← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 696

عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر

محمود شكري الألوسي

Полный текст (325 стр.). Показаны 274–313 · переход к 279.

стр. 274

أبو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ (١) في "الأطراف" (٢): إنَّ عُمَرَ لم يلْقَ عقبة" (٣) و عدم اللَّقْيِ يُعْرَفُ بتصريح إمامٍ مُطَّلِعٍ عليه؛ كقول المِزِّيِّ، في عَدَمِ لقاءِ عُمَرَ لعقبة، أو بإخبار الراوي عن نَفْسه بعدمِ اللَّقْيِ. و اعلَمْ: أنَّ كثيرًا من المحدِّثين جعَلُوا المرسَلَ الخفيَّ مع المدلَّس قسمًا واحدًا، لكنَّ الحقَّ ما ذكره الحافظ ابن حَجَرٍ في شَرْحه، وجرى عليه المصنِّف؛ من الفَرْق بينهما؛ حيث قال: "وَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ اللقَاءِ مَعَ المُعَاصَرَةِ: في التَّدْلِيسِ فَقَطْ-: إِطْبَاقُ أَهْلِ العلْمِ

стр. 275

بالحديثِ على أنَّ رواية المُخَضْرِمَينَ (١) كأبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (٢) وقَيْسِ بْنِ أبي حازم (٣)، عن النبي ﷺ من قبيل الإرسالِ، لا من قبيل التَّدْليس، ولو كان مُجَرَّد المعاصرة يَكْفي في التدليسِ، لكان هؤلاءِ مدلِّسين؛ لأنَّهُمْ عاصروا النبيَّ ﷺ قَطْعًا، لكنْ لم يُعْرَفُ هل لَقُوهُ أم لا. و ممَّنْ قال باشتراطِ اللقاءِ في التدليسِ فقطِ: الإمامُ الشافعيُّ، وأبو بكرٍ البَزَّارُ، وكلامُ الخطيبِ في "الكفاية" يقتضيه؛ وهو المعتَمَدُ" (٤). أقولُ: ولا يَرِدُ عليه: "إنَّما لم يُطْلَقْ على روايةِ المُخَضْرَمِينَ اسْمُ "التدليسِ"؛ صيانةً لأهل ذلك القَرْنِ عن بَشَاعة هذا اللفْظِ؛ بدليل أنه لا

стр. 276

يُطْلَقُ التدليسُ على مَنْ حدَّث عن النبيِّ ﷺ بشيْءٍ لم يسمعْهُ منه، ولو كان حَدُّهُ صادقًا عليه، وأُطْلِق عليه: مُرْسَلُ الصحابيِّ؛ لأنه لا فَرْقَ بين الصحابة وبين هؤلاءِ؛ لأنَّ حديثَ الصحابة كُلَّهُ مقبولٌ؛ لأنهُمْ إنَّما يُرْسِلُون عن مِثْلِهِمْ، وكلُّهم عدولٌ - كما مرَّ غيْرَ مَّرةٍ - وقد تُتُبِّعَ ما أسندوه عن التابعين، فلمْ يوجَدْ فيه حكْمٌ؛ إنما هو أخبارُ الأُمَمِ ونحوها، والتدليسُ إنما هو لأنَّه يوجبُ التوقُّفَ في قَبُولِ ما كان مِنْ خبره بصيغة مُحْتَمِلَةٍ؛ لاحتمال أن يكونَ حّذَفَ الذي حدَّث به، وهو ضعيفٌ، وهذا الاحتمالُ بعَيْنه يمكنُ في المُخَضْرَمِين؛ فإنهم رَوَوْا عن التابعين، فأكْثَرُوا عن الضعفاء وغيِرِهِمْ؛ فلم يَبْقَ إلا التفُّريق بين اللَّقْي وعدمِهِ".

стр. 277

أنواع لمردود للطَّعْن في الرَّاوِي و لما فَرَغَ المصنِّف من بيان المردود للسَّقْط، شَرَعَ في المردود للطَّعْن؛ فقال: والطَّعْنُ يَكُونُ في الرَّاوِي بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ، وهي قسمان: خمسةٌ منها تتعلَّق بالعدالة (١)، وهي - لغةً - التوسُّط في الأَمْرو الاستقامةُ، و في الاصطلاح: مَلَكَةٌ تَمْنَعُ من فِعْل كبيرةٍ، وأُلْحِقَ بها إصرارُهُ على صغيرةٍ، أي: المداومةُ عليها إنْ لمْ تَغْلِبْ طاعاتُهُ، أما من غلبَتْ طاعاتُهُ، فلا إصرارَ عِنْدَهُ؛ بل لا صغائر أصلا؛ لما قاله الجمهورُ مِنْ أنَّ من غَلَبَتْ طاعتُهُ معاصيَهُ، كان عدلًا، ومَنْ تَغْلِبُ معاصيه طاعَتَهُ، كان مردودَ الشَّهادة، والمرادُ "المَلَكَة" هيَيْئَةٌ راسخةٌ في النَّفْس، ويُعْرَفُ هذا الرسوخُ بغلبة الطاعاتِ؛ إذ ليس للعَدْلِ علامةٌ يُفَرَّقُ بينه وبين غير العَدْل في بدنه، ولا لَفْظِهِ؛ وإنما علامةُ صدقه ما يُخْبِرُ عن حاله في نفسه، فإن كان الأغلَبُ من أمره ظَاهِرَ الخَيْر، قُبِلَ. وهي -أي- الخمسة المتعلقة بالعدالة مجموع ما يذكر بعد لا كل واحد منها حتى يقال لا يصح الحكم على الخمسة بكلِّ واحدٍ من هذه الأمور؛ وبيان ذلك:

