← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 696

عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر

محمود شكري الألوسي

Полный текст (325 стр.). Показаны 309–348 · переход к 314.

стр. 309

فإنَّ موسى ابْنَ إسماعيلَ المِنْقَرِيَّ رواه عن وُهَيْبِ بنِ خالدٍ الباهليِّ، عن سُهَيْلٍ المذكور، عن عَوْن بن عبد الله (١)، وبهذا أعلَّهُ البخاريُّ؛ فقال: "هو مرويٌّ عن موسى بن إسماعيل، وأما موسى بْنُ عقبة، فلا نَعْرِفُ له سماعًا من شُهَيْل" (٢). و قد تكونُ العلَّةُ ظاهرةً؛ حيث كَثُرَ من المحدِّثين إعلالُ الموصول بالإرسال، والمرفوع بالوَقْف؛ إِنْ كان كُلٌّ من الإرسال والوَقْف أقوى من الاتِّصَال والرَّفْع، بِكَوْن راويه أحفَظَ، وأكثَرَ عددًا. و قد يعلُّون الحديثَ بفسْقِ الراوي، وغَفْلته وسُوء حِفْظه. و قد أطلق أبو يَعْلَى الخَلِيلِيُّ (٣) واسْمَ العِلَّة على غير قادح؛ كوصل ثقةٍ

стр. 310

ضابط [ما] أرسلَهُ من لم يفقه، ولا مرجِّح (١)؛ حيث قال في إرشاده" (٢): الحديثُ أقسامٌ: معلولٌ صحيحٌ وصحيحٌ متَّفَقٌ عليه، وصحيحٌ مختَلَفٌ فيه" (٣)، ومَثَّلَ الأوَّل بحديث مالكٍ في "الموطَّأ" أنه قال: بَلَغَنَا أنَّ أباهريرة قَالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وكُسْوَتُهُ (٤) "؛ حيث وصله

стр. 311

مالك في غَيْر "الموطإ" بمحمَّد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: فقد صار الحديثُ بتبيين الإسناد صحيحًا يُعْتَمَدُ عليه (١) و جعل الترمذيُّ، النَّسْخَ عِلَّةً من علل الحديث، وألْحَقُّ: أنه أراد أنه عِلَّةٌ في العَمَل بالمنسوخ، لا أنه في صِحَّته وصِحَّة نَقْله؛ يدل على ذلك: أنَّ في كِتَابِهِ الصحيحِ أحاديثَ كثيرةً منسوخةً، وقد صحَّح هو نفسُهُ جملةً منها (٢)

стр. 312

[المدرج] (١) و المخالفَةُ، أي: مخالفةُ الراوِي للثقاتِ؛ إن كان بتَغْيير سياقِ الإسنادِ؛ بأنْ وجد مَتْنٌ، ورُدَّ عن جماعةٍ من الرواة بعضُهُمْ خالف بعضًا، بزيادةٍ أو نَقْصٍ في السند، فَيَجْمَعُ بعضُهُم كُلَّ الجماعة بإسنادٍ واحدٍ مذكورٍ، ويدرجُ روايَةَ مَنْ خالفهم معهم على الاتِّفَاق؛ كخبر ابن مسعود، قَالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا" (٢)، فإنَّ واصلَ بْنَ حَيَّانَ الأسديَّ أسْقَطَ عَمْرَو ابن شُرَحْبِيل من بَيْن شيخه شقيق أبي وائلِ بْنِ سَلَمَةَ، وابنِ مسعودٍ، فرواه عن شقيقٍ، عن ابْنِ مسعودٍ (٣)،

стр. 313

وزاده الأعمش (١)، وكذا منصورُ بْنُ المعتمِرِ (٢)؛ فروياه عن شقيقٍ، عن عَمْرٍو، عن ابن مسعود، فلمَّا رَوَى الثَّوْريُّ، عنهما، وعن واصل - صارَتْ روايتُهُ هذه مدرجَةًّ على روايتهما، وقد فَصَلَ أحدَ الإسنادَيْن عن الآخر: يحيى بْنُ سعيدٍ القَطَّانُ، لكنْ روى عن واصل - أيضًا - أنه أثبَتَ عمرو؛ كالأعمشِ، ومنصورٍ، وروى عن الأعمش: أنه أسقَطَهُ؛ فهو مُدْرَجُ الإسناد؛ سُمِّيَ به؛ لأنَّ الغير أدخَلَ خللا في الإسناد؛ فالإسناد مدخلٌ فيه. (٣) وله قسمانِ آخَرَانِ: الأوَّل: أن يكونَ مَتْنٌ عند جماعة بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويه واحدٌ عنهم، بإسنادٍ واحدٍ، منها يجمعُهُمْ عليه، ولا يبيِّن اختلافَهُمْ في ذلك؛ كخبر وائل بْنِ حُجْر، في صفة صلاة النبيِّ ﷺ رواه زائدةُ وغَيْرُهُ، عن عاصمِ بْنِ كُلَيْب، عن أبيه، عنه (٤)؛ فإنه قد أَدْرَجَ، من بعض رواتِهِ في آخرِهِ بهذا السند "ثُمَّ جِئْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمَانٍ فيه بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِم جل الثِّيَابِ تَحَرَّك أَيْدِيِهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ"، وما اتحد سنَدُ الجملتَيْن؛ بل الذي عند عاصمٍ - بهذا السند - الجملةُ الأولَى فقطْ، وأما الثانية: فإنَّما رواها عن عبد الجَبَّار بن وائلٍ، عن بعض أهْلِهِ، عن وائل هكذا بسندٍ

стр. 314

واحد بالوهم (١) صوبه ابن الصلاح، ووَجْهُ كونِهِ مدرجَ الإسنادِ: أنَّ الراويَ لما رَوَى الجملتَيْن بسندٍ أحدهما - كان كأنَّه أَدْرَجَ أحد السندَيْن في الآخر حتى ساغَ له أَنْ يُرَكِّب علَيْه الجملتَيْن. القِسْم الثاني: أنْ يُدْرَجَ من الراوي، بعْضُ خبرٍ مُسْنَدٍ في خبر آخر، مع اختلاف السَّنَد فيهما؛ نحْوُ: "وَ لا تَنَافَسُوا" المُدْرَجِ في متن: "وَ لا تَبَاغَضُوا" المرويِّ عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن أنس، بلفظ: "لا تَبَاغَضُوا ولا تَحَاسَدُوا ولا تَدَابَرُوا" (٢) فقطْ، نقله راويه ابْنُ مَرْيَمَ الآتي في متْنِ "لَا تَجَسَّسُوا" - بالجيم أو بالحاء - المرويِّ عن مالك أيضًا؛ لكن عن أبي الزِّنَاد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، بلفظ: "إِيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَنَافَسُوا، ولا تَحَاسَدُوا" (٣)، ثم أَدْرَجَ "وَ لا تَنَافَسُوا" في السند الأوَّل: ابْنُ أبي مَرْيَمَ الحافظُ أبو محمَّد سعيدُ بْنُ محمدِ بْنِ الحَكَمِ الجُمَحِيُّ شيْخُ البخاريِّ؛ إذْ رواه عن مالكٍ، وصيَّرهما بإسنادٍ واحدٍ، وهو وهمٌ منه؛ كما جَزَمَ به الخطيبُ وصرَّح غيره بأنْ خالَفَ بذلك جَمِيعَ الرُّوَاة عنْ مالك.

