← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 696

عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر

محمود شكري الألوسي

Полный текст (325 стр.). Показаны 134–173 · переход к 139.

стр. 134

وهو قليلٌ جدًّا؛ كما قال ابن الصلاح (١)، وإن أثبته الحافظُ في شرحه بكثرةٍ؛ حيث قال: "ومن أحسَنِ ما يتقرَّر به كونُ المتواتر موجودًا وجودَ كَثْرة في الأحاديث: أن الكُتُبَ المشهورةَ المتداوَلَةَ بأيْدي أهلْ العلْمِ شرقًا وغربًا، المقطوعَ عندهم بصحَّة نسبتها إلى مصنِّفِيها: إذا اجتمعَتْ على إخرجِ حديثٍ، وتعدَّدَتْ طرقه تعدُّدًا تحيلُ العادةُ تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلْمَ اليقينيَّ بصحَّة نسبته إلى قائله، ومثلُ ذلك في الكُتُب المشهورة كثيرٌ" (٢). انتهى. فإنَّ المحقِّق ابن أبي شريف (٣) قد رَدَّ ذلك في حاشيته بقوله بعد ما ساق العبارة: "قد يقال عليه: لا يلزمُ نسبةَ الكُتُب إلى مصنِّفيها: أن يكونَ ذلك القطْع حاصلًا عن التواتر؛ فقد يكون حصوله بخبر الآحاد، المحفوفِ بالقرائن؛ وإلَّا فهذا صحيحُ البخاريِّ الذي هو أصحُّ كُتُبِ

стр. 135

الحديث، لا يُرْوَى بالسماع المتَّصِلِ إلا عن الْفَرَبْرِيّ (١)؛ بل وغالبُ الكُتُب المشهورة لا يبلُغُ فيما نعْلَمُ عَدَد رواتها عن مصنِّفيها الذي يتَّصِل الإسناد في عَصْرنا إليهم سماعًا - عَدَدَ المتواتر. وقد يجابُ: بأن كون من عُلِمَتْ رواته دون عدد التواتر لا يستلزمُ كونَ الرواة في كل عصْرٍ أو في بعض الأعصار دون عدد التواتر؛ فكمْ من سامع مات قبل أن يُسْمَعَ منه؟! وكم من مستَمِعٍ لم يضبطْ جميعَ مَنْ سمع منه؟! بل ولا واحدٌ منهم في طبقة سَمِعَ؛ فمات ذِكْر روايته بموته؛ وهكذا في كل عصر؛ كما أجيبَ بمثله عن هذا الإيراد؛ حيث أورد على القول بتواتر القرآن الكريم بالقراءات المعروفة مع السبعة والعشرة، بل قد سمِعَ الصحيحَ من البخاريِّ -غَيْرَ الفَرَبْرِيِّ- عَدَدٌ، بعضهم يبلغ التواتر؛ غير أن الفَرَبْرِيّ تأخَّرَتْ وفاته، فعَكَفَ الناسُ على الأَخْذ عنه؛ كما صرَّح بذلك (٢)، وقد اتفق ذلك في بعض الكُتُب. "

стр. 136

[المتواتر المعنوي] (١) وأما المعنويُّ (٢): فهو أن يتواتَرَ معنَىَ في ضمن ألفاظٍ مختلفةٍ، ولو كان ذلك المعنى المشتَرَك فيه بطريق اللزوم؛ كما إذا أخبر واحدٌ عن حاتم (٣) بأنه أعطى دينارًا، وآخر أنه أعطَى بعيرًا، وآخر أنه أعطى فرسًا، وهلم جرًّا؛ فإنَّ المخبرين -وإن اختلفوا في الأداء- فقد اتفقوا على معنى كليٍّ وهو الإعطاء، وهو دُونَ التواتُرِ اللفظيِّ؛ لأَجْل الاختلاف في طريق النقل؛ قال الشيخ أبو إسحاق (٤): "ولا يكاد يقعُ الاحتجاجُ به إلا في شيء من الأصول، ومسائل قليلة من الفروع؛ كغَسْل الرجلَيْن مع

стр. 137

الروافض، (١) والمسح على الخُفَّيْن مع الخوارج" (٢).

стр. 138

وأما الأوَّل (١): فهو مفيد للعلْمِ الضَّرُورِيِّ (٢)، أي: الحاصلِ عند سماعه مِنْ غَيْر احتياجٍ إلى نظر وكَسْب؛ لحصوله ممن لا يتأتَّى منه النظَرُ؛ كالبُلْهِ والصِّبْيَان؛ وهذا هو الصحيحُ الذي ذَهَبَ إليه الجمهورُ من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين (٣).

