← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6982

اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر

أبو جعفر الرعيني الأندلسي

Полный текст (203 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر]ـ المؤلف: أبو جعفر أحمد بن يوسف الرعيني تحقيق: عبد الله حامد النمري الناشر: هي رسالة ماجستير - بكلية الشريعة جامعة أم القرى (١٤٠٢هـ/١٩٨٢م) [ترقيم الكتاب موافق لرسالة الماجستير]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا يَقُولُ كَاتِبُهُ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَالِكٍ الرُّعَيْنِيُّ الْمَالكِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ الْغَرْنَاطِيُّ: نَحْمَدُ اللَّهَ خَالِقَ الأَفْعَالِ، وَمُصَوّر الأَنَام، وَمُنْطِقَ الأَلْسِنَةِ بِالأَقْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى تَفَارِيعِ الْكَلاَمِ، جَعَلَ الأَلْفَاظَ عَلاَمَةً عَلَى مَا يُتَصَوَّرُ فِي الأَفْهَامِ، وَخَلَقَهَا مُخْتَلِفَةَ الْجِهَاتِ، مُتَنَوِّعَةَ الأَقْسَام، لِيَبْتَسِمَ ثَغْرُهَا عَنِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ أَوْضَحَ الابْتِسَامِ، وَتَجْلُوَ مَدْلُولاَتُهَا عَنِ الأسْمَاعِ أَبْلَجَ مِنَ الْوُجُوهِ الْوِسَامِ، فَمِنْهَا مَا تَخْتَلِفُ وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهَا عِنْدَ إِرَادَةِ الإِفْهَامِ، وَمِنْهَا مَا تَخْتَلفُ الْمَعَانِي بِاخْتِلاَفِ جِهَاتِهَا لِلأَوْهَامِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْسَعَ ذَاكَ الْمَجَالَ فِي هَذَا الْمَرَامِ، وأَطْلَعَ لَنَا بدور "الظُّلَمِ" ظَاهِرَةَ التَّمَامِ، وَجَعَلَ أَفْلاَكَ الأَيَّامِ دَائِرَةً عَلَى تَصَارِيفِ الأَقْلاَمِ، وَزَيَّنَ الدُّوَلَ الشَّرِيفَةَ بِمَنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الأَعْلامِ، وَصَرَفَ إِلَى اسْتِجْلاَبِهِمْ هِمَمَ الْمُلُوكِ مِنْ ذَوِي الاِهْتِمَامِ،

стр. 3

وَنُصَلِّي عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ وَالمَخْصُوصِ بِالْوَحْيِ وَالإِلْهَامِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْقَائِمِينَ بِنُصْرَةِ الإِسْلاَمِ، أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَّبَتْنِي يَدُ النَّوَى بَيْنَ نَشْرِهَا وَطَيَّهَا، وَأَخْرَجَتْنِي عَنِ الأَوْطَانِ إِخْرَاجَ السِّهَامِ عَنْ قِسِيِّهَا، وَحَمَّلَتْنِي الأَيَّامُ مَا يُثْقِلُ مِنْ أَعْبَاءِ نَأْيِهَا، وَسَعَتْ بِي فِي طَلَبِ الْفَوَائِدِ غَايَةَ [سَعْيِهَا]، وَسَهَّلَتْ لِي مِنْ الرّحْلَةِ فِي طَلَبِ العِلْمِ مَا لَمْ أَزَلْ حَامِداً فِي ذَلِكَ حُسْنَ رَأْيِهَا، وَجَعَلْتُ أَضْرِبُ أَعْدَادَ البِلاَدِ بَعْضاً فِي بَعْضٍ، وَأَخُطُّ أَدِيمَ الأَرْضِ تَارَةً عَنْ طُولٍ وَآوِنَةٍ عَنْ عَرْضٍ، وَأَنَا فِي طَيّ ذلِكَ أَسْتَخْرِجُ الْدُّرَرَ مِنْ أَصْدَافِهَا وَأَجْمَعُ الفَوَائِدَ عَلَى اخْتِلاَفِ أَصْنَافِهَا، إِلَى أَنْ جَمَعْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا مُلِئَ مِنْهُ الوِطَابُ، وَذُقْتُ مِنْ حَلاَوَةِ الرّحْلَةِ مَا يُسْتَعْذَبُ وَيُسْتَطَابُ، فَلَمْ أَزَلْ أَقِفُ عَلَى تَنَوُّعَاتِ الْبُلْدَانِ مَوْقِفَ الاسْتِحْقَاقِ وَأَتَبَيَّنُ مَدْلُولَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣]. وَلاَ غَرَضَ فِي ذَلِكَ كُلّهِ إِلاَّ مَسْأَلَةٌ أفيدُها أَوْ أسْتَفِيدُهَا، أَوْ كَلِمَةٌ أُجِيدُهَا أَوْ أسْتَجِيدُهَا، أَوْ عَالِمٌ أَعُودُ مِنْ رُؤْيَاهُ [مُمْتَلِئَ] الْفُؤَادِ، أَوْ مُتَعَلّمٌ أَظْفِرُهُ بِالْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ. وَمَا بَرِحْتُ فِي طَلَبِ هَذَا الْمَقْصَدِ، وَتَوَرُّدِ هَذَا الْمَوْرِدِ، أَحُلُّ مِنْ كُلّ مَدِينَةٍ مَحَلَّ الْمُنْتَقِدِ، وَأَحُلُّ بِهَا مِنْ عُقَدِ الْعِلْمِ مَا أُبْرِمَ وَعُقِدَ،

стр. 4

إِلَى أَنْ أَلحقْتُ الْفُرَاتَ بِالنّيلِ، وَبَلَغْتُ فِيمَا بَيْنَهُمَا غَايَةَ الْمُسْتَنِيلِ، وَجَعَلْتُ مَا بَيْنَ الأَنْدَلُسِ وَالشَّامِ كَمَرْحَلَةِ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَمَا حَجَزَنِي عَنِ الْحِجَازِ قَطْعُ حَزْنِ وَلاَ سَهْلٍ، وَلاَ تَشَاغَلْتُ عَنْ ذَلِكَ بِوَطَنٍ وَلاَ أَهْلٍ، إِلَى أَنْ جَمَعْتُ بَيْنَ زِيَارَةِ الْحَرَمَيْنِ، وَحَصَلْتُ مِنَ الرّحْلَةِ عَلَى غُنْمَيْنِ. وَلَمْ يَرُعْنِي أَنَّ بِغَرْنَاطَةَ دِيَارِي، وَبِالشَّامِ مَزَارِي. وَلَمَّا أَوْدَعْتُ طَرْفِي مِنْ مُشاهَدَةِ أَهْلِ الفَضْلِ مَا أَوْدَعْتُ، وَحَجَجْتُ بَيْنَ [إِفَادَتِهِمْ] وَاسْتِفَادَتِهِمْ فَتَمَتَّعْتُ، وَشَاهَدْتُ مِنْ مُلُوكِ الزَّمَانِ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الأَمْصَارُ، وَشَهِدْتُ مِنْهُمْ مَنْ تَزَيَّنَتْ بِهِمُ الأَقْطَارُ، رَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أَلْسُنُ الأَيَّامِ، وَشَهِدَتْ بِهِ مَعَارِفُ الأَنَامِ، كَمَنْ حَفِظَ النَّفْلَ وَضَيَّعَ الْوُجُوبَ، وَقَنِعَ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِأَنْ يَئُوبَ، إِذْ فَاتَنِي الأَمْرُ النَّادِرُ، وَالْمَوْرِدُ الَّذِي يَحْمَدُهُ الْوَارِدُ وَالصَّادِرُ، وَالْمَقَامُ الَّذِي تَنْفُقُ فِيهِ الْعُلُومُ، وَتَسْتَهِلُّ فَوَائِدُهُ كَمَا تَسْتَهِلُّ الْغُيُومُ، وَتُعْرَفُ لأهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ حُقُوقهمْ، وَتُجْتَنَبُ إِضَاعَتُهُمْ وَعُقُوقُهُمْ، شِنْشِنَةٌ تَوَارَثَهَا كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ، وَمَزِيَّةٌ خَلَّفَهَا أَوَّلٌ لآخِرٍ، حَرَمٌ لاَ يَضِيعُ نَزِيلُهُ، وَكَرَمٌ لاَ يُخَافُ أَنَّ الزَّمَانَ مُزِيلُهُ، وَمُلْكٌ تَتَهَلَّلُ لَهُ وُجُوهُ الخُطُوبِ وَتَنْفَرِجُ عِنْدَهُ مَضَايِقُ الكُرُوبِ، وَتَدُورُ بِأَنْهَارِ تَدْبِيرِهِ رَحَى الحُرُوبِ، وَيَشْتَمِلُ مِنَ المَجْدِ الأَصِيلِ عَلَى مَا اشْتَهَرَ وَشَذَّ مِنَ الضُّرُوبِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا فَتَنِي مِنْ هَذَا الحَظّ الَّذِي لاَ يُثْمِرُ غَرْسَ ارْتِحَالِي إِنْ لَمْ أَنَلْ مِنْهُ نَصِيباً، وَلاَ أَجِدُنِي مَعَ فَوْتِهِ لِأَدَاءِ الوَاجِبِ مُصِيباً، أقْسَمْتُ لأَزُورَنَّ دِيَارَ بَكْرٍ، مَدَّ