стр. 315

أو بدَمْجِ موقوفٍ بمرفوعِ، فهو مدرجُ المتْنِ، وهو ثلاثةُ أقسامٍ: الأوَّل: ما يُلْحَقُ في آخر الخبر، من قوْلِ صحابِيٍّ وغيره، مِنْ غير عَزْوٍ لقائله، بحيْثُ يتوهَّم أنه من الخبر. مثال ذلك: حديثُ ابنِ مسعودٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فيِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، والصَّلَوَاتُ … إلى آخره" (١)؛ فقد أدرج في آخره أبو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ معاويةَ أحَدُ رواته، عن الحسن بن الحُرِّ - كلامًا لابْن مسعود، وهو: "فَإِذَا قُلْتَ هَذَا، فَقَدْ قَضِيتْ صَلاتُكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ"، وفَصَلَهُ عبد الرحمنِ بْنُ ثابت، عن ثوبان؛ حيثُ قال: "قال ابْنُ مسعودٍ؛ بل رواه شَبَّابَهَ بن سَوَّار وهو ثقَةٌ، عن زُهَيْر نفسه - أيضًا - كذلك؛ ويؤيِّده اقتصارُ جماعاتٍ على الخبر، وتصريحُ جماعاتٍ بعَدَمِ رَفْعِ ذلك؛ بل قال النوويُّ: "اتفق الحُفَّاظ على أنه مُدْرَجٌ". انتهى. قال القاضي (٢): مع أنَّه لو صحَّ، لكان معارضًا لخبّرٍ: "تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"؛ علَى أن الخَطًّابيَّ جمَعَ بينهما علَى تقدير وَصْلِهِ؛ بأن قوله: "قُضِيَتْ صَلاتُكَ" أي: مُعْظَمُهَا. القِسْم الثاني: ما يُلْحَقُ قَبْلَ أوَّل الخبر كذلك؛ كخبر: "أَسَبْغُوا الوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٣)؛ فقد رواه شَيَّابة بن سَوَّار وغيره، عن شُعْبة،

стр. 316

عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة، برَفْع الجملتَيْن، مع كون الأُولَى من كلام أبي هُرَيْرة؛ كما بينه جمهورُ الرُّوَاة عن شعبة، واقتصر بعضُهُمْ على الثانية، وهذا نادرٌ جدًّا، (١) حتى قال بعض المحقِّقين: "إنَّهُ لم يوجَدْ غيره، إلا ما وقع في بعض طُرُقِ بُسْرَةَ، على أنَّ قَوْل أبي هريرة: "أَسْبِغُوا الوُضُوءَ" قَدْ ثبت في الصحيحِ مرفوعًا من خبر عبد الله بن عمرو بن العاصِ (٢)، وبذلك سقَطَ ما قيل: إن المُدْرَجَ في الأوَّل أكثَرُ منه في الأثناء. القسم الثالثُ: ما يُلْحَقُ في أثناء الخبرِ كذلك؛ وهو قليلٌ بالنسبة إلى الأوَّل؛ مثاله: خبَرُ هشامِ بْنِ عروةَ بْنِ الزُّبَيْر، عن أبيه، عن بُسْرة بنت صفوان - مرفوعًا -: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رفنيه - فلَيْتَوَضّ_أْ" (٣)؛ فقد رواه عبد الحميد بْنُ جعفرٍ وغيره، عن هشامٍ كذلك مع "الأُنْثَيَيْنِ والرفغ" إنما هو من قَوْل عروة؛ كما رواه جماعاتٌ عن هشامٍ، واقتصر كثيرٌ منْ أصحابِ هشامٍ على الخبر، وقد رواه الطبرانيُّ في "الكبير" من خبر محمَّد بن دينار، عن هشام، بلفظ: "مَنْ مَسَّ رفغه أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ" (٤)؛ فهو على هذا مثالٌ للمُدْرَج في الأوَّل" (٥). انتهى.

стр. 317

وسبب الإدراج: إما تفسيرُ غريبٍ في الخَبَر؛ كخبر النَّهْيِ عن الشِّغَار. (١) أو استنباطٌ ممَّا فهمه منه أحَدُ رواته؛ كما فهم ابْنُ مسعودٍ من خبره السابِقِ؛ أنَّ الخُرُوج من الصّلاة؛ كما يحصل بالفراغ من التشهد، فأدرج فيه بعضُ رواته: "إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ إلى آخره"، وكما فَهِمَ عُرْوَةُ من خبره السابق - أيضًا - أن سَبَبَ نقض الوضوء مَسُّ مَظِنَّة الشهوة؛ فأدرج فيه بعضُ رواته "أُنْثَيَيْهِ، والرُّفْغ" بضم الراء وفتحها؛ أصل الفَخِذَيْن؛ لأنَّ ما قارب الشيء أُعْطِيَ حُكْمَهُ، إلى غير ذلك. وتعمُّدُ مطلقِ الإدراجِ ممنوعٌ؛ لتضمُّنه عزْو القَوْل لغير قائله، إلا أن يُدْرَجَ لتفسيرِ غريبٍ، فإنَّه مُسَامَحٌ فيه؛ ولهذا فعله البخاريُّ والزهريُّ وغيره من المحدِّثين، ويُعْرَفُ المدرجُ بأمور: أحدها: أن يَمْتِنعَ صدورُ ذلك من النبِّي ﷺ ؛ كحديثِ أبي هُرَيْرة الذي في صَحِيحِ البخاريِّ؛ قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للعبد المملوك أجران والذي نفسي بِيَدِهِ، لَوْلا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، والحَجُّ، وبِرُّ أُمِّي لأحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وأَنَا مَمْلُوكٌ" (٢)؛ فإن قوله: "وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ … إلى آخره" من كلام أبي هريرة؛ لأنه يمتنعُ منه ﷺ أن يتمنَّى أن يكون مملوكًا، ولأنَّ أمَّهُ لم تكنْ حينئذٍ موجودَةً، حتى يَبَرَّهَا. ثانيًا: أن يصرِّحَ الصحابيُّ بأنه قال ذلك؛ كحديث ابن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ

стр. 318

وهُوَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ النَّارَ" (١)؛ كذا رواه أحمد بن عبد الجَبَّارالعُطَارِدِيُّ، عن أبي بكر بن عَيَّاش، ورواه الأسوَدُ بْنُ عامِرٍ شاذان وغيره، عن أبي بكر بن غِيَاثٍ، بلفظ: "سَمِعْتُ رَسُوَل اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ"، وآخرى أقولها، ولم أسمعها منه: "مَنْ مَاتَ لا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ الجَنَّةَ" (٢). ثالثها: أن يصرِّحَ بعْضُ الرواةِ بتَفْصيله؛ كحديث ابن مسعود في التشهُّد الذي تقدَّم الكلام عليه