стр. 139

وذهب الكَعْبِيُّ (١) من المعتزلة (٢): إلى أنه نَظَرِيٌّ؛ وفسَّر ذلك إمام الحَرَمَيْن (٣) في "البُرْهَان" (٤) بتوقُّفه على مقدِّماتٍ حاصلةٍ

стр. 140

عند السامع (١)، وهي: ما مَرَّ من الأمور المحقِّقة لكَوْن الخبر متواترًا، بمعنى الاحتياج إلى النَّظَر عَقِبَ السَّمَاع؛ فلا خلاف في المعنَى في أنه ضروريٌّ؛ لأن توقُّفَهُ على تلك المقدِّمات لا ينافي كَوْنَهُ ضروريًّا؛ وتوقَّفَ الآمِدِيُّ (٢) والشَّرِيف المُرْتَضَى (٣) عن القَوْل بواحد من الضروريِّ

стр. 141

والنظريِّ (١)، وصحَّح القوْلَ بالوَقْف صاحب "المصادر". وهو متَّفِقٌ للسامعين (٢) إن كان لكثرة العدد في رُوَاته، أي: يجب حصوله لكلِّ من السامعين، وما يَحْصُلُ منه لقرائنَ زائدةٍ على أقلِّ عددٍ صالحٍ له يختلفُ؛ فيحصُلُ لزيد دون غيره من السامعين -مَثَلًا- لأنَّ القرائن قد تَقُومُ عند شخْصٍ دون آخر، أما الخَبَرُ المفيدُ للعِلْمِ بالقرائن المُنْفَصلةً عنْهُ: فليس بمتواتر. وقيل: يجبُ حصولُ العلْم من المتواتر لكُلٍّ من السامعين مطلقًا؛ لأنَّ القرائن في مثْلِ ذلك ظاهرةٌ لا تَخْفَى على أَحَدٍ منهم. وقيل: لا يجبُ ذلك مطلقًا، بل قد يحصُلُ العلْمُ لكُلٍّ منهم، ولبعضهم فقطْ؛ لجواز ألَّا يحصُلَ العلْمُ لبعْضٍ بكَثْرة العدد؛ كالقرائن (٣).

стр. 142

هذا: وقوله: "جَمْع" يخرجُ خَبَرَ الواحد. وقوله: "يَسْتَحِيلُ عَادَةً تواطؤهُمْ … إلى آخره" يُخْرِجُ خبَرَ جمعٍ لا يمتنُع فيهم ذلك. وقوله: "واستند … إلى آخره". يُخْرِجٌ ما استند إلى معقول، كما مَرَّ؛

стр. 143

[المشهور] (١) وإن "رواه" أي: الخَبَرَ -أكْثَرُ منَ اثنيَنْ، كثلاثة وأربعة وخمسة -مثلًا- وقد تَبِعَ المصنِّف بهذا ابْنَ الصَّلاح (٢). لكن اختاَر ابْنُ الحاجب والآمِدِيُّ الغَزَّالِيُّ: أنَّ أقلَّهُ: ما زادَتْ نَقَلَتُهُ على ثلاثة، مالم يبلُغْ حدَّ التواتر (٣) وبه جزم الجَزَرِيُّ (٤) في

стр. 144

منظومته (١) التي نظَمَهَا في هذا العِلْمِ؛ حيثُ قال: [من الرجز]: وَالْخَبَرُ الْمَشْهُورُ مَا يَرِوْيهِ … فَوْقَ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْوَجِيهِ. أي: عن راو ذي وَجَاهَة، ولم تجتمعْ فيه شروطُ المتواتر الثلاثَةُ السابقةُ، وهي. ١ - رواية العَدَدِ الكثير في سائر الطَّبَقَاتِ. ٢ - واستِحَالَةُ تواطُئهمْ على الكَذِبَ. ٣ - والاستِنَادُ إلى الحِسِّ. وهذا هو الحَقُّ الحَقِيقُ بالقَبُول. وأمَّا ما ذهب إليه الحافِظُ في "شرحه" من أنها أربعةٌ بل خمسةٌ. "أولها: أن يَرْويَهُ عدد كثير. الثاني: أنْ تُحِيَل العادةُ تواطُؤَهم وتوافُقَهُمْ على الكذب" الثالث: أن يَرْوُوا ذلك عن مِثْلهم مِنَ الإبتداء إلى الانتهاء، أي: في جميع طبقاتِهِ إن كانَتْ له، والمرادُ بالمماثلة: المماثلةُ في أَصْل الكثرة، بألاَّ تَنْقُصَ طَبَقةٌ من الطبقات عن حَدِّ الكثرة الذي سَبَقَ، لا في عدد آحادها؛ فلا يَرِدُ شَيءٌ من حيثُ زيادةُ الآحادِ ونقصانُهَا، حتى يحتاجَ إلى التأويل الذي ذكَرَهُ الشارح، على أنَّه يَخْتَلُّ به التعريفُ جَمْعًا، فتأمَّلْ.