стр. 278

أن الضَّمِيرَ راجعٌ إلى الخمسة، إلا، أنَّ العطْفَ مقدَّم على الحكْم؛ فكأنه عطف أولا بعضهًا على بَعْض، ثُمَّ حكَمَ على المجموع بأنَّهُ خبر المبتدأ، و مِثْلُ هذا شائعٌ في عبارتِهِمْ،

стр. 279

[الموضوع] (١) و مِنْ ذلك المجموع: الكَذِبُ في الحديث النبويِّ، أبي المنسوب إلى النبيِّ ﷺ وقدَّمه؛ لأنَّه أشهرها، وهو أنواعٌ، فمنهم من يفعل ذلك؛ استخفافًا بالدِّين؛ ليُضِلَّ به الناس؛ كالزنادقة (٢)، وهم: الذين يُبْطِنُونَ الكفْرَ، ويُظْهِرُونَ الإسلام، أو الذين لا يتديَّنون بِدِينٍ، و منهُمْ من يفعله؛ انتصارًا أو تعصُّبًا لمذاهبهم؛ كالخَطَّابِيَّة (٣)؛ فرقةٌ

стр. 280

تننسِبُ لأبي الخَطَّب الأَسَدِيِّ، وكانوا يقولون بالحُلُول، وكالسَّالِمِية، وقد تُنْسَبُ للحسنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ سالمٍ السالِمِيِّ، و منهم: مَنْ يفعله؛ ليتقرَّبون لبعض الخلفاءِ والأمراءِ بوَضْع ما يوافِقُ أفعالَهُمْ، وآراءَهُمْ؛ ليكُونَ كالعُذْرِ لهم فيما أَتَوْا به؛ كغِيَاث بْنِ إبْرَاهيم (١)؛ حيث وضَعَ للمَهْدِيِّ في حديث: لا سَبَقَ إِلا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ"؛ فزاد فيه: "أَوْ جَنَاحٍ" (٢)، وكان المهديُّ إذْ ذاك - يَلْعَبُ بالحمامِ، فَتَرَكَهَا بعد ذلك، و أمر بذبحها، وقال: أنا حملْتُهُ على ذلك __!! " ومنهم: مَنْ يفعلُهُ لِذَمِّ من يريدون ذمَّهُ.

стр. 281

و منهم: مَنْ يفعلُهُ للاكتسابِ والارتزاقِ. و منهُمْ: من يفعلُهُ لإقامة دليلٍ على ما أَفْتَوْا فيه بآرائِهِمْ. و منهُمْ: من يفعلُهُ ليتديَّن به؛ لترغيبِ الناسِ في أفعالِ الخَبْر بزعمهم؛ وهم ينتسبون به للزُّهْد. ثم إنَّ منهم من وضَعَ ذلك مِنْ عنده، ونَسَبَهُ إلى النبيِّ ﷺ . و منهم: من وضَعَ كلامَ الحكماءِ أو الزُّهَّاد أو الصَّحَابة، أو الإسرائيليَّات في المُسْنَدِ المرفوع؛ ترويحيًا؛ كحديثِ: "حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ" (١)؛ فإنه من كلام مالكِ بْنِ دينارٍ؛ كما رواه ابن أبي الدنيا في "مقايد الشيطان"، أو من كلام عيسى بْنِ مَرْيَمَ ﷺ كما رواه البيهقيُّ في "كتاب الزُّهْد" وقال في "شعب الإيمان": "و لا أصْلَ له من حديث رسول الله ﷺ إلا من مراسيلِ الحسنِ البَصْرِيِّ (٢)، ومراسيلُ الحَسَنِ - عندهم - أشبَهُ شَيْءٍ بالرِّيح المرسلة" (٣). و كحديث: "المَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ؛ والْحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ" (٤)؛ فإنه من

стр. 282

كلام بعض الأطبَّاء، ولا أصل له عن النبيِّ، ﷺ . و منهم من لا يقصد بوضَعْه، بَلْ يقع منه توهُّمًا وغَلَطًا؛ نحو حديث ثابتِ بن مُوسَى الزاهِدِ الذي رواه عَنْ شريكٍ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - مرفوعًا: "مَنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجَهُهُ بِالنَّهَارِ" (١)؛ فهذا لا أصْلَ له عن النبي ﷺ ولَمْ يقصدْ ثابتٌ وضعَهُ، وإنما دَخَلَ على شَرِيكِ بن عبد الله القاضِيِ، وهو بمَجْلسِ إملائِهِ عند قوله: "حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ولم يذكر المتْنَ؛ إذ ذكره - على ما اقتضاه كلامُ ابن حِبَّانَ - وهو: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ (٢) "، فقال شريكٌ - متَّصلا بالسند أو المَتْن، حين نظر إلى ثابتٍ ممازحًا له -: "مِمَّنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ … إلى