стр. 5

الزَّمَانُ فِي ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، وَقُلْتُ: لاَ بُدَّ مِنْ صَنْعَا وَإِنْ طَالَ السَّفَرْ فَعَزَمْتُ أَنْ أُطْلِعَ فِي أُفُقِ شَهْبَائِهَا شِهَابِي وَأُسَهّلَ بِرُؤْيَةِ مَلِكِهَا الْجَلِيلِ أَسْبَابَ إِيَابِي، فَكَمْ رَدَّ مِنْ غَرِيبٍ إِلَى أَوْطَانِهِ، وَأَعَانَ عَلَى الزَّمَانِ بِعُمُومِ إحسانه. مَلِكٌ بِهِ تُرْسَى المَنَازِلْ ... وَيَنَالُ طِيبَ الْعَيْشِ نَازِلْ وَيَجِدُّ فِي الْجُودِ الْجَزِيـ ... لِ لِمَنْ رَجَا وَالدَّهْرُ هَازِلْ وَيَقُولُ دَاعِيَ جُودِهِ ... سَهُلَ الغِنَى مِنَّا لِآمِلْ فَاعْمَلْ عَلَى رُؤْيَاهُ تَظْ ... فَرْ بِالْمُنَى إِنْ كُنْتَ عَامِلْ وَارْحَلْ لَهُ وَدَعِ الدِّيَا ... رَ فَعِنْدَهُ كَمْ سُرَّ رَاحِلْ وَاقْطَعْ إِلَيْهِ مَدَى البلا ... دِ وَلَوْ تَبَاعَدَتِ الْمَرَاحِلْ هَذَا هُوَ الْبَحْرُ المُحيـ ... طُ وَعَاجِلُ الإِحْسَانِ سَاحِلْ هَذَا هُوَ الْغَيْثُ الَّذِي ... مَا فِي حِمَاهُ الْيَوْمَ مَاحِلْ هَذَا هُوَ المَجْدُ الأَصِيـ ... لُ وَهَكَذَا تُحْكَى الفَضَائِلْ هَذَا هُوَ الفِعْلُ الحَمِيـ ... دُ كَذَاكَ فَلْتَكُنِ الفَعَائِلْ لِلَّهِ مِنْ مَلِكٍ كَرِيـ ... مِ الأَصْلِ مَرْضِيِّ الشَّمَائِلْ مَا هَمُّهُ إِلاَّ مَنَا لٌ فِي الـ ... عِِدَا أَوْ بَذْلُ نَائِلْ لاَ فِي سِوَى الْعَلْيَاءِ مَشْـ ... غُولٌ وَلاَ لِلْمَالِ مَائِلْ

стр. 6

فَنِهَايَةُ الدُّنْيَا لَهُ ... فِي صَارِمٍ لَدْنٍ وَذَابِلْ وَالْجَيْشُ يُنْظَمُ حَوْلَهُ ... مِنْ رَامِحٍ مِنْهُمْ وَنَابِلْ وَالْخَيْلُ إِثْرَ الْخَيْلِ جَا ... وَبَ صَاهِلٌ مِنْهَا لِصَاهِلْ وَالْرُّمْحُ مِنْ دَمِ مَنْ عَصَا ... عَنْ أَمْرِهِ فِي الْحَرْبِ نَاهِلْ وَخَوَافِقُ الرَّايَاتِ تَخْـ ... فِقُ فَوْقَ كَرَّاتِ الْجَحَافِلْ هَذَا مُنَاهُ وَغَيْرُ هَـ ... ذَا لِلْمَوَاهِبِ وَالنَّوَافِلْ شِيَمٌ تَوَارَثَهَا فَوَا ... فَقَ شَاهِدٌ فِيهَا وَنَاقِلْ قُسٌّ إِذَا مَا رَامَ يُحْـ ... صِي عَدَّهَا، أَضْحَى كَبَاقِلْ وَلَقَدْ سَمِعْتُ بِمَجْدِهِ ... فَأَتَيْتُ أَسْرِي غَيْرَ مَاهِلْ وَأَتَيْتُ عَنْ عِلْمٍ بِهِ ... مَا عَالِمٌ يَوْماً كَجَاهِلْ فَرَأَيْتُ مَا قَالُوا وَأَكْـ ... ثَرَ وَهْوَ لَيْسَ لَهُ مُمَاثِلْ فَلِيَ الْهَنَاءُ بِأَنَّنِي ... أَصْبَحْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَاثِلْ فَرَأَيْتُ أَكْرَمَ مَنْ لِقَصْـ ... دِ جَنَابِهِ تُزْجَى الرَّوَاحِلْ وَخَلَصْتُ حِينَ لَقِيتُهُ ... مِنْ ضُرِّ أَيَّامِي المَوَاحِلْ وَرَجَوْتُ عَوْدِي كَيْفَ شِئْـ ... تُ إِلَى الأَحِبَّةِ وَالْمَنَازِلْ فَوْقَ الْجِيَادِ الضُّمْرِ مِنْ ... جَدْوَاهُ وَالْخُوصِ الْبَوَازِلْ كَمْ رَدَّ لِلأَوْطَانِ مِنْ ... مُتَغَرّبٍ جَزْلِ النَّوَائِلْ هَذَا هُوَ المَلِكُ الَّذِي ... فِي بَابِهِ مَا خَابَ سَائِلْ هَذَا الَّذِي مَنْ لَمْ يُقَبْـ ... بِّلْ كَفَّهُ مَا نَالَ طَائِلْ

стр. 7

هَذَا الَّذِي أَحْيَا مَكَا ... رِمَ قَدْ سُمِعْنَ عَنِ الأَوَائِلْ قد حاز أوصافاً يحَا ... رُ لوصْفِها سحبان وَائِلْ هَذَا ابن أُرْتُقَ خَيْرُ مَنْ ... فِي مَدْحِهِ قَدْ قَالَ قَائِلْ هَذَا الَّذِي لِجُدُودِهِ ... فِي النَّاسِ ذِكْرٌ غَيْرُ زَائِلْ أَمْدَاحُهُمْ تَبْقَى عَلَى ... طُولِ اللَّيَالي وَالأَصَائِلْ هَذَا الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ ... فَاسْمَعْ ثَنَاءَهُمُ وَسَائِلْ فَهُمُ المُلُوكُ بَنُو المُلُو ... كِ فَعِنْدَهُمْ تُغْنِي الوَسَائِلْ وَعَلَى وُجُوهِهِمُ مِنَ الْـ ... بُشْرَى لِمَنْ وَافَى دَلاَئِلْ أَخْلاَقُهُمْ مِثْلُ الرِّيَا ... ضِ إِذَا تَبَسَّمَتِ الخَمَائِلْ كَالْسّلْكِ نُظِّمَ دُرُّهُ ... فَزَهَتْ بِهِ الغِيدُ العَقَائِلْ سِلْكُ بِأُرْتُقَ بَدْوُهُ ... وَإِلَى السَّعِيدِ النَّظْمُ وَاصِلْ وَإِلَى المُظَفَّرِ بَعْدَهُ ... وَالنَّظْمُ لِلْمَنْصُورِ حَاصِلْ وَكَمَالُهُ بِالصَّالِحِ الْـ ... أَعْلَى فَهَذَا السَّلْكُ كَامِلْ وَلَسَوْفَ يَبْقَى بَعْدَهُ ... لِبَنِيهِ هَذَا المُلْكُ شَامِلْ فَبُدُورُ عِزِّهِمُ المُنِيـ ... رَةُ لَمْ يُخَفْ مِنْهُنَّ آفِلْ وَسَمَاحُهُمْ عَنْ جَبْرِ مَنْ ... يَأْوِي إِلَيْهِمْ غَيْرُ غَافِلْ وَنَدَاهُمُ بِغِنَى المُقِلّ ... وَحَاجَةِ الرَّاجِينَ كَافِلْ

стр. 8

وَعُلاَهُمُ مَا زَالَ فِي ... حُلَلِ الثَّنَاءِ الجَزْلِ رَافِلْ وَإِذَا أَتَى وَفْدُ العُفَا ... ةِ مُدَبِّراً بِمَ ذَا يُقَابِلْ هَبَّتْ قَبُولُ سَمَاحِهِمْ ... فَتَقُولُ إِنَّ الوَقْتَ قَابِلْ أَعْطَاهُ حَتَّى قَالَ حَسْـ ... بِي وَانْثَنَى فِي الشُّكْرِ جَائِلْ لاَ زَالَ يَنْشُرُهَا مَكا ... رِمَ لَمْ تَكُنْ يَوْماً زَوَائِلْ وَيَنَالُ مِنْ مِنَحِ الرِّضَى ... وَالسَّعْدِ غَايةَ كُلِ نَائِلْ وَلَمَّا عَرَفْتُ مِنْ صِفَاتِهِ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ الَّتِي نَظَمْتُهَا فِي سَلْكِ الكَلاَمِ، وَزَيَّنْتُ بِنَظْمِهَا أَجْيَادَ المُلْكِ فِي الأَنَامِ، قُلْتُ: لاَ بُدَّ مِنْ تُحْفَةِ قَادِمٍ أُقَدِمُهَا بَيْنَ يَدْيَهِ، وَوَسِيلَةِ وَاصِلٍ أَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ العِلْمَ أَشْرَفُ مَا عُنِيَتْ بِهِ أَكَابِرُ المُلُوكِ، وَأَنْفَسُ الجَوَاهِرِ الَّتِي تَتَضَمَّنُهَا ذَخَائِرُ السُّلُوكِ، وَتَحَقَّقْتُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَرَى لِلْعِلْمِ حَقَّهُ، وَيجِبُ أَنْ تُزَيِّنَ بُدُورُهُ أُفْقَهُ، وَحِينَ قد رَأَيْتُهُ قَدْ عُنِيَ بِتَحْسِينِ الأَفْعَالِ، أَلَّفْتُ لَهُ كِتَاباً فِي تَصَارِيفِ الأَفْعَالِ، وَحين أَلْفَيْتُ أَفْعَالَهُ تَتَصَّرَفُ فِي فَتْحِ [الآمَالِ] الَّتِي تُقِرُّ الْعَيْنِ، اقْتَصَرْتُ مِنَ الأَفْعَالِ عَلَى (فَعَلَ) الَّذِي هُوَ مَفْتُوحُ العَيْنِ، مَعَ أَنّي رَأَيْتُ تَصَارِيفَ الأَفْعَالِ مُتَّسِعَةَ المَجَالِ مُلْتَبِسَةً عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ، وعِلْمَ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَأْخُوذاً بِيَدِ الإِهْمَالِ،