стр. 319

[المقلوب] (١) أو كانَتِ المخالفَةُ بتَقْدِيمٍ، وتأخيرٍ في الأسماءِ؛ كمُرَّةَ بْنِ كَعْب، وكَعْبِ بنِ مُرَّةَ؛ اسم احدهما اسْمُ أبي الآخر، وقد صنَّفَ الخطيبُ فيه: "رَافِع الإرِتْيَاب، في المَقْلُوبِ مِنَ الأَسْمَاءِ والأنْسَاب" (٢). فهو المقلوبُ، أي قِسْمٌ منه، وهو اسم مفعولٍ من القَلْب، وهو تبديلُ شَيء، بآخَرَ على الوجْه الآتي، وهو مِنْ أقسامِ الضَّعيف؛ بل بعض أقسامه من الموضوع، كما سيجيء". وهو قسمانِ: عَمْدٌ وسَهْوٌ، والعَمْد - أيضًا - قسمان: أحدهما: ما كان مشهورًا براوٍ أُبْدِلَ بآخر نظيرِهِ في الطبقة؛ كإبدال سالِمٍ بنافع؛ قصدًا لقَبُول الرواية عنه، ورواجِ حالِهِ، إذا استغرب للأغراب مِمَّنْ

стр. 320

وَقَفَ عليه، لكنِ المشهور خُلافُهُ (١)، وممن كان يفعلُهُ بهذا القصد - كذبًا -: حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو النَّصِيِبيُّ (٢)؛ حيث رَوَى الحديث المعروفَ لسُهَيْل بن صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة - مرفوعًا -: إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلا تَبْدَءُ وهُمْ بِالسَّلامِ … (٣) الحديث، عن الأعمش، عن أبي صالح؛ ليغرب به، وهو لا يُعْرَفُ عن الأعمش؛ كما صرَّح به أبو جعفرٍ العُقَيْلُّي (٤)، وللخَوْف من ذلكِ كْره: تَتَبَّعَ الغرائبَ أهلُ الحديث. ثانيها: قَلْبُ سنَدٍ تامٍّ لمَتْنٍ؛ فيجعل مَتْنُ آخِرَ مرويٍّ بسند آخر، ويُجْعَلُ هذا المتْنُ لإسنادٍ آخَرَ بقَصْد امتحانِ حفْظِ الحديثِ واختبارِهِ، هل اختلَطَ أولا، وهل يَقْبَلُ التلقينَ أَوْلا، كما امتَحَنَ المحدِّثون بِ"بَغْدَادَ" الإمامَ البخاريَّ ﵁ لما قَدِمَهَا، بمائة حديثٍ، حيْثُ أجتمعوا على تقليب متونها وأسانيدِها فصُيِّر متْنُ سندٍ لسنَدِ مَتْنِ آخَرَ، وسَنَدُ هذا المتنِ، لمتْنٍ آخر، وعيَّنوا عشرة

стр. 321

رجَالٍ، ودفَعُوا لكُلِّ عَشَرة منها، وتواعَدُوا على الحُضُورِ بمَجْلسِ البخاريِّ؛ لِيُلْقِيَ عليهم كلٌّ منهم عَشَرَتَهُ، فلَّما حضروا واطمأنَّ المجلسُ بأهْلِهِ البغداديِّين وغَيْرِهِمْ من الغرباء، مِنْ أهْلِ خراسان وغيرِهِمْ -: تقدَّم إليه واحدٌ من العَشَرة، وسأله عن أحاديثه، واحدًا واحدًا، والبخاريُّ يقول له في كلٍّ منها: "لا أَعْرِفُهُ"، ثم الثاني كذلك، وهكذا إلى أن اسْتَوْفَى العَشَرَةُ المائة، وهو لا يزيدُ في كُلٍّ منها على قولِهِ: "لا أَعْرِفُهُ"؛ فكان الفقهاء ممن حَضَرَ يَتَلَفَّتُ بعضُهُمْ إلى بعضٍ، ويقولُونَ: "فَهِمَ الرَّجُلُ"، وغيرهم من الدَّهْماء يقضي عليه بالعجز والتَّقْصِيرِ، وقلَّة الفهمِ، فلَّما علم أنهم فَرَغُوا، التَفَتَ إلى السائل الأوَّل، وقال له: سألْتَ عن حديث كذا، وصوابُهُ كذا إلى آخر أحاديثه، وكذا البقيَّةُ على الولاء، فرد المائة إلى أَصْلها، ولم يَخْفَ عليه موضعٌ مما قَلَبُوه، وركَّبوه، فأقَرَّ له الناسُ بالحفْظِ، وأذْعَنُوا له بالفَضْل، وَأَغْرَبُ مِنْ حفظِهِ لها وتيقظهِ لتَمْييزه صوابَهَا من خَطَئِها -: حِفْظُهُ لتواليها؛ كما أُلْقِيَتْ عليه من مرَّةٍ واحدةٍ. (١) وقد يُقْصَدُ بَقَلْب السند كلِّهِ - أيضًا - الإغرابُ؛ فلا ينحصرُ في راوٍ واحدٍ؛ كما أنه قد [لا] يُقْصَدُ بَقَلْبِ الرواةِ: قلبَهُ؛ بل وقع منهم سَهْوًا ووهمًا؛ كحديث: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي"؛ فَقَدْ حدَّثه حَجَّاجُ بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن عبد الله بن أبي

стр. 322

قَتَادَةَ، عن أبيه، عن النبِّي ﷺ (١) في مجلسِ ثابِتِ بْنِ أسلَمَ البُنَانِيِّ، فظنَّه: جرير بْنُ حازمٍ، عن ثابتٍ، عن أنس؛ كما بينه حمَّاد الضرير. (٢) وقد يقع القَلْبُ في المَتْن أيضًا، وجعل بعض المتأخِّرين هذا نوعًا مستقلا، وسمَّاه: المقلَّب، وهو قليلٌ جدًّا؛ كما يستفادُ من تعبير المصنِّف ب "قَدْ"؛ وذلك بأنْ يعطي أحد الشيئَيْنِ ما اشتهر للآخَرِ. مثاله: حديثُ أبي هريرة: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ … إلى آخر الحديث" (٣)، وقد رواه مسلمٌ في بعض الطرق، و"رَجُل" تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ"، وهو مقلوبٌ، وإنما هو: "حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ"؛ كما رواه - أيضًا - مسلمٌ والبخاريُّ (٤)، وحديثُ ابن خزيمة، عن عائشة: أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا

стр. 323

حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلالٌ، وكَانَ بِلالٌ لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَرَى الفَجْرَ" (١)؛ قال البُلْقِينِيُّ (٢): "هذا مقلوبٌ، والصحيحُ من حديث عائشَةَ: "إِنَّ بلالا لا يُؤَذِّنُ بَلْيلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتًّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْن أُمِّ مَكْتُومٍ، لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ" (٣) قال: وما تأوَّله ابن خُزَيْمة - من أنَّه لا يجوزُ أنْ يكُونَ النبيُّ ﷺ جعَلَ الأذانَ نُوَبًا بَيْنَ بلالٍ وابْنِ أمِّ مكتومٍ - بعيدٌ، وأبعَدُ منه جزم ابْنِ حِبَّانَ بذلك" (٤). وإنَّما قدَّم المصنِّفُ القَلْبَ في السنَدِ على الذي في المَتْن؛ لأنَّه بصدد بيانِ الطعْنِ في الرَّاوي.