стр. 145

الرابع: أن يكونَ مستَنَدُ انتهائِهِمُ الحِسَّ، أي: ينتهِيَ إلَى واقعة قوليَّة أو فعليَّة. الخامس: أنْ ينضافَ إلَى ذلك أنْ يَصْحَبَ خَبَرهُمْ إفادَةُ العلْمِ لسامعه" (١). فمخالفٌ لما ذَكَره أغلَبُ المحقِّقين من أنَّ الشروط ثلاثةٌ، مع أنَّ في عدِّ الأخير شرطًا للمتواتر نَظَرٌ؛ لأنَّ إفادَةَ العلْمِ حُكْمُ المتواتر؛ فكيفَ يُجْعَلُ ذلك الشيءُ شرطًا له وداخلًا في تعريفه؛ فيلزمَ منه الدَّوْرُ. "فَهُوَ" أي: الخَبَرُ الذي رواه أكْثَرُ مِنِ اثنين، ولم تجتمعْ … إلى آخره "المَشْهُوُر" عند المحدِّثين، سمي بذلك؛ لظهوره ووضوحِهِ، وبَيْنه وبَيْن المتواتر مبايَنَةٌ. وقد اضْطَرَبَ كلامُ الحافظ في شَرْحه في هذا المقامِ؛ فصرَّح -أولًا- أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ حيثُ قال: "فكُلُّ متواتر مشهورٌ من غير عَكْس" (٢)، وثانيًا: بالمباينة؛ حيثُ قال: "ما لم يجتمعْ فيه شروطُ المتواتر" (٣). ويُمْكِنُ أن يجابَ: بأنَّ المشهورَ يُطْلَقُ على ما يقابل المتواتِرَ، وهو المراد ثانيًا، وعلى ما هو أعمُّ، وهو المراد أولًا. وعند جماعة من الأصولييِّن: أنَّ المشهور والمستفيض بمعنًى واحدٍ؛ لأنَّهما قِسْمٌ من الآحاد - في أرجح الأقوال وأقواها (٤) وهو: الشائعُ عن

стр. 146

أصْلٍ؛ بخلاف الشائع لاعن أصل؛ فإنه مقطوعٌ بكَذِبِهِ، سمي بالأول؛ لوضوح أمره؛ كما سبق؛ يقال: شَهَرْتُ الأمْرَ شَهْرًا وشُهْرة؛ فاشتهر وبالثاني؛ لانتشاره وشيوعه في الناس مِنْ فَاضَ الماءُ يَفيضُ فَيْضًا وفُيُوضَةَ: إذا كَثُرَ حتَّى سال. وذَهَبَ جَمْعٌ منهم: المَاوَرْدِيُّ (١)، والأستاذ أبو إسحاق (٢) -: إلى أن المشهور قِسْمٌ ثالثٌ غير المتواتر والآحاد. وذهَبَ أبو بكر الصَّيْرَفيُّ (٣)، والقَفَّال (٤): إلى أنه بمعنى المتواتر.

стр. 147

وفسَّره الماوَرْدِيُّ (١) في "الحاوي" (٢) الرُّويَانِيّ (٣) بما يقتضي: أنه أخصُّ من المتواتر، وأعلَى منه، حيث قالا (٤): الاِسْتِفَاضَةُ: أنْ ينتشِرَ مِنْ ابتدائِهِ بين البَرِّ والفاجر، ويتحقَّقَهُ العالمُ والجاهلُ، ولا يشكَّ فيه سامعٌ، إلى أن ينتهِيَ. قالا: "وهو أَقْوَى الأخبار وأثبتُها حُكْمًا، والتواتُرُ: أن يبتديء به الواحدُ بعد الواحد، حتى يكُثرَ عددُهُمْ ويبلغوا عددًا ينتفي عن مِثْلِهِمْ