стр. 283

آخره"؛ مريدًا به ثابتًا؛ لزُهْده، ووَرَعِهِ، وعبادته، فظنَّ ثابتٌ أنَّهُ متْنَ السند أو بقيَّته؛ فكان يحدِّث كذلك - متصلا أو مدرجًا له في المَتْن - غفلةً ووهمًا منه. و اعلَمْ: أن الكذِبَ يُعْرَفُ بالإقرارِ - كما سيجيء أو بمِثْلِهِ؛ كأنْ يحدِّثَ بحديثٍ عن شيخ، ثمَّ يَسْأَلَ عن مَوْلِدِهِ، فيذكره بتاريخٍ يُعْلَمُ به وفاتُهُ قبله، ولا يُعْرَف ذلك الحديث إلا عنده؛ فهذا لم يُقرَّ بوضعه، ولكنَّ إقراره بمَوْلده، يُنَزَّلُ منزلة إقراره بوضعه؛ لأن ذلك الحديثَ لم يثبُتْ إلا عند الشيخِ، ولا يُعْرَفُ إلا بروايتِهِ، أو يُعْرَف برَكَاكة لَفْظه مما يَرْجِع إلى عدم الفصاحة، وما يَتْبَعُها مع التَّصْريح بأنه لَفْظُ النبيِّ ﷺ أو بَرَكاكة معناهِ ممَّا يَرْجِع إلى الإخبار عن الجَمْع بين النقيضَيْن، وعن نَفْي الصانع، أو عَنْ قِدَمِ الأجسام، أو نَحْوِ ذلك، أو بِرَكَاكتهما معًا؛ وقد روى الرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ (١) التابعيُّ، قال: إِنَّ للحديثِ ضَوْءًا كضَوْءِ النهارِ، تَعْرِفُهُ، وظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ تُنْكِرُهُ" (٢)،

стр. 284

وقال ابن الجَوْزِيّ (١): "الحديثُ المُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ منه جِلْد الطالب؛ ويَنْفِرُ منه قَلْبُهُ في الغالب؛ وذلك بأن يَحْصُلَ - كما قال ابنُ دقيق العيد - للمحدِّث - لكثرة محاولة ألفاظِ النبيِّ ﷺ هيئةٌ نَفْسانيَّةٌ؛ ومَلَكَةٌ قويَّة، يعرفُ بها ما يجوزُ أن يكونَ من ألفاظِ النبوَّة، وما لا يجوز" (٢). قال العراقي (٣) ما حاصله: "و قد استشكَلَ ابنُ دَقِيقٍ الثَّبَجِيُّ (٤) القطْعَ بالوَضْع على رواية من أقَرَّ بوضعها، بلا قرينةٍ؛ إذ قد يَكْذِبُ في اعترافه لقَصْدِ التنفير عن هذا المرويِّ أو لغيره، ممَّا يورِّثُ ريبةً؛ وحينئذٍ: فالاحتياطُ ألا يصرِّح بالوَضْع، ويُعْرَضَ عنه، ولا يُحْتَجَّ به؛ مواخذةً له باعترافه" (٥).

стр. 285

قال القاضي: "و حاصلُهُ: أنَّ إقراره بوَضْعِهِ كان في رَدِّهِ، لكنْ ليس بقاطِعٍ في كونِهِ موضوعًا؛ لجواز كَذِبِهِ في إقراره؛ ففي الحقيقة: ليس ذلك استشكالا، بل بيانٌ للمراد والواقع؛ إذ لا يُشْتَرَطُ في الحكم القطْعُ؛ بل يكفي غَلَبَةُ الظنِّ" (١). انتهى ملخَّصًا. و يسمَّى الخَبَرُ الكّذِبُ: موضوعًا؛ من وَضَعَ الشَّيْء، أي حَطَّهُ؛ سمي بذلك لانحطاطِ رُتْبَتِهِ دائمًا؛ بحيث لا ينجبرُ أصلا، ولم يجوِّزِ العلماءُ ذِكْره لمن عَلِمَ أنه كَذِب في أيِّ معنًى كان: من حُكْمٍ، أوِقصَّة، أو ترغيب أو ترهيب، أو غيرها؛ لخبر: "مَنْ حَدَّثَ عَنَّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابِينَ" (٢)، وكلُّ مَنْ يرويه حصل له الضَّرَر، لاسِيَّمَا مَنْ وَضَعَ ذلك؛ ترغيبًا للخيْر، من نَسَبِ نفسَهُ إلى الصلاح؛ ليحتسبوها عند الله - بزعْمِهِمُ الباطل؛ وجَهْلِهِمُ القاتل - وإنما كانوا أضرَّ؛ لأنهم يَرَوْنَ ذلك. قُرْبَةَ؛ فلا يتركونَهُ، ويُقْبَلُ منهم؛ وثوقًا بهم؛ لِمَا نُسِبُوا له من

стр. 286

الزُّهْد والصلاح، وينقُلُهَا عنهم مَنِ اتصف بالخَيْر، والتقوى، وحُسْنِ الظنِّ، وسلامةِ الصدر؛ بحيث يُحْمَلُ كلُّ ما سَمِعه على الصدق، ولا يُهْتَدَي لتمييز الخطإ من الصَّوَاب. و قد خَلَقَ اللهُ لها نُقَّادًا، واختصَّهُمْ بقوَّة البصيرة في عِلْمِ الحديث، فلَمْ يَخْفَ عليهم حالُ الكَذَّاب وغيرِهِ؛ فبيَّنوا فسادها، وقاموا بأعباء ما تحمَّلوه؛ ومِنْ ثم: لمَّا قيل لابْنِ المبارك (١): هذه الأحاديثُ المصنوعَةُ؟! قالَ: يَعِيشُ لها الجَهَابِذَة؛ ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا

стр. 287

لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) [الحجر: ٩] "؛ وذلك نحو ما رُوِىَ عن أبي عِصْمَةَ - نُوحِ بْنِ أبي مَرْيَمَ القُرَشِيِّ المَرْوَزِيِّ (٢)، قاضي مَرْوَ، الملقَّبِ بالجامع؛ لجَمْعه بين التَّفْسِير والحديث والمغازي والفِقْه مع العِلْمِ بأمور الدنيا - أنه لمَّا رأى النَّاسَ أَعْرَضُوا عن القُرْآنِ - بزَعْمه - واشتَغَلُوا بفِقْهِ أبي حنيفَةَ، ومغازي ابن إسْحَاقَ - مع أنهما من شُيُوخِهِ -: افْتَرَى لَهُمْ مِنْ عِنْدِ نفسِهِ حسبةً - باعترافه - حديثًا في فضائل قراءة السور، ورواه عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ وممَّنْ صرَّح بوضعه الحاكمُ، وقال هو وابْنُ حِبَّان: "إنه جَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ إلا الصِّدق" (٣)؛ و كذا قد اعتَرَفَ راوِي الحديثِ الطويلِ، عن أُبَيِّ بن كَعْب ﵁ في فضائل قراءة السور، بوضعه أيضًا (٤)؛ فقد قال عبد الرحمن المؤمَّل بْن إسماعيل: حدَّثني به شيخٌ، فقلتُ له: مَنْ حدَّثَكَ؟ فقال رجلٌ بالمدائن، وهو حّيٌّ، فصِرْتُ إليه، فقال: حدَّثني به شيخ بالبصرة فصرت إليه فقال حدثني به شيْخٌ بِعَبَّادَانَ، فَصِرْتُ إليه، فأخَذَ بيَدِي، فأدخَلَنِيِ بيتًا، فإذا فيه قَوْمٌ من

стр. 288

المتصوِّفة، ومعهم شيخٌ، فقال: هذا الشيْخُ حدَّثني به، فقلت له: يا شيْخُ، مَنْ حدَّثَكَ بهذا؟ فقال: لم يحدِّثْنِيِ به أحدٌ، ولكنَّا رأينا الناسَ رَغِبُوا عن القُرْآنِ، فوضَعْنَا لهم هذا الحديثَ؛ ليَصْرِفُوا قلوبَهُمْ إلى القرآن. و قد أخطأ مَنْ وضع ذلك، في تفسير ونحوِهِ، لاسيَّمَا الزمَخْشَرِيُّ (١)، ومَنْ تبعه؛ كالبَيْضاويِّ (٢) ونحوه؛ حيث أوردوه بِصِيغَةِ الجَزْم، ولم يبرز سنده.

стр. 289

وجوَّز الكَرَّاميَّة (١) وَضْعَهُ؛ ترغيبًا وترهيبًا؛ زجَرًا عن المعصية؛ محتَجِّين في ذلك بأنَّ الكَذِبَ في الترغيب والترهيب للنبيِّ ﷺ لكونه مقويَّا للشريعة، لا عَلَيْهِ، والكذبُ عليه إنما هو كأنْ يقالَ: إنه ساحرٌ أو مجنونٌ أو نَحْوُ ذلك؛ تمَّسكُوا في ذلك بخبر: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلَّ النَّاسَ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٢)، وتمسُّكُهم مردودٌ؛ لأن ذلك كذبٌ عليه في موضعٍ الأحكامِ؛ فإنَّ المندوب منها، ويتضمَّن ذلك الإخبارَ عن الله تعالَى بالوَعْد على ذلك العَمَلِ بالثواب، ولأنَّ لفظةً "لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ" اتفق

стр. 290

الأئمَّة على وضعها، وبتقدير قَبُولها، فاللامُ ليسَتْ للتعليل - ليكون لها مفهوم - بل للعاقبةِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وخَزَنًا﴾ [القصص: ٢٨]؛ لأنَّهُمْ لم يلتقطوه لذلك، أو للتأكيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]؛ إِذِا فتراءُ الكذِبِ على الله محرَّمٌ مطلقًا، سواءٌ قَصَدَ به الإضلالَ أم لا و من ذلك المجموعِ (١) التُّهَمَةُ بذلك، أي بالحديث النبوي إمَّا لكونه تفرَّد بروايته، وكان ذلك مخالفًا للقواعد المعلومة [و إما]؛ لكونه مَعْرُوفًا بالكذِبِ في غيره؛ كحديث صَدَقَةَ الدَّقِيقِيِّ، عن فَرْقَدٍ، عن مُرَّةً الطَّيِّبِ، عن أبي بكر (٢)، و حديثِ عَمْرِو (٣) بن شَمِرٍ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن الحارث، عن علي، وكُلٌّ من صَدَقَةَ (٤) وعَمْرٍو (٥) كان مُتَّهَمًا بالكذب في غير الحديثِ النبويِّ،