стр. 324

[المزيد في متصل الأسانيد] (١) أوْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِزِيَادَةِ رَاوٍ أَوْ أَكْثَرَ في السَّنَدِ بَيْنَ رَاوِيَيْنِ يُظَنُّ الاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا - عَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَىَ حُذِفَ مِنْهَا ذَلِكَ، وكانَ حَذفُ الزائدِ مِنْ السَّنَدِ بتَحْديثٍ، أو إخبارٍ، أو سماعٍ، أو نحوهَا، مما يقتضي الاتصالَ -: فهو المَزِيدُ في مُتَّصِلِ الأسانيد؛ لأنَّ الزيادة حينئذ غلَطٌ من راويها أو سهْوٌ، إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ تدلُّ على ذلك أو على غَلَبَةِ الظنِّ إن لم تكُنْ؛ إذ يحتمل حينئذ أن يكون راوي الزيادةِ قد تَحَمَّل الحديثَ عن كُلٍّ مِنَ الراويَيْن؛ إذْ لا مانعَ أنْ يسمعه من واحدٍ عن آخر، ثمَّ يسمعه من الآخر، والمعتَمَدُ عليه الروايةُ الأخرَىَ؛ لأنَّ مع روايتها حينئذٍ زيادَةً، وهي إثباتُ سماعِهِ منه، مع احتمال أنْ يكونَ أوثَقَ، وقد ألَّفَ الخطيبُ في ذلك كتابًا سمَّاه: "تمييزَ المَزِيد، في مُتَّصِلِ الأسانيد" (٢).

стр. 325

مثاله: حديثُ عبد الله بن المُبَارَكِ، عن سُفْيَان، عن عبد الرَّحْمَنِ بن يزيدَ بْنِ جابر، قال: حدَّثني بُسْر بن عبيد الله، قال: سمعْتُ أبامَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ يقول: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، ولا تُصَلُّلوا إِلَيْهَا" (١)؛ فذكْر سُفْيانَ، وأبي إدريس زيادةٌ، أما ذِكْر سُفيانَ: فزيادة مِمَّنْ دون ابن المبارك؛ لأنَّ جماعةً من الثقاة رَوَوْهُ عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه، من غير ذكْرِ سفيانَ، وأما ذِكْرٍ أبي إدريس فزيادةٌ من ابن المبارك؛ لأنَّ جماعةً من الثقاتِ رَوَوْهُ عن ابن جابرٍ نفسه، ولم يذكُرُوا أباإدريسَ بَيْنَ بِشْر وواثلةَ. وأما إذا كانتِ الروايةُ الأخْرَى التي حُذِفَ منها ذلك الاسْمُ ب"عَنْ" أو "قال" أو نحوهما ممَّا لا يقتضي الاتصالَ في السند الناقص -: فهي معلَّةٌ بالإسناد الزائد، وكان المعتَمَدُ عليه الزائد؛ لأن الزيادة من الثِّقَةِ مقبولٌ، كما سبق. ويسمَّى هذا النوعُ بالخَفِيِّ؛ لخفائه على كثيرٍ؛ لاجتماعِ الروايتَيْن في عصرٍ واحدٍ، وهو أشبَهُ بروايات المدلِّسين.

стр. 326

[المضطرب] (١) أو كانت المخالفة بإبدالِ راوٍ بآخر، ولا مُرَجِّحَ للمخالف. والمخالفُ بوَجْهٍ من وجوه، المرجِّحات السابقَةِ، فهو المضطربُ، أي: قِسْمٌ منه؛ لأنَّ الاضطرابَ - كما يقعُ في السنَدِ - يقع في المَتْن أيضًا، بل ربَّما يجتمعان: مثالُ الاضطراب في السند حديثُ أبي داود، وابنِ ماجة، من رواية إسماعيلَ بن أُمَيَّة، عن أبي عَمْرو بن محمَّد بن حُرَيْث، عن جدِّه حُرَيْث، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ شَيْئًا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ" (٢) رواه بِشْر بن المفضَّل، ورَوْح بن القاسم،

стр. 327

عن إسماعيل هكذا، ورواه، سُفْيان الثوريُّ، عنه، عن أبي عَمْرو بن محمَّد بن عَمْرو بن حُرَيْث، عن جدِّه، عنْ أبي هريرة … إلى غير ذلك من الاختلافاتِ التي وقعَتْ فيه على إسماعيلَ بْنِ أمية (١). ومثال الاضطرابِ في المَتْن: حديثُ فاطمَةَ بنتِ قَيْس، قالت: سُئِلْتُ أَوْ سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنِ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ فِي المَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ"؛ هكذا رواه الترمذيُّ من رواية شَرِيكٍ، عن أبي حمزة، عن الشَّعْبي، عن فاطمة، ورواه ابن ماجه من هذا الوَجْه، بلفظ: "لَيْسَ فيِ المَالِ سِوَى الزَّكَاةِ" (٢). وقد جرى المصنِّف على ما هو الأغلَبُ من كون الاضطرابِ في السند، مخالفة الراوي من هو أوثَقُ منه بالإبدال المذكورِ، وإلا فقد يكونُ بمخالفة نَفْسه؛ وذلك لأنهُمْ قالوا: المضطربُ ما اختلف فيه الرواةُ على شَيْخٍ؛ بأن يرويه واحدٌ أو أكثر مرَّةً على وجه، وأخْرَى على وجه آخر يخالف الأوَّل، إلى آخر ما قالوا؛ فإنَّ ترجيحَ واحدٍ بالحفْظ أو أكثريَّةِ ملازمة المرويِّ عنه أو غَيْرِهِمْا مِنْ وجوه الترجيحِ -: فإنه لا اضطراب حينئذٍ؛ بل يتعيَّن الأَخْذُ بالراجح، وكذا الاضطرابُ إن أمْكَنَ الجمْعُ؛ بحيثُ يُمُكْنُ أنْ يقال: إنَّ المتكلِّم غَيَّرَ اللفظَيْن أو أثَرَ عن معنى واحدٍ، والاضطرابُ موجبٌ لضعْفِ الحديثِ؛ لإشعاره بعَدَمِ الضبْطِ،