стр. 148

التواطُؤ والغَلَط؛ فيكونُ في أوَّله من أخبار الآحاد، وفي آخره من التواتُرِ، ومرادُهُما بأوَّله: أولُ أمره لا أول الطَّبَقات من الأسفل. قالا: والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحَدُها: هذا. وثانيها: الاستفاضَةُ لا يُرَاعَى فيها عَدَالة المُخْبِرِ؛ بخلاف التواتر. وثالثها: أَنَّ الاستثناء في الاستفاضة مِنْ غير قَصْد، والاستثناء في التواتُرِ بالقَصْد. ويستويان: ١ - فَي انتفاء الشَّكِّ ووقوع العلْمِ بهما. ٢ - وعدم الحَصْرِ في العدد. ٣ - وانتفاء التواطُؤ على الكَذِب من المُخْبِرِين. ومثَّلا المستفيضَ بعدد الركعات، والتواتر بوجوب الزكاة". قال البَرَمَاوِيُّ (١) بعد نَقْله ما ذُكِرَ عنهما: "وما اشْتَرَطَاه في الإفاضة من عَدَدٍ يمتنُع تواطُؤُهُمْ على الكذب مفرَّعٌ على قولهما في شهادة الاستفاضة

стр. 149

بذلك؛ وبه قال ابْنُ الصَّبَّاغ (١) والغَزَّاليُّ (٢) والمتأخِّرون، قال الرافعي (٣): "هو أشْبَهُ بكلامِ الشَّافعيِّ، ولكن الذي اختاره الشَّيْخُ أبو حامد (٤) والشَّيْخ أبو إسحاق (٥)، وأبو حاتم القَزويِنِيُّ (٦): أن أقلَّ ما يثبُتُ به الاستفاضةُ

стр. 150

اثنانِ؛ وإليه مال إمام الحَرَمَيْن (١) " (٢) انتهى. وإنما أطنبنا الكلام وإن كان ذلك ليس هذا محلَّهُ ليقفَ الناظرُ على حقيقِة الحالٍ؛ ويُحِيطَ بما في هذا البحْثِ من المقال. ثُمَّ المشهور -كما يُطْلَقُ على ما ذكره المصنِّف- كذلك يُطْلَقُ على ما يشتَهِرُ على الألسنة؛ فيشمَلُ ماله إسنادٌ واحدٌ فصاعدًا؛ بل مالا يوجَدُ له إسنادٌ أصلًا؛ كما ذكره الحافظُ في شرحه (٣)، وأمثلته (٤) ما نُقِلَ عن الإمام أحمد ﵁ أنه قال: أربعَةُ أحاديثَ تدور في الأسواق، وليس لها أصلٌ في الاعتبار:

стр. 151

أحدها: "مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آذَارَ، بَشَّرْتُهُ بالْجَنَّةِ" (١). والثاني: "مَنْ آذَى ذِمِّيًّا، فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢). والثالث: "يَوْمُ نَحْرِكُمْ يَوْمُ صَوْمِكُمْ" (٣). والرابع: "للِسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ" (٤).

стр. 152

وإنَّما عَبَّر عَنْ "صَفَرٌ" بآذار؛ لأنَّهُ إما لغةُ الفُرْس؛ فإنهم يسمُّون هذا الشهر بآذَارَ، أولأنَّ شهْر صَفَرٍ وافقت التسميةُ له بآذار، والآذَارُ: النارُ، فعبَّر به، أو لوقوع الفِتَن والبلايا فيه؛ فهي كآذار إذا وقعَتْ في بلدة؛ ولهذا حَكَمُوا بشُؤْم صَفَر. وقال بعض العارفين: "سبَبُ هذا الحديث: أنَّ الله لما وعد رسولَهُ ﷺ بلقائه إياه في شهرِ ربيع الأوَّلِ- اشتاق رسولُ الله ﷺ إلى لقاء ربِّه، ووصالِ مَحْبوبه؛ فصَدَرَ عنْهُ هذا الحديثُ؛ لأنَّ البِشَارةَ بخروج صفر بشارةٌ بالوصول إلى المحبوب". قال العراقيُّ (١) في "شَرْح ألفيته" (٢): "وذَكَر ابن الصَّلَاح في أمثلة ما بلغَهُ عن الإمام أحمد ﵁ تلكَ الأربعةَ السابقَةَ، واعترَضَ بعضُهُمْ؛ حيث قال: "لا يصحُّ هذا عن الإمام"، وقد أخرج في "مسنده"

