإِذا كَانَ، وَاحْتمل / الضَّمِير؛ لِأَن الْمَعْنى يدل عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير: مَرَرْت بِرَجُل خير مِنْك إِذا كَانَ خير مَا يكون إِذا كنت خير مَا تكون

стр. 880

وَمثل هَذَا قَوْلك: هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ تَمرا فَإِن أَوْمَأت إِلَيْهِ وَهُوَ بسر، تُرِيدُ: هَذَا إِذْ صَار بسرا أطيب مِنْهُ إِذا صَار تَمرا، وَإِن أَوْمَأت إِلَيْهِ وَهُوَ تمر قلت: هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ تَمرا، أى هَذَا إِذْ كَانَ بسرا أطيب مِنْهُ إِذْ صَار تَمرا، فَإِنَّمَا على هَذَا يُوَجه؛ لِأَن الِانْتِقَال فِيهِ مَوْجُود فَإِن أَوْمَأت إِلَى عِنَب قلت: هَذَا عِنَب أطيب مِنْهُ بسر، وَلم يجز إِلَّا الرّفْع؛ لِأَنَّهُ لَا ينْتَقل فَتَقول: هَذَا عِنَب أطيب مِنْهُ بسر، تُرِيدُ: هَذَا عِنَب الْبُسْر أطيب مِنْهُ فَأَما هَذَا الْبَيْت فينشد على ضروب: (الْحَرْب أول مَا تكون فنية ... تسْعَى بزينتها لكل جهول)
следующие страницы →