стр. 328

والفَرْقُ بينه وبَيْنَ المعَّلل السابق، أنَّ ذلك شرطهٌ ترجيحُ جانبِ العلَّة؛ فلذلك أسقَطَ علَّته للاحتجاجِ به، وهذا موضوعٌ لما يظهرٌ فيه ترجيحٌ؛ كما تقرَّر. و اعلم أنَّ الإبدال قد يكونُ للغَلَطِ، وحكمهٌ حُكْمُ المقلوبِ أو المعَّلل، وقد يكونُ بقَصْد الإغراب، وحكمهُ حكمُ الموضُوع؛ يَقْدَحُ في فاعله، ويوجبُ رَدَّ حديثه، وقد يكونُ لقصْدِ الامتحان: مثال الغَلَط. ما رواه يعلى بْنُ عُبَيْد، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مقسم، عن ابن عباس، قال سَاقَ النَّبِيُّ ﷺ ، مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيهَا جَمَلٌ لأِبِي جَهْلٍ" (١)؛ قال ابن أبي حاتم. "سَأَلْتُ أبا زرعة عنْهُ فقال: هذا خطأ، إنما هو عن الثوْريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والخطأ فيه من يعلى بن عُبَيْد" (٢). ومثاله لقصد الإغراب: حديثُ أبي هريرة المرفُوعُ: "إذَا لَقِيتُمُ المُشْركِيِنَ في طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ" رواه مسلم في "صحيحه" من رواية شُعْبة، والثوريَّ، وجرير بْنِ عبد الحميد، وعبد العزيز بْنِ محمَّد الدَراورْدِي، كُلُّهم عن سُهَيْل بن أبي سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه حَمَّاد بن عمرو النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٣). ومثال الإبدال لقَصْدِ امتحانِ حِفْظِ الشيخِ وفَهْمِهِ: كما فُعِلَ مع البخاريِّ، والعُقَيْلِيِّ، وغيرهما (٤)، ويفعلونه أهْلُ الحديث كثيرًا.

стр. 329

[المصحف] (١) أَوْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بتغيير بَعْضِ الحُرُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْطِ، فهُوَ المُصَحَّفُ، أي قِسْمٌ منه، لأنه يكونُ في المتَنْ أيْضًا. مثال الأول: ما ذكَرَهُ الدَّارَقُطِنُّيِ؛ أنَّ محمد بن جرير الطبريَّ قال فيمَنْ رواعن النبيَّ ﷺ من بني سُلَيْم، وفيهم عتبة بن النُّدَّر، قاله بالموحَّدة، والدال المعجمة، وإنما هو بالنُّون المضمومة، وفتح الدال المهملة المشدَّدة. و كقول يحيي بْنِ مِعَينٍ: العَوَّامُ بن مُزَاحم بالزاء والحاء المهملة، وإنما هو بالرَّاء والجِيمِ (٢). و مثال الثاني: ما ذكَرَهُ الدارقطنُّي أيضًا أن أبا بكرٍ الصُّوليّ أمْلَى في الجامع حديثَ أبي أيُّوب مرفوعًا -: "مَنْ صَام رَمَضَاَنَ، وأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ" (٣)، فقال فيه: "شَيْئًا"، بالشين المعجمة والياء آخر

стр. 330

الحروف،، وكقول هشام بن عُرْوة في حديث أبي ذَرٍّ ﵁: "تُعِينُ ضَائِعًا" بالضاد المعجمة والياء آخِرَ الحروف، والصواب: بالمهملة والنون، وكقول وكيع في حديث معاويةً بْنِ أبي سفيان: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الذَّيِنَ يُشَقِّقُونَ الحَطَبَ" (١) بفتح الحاء المهمله، وإنَّما هو بضَمِّ المعجمة، وكقول أبي موسى محمَّد بن المثنَّى في حديثِ: "أَوْشَاة تَنْعَرُ (٢) " بالنون، وإنَّما هو بالياء آخر الحروف "و كقول أبي بَكْرٍ الإسماعيليِّ، في حديث عائشة: قز الزُّجَاجَة" بالزاي، وإنما هو بالدَّال المهملة المفتوحة. و للتصحيفِ تقسيمٌ آخَرُ؛ ذكره العراقي (٣)، وهو إما أن يكونَ تصحيفَ السَّمْع، وإما أن يكون تصحيف المَعْنَى: فالأَّول: أن يكون الاسْمُ واللقب أو الاسْمُ واسْمُ الأبِ على وزن اسْمِ الآخر، ولقبِه، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلاً ونطقًا، فيشتبه ذلك على السَّمْع. مثاله: ما ذكره النَّسَائِيُّ، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عاصم الأَحْوَلِ، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ بحديث: "أَيُّ الذَّنبِ أَعْظَمُ .... الحديث" (٤)؛ وكذلك ذكره الخَطِيبُ في المُدْرَجَات، من طريق مهديِّ بن ميمونٍ، عن "عاصم الَاحْوَل". والصواب " واصل الأَحْدَب" كطتم "عَاصِم الأَحْوَل" من طريق شُعْبة ومهديٍّ وغيرهما.

стр. 331

ومن ذلك: ما رواه أبو داود والنسائيُّ، من رواية شعبة، عن مالك بن عُرْفُطَةَ، عن عبد خير، عن علي، في صفة الوضوء (١)، والصوابُ: "خالد بن علقمة"، مكان "مالك بن عرفطة" (٢). والثاني: هو تغيير المعنى إلى شيء لم يقصد. مثاله: ما ذكره الدارقطنيُّ، أنَّ أبا موسى محمَّد بن المثنَّى العنزيَّ الملقَّب بالزمن، أحد شيوخ الأئمَّة الستَّة، قال يومًا "نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ، قَدْ صَلَّى النَّبيُّ ﷺ إلينا" يريد أن النبي ﷺ صلى إلى عَنَزَةَ" فتوهَّم أنه صلّى إلى قبيلتهم، وإنما العنزة هنا "الحَرْبَة" التى تُنْصَبُ بين يَديْهِ، وقد صحَّفَ أعرابيٌّ معناه ولفظهُ معًا؛ حيث ظنَّ سُكُون نونه، ثم رواه بالمعنى فقال: "شَاة"، والصوابُ أنَّها بفتح النون (٣) وبالنسبة إلى الحُرُوف، هو المحرَّف، في "القاموسِ" التحريفُ: التغييرُ (٤) والتَصْحِيِفُ: الخَطَأُ في الصَّحيفة (٥)، وفي"شَرْح ألفيَّة العراقي" للقاضي زكريا: "التحريفُ: الخَطَأُ بالحروف بالشَّكْل" " والتَّصحيفُ: الخَطَأُ فيها بالنَّقْل،، واللَّحْنُ: الخطأُ في الإعراب " (٦). وفي "تعريفات السَّيِّد": "السند: تجنيسُ التحريف هو أن يكون الاختلافُ في الهيئة؛ كبَرد، وبُرد وتجنيس التصحيف: هو أن يكونَ الفارقُ النقْطَ، كأنقي واتقي". انتهى

стр. 332

وبعضُهُمْ لم يفرِّقْ بين الاِسمَيْنِ، فأطلق المصحَّف والمحرَّف على شيْء [واحد]، ولا مشاحَّة في الاصطلاح،، والذي ذهَبَ إليه المصنِّف هو مختارُ أكْثَر الأصولييِّن. مثاله: ما ذكر مُسْلِمٌ في "التمييز" (١) أَنَّ ابن لَهِيعَة صحَّف في حديث زيد بن ثابت ﵁: أَنَّ رَسَوُلَ الله ﷺ "احْتَجَرَ في المسَجْد" (٢)، فقال: "احْتَجَمَ" بالميم، وكما روى يحيي بن سالم المفسِّر، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾ [الأعراف: ١٤٥] قال: مصر (٤)؛ وقد استعظم أبو زُرعة الرازيُّ هذا واستَقْبَحَهُ، وذكر أنه في تفسير سعيد، عن قتادة: مَصِيرَهُمْ؛ فيسمى هذا تحريفًا، وإن لم يشتبهْ ولكنه سقط الضمير والياء فوقع هكذا. و معرفهُ التصحيف والتحريف فَنٌّ مهمٌّ، حتَّى صنَّف فيه جماعة، منهم الدارقطني (٥)، أبو أحمد العسكريُّ (٦)، وغيرهما.