стр. 291

ولا يُبَالى به، وإن كان كذبُهُ في حديثِ رسول الله ﷺ ليْسَ بمتحقِّقٍ؛ فإنَّ من تجرَّأ على الكذبِ مطلقًا أمْكَنَ أن يَكْذِبَ في الحديث النبويِّ، وأيضًا إنَّ من كان بهذه المثابة لا اعتماد على كلامِهِ مطلقًا؛ فكيف في الأحاديثِ النبويَّة؛ والأحكامِ الشرعيَّة (١)، والشق الثاني أهون من الأول. و منه (٢) - وهو ثالثُهَا - ظهورُ الفِسْقِ؛ بأن ارتكَبَ كبيرةً، فعليَّةً أو

стр. 292

قوليةً، من غير عُذْر، أما مِنْ عُذْر في فِعْلٍ مفسِّقٍ - ولو كان قطعيًّا مقبولٌ في الأصحِّ، سواءٌ اعتقَدَ الإباحَةَ أو لم يعتقدْ شيئًا - للعُذْر - بخلاف مَنْ عَلِمَ التحريمَ بإخبار، أو تديَّنَ بالكذب؛ فلا يُقْبَلُ قطعًا. و هذا التفصيلُ منقولٌ عن الشافعيِّ. أمَّا في المظنون: فكقوله: إِذَا شَرِبَ الحَنَفِيُّ النبيذَ مِنْ غَيْر سُكْرٍ، أَقْبَلُ الكلام للشافعي يوثَّق شهادتَهُ واحدًة؛ لأنَّه لم يُقْبِلْ عليه بجرأة، ودليلُ تحريمه ليس قطعيًّا حتى لا يُعْتَبَرَ معه، فتقبل روايتُهُ. و أما في المَقْطُوع: فكقوله: أقبَلُ روايةَ أَهْل الأهواءِ إلا الخَطَّابيَّة (١)، وتوجيهُهُ فيهما: أن المقتضِيَ لقَبُولِ روايته قائمٌ، وهو ظنُّ صِدْقِه؛ لأنه يرى الكَذِبَ قبيحًا لغَيْه، والمعارضُ المتَّفَق عليه مُنْتَفٍ؛ فوجَبَ أن يُقْبَل؛ عملا بالمقتضِى. و قيل: لا يُقْبَل؛ لارتكابه المفسِّق، وإنِ اعتقَدَ الإباحة. و قيل: يُقْبَل في المظنون دون المقطوع؛ لأنَّ ظَنَّ الصدْقِ يَضْعُفُ في المقطوعِ دون المظنون، و لا الكبيرةِ حُدُودٌ كلُّها مدخولةٌ، فالأَوْلَى تعريفها بالعد والتفصيل ب "الزواجر" (٢) للعلامة ابن حجر الهيثمي و ضده - وهو رابعها (٣) - الجَهْلُ بحال الراوِيِ؛ بأن كان مَسْتُورَ،

стр. 293

العدالة، فلا تُقْبَلُ روايتُهُ؛ لانتفاء تحقُّق الشَّرْط؛ فإنَّ من كان مجهولا، احتمل أن يكون صادقًا، وأنْ يكونَ كاذبًا؛ فوقع الشَّكُّ في تعديله وجَرْحه؛ فلا عِبْرَةَ بروايته. و اكتفَى أبو حنيفة ﵁ بالإسلام وعَدَمِ ظُهُورِ الفِسْق؛ قال: لأنَّه يظنُّ من عدالته - في الظاهر - عدالتُهُ في الباطنِ، ووافقَهُ - من الشافعيَّة- (١) ابن فُورَكَ (٢) وسَلِمٌ الرازيُّ (٣)، وعزاه قومٌ

стр. 294

إلى الشافعيِّ (١)، وهو غلطٌ توهَّموه من قوله: "ينعقدُ النكاحُ بشهادة المستُورِينَ"، وذَكَرَ صاحب البديع (٢) وغَيْرُهُ من الحنفيَّة - أن أباحنيفَةَ ﵁ إنَّما قَبِلَ ذلك في صدر الإسلام؛ حيثُ كان الغالبُ على الناسِ العدالَةَ، فأما اليوْمَ، فلا بُدَّ من التزكية (٣)؛ لغلبة الفسق (٤) "؛ وهذا هو الصحيح.

стр. 295

و قال إمامُ الحرمينٍ (١): "يُوقَفُ عن القَبُول والرَّدِّ إلى أن يظهر حاله بالبَحْث عنه، أما المجهول باطنًا وظاهرًا فمردودٌ قطعًا - كما عليه الجمهورُ - لانتفاءِ تحقُّق العدالة وظنِّها" (٢). و أمَّا من وصفَهُ إمامٌ من أئمَّة المحدِّثين - كمالكٍ والشافعيٌ والبخاريِّ بلا تهمةٍ (٣)، أو بكونه ثقةً، وذلك كقول مالك - قليلا -: "قال الثقَةُ، عن عَمْرو بن شُعَيْب"؛ وذكر ابن عبد البر أن المراد به عبد الله بُنْ وَهْبٍ (٤)، فقيل: الزهريّ (٥)، وكقول الشافعيِّ- كثيرًا -: "أخبَرَنيِ

стр. 296

الثقَةُ، أو مَنْ لا أتهمُهُ" (١)؛ فهو مقبولٌ في الأصحِّ (٢)؛ لأنه لا يصفه بذلك إلا وهو كذلك. (٣)