стр. 153

الحديثَ الرابعَ عن وكيع وعبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، كلاهما عن سفيانَ، عن مُصْعَبِ ابن محمدٍ، عن يَعْلَى بْنِ أبي يَحْيَى، عن فاطمةَ بنْتِ الحُسَيْن، عن أبيها الحُسَيْن بن علي ﵁ عن النبيِّ ﷺ وهو إسنادٌ جيِّدٌ، ويَعْلَى (١) وإن جهله أبو حاتم الرازيُّ فقد وثَّقه أبو حاتمِ بُنُ حِبَّانَ. وأما مصعبٌ (٢): فوثَّقه يحيى بن مَعِينٍ وغيره، وأخرجه أبو داود في "سننه"، وسكَتَ عنه؛ فهو عنده صالح (٣)، وأخرجه -أيضًا- من حديث عليٍّ،

стр. 154

وفي إسناده مَنْ لم يُسَمَّ، ورُوِّيناه -أيضًا- من حديثِ ابْنِ عَبَّاس، ومن حديث الهِرْمَاس بن زياد. وأما حديثُ: "مَنْ آذَى ذِمِّيًّا … " فقد رواه بنحوه أبو داود -أيضًا- وسكَت عنه من رواية صَفْوَان بن سُلَيْمٍ، عن عِدَّة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم دِنْيَةً (١) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إلاَّ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ فأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢) وهذا إسنادٌ جيدٌ، وإن كان فيه من لم

стр. 155

يُسَمَّ؛ فإنهم عدَّةٌ من أبناء الصحابة- ﵃ يَبْلُغُونَ حد التواتر الذي لا يشتَرَطُ فيه العدالةُ، وقد رُوِّيناه في سنن البيهقيِّ، عن ثلاثين من أبناء الصحابة ﵃. وأما الحديثان الآخران: فلا أصْلَ لهما؛ كما ذكره" (١). انتهى. قال البقاعي (٢) ناقلًا عن شيخه: والذي صحَّ عن أحمدَ ثلاثةُ أحاديثَ، وهي الأوَّل من الأربعة، والثاني منها، والثالثُ حديث السائل؛ لكنْ بلفظ: "لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ، مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ".

стр. 156

[العزيز] (١) "هذا، وَإِنْ "رَوَاهُ" أي: الخبر فيِ سَائِرِ طَبَقَاتِهِ اثْنَانِ" والمراد: ألَّا يرويَهُ أقَلُّ مَنْ ذلك عن مِثْلهم -: "فَهُوَ العَزِيزُ"؛ سمي [به]: إما لقلَّةِ وجوده؛ من باب عَزَّ يَعِزُّ - بكسر العين في المضارع - عِزًّ وَعَزَازَةً -بفتح العين-: إذا قَلَّ؛ ومنه قولُهُم: فلانٌ عزيزُ النظير، أي: قليلٌ وجود نظيرِهِ، وإما لكوْنه من: عَزَّ - أي: قَوِيَ والمضارع حينئذ-: يَعَزُّ - بالفتح- ومنه: "فَعَزَرْنَا هما بثالث".؛ وقولهم: "مَنْ عَزَّيَزَّ" أي: من قَوِيَ وغَلَب، سَلَبَ، وإنما كان هذا النوع قويًّا؛ لمجيئه من طريق أخرى. وليس التعدُّد في الرواة شرطًا للصحيح؛ بل قد يوجَدُ في الغريب، لكنِ الضعيفُ فيه كثيرٌ؛ ولهذا (٢) كَرِهَ جَمْعٌ من الأئمَّة تتبُّع الغريب، وقال أبو علي الجُبَّائِيُّ (٣) "إنَّه شَرْطٌ"؛ وإليه يوميء كلامُ الحاكمِ أبي عبد الله في

стр. 157

فُنُون الحديث؛ حيث قال: "الصحيحُ: أنْ يرويَهُ الصحابيُّ الزائلُ عنه اسْمُ الجَهَالة؛ بأن يكُونَ له راويان، ثم يتداولَهُ أهْلُ الحديث إلى وَقْتنا؛ كالشَّهَادة على الشَّهَادة" (١). والباء في قوله (٢): بِأَنْ … إلى آخره بمعنى "مع"؛ وحينئذٍ: يظهرُ وجه الإيماء. قال الحافظ في "شرحه" (٣) "صرَّح القاضي أبو بكر بنى