стр. 9

وَرَأَيْتُ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَدُورُ عَلَى الأَلْسِنَةِ (فَعَلَ) المَفْتُوحُ العَيْنِ، وَأَنَّهُ فِي هَذَا البَابِ كَالسَّوَادِ مِنَ العَيْنِ، فَصَنَّفْتُ هَذَا الكِتَابَ، [وَ] جَمَعْتُ فِيهِ مَا جَاءَ مِنْ (فَعَلَ) بِفَتْحِ العَيْنِ، وَالمُضَارِعُ مِنْهُ بِالضَّمّ وَالكَسْرِ، مَعَ اخْتِلاَفِ المَعْنَى وَاتّفَاقِهِ، وَبَوَّبْتُهُ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ، فَجَاءَ كَالسِلْكِ المُحْكَمِ. وَأَبْدَأُ كُلَّ بَابٍ بِمَا هُوَ مُتَّفِقُ المَعْنَى، لِيَكُونَ أَسْهَلَ لِلنَّاظِرِ وَأَهْنَى، وَبَدَأْتُهُ بِمُقَدِمَةٍ فِي أَحْكَامِ (فَعَلَ)، وَنَقْلِهِ، وَصَحِيحِهِ، وَمُعْتَلِّهِ، وَخَتَمْتَهُ بِفَصْلٍ فِيمَا يَتَعَدَّى مِنَ الأَفْعَالِ مَرَّةً دُونَ مَرَّةٍ، فَكَمُلَ تَأْلِيفُهُ بِأَنْفَسِ دُرّة، إِذْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَفْعَالِ مِنْ قَبِيلَ النَّادِرِ الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ إِلاَّ الحُفَّاظُ، وَلاَ يُمَيّزُهُ إِلاَّ مَنْ تَدَاوَلَتْ عَلَى سَمْعِهِ الأَلْفَاظُ. وَقَدْ جَمَعَ النَّاسُ فِي الأَفْعَالِ تَصَانِيفَ حَصَلَ لَهُمْ بِهَا السَّبْقُ، وَوَجَبَ أَنْ لاَ يُشَامَ إِلاَّ ذَلِكَ البَرْقُ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ إِفْرَادَ هَذَا الصّنْفِ مِمَّا تَكْثُرُ فَوَائِدُهُ، وَيُحْمَدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَائِدُهُ، وَهَذَا شَيْءٌ اقْتَضَبْنَاهُ بِيَدِ الاسْتِعْجَالِ، وَوَقَعَ مِنَّا مَوْقِعَ الشِعْرِ عِنْدَ الارْتِجَالِ. وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ مَنْ جَمَعَ وَلَوْ مَسْأَلَتَيْنِ نَفَعَ عِلْمُ ذَلِكَ وَضَرَّ جَهْلُهُ، وَحَرَصَ عَلَى تَحْصِيلِهِ أَهْلُهُ، وَسَمَّيْتُهُ: بِـ (اقْتِطَافِ الأَزَاهِرِ، وَالتِقَاطِ الجَوَاهِرِ)، وَرَفَعْتُهُ إِلَى الخِزَانَةِ الشَّرِيفَةِ خِدْمَةً مُخَلَّدَةً فِي دَوَاوِينِهَا وَقَطْرَةً أَضَفْتُهَا إِلَى مَعِينِ عُيُونِهَا.

стр. 10

وَاللَّهَ أسألُ أَنْ يَكْفِيَنَا أَلْسِنَةَ الْحُسَّادِ، وَيَصْرِفَ هَذِهِ البِضَاعَةَ عَنْ سُوقِ الكَسَادِ، وَيُلْهِمَنَا إِلَى مَا يَعْصِمُ مِنَ الهُجْرِ، وَلاَ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ قُوبِلَ بِالهَجْرِ، وَعَلَى اللَّهِ أَتَوَكَّلُ، وَبِهِ أَتَوَسَّلُ.

стр. 11

ذكر المقدمة في أحكام (فَعَلَ) المفتوح العين اعْلَمْ أَنَّ المَفْتُوحَ العَيْنِ، أَخَفُّ أَبْنِيَةِ الأَفْعَالِ، لأَنَّهُ ثُلاَثِيٌ، وَالثُلاَثِيُّ أَخَفُّ مِمَّا زَادَ عَلَيْهِ، وَلأَنَّهُ مَفْتُوحُ العَيْنِ، والفَتْحَةُ أَخَفُّ الحَرَكَاتِ. تَنْبِيهٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الفِعْلَ الثُّلاَثِيَّ المُجَرَّدَ، لاَ يَكُونُ أَوَّلُهُ إِلاَّ مَفْتُوحاً لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، فَأَمَّا ضُرِبَ المبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ فَلَيْسَ بِأَصْلِ بِنَاءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْعٌ عَنْ بِنْيَةِ الفَاعِلِ، دَلِيلُهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] بِضَمّ الوَاوِ مِنَ غَيْرِ هَمْزٍ، وَلَوْ كَانَ اجْتِمَاعُ الوَاوَيْنِ أَصْلاً، لَكَانَ مِنْ بَابِ (أَوَاصِلَ)، لاَ يَجُوزُ فِي الوَاوِ إِلاَّ الهَمْزُ، لأَنَّ القَاعِدَةَ: مَهْمَا اجْتَمَعَ فِي أَوَّلِ الكَلِمَةِ وَاوَانِ كَانَ هَمْزُ الأَوَّلِ مِنْهُمَا لُزُوماً، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الاجْتِمَاعُ لاَزِماً كَـ (أَوَاصِلَ) وَنَحْوِهِ، وَالأَصْلُ فِيهِ: وَوَاصِلُ، جَمْعُ وَاصِلٍ،

стр. 12

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الاجْتِمَاعُ عَارِضاً فَلاَ يَلْزَمُ الهَمْزُ، بَلْ يجُوزُ كَـ (وُوِريَ) فَـ (وُوِريَ) عَلَى هَذَا مِنْ بَابِ (وُقِتَتْ) لاَ مِنْ بَابِ (أَوَاصِلَ)، فَجَوَازُ الأَمْرَيْنِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِنَاءَهُ عَارِضٌ، وَأَنَّ اجْتِمَاعَ الوَاوَيْنِ فِيهِ لَيْسَ بِأَصْلِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا الضَّمَّ مَعَ الفَعْلِ المَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِعْلِ الفَاعِلِ، وَجَعَلُوا الفَتْحَ مَعَ الفَاعِلِ لأَنَّهُ كَثِيرٌ، فَجَعَلُوا الخَفِيفَ مَعَ الكَثِيرِ وَالثَّقِيلَ مَعَ القَليلِ. وَأَمَّا (شِهِدَ)، بِكَسْرِ الشّينِ، فَكَذَلِكَ أَيْضاً لَيْسَ بِأَصْلِ بِنَاءٍ، وَإِنَّمَا الأَصْلُ: شَهِدَ بِفَتْحِ الشِينِ، وَإِنَّمَا كُسِرَ إِتْبَاعاً. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الفِعْلَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، يَنْقَسِمُ أَقْسَاماً: القِسْمُ الأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الفَاءِ وَالعَيْنِ وَاللاَّمِ، غَيْرَ مُضَاعَفٍ، نَحْوُ: ضَرَب، فَهَذَا القِسْمُ يَأتِي المُضَارِعُ مِنْهُ عَلَى (يَفْعُلُ) بِضَمّ العَيْنِ وَعَلَى (يَفْعِلُ) بِكَسْرِهَا سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَدِياً أَوْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ نَحْوَ: خَرَجَ يَخْرُجُ وَضَرَبَ يَضْرِبُ،

стр. 13

وَقَدْ يَجِيءُ ذَلِكَ فِي الفَعْل الواحِدِ نَحْوُ: عَرَشَ يَعْرُشُ وَيَعْرِشُ، وَهُوَ كَثِيرٌ جِدّاً، وَبِسَبِبِهِ وَضَعْتُ هَذَا الكِتَابَ. وَقَدْ عَقَدَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ بْنُ دُرَيْدٍ بَاباً فِي كِتَابِ الأَبْنِيَةِ مِنْ كِتَابِ "الجَمْهَرَةِ". فَإِذَا التَبَسَ عَلَيْكَ مُضَارِعُ فِعْلٍ، وَلاَ تَعْلَمُ أَمَضْمُومٌ هُوَ أَمْ مَكْسُورٌ، فَتَتَبَّع السَّمَاعَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ مَسْمُوعاً، فَأَنْتَ بِالخِيَارِ فِي الضَّمّ والكَسْرِ، إِلاَّ أَنَّ الكَسْرَ أَوْلَى لخِفَّتِهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: طُفْتُ فِي سَافِلَةِ قَيْسٍ وَعَلْيَاءَ تَمِيمٍ فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً فَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ حَصْراً، وَكُلٌّ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلَى مَا يُرِيدُ؛ يَعْنِي: مِنْ ضَمّ المُضَارِعِ أَوْ كَسْرِهِ. قُلْتُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَثْبُتِ السَّمَاعُ، فَأَمَّا إِذَا ثَبَتَ السَّمَاعُ فَلاَ يُعْدَلُ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَدْ يَأْتِي المُضَارِعُ بالضَّمّ وَلاَ يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَذَلِكَ فِي بَابِ المُغَالَبَةِ نَحْوُ أنْ تَقُولَ: ضَارَبْتُهُ فَضَرَبْتُهُ أَضْرُبُهُ، أَيْ: غَلَبْتُهُ فِي الضَّرْبِ، وَخَاصَمْتُهُ فَخَصَمْتُهُ أَخْصُمُهُ، أَيْ: غَلَبْتُهُ فِي