стр. 297

[حكم رواية المبتدع] (١) و منه (٢) - وهو خامسها - البدعةُ المكفِّرة. أما البِدْعة: فهي ما حَدَثَ على خلافِ الحقِّ المتلقَّى عن رسول الله ﷺ وأصحابِهِ مِنْ علْمٍ، أو عملٍ، أو حالِ نُبُوغِ شبهةٍ أو استحسانٍ. و المكفِّرة (٣). ما انضمَّ إليها مكفِّر صريحٌ؛ وذلك كالخابِطِيَّة (٤)،

стр. 298

القَائِلِين بإلهَيْنِ، والجَنَاحِيَّة (١)، الذين أنْكَرُوا القيامة، واستحلُّوا المحرَّمات من الخَمْر والزِّنَى، والإسماعيليَّة (٢)، الذين قَصَدُوا إبطال الشرائع، والخَطَّابيَّة (٣)، الذين هُمْ قَوْمٌ من غلاة الشيعةِ أصحابُ أبي الخَطَّاب الأسديِّ، الذي كان يقولُ بألوهيَّة جعفرٍ الصادقِ ﵁ ثم ادعى الألوهيَّة لِنَفْسه، وكان يزعُمُ أن الأئمَّة أنبياء، وفي كلِّ وقْتٍ رسولٌ … إلى غير ذلك من الضلال. و أمثالِ هؤلاء.

стр. 299

فلا تقبَلُ روايتُهُمْ، سواءٌ كانوا يعتقدون حرمةَ الكَذِبِ أم لا؛ كما أن الكافِرَ لا تُقْبَلُ منه، وإن عُلِمَ منه التديُّن والتحرُّز عن الكذب؛ إذْ لا وُثُق به في الجملة، مع شَرَف مَنْصِبِ الرواية؛ نعم، إن أسلَمَ الكافرُ، أو تاب الفاسقُ - قُبِلَتْ منهما، ولو تحمَّلاها، قُبِلَ، و أمَّا من لزمه الكُفْر؛ كالمكفِّرات التي انضمَّتْ إلى بدعة المُعْتزلةِ، والشِّيعةِ -: فتُقْبَلُ روايتُهُ ما لم يكُنْ داعيًة، أي يدعو الناسَ إلى بدعته؛ لأنه لا يُؤْمَنُ أن يضَعَ الحديثَ على وَفَقِ بِدْعته؛ وهذا قولُ مالك - كما حكاه القاضي عبد الوَهَّاب (١) - وقيل: إنه مذهبُ أحمد (٢)؛ ورجَّحه ابن الصَّلاح في "علوم الحديث" (٣)، وتَبِعَهُ على ترجيحه النوويُّ (٤) وغيره -

стр. 300

ناقلين له عن الأَكْثَر - وقال ابن حِبَّان لا أعلَمُ فيه اختلافًا (١). و قيل لا تُقْبَلُ روايةُ المبتدعِ مطلقًا؛ وعليه الأكثرون؛ لأنه فاسق (٢)، واستبْعَدَ ذلك ابن الصلاح؛ بأنَّ كُتُبَ الأئمَّة طافحةٌ بالرواية عن المبتدعة (٣)؛ وقال الشافعي: "أقْبَلُ شهادة أهْلِ الأهواءِ إلا الخَطَّابيَّةَ"؛ لاعتقادهم حِلًّ الكذب مطلقًا، أو لموافِقِيِهِمْ؛ وهو الأشهر. (٤)

стр. 301

و خمسةٌ مِنْها (١) تتعلَّق بالضَّبْط، وقد تقدَّم معناه، فتذكَّرْ، ولا تَكُنْ من الغافلين. و هي - أي: الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ - مجموعُ ما يُذْكَرُ بَعْدُ؛ على وَفْقِ ما سبق. أوَّلُها: فُحْش غَلَطه، أي: كثرتُهُ؛ بأن يكونَ خطؤه أَكْثَرَ من صوابه، أو مساويًا. (٢) و ثانيها: كَثْرة غَفْلته. (٣) و ثالثها: وَهَمُهُ - بفتح الهاء - أي: خَطَؤه (٤)، وأما الذي

стр. 302

بالسُّكُون، فهو أحد الحواسِّ الباطنة؛ عِنْدَ القائلين بها. و رابعُهَا: مخالفتُهُ للثِّقَات (١) - جمع ثِقَةٍ - وهو الجامعُ لصفاتِ القَبُول.

стр. 303

و خامسُهَا: سُوءُ حِفْظه (١). فكلُّ من هذه الخمسة (٢) - وكذا الخمسة السابقة (٣) - تُوجِبُ الطَّعْنَ في الراوي، وعَدَمَ قَبُول روايته؛ لما يَتَطَرَّقُ حديثَهُ مِنَ الخَلَلِ. و قد بَقِيّ علَيْه أَنَّ المجنونَ لا تُقْبَلُ روايته، وإنِ انقطع جُنُونه. (٤)