стр. 158

العَرَبِيُّ (١) في "شرح البخاري"؛ بأن ذلك شرطُ البخاريِّ (٢)، وأجابَ عما أُورِدَ عليه، بسبب ذلك- بجواب منظور فيه؛ لأنه قال: "فإن قيل: حديثُ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٣) فَرْدٌ لم يَرْوِهِ عن عُمَرَ إلا علقمةُ (٤): قلنا: قد خَطَبَ عمر على المِنْبَر بحَضْرة الصحابة، فلولا أنَّهم يعرفونُهُ، لأنكروه؛ كذا قال. ثم قال الحافظ: "وتُعُقِّبَ بأنه لا يلزَمُ مِنْ كونهم سكَتُوا عنه: أن يكونُوا سَمِعُوهُ من غَيْره، وبأنَّ هذا لو سُلِّمَ في عمر، مُنِعَ في تفرُّد علقمه (٥) عنه،

стр. 159

ثم تَفَرُّدِ محمد بن إبراهيم (١) به عن علقمة، ثم تَفَرُّدِ يحيى بن سعيد (٢) به

стр. 160

عَنْ محمد، على ما هو الصحيحُ المعرُوفُ عند المحدِّثين، وقد وَرَدَتْ لهم متابعاتٌ لا يُعْتَبَرُ بها؛ وكذا لا نُسَلِّمُ جوابَهُ في غير حديث عمر؛ قال ابن رُشَيْد (١): "ولقد كان يَكْفِي القاضِيَ في بُطْلان ما ادّعَى أَنَّه شَرْطُ البخاريِّ -: أوَّلُ حديثٍ مذكور فيه (٢). ثم قال: "وادَّعَى ابْنُ حِبَّان، " نقيضَ دَعْواه؛ فقال: "إن رواية اثنيَنْ عن اثنين إلى أن يَنْتَهى لا توجَدُ أصلًا قلت: إن أراد به" أنَّ روايةَ اثنَيْن فقط عن اثنينْ فقط لا توجَدُ أصلًا: - فيمكن أن يسلَّمَ. وأما صورة العزيز التي حرَّرناها فموجودةٌ بألاَّ يرويَهُ أقَلُّ من اثنين عن أقلَّ من اثنَيْن؛ مثاله: ما رَوَاهُ الشيخانِ من حديثِ أنَسٍ، والبخاريُّ من حديثِ أبي هريرة؛ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ

стр. 161

أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ والَدِهِ وَوَلَدِهِ … " (١) الحديثَ، ورواه عن أنس قتادةُ، وعبدُ العزيز بْنُ صُهَيْب، ورواه عن قتادَةَ: شعبةُ وسعيدُ بن عَرُوبَةَ، ورَوَاهُ عن عبد العزيز: إسماعيلُ بنُ عُلَيَّة، وعبدُ الوارثِ، ورواه عن كلٍّ جماعةٌ". انتهىٌ كلامه (٢). والمقصود من هذا المثال: الدَّلَالةُ على أنَّ هذا الحديثَ أخرجه البخاريُّ من طريقِهِ، ومسلمٌ من طريقٍ واحدٍ، وهو عزيزٌ من طريق أنس ﵁ كما حرَّره (٣) وأما من طريق أبي هريرة: فليس مفهومًا من كلامِهِ.

стр. 162

[الغريب] (١) "وَإِنْ رَوَاهُ" أي: الخبر "وَاحِدٌ" ولو في بعض الطبقاتِ -: "فَهُوَ الْغَرِيبُ"؛ سُمِّيَ به لغَرَابته، ويقال له - أي: للغريب-: الفَرْدُ المُطْلَقُ؛ إن كان التفرُّد في أصل السند، أوَّلِهِ ومَنْشئَه وآخِرِهِ، ونَحْوُ ذلك قد يُطْلَقُ ويرادُ به الطَّرَف الَّذي من جهة المُخَرِّج، والصارفُ إلى أحدهما المقامُ، والمرادُ -هنا- الأوَّلُ؛ كما يشيرُ إلى ذلك الشارحُ، وهو طَرَفُهُ الذي فيه الصحابيُّ، أي: الذي يَرْوِيه عن الصحابيِّ، وهو التابعيُّ، وإنما لم يُتَكَلَّمْ في الصحابيِّ؛ لأن المقصود ما يترتَّب عليه من القَبُولِ والرِّدِّ، والصحابةُ كلُّهُمْ عدولٌ. والسَّنَدُ والإسنادُ واحدٌ، وهو: حكايةٌ طريقِ المَتْن، أي: ذِكْرُ أسماء الرُّواة الَّذين وَصَلَ المتْنُ إلينا بواسِطَتهم، وقد يتغايَرَانِ؛ فيُرَاد ب "السَّنَد": الطريقُ الذي هوأسماءُ الرواة، وب "الإسناد": رفْعُ الحديثِ إلى قائِلهِ، والمراد الأوَّلُ.