стр. 14

الخُصُومَةِ؛ هذَا مَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَلَّ العَيْنِ أَوِ اللاَّمِ بِالْيَاءِ، أَوْ مُعْتَلَّ الفَاءِ بِالْوَاوِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ المُضَارِعُ (يَفْعِلُ) بِكَسْرِ العَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: رَامَانِي فَرَمَيْتُهُ أَرْمِيهِ، وَسَايَرَنِي فَسِرْتُهُ أَسِيرُهُ، وَوَاعَدَنِي فَوَعَدْتُهُ أَعِدُهُ، إِذَا غَلَبْتَهُ فِي الرَّمْيِ وَالسَّيْرِ والوَعْدِ. وَإِنَّمَا التُزِمَ فِي هَذَا المُعْتَلّ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعُهُ بِكَسْرِ العَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ جَاءَ بِالضَّمّ لَخَرَجُوا عَنْ لُغَتِهِمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلاَمِهِمْ مِثْلُ وَعَدَ يَوْعُدُ وَلاَ بَاعَ يَبُوع مِنَ البَيْعِ وَلاَ رَمَى يَرْمُو، فَلِذَلِكَ جَاؤُوا بِالمُضَارِعِ عَلَى الكَسْرِ مُوَافَقَةً لِلْقِيَاسِ، وَزَعَمَ الكِسَائِيُّ أَنَّهُ يَجِيءُ عَلَى (يَفْعَلُ) بِفَتْحِ العَيْنِ إِذَا كَانَ العَيْنُ حَرْفَ حَلْقٍ نَحْوُ: فَاخَرَنِي فَفَخَرْتُهُ أَفْخَرُهُ،

стр. 15

وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ فِيهِ الضَّمَّ، قَالَ: يُقَالُ: شَاعَرَنِي وَشَعَرْتُهُ أَشْعُرُهُ، وَفَاخَرَنِي فَفَخَرْتُهُ أَفْخُرُهُ بِالضَّمّ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ بَابَ المُغَالَبَةِ المُرَادُ بِهِ: أَنْ يَقْصِدَ كُلُّ وَاحِدِ مِنَ الاثْنَيْنِ غَلَبَةَ الآخَرِ فِي الفِعْلِ المَقْصُودِ لَهُمَا، فَيُسْنَدُ الفِعْلُ إِلَى الغَالِبِ مِنْهُمَا، فَإِذَا قِيلَ: خَاصَمَ زَيْدٌ عَمْراً فَتعَلَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَصَدَ أَنْ يَغْلِبَ صَاحِبَهُ فِي الخُصُومَةِ. وَشَذَّ عَنْ هَذَا القِسْمِ: رَكَنَ يَرْكَنُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِي المُضَارِعِ وَلَوْ جَاءَ عَلَى مَا أَصَّلْنَاهُ، لَكَانَ إِمَّا بِالضَّمّ أَوْ بِالْكَسْرِ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مِنْ تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: رَكَنَ بِالفَتْحِ يَرْكُنُ بالضم (فِي المُضَارِعِ) نَحْوَ: خَرَجَ يَخْرُجُ، وَرَكِنَ بِالْكَسْرِ يَرْكَنُ (بِالفَتْحِ) (فِي المُضَارِع) مِثْلُ: عَلِمَ يَعْلَمُ، فَأَخَذُوا يَركَنُ (بِالْفَتْحِ) الَّذِي هُوَ مُضَارِعُ رَكِنَ بِالكَسْرِ، وَرَكَّبُوهُ عَلَى رَكَنَ بِالفَتْحِ، وَهِيَ لُغَةٌ؛

стр. 16

وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي كِتَابِنَا: "رَدّ الشَّوَارِدِ إِلَى حُكْمِ القَوَاعِدَ". وَكَذَلِكَ شَذَّ قَنَطَ يَقْنَطُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِي المَاضِي والمُضَارِعِ. فَإِذَا كَانَتْ العَيْنُ أَوِ اللاَّمُ مِنْ هَذَا القِسْمِ حَرْفَ حَلْقٍ، جَاءَ المُضَارِعُ عَلَى (يَفْعَلُ) بِفَتْحِ العَيْنِ فِي الأَكْثَرِ، وَحُرُوفُ الحَلْقِ سِتَّةٌ: الهَمْزَةُ، والهَاءُ، والعَيْنُ، وَالحَاءُ، والخَاءُ، والغَيْنُ؛ وَإِنَّمَا سُمّيَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ حُرُوفَ حَلْقٍ، لأنَّهَا تَخْرُجُ مِنَ الحَلْقِ، فَالهَمْزَةُ وَالهَاءُ مِنْ أَقْصَى الحَلْقِ، وَالعَيْنُ وَالحَاءُ مِنْ وَسَطِهِ، والغَيْنُ وَالخَاءُ مِنْ أَدْنَاهُ. وَلاَ أَثَرَ لِهَذِهِ الحُرُوفِ إِذَا وَقَعَتْ فَاءً. مِثَالُ الْهَمْزَةِ عَيْناً: سَأَلَ يَسْأَلُ، جَاءَ المُضَارِعُ بالفَتْحَ لأنَّ عَيْنَهُ مِنْ حُرُوفِ الحَلْقِ، وَمِثَالُهُ لاَماً: قَرَأَ يَقْرَأُ، وَأَمَّا أَكَلَ يَأْكُلُ، فَجَاءَ المُضَارِعُ بِالضَّمّ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ حَرْفُ الحَلْقِ، لأنَّهُ وَقَعَ فَاءً.

стр. 17

ومِثَالُ الهَاءِ عَيْناً: ذَهَبَ يَذْهَبُ، وَمِثَالُهُ لاَماً: جَبَهَ يَجْبَهُ، وَأَمَّا هَرَبَ، فَلاَ أَثَرَ فِيهِ لِحَرْفِ الحلْقِ، لأَنَّهُ وَقَعَ فَاءً. وَمِثَالُ العَيْنِ عَيْناً: جَعَلَ يَجْعَلُ، وَمِثَالُهُ لاَماً: جَمَعَ يَجْمَعُ، وَأَمَّا عَجَمَ يَعْجُمُ، فَلاَ أَثَرَ لِحَرْفِ الحَلْقِ، لِأَنَّهُ فَاءٌ. وَمِثَالُ الحَاءِ عَيْناً: لَحَم يَلْحَمُ، وَمِثَالُهُ لاَماً: لَمَحَ يَلْمَحُ، وَأَمَّا حَكَمَ يَحْكُمُ، فَلاَ أَثَرَ لِحَرْفِ الحَلْقِ، لِأَنَّهُ فَاءٌ. وَمِثَالُ الخَاءِ عَيْناً: شَخَصَ يَشْخَصُ، وَمِثَالُهُ لاَماً شَدَخ يَشْدَخُ، وَأَمَّا خَرَجَ يَخْرُجُ، فَلاَ أَثَرَ لِحَرْفِ الحَلْقِ، لِأَنَّهُ فَاءٌ. وَمِثَالُ الغَيْنِ عَيْناً: شَغَبَ يَشْغَبُ وَمِثَالُهُ لاَماً: لَدَغَ يَلْدَغُ، وَأَمَّا غَلَبَ يَغْلِبُ، فَلاَ أَثَرَ لِحَرْفِ الحَلْقِ، لِأَنَّهُ فَاءٌ. فَإِنْ قُلْتَ: فَلأَيِّ شَيْءٍ فَتَحُوا مَعَ حَرْفِ الحَلْقِ إِذَا كَانَ عَيْناً أَوْ لاَماً، وَلَمْ يَفْتَحُوا مَعَهُ إِذَا كَانَ فَاءً؟ قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِلتَّنَاسُبِ الَّذِي بَيْنَ الفَتْحِ وَحَرْفِ

стр. 18

الحَلْقِ فِي المَخْرَجِ، فَفَتَحُوا لِأَجْلِ العَيْنِ لِأَنَّهُمْ رَاعَوْا مَا فِي اليَدِ، أَعْنِي: أَنَّ الفَتْحَ يَكُونُ عَلَى حَرْفِ الحَلْقِ، وَفَتَحُوا لِأَجْلِ اللاَّمِ لِأَنَّهُمْ رَاعَوْا مَا يَأتِي، وَلَمْ يَفْتَحُوا لِأَجْلِ الفَاءِ إِذَا كَانَتْ حَرْفَ حَلْقٍ، لِأَنَّهُمْ قَدِ انْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَا انْصَرَفُوا عَنْهُ لاَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ؛ أَلاَ تَرَاهُمْ لاَ يُتْبِعُونَ فِي الصِفَةِ بَعْدَ القَطْعِ، وَمِنْ كَلاَمِهِمْ: إِذَا انْصَرَفَتْ نَفْسِي عَنِ الشَّيْءِ لَمْ تَكَدْ ... إِلَيْهِ بِوَجْهِ آخِرَ الدَّهْرِ تَرْجِعُ وَقَدْ جَاءَ مُضَارِعُ (فَعَلَ) - مَعَ كَوْنِهِ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الحَلْقِ - عَلَى الأَصْلِ، وَيُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الشُّذُوذِ،

стр. 19

وَذَلِكَ نَحْوُ: رَجَعَ يَرْجِعُ، وَنَزَعَ يَنْزِعُ، وَنَكَحَ يَنْكِحُ، وَنَحَتَ يَنْحِتُ، وَشَخَبَ يَشْخُبُ، وَلَغَبَ يَلْغُبُ، وَصَلَحَ يَصْلُحُ، وَزَأَرَ يَزْئِرُ، وَسَهَمَ يَسْهُمُ، وَنَعَقَ الغُرَابُ يَنْعِقُ، وَنَزَغَ يَنْزِغُ، وَنَهَقَ يَنْهِقُ، وَنَفَخَ يَنْفُخُ. وَجَاءَتْ أَحْرُفٌ عَلَى القِيَاسِ مَرَّةً وَعَلَى السَّمَاعِ أُخْرَى، نَحْوُ؛ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ يَبْرَأُ بِالفَتْحِ قِيَاساً، وَيَبْرُؤُ بِالضَّمّ سَمَاعاً، وَصَبَغَ الشَّيْءَ يَصْبَغُ بِالفَتْحِ قِيَاساً، وَيَصْبُغُ سَمَاعاً، وَفَرَغَ يَفْرَغُ بِالفَتْحِ قِيَاساً، وَيَفْرُغُ بِالضَّمّ سَمَاعاً، وَقَدْ كَانَ غَرَضِي أَنْ أَتَتَبَّعَ هَذَا الفَصْلَ وَأَجْمَعَهُ وَلَكِنْ لَمْ يُقْضَ ذَلِكَ، وَالأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا. القِسْمُ الثَّانِي مَا كَانَ مُعْتَلَّ الفَاءِ، فَإِنَّ المُضَارِعَ مِنْهُ يَأتِي عَلَى (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ نَحْوُ: وَقَرَ الشَّيْءُ فِي صَدْرِي يَقِرُ، وَوَعَدَ يَعِدُ، وَيَسَرَ يَيْسِرُ، وَكَانَ الأَصْلُ فِي يَعِدُ: يَوْعِدُ فَحُذِفَتْ الوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ.