стр. 333

[الرواية بالمعن ي] (١) و لا يجوزُ تعمُّد تغيير صورة المتَنْ بتقديم أو تأخير، أو زيادةٍ أو نقصانٍ، أو تشديدٍ أو تخفيفٍ أو إبدال مرادف بمرادفٍ. نعم: يحلُّ لعارف نقْلُ حديث معناه ظاهر - ولم يتعَّبدْ بلفظه - بالمعنى؛ وذلك أن يأتي بلَفْظ بدلُّ آخَرُ مساوٍ له في المراد والفَهْم وإن لم يَنْسَ اللفْظ الآخر، أولم يرادفْهُ؛ لأن المقصود المعنى (٢) واللفظ الدال، أما ما لم يظهَرْ معناه - ومنه المتشابه -

стр. 334

فلا تجوزُ روايتُهُ بالمعنى؛ بل ينقل بلفظه، وكذلك ما تعبِّد بلفظه: لا يجوزُ نقله بالمعنى قطعًا؛ وكذلك ما كان مِنْ "جوامع الكلم" (١)؛ فلا يصحُّ نقلها بغير ألفاظها؛ كقوله ﷺ : "الخَرَاجُ بالضَّمَانِ" (٢)، "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليِمَينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (٣)، "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ" (٤)، "لَا ضَرَ ولَا ضِرَارَ" (٥) "لَا يَنْتطِحُ فِيهِ عَنْزَانِ"، "الآن حَمِيَ الوَطِيسُ" إلى غير ذلك مما هو مذكورٌ في محله (٦)

стр. 335

[المرفوع] (١) و لمَّا فَرَغَ المصنِّفُ من المباحث التي تتعلَّق بالمَتْنِ من حيث القَبُولُ والرَّدُّ -: شَرَعَ في الإسناد، فقال: والإسْنَادُ إِنِ انْتَهَاإلى النَّبيِّ ﷺ مُتَّصِلاً - كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ - فَالمَرْفُوعُ، سَوَاءٌ كَانَ المَنْقُولُ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً أَوْ تَقْرِيرًا،، وَقَالَ الخَطِيبُ: "هُوَمَا أَخْبَرَ فيه الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْل الرَّسُولِ ﷺ أَوْ فِعْلِهِ"؛ فعلى هذا: لا يدخُلُ فيه مراسيلُ التابعين، ومَنْ بعدهم،، قال ابن الصلاح: "و من جعل مِنْ أهْلِ الحديثِ المرفوعَ في مقابلة المُرْسَلِ، فقد عَنَي بالمرفوعِ المُتَّصِلَ" (٢). انتهى. مثال المرفوع صريحًا من القول: قولُ الراوي - صحابيًّا كان أو غَيْرَهُ -: قالَ رَسُولُ اللهٍ، ﷺ . و مثالُهُ كنايةً - أي: غَيْرَ صريحٍ -: قولُ الصحابيِّ - الذي ليس مِنْ بني إسرائيل، ولا نَظَرَ في كُتُبِهِمْ - ما يكونُ عن الأمور الماضية، كَبَدْءِ الخَلْق، وقِصص الأنَبْيِاء، أو عن الأمور الآتية؛ كالمَلَاحِمِ، والفِتنِ، أو عَنْ ثَوَبٍ مخصوصٍ، أو عقابٍ مخصوصٍ، يترتَّب على عملٍ مخصوصٍ؛

стр. 336

كقول ابن مسعود: "مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ عَرَّافًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ "؛ (١) لأن مثله لا يقولُهُ الصحابيُّ إلا بتوقيف. و مثال المرفوع صريحًا من الفعل: قول الصحابيِّ: فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ورأيتُهُ يفعُلُ كذا، وقولُ غيره، فَعَلَ رَسَوُلُ الله ﷺ كذا. و أما المرفوعُ من الفعل حُكْمًا - أي: غَيْرَ صريحٍ - فقال بعضُ الفضلاء: لا يتأتَّى فعلٌ مرفوعٌ حُكْمًا، ولا يكونُ مرفوعًا صريحًا، وقال الحافظُ في "شَرْح النخبة". مثاله: "أن يفعَلَ الصحابيُّ ما لا مجَالَ للاجتهادِ فيه؛ فينزَّلُ على أن ذلك عِنْدَهُ عن النبي ﷺ ؛ كما قال الشافعيُّ في صلاة علىٍّ ﵁ في الكسوفِ، في كُلِّ ركعةٍ أَكْثَر من ركوعَيْنِ" (٢) وردَّ بأنه لا يلزمُن كونه عند الصحابيِّ عن النبيِّ ﷺ أن يكون عنده مِنْ فِعْلِهِ؛ لجواز أن يكون عنده من قوله. ومثال المرفوع صريحًا من التقرير: أن يقولَ الصحابيُّ: فعلتُ أوفعل بحضرة النبيِّ ﷺ ولا يذكُرُ إنكارَهُ

стр. 337

و مثاله غَيْرَ صريحٍ: حدَّثنا المغيرةُ بن شُعْبَة: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَقْرَعُونَ بَابَهُ بالأَظَافِيرِ" (١)؛ لأنه يستلزمُ اطلاع النبيِّ ﷺ على ذلك، وإقرارهُمْ علَيْه،، وقال الحاكم والخَطِيب: إنه ليس بمرفوعٍ (٢). و ممَّا يَدُلُّ على رفع الحديث: قولُ التابعيِّ، عن الصحابي: "يَرْفَعُ الحديثَ أو روايته، أو يبلُغُ به النبيَّ، ﷺ "،، وقولُ الصحابيِّ "من السنَّة كذا" محمولٌ على الرفع؛ وكذا قولُ التابعيَّ؛ لأن الظاهر أنَّهُمْ لا يريدون بالسُّنَّة عند الإطلاق إلا سنة النبيِّ ﷺ والتفصيلُ في الأصول الفقهية.