стр. 163

وسمي ب "الفرد"؛ لتفرُّد الراوي، وبالمطلق؛ لأن الغَرَابة لم تُقيَّدْ بشيْء، بل سواء كان في أصله فقطْ، أوفي أصله ومَنْ رَوَى عنه، أوفي أصِلِه، واستمرَّتْ في أكثره أو في جميعِهِ: كحديث النهْي عن بيع الوَلَاء، وهو ما ورد مرفوعًا؛ "الوَلَاءُ لُحْمَهٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ؛ لَايُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوَرَّثُ وهِبَتُهُ" (١)؛ تفرَّد به أبو صالح، عن أبي هُرَيْرة، وتفرَّد به عبد اللهِ بْنُ دينار، عن ابن عُمَر، وكحديث شُعَب الإيمان، وهو: "الإْيمَانُ بضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فأَفْضَلهَا قَوْلُ لَا إله إلا الله، وأدْناها إمَاطَةُ الأْذَىَ عَنِ الطَّرِيقِ، والحْيَاَءُ شُعْبَةُ مِنَ الإْيمَانِ" (٢)؛ تفرَّد به أبو صالح، عن أبي هريرة، وتفرَّد به عبد الله بْنُ دينَار، عن أبي صالح" وكحديث "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" تفرَّد به علقمةُ، عن عُمَر، وانفرد به محمَّد بن إبراهيم التَّيْمِيُّ، عن علقمة، وتفرَّد به يحيى بْنُ سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيميِّ، ورواه عن يحيى بن سعيد عَدَدٌ كثيرٌ.

стр. 164

وفي "مسند البزار" (١) و"المعجم الأوسط" (٢)

стр. 165

للطَّبرانيِّ أمثلةٌ كثيرةٌ لذلك (١).

стр. 166

[الفرد النسبي] (١) و"إلاَّ" أي: وإن لم يكن التفرُّد في أصْلِ السنَدِ -: "فَهُوَ" أي: فالخبرُ المتصِفُ بذلك "الفَرْدُ النِّسْبِيُّ، سُمِّيَ نِسبيًّا؛ لكون التفرُّد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين وإنْ كان الحديثُ في نفسه مشهورًا؛ بأن كان مِنْ طرقٍ أُخَرَ، ثم ينفردُ فيها راوٍ، أي: مشهورٌ على ألسنة الناس، وقد يكُونُ بالنِّسْبة إلى بَلَدٍ معينَّ؛ كأن يقال: هو من أفراد الكوفيِّينَ أو الشامِيِّينَ، فإن أراد قائلُ ذلكَ (٢)؛ أنه رواه واحد منهم - فهو من الفَرْد المطلق. فإن قيل: "انفرادُ المُطْلَقِ -أيضًا- كذلك" قلنا: إنَّ الغرابة إذا كانَتْ في أصل السند، فكأنَّها وُجِدَتْ في الجميع؛ لأن الإسناد دائرٌ على ذلك الأصْلِ؛ بخلاف ما إذا كانتْ في الأثناء فالغرابة مختصَّة بذلك المعيَّن، مع أن المناسبة عنْدَ التسمية مناسبٌ، ولا يلزم من المناسبة التسمية. قال الحافظ في "شرحه" ويقلُّ إطلاق الفرديَّة عليه، لأنَّ الغريبَ والفَرْد مترادفانِ لغةً واصطلاحًا، إلا أنَّ أهْلَ الاصطلاح غَايَرُوا بينهما مِنْ حيثُ

стр. 167

كثْرَةُ الاستعمال وقلَّتُهُ؛ فالفَرْدُ أكْثَر ما يُطْلِقُونه على الفرد المُطْلَق، والغريب أَكْثَر ما يطلقونه على الفرد النسبيِّ ثم قال: [هذا من حيث إطلاق الأسْم] (١) عليهما، وأما من حيثُ استعمالُهُمُ الفعْلَ المشتَقَّ - فلا يفرِّقون؛ فيقولون في المُطْلَق والنِّسْبيِّ: تفرَّد به فلان، أو أَغْرَبَ به فلان" (٢). انتهى. قال المحقِّق الكمالُ بْنُ أبي شَرِيفٍ (٣): فيما زعمه من كونِهِمَا مترادفَيْنِ لغةً نظَرٌ؛ لأن الفرْدَ - في اللغة -: الِوَتْرُ، وهو الواحد، والغريب: مَنْ بَعُدَ وطنُهُ، والكلامُ الغريبُ: هو البعيدُ عن الفَهْم؛ فالقول بالترادُفِ لغةً باطلٌ (٤)، ثمَّ لما كان الغريبُ والفَرْدُ مترادفَيْنِ اصطلاحًا، والتفرقَةُ بين الفَرْد المطلق والفَرْد النسبيِّ استعمالا، فغايروا بينهما من جهة الاستعمال" (٥). أقول: قد أجيبَ عنه بأنَّ المراد بأنهما مترادفانِ لغةً بَحَسَبِ المآل (٦)،