стр. 20

فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا بَالُهُمْ حَذَفُوا الوَاوَ مَعَ بَاقِي حُرُوفِ المُضَارَعَةِ فَقَالُوا: نَعِدُ، وَتَعِدُ، وَأَعِدُ، وَلَمْ تَقَعِ الوَاوُ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ؟. فَالجَوَابُ: أَنَّهُمْ حَذَفُوا الوَاوَ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ لِغَيْرِ مُوجِبِ بِالْحَمْلِ عَلَى مَا فِيهِ المُوجِبُ، لِتَجْرِيَ حُرُوفُ المُضَارَعَةِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَنَظِيرُهُ: أُكْرِمُ، أَصْلَهُ أُأَكْرِمُ، فَحَذَفُوا إِحْدَى الهَمْزَتَيْنِ فِرَاراً مِن اجْتِمَاعِهِمَا، وَحَمَلُوا بَاقِيَ حُرُوفِ المُضَارَعَةِ فِي الحَذْفِ دُونَ مُوجِبٍ، بِالحَمْلِ عَلَى مَا فِيهِ المُوجِبُ، وَالحَمْلُ فِي كَلاَمِ العَرَبِ بَابٌ مُتَّسِعٌ، وَقَدْ خَطَرَ بِخَاطِرِي أَنْ أَجْمَعَ فِيهِ كِتَاباً لِمَا رَأَيْتُ مِنْ سَعَتِهِ. فَإِنْ قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ وُقُوعُ الوَاوِ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ مُوجِباً لِحَذْفِ الوَاوِ، لَوَجَبَ حَذْفُهَا فِي يُوعِدُ مُضَارِعُ أَوْعَدَ؟ فالجَوَابُ: أَنَّهُمْ رَاعَوْا الأَصْلَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَهُ: يُأَوْعِدُ، فَلَمْ تَقَعِ الوَاوُ فِي الأَصْلِ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، بَلْ بَيْنَ هَمْزَةٍ وَكَسْرَةٍ فَأَهْمَلُوا مَا فِي اليَدِ، وَهِيَ الصُّورَةُ اللَّفْظِيَّةُ، وَرعَوْا الأَصْلَ. وَشَذَّ عَنْ هَذَا القِسْمِ: وَجَدَ يَجُدُ بِضَمّ العَيْنِ فِي المُضَارِعِ. وَلَوْ جَاءَ عَلَى مَا أَصَّلْنَاهُ، لَكَانَ: يَجِدُ بِالكَسْرِ،

стр. 21

وَلَمْ تَرْجِعِ الوَاوُ، مَعَ أَنَّ مُوجِبَ حَذْفِهَا قَدْ زَالَ، مَعَ أَنَّ الضَّمَّ هُنَا شَاذٌّ، فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ، وَرَاعَوِا الأَصْلَ، وَهُوَ الكَسْرُ. فَإِنْ كَانَتِ العَيْنُ أَوِ اللاَّمُ حَرْفاً مِنْ حُرُوفِ الحَلْقِ فَتَحْتَ، نَحْوُ: وَهَبَ يَهَبُ، وَوَضَعَ يَضَعُ، وَلَمْ تَرْجِع الوَاوُ فِي المُضَارِعِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ زَالَ مُوجِبُ حَذْفِهَا، أَلاَ تَرَى أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي (يَضَعُ) بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، بَلْ بَيْنَ يَاءٍ وَفَتْحَةٍ، لِأَنَّهُمْ رَاعَوِا الأَصْلَ، وَهُوَ الكَسْرُ، لأَنَّ الفَتْحَ لِأَجْلِ حَرْف الحَلْقِ عَارِضٌ، وَالعَارِضُ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الصَّنْعَةِ. حاشِيَة: يَرِدُ عَلَى الأَصْلِ الْمَذْكُورِ والاِعْتِذارِ فِي وَهَبَ يَهَبُ فِعْلانِ، وَهُما: وَسِعَ يَسَعُ وَوَطِئَ يَطَأُ؛ فَإنَّ مُقتَضَى الأَصْلِ الْمَذْكُورِ ثُبُوتُ الوَاوِ فِيهِما، لِعَدَمِ وُقوعِهِما بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ.

стр. 22

ولاَ يُعْتَذَرُ بِأنّ الفَتْحَ عَارِضٌ، وَالأَصْلُ الْكَسْرُ، كَما فِي وَهَبَ يَهَبُ، لأَنَّ (فَعَلَ يَفْعِلُ)، بِكَسْرِ العَيْنِ، فِيهِما شَاذٌّ، وَفَتْحُ العَيْنِ فِي مُضارِعِهما هُوَ الأَصْلُ، لاَ فِي مَاضِيهِما بِكَسْرِ العَيْنِ. وَأَجَابَ الجَوْهَرِيُّ عَنْهُما بِأَنّ الوَاوَ سَقَطَتْ مِنْهُما لِتَعَدِّيهِما، لأَنَّ (فَعِلَ يَفْعَلُ) مِمَّا اعْتَلَّ فاؤُهُ لاَ يَكُونُ إِلاّ لاَزِمًا، فَلَمّا جَاءَا مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهِما مُتَعَدِّيَيْنِ خُولِفَ فِيهِما نَظَائِرُهُما.

стр. 23

القِسْمُ الثَّالِثُ مَا كَانَ مُعْتَلَّ العَيْنِ أَوِ اللاَّمِ، وَهَذَا الاعْتلَالُ لاَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِالوَاوِ أَوْ بِاليَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِالوَاوِ، جَاءَ المُضَارِعُ عَلَى (يَفْعُلُ) بِالضَّمّ نَحْوُ: قَامَ يَقُومُ، وَغَزَا يَغْزُو. وَإِنْ كَانَ بِاليَاءِ، جَاءَ المُضَارِعُ عَلَى (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ، نَحْوُ: بَاعَ يَبِيعُ، وَرَمَى يَرْمِي، فَإِنْ كَانَتِ العَيْنُ حَرْفَ حَلْقِ جَاءَ عَلَى (يَفْعَلُ) بِالفَتْحِ نَحْوُ: سَعَى يَسْعَى، وَمَحَا يَمْحَى، وَشَأَى يَشْأَى، وَرَأَى يَرَى، وَقَدْ جَاءَ عَلَى الأَصْلِ نَحْوُ: مَحَا يَمْحُو. وَشَذَّ عَنْ هَذا القِسْمِ: أَبَى يَأْبَى، وَقَلَى يَقْلَى، وَجَبَا يَجْبَى، وَغَزَا يَغْزَى، وَغَسَا اللَّيْلُ يَغْسَى. وَوَجْهُ الشُّذُوذِ فِي أَبَى يَأْبَى: أَنَّهُمْ شَبَّهُوا الأَلِفَ بِالْهَمْزَةِ، فَكَأَنَّ لاَمَ أَبَى وَقَعَتْ هَمْزَةً، فَكَمَا قَالُوا: قَرَأَ يَقْرَأُ بِالفَتْحِ فِي المُضَارِعِ، قَالُوا: أَبَى يَأْبَى لِلشَّبَهِ الَّذِي بَيْنَ الأَلِفِ والهَمْزَةِ.

стр. 24

وَأَمَّا قَلَى يَقْلَى بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَدَاخُلِ اللُّغَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ: قَلِيَ يَقْلَى مِثْلُ: عَلِمَ يَعْلَمُ، وَقَلَى يَقْلِي مِثْلُ ضَربَ يَضْرِبُ، فَأَخَذُوا مُضَارِعَ قَلِيَ بِالكَسْرِ وَرَكَّبُوهُ عَلَى قَلَى بِالفَتْحِ فَقَالُوا: قَلَى يَقْلَى بالفَتْحِ فِيهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَلَى يَقْلَى بِالفَتْحَ جَاءَ عَلَى لُغَةِ طَيّءِ الَّذِين يَقُولُونَ فِي مِثْلِ بَقِيَ يَبْقَى: بَقَى يَبْقَى، وَفِي مِثْلِ دُعِيَ وَبُنِيَ: دُعَى وَبُنَى، قَالَ الشَّاعِرُ: نَسْتَوْقِدُ النَّبْلَ بالحَضِيضِ وَنَصْـ ... طَادُ نُفُوساً بُنَتْ عَلَى الكَرَمِ وَهُوَ قِيَاسٌ عِنْدَهُمْ فِي كُلّ يَاءٍ مَفْتُوحَة فَتْحَةَ بِنَاءٍ وَقَبْلَهَا كَسْرَةٌ، وَصَنَعُوا ذَلِكَ تَخْفِيفاً.