стр. 338

[الموقوف] (١) أو انْتَهَى إلَى الصَّحَابِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ يسندٍ منصلٍ أم منقطعٍ -: فالموقوفُ، قولاً أو فعلاً أو تقريرًا - كما سبق - أو انتهى إلى التابعيِّ، أو انتهى إلى مَنْ دونه كذلك -: فالمَقْطُوعُ؛ فالفرق بينه وبين المُنْقَطِع: أن المَقْطُوع من مباحثِ الإسناد، والمنقطع من مباحث المَتْن، وقد سبَقَ. و يقال للأخيرَيْن - وهما الموقوفُ، والمَقْطُوع: الأثَرُ أيضًا، وبعضُ فقهاء الشافعيَّة، سَمَّي الموقوفَ: أَثَرًا، وسَمَّىّ المرفوعَ: الخَبَرَ، وقال النوويُّ: "المحدِّثُونُ يُطْلِقُون الأثَرَ على المرفوعِ والموقوفِ" (٢)

стр. 339

[المسند] (١) و المُسْنَدُ - بفتح النون - يقال لكتابٍ جُمِعَ فيه ما أَسْنَدَهُ الصحابيُّ، أي: رواه - كما سبق - وللإسناد، ك "مُسْنَدِ الشهابِ" (٢)، و "مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ" (٣)، أي: إسناد حديثهما،، وللحديث الذي هو مرفوعُ

стр. 340

صحابي بسند ظاهره الاتِّصَالُ؛ فخرج مرفوعُ التابعيِّ فَمَنْ دونه، وما ظاهره الانقطاعُ، ولم يخرجِ المُرْسَلُ الخفيُّ، ولاما عنعنه المدلِّس؛ وهذا موافق لقول الحاكم في كتابه "عُلُوم الحديث"؛ حيث قال: "و المُسْنَدُ: ما رواه المحِّدث عن شيخ يظهر سماعه منه لِيسِنٍّ يحتمله؛ وكذلك سماعُ شَيْخه مُتَّصِلاً إلى صحابيٍّ إلى رسول الله ﷺ والقائُل به لَحَظَ الفَرْفَ بينه وبين المُتَّصِل والمرفوع من حيثُ إِنَّ المرفوعَ يُنْظَرُ فيه إلى حال المتن دون الإسناد، من أنه متصل أَوْلَا، والمتصلُ يُنْظَرُ فيه إلى حالِ الإسنادِ دون المَتْن، من أنه مرفوعٌ أَولا، والمسنَدُ يُنْظَرُ فيه إلى الحالَيْن معًا، فَيَجْمَعُ شرطي الرفع والاتصال فيكون بينه وبين كُلٍّ من المرفوع والمتصلِ عُمُومٌ وخصوصٌ مطلقًا فُكلُّ مُسْنَدٍ مرفوعٌ ومتَّصلٌ، ولا عكْس. " وقال الخطيبُ: "المُسْنَدُ المتَّصِل"؛ فيدخل الموقوف الذي لا انقطاعَ في سَنَدِهِ؛ لكنه قال: إن استعمالَهُمْ هذه العبارة فيما أسُنِدَ عن النبيِّ، ﷺ . و قال ابن عبد البَرِّ: "المسند المرفوعُ"؛ فيدخل المرسل والمُعْضَل والمنقطع إذا كان مرفوعًا، ولا قائل به. و الحاصل: أن بعضَهُمْ جعل المُسْنَدَ من صفات المَتْن والإسناد معًا، وهو الذي جَرَى عليه المصنِّف،، وبعضهم جعله مِنْ صفات المَتْن؛؛ لكنْ لَحَظَ فيه صفة الإسناد، وهو القولَ الثانِيِ؛ فإذا قيل عليه: هذا سَنَدٌ، علمنا أنه متصلُ الإسناد، ثم قد يكونُ مرفوعًا وموقوفًا إلى غير ذلك، وبعضهم جَعَلَهُ من صفات المَتْن فقطْ، وهو القولُ الأخِيرِ، فإذا قيل عليه: هذا حديثٌ مُسْنَدٌ عَلِمْنا أنه مضافٌ إلى النبي ﷺ ثم قد يكُونُ مرسلاً ومعضلاً وغَيْرَ ذلك.

стр. 341

[العلو المطلق] (١) فإنْ قَلَّ عددُ رجالِ السَّنَدِ، وانتهَى إلى النَّبيِّ ﷺ : فهو العُلُوُّ المُطْلَقُ، يُعْلَمُ وَجْه إطلاقه من قَسِمه، وهو أجَلُّ أنواع العلوِّ، وأفضلها؛ قال العراقي: "و أعلَى ما يقعُ للشيوخِ في هذا الزمانِ من الأحاديثِ الصِّحَاحِ بالسماعِ -: ماهو تُسَاعِيُّ الإسناد"، ثم قال: "و لا يقعُ لأمثالِنا من الصحيح المُتَّصلِ بِالسماعِ إلاعُشَارِيُّ الإسناد، وقد يقع لنا التساعي (٢) الصحيحُ، ولكنْ بإجازةٍ في الطَّرِيقِ" (٣). انتهى، وقد حَصَلَ لنا من هذا القُرْب ما حصل، ولله الحمد على ذلك. ثم اعلم: أن قُرْب الإسناد مع ضَعْفِ بعض الرواة لا يُلْتَفَتُ إلَيْه؛ قال العراقي: "سيما إنْ كان فيه بَعْضُ الكذَّابين المتأخِّرين مِمَّنِ ادعَى سماعًا من

стр. 342

الصحابة؛ كإبراهيم بن هُدْبَةَ (١)، ودينار بن عبد الله (٢)، وخِراشٍ (٣)، ويغنم بن سالم (٤)، وغيرهم " (٥).

стр. 343

[العلو النسبي] (١) أو انْتَهَى إلى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ؛ كَالحِفْظِ والضَّبْطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ المُقْتَضِيَةٍ للتَّرجْيحِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَرْبابِ الكُتُب السِّتَّة أَوْ لم يَكُنْ، كَالأَعْمشِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، الأَوزْاِعَيِّ، وشُعْبَةَ، والثَّوْرِيِّ - مَعَ صِحَّةِ الإسْنَادِ أَيْضًا -: فَهُو العُلُوُّ النِّسْبِيُّ؛ لأنَّ قِلَّة رجاله بالنسبة إلى ذلك الإمام، وإن كَثُرَ العدد إلى النبيِّ، ﷺ . و من العُلُوُّ النسبيِّ -أيضًا - ما قُيِّدَتْ نسبتهٌ بالكُتُب الستَّة؛ إذْ لو روينا الحديثَ من طريقِ كتابٍ من الكتبِ الستَّة يقع أَنْزَلَ مِمَّا لو رويناه من غير طريقها، وقد يكوُنُ عاليًا مطلقًا أيضًا؛ كحديث ابن مسعود مرفوعًا: "يَوْمَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ﵇ كَانَ عَلَيْهِ جُبَةُ صُوفٍ … " الحديث (٢)؛