стр. 168

وفيه أنَّ هذا يخالف ما نقل من تقريره. وقال الكمال - أيضًا -: "هذا التعليل - أعني: قوله: "لأنَّ الغريب … وإلى آخره" في خبر المنع؛ لأن الترادف إن لم يقتضي التسوية في الإطلاق - لم يقتضي ترجيح أحد المترادفَيْن فيه" (١). وأقول: جوابه في غاية الظهور؛ لأن الذي يستعمل اللفْظ في المعنَى مختارٌ في استعماله بلا ترجيحِ أحَدِ المترادفَيْن.

стр. 169

[دلالة خبر الآحاد] (١) "وَ مَا" أي: الخبر الذي هو "سِوَى المتواترِ" - سواءٌ كان مشهورًا "أم عزيزًا" أم غريبًا - يُقَالُ لَهُ "آحَادٌ" عَلَى الأَصَحِّ؛ وذهب قومٌ إلى أنَّ المشهور قسمٌ ثالثٌ غير المتواتر والآحاد، وما سَبَقَ من الكَلام يوضِّحُ لك المَرَامَ. ولنتعَّرضْ في هذا المقام لمسألة دعَتْنَا المناسبةُ لذكْرِها؛ تبعًا لجماعةٍ من الفضلاء في استطرادِهِمْ ذِكْرَ أَدْنَى ما يتعلَّقُ بغَرَضِهِمْ، وهي: أنَّ دلالة الآحاد ظنيَّةٌ؛ فلا يُقْطَعُ بِصدْقِها، وقد يفيد القَطْعَ والعِلْمَ اليقينيَّ؛ لقرينة احتفَّتْ به؛ كما في إخبار رَجُلٍ يَمُوتُ ولدُهُ المُشْرِفُ على الموت، مع قرينة البكاءِ وإحضار الكَفَن والنَّعْش؛ وهذا هو الأصحُّ الذي اختاره ابْنُ السّبْكِيِّ (٢)؛ وفاقًا للآمدي (٣)، وابن

стр. 170

الحاجب (١)، والبيضاوي (٢) وغيرهم. (٣) وقيل: لا يفيدُ العلْمَ مطلقًا؛ وعليه الأكثر (٤)، واختاره ابْنُ السبكي في "شَرْح المختصر" (٥). وقيل: يفيدُهُ مطلقًا (٦)؛ بشرط العَدَالَةِ؛ لأنَّه حديثٌ يجبُ العملُ به،

стр. 171

وإنما يجبُ العلْمُ بما يفيد العلْمَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَ لا تَقْفُ مَا لَيْسَ

стр. 172

لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ وأجيب: بأن ذلك فيما المطلوبُ به العِلْمُ من أُصُولِ الدِّين؛ كوحدانية الله تعالى؛ لما ثَبَتَ من وجوب العمل بالظنِّ في الفُرُوع، وتمامُ هذا البَحْثِ في أصول الفقه. (١) ولمَّا أراد المصنِّف أنْ يقسِّم الآحادَ فقَطْ إلى أقسامِهِ الآتية دون المتواتر؛ لأنه ليس من مباحث عِلْمِ الإسناد؛ بل من مباحث أُصُول الفقه (١٢)؛ لأنَّ

стр. 173

علم الإسناد علْمُ ما يبحثُ فيه عن صِحَّةِ الحديث أو ضَعْفِهِ؛ ليُعْمَلَ فيه أو يُتْرَكَ … إلى آخر ما سَبَقَ في الفوائد. والمتواتر لا يُبْحَثُ فيه عن رجاله؟ بل يجب العَمَلُ به من غير بَحْث - كما مَرَّ - ولذا تَرَكَ الحافظُ بيانَ شروطه في الأصْلِ، وقد ذكره المصنِّف؛ تكميلا للفائدة، ونِعْمَ ما صنع.
следующие страницы →