стр. 25

القِسْمُ الرَّابِعُ مَا كَانَ مُضَاعَفاً، وَهُوَ لاَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُتَعَدّياً أَوْ غَيْرَ مُتَعَدّ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَدّياً، فَإِنَّ مُضَارِعَهُ جَاءَ عَلَى (يَفْعُلُ) بِالضَّمّ نَحْوُ: رَدَّ يَرُدُّ. قَالَ الجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ شَذَّ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَفْعَالٍ جَاءَ المُضَارِعُ مِنْهَا بِالضَّمّ عَلَى القِيَاسِ، وَبالكَسْرِ عَلَى السَّمَاعِ، وَذَلِك نَحْوُ: شَدَّهُ يَشُدُّهُ وَيَشِدُّهُ، وَعَلَّهُ ويَعُلُّهُ وَيَعِلُّهُ، وَبَتَّ الشَّيْءَ يَبُتُّه وَيَبِتُّهُ، وَنَمَّ الحَدِيثَ يَنُمُّهُ وَيَنِمُّهُ وَرَمَّ الشَّيْءَ يَرُمُّهُ وَيَرِمُّهُ، وَحَبَّهُ يَحِبُّهُ بالكَسْرِ لاَ غَيْرُ. مَسْأَلَةٌ: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّاعِرِ: أُحِبُّ لِحُبِهَا السُّودَانَ حَتَّى ... أُحِبَّ لِحُبِّهَا سُودَ الكِلاَبِ

стр. 26

يُرْوَى: إِحِبُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وَلَيْسَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَكْسِرُ حَرْفَ المُضَارَعَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي المُضَارِعِ مِنْ (فَعِلَ) بِكَسْرِ العَيْنِ نَحْوُ: نِعْلَمُ وَإِنَّمَا الكَسْرُ هُنَا إِتْبَاعٌ لِكَسْرَةِ الحَاءِ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الإتْبَاعِ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أَنَّ هَذَا الإتْبَاعَ مِنْ أَحِبُّه بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُضَارِعُ حَبَّ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ أُحِبُّه بِضَمِّ الهَمْزَةِ مُضَارِعُ أَحَبَّ، وَمَذْهَبُ سِيبَويْهِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ كَسْرِ الهَمْزَةِ وَكَسْرِ الحَاءِ، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ يَلْزَمُ فِيهِ الفَصْلُ، وَإِنْ كَانَ فِي التَقْدِيرِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ: أُأَحِبُّ فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الهَمْزَتَانِ حُذِفَتِ الثَّانِيَةُ ثُمَّ كُسِرَتِ الأُولَى إتْبَاعاً لِحَرَكَةِ الحَاءِ، فَوَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ التَّابِعِ والمَتْبُوعِ فِي التَّقْدِيرِ بالهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ المَحْذُوفَةِ.

стр. 27

وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ الفَصْلُ فِي الإتْبَاعِ نَحْوُ: مِنْتِنٌ إِلاَّ أَنَّ الأَوْلَى عَدَمُ الفَصْلِ. وَقَدْ زَادَ غَيْرُ الجَوْهَرِيّ فِيمَا شَذَّ: هَرَّ الشَّيْءَ يَهُرُّهُ وَيَهِرُّهُ: إِذَا كَرِهِهُ وَغَدَّ العِرْقُ الدَّمَ يَغُدُّهُ، وَيَغِدُّهُ، وَهَشَّ يَهُشُّ وَيَهِشُّ: إِذَا كَسَّرَ. فَإِنْ كَانَ غَيرَ مُتَعَدٍّ، جَاءَ المُضَارِعُ [عَلَى (يَفْعِلُ)] بِالكَسْرِ نَحْوُ: فَرَّ يَفِرُّ. وَقَدْ شَذَّ مِنْ ذَلِكَ أَفْعَالٌ جَاءَ المُضَارِعُ مِنْهَا بالضَّمّ والكَسْرِ نَحْوُ: [طَلَّ يَطُلُّ وَيَطِلُّ]، وَشَحَّ يَشُحُّ وَيَشِحُّ، وَجَدَّ فِي الأَمْرِ يَجُدُّ وَيَجِدُ، وَصَدَّ: إِذَا ضَجَّ، يَصُدُّ وَيَصِدُّ، وَجَمَّ مِنَ الجِمَامِ يَجُمُّ وَيَجِمُّ، وَفَحَّتِ الأَفْعَى تَفُحُّ وَتَفِحُّ، وَشَبَّ الفَرَسُ يَشُبُّ وَيَشِبّ. وَلاَ أَثَرَ لِحَرْفِ الحَلْقِ، فِي هَذَا القِسْمِ، أَعْني: فِي المُضَاعَفِ،

стр. 28

وَلاَ فِي المُعْتَلّ، وَإِنَّمَا يُفْتَحُ لِحَرْفِ الحَلْقِ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لاَ يَكُونَ مُضَاعَفاً وَلاَ مُعْتَلَّ العَيْن نَحْوُ: سَحَّ المَطَرُ يَسُحُّ، وَكَعَّ يَكِعُّ، وَشَحَّ بِدِينَارِهِ يَشُحُّ، وَجَاءَ يَجِيءُ، وَبَاعَ يَبِيعُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَلِأَيِ شَيْءٍ لَمْ تَقُلْ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ، وَتَذْكُرُ المُعْتَلَّ الفَاءِ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ مُضَارِعَهُ عَلَى (يَفْعِلُ) بالكَسْرِ نَحْوُ: وَعَدَ يَعِدُ؟ فالجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ المُعْتَلَّ الفَاءِ لاَ يُضْبَطُ لِقِلَّتِهِ، وَأَيْضاً فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيمَا كَانَتِ العَيْنُ مِنْهُ حَرْفَ حَلْقٍ عَلَى (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ، وَ (يَفْعَلُ) بِالفَتْحِ نَحْوُ: وَعَدَ يَعِدُ، وَوَغَرَ يَوْغَرُ، وَقَدْ جَاءَ فِيمَا لَيْسَتِ العَيْنُ فِيهِ حَرْفَ حَلْقٍ عَلَى (يَفْعُلُ) بِالضَّمّ نَحْوُ: وَجَدَ يَجُدُ، وَهُوَ شَاذٌّ لاَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والفَصِيحُ: يَجِدُ بالكَسْرِ، وَهُوَ الأَصْلُ، لِأَنَّ الفَاءَ

стр. 29

لاَ تُحْذَفُ إِلاَّ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ ياءٍ وَكَسْرَةٍ. وَقَدْ شَذَّ مِنَ المُضَاعَفِ: كَعَّ يَكَعُّ، وَأَشَذُّ مِنْهُ: عَضَضْتَ تَعَضُّ، وَأَشَذُّ مِنْهُ: دَرَّ وَجْهُ الرَّجُلِ يَدَرُّ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَذَرَّ الرَّجُلُ يَذَرُّ إِذَا شَابَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ بِفَتْحِ الذَّالِ المُعْجَمَةِ، وَجَرَّ: إِذَا جَنَى يَجَرُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وَعَزَّ يَعَزُّ: إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَبَ، وَمِنْهُ: مَنْ عَزَّ بَزَّ، وَغَرَّ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ يَغَرُّ، إِذَا تَصَابَا بَعْدَ حُنْكَةٍ. تَتْمِيمٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الذِي قَرَّرْنَاهُ فِي مُضَارِعِ (فَعَلَ) الصَّحِيحِ مِنْ كَوْنِهِ يَأتِي عَلَى (يَفْعُلُ) وَ (يَفْعِلُ)، وَلَيْسَ أحَدُهُمَا أَفْصَحَ مِنَ الآخَرِ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَلِيّ، لِأَنَّهُ قَالَ: هَذَانِ المِثَالاَنِ، يَعْنِي: (يَفْعُلُ) وَ (يَفْعِلُ)، جَارِيَانِ عَلَى السَّوَاءِ فِي الغَلَبَةِ والكَثْرَةِ.

стр. 30

وَإِلَى هَذَا المَذْهَبِ ذَهَبَ المُبَرّدُ وَثَعْلَب. وَلِلنَّحْوِيِينَ فِي ذَلِكَ أَنْحَاءٌ: فَمَذْهَبُ أَبِي الفَتْحِ بنِ جِنّي على ما نَصَّهُ في "خَصَائِصِهِ" "وَمُنْصِفِهِ"، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَوَالِيفِهِ، أَنَّ (فَعَلَ) مِنْ غَيْر المُتَعَدّي (يَفْعُلُ) بِالضَّمّ فِيهِ أَقْيَسُ مِنْ (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ، وَأَنَّ (فَعَلَ) المُتَعَدِي (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ فِيهِ أَقْيَسُ مِنْ (يَفْعُلُ) بِالضَّمِ؛ فَضَرَبَ يَضْرِبُ عَلَى هَذَا المَذْهَبِ، أَقْيَسُ مِنْ قَتَلَ يَقْتُلُ، وَقَعَدَ يَقْعُدُ أَقْيَسُ مِنْ جَلَسَ يَجْلِسُ؛ وَحُجَّتُهُ أَنَّ (يَفْعُلُ) بِالضَّمّ، قَدِ اسْتَقَرَّ فِيمَا لاَ يَتَعَدَّى نَحْوُ: كَرُمَ يَكْرُمُ، وَظَرُفَ يَظْرُفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَجِيئُهُ عَلَى (فَعَلَ) غَيْرِ المُتَعَدّي أَولَى. وَمَذْهَبُ أَبِي الحَسََنِ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ أَغْلَبُ عَلَى (فَعَلَ) مِنْ (يَفْعُلُ) بِالضَّمّ؛ قَالَ أَبُو عَلِيّ: وَلاَ سَبِيلَ إِلَى حَصْرِ ذَلِكَ، فَيُعْلَمَ أَيُّهُمَا أَغْلَبُ وَأَكْثَرُ.