стр. 304

و كذا الصبيُّ - عند قوم - على الأصحِّ؛ إذ لا وُثُوق به؛ لأنه - لعلْمِهِ بعدم تكليفه - قد لا يحترزُ عن الكذب. و قيل: تُقْبَلُ روايته إن عُلِمَ منه التحرُّز عن الكذب. (١) أما غَيْرُ المميِّز: فلا تُقْبَلُ قطعًا؛ كالمجنون. نعم، إنْ تحمَّل الصبيُّ المميِّز، فبلَّغ، فأدَّى ما تحمَّله -: فإنه يُقْبَلُ عند الجمهور؛ لانتفاء المحذور السابق، ولأنَّهم أجمعوا على قَبُول رواية نَحْوِ الحُسَيْنِ، وابنِ عباس، وابن الزُّبَيْر، والنُّعْمَانِ بْنِ بَشِير، من أحداث الصحابة ﵃ من غَيْر فَرْقٍ بين ما تحمَّلوه قبل البلوغ أو بعده. (٢) و اعلَمْ: أنَّ أَهْلَ الحديثِ يُجَوِّزون ما سمعه الصبيَّ الصغيرُ، وإنْ لم يَعْلَمْ عِنْدَ التحمُّل ما سَمعَ، وأكثرُهُمْ على أنه لا يجوزُ سَمَاعُ من له دُونَ خَمْس سنين؛ وأَمَّا الفْقَّهَاءُ: فلا يَرَوْنَ ذلك؛ بل لا بُدَّ من تمييز الصبيِّ عند التحمُّل، ولا بدَّ من ضَبْطِ ما سَمِعَهُ وحِفْظِهِ، حتَّى يَرْوِيَهُ كما سَمِعه، والاعتبارُ بضَبْط

стр. 305

اللفْظ، وإن لَمْ يَعْرِفِ المعنى، وبعضُهُمُ اشتَرَطَ المعنَى، وهو متعذِّرٌ مع العَمَل برواية الحديث إلا على الآحَاد؛ قاله ابن الأَثِير (١) في "شَرْح المسند (٢) ".

стр. 306

[المُعَلُّ] (١) و الْوَهَمُ: كوَصْلِ مُرْسَلٍ، وإدخالِ حديث في حديثٍ؛ وهذا هو المُعَلَّلُ، والأَجْوَدُ: المُعَلُّ؛ كما عَبَّرَ به بعضهم، وأَكْثَرُ عباراتِهِمْ في الفِعْل: أعلَّهٌ فلانٌ بكذا، وقياسُهُ: مُعَلٌّ، وهُو المعروفُ لغةً - يقال: لا أَعَلَّكّ اللهُ، أي: لا أصابَكَ بِعِلَّةٍ، ولا يصحُّ إرادةُ المعلَّل إلا بتجَّوز؛ لأنَّهُ ليس من هذا الباب، بَلْ من باب التعلُّل الذي هو: التشاغُلُ، والتلهِّي؛ ومنه تعليلُ الصبيِّ بالطعام، ولا يقال: مَعْلُولٌ - وإِنْ وَقَعَ في كلامِ كثيرٍ من أَهْل الحديثِ (٢) والأُصُول والكلام - لأنَّه من حَملَّهُ بالشراب: إذا سقاه مرَّةً بعد أخرى، لا مما نحْنُ فيه.

стр. 307

و هو: ما ظاهرُهُ السلامةُ، اطُّلِعَ فيه - بعد تفتيشٍ - على قادحٍ وعلى علَّةٍ خفيَّةٍ، وهي عبارةٌ عن أسبابٍ خفيَّةٍ غامضةٍ، قادحةٍ في صِحَّة الحديثِ، مع أنَّ الظاهر السلامةُ منها بجَمْعه شروطَ القَبُولِ، ظهرتْ للعارفِ، بمخالفة راويه لغَيْره ممَّن هو أحفَظُ وأضبَطُ، أو أكثَرُ عددًا، أو بتفرُّده بأن لم يُتَابَعْ عليه، مع انضمامِ قرينةٍ - لما ذكر تدل على أنه مُعَلٌّ. و معرفةُ عِلَلِ الحديث: من أَجَلِّ علومِهِ، وأدقِّها، وأشرفها، وإنَّما يستضلَّعُ بذلك أهْلُ الحفْظ والفَهْم الثاقبِ، وقد تقصُرُ عبارةُ المُعِلِّ عن دعواه؛ فإنه يُدْرَكُ بالذَّوْق السليم، ولا يمكنُ إقامةُ الحُجَّة عليه؛ كالبلاغة في الكلام (١) حتى قال ابن مَهْدِيٍّ (٢):

стр. 308

"إنه إلهامٌ (١)، وقال: لأَنْ أَعْرِفَ [علَّةَ حديثٍ] واحد أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْتُبَ عشرين حديثًا ليس عندي" (٢). و كما يَكُونُ الإعلالُ بالاطِّلَاع على وَصْل مرسل، أو إدخالِ حديثٍ في حديثٍ - كذلك يكون بإبدالِ راوٍ ضعيفٍ بثقةٍ؛ كحديث ابن جُرَيْجٍ في التِّرْمِذِيِّ وغيره، عن موسى بن عُقْبَةَ، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أَبِيهِ، عن أبي هريرة، - مرفوعًا-: "مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا، فَكَثُرَ فيه لَغَطُهُ، فَقَالَ - قَبْلَ أَنْ يَقُومَ" -: "سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ، وبِحَمْدِكَ … " (٣) الحديثَ؛