стр. 344

فإنا لو رَوَيْناه من جُزْء بن عَرَفَةَ (١) عن خَلَفِ بن خَليفة -: يكون أعلى مما رويناه من طريق الترمذيِّ، عن علي بن حُجْرٍ، عن خَلَفٍ، فهذا - مع كونه علوًّا نسبيًّا - علوٌ مطلق؛ إذ لا يقع هذا الحديثُ - اليَوْمَ - أعلَى من روايته من هذا الطريق. ودخل في هذا النوعِ الموافقةُ والإبدالُ والمساواةُ والمصافَحَةُ: فالموافَقَةُ: أن يَرْويَ الراوي حديثًا من أحد الكُتُب الستَّة بإسنادٍ لنَفْسه من غَيْر طريقها؛ بحيثُ يَجْتَمِعُ مع أحد الستَّة في شَيْخه، مع علوِّ الطريقِ الذي رواه منه، عَلَى ما لو رواه من طريق أَحَدِ الكُتَبِ الستَّة. مثاله حديثٌ رواه البخاريُّ، عن محمد بن عبد الله الأنصاريِّ، عن عن حُمَيْدٍ عن أنس - مرفوعًا -: "كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ" (٢)؛ فإذا رويناه من جُزْءِ الأنصاريِّ (٣) تقَعُ موافقة للبخاريِّ في شيخه مع علوِّ درجته. و البَدَلُ: أن يوافقَهُ في شيخِ شيخِهِ مع العُلُوِّ -أيضًا-. مثاله: كحديث ابن مسعود الذي رواه الترمذيُّ، وتقدَّم ذِكْرُهُ. و المساواة: هو أنْ يكونَ بَيْنَ الراوي وبَيْنَ الصحابيِّ، أو من قَبْلَ

стр. 345

الصحابيِّ إلى شيخِ أَحَدِ الستَّةٌ؛ كما بَيْنَ أحد الأئمَّة الستَّة وبَيْنَ ذلك الصحابيَّ، أو مَنْ قبله على ما ذكر، أو يكون بَيْنَهُ وبين النبيِّ ﷺ كما بَيْنَ أحد الأئمَّة الستَّة وبَيْنَ النبيِّ ﷺ قال العراقي: "و هذا كلُّهُ يوجَدُ قديمًا، وأما اليوْمَ فلا توجَدُ المساواةُ، إلا أن يكونَ عَدَدُ ما بَيْنَ الراوي الآن وبَيْنَ النبيِّ ﷺ كعدد ما بين أحد الأئمة الستة وبين النبي ﷺ . و المصافحة: هو أن يَعْلُوَ طريقُ أحدِ الكتُبُ الستَّة عن المساواة بدرجةٍ، فيكون الراوي كأنَّه سَمِعَ الحديث من البخاريِّ أو مسلمٍ مثلاً (١) "، "يعني: أنَّ الراوي كأنَّه لَقِيَ أحد الأئمَّة الستَّة وصافَحَهُ بذلك الحديث. و وقع التمثيلُ بالكُتُب الستَّة؛ لأن الغالب على المُخَرجِّين استعمالُ ذلك بالنسبة إليهم فقطْ، وقد استعمله الظاهريُّ (٢) وغيره، بالنِّسْبة إلى مسند الإمامِ أحمَدَ، ولا مشاحَّةفي ذلك "؛ (٣) قاله العراقي، ولعُلُوِّ الإسناد أقسامٌ أخْرى تُطُلَبُ من المطوَّلات. قال الحافظ ابن حَجَرٍ في "شرح النخبة": "و يُقَابِلُ العلوَّ بأقسامه المَذْكُورة: النُّزُولُ؛ فيكونُ كلُّ قسمِ من أقسام العُلُوَّ يقابلُهُ قِسْمٌ من أقسام النزول؛ خلافًا لمن زعم أن العُلُوَّ قد يقع غير تابع النزول" (٤). انتهى

стр. 346

[رواية الأقران] (١) فِإَنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالِرَّوَايَةِ؛ كَالسِّنِّ، واللُ_قَي، وَهُوَ الأَخْذُ عَنِ المَشَايِخِ -: فَهُوَ الأَقْرَانُ - بفتح الهمزة - وهو نوعٌ لطيفٌ ومِنْ فوائد معرفتِهِ الأمْنُ من ظَنِّ الزيادة في السَنِد. مثاله: روايةُ الأعمش، عن التَّيْمِيِّ، وهما قرينانِ، وقد يجتمعُ جماعةٌ من الأقران في سلسلة؛ كرواية أحمد، عن أبي خَيْثَمة زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عن ابن مِعَين، عن علي بن المديني، عن عبيد الله بن معاذ؛ لحديث أبي سَلَمَة، عن عائشة: "كثنَّ أَزْوَاجُ النَّبيِّ ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ شُعُوِرِهنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ " (٢)؛ فالخمسة - كما قال الخطيب - أقْرَانٌ.

стр. 347

و المصنَّف جرى على ما اشتهر عن الحاكمِ؛ حيث قال في كتابه "علوم الحديث": "و إنَّما القرينَانِ إذا تقارَبَ سنُّهما وإسنادهما" (١)، فإذا روى أحد القرينَيْن عن الآخر من غَيْر أن يروي الآخَرُ عنه -: فذلك من رواية الأقران"، وقال ابن الصَّلاح: "إنَّ الحاكمَ ربَّما اكتفَى بالتقارُبِ في الإسنادِ، وإن لَمْ يوجَدِ التقاربُ في السِّنِّ" (٢). انتهى. والمراد بالتقارب بالإسناد أن يكونَ أَخَذَ عن غالبِ من أخذ عنه شيخه،، وقد سَبَقَ معنى الرواية أوَّلَ الكتاب؛ على وجه يَنْكَشفُ به الحجاب.

стр. 348

[المدبج] (١) و إن روى كُلٌ منهما - أي: الراوي، ومَنْ روى عنه - عن الآخَرِ -: فهو المُدَبَّجُ - بضمِّ الميم، وفتح المُهْمَلة، وتشديد الموحَّدة، وآخره جيمٌ - سُمِّيَ بذلك؛ أخذًا من ديباجَتَي الوَجْه، وهما الخَدَّانِ؛ لتساويهما وتقابلهما، أو أنه لما فيه من الحُسْن والزينة، من: دَبَّجْتُ، بمعنى: زَيَّنْتُ، والذي سماه بذلك الدارقطنيُّ، وصنَّف فيه كتابًا. و هو إما بواسطة؛ كرواية الليث، عن يزيد بن الهاد، عن مالك، ويروي مالك، عن يزيد، عن الليث، وإما بلا واسطة؛ كرواية كُلٍّ من أبي هريرة وعائشة عن الآخر، ويقع في الصحابة؛ كالمثال الثاني،، وفي التابعين؛ كرواية الزهري عن أبي الزبير، وأبي الزبير عن الزهري،، وفي أتباع التابعين؛ كرواية مالك عن الأوزاعيِّ، والأوزعيِّ عن مالك، وفي أتباع الأتباع؛ كرواية أحمدَ بْنِ حنبلٍ عن علي بن المَدِينيِّ، وعلي بن المديني عن أحمد بن حنبل.