стр. 31

وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيّ، أَنَّ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ، وَاشْتَهَرَ فِيهِ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ فيه غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى (يَفْعُلُ) بِالضمّ، وَاشْتَهَرَ فِيهِ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ غَيْرُهُ، نَحْوُ: ضَرَبَ يَضْرِبُ وَقَتَلَ يَقْتُلُ، وَمَا لَمْ يَشْتَهِرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَازَ فِيهِ وَجْهانِ. فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنْ مَذَاهِبِ النُّحَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [مصادر فعَل يفعُل ويفعِل] تَكْمِلَةٌ: أَذْكُرُ فِيهَا مَصْدَرَ هَذَا الفِعْلِ الذِي وَضَعْنَا هَذَا الكِتَابَ مِنْ أَجْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَصَادِرَ هَذَا الفِعْلِ مُتَشَعِّبَةٌ، مِنْهَا قِيَاسِيٌّ وَمِنْهَا أَكْثَرِيٌّ؛ وَضَابِطُ ذَلِكَ عَلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الوُسْعُ أَنْ تَقولَ: (فَعَلَ) المَفْتُوحُ العَيْنِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُضَارِعُهُ عَلَى (يَفْعِلُ) بِالكسْرِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى (يَفْعُلُ) بِالضَّمّ.

стр. 32

فَإِنْ كَانَ مُضَارِعُهُ عَلَى (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ، فَلاَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُتَعَدّياً أَوْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ. [قِيَاسُ مَصْدَرِ (فَعَلَ يَفْعِلُ) المُتَعَدّي] أَمَّا المُتَعَدّي، فَقِيَاسُ مَصْدَرِهِ: (فَعْلٌ) نَحْوُ: ضَرْبٍ، وَيَأْتِي عَلَى فِعْلِ، نَحْوُ: حَرَمَهُ حِرْماً، وَعَلَى فَعَلِ نَحْوُ: سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقاً، وَيَأْتِي عَلَى فَعِلٍ نَحْوُ: سَرَقَ سَرِقاً، وَكَذَبَ كَذِباً، وَيَأْتِي عَلَى فُعْلَةٍ نَحْوُ: رَقَيْتُ الصَّبِيَّ رُقْيَةً، وَعَلَى فِعَالٍ نَحْوُ: نَكَحَ نِكَاحاً، وَ [كَذَبَ] كِذَاباً، وَعَلَى فَعِلَةٍ نَحْوُ: سَرَقَ سَرِقَةً، وَعَلَى فُعُولٍ نَحْوُ: وَرَدَ وُرُوداً، وَعَلَى فَعَلَةٍ نَحْوُ: غَلَبَهُ غَلَبَةً، وَعَلَى فُعُلَّةِ نَحْوُ: غَلَبَهُ غُلُبَّةً، وَعَلَى فُعُلَّى نحو: غَلَبَهُ غُلُبَّى، وَعَلَى فُعْلَى نَحْو: رَجَعَ زَيْدٌ عَمْراً رُجْعَى، وَعَلَى فِعْلَةٍ نَحْوُ: حَمَيْتُ المَكَانَ حِمْيَةً، وَعَلَى فِعَالَةٍ نَحْوُ: حَمَيْتُ المَكَانَ حِمَايَةً، وَعَلَى فَعِيلَةٍ نَحْوُ: حَرَمَهُ حَرِيمَةً،

стр. 33

وَعَلَى فِعَلٍ، نَحْوُ: قَرَيْتُ الضَّيْفَ قِرَىً وَعَلَى فَعَالٍ نَحْوُ: قَرَيْتُ الضَّيْفَ قَرَاءً، وَعَلَى فَعِيلِ نَحْوُ: حَرَمَهُ حَرِيماً، وَعَلَى فُعْلاَنٍ نَحْوُ: غَفَرَ غُفْرَاناً، وَعَلَى فَعْلاَنٍ نَحْوُ: لَوَى زَيْدٌ عَمْراً حَقَّهُ لَيَّانَا، وَعَلَى فِعْلاَنٍ نَحْوُ: حَرَمَهُ حِرْمَاناً، وَلَوَيْتُهُ حَقَّهُ لِيَّاناً، وَعَلَى فَعَلاَنٍ نَحْوُ: نَفَتِ الرّيحُ التّرَابَ نَفَيَاناً، وَعَلَى فُعَلٍ نَحْوُ: هَدَيْتُهُ هُدًى، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالمُعْتَلِ اللاَّمِ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَدِّياً كَهَدَيْتُهُ هُدًى، أَوْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ كَسَرَى يَسْرِي سُرىً، وَعَلَى فِعِّيلَى نَحْوُ: الرّمِّيَا لِكَثْرَةِ الرَّمْيِ، وَعَلَى مَفْعِلٍ نَحْوُ: المَرْجِع، وَعَلَى مَفْعِلَةٍ كَالمَعْرِفَةِ. انتَهَتْ مَصَادِرُ (فَعَلَ يَفْعِلُ) المُتَعَدِّي عَلَى قَدْرِ الاسْتِطَاعَةِ. [مَصَادِرُ (فَعَلَ يَفْعِلُ) غَيْرِ المُتَعَدِّي] وَأَمَّا غَيْرُ المُتَعَدِي مِنْ (فَعَلَ يَفْعِلُ)، فَالأَكْثَرُ فِي مَصْدَرِهِ أَنْ يَأْتِي عَلَى (فُعُولٍ)، نَحْوُ: جَلَسَ جُلُوساً، وَمَضَى مُضِيّاً. وَيَأْتِي عَلَى فَعْلٍ نَحْوُ: عَجَزَ عَجْزاً، وَعَلَى فُعْلٍ نَحْوُ: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلاً، وَعَلَى فِعْلَةِ "نَحْوُ" ذَلَّ ذِلَّةً،

стр. 34

وَعَلَى فِعْلٍ نَحْوُ: ذَلَّتِ الدَّابَّةُ ذِلاًّ، وَعَلَى فَعِلٍ نَحْوُ: حَلَفَ حَلِفاً وَعَلَى فُعَالٍ نَحْوُ: عَطَسَ يَعْطِسُ عُطَاساً، وَعَلَى فَعَلاَن نَحْوُ: غَلَتِ القِدْرُ غَلَيَاناً، وَعَلَى فَعُولٍ نَحْوُ: وَقَدَتِ النَّارُ وَقُوداً، وَعَلَى فِعَالٍ نَحْوُ: صَاحَ يَصِيحُ صِيَاحاً، وَعَلَى فَعَالٍ وَفَعِيلَةٍ نَحْوُ: شَبَّ الصَّبِيُّ شَبَاباً وَشَبِيبَةً، وَعَلَى فَعِيلٍ نَحْوُ: وَجَبَ القَلْبُ وَجِيباً، وَعَلَى فَعْلَةٍ نَحْوُ: وَجَبَ الحَائِطُ، وَجْبَةً، وَعَلَى فِعَلٍ نَحْوُ: زَنَى يَزْنِي زِنىً، وَعَلَى فُعَلِ نَحْوُ: سَرَى يَسْرِي سُرىً. وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَعَلَى مَفْعَلَةٍ نَحْوُ: عَدَلَ عَلَيْهِمْ مَعْدَلَةً، وَقَدَرْتُ عَلَى الشَّيْءِ مَقْدَرَةً، وَعَلَى مَفْعُلَةٍ وَفُعْلَةٍ وَفِعْلاَنٍ نَحْوُ: قَدَرْتُ عَلَى الشَّيْءِ مَقْدُرَةً وَقُدْرَةً وَقِدْرَاناً، وَعَلَى مَفْعِلَةٍ نَحْوُ: عَدَلَ عليهم مَعْدِلَةً، وَعَجَزَ مَعْجِزَةً، وَعَلَى فِعَالَةٍ نَحْوُ: نَكَيْتُ فِي العَدُوِ نِكَايَةً وَعَلَى مَفْعِلٍ نَحْوُ: عَجَزَ مَعْجِزاً. انْتَهَتْ مَصَادِرُ (فَعَلَ يَفْعِلُ) المُتَعَدِّي وَغَيْرُ المُتَعَدِّي.

стр. 35

[قِيَاسُ مَصْدَرِ (فَعَلَ يَفْعُلُ)] فَإِنْ كَانَ مُضَارِعُ (فَعَلَ) عَلَى (يَفْعُلُ) بِالضَّمِ، فَلاَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّياً أَوْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ: [قِيَاسُ مَصْدَرِ (فَعَلَ يَفْعُلُ) المُتَعَدِّي] فَأَمَّا المُتَعَدِّي، فَقِيَاسُ مَصْدَرِهِ (فَعْلٌ) نَحْوُ: قَتَلَ يَقْتُلُ قَتْلاً، وَيَأْتِي عَلَى فُعْلٍ نَحْوُ: شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْراً، وَعَلَى فِعْلٍ نَحْوُ: ذَكَرَ ذِكْراً، وَعَلَى فَعَلٍ نَحْوُ: حَلَبَ يَحْلُبُ حَلَباً، وَعَلَى فَعِلٍ نَحْوُ: خَنَقَهُ خَنِقاً، وَعَلَى فُعُولٍ نَحْوُ: شَكَرَ شُكُوراً، وَعَلَى فِعْلَةٍ نَحْوُ: نَشَدَهُ نِشْدَةً وَعَلَى فُعْلَةٍ نَحْوِ: نَدَبَهُ يَنْدُبُهُ نُدْبَةً، وَعَلَى فِعَالَةٍ نَحْوُ: نَجَرَ نِجَارَةً، وَعَلَى فُعْلاَنٍ نَحْوُ: شَكَرَ شُكْرَاناً، وَعَلَى فِعْلَى نَحْوُ: ذَكَرَ ذِكْرَى، وَعَلَى فَعْلَى نَحْوُ: دَعَا يَدْعُو دَعْوَى، وَعَلَى فُعْلَى نَحْوُ: بَشَرْتُهُ أَبْشُرُهُ بُشْرَى، وَعَلَى فِعَالٍ نَحْوُ: كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَاباً، وَعَلَى مَفْعَلٍ نَحْوُ: قَتَلَ مَقْتَلاً، وَقَالُوا: أَكْرَهُ مَقَالَ النَّاسِ، وَقَالُوا: المَرَدُّ والمَكَرُّ والمَفَرُّ،