стр. 309

فإنَّ موسى ابْنَ إسماعيلَ المِنْقَرِيَّ رواه عن وُهَيْبِ بنِ خالدٍ الباهليِّ، عن سُهَيْلٍ المذكور، عن عَوْن بن عبد الله (١)، وبهذا أعلَّهُ البخاريُّ؛ فقال: "هو مرويٌّ عن موسى بن إسماعيل، وأما موسى بْنُ عقبة، فلا نَعْرِفُ له سماعًا من شُهَيْل" (٢). و قد تكونُ العلَّةُ ظاهرةً؛ حيث كَثُرَ من المحدِّثين إعلالُ الموصول بالإرسال، والمرفوع بالوَقْف؛ إِنْ كان كُلٌّ من الإرسال والوَقْف أقوى من الاتِّصَال والرَّفْع، بِكَوْن راويه أحفَظَ، وأكثَرَ عددًا. و قد يعلُّون الحديثَ بفسْقِ الراوي، وغَفْلته وسُوء حِفْظه. و قد أطلق أبو يَعْلَى الخَلِيلِيُّ (٣) واسْمَ العِلَّة على غير قادح؛ كوصل ثقةٍ

стр. 310

ضابط [ما] أرسلَهُ من لم يفقه، ولا مرجِّح (١)؛ حيث قال في إرشاده" (٢): الحديثُ أقسامٌ: معلولٌ صحيحٌ وصحيحٌ متَّفَقٌ عليه، وصحيحٌ مختَلَفٌ فيه" (٣)، ومَثَّلَ الأوَّل بحديث مالكٍ في "الموطَّأ" أنه قال: بَلَغَنَا أنَّ أباهريرة قَالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وكُسْوَتُهُ (٤) "؛ حيث وصله

стр. 311

مالك في غَيْر "الموطإ" بمحمَّد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: فقد صار الحديثُ بتبيين الإسناد صحيحًا يُعْتَمَدُ عليه (١) و جعل الترمذيُّ، النَّسْخَ عِلَّةً من علل الحديث، وألْحَقُّ: أنه أراد أنه عِلَّةٌ في العَمَل بالمنسوخ، لا أنه في صِحَّته وصِحَّة نَقْله؛ يدل على ذلك: أنَّ في كِتَابِهِ الصحيحِ أحاديثَ كثيرةً منسوخةً، وقد صحَّح هو نفسُهُ جملةً منها (٢)

стр. 312

[المدرج] (١) و المخالفَةُ، أي: مخالفةُ الراوِي للثقاتِ؛ إن كان بتَغْيير سياقِ الإسنادِ؛ بأنْ وجد مَتْنٌ، ورُدَّ عن جماعةٍ من الرواة بعضُهُمْ خالف بعضًا، بزيادةٍ أو نَقْصٍ في السند، فَيَجْمَعُ بعضُهُم كُلَّ الجماعة بإسنادٍ واحدٍ مذكورٍ، ويدرجُ روايَةَ مَنْ خالفهم معهم على الاتِّفَاق؛ كخبر ابن مسعود، قَالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا" (٢)، فإنَّ واصلَ بْنَ حَيَّانَ الأسديَّ أسْقَطَ عَمْرَو ابن شُرَحْبِيل من بَيْن شيخه شقيق أبي وائلِ بْنِ سَلَمَةَ، وابنِ مسعودٍ، فرواه عن شقيقٍ، عن ابْنِ مسعودٍ (٣)،

стр. 313

وزاده الأعمش (١)، وكذا منصورُ بْنُ المعتمِرِ (٢)؛ فروياه عن شقيقٍ، عن عَمْرٍو، عن ابن مسعود، فلمَّا رَوَى الثَّوْريُّ، عنهما، وعن واصل - صارَتْ روايتُهُ هذه مدرجَةًّ على روايتهما، وقد فَصَلَ أحدَ الإسنادَيْن عن الآخر: يحيى بْنُ سعيدٍ القَطَّانُ، لكنْ روى عن واصل - أيضًا - أنه أثبَتَ عمرو؛ كالأعمشِ، ومنصورٍ، وروى عن الأعمش: أنه أسقَطَهُ؛ فهو مُدْرَجُ الإسناد؛ سُمِّيَ به؛ لأنَّ الغير أدخَلَ خللا في الإسناد؛ فالإسناد مدخلٌ فيه. (٣) وله قسمانِ آخَرَانِ: الأوَّل: أن يكونَ مَتْنٌ عند جماعة بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويه واحدٌ عنهم، بإسنادٍ واحدٍ، منها يجمعُهُمْ عليه، ولا يبيِّن اختلافَهُمْ في ذلك؛ كخبر وائل بْنِ حُجْر، في صفة صلاة النبيِّ ﷺ رواه زائدةُ وغَيْرُهُ، عن عاصمِ بْنِ كُلَيْب، عن أبيه، عنه (٤)؛ فإنه قد أَدْرَجَ، من بعض رواتِهِ في آخرِهِ بهذا السند "ثُمَّ جِئْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمَانٍ فيه بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِم جل الثِّيَابِ تَحَرَّك أَيْدِيِهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ"، وما اتحد سنَدُ الجملتَيْن؛ بل الذي عند عاصمٍ - بهذا السند - الجملةُ الأولَى فقطْ، وأما الثانية: فإنَّما رواها عن عبد الجَبَّار بن وائلٍ، عن بعض أهْلِهِ، عن وائل هكذا بسندٍ
следующие страницы →