стр. 36

وَعَلَى مَفْعَلَةٍ نَحْوُ: دَعَاهُ مَدْعَاةً وَعَلَى تِفْعَالٍ نَحْوُ: التِقْتَالُ. انْتَهَتْ مَصَادِرُ (فَعَلَ يَفْعُلُ) المُتَعَدّي. [قِيَاسُ مَصَادِرِ (فَعَلَ يَفْعُلُ) غَيْرِ المُتَعَدّي] وَأَمَّا غَيْرُ المُتَعَدِي مِنْ (فَعَلَ يَفْعُلُ)، فَالأَكْثَرُ فِي مَصْدَرِهِ: (فُعُولٌ) نَحْوُ: خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوجاً، وَيَأْتِي عَلَى فَعْلٍ نَحْوُ: سَكَتَ يَسْكُتُ سَكْتاً، وَعَلَى فُعْلٍ نَحْوُ: مَكَثَ يَمْكُثُ مُكْثاً، وَعَلَى فِعْلٍ نَحْوُ: فَسَقَ يَفْسُقُ فِسْقاً، وَعَلَى فَعَلٍ نَحْوُ: رَقَصَ رَقَصاً، وَعَلَى فَعَالٍ نَحْوُ: ثَبَتَ يَثْبُتُ ثَبَاتاً، وَعَلَى فِعَالٍ نَحْوُ: قَامَ قِيَاماً، وَعَلَى فِعَالَةٍ نَحْوُ: قَافَ يَقُوفُ قِيَافَةً، وَعَلَى فُعَالٍ نَحْوُ: صَرَخَ يَصْرُخُ صُرَاخاً، وَعَلَى فَعَلاَنٍ نَحْوُ: نَزَا يَنْزُو نَزَواناً، وَعَلَى فَعِيلٍ نَحْوُ: خَبَّ يَخُبُّ خَبِيباً، وَعَلَى مَفْعَلٍ نَحْوُ: رَامَ يَرُومُ مَرَاماً، وَعَلَى مَفْعِلٍ نَحْوُ: المَطْلِع، وَهِيَ تَمِيمَيَّةٌ، وَيُقَالُ: المَطْلَعُ وَهِيَ حِجَازِيَّةٌ. انْتَهَتْ مَصَادِرُ (فَعَلَ) المُتَعَدِّي وَغَيْرِ المُتَعَدِّي.

стр. 37

[قياس اسم المرة من مصادر (فَعَلَ يَفْعِلُ وَيَفْعُلُ وَيَفْعَلُ)] فَإِنْ أَرَدْتَ المَرَّةَ الوَاحِدَةَ مِنْ مَصْدَرِ هَذَا الفِعْلِ، قُلْتَ: (فَعْلَةٌ) بِفَتْحِ الفَاءِ وَسُكُونِ العَيْنِ نَحْوُ: ضَرَبَ ضَرْبَةً، وَقَتَلَ قَتْلَةً، وَقَعَدَ قَعْدَةً، وَنَامَ نَوْمَةً، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ (فَعْلاً) هُوَ الأَصْلُ فِي المَصَادِرِ لِلرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي المَرَّةِ الوَاحِدَةِ، هَذَا مَا لَمْ يَكُنِ المَصْدَرُ خَالِياً مِنَ التَّاءِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ التَّاءُ تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ، فَتَقُولُ: كَدَرَ المَاءُ يَكْدُرُ كُدْرَةً إِذَا أَرَدْتَ مُطْلَقَ المَصْدَرِ، وَكُدْرَةً: إِذَا أَرَدْتَ المرَّةَ الوَاحِدَةَ، وَيَقَعُ الفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالصِفَةِ نَحْوُ: كُدْرَةً وَاحِدَةً، أَوْ بِقَرِينَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ. وَشَذَّ عَمَّا أَصَّلْنَاهُ: أَتَيْتُهُ إِتْيَانَةً وَقَامَ قِيَامَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ جَاءَ عَلَى مَا قُلْنَاهُ لَكَانَ: أَتْيَةً وَقَوْمَةً. [قِيَاسُ اسْمِ الهَيْئَةِ مِنْ مَصَادِرِ هَذَا الفِعْلِ] فَإِنْ أَرَدْتَ الهَيْئَةَ مِنْ هَذَا المَصْدَرِ قُلْتَ: (فِعْلَةٌ) بِكَسْرِ الفَاءِ نَحْوُ: الجِلْسَة والمِشْيَة. [وَضْعُ اسْمِ الفَاعِلِ وَاسْمِ المَفْعُولِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ] وَقَدْ يَضَعُونَ اسْمَ الفَاعِلِ وَاسْمَ المَفْعُولِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: [عَلَى قَسَمٍٍ لاَ أَشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا] وَلاَ خَارِجاً مِنْ فِيَّ زُورُ كَلاَمِ

стр. 38

يُرِيدُ: وَلاَ أخْرُجُ خُرُوجاً. وَقَالَ الآخَرُ: كَفَا بِالنَّأْيِ مِنْ أَسْمَاءَ كافِ ... وَلَيْسَ لِحُبِّهَا إِذْ طالَ شَافِ فَأوْقَعَ اسْم الفَاعِلِ وَهُوَ كَافٍ مَوْقِعَ كِفَايَةٍ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ كَافِياً، وَلَكِنَّ الشَّاعِرَ حَذَفَ الفَتْحَةَ كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ وَالكَسْرَةُ مِنَ المَنْقُوصِ وَهُوَ شَاذٌّ. وَمِثَالُ وَضْعِ اسْمِ المَفْعُولِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، مَا حَكَاهُ الجَوْهَرِيُّ فِي "الصِّحَاحِ"، فَقَالَ: يُقَالُ: حَلَفَ حَلْفاً، بِفَتْحِ الحَاءِ وَسُكُونِ اللاَّمِ، وَحَلِفاً، بِفَتْحِ الحَاءِ وَكَسْرِ اللاَّم، وَمَحْلُوفاً، وَهُوَ مِمَّا جَاءَ مِنَ المَصَادِرِ عَلَى (مَفْعُولٍ)،

стр. 39

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ المَفْتُونَ يُرَادُ بِهِ: المَصْدَرُ، أَيْ: الفِتْنَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ عَلَى بَابِهِ، وَجَعَلَ البَاءَ فِي: (بِأَيِِّكُمْ) زَائِدَةً، وَالتَقْدِيرُ: أَيُّكُمُ المَفْتُونُ. وَاعْلَمْ أَنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يُثْبِتْ وَضْعَ اسْمِ المَفْعُولِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وَأَثْبَتَهُ غَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الفِعْلَ يَأْتِي لَهُ مَصْدَرَانِ وَثَلاَثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ نَحْوُ: كَذَبَ كَذِباً وَكِذَاباً، وَغَلَبَهُ غَلَبَةً وَغُلُبَّةً وَغُلُبَّى، وَحَرَمَهُ حَرِماً وَحَرِيمَةً وَحَرِيماً وَحِرْمَاناً. وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ القَطَّاعِ نَقَلَ لِشَنِئْتُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَصْدَراً، وَهِيَ:

стр. 40

شَنْءٌ، وَشُنْءٌ، وَشِنْءٌٌ، كَضَرْبٍ وَشُغْلٍ وَفِسْقٍ، وَشَنَأٌ كَنَدَمٍ، وَشَنَأَةٌ كَغَلَبَةٍ، وَشَنَاءَةٌ كَنَدَامَةٍ، وَمَشْنَأٌ كَمَدْخَلِ، وَمَشْنَاةٌ كَمَسْعَاةٍ، أَصْلُهُ: مَسْعَيَةٌ، وَمَشْنِئَةٌ، كَمَحْمِدَةٍ، وَشَنْأَةٌ كَرَحْمَةٍ، وَشَنْآنٌ كَلَيَّانٍ، وَشُنْآنٌ كَغُفْرَانٍ، وَشِنْآنٌ كَحِرْمانٍ وَشَنَآنٌ كَخَفَقَانٍ. [قِيَاسُ اسْمِ اسْم الزَّمان والمكَان مِن هَذَا الفِعْلِ] فَإِنْ أَرَدْتَ اسْمَ الزَّمَانِ والمَكَانِ والمَصْدَرِ، فَلاَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ المُضَارِعُ عَلَى (يَفْعُلُ) بِضَمِ العَيْنِ، أَوْ عَلَى (يَفْعَلُ) بِفَتْحِهَا أَوْ عَلَى (يَفْعِلُ) بِكَسْرِهَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى (يَفْعُلُ) بِالضَّم أَوْ عَلَى (يَفْعَلُ) بالفَتْحِ، فَالمَصْدَرُ وَالزَّمَانُ وَالمَكَانُ مِنْهُ: (مَفْعَلٌ) بِفَتَحْ العَيْنِ نَحْوُ: المَقْعَد والمَذْهَب، فَإِنْ كَانَ عَلَى (يَفْعِلُ) بِالكَسْرِ، فَإِنَّهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ اللام مِنْهُ مُعْتَلَّةً نَحْوُ: يَرْمِي، فَالمَصْدَرُ وَالزَّمَانُ وَالمَكَانُ مِنْهُ عَلَى (مَفْعَل) بِفَتْحِ العَيْنِ أَيْضاً، سَوَاءٌ كَانَتِ الفَاءُ وَاواً أَوْ غَيْرَ وَاوٍ، نَحْوُ: مَرْمًى وَمَرْقَى. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ اللاَّمَ صَحِيحَةً وَالفَاءُ وَاواً، فالمَصْدَرُ وَالزَّمَانُ والمَكَانُ مِنْهُ عَلَى (مَفْعِل) بِكَسْرِ العَيْنِ نَحْوُ: المَوْعِدُ.
следующие